الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٨ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال مجاهد : كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ، يقولون : نطوف كما ولدتنا أمهاتنا .
فتضع المرأة على فرجها النسعة ، أو الشيء وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فأنزل الله تعالى ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) الآية .
قلت : كانت العرب - ما عدا قريشا - لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها ، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ، وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم ، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه ، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ، فمن لم يجد ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسي ثوبا ، طاف عريانا .
وربما كانت امرأة فتطوف عريانة ، فتجعل على فرجها شيئا يستره بعض الشيء وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله .
وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل ، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم ، واتبعوا فيه آباءهم ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك ، فقال : ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) فقال تعالى ردا عليهم : ( قل ) أي : قل يا محمد لمن ادعى ذلك : ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي : هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة ، والله لا يأمر بمثل ذلك ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) أي : أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته .
القول في تأويل قوله : وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قال أبو جعفر: ذكر أن معنى " الفاحشة "، في هذا الموضع, (42) ما:- 14462- حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي قال، حدثنا أبو محياة، عن منصور, عن مجاهد: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها)، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, يقولون: " نطوف كما ولدتنا أمهاتنا ", فتضع المرأة على قُبُلها النِّسعة أو الشيء، (43) فتقول: الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ (44) * * * 14463- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد في قوله: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا)، فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.
14464- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن مفضل, عن منصور, عن مجاهد, مثله.
14464- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير والشعبي: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا)، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة.
14465- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها)، قال: كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة, فإذا قيل: لم تفعلون ذلك؟
قالوا: وجدنا عليها آباءنا, والله أمرنا بها.
14466- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (وإذا فعلوا فاحشة)، قال: طوافهم بالبيت عراة.
14467- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا)، قال: في طواف الحُمْس في الثياب، وغيرهم عراة.
(45) 14468- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, قوله: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا)، قال: كان نساؤهم يطفن بالبيت عراة, فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء)، الآية.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله، الذين جعل الله الشياطين لهم أولياء، قبيحًا من الفعل، وهو " الفاحشة ", وذلك تعرِّيهم للطواف بالبيت وتجردهم له, فعُذِلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه, قالوا: " وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا, فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون, ونقتدي بهديهم، ونستنّ بسنتهم, والله أمرنا به, فنحن نتبع أمره فيه ".
يقول الله جل ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهم: " إن الله لا يأمر بالفحشاء ", يقول: لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومساويها =" أتقولون "، أيها الناس،" على الله ما لا تعلمون " ، يقول: أتروون على الله أنه أمركم بالتعرِّي والتجرد من الثياب واللباس للطواف, (46) وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك؟
------------------ الهوامش : (42) انظر تفسير (( الفاحشة )) ، و (( الفحشاء )) فيما سلف : ص : 218 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(43) (( القبل )) ( بضمتين ) : فرج المرأة والرجل .
و (( النسعة )) : قطعة من الجلد مضفورة عريضة ، تجعل على صدر البعير .
(44) الأثر : 14462 - (( أبو محياة )) ، هو (( يحيى بن يعلي بن حرملة التيمي )) ، ثقة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4 /2 / 311 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 196 .
ةسيأتي تخريج الخبر في تخريج الآثار : 14503 - 14506 .
(45) (( الحمس )) ، جمع (( أحمس )) هم قريش ، لتشددهم في دينهم ، وانظر تفسير ذلك مفصلا فيما سلف 3 : 557 ، تعليق : 1 ، وانظر الأثر رقم : 3832 ، وأنها : (( ملة قريش )) .
(46) هكذا في المطبوعة والمخطوطة : (( أتروون على الله )) ، وأنا أرجح أن الصواب (( أتزورون )) ، أي : أتقولون الزور والكذب .
قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة .
وقال الحسن : هي الشرك والكفر .
واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم ، وبأن الله أمرهم بها .
وقال الحسن : والله أمرنا بها قالوا : لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه .
قل إن الله لا يأمر بالفحشاء بين أنهم متحكمون ، ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا .
وقد مضى ذم التقليد وذم كثير من جهالاتهم .
وهذا منها .
يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب، وينسبون أن الله أمرهم بها.
{ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } وهي: كل ما يستفحش ويستقبح، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة { قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } وصدقوا في هذا.
{ وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } وكذبوا في هذا، ولهذا رد اللّه عليهم هذه النسبة فقال: { قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } أي: لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره { أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وأي: افتراء أعظم من هذا"
( وإذا فعلوا فاحشة ) قال ابن عباس ومجاهد : هي طوافهم بالبيت عراة .
وقال عطاء : الشرك والفاحشة ، اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح .
( قالوا وجدنا عليها آباءنا ) وفيه إضمار معناه : وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا .
قيل : ومن أين أخذ آباؤكم ؟
قالوا : ( والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون )
«وإذا فعلوا فاحشة» كالشرك وطوافهم بالبيت عراة قائلين لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها فنهوا عنها «قالوا وجدنا عليها آباءنا» فاقتدينا بهم «والله أمرنا بها» أيضا «قل» لهم «إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون» أنه قاله، استفهام إنكار.
وإذا أتى الكفار قبيحًا من الفعل اعتذروا عن فعله بأنه مما ورثوه عن آبائهم، وأنه مما أمر الله به.
قل لهم -أيها الرسول-: إن الله تعالى لا يأمر عباده بقبائح الأفعال ومساوئها، أتقولون على الله -أيها المشركون- ما لا تعلمون كذبًا وافتراءً؟
ثم حكى القرآن بعض القبائح التى كان يفعلها المشركون ، ورد عل أكاذيبهم بما يدحضها فقال : ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً .
.
.
) .الفاحشة : هى كل فعل قبيح يتنافى مع تعاليم الشريعة مثل الإشراك بالله ، والطواف بالبيت الحرام بدون لباس يستر العورة .قال الإمام ابن كثير : " كانت العرب - ما عدا قريشا - لا يطوفون بالبيت الحرام فى ثيابهم التى لبسوها ، يتأولون فى لك أنهم لا يطوفون فى ثياب عصوا الله فيها ، وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون فى ثيابهم ، ومن أعاره أحمسى ثوبا طاف فيه ، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ، ومن لم يجد ثوبا جديداً ولا أعاره أحمسى ثوبا طاف عريانا ، وربما كانت المرأة تطوف عريانة ، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر ، وأكثر ما كان النساء يطفن عراة ليلا ، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم ، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله فأنكر الله عليهم ذلك وقال : ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا ) .فالآية الكريمة تحكى عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يرتكبون القبائح التى نهى الله عنها كالطواف بالكعبة عرايا ، وكالإشراك بالله ، ثم بعد ذلك يحتجون بأنهم قد وجدوا آباءهم كذلك يفعلون ، وبأن الله قد أمرهم بذلكن ولا شك أن احتجاجهم هذا من الأكاذيب التى ما أنزل الله بها من سلطان ، ولذا عاجلهم القرآن بالرد المفحم ، فقال : ( قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .أى : قل يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب : إن كلامكم هذا يناقضه العقل والنقل .
أما أن العقل يناقضه ويكذبه .
فلأنه لا خلاف بيننا وبينكم فى أن ما تفعلونه هو من أقبح القبائح بدليل أن بعضكم قد تنزه عن فعله ، وأما أن النقل يناقضه ويكذبه فلأنه لم يثبت عن طريق الوحى أن الله أمر بهذا ، بل الثابت أن الله لا يأمر به ، لأن الفاحشة فى ذاتها تجاوز لحدود الله ، وانتهاك لحرماته ، فهل من المعقول أن يأمر الله بانتهاك حدوده وحرماته؟
والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَتَقُولُونَ ) للإنكار والتوبيخ وفيه معنى النهى .
اعلم أن في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة وغيرهما، وفيهم من حمله على أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، والأولى أن يحكم بالتعميم، والفحشاء عبارة عن كل معصية كبيرة، فيدخل فيه جميع الكبائر، واعلم أنه ليس المراد منه أن القرم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش.
ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها، فإن ذلك لا يقوله عاقل.
بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات، وإن الله أمرهم بها، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين.
أحدهما: أنا وجدنا عليها آباءنا.
والثاني: أن الله أمرنا بها.
أما الحجة الأولى: فما ذكر الله عنها جواباً، لأنها إشارة إلى محض التقليد، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة، فلو كان التقليد طريقاً حقاً للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقاً ومعلوم أنه باطل، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهراً جلياً لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه.
وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: ﴿ والله أَمَرَنَا بِهَا ﴾ فقد أجاب عنه بقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء ﴾ والمعنى أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها؟
وأقول للمعتزلة أن يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه، ثم إنه تعالى نهى عنه لكونه مشتملاً على ذلك الوجه، لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء ﴾ إشارة إلى أنه لما كان ذلك موصوفاً في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع أن يأمر الله به، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايراً لتعلق الأمر والنهب به، وذلك يفيد المطلوب.
وجوابه: يحتمل أنه لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون مصلحة للعباد، ولا ينهي إلا عما يكون مفسده لهم، فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى.
والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: المراد منه أن يقال: إنكم تقولون إن الله أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن الله أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي إلى الأنبياء؟
أما الأول: فمعلوم الفساد بالضرورة.
وأما الثاني: فباطل على قولكم، لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق، لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش، وهم كانوا ينكرون أصل النبوة، وإذا كان الأمر كذلك، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام الله تعالى، فكان قولهم أن الله أمرنا بها قولاً على الله تعالى بما لا يكون معلوماً.
وإنه باطل.
البحث الثاني: نفاة القياس قالوا: الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير معلوم، وما لا يكون معلوماً لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم والسخرية: ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وجواب مثبتي القياس عن أمثال هذه الدلالة قد ذكرناه مراراً.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الفاحشة: ما تبالغ في قبحه من الذنوب، أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأن الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها.
وكلاهما باطل من العذر لأن أحدهما تقليد والتقليد ليس بطريق للعلم.
والثاني: افتراء على الله وإلحاد في صفاته، كانوا يقولون: لو كره الله منا ما نفعله لنقلنا عنه.
وعن الحسن: إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله.
وتصديقه قول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء ﴾ لأن فعل القبح مستحيل عليه لعدم الداعي ووجود الصارف، فكيف يأمر بفعله ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ إنكار لإضافتهم القبيح إليه وشهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط.
وقيل: المراد بالفاحشة: طوافهم بالبيت عراة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً ﴾ فِعْلَةً مُتَناهِيَةً في القُبْحِ كَعِبادَةِ الصَّنَمِ وكَشْفِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ.
﴿ قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها ﴾ اعْتَذَرُوا واحْتَجُّوا بِأمْرَيْنِ تَقْلِيدِ الآباءِ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَأعْرَضَ عَنِ الأوَّلِ لِظُهُورِ فَسادِهِ ورَدَّ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ ﴾ لِأنَّ عادَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَرَتْ عَلى الأمْرِ بِمَحاسِنِ الأفْعالِ، والحَثِّ عَلى مَكارِمِ الخِصالِ.
ولا دَلالَةَ عَلَيْهِ عَلى أنَّ قُبْحَ الفِعْلِ بِمَعْنى تَرَتُّبِ الذَّمِّ عَلَيْهِ آجِلًا عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُرادَ بِالفاحِشَةِ ما يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ ويَسْتَنْقِصُهُ العَقْلُ المُسْتَقِيمُ.
وقِيلَ هُما جَوابا سُؤالَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم لَمّا فَعَلُوها: لِمَ فَعَلْتُمْ ؟
فَقالُوا: وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا.
فَقِيلَ ومِن أيْنَ أخَذَ آباؤُكم ؟
فَقالُوا: اللَّهُ أمَرَنا بِها.
وعَلى الوَجْهَيْنِ يَمْتَنِعُ التَّقْلِيدُ إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِهِ لا مُطْلَقًا.
﴿ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ إنْكارٌ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة} ما يبالغ في قبحه
الأعراف (٢٨ _ ٣١)
من الذنوب وهو طوافهم بالبيت عراة وشركهم {قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أَمَرَنَا بِهَا} أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آبائهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها حيث أقرنا عليها إذ لو كرهها لنقلنا عنها وهما باطلان لأن أحدهما تقليد للجهال والثاني افتراء على ذي الجلال {قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء} إذ المأمور به لا بد أن يكون حسناً وإن كان فيه على مراتب على ما عرف في أصول الفقه {أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً ﴾ جُمْلَةُ مُبْتَدَأٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وجُوِّزَ عَطْفُها عَلى الصِّلَةِ والفاحِشَةُ الفِعْلَةُ القَبِيحَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ والتّاءُ إمّا لِأنَّها مُجْراةٌ عَلى المَوْصُوفِ المُؤَنَّثِ أيْ فِعْلَةٌ فاحِشَةٌ وإمّا لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ والمُرادُ بِها هُنا عِبادَةُ الأصْنامِ وكَشْفُ العَوْرَةِ في الطَّوافِ ونَحْوُ ذَلِكَ.
وعَنِ الفَرّاءِ تَخْصِيصُها بِكَشْفِ العَوْرَةِ وفي الآيَةِ عَلى ما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ حَذْفٌ أيْ وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً فَنُهُوا عَنْها ﴿ قالُوا ﴾ جَوابٌ لِلنّاهِينَ ﴿ وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها ﴾ مُحْتَجِّينَ بِأمْرَيْنِ تَقْلِيدِ الآباءِ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَقْدِيمُ المُقَدَّمِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَهم أوْ لِلْإشارَةِ مِنهم إلى أنَّ آباءَهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ ضَمِيرَ ﴿ أمَرَنا ﴾ كَما قِيلَ لَهم ولِآبائِهِمْ وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ وجْهُ الإعْراضِ عَنِ الأوَّلِ في رَدِّ مَقالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ ﴾ فَإنَّ عادَتَهُ تَعالى جَرَتْ عَلى الأمْرِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ والحَثِّ عَلى مَكارِمِ الخِصالِ وهو اللّائِقُ بِالحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ أنْ لا يُتَخَلَّفَ وقالَ الإمامُ لَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ جَوابًا عَنْ حُجَّتِهِمُ الأُولى لِأنَّها إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ وقَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّهُ طَرِيقَةٌ فاسِدَةٌ لِأنَّ التَّقْلِيدَ حاصِلٌ في الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا لَزِمَ القَوْلُ بِحَقِّيَّةِ الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ وأنَّهُ مُحالٌ فَلَمّا كانَ فَسادُ هَذا الطَّرِيقِ ظاهِرًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى الجَوابَ عَنْهُ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الإعْراضَ إنَّما هو عَنِ التَّصْرِيحِ بِرَدِّهِ وإلّا فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ ) ..
إلَخْ.
مُتَضَمِّنٌ لِلرَّدِّ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أمَرَ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ كَيْفَ يُتْرَكُ أمْرُهُ لِمُجَرَّدِ اتِّباعٍ الآباءِ فِيما هو قَبِيحٌ عَقْلًا والمُرادُ بِالقُبْحِ العَقْلِيِّ هُنا نَفْرَةُ الطَّبْعِ السَّلِيمِ واسْتِنْقاصُ العَقْلِ المُسْتَقِيمِ لا كَوْنَ الشَّيْءِ مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ وهو المُتَنازَعُ فِيهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ دُونَ الأوَّلِ كَما حُقِّقَ في الأُصُولِ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى ما زَعَمُوهُ وقِيلَ: إنَّ المَذْكُورَ جَوابًا لِسُؤالَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم لَمّا فَعَلُوها لِمَ فَعَلْتُمْ قالُوا: وجَدْنا آباءَنا فَقِيلَ ومِن أيْنَ أخَذَ آباؤُكم فَقالُوا اللَّهُ أمَرَنا بِها والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أمَرَ آباءَنا وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ والعُدُولُ عَنْ أمْرِهِمُ الظّاهِرِ حِينَئِذٍ لِلْإشارَةِ إلى ادِّعاءِ أنَّ أمْرَ آبائِهِمْ أمْرٌ لَهم وعَلى الوَجْهَيْنِ يَمْتَنِعُ التَّقْلِيدُ إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِهِ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المَنعِ مِنَ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا.
﴿ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ (28) مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ والإشارَةُ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى ما لا يَعْلَمُونَ صُدُورَهُ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ مَعَ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما يَعْلَمُ عَدَمَ صُدُورِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ تِلْكَ الصُّورَةِ ولا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن نَفى القِياسَ بِناءً عَلى أنَّ ما يَثْبُتُ بِهِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومَ لِأنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ مِن عُمُومِها بِإجْماعِ الصَّحابَةِ ومَن يُعْتَدُّ بِهِ أوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ وقِيلَ المُرادُ بِالعِلْمِ ما يَشْمَلُ الظَّنَّ <div class="verse-tafsir"
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يقول خلقنا لكم الثياب يُوارِي سَوْآتِكُمْ يعني يستر عوراتكم، ويقال معناه أنزلنا عليكم المطر ينبت لكم القطن والكتَّان لباساً لكم وَرِيشاً قرأ الحسن البصري ورياشاً بالألف.
وقرأ غيره وريشاً بغير ألف وقال القتبي: الريش والرياش ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به.
ويقال: الرياش: المال والمعاش.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.
قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبي أمامة عن عوف بن أبي جميلة عن معبد الجهني في قوله: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً قال: هو ما تلبسون ورياشاً قال المعاش وَلِباسُ التَّقْوى هو الحياء ذلِكَ خَيْرٌ أي لباس التقوى وهو الحياء خير من الثياب، لأن الفاجر إنْ كان حسن الثياب فإنه بادي العورة ألا ترى إلى قول الشاعر حيث يقول: إني كأني أرى من لا حياء له ...
ولا أمانة وسط القوم عريانا وقال القتبي: لِباسُ التَّقْوى أي ما ظهر عليه من السكينة والوقار والعمل الصالح كما قال: لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: 112] أي ما ظهر عليهم من سوء آثارهم وتغيُّر حالهم.
ويقال: لِباسُ التَّقْوى الإيمان.
ويقال: العفة.
قرأ نافع والكسائي وابن عامر لِباسُ التَّقْوى بالنصب يعني: أنزل لباس التقوى ومعناه: ستر العورة.
وقرأ الباقون بالضم لِبَاسُ على معنى الابتداء.
ويقال: فيه مضموم يعني: هو لِباسُ التَّقْوى ومعناه: ستر العورة أي لباسُ المتقين.
وقرأ عبد الله بن مسعود وَلِباسُ التَّقْوى خير.
وقال مجاهد: كان أناس من العرب يطوفون حول البيت عراة فنزل قوله تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً يعني: من المال.
ويقال: معنى قوله: ذلِكَ خَيْرٌ يعني: اللباس خير من تركه لأنهم كانوا يطوفون عراة.
قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي من نعم الله على الناس، ويقال: من عجائب الله ودلائله.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: يتّعظون.
قوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ يقول: لا يضلّنّكم الشيطان عن طاعتي فيمنعكم من الجنة كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ حين تركا طاعتي وعصيا أمري يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما يعني: لا يفتنّنكم الشيطان عن دينكم في أمر الثياب فينزعها عنكم، فتبدو عوراتكم، كما فعل بأبويكم، نزع عنهما لباسهما وأظهر عورتهما.
وقال بعض الحكماء: إنّ المعصية شؤم تضر بصاحبها فتجعله عرياناً كما فعلت بآدم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يعني: كونوا بالحذار منه، فإنه يراكم هو أي إبليس وجنوده من الشياطين من حيث لا ترونهم.
يعني: كونوا على حذر لأنه يجري من بني آدم مجرى الدم وذكر أن إبليس لما لعن قال رب: إنّك باعث إلى بني آدم رسلاً وكتباً، فما رسلي؟
قال: الكهنة.
قال: فما كتابي؟
قال: الوشم.
قال: فما قراءتي قال: الشعر قال: فما مسجدي؟
قال: السوق.
قال: فما مؤذني؟
قال: المزامير.
قال: فما بيتي؟
قال: الحمام.
قال: فما مصائدي؟
قال النساء.
قال: فما طعامي؟
قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: فما شرابي؟
قال: كل سكر.
قوله عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ يعني: قرناء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي لا يصدقون بالآخرة وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني: المشركين حرموا على أنفسهم أشياء قد أحل الله لهم، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، قالوا: لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها وكان رجالهم يطوفون بالنهار ونساؤهم بالليل وإذا طافت المرأة بالنهار اتخذت إزاراً من سير وكانت تبدو عورتها إذا مشت وكانت تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ...
فما بدا منه فلا أحله وإذا قيل لهم لم فعلتم هكذا قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها يعني: بتحريم هذه الأشياء وبالطواف عراة قال الله تعالى لمحمد : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أي المعاصي أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي أتكذبون على الله وتقولون بغير علم؟
ثم بيّن لهم ما أمرهم الله تعالى به.
فقال عز وجل: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي بالعدل والصواب.
وكلمة التوحيد وهي شهادة ألاّ إله إلاّ الله وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ أي: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وقل: أقيموا وجوهكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي حوّلوا وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلاة.
وقال الكلبي: يعني إذا حضرت الصلاة وأنتم في مسجد فصلوا فيه، فلا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي.
وإذا لم يكن في مسجد فليأت أي مسجد شاء.
قال مقاتل: يعني: حوّلوا وجوهكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يقول: وحدوه واعبْدُوه بالإخلاص.
ويقال: أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم، ويقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فأمرهم الله أن يوحّدوه في التلبية مخلصين له الدين.
ثم قال: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي ليس كما تشركون.
فاحتج عليهم بالبعث متصلاً بقوله: فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي ليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
وقال الحسن: كما خلقكم ولم تكونوا شيئا فأحياكم كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.
ويقال: كَما بَدَأَكُمْ يوم الميثاق من التصديق والتكذيب تَعُودُونَ إلى ذلك.
حيث قال: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي» .
ويقال: كَما بَدَأَكُمْ فخلقكم من التراب تَعُودُونَ تراباً بعد الموت.
وقال ابن عباس: كَما بَدَأَكُمْ مؤمناً وكافراً وشقياً وسعيداً كذلك تموتون عليه وتبعثون عليه.
ثم قال: فَرِيقاً هَدى وهم المؤمنون فعلم الله تعالى منهم الطاعة ويكرمهم بالمعرفة وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي وجب عليهم الضلالة، فخذلهم ولم يكرمهم بالتوحيد حيث علم منهم المعصية والكفر إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ يعني: لأنهم اتخذوا الشياطين أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: اتخذوهم أولياء وأطاعوهم بالمعصية وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ أي يظنون أنهم على الهدى.
قال الزجاج: فيه دليل أن من لا يعلم أنه كافر وهو كافر يكون كافراً لأن بعضهم قال: لا يكون كافراً وهو لا يعلم.
وذلك القول باطل لأن الله تعالى قال: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27] وقال: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
ضعيف بكَرَاهِةِ بعض البيوع، أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزَّه عنه، ولكن لا يَجِبُ انتهى.
ونحوه لأبي عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» : ثم أخبر عز وجل أنه صَيَّرَ الشياطين أولياء، أي: صحابة، ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان لهم.
وقوله: وإذا فَعَلُوا وما بعده دَاخِلٌ في صفة الذين لا يؤمنون، والفاحشة في هذه الآية، وإن كان اللفظ عَامّاً هي كَشْفُ العَوْرَةِ عند الطَّوَافِ، فقد روي عن الزهري أنه قال:
إن في ذلك نزلت هذه الآية.
وقاله ابن عبّاس ومجاهد «١» .
وقوله عز وجل: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ تضمن معنى اقسطوا، ولذلك عطف عليه قوله: وَأَقِيمُوا حملاً على المعنى، والقِسْطُ العَدْلُ واختلف في قوله سبحانه: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فقال مجاهد، والسدي: أراد إلى الكعبة «٢» ، والمقصد على هذا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً ﴾ فِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً.
والفاحِشَةُ: كَشْفُ العَوْرَةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا السّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ وتِلْكَ الفاحِشَةَ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ؛ والفاحِشَةُ: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: فَأعْلَمَهم عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، لِأنَّ حِكْمَتَهُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا المُسْتَحْسِنَ.
والقِسْطُ: العَدْلُ.
والعَدْلُ: ما اسْتَقَرَّ في النُّفُوسِ قُبْحُهُ؟!
<div class="verse-tafsir"
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عنهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِنَ حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَياطِينَ أولِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللهَ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ والمَقْصُودُ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ مَن كانَ يَطُوفُ مِنَ العَرَبِ بِالبَيْتِ عُرْيانًا؛ فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قُرَيْشٍ؛ وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قَبِيلَةٍ مِنَ اليَمَنِ؛ وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ عُراةً؛ إلّا الحُمْسُ وهم قُرَيْشٌ؛ ومَن والاها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَنُّوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ سَنَنًا عَظَّمُوا بِها حُرْمَتَهم كانَتْ هَذِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَكانَ العَرَبِيُّ إمّا أنْ يُعِيرَهُ أحَدٌ مِنَ الحُمْسِ ثَوْبًا؛ فَيَطُوفَ بِهِ؛ وإمّا أنْ يَطُوفَ في ثِيابِهِ؛ ثُمَّ يُلْقِيَها؛ وتَمادى الأمْرُ حَتّى صارَ عِنْدَ العَرَبِ قُرْبَةً؛ فَكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: نَطُوفُ عُراةً؛ كَما خَرَجْنا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِنا؛ ولا نَطُوفُ في ثِيابٍ قَدْ تَدَنَّسْنا فِيها بِالذُنُوبِ؛ ومَن طافَ في ثِيابِهِ فَكانَتْ سُنَّتُهم كَما ذَكَرْنا أنْ يَرْمِيَ تِلْكَ الثِيابَ؛ ولا يَنْتَفِعَ بِها؛ وتُسَمّى تِلْكَ الثِيابُ "اَللَّقى"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ لَقى بَيْنَ أيْدِي الطائِفِينَ حَرِيمُ وكانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ عُرْيانَةً؛ حَتّى كانَتْ إحْداهُنَّ تَقُولُ: اَلْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ونُودِيَ بِمَكَّةَ في سَنَةِ تِسْعٍ: "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ؛ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ".
و"اَلْفِتْنَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلِاسْتِهْواءُ والغَلَبَةُ عَلى النَفْسِ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "لا يَفْتِنَنَّكُمُ"؛ ﴾ نَهْيُ الشَيْطانِ؛ والمَعْنى: نَهْيُهم أنْفُسَهم عن الِاسْتِماعِ لَهُ؛ والطاعَةِ لِأمْرِهِ؛ كَما قالُوا: "لا أرَيَنَّكَ هَهُنا"؛ فَظاهِرُ اللَفْظِ نَهْيُ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ؛ ومَعْناهُ نَهْيُ الآخَرِ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ؛ وأضافَ الإخْراجَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى إبْلِيسَ؛ وذَلِكَ تَجَوُّزٌ؛ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ ساعِيًا في ذَلِكَ؛ ومُسَبِّبًا لَهُ؛ ويُقالُ: "أبٌ"؛ ولِلْأُمِّ: "أبَةٌ"؛ وعَلى هَذا قِيلَ: "أبَوانِ"؛ و"يَنْزِعُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "أخْرَجَ".
وتَقَدَّمَ الخِلافُ في اللِباسِ مِن قَوْلِ مَن قالَ: "اَلْأظْفارُ"؛ ومَن قالَ: "اَلنُّورُ"؛ ومَن قالَ: "ثِيابُ الجَنَّةِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: هي اسْتِعارَةٌ؛ وإنَّما أرادَ لُبْسَةَ التُقى المُنْزَلَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "إنَّهُ يَراكُمْ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ زِيادَةٌ في التَحْذِيرِ؛ وإعْلامٌ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ مَكَّنَ الشَيْطانَ مِنَ ابْنِ آدَمَ في هَذا القَدْرِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَحَذُّرُ بِطاعَةِ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والشَيْطانُ مَوْجُودٌ؛ قَدْ قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وهو جِسْمٌ؛ "وَقَبِيلُهُ"؛ يُرِيدُ: "نَوْعُهُ؛ وصِنْفُهُ؛ وذُرِّيَّتُهُ"؛ و"حَيْثُ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَمِّ؛ ومِنَ العَرَبِ مَن يَبْنِيها عَلى الفَتْحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ؛ قالَ الزَجّاجُ: ما بَعْدَها صِلَةٌ لَها؛ ولَيْسَتْ بِمُضافَةٍ إلَيْهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ ولَيْسَتْ "حَيْثُ" بِمَوْصُولَةٍ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عائِدٌ كَما في المَوْصُولاتِ؛ وهي مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها.
ثُمَّ أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ صَيَّرَ الشَياطِينَ أولِياءَ؛ أيْ: صَحابَةً ومُداخَلِينَ إلى الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا إيمانَ لَهُمْ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ "جَعَلَ"؛ هُنا؛ بِمَعْنى "وَصَفَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإذا فَعَلُوا"؛ ﴾ وما بَعْدَهُ؛ داخِلٌ في صِفَةِ "اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ"؛ لِيَقَعَ التَوْبِيخُ بِصِفَةِ قَوْمٍ جُعِلُوا مِثالًا لِلْمُوَبَّخِينَ؛ إذْ أشْبَهَ فِعْلُهم فِعْلَ المُمَثَّلُ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَقْطُوعَةً مِنَ الَّتِي قَبْلَها؛ ابْتِداءَ إخْبارٍ عن كُفّارِ العَرَبِ.
و"اَلْفاحِشَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ - وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا - هِيَ: كَشْفُ العَوْرَةِ عِنْدَ الطَوافِ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: في ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وكانَ قَوْلَ بَعْضِ الكُفّارِ: إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِهَذِهِ السُنَنِ الَّتِي لَنا؛ وشَرَعَها؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ ﴾ ؛ ثُمَّ وبَّخَهم عَلى كَذِبِهِمْ؛ ووَقَّفَهم عَلى قَوْلِهِمْ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ ولا دِرايَةَ لَهم فِيهِ؛ بَلْ هو دَعْوى؛ واخْتِلاقٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ معطوف على ﴿ للذين لا يؤمنون ﴾ [الأعراف: 27] فهو من جملة الصّلة، وفيه إدماج لكشف باطلهم في تعلّلاتهم ومعاذيرهم الفاسدة، أي للذين لا يقبلون الإيمان ويفعلون الفواحش ويعتذرون عن فعلها بأنّهم اتّبعوا آباءهم وأنّ الله أمرهم بذلك، وهذا خاص بأحوال المشركين المكذّبين، بقرينة قوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ والمقصود من جملتي الصّلة: تفظيع حال دينهم بأنّه ارتكاب فواحش، وتفظيع حال استدلالهم لها بما لا ينتهض عند أهل العقول.
وجاء الشّرط بحرف ﴿ إذا ﴾ الذي من شأنه إفادة اليقين بوقوع الشّرط ليشير إلى أنّ هذا حاصل منهم لا محالة.
والفاحشة في الأصل صفة لموصوف محذوف أي: فَعْلَة فاحشة ثمّ نزل الوصف منزلة الاسم لكثرة دورانه، فصارت الفاحشة اسماً للعمل الذّميم، وهي مشتقّة من الفُحْش بضمّ الفاء وهو الكثرة والقوّة في الشّيء المذموم والمكروه، وغلبت الفاحشة في الأفعال الشّديدة القبح وهي التي تنفر منها الفطرة السّليمة، أو ينشأ عنها ضرّ وفساد بحيث يأباها أهل العقول الرّاجحة، وينكرها أولو الأحلام، ويستحيي فاعلها من النّاس، ويتستر من فعلها مثل البغاء والزّنى والوأد والسّرقة، ثمّ تنهى عنها الشّرائع الحقّة، فالفعل يوصف بأنّه فاحشة قبل ورود الشّرع، كأفعال أهل الجاهليّة، مثل السّجود للتّماثيل والحجارة وطلب الشّفاعة منها وهي جماد، ومثل العراء في الحجّ، وترك تسمية الله على الذّبائح، وهي من خَلق الله وتسخيره، والبغاء، واستحلال أموال اليتامى والضّعفاء، وحرمان الأقارب من الميراث، واستشارة الأزلام في الإقدام على العمل أو تركه، وقتل غير القاتل لأنّه من قبيلة القاتل، وتحريمهم على أنفسهم كثيراً من الطيّبات التي أحلّها الله وتحليلهم الخبائث مثل الميتة والدّم.
وقد روي عن ابن عبّاس أنّ المراد بالفاحشة في الآية التّعري في الحجّ، وإنّما محمل كلامه على أنّ التّعرّي في الحجّ من أوّل ما أريد بالفاحشة لاقصرها عليه فكأن أيمّة الشّرك قد أعدوا لأتباعهم معاذير عن تلك الأعمال ولقنوها إياهم، وجِماعها أن ينسبوها إلى آبائهم السالِفين الذين هم قدوة لخلفهم، واعتقدوا أنّ آباءهم أعلم بما في طي تلك الأعمال من مصالح لو اطّلع عليها المنكرون لعرفوا ما أنكروا، ثمّ عطفوا على ذلك أنّ الله أمر بذلك يعنون أنّ آباءهم ما رسموها من تلقاء أنفسهم، ولكنّهم رسموها بأمر من الله تعالى، ففهم منه أنّهم اعتذروا لأنفسهم واعتذروا لآبائهم، فمعنى قولهم: ﴿ والله أمرنا بها ﴾ ليسَ ادّعاءَ بلوغ أمر من الله إليهم ولكنّهم أرادوا أنّ الله أمر آباءهم الذين رسموا تلك الرّسوم وسنّوها فكان أمرُ الله آباءَهم أمراً لهم، لأنّه أراد بقاء ذلك في ذريّاتهم، فهذا معنى استدلالهم، وقد أجمله إيجاز القرآن اعتماداً على فطنة المخاطبين.
وأسند الفعل والقول إلى ضمير الذين لا يؤمنون في قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا ﴾ : على معنى الإسناد إلى ضمير المجموع، وقد يكون القائل غير الفاعل، والفاعل غير قائل، اعتداداً بأنّهم لما صَدّق بعضهم بعضاً في ذلك فكأنّهم فعلوه كلّهم واعتذروا عنه كلّهم.
وأفاد الشّرط رَبْطاً بين فعلهم الفاحشة وقولهم: ﴿ وجدنا عليها آباءنا ﴾ باعتبا إيجاز في الكلام يدلّ عليه السّياق، إذ المفهوم أنّهم إذا فعلوا فاحشة فأنكِرَتْ عليهم أو نُهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا، وليس المراد بالإنكار والنّهي خصوص نهي الإسلام إياهم عن ضلالهم، ولكن المراد نهيُ أيّ ناه وإنكارُ أيّ منكر، فقد كان ينكر عليهم الفواحش من لا يوافقونهم عليها من القبائل، فإنّ دين المشركين كان أشتاتاً مختلفاً، وكان ينكر عليهم ذلك من خلعوا الشّرك من العرب مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وأمّيةَ ابن أبي الصَّلْت، وقد قال لهم زيد بن عمرو: «إنّ الله خلق الشّاة وأنزل لها الماء من السّماء وأنبت لها العشب ثمّ أنتم تذبحونها لغيره» وكان ينكر عليهم من يتحَرج من أفعالهم ثمّ لا يسعه إلاّ اتّباعهم فيها إكراهاً.
وكان ينكر عليهم من لا توافق أعمالُهم هواه: كما وقع لامرئ القيس، حيث عزم على قتال بني أسد بعد قتلهم أباه حُجْراً، فقصد ذا الخَلَصة صنمَ خَثْعَمَ واستقسم عنده بالأزلام فخرج له النّاهي فكسر الأزلام وقال: لو كنتَ يا ذا الخَلَص الموتورا *** مِثْلي وكان شيخُك المقبورا لَمْ تنهَ عن قتل العُداة زُوراً *** ثمّ جاء الإسلام فنعى عليهم أعمالهم الفاسدة، وأسمعهم قوارع القرآن فحينئذ تصدّوا للاعتذار.
وقد علم من السّياق تشنيع معذرتهم وفساد حجّتهم.
ودلّت الآية على إنكار ما كان مماثلاً لهذا الاستدلال وهو كلّ دليل توكأ على اتّباع الآباء في الأمور الظّاهر فسادها وفحشها، وكلّ دليل استند إلى ما لا قبل للمستدل بعلمه، فإنّ قولهم: ﴿ والله أمرنا بها ﴾ دعوى باطلة إذ لم يبلغهم أمر الله بذلك بواسطة مبلّغ، فإنّهم كانوا ينكرون النّبوءة، فمن أين لهم تلقي مراد الله تعالى.
وقد ردّ الله ذلك عليهم بقوله لرسوله: ﴿ قل إن الله لا يأمرنا بالفحشاء ﴾ فَأعْرَضَ عن ردّ قولهم: ﴿ وجدنا عليها آباءنا ﴾ لأنّه إن كان يراد ردّه من جهة التّكذيب فهم غير كاذبين في قولهم، لأنّ آباءهم كانوا يأتون تلك الفواحش، وإن كان يراد ردّه من جهة عدم صلاحيته للحجّة فإنّ ذلك ظاهر، لأنّ الإنكار والنّهي ظاهر انتقالهما إلى آبائهم، إذ ما جاز على المثل يجوز على المماثل، فصار ردّ هذه المقدّمة من دليلهم بديهياً وكان أهمّ منه ردّ المقدّمة الكبرى، وهي مناط الاستدلال، أعني قولهم: ﴿ والله أمرنا بها ﴾ .
فقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ نقض لدعواهم أنّ الله أمَرهم بها أي بتلك الفواحش، وهو ردّ عليهم، وتعليم لهم، وإفاقة لهم من غرورهم، لأنّ الله متّصف بالكمَال فلا يأمر بما هو نقص لم يرضه العقلاء وأنكروه، فكون الفعل فاحشة كاف في الدّلالة على أنّ الله لا يأمر به لأنّ الله له الكمال الأعلى، وما كان اعتذارهم بأنّ الله أمر بذلك إلاّ عن جهل، ولذلك وبَّخهم الله بالاستفهام التّوبيخي بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ أي ما لا تعلمون أنّ اللهأمر به، فحُذف المفعول لدلالة ما تقدّم عليه، لأنّهم لم يعلموا أنّ الله أمرهم بذلك إذ لا مستند لهم فيه، وإنّما قالوه عن مجرّد التّوهّم، ولأنّهم لم يعلموا أنّ الله لا يليق بجلاله وكماله أن يأمر بمثل تلك الرّذائل.
وضمن: ﴿ تقولون ﴾ معنى تكذيون أو معنى تتقَوّلون، فلذلك عُدّي بعَلى، وكان حقّه أن يعدى بعَنْ لو كان قولاً صحيح النّسبة، وإذ كان التّوبيخ وارداً على أن يقولوا على الله ما لا يعلمون كان القول على الله بما يُتحقّق عدمُ وروده من الله أحرى.
وبهذا الرد تمحض عملهم تلك الفواحش للضّلال والغرور واتّباع وحي الشّياطين إلى أوليائهم أيمّة الكفر، وقادة الشّرك: مثل عَمْرو بن لُحَي، الذي وَضَعَ عبادة الأصنام، ومثل أبي كَبشة، الذي سنّ عبادة الشّعري من الكواكب، ومثل ظالم بن أسْعد، الذي وضع عبادة العُزى، ومثل القلَمَّسسِ، الذي سنّ النَّسيء إلى ما اتّصل بذلك من موضوعات سدنة الأصنام وبيوتتِ الشّرك.
واعلم أن ليس في الآية مستند لإبطال التّقليد في الأمور الفرعيّة أو الأصول الدّينيّة لأنّ التّقليد الذي نعاه الله على المشركين هو تقليدهم مَن ليسوا أهلاً لأنّ يقلَّدوا، لأنّهم لا يرتفعون عن رتبة مقلِّديهم، إلاّ بأنّهم أقدم جيلاً، وأنّهم آباؤهم، فإنّ المشركين لم يعتذروا بأنّهم وجدوا عليه الصّالحين وهداة الأمّة، ولا بأنّه ممّا كان عليه إبراهيم وأبناؤه، ولأنّ التّقليد الذي نعاه الله عليهم تقليد في أعمال بديهيّة الفساد، والتّقليد في الفساد يستوي، هو وتسنينه، في الذّم، على أنّ تسنين الفساد أشدّ مذمّة من التّقليد فيه كما أنبأ عنه الحديث الصّحيح: «مَا من نفس تُقتل ظُلماً إلاّ كان على ابنِ آدم الأولِ كِفْل من دمها ذلك لأنّه أوّلُ من سَنّ القتل» وحديث: «مَن سَنّ سُنّة سَيِّئة فعليه وزرها ووزر من عَمِل بها إلى يوم القيامة».
فما فرضه الذين ينزعون إلى علم الكلام من المفسّرين في هذه الآية من القول في ذمّ التّقليد ناظر إلى اعتبار الإشراك داخلاً في فعل الفواحش.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها ورَدَتْ في العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، والفاحِشَةُ الَّتِي فَعَلُوها كَشْفُ العَوْرَةِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي أنَّها في عَبَدَةِ الأوْثانِ، والفاحِشَةُ الَّتِي فَعَلُوها الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ أنَّها اتِّخاذُ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالصِّدْقِ.
والثّانِي: بِالعَدْلِ.
﴿ وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ تَوَجَّهُوا حَيْثُ كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مَعْناهُ اجْعَلُوا سُجُودَكم خالِصًا لِلَّهِ تَعالى دُونَ ما سِواهُ مِنَ الأوْثانِ والأصْنامِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ اقْصِدُوا المَسْجِدَ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، أمْرًا بِالجَماعَةِ لَها، نَدْبًا عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وحَتْمًا عَنِ الأقَلِّينَ.
والرّابِعُ: أنَّ أيَّ مَوْضِعٍ أدْرَكْتَ فِيهِ وقْتَ الصَّلاةِ فَصَلِّ فِيهِ فَإنَّهُ مَسْجِدٌ ولا تُؤَخِّرْها إلى حُضُورِ المَسْجِدِ.
﴿ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أقَرُّوا لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وإخْلاصِ الطّاعَةِ.
والثّانِي: ارْغَبُوا إلَيْهِ في الدُّعاءِ بَعْدَ إخْلاصِكم لَهُ الدِّينَ.
﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كَما بَدَأكم شَقِيًّا وسَعِيدًا، كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: كَما بَدَأكم فَآمَنَ بَعْضُكم وكَفَرَ بَعْضُكم، كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.
رَوى أبُو سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: «تُبْعَثُ كُلُّ نَفْسٍ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ» .
والثّالِثُ: كَما خَلَقَكم ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، كَذَلِكَ تَعُودُونَ بَعْدَ الفَناءِ أحْياءً، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: كَما بَدَأكم لا تَمْلِكُونَ شَيْئًا، كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.
رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا وأوَّلُ مَن يُكْسى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قَرَأ ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا ﴾ قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهوا عن ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال: فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون حول البيت عراة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة...
﴾ الآية.
قال: كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك؟
قالوا: وجدنا عليها آباءنا وأمرنا الله بها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان المشركون الرجال يطوفون بالبيت بالنهار عراة والنساء بالليل عراة، ويقولون: إنا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، فلما جاء الإِسلام وأخلاقه الكريمة نهوا عن ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: والله ما أكرم الله عبداً قط على معصيته ولا رضيها له ولا أمر بها، ولكن رضي لكم بطاعته ونهاكم عن معصيته.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة ﴾ قيل: هي ما كانت العرب تفعله من الطواف بالبيت عراة؛ الرجال والنساء، ويحتمل العموم في الفواحش ﴿ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا ﴾ اعتذروا بعذرين باطلين أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ قيل: المراد إحضار النية، والإخلاص لله، وقيل: فعل الصلاة والتوجه فيها ﴿ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ أي في كل مكان سجود أو في وقت كل سجود، والأول أظهر، والمعنى إباحة الصلاة في كل موضع كقوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً» ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ احتجاج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى ﴿ فَرِيقاً ﴾ الأول منصوب بهدى، والثاني منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ورياشا ﴾ أبو زيد عن المفضل.
الباقون ﴿ ريشاً ﴾ ﴿ ولباس ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ.
الباقون بالرفع.
﴿ خالصة ﴾ بالرفع: نافع.
الآخرون بالنصب ﴿ ربي الفواحش ﴾ مرسلة الباء: حمزة.
الوقوف: ﴿ وريشاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولباس ﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿ التقوى ﴾ ﴿ خير ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ سوآتهما ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أمرنا بها ﴾ ط ﴿ بالفحشاء ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ط ﴿ تعودون ﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿ الضلالة ﴾ ج ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام.
﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ من الرزق ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ أجل ﴾ ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا ﴾ وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى.
ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى.
ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ ﴿ وأنزلنا الحديد ﴾ والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال ﴾ ومن قرأ ﴿ رياشاً ﴾ فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب.
وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر.
ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش.
وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال.
أما قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي ﴿ ذلك خير ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو ﴿ خير ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير.
والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة.
ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده.
أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب.
أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة.
ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان.
وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.
وقيل: هو السمت الحسن.
وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً.
وقال معبد: هو الحياء.
وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات.
وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴾ ﴿ وذلك من آيات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.
ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.
وقال الخليل: الفتن الإحراق.
وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله : ﴿ يوم هم على النار يفتنون ﴾ من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر.
ومحل ﴿ كما أخرج ﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة.
ومحل ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما.
واللام في ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ﴿ ليبدي لهما ﴾ قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.
وعن عائشة ا ما رأيت منه ولا رأى مني.
وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم.
واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر.
وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.
وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان.
وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي.
ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً.
والقبيل بنو أب واحد.
وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده.
وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته.
﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون.
قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.
وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس.
قال بعض العلماء: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة.
ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد.
وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى.
وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.
والضمير في ﴿ إنه ﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ الآية.
واحتج أهل السنة على أنه هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟
وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب.
وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها.
ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ ؟
والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً.
وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله بذاته وأفعاله وأحكامه.
أما قوله: ﴿ وأقيموا ﴾ فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا ﴿ وجوهكم ﴾ أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ﴿ عند كل مسجد ﴾ في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي.
ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء.
وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة.
ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ وانتصاب ﴿ فريقاً ﴾ الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به.
قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة.
وأجيب بأن قوله: ﴿ هدى ﴾ و ﴿ حق ﴾ ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال.
ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.
ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين.
ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله .
*** وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد.
وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.
وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية.
قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله : ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ يعني الثياب.
وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.
والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة.
وقيل: الزينة المشط.
وقيل: الطيب.
ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ.
فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته.
قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة.
وأجيب بأن اللام في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟
أما قوله: ﴿ وكلوا ﴾ أي اللحم والدسم.
﴿ واشربوا ﴾ فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة.
وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين.
أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل.
والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.
وفي قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.
الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها.
وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله لهم.
قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي.
وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان.
فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.
قال: وما هي؟
قال: قوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة.
قال: وما هي؟
قال: قوله: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.
قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة.
وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب.
عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام.
قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات.
فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة.
فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك.
فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك.
فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة.
فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله .
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة.
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم.
قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله.
قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.
قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة.
ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي.
واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام.
قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله أعلم.
ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ﴾ وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر.
قال أبو علي: أو على الخبر ﴿ والذين آمنوا ﴾ متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿ يوم القيامة ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ آمنوا ﴾ و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ خالصة ﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار.
وعلى الأول يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة.
ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.
ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والإثم ﴾ وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر.
وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم.
وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: ﴿ والبغي بغير الحق ﴾ ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة.
فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال.
ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة.
وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول.
وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال.
وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل.
ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال.
وليس المراد أنه لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً.
والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته.
قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ؟
وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى.
التأويل: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ هو لباس الشريعة ﴿ يواري ﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿ وريشاً ﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ ولباس التقوى ﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي.
فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ ذلك خير ﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.
﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿ كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ وجوار الحق ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ ليريهما سوآتها ﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿ وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني.
﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء ﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة.
﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿ قالوا إنا وجدنا آباءنا ﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿ والله أمرنا ﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ ﴿ كما بدأكم ﴾ لطفاً أو قهراً ﴿ تعودون ﴾ إليه.
فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿ خذوا زينتكم ﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في مقام العندية كما قال: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية.
﴿ زينة الله ﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ﴿ الفواحش ﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام ﴿ ما ظهر منها ﴾ ارتكاب المناهي ﴿ وما بطن ﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ ما ظهر منها ﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿ وما بطن ﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ ما ظهر منها ﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿ وما بطن ﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين.
﴿ والإثم ﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿ والبغي ﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه.
وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿ وأن تقولوا ﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿ على الله ما لا تعلمون ﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين ﴿ ولكل أمة ﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ﴾ .
قال ابن عباس - -: كل معصية فاحشة، والفاحشة: كل ما عظم فيه النهي، فإذا ارتكبوا ذلك فهو فاحشة.
وقال مجاهد: فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.
وقال غيره من أهل التأويل: الفاحشة هو ما حرموا من الحرث والأنعام والبنات، وغيره من نحو السائبة والحامي وغيره، لكن الفاحشة ما ذكرنا: أن كل ما عظم النهي فيه والزجر فهو فاحشة، والفاحشة هو ما عظم من الأمر، يعرف ذلك بوجهين: أحدهما: يعظم ذلك في العقل، والثاني: بالسمع يرد فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
ادعوا في ذلك أمر الله ورضاه به، ويقولون: لو لم يرض بذلك ولم يأمر، لكان ينكلهم وينتقم منهم، يعنون آباءهم، فاستدلوا بتركهم وما فعلوا على أن الله قد كان رضي بذلك، وأمرهم أن يفعلوا ذلك؛ فدل تركه إياهم على ذلك على أنه قد أمرهم بذلك، ورضي عنهم؛ كمن يخالف في الشاهد ملكاً من الملوك في أمره ونهيه، فإنه ينكله على ذلك وينتقم منه؛ إذا كان قادراً على ذلك، فإذا لم يفعل ذلك به دل ذلك منه على الرضا به؛ فعلى ذلك الله: لما لم ينتقم منهم ولم ينكلهم، دل ذلك على الرضا والأمر به.
والثاني: كأنهم أخذوا ذلك من المسلمين لما سمعوا من المسلمين قالوا: "ما شاء الله كان" ظنوا أن ما كان من آبائهم كان بأمر من الله ورضاه، لم يفصلوا بين المشيئة والأمر: المشيئة والإرادة [هي] صفة فعل كل فاعل يفعله على الاختيار، نحو أن يقال: شاء فعل كذا، أو أراد أمر كذا، ولا يجوز أن يقال: أمر نفسه بكذا، أو نهى نفسه عن كذا.
وأما قولهم: إن لم ينكل آباءهم، ولم ينتقم منهم بما فعلوا، دل أنه رضي بذلك، فيقال: إن فيهم من فعل على خلاف فعلهم وغير صنيعهم ضد ما فعل أولئك، ثم لم يفعل بهم ذلك، فهل دلّ ذلك على الرضا منه بذلك؛ فإن قلتم: بلى [فقد] رضي بفعلين متضادين.
وإن قلتم: لا فكيف دلّ ذلك في أولئك على الرضا والأمر، ولم يدل فيمن فعلوا بخلاف فعلهم؛ فهذا تناقض؟!
وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ ﴾ لهم يا محمد.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
إن الله أمر بهذا وحرم هذا، وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ \[الفحشاء\]: هو ما ذكرنا ما عظم النهي فيه، أو كل ما يشتد فيه النهي ويغلظ أو يكثر هو الفحشاء.
ألا ترى أنه يقال لكل شيء يكثر: فحش، من نحو الكلام وغيره أنه إذا خرج عن حدّه وجاوزه يقال: فحش؛ فعلى ذلك الفحشاء - هاهنا - هو ما جاوز حده في القبح، أو جاوز الحد من الكثرة، وهم قد أكثروا الافتراء على الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قال بعضهم: بل تقولون على الله ما لا تعلمون: إنه أمر بذلك.
وقيل: قوله: ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: تعلمون أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؛ لأنهم لم يكونوا يؤمنون بالرسل، ولا كان لهم كتاب، فكيف تعلمون أن الله أمركم بذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لا يجوز ألا يعلم الله، ولكن على النفي لذلك، ليس كما تقولون وتنبئون، ولكن يعلم خلاف ذلك وضده، ويكون في نفي ذلك إثبات غيره؛ فعلى ذلك يعلمون أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون.
وأسباب العلم بهذا: إما الرسل يخبرون عن الله ذلك، وإما الكتاب يجدونه فيه مكتوباً، فيعلمون فتتسع الشهادة بذلك، وهم قوم لا يصدقون الرسل، ولا يؤمنون بخبرهم، وليس لهم كتاب - أيضاً - يقرءونه، فما بقي إلا وحي الشيطان إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ ﴾ .
والقسط: هو العدل في كل شيء: في القول والفعل وغيره، كقوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ ﴾ ، وكقوله - -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ، وأصل العدل: هو محافظة الشيء على الحد الذي جعل له، ووضعه موضعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ ، أي: سووا وجوهكم نحو الكعبة، ﴿ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ، أي: في كل مكان تكونون فيه، وهو كقوله: ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ أي: اجعلوا بيوتكم نحو الكعبة؛ كقوله - -: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ ، أي: اجعلوا عبادتكم لله، ولا تشركوا فيها غيره؛ كقوله: ﴿ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ ، ويشبه أن يكون الوجه كناية وعبارة عن الأنفس؛ كأنه قال: أقيموا أنفسكم لله، لا تشركوا فيها لأحد شركاً كقوله: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي بجعل نفسه لله سالماً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ .
يحتمل الدعاء نفسه، أي: ادعوه ربّاً خالقاً ورحماناً، ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : بالوحدانية والألوهية والربوبية.
ويحتمل قوله: ﴿ وَٱدْعُوهُ ﴾ ، أي: اعبدوه مخلصين له العبادة، ولا تشركوا غيره فيها.
ويحتمل: أي: دينوا بدينه الذي دعاكم إلى ذلك وأمركم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ .
قال قائلون: هو صلة قوله: ﴿ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾ ؛ كأنهم سألوا مما يعودون إذا بعثوا، فقال: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ ﴾ : خلقكم، ﴿ تَعُودُونَ ﴾ مثله.
ويحتمل أن يكون هو صلة قوله: ﴿ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ﴾ ، يعودون كما كانوا في البداءة: الكافر كافراً، والمؤمن مؤمناً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ : هو من الدائمة، ليس من الابتداء؛ لأنه لا يجوز أن يقال لصبي: كافر أو مؤمن، وهو الدوام والمقام فيه إلى وقت الموت، وهو في [الدنيا] البداءة، وفي الآخرة الإعادة، وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَبْدَؤُاْ ﴾ ليس يريد ابتداء نشوئه؛ ولكن كونه في الدنيا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ...
﴾ الآية، يخرج على وجهين: أحدهما: أي: كما كنتم في الدنيا تعودون في الآخرة كذلك: المؤمن مؤمن والكافر على كفره.
والثاني: كما أنشأكم في الدنيا لا من شيء؛ فعلى ذلك يبعثكم كذلك، لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِيقاً هَدَىٰ ﴾ .
بما هداهم الله بفضله.
﴿ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ ﴾ .
بما اختاروا من فعل الضلال؛ فأضلهم الله؛ كقوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .
فيه [دلالة] لزوم الحجة والدليل في حال الحسبان والظن إذا كان بحث الإدراك والوصول إليه؛ لأنه قال: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ فيه أنهم عند أنفسهم مهتدون، ولم يكونوا، ثم عوقبوا على ذلك؛ دل أن الدليل والحجة قد يلزم، وإن لم يعرف بعد أن [كيف] يكون سبيل الوصول إلى ذلك، وهذا يرد قول من يقول بأن فرائض الله لا تلزم إلا بعد العلم بها والمعرفة.
<div class="verse-tafsir"
وإذا ارتكب المشركون أمرًا بالغ النكر كالشرك والطواف بالبيت عراة وغيرهما، اعتذروا بأنهم وجدوا آباءهم يرتكبونها، وأن الله أمرهم بذلك، قل -يا محمد- ردًّا عليهم: إن الله لا يأمر بالمعاصي، بل ينهى عنها، فكيف تَدَّعون ذلك عليه؟
أتقولون -أيها المشركون- على الله ما لا تعلمون كذبًا وافتراءً؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.Bz1WN"