الآية ٢٩ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٩ من سورة الأعراف

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قل أمر ربي بالقسط ) أي : بالعدل والاستقامة ، ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ) أي : أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها ، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله تعالى وما جاءوا به عنه من الشرائع ، وبالإخلاص له في عبادته ، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين : أن يكون صوابا موافقا للشريعة ، وأن يكون خالصا من الشرك .

وقوله تعالى : ( كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) - اختلف في معنى قوله تعالى ( كما بدأكم تعودون ) فقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( كما بدأكم تعودون ) يحييكم بعد موتكم .

وقال الحسن البصري : كما بدأكم في الدنيا ، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء .

وقال قتادة : ( كما بدأكم تعودون ) قال : بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئا ، ثم ذهبوا ، ثم يعيدهم .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا .

واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير ، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ، كلاهما عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : " يا أيها الناس ، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) [ الأنبياء : 104 ] .

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ، من حديث شعبة ، وفي حديث البخاري - أيضا - من حديث الثوري به .

وقال وقاء بن إياس أبو يزيد ، عن مجاهد : ( كما بدأكم تعودون ) قال : يبعث المسلم مسلما ، والكافر كافرا .

وقال أبو العالية : ( كما بدأكم تعودون ) ردوا إلى علمه فيهم .

وقال سعيد بن جبير : ( كما بدأكم تعودون ) كما كتب عليكم تكونون - وفي رواية : كما كنتم تكونون عليه تكونون .

وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى : ( كما بدأكم تعودون ) من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه ، وإن عمل بأعمال أهل السعادة ، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة ، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه .

ومن ابتدئ خلقه على السعادة ، صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه ، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء ، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء ، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا عليه .

وقال السدي : ( كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) يقول : ( كما بدأكم تعودون ) كما خلقناكم ، فريق مهتدون وفريق ضلال ، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) قال : إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا ، كما قال تعالى ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) [ التغابن : 2 ] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنا وكافرا .

قلت : ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري " فوالذي لا إله غيره ، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع - أو : ذراع - فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع - أو : ذراع - فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخل الجنة " وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا أبو غسان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن العبد ليعمل - فيما يرى الناس - بعمل أهل الجنة ، وإنه من أهل النار .

وإنه ليعمل - فيما يرى الناس - بعمل أهل النار ، وإنه من أهل الجنة ، وإنما الأعمال بالخواتيم " هذا قطعة من حديث رواه البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني ، في قصة " قزمان " يوم أحد .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تبعث كل نفس على ما كانت عليه " وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه ، عن الأعمش ، به .

ولفظه : " يبعث كل عبد على ما مات عليه " قلت : ولا بد من الجمع بين هذا القول - إن كان هو المراد من الآية - وبين قوله تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ) [ الروم : 30 ] وما جاء في الصحيحين ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم " الحديث .

ووجه الجمع على هذا أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر ، في ثاني الحال ، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده ، والعلم بأنه لا إله غيره ، كما أخذ عليهم بذلك الميثاق ، وجعله في غرائزهم وفطرهم ، ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا : ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) [ التغابن : 2 ] وفي الحديث : " كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها ، أو موبقها " وقدر الله نافذ في بريته ، فإنه هو ) الذي قدر فهدى ) [ الأعلى : 3 ] و ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) [ طه : 50 ] وفي الصحيحين : " فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: (قل)، يا محمد، لهؤلاء الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذبًا على الله: ما أمر ربي بما تقولون, بل (أمر ربي بالقسط)، يعني: بالعدل، (47) كما:- 14469- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (قل أمر ربي بالقسط)، بالعدل.

14470- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (قل أمر ربي بالقسط)، والقسط: العدل.

* * * وأما قوله: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله .

فقال بعضهم: معناه: وجِّهوا وجوهكم حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

* ذكر من قال ذلك: 14471- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)، إلى الكعبة حيثما صليتم، في الكنيسة وغيرها.

14472- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)، قال: إذا صليتم فاستقبلوا الكعبة، في كنائسكم وغيرها.

14473- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)، هو " المسجد "، الكعبة.

14474- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خالد بن عبد الرحمن, عن عمر بن ذر, عن مجاهد في قوله: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)، قال: الكعبة، حيثما كنت.

14475- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)، قال: أقيموها للقبلة، هذه القبلة التي أمركم الله بها.

* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك: واجعلوا سجودكم لله خالصًا، دون ما سواه من الآلهة والأنداد.

* ذكر من قال ذلك.

14476- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد)، قال: في الإخلاص، أن لا تدعوا غيره, وأن تخلصوا له الدين.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية، ما قاله الربيع: وهو أن القوم أُمِروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم, لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام, وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصًا, لا مُكاءً ولا تصدية.

(48) وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية, لأن الله إنما خاطب بهذه الآية قومًا من مشركي العرب، لم يكونوا أهل كنائس وبيع, وإنما كانت الكنائس والبِيَع لأهل الكتابين.

فغير معقول أن يقال لمن لا يصلي في كنيسة ولا بِيعة: " وجِّه وجهك إلى الكعبة في كنيسة أو بِيعةٍ".

* * * وأما قوله: (وادعوه مخلصين له الدين)، فإنه يقول: واعملوا لربكم مخلصين له الدين والطاعة, لا تخلطوا ذلك بشرك، ولا تجعلوا في شيء مما تعملون له شريكًا، (49) كما:- 14477- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (وادعوه مخلصين له الدين)، قال: أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل, ثم توجِّهون إلى البيت الحرام.

-------------------- الهوامش : (47) انظر تفسير (( القسط )) فيما سلف ص : 224 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(48) (( المكاء )) : الصفير ، و (( التصدية )) : التصفيق .

كانوا يطوفون بالبيت عراة يصفرون بأفواههم ، ويصفقون بأيديهم .

(49) انظر تفسير (( الدعاء )) ، و (( الإخلاص )) فيما سلف من فهارس اللغة ( دعا ) و ( خلص ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالةقوله تعالى قل أمر ربي بالقسط قال ابن عباس : لا إله إلا الله .

وقيل : القسط العدل ; أي أمر بالعدل فأطيعوه .

ففي الكلام حذف .وأقيموا وجوهكم أي توجهوا إليه في [ ص: 169 ] كل صلاة إلى القبلة .عند كل مسجد أي في أي مسجد كنتم .وادعوه مخلصين له الدين أي وحدوه ولا تشركوا به .كما بدأكم تعودون نظيره ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وقد تقدم .

والكاف في موضع نصب ; أي تعودون كما بدأكم ; أي كما خلقكم أول مرة يعيدكم .

وقال الزجاج : هو متعلق بما قبله .

أي ومنها تخرجون كما بدأكم تعودون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر ما يأمر به، فقال: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } أي: بالعدل في العبادات والمعاملات، لا بالظلم والجور.

{ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } أي: توجهوا للّه، واجتهدوا في تكميل العبادات، خصوصا { الصلاة } أقيموها، ظاهرا وباطنا، ونقوها من كل نقص ومفسد.

{ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له.

والدعاء يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، أي: لا تراءوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم سوى عبودية اللّه ورضاه.

{ كَمَا بَدَأَكُمْ } أول مرة { تَعُودُونَ } للبعث، فالقادر على بدء خلقكم، قادر على إعادته، بل الإعادة، أهون من البداءة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل أمر ربي بالقسط ) قال ابن عباس : بلا إله إلا الله ، وقال الضحاك : بالتوحيد .

وقال مجاهد والسدي : بالعدل .

( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) قال مجاهد والسدي : يعني وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة .

وقال الضحاك : إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي .

وقيل : معناه اجعلوا سجودكم لله خالصا ، ( وادعوه ) واعبدوه ، ( مخلصين له الدين ) الطاعة والعبادة ، ( كما بدأكم تعودون ) قال ابن عباس : إن الله تعالى بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا كما قال : " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " ( التغابن ، 2 ) ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا .

قال مجاهد : يبعثون على ما ماتوا عليه .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي حدثنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنبأنا محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يبعث كل عبد على ما مات عليه ، المؤمن على إيمانه والكافر على كفره " .

وقال أبو العالية : عادوا على عمله فيهم .

قال سعيد بن جبير : كما كتب عليكم تكونون .

قال محمد بن كعب : من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها وإن عمل بعمل أهل السعادة ، كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة ، ومن ابتدء خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاء ، وكما أن السحرة كانت تعمل بعمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنبأنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم قال : سمعت سهل بن سعد يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن العبد يعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار ، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ، وإنما الأعمال بالخواتيم " .

وقال الحسن ومجاهد : كما بدأكم وخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا ، كذلك تعودون أحياء يوم القيامة كما قال الله تعالى : " كما بدأنا أول خلق نعيده " ( الأنبياء ، 104 ) ، قال قتادة : بدأهم من التراب وإلى التراب يعودون ، نظيره قوله تعالى : " منها خلقناكم وفيها نعيدكم " ( طه ، 55 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أمر ربي بالقسط» بالعدل «وأقيموا» معطوف على معنى بالقسط أي قال أقسطوا وأقيموا أو قبله فاقبلوا مقدرا «وجوهكم» لله «عند كل مسجد» أي أخلصوا له سجودكم «وادعوه» اعبدوه «مخلصين له الدين» من الشرك «كما بدأكم» خلقكم ولم تكونوا شيئا «تعودون» أي يعيدكم أحياء يوم القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أمر ربي بالعدل، وأمركم بأن تخلصوا له العبادة في كل موضع من مواضعها، وبخاصة في المساجد، وأن تدعوه مخلصين له الطاعة والعبادة، وأن تؤمنوا بالبعث بعد الموت.

وكما أن الله أوجدكم من العدم فإنه قادر على إعادة الحياة إليكم مرة أخرى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما أمر به من طاعات عقب تكذيبه للمشركين فيما افتروه فقال : ( قُلْ أَمَرَ .

.

.

) .أى : قل لهم يا محمد إن الذى أمر الله به هو العدل فى الأمور كلها ، لأنه هو الوسط بين الإفراد والتفريط ، كما أنه - سبحانه - قد أمركم بأن تتوجهوا إليه وحده فى كل عبادة من عباداتكم ، وأن تكثروا من التضرع إليه بخالص الدعاء وصالحه ، فإنه مخ العبادة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط والعدل، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَمَرَ رَبّي بالقسط ﴾ يدل على أن الشيء يكون في نفسه قسطاً لوجوه عائدة إليه في ذاته، ثم إنه تعالى يأمر به لكونه كذلك في نفسه، وذلك يدل أيضاً على أن الحسن إنما يحسن لوجوه عائدة إليه، وجوابه ما سبق ذكره.

المسألة الثانية: قال عَطاء، والسُّدّي ﴿ بالقسط ﴾ بالعدل وبما ظهر في المعقول كونه حسناً صواباً.

وقال ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله والدليل عليه قوله: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط  ﴾ وذلك القسط ليس إلا شهادة أن لا إله إلا الله.

فثبت أن القسط ليس إلا قول لا إله إلا الله.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء.

أولها: أنه أمر بالقسط، وهو قول: لا إله إلا الله.

وهو يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه، ثم على معرفة أنه واحد لا شريك له.

وثانيها: أنه أمر بالصلاة وهو قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أنه لقائل أن يقول: ﴿ أَمَرَ رَبّي بالقسط ﴾ خبر وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز.

وجوابه التقدير: قل أمر ربي بالقسط.

وقل: أقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين.

البحث الثاني: في الآية قولان: أحدهما: المُراد بقوله: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ هو استقبال القبلة.

والثاني: أن المراد هو الإخلاص، والسبب في ذكر هذين القولين، أن إقامة الوجه في العبادة قد تكون باستقبال القبلة، وقد تكون بالإخلاص في تلك العبادة، والأقرب هو الأول، لأن الإخلاص مذكور من بعد، ولو حملناه على معنى الإخلاص، صار كأنه قال: وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين، وذلك لا يستقيم.

فإن قيل: يستقيم ذلك، إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط.

قلنا: لما أمكن رجوعه إليهما جميعاً، لم يجز قصره على أحدهما، خصوصاً مع قوله: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ فإنه يعم كل ما يسمى ديناً.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ اختلفوا في أن المراد منه زمان الصلاة أو مكانه والأقرب هو الأول، لأنه الموضع الذي يمكن فيه إقامة الوجه للقبلة، فكأنه تعالى بين لنا أن لا نعتبر الأماكن، بل نعتبر القبلة، فكان المعنى: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقال ابن عباس: المراد إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم، لاأصلي إلا في مسجد قومي.

ولقائل أن يقول: حمل لفظ الآية على هذا بعيد، لأن لفظ الآية يدل على وجوب إقامة الوجه في كل مسجد، ولا يدل على أنه لا يجوز له العدول من مسجد إلى مسجد.

وأما قوله: ﴿ وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ فاعلم أنه تعالى لما أمر في الآية الأولى بالتوجه إلى القبلة، أمر بعده بالدعاء، والأظهر عندي أن المراد به أعمال الصلاة، وسماها دعاء، لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، وبين أنه يجب أن يؤتى بذلك الدعاء مع الإخلاص، ونطيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: قال ابن عباس: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ ﴾ خلقكم مؤمناً أو كافراً ﴿ تَعُودُونَ ﴾ فبعث المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة، أعمله بعمل أهل الشقاوة، وكانت عاقبته الشقاوة، وان خلقه للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة، وكانت عاقبته السعادة.

والقول الثاني: قال الحسن ومجاهد: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ ﴾ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون أحياء، فالقائلون بالقول الأول: احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله: ﴿ فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة ﴾ وهذا يجري مجرى التفسير لقوله: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ وذلك يوجب ما قلناه.

قال القاضي: هذا القول باطل، لأن أحداً لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو كافرين، لأنه لابد في الإيمان والكفر أن يكون طارئاً وهذا السؤال ضعيف، لأن جوابه أن يقال: كما بدأكم بالإيمان، والكفر، والسعادة، والشقاوة، فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة.

واعلم أنه تعالى أمر في الآية أولاً بكلمة القسط وهي كلمة لا إله إلا الله، ثم أمر بالصلاة ثانياً، ثم بين أن الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال، إنما تظهر في الدار الآخرة، ونظيره قوله تعالى في طه لموسى عليه السلام: ﴿ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ  إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله تعالى.

قالت المعتزلة: المراد فريقاً هدى إلى الجنة والثواب، وفريقاً حق عليهم الضلالة، أي العذاب والصرف عن طريق الثواب.

قال القاضي: لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيرهم، إذ العبد لا يستحق، لأن يضل عن الدين، إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين، كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة، وفي ذلك زوال الثقة بالنبوات.

واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ فَرِيقًا هدى ﴾ إشارة إلى الماضي وعلى التأويل الذي يذكرونه يصير المعنى إلى أنه تعالى سيهديهم في المستقبل، ولو كان المراد أنه تعالى حكم في الماضي بأنه سيهديهم إلى الجنة، كان هذا عدولاً عن الظاهر من غير حاجة، لأنا بينا بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى.

والثاني: نقول هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله تعالى بذلك، إلا أنه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره، وإلا لزم انقلاب ذلك الحكم كذباً، والكذب على الله محال، والمفضي إلى المحال محال، فكان صدور غير ذلك الفعل من العبد محالاً، وذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة من هذا الوجه.

والله أعلم.

البحث الثاني: انتصاب قوله: ﴿ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة ﴾ بفعل يفسره ما بعده، كأنه قيل: وخذل فريقاً حق عليهم الضلالة، ثم بين تعالى أن الذي لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة، هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فقبلوا ما دعوهم إليه، ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.

فإن قيل: كيف يستقيم هذا التفصيل مع قولكم، بأن الهدى والضلال إنما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء.

فنقول: عندنا مجموع القدرة، والداعي يوجب الفعل، والداعية التي دعتهم إلى ذلك الفعل، هي: أنهم اتخذوا الشيطان أولياء من دون الله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما بين لهم عمرو بن لحي، وهذا بعيد، بل هو محمول على عمومه، فكل من شرع في باطل، فهو يستحق الذم والعذاب سواء حسب كونه حقاً، أو لم يحسب ذلك، وهذا الآية تدل على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين، بل لابد فيه من الجزم والقطع واليقين، لأنه تعالى عاب الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم، وإلا لما ذمهم بذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بالقسط ﴾ بالعدل وبما قام في النفوس أنه مستقيم حسن عند كل مميز.

وقيل: بالتوحيد ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ وقل: أقيموا وجوهكم أي: اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها ﴿ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود وهو الصلاة ﴿ وادعوه ﴾ واعبدوه ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ أي الطاعة، مبتغين بها وجه الله خالصاً ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ كما أنشأكم ابتداء يعيدكم، احتج عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، والمعنى: أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ ﴾ بِالعَدْلِ وهو الوَسَطُ مِن كُلِّ أمْرٍ المُتَجافِي عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ.

﴿ وَأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ وتَوَجَّهُوا إلى عِبادَتِهِ مُسْتَقِيمِينَ غَيْرَ عادِلِينَ إلى غَيْرِها، أوْ أقِيمُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.

﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ أوْ مَكانِهِ وهو الصَّلاةُ، أوْ في أيِّ مَسْجِدٍ حَضَرَتْكُمُ الصَّلاةُ ولا تُؤَخِّرُوها حَتّى تَعُودُوا إلى مَساجِدِكم.

﴿ وادْعُوهُ ﴾ واعْبُدُوهُ.

﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيِ الطّاعَةَ فَإنَّ إلَيْهِ مَصِيرَكم.

﴿ كَما بَدَأكُمْ ﴾ كَما أنْشَأكُمُ ابْتِداءً.

﴿ تَعُودُونَ ﴾ بِإعادَتِهِ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ، وإنَّما شَبَّهَ الإعادَةَ بِالإبْداءِ تَقْرِيرًا لِإمْكانِها والقُدْرَةِ عَلَيْها.

وقِيلَ كَما بَدَأكم مِنَ التُّرابِ تَعُودُونَ إلَيْهِ.

وقِيلَ كَما بَدَأكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا تَعُودُونَ.

وقِيلَ كَما بَدَأكم مُؤْمِنًا وكافِرًا يُعِيدُكم.

﴿ فَرِيقًا هَدى ﴾ بِأنْ وفَّقَهم لِلْإيمانِ.

﴿ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ﴾ بِمُقْتَضى القَضاءِ السّابِقِ.

وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ وخَذَلَ فَرِيقًا.

﴿ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِخِذْلانِهِمْ أوْ تَحْقِيقٌ لِضَلالِهِمْ.

﴿ وَيَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ المُخْطِئَ والمُعانِدَ سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ، ولِلْفارِقِ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى المُقَصِّرِ في النَّظَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط} بالعدل وبما هو حسن عند كل عاقل فكيف يأمر بالفحشاء {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} وقل أقيموا وجوهكم أى اقصدوا عبادته مستقيمين الهيا غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود أو في كل مكان سجود {وادعوه} واعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ

الدين} أي الطاعة مبتغين بها وجهه خالصاً {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} كما أنشأكم ابتداء يعيدكم احتج عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على اعمالم فأخلصوا له العبادة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ ﴾ بَيانُ المَأْمُورِ بِهِ إثْرَ نَفْيِ ما أُسْنِدَ أمْرُهُ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الأُمُورِ المَنهِيِّ عَنْها والقِسْطُ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ العَدْلُ وهو الوَسَطُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المُتَجافِي عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ.

وقالَ الرّاغِبُ هو النَّصِيبُ بِالعَدْلِ كالنِّصْفِ والنَّصَفَةِ ويُقالُ: القِسْطُ لِأخْذِ قِسْطِ غَيْرِهِ وذَلِكَ جَوْرٌ والإقْساطُ عَطاءُ قِسْطِ غَيْرِهِ وذَلِكَ إنْصافٌ ولِذَلِكَ يُقالُ: قَسَطَ الرَّجُلُ إذا جارَ وأقْسَطَ إذا عَدَلَ وهَذا أوْلى مِمّا قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ مِن أنَّ أصْلَهُ المَيْلُ فَإنْ كانَ إلى جِهَةِ الحَقِّ فَعَدْلٌ ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) وإنْ كانَ إلى جِهَةِ الباطِلِ فُجَوْرٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ والمُرادُ بِهِ هُنا عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ جَمِيعُ الطّاعاتِ والقُرَبِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ أنَّهُ التَّوْحِيدُ وقَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ الِاسْتِقامَةُ والعَدْلُ في الأُمُورِ ﴿ وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ أيْ تَوَجَّهُوا إلى عِبادَتِهِ تَعالى مُسْتَقِيمِينَ غَيْرَ عادِلِينَ إلى غَيْرِها ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ أيْ في وقْتِ كُلِّ سُجُودٍ كَما قالَ الجُبّائِيُّ أوْ مَكانَهُ كَما قالَ غَيْرُهُ فَعِنْدَ بِمَعْنى في والمَسْجِدُ اسْمُ زَمانٍ أوْ مَكانٍ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وكانَ حَقُّهُ فَتْحَ العَيْنِ لِضَمِّها في المُضارِعِ إلّا أنَّهُ مِمّا شَذَّ عَنِ القاعِدَةِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ والوَقْتُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ والسُّجُودُ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المَعْنى تَوَجَّهُوا إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها في صَلاتِكم وهي جِهَةُ الكَعْبَةِ والأمْرُ عَلى القَوْلَيْنِ لِلْوُجُوبِ.

واخْتارَ المَغْرِبِيُّ أنَّ المَعْنى إذا أدْرَكْتُمُ الصَّلاةَ في أيِّ مَسْجِدٍ فَصَلُّوا ولا تُؤَخِّرُوها حَتّى تَعُودُوا إلى مَساجِدِكم والأمْرُ عَلى هَذا لِلنَّدْبِ والمَسْجِدُ بِالمَعْنى المُصْطَلَحِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى اقْصِدِ المَسْجِدَ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ عَلى أنَّهُ أمْرٌ بِالجَماعَةِ نَدْبًا عِنْدَ بَعْضٍ ووُجُوبًا عِنْدَ آخَرِينَ والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَنْحَلُّ إلَيْهِ المَصْدَرُ مَعَ أنْ أيْ أنْ أقْسِطُوا والمَصْدَرُ يَنْحَلُّ إلى الماضِي والمُضارِعِ والأمْرِ وقالَ الجُرْجانِيُّ إنَّهُ عُطِفَ عَلى الخَبَرِ السّابِقِ المَقُولِ لَقُلْ وهو إنْشاءٌ مَعْنًى وإنْ أبَيْتَ فالكَلامُ مِن بابِ الحِكايَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ قُلْ مُقَدَّرًا مَعْطُوفًا عَلى نَظِيرِهِ و ﴿ أقِيمُوا ﴾ مَقُولٌ لَهُ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قُلْ أقْبِلُوا وأقِيمُوا ﴿ وادْعُوهُ ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيِ الطّاعَةَ فالدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ لِتَضَمُّنِها لَهُ والدِّينُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وقِيلَ: إنَّ هَذا أمْرٌ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ أيِ ارْغُبُوا إلَيْهِ في الدُّعاءِ بَعْدَ إخْلاصِكم لَهُ في الدِّينِ ﴿ كَما بَدَأكُمْ ﴾ أيْ أنْشَأكُمُ ابْتِداءً ﴿ تَعُودُونَ ﴾ (29) إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم فامْتَثِلُوا أوامِرَهُ أوْ فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ فَهو مُتَّصِلٌ بِالأمْرِ قَبْلَهُ وقالَ الزَّجّاجُ إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ يُعِيدُكم كَما هو المُلائِمُ لِما قَبْلَهُ إشارَةً إلى أنَّ الإعادَةَ دُونَ البَدْءِ مِن غَيْرِ مادَّةٍ بِحَيْثُ لَوْ تُصَوِّرَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ الفاعِلِ لَكانَ فِيها دُونَهُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ سَواءً كانَتِ الإعادَةُ الإيجادَ بَعْدَ الإعْدامِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ جَمْعَ مُتَفَرِّقِ الأجْزاءِ وإنَّما شَبَّهَها سُبْحانَهُ بِالإبْداءِ تَقْرِيرًا لِإمْكانِها والقُدْرَةِ عَلَيْها وقالَ قَتادَةُ المَعْنى كَما بَدَأكم مِنَ التُّرابِ تَعُودُونَ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ ﴾ وقِيلَ المَعْنى كَما بَدَأكم لا تَمْلِكُونَ شَيْئًا كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ المُرادَ أنَّ مَنِ ابْتَدَأ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ عَلى الشِّقْوَةِ صارَ إلَيْها وإنْ عَمِلَ بِأعْمالِ أهْلِ السَّعادَةِ ومَنِ ابْتَدَأ خَلْقَهُ عَلى السَّعادَةِ صارَ إلَيْها وإنْ عَمِلَ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  وفي يَدِهِ كِتابانِ فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هَذانَ الكِتابانِ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لِلَّذِي في يَدِهِ اليُمْنى هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ الجَنَّةِ وأسْماءُ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ ثُمَّ أجْمَلَ عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا ثُمَّ قالَ لِلَّذِي في شِمالِهِ هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ النّارِ وأسْماءُ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ ثُمَّ أجْمَلَ عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا فَقالَ أصْحابُهُ فَفِيمَ العَمَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَدِّدُوا وقارِبُوا فَإنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ وإنَّ صاحِبَ أهْلِ النّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ ثُمَّ قالَ أيْ أشارَ رَسُولُ اللَّهِ  بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُما ثُمَّ قالَ فَرَغَ رَبُّكم مِنَ العِبادِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ».

وقَرِيبٌ مِن هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن أنَّ المَعْنى كَما كُتِبَ عَلَيْكم تَكُونُونَ ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أنَّ المَعْنى كَما بَدَأكم مُؤْمِنًا وكافِرًا يُعِيدُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ ﴾ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يقول خلقنا لكم الثياب يُوارِي سَوْآتِكُمْ يعني يستر عوراتكم، ويقال معناه أنزلنا عليكم المطر ينبت لكم القطن والكتَّان لباساً لكم وَرِيشاً قرأ الحسن البصري ورياشاً بالألف.

وقرأ غيره وريشاً بغير ألف وقال القتبي: الريش والرياش ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به.

ويقال: الرياش: المال والمعاش.

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.

قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبي أمامة عن عوف بن أبي جميلة عن معبد الجهني في قوله: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً قال: هو ما تلبسون ورياشاً قال المعاش وَلِباسُ التَّقْوى هو الحياء ذلِكَ خَيْرٌ أي لباس التقوى وهو الحياء خير من الثياب، لأن الفاجر إنْ كان حسن الثياب فإنه بادي العورة ألا ترى إلى قول الشاعر حيث يقول: إني كأني أرى من لا حياء له ...

ولا أمانة وسط القوم عريانا وقال القتبي: لِباسُ التَّقْوى أي ما ظهر عليه من السكينة والوقار والعمل الصالح كما قال: لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: 112] أي ما ظهر عليهم من سوء آثارهم وتغيُّر حالهم.

ويقال: لِباسُ التَّقْوى الإيمان.

ويقال: العفة.

قرأ نافع والكسائي وابن عامر لِباسُ التَّقْوى بالنصب يعني: أنزل لباس التقوى ومعناه: ستر العورة.

وقرأ الباقون بالضم لِبَاسُ على معنى الابتداء.

ويقال: فيه مضموم يعني: هو لِباسُ التَّقْوى ومعناه: ستر العورة أي لباسُ المتقين.

وقرأ عبد الله بن مسعود وَلِباسُ التَّقْوى خير.

وقال مجاهد: كان أناس من العرب يطوفون حول البيت عراة فنزل قوله تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً يعني: من المال.

ويقال: معنى قوله: ذلِكَ خَيْرٌ يعني: اللباس خير من تركه لأنهم كانوا يطوفون عراة.

قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي من نعم الله على الناس، ويقال: من عجائب الله ودلائله.

لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: يتّعظون.

قوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ يقول: لا يضلّنّكم الشيطان عن طاعتي فيمنعكم من الجنة كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ حين تركا طاعتي وعصيا أمري يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما يعني: لا يفتنّنكم الشيطان عن دينكم في أمر الثياب فينزعها عنكم، فتبدو عوراتكم، كما فعل بأبويكم، نزع عنهما لباسهما وأظهر عورتهما.

وقال بعض الحكماء: إنّ المعصية شؤم تضر بصاحبها فتجعله عرياناً كما فعلت بآدم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يعني: كونوا بالحذار منه، فإنه يراكم هو أي إبليس وجنوده من الشياطين من حيث لا ترونهم.

يعني: كونوا على حذر لأنه يجري من بني آدم مجرى الدم وذكر أن إبليس لما لعن قال رب: إنّك باعث إلى بني آدم رسلاً وكتباً، فما رسلي؟

قال: الكهنة.

قال: فما كتابي؟

قال: الوشم.

قال: فما قراءتي قال: الشعر قال: فما مسجدي؟

قال: السوق.

قال: فما مؤذني؟

قال: المزامير.

قال: فما بيتي؟

قال: الحمام.

قال: فما مصائدي؟

قال النساء.

قال: فما طعامي؟

قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه.

قال: فما شرابي؟

قال: كل سكر.

قوله عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ يعني: قرناء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي لا يصدقون بالآخرة وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني: المشركين حرموا على أنفسهم أشياء قد أحل الله لهم، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، قالوا: لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها وكان رجالهم يطوفون بالنهار ونساؤهم بالليل وإذا طافت المرأة بالنهار اتخذت إزاراً من سير وكانت تبدو عورتها إذا مشت وكانت تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ...

فما بدا منه فلا أحله وإذا قيل لهم لم فعلتم هكذا قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها يعني: بتحريم هذه الأشياء وبالطواف عراة قال الله تعالى لمحمد  : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أي المعاصي أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي أتكذبون على الله وتقولون بغير علم؟

ثم بيّن لهم ما أمرهم الله تعالى به.

فقال عز وجل: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي بالعدل والصواب.

وكلمة التوحيد وهي شهادة ألاّ إله إلاّ الله وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ أي: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وقل: أقيموا وجوهكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي حوّلوا وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلاة.

وقال الكلبي: يعني إذا حضرت الصلاة وأنتم في مسجد فصلوا فيه، فلا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي.

وإذا لم يكن في مسجد فليأت أي مسجد شاء.

قال مقاتل: يعني: حوّلوا وجوهكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يقول: وحدوه واعبْدُوه بالإخلاص.

ويقال: أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم، ويقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فأمرهم الله أن يوحّدوه في التلبية مخلصين له الدين.

ثم قال: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي ليس كما تشركون.

فاحتج عليهم بالبعث متصلاً بقوله: فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي ليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.

وقال الحسن: كما خلقكم ولم تكونوا شيئا فأحياكم كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.

ويقال: كَما بَدَأَكُمْ يوم الميثاق من التصديق والتكذيب تَعُودُونَ إلى ذلك.

حيث قال: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي» .

ويقال: كَما بَدَأَكُمْ فخلقكم من التراب تَعُودُونَ تراباً بعد الموت.

وقال ابن عباس: كَما بَدَأَكُمْ مؤمناً وكافراً وشقياً وسعيداً كذلك تموتون عليه وتبعثون عليه.

ثم قال: فَرِيقاً هَدى وهم المؤمنون فعلم الله تعالى منهم الطاعة ويكرمهم بالمعرفة وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي وجب عليهم الضلالة، فخذلهم ولم يكرمهم بالتوحيد حيث علم منهم المعصية والكفر إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ يعني: لأنهم اتخذوا الشياطين أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: اتخذوهم أولياء وأطاعوهم بالمعصية وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ أي يظنون أنهم على الهدى.

قال الزجاج: فيه دليل أن من لا يعلم أنه كافر وهو كافر يكون كافراً لأن بعضهم قال: لا يكون كافراً وهو لا يعلم.

وذلك القول باطل لأن الله تعالى قال: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27] وقال: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ضعيف بكَرَاهِةِ بعض البيوع، أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزَّه عنه، ولكن لا يَجِبُ انتهى.

ونحوه لأبي عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» : ثم أخبر عز وجل أنه صَيَّرَ الشياطين أولياء، أي: صحابة، ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان لهم.

وقوله: وإذا فَعَلُوا وما بعده دَاخِلٌ في صفة الذين لا يؤمنون، والفاحشة في هذه الآية، وإن كان اللفظ عَامّاً هي كَشْفُ العَوْرَةِ عند الطَّوَافِ، فقد روي عن الزهري أنه قال:

إن في ذلك نزلت هذه الآية.

وقاله ابن عبّاس ومجاهد «١» .

وقوله عز وجل: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ تضمن معنى اقسطوا، ولذلك عطف عليه قوله: وَأَقِيمُوا حملاً على المعنى، والقِسْطُ العَدْلُ واختلف في قوله سبحانه: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فقال مجاهد، والسدي: أراد إلى الكعبة «٢» ، والمقصد على هذا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدُ مَسْجِدٍ، فَصَلُّوا فِيهِ، ولا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: أُصَلِّي في مَسْجِدِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: تَوَجَّهُوا حَيْثُ كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: اجْعَلُوا سُجُودَكم خالِصًا لَلَّهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والرّابِعُ: اقْصِدُوا المَسْجِدَ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، أمْرًا بِالجَماعَةِ لَها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وفي قَوْلِهِ: (وادْعُوهُ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العِبادَةُ.

والثّانِي: الدُّعاءُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُفْرِدِينَ لَهُ العِبادَةَ.

والثّانِي: مُوَحِّدِينَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كَما بَدَأكم سُعَداءَ وأشْقِياءَ، كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ، رَوى هَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: كَما خُلِقْتُمْ بِقُدْرَتِهِ، كَذَلِكَ يُعِيدُكم، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ، وقالَ: هَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ  ﴾ .

والثّالِثُ: كَما بَدَأكم لا تَمْلِكُونَ شَيْئًا، كَذَلِكَ تَعُودُونَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ ﴿ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَياطِينَ أولِياءَ مِن دُونِ اللهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ﴾ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ ﴾ ؛ "أقْسِطُوا"؛ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى "وَأقِيمُوا"؛ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ والحَقُّ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ؛ فَقِيلَ: أرادَ إلى الكَعْبَةِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والمَقْصِدُ - عَلى هَذا -: شَرْعُ القِبْلَةِ والأمْرُ بِالتِزامِها؛ وقِيلَ: أرادَ الأمْرَ بِإحْضارِ النِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ صَلاةٍ؛ والقَصْدَ نَحْوَهُ تَعالى ؛ كَما تَقُولُ: "وَجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ تَعالى "؛ قالَهُ الرَبِيعُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فُلا يُؤْخَذُ الوَجْهُ عَلى أنَّهُ الجارِحَةُ؛ بَلْ هو المَقْصِدُ؛ والمَنزَعُ.

وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهَذا اللَفْظِ إباحَةُ الصَلاةِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ؛ أيْ: "حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَهو مَسْجِدٌ لَكُمْ؛ تَلْزَمُكم عِنْدَ الصَلاةِ إقامَةُ وُجُوهِكم فِيهِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -"؛ قالَ قَوْمٌ: سَبَبُها أنَّ قَوْمًا كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في مَساجِدِهِمْ؛ في قِبْلَتِهِمْ؛ فَإذا حَضَرَتِ الصَلاةُ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَساجِدِ لَمْ يُصَلُّوا فِيها؛ وقَوْلُهُ تَعالى "مُخْلِصِينَ".

قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ ؛ اَلْإعْلامُ بِالبَعْثِ؛ أيْ: "كَما أوجَدَكم واخْتَرَعَكُمْ؛ كَذَلِكَ يُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ"؛ فالوَقْفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى "تَعُودُونَ"؛ و"فَرِيقًا"؛ نُصِبَ عَلى "هَدى"؛ والثانِي مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَعَذَّبَ فَرِيقًا"؛ أو: "أضَلَّ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ...".

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا؛ وأبُو العالِيَةِ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ؛ ومُجاهِدٌ أيْضًا؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ ؛ اَلْإعْلامُ بِأنَّ أهْلَ الشَقاءِ والكُفْرِ في الدُنْيا؛ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ؛ هم أهْلُ الشَقاءِ في الآخِرَةِ؛ وأهْلُ السَعادَةِ والإيمانِ؛ الَّذِينَ كُتِبَ لَهم في الدُنْيا؛ هم أهْلُهُما في الآخِرَةِ؛ لا يَتَبَدَّلُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أحْكَمَها؛ ودَبَّرَها؛ وأنْفَذَها شَيْءٌ؛ فالوَقْفُ - في هَذا التَأْوِيلِ - في قَوْلِهِ: ﴿ "تَعُودُونَ"؛ ﴾ غَيْرُ حَسَنٍ؛ و"فَرِيقًا" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - نُصِبَ عَلى الحالِ؛ والثانِي عُطِفَ عَلى الأوَّلِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ".

والضَمِيرُ في ﴿ "إنَّهُمُ"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الفَرِيقِ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ و"أولِياءَ"؛ مَعْناهُ: أنْصارًا؛ وأصْحابًا؛ وإخْوانًا؛ ﴿ "وَيَحْسَبُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: يَظُنُّونَ؛ يُقالُ: "حَسِبْتُ؛ أحَسَبُ؛ حِسْبانًا؛ ومَحْسِبَةً".

قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى خَطَإ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ ارْتَكَبَها؛ أو ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها؛ إلّا أنْ يَأْتِيَها عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِمَوْضِعِ الصَوابِ.

وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ ؛ وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنَّهُمُ اتَّخَذُوا"؛ بِفَتْحِ الألِفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد أن أبطل زعمهم أنّ الله أمرهم بما يفعلونه من الفواحش إبطالاً عاماً بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 28] استأنف استئنافاً استطرادياً بما فيه جماع مقوّمات الدّين الحق الذي يجمعه معنى القِسْط أي العدل تعليماً لهم بنقيض جهلهم، وتنويهاً بجلال الله تعالى، بأنّ يعلموا ما شأنه أن يأمر الله به.

ولأهميّة هذا الغرض، ولمضادته لمدّعاهم المنفي في جملة: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 28] فُصلت هذه الجملة عن التي قبلها، ولم يُعطف القولُ على القول ولا المقول على المقول: لأنّ في إعادة فعل القَول وفي ترك عطفه على نظيره لَفْتاً للأذهان إليه.

والقسط: العَدل وهو هنا العدل بمعناه الأعمّ، أي الفعل الذي هو وسط بين الإفراط والتّفريط في الأشياء، وهو الفضيلة من كلّ فعل، فالله أمر بالفضائل وبما تشهد العقول السّليمة أنّه صلاح محض وأنّه حسن مستقيم، نظير قوله: ﴿ وكان بين ذلك قَواماً ﴾ [الفرقان: 67] فالتّوحيد عدل بين الإشراك والتّعطيل، والقصاص من القاتل عدل بين إطلال الدّماء وبين قتل الجماعة من قبيلة القاتل لأجل جناية واحد من القبيلة لم يُقدَر عليه.

وأمَر الله بالإحسان، وهو عدل بين الشحّ والإسراف، فالقسط صفة للفعل في ذاته بأن يكون ملائماً للصّلاح عاجلاً وآجلاً، أي سالماً من عواقب الفساد، وقد نقل عن ابن عبّاس أنّ القسط قول لا إله إلاّ هو، وإنّما يعني بذلك أنّ التّوحيد من أعظم القسط، وهذا إبطال للفواحش التي زعموا أنّ الله أمرهم بها لأنّ شيئاً من تلك الفواحش ليس بقسط، وكذلك اللّباس فإنّ التّعري تفريط، والمبالغة في وضع اللباس إفراطٌ، والعدل هو اللّباس الذي يستر العورة ويدفع أذى القرّ أو الحَرّ، وكذلك الطّعام فتحريم بعضه غلو، والاسترسال فيه نهامة، والوسط هو الاعتدال، فقوله: ﴿ أمر ربي بالقسط ﴾ كلام جامع لإبطال كلّ ما يزعمون أنّ الله أمرهم به ممّا ليس من قبيل القسط.

ثمّ أعقبه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم عن الله: ﴿ أقيموا وجوهكم عند كل مسجد ﴾ فجملة: ﴿ وأقيموا ﴾ عطف على جملة: ﴿ أمر ربي بالقسط ﴾ أي قُلْ لأولئك المخاطبين أقيموا وجوهكم.

والقصد الأوّل منه إبطال بعض ممّا زعموا أنّ الله أمرهم به بطريق أمرهم بضدّ ما زعموه ليحصل أمرهم بما يرضي الله بالتّصريح.

وإبطالُ شيء زعموا أنّ الله أمرهم به بالالتزام، لأنّ الأمر بالشّيء نهي عن ضدّه، وإن شئت قلت لأنّ من يريد النّهي عن شيءٍ وفعلَ ضدّه يأمر بضدّه فيحصل الغرضان من أمره.

وإقامة الوجوه تمثيل لكمال الإقبال على عبادة الله تعالى، في مواضع عبادته، بحال المتهيّئ لمشاهدة أمر مهم حين يُوجه وجهه إلى صَوْبه، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فذلك التّوجّه المحض يطلق عليه إقامة لأنّه جعل الوَجه قائماً، أي غير متغاضضٍ ولا متوان في التّوجّه، وهو في إطلاق القيام على القوّة في الفعل كما يقال: قامت السّوق، وقامت الصّلاة، وقد تقدّم في أوّل سورة البقرة (3) عند قوله: ﴿ ويقيمون الصلاة ومنه قوله تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفاً ﴾ [الروم: 30] فالمعنى أنّ الله أمر بإقامة الوجوه عند المساجد، لأنّ ذلك هو تعظيم المعبود ومكان العبادة، ولم يأمر بتعظيمه ولا تعظيم مساجده بما سوى ذلك مثل التّعرّي، وإشراك الله بغيره في العبادة مناف لها أيضاً، وهذا كما ورد في الحديث: «المصلّي يناجي ربّه فلا يَبْصُقَنّ قِبل وجهه» فالنّهي عن التّعرّي مقصود هنا لشمول اللّفظ إياه، ولدلالة السّياق عليه بتكرير الامتنان والأمرِ باللّباس: ابتداء من قوله: ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ [الأعراف: 20] إلى هنا.

ومعنى: ﴿ عند كل مسجد ﴾ عند كلّ مكان متخَذ لعبادة الله تعالى، واسم المسجد منقول في الإسلام للمكان المعيَّن المحدود المتّخذ للصّلاة وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ﴾ في سورة العقود (2)، فالشّعائر التي يوقعون فيها أعمالاً من الحجّ كلّها مساجد، ولم يكن لهم مساجد غير شعائر الحجّ، فذِكر المساجد في الآية يعيّن أنّ المراد إقامة الوجوه عند التّوجّه إلى الله في الحجّ بأن لا يشركوا مع الله في ذلك غيرَه من أصنامهم بالنّية، كما كانوا وضعوا (هُبَلَ) على سطح الكعبة ليكون الطّواف بالكعبة لله ولهُبل، ووضعوا (إسافاً ونائلة) على الصّفا والمروة ليكون السّعي لله ولهما.

وكان فريق منهم يهلّون إلى (منَاة) عند (المشلل)، فالأمر بإقامة الوجوه عند المساجد كلّها أمر بالتزام التّوحيد وكمال الحال في شعائر الحجّ كلّها، فهذه مناسبة عطف قوله: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } عقب إنكار أن يأمر الله بالفحشاء من أحوالهم، وإثبات أنّه أمر بالقسط ممّا يضادها.

وهذا الأمر وإن كان المقصود به المشركين لأنّهم المتّصفون بضدّه، فللمؤمنين منه حظّ الدّوام عليه، كما كان للمشركين حظّ الإعراض عنه والتّفريط فيه.

والدّعاء في قوله: ﴿ وادعوه مخلصين له الدين ﴾ بمعنى العبادة أي اعبدوه كقوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله ﴾ [الأعراف: 194].

والإخلاص تمحيض الشّيء من مخالطة غيره.

والدّين بمعنى الطّاعة من قولهم دنت لفلان أي أطعته.

ومنه سمّي الله تعالى: الديَّان، أي القهّار المذلّل المطوع لسائر الموجودات ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ [البينة: 5]، والمقصد منها إبطال الشّرك في عبادة الله تعالى، وفي إبطاله تحقيق لمعنى القِسط الذي في قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ كما قدمناه هنالك، و ﴿ مخلصين ﴾ حال من الضّمير في ادعوه.

وجملة: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ في موضع الحال من الضّمير المستتر في قوله: ﴿ مخلصين ﴾ وهي حال مقدرة أي: مقدّرين عَودكم إليه وأنّ عودكم كبدئكم، وهذا إنذار بأنّهم مُؤاخدون على عدم الإخلاص في العبادة، فالمقصود منه هو قوله: ﴿ تعودون ﴾ أي إليه، وأدمج فيه قوله: ﴿ كما بدأكم ﴾ تذكيراً بإمكان البعث الذي أحالوه؛ فكان هذا إنذاراً لهم بأنّهم عائدون إليه فمُجَازَوْن عن إشراكهم في عبادته، وهو أيضاً احْتجاج عليهم على عدم جدوى عبادتهم غيرَ الله، وإثبات للبعث الذي أنكروه بدَفع موجب استبعادهم إياه، حين يقولون: ﴿ أإذا مِتنَا وكنّا تراباً وعظاماً ءإنّا لمبعوثون ﴾ [الواقعة: 47] ويقولون ﴿ أينا لمردودون في الحافرة أإذا كنّا عظاماً نَخِرة ﴾ [النازعان: 10، 11] ونحو ذلك، بأنّ ذلك الخلق ليس بأعجبَ من خلقهم الأوّل كما قال تعالى: ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15] وكما قال: ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ [الروم: 27] أي بنقيض تقدير استبعادهم الخلق الثّاني، وتذكير لهم بأنّ الله منفرد بخلقهم الثّاني، كما انفرد بخلقهم الأوّل، فهو منفرد بالجزاء فلا يغني عنهم آلهتهم شيئاً.

فالكاف في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ لتشبيه عود خلقهم ببدئه و(ما) مصدريّة والتّقدير: تعودون عوداً جديداً كبدئه إيَّاكم، فقدم المتعلِّق، الدّال على التّشبيه، على فعلِه، وهو تعودون، للاهتمام به، وقد فسّرت الآية في بعض الأقوال بمعان هي بعِيدة عن سياقها ونظمها.

و ﴿ فريقاً ﴾ الأوّلُ والثّاني منصوبان على الحال: إمَّا من الضّمير المرفوع في ﴿ تعودون ﴾ ، أي ترجعون إلى الله فريقين، فاكتُفي عن إجمال الفريقين ثم تفصيلِهما بالتّفصيل الدّال على الإجمال تعجيلاً بذكر التّفصيل لأنّ المقام مقام ترغيب وترهيب، ومعنى ﴿ فريقاً هدى ﴾ : أنّ فريقاً هداهم الله في الدّنيا وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة، أي في الدّنيا، كما دلّ عليه التّعليل بقوله: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ ، وإمّا من الضّمير المستتر في قوله: ﴿ مخلصين ﴾ أي ادْعُوه مخلصين حال كونكم فريقين: فريقاً هداه الله للإخلاص ونبذِ الشّرك، وفريقاً دام على الضّلال ولازم الشّرك.

وجملة: ﴿ هدى ﴾ في موضع الصّفة لفريقاً الأوّل، وقد حذف الرّابط المنصوب: أي هداكم الله، وجملة: ﴿ حق عليهم الضلالة ﴾ صفة ﴿ فريقاً ﴾ الثّاني.

وهذا كلّه إنذار من الوقوع في الضّلالة، وتحذير من اتّباع الشّيطان، وتحريض على توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى، كما دلّ عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله: ﴿ هدى ﴾ فيعلم السّامعون أنّهم إذا رجعوا إليه فريقين كان الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم الله تعالى كما قال: ﴿ أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ﴾ [المجادلة: 22] وأنّ الفريق الخاسر هم الذين حَقّت عليه الضّلالة واتّخذوا الشّياطين أولياء من دون الله كما قال: ﴿ أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾ [المجادلة: 19].

وتقديم ومعنى: حق عليهم الضلالة} ثبتت لهم الضّلالة ولزموها.

ولم يقلعوا عنها، وذلك أنّ المخاطبين كانوا مشركين كلّهم، فلمّا أمروا بأن يعبدوا الله مخلصين افترقوا فريقين: فريقاً هداه الله إلى التّوحيد، وفريقاً لازم الشّرك والضّلالة، فلم يطرأ عليهم حال جديد.

وبذلك يظهر حسن موقع لفظ: ﴿ حق ﴾ هنا دون أن يقال أضلّه الله، لأنّ ضلالهم قديم مستمر اكتسبوه لأنفسهم، كما قال تعالى في نظيره: ﴿ فمنهم من هدى اللَّه ومنهم من حقت عيله الضلالة ﴾ [النحل: 36] ثمّ قال ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ [النحل: 37]، فليس تغيير الأسلوب بين: ﴿ فريقاً هدى ﴾ وبين ﴿ وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ تحاشيا عن إسناد الإضلال إلى الله، كما توهمه صاحب «الكشاف»، لأنّه قد أسند الإضلال إلى الله في نظير هذه الآية كما علمت وفي آيات كثيرة، ولكنّ اختلاف الأسلوب لاختلاف الأحوال.

وجُرد فعل حقّ عن علامة التّأنيث لأنّ فاعله غير حقيقي التّأنيث، وقد أظهرت علامة التّأنيث في نظيره في قوله تعالى: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ [النحل: 36].

وقوله: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ استئناف مراد به التّعليل لجملة ﴿ حقت عليه الضلالة ﴾ [النحل: 36]، وهذا شأن (إنّ) إذا وقعت في صدر جملة عقب جملة أخرى أن تكون للرّبط والتّعليل وتغني غَنَاء الفاء، كما تقدّم غيرَ مرّة.

والمعنى أنّ هذا الفريق، الذي حَقت عليهم الضّلالة، لمّا سمعوا الدّعوة إلى التّوحيد والإسلام، لم يطلبوا النّجاة ولم يتفكّروا في ضلال الشّرك البيِّن، ولكنّهم استوحوا شياطينهم، وطابت نفوسهم بوسوستهم، وائتمروا بأمرهم، واتّخذوهم أولياء، فلا جرم أن يدوموا على ضلالهم لأجل اتّخاذهم الشّياطين أولياء من دون الله.

وعطف جملة: ﴿ ويحسبون ﴾ على جملة: ﴿ اتخذوا ﴾ فكان ضلالهم ضلالاً مركباً، إذ هم قد ضلّوا في الائتمار بأمر أيمّة الكفر وألياء الشّياطين، ولمّا سمعوا داعي الهُدى لم يتفكّروا، وأهملوا النّظر، لأنّهم يحسبون أنّهم مهتدون لا يتطرق إليهم شكّ في أنّهم مهتدون، فلذلك لم تخطر ببَالهم الحاجة إلى النّظر في صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم والحسبان الظنّ، وهو هنا ظن مجرّد عن دليل، وذلك أغلب ما يراد بالظنّ وما يرادفه في القرآن.

وعطف هذه الجملة على التي قبلها، واعتبارهما سواء في الإخبار عن الفريق الذين حقّت عليهم الضّلالة، لقصد الدّلالة على أنّ ضلالهم حاصل في كلّ واحد من الخبرين، فولاية الشّياطين ضلالة، وحسبانهم ضلالهم هدى ضلالة أيضاً، سواء كان ذلك كلّه عن خطأ أو عن عناد، إذ لا عذر للضّال في ضلاله بالخطأ، لأنّ الله نصب الأدلّة على الحقّ وعلى التّمييز بين الحقّ والباطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها ورَدَتْ في العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، والفاحِشَةُ الَّتِي فَعَلُوها كَشْفُ العَوْرَةِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي أنَّها في عَبَدَةِ الأوْثانِ، والفاحِشَةُ الَّتِي فَعَلُوها الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ أنَّها اتِّخاذُ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالصِّدْقِ.

والثّانِي: بِالعَدْلِ.

﴿ وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ تَوَجَّهُوا حَيْثُ كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مَعْناهُ اجْعَلُوا سُجُودَكم خالِصًا لِلَّهِ تَعالى دُونَ ما سِواهُ مِنَ الأوْثانِ والأصْنامِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ اقْصِدُوا المَسْجِدَ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، أمْرًا بِالجَماعَةِ لَها، نَدْبًا عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وحَتْمًا عَنِ الأقَلِّينَ.

والرّابِعُ: أنَّ أيَّ مَوْضِعٍ أدْرَكْتَ فِيهِ وقْتَ الصَّلاةِ فَصَلِّ فِيهِ فَإنَّهُ مَسْجِدٌ ولا تُؤَخِّرْها إلى حُضُورِ المَسْجِدِ.

﴿ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أقَرُّوا لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وإخْلاصِ الطّاعَةِ.

والثّانِي: ارْغَبُوا إلَيْهِ في الدُّعاءِ بَعْدَ إخْلاصِكم لَهُ الدِّينَ.

﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كَما بَدَأكم شَقِيًّا وسَعِيدًا، كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: كَما بَدَأكم فَآمَنَ بَعْضُكم وكَفَرَ بَعْضُكم، كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

رَوى أبُو سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «تُبْعَثُ كُلُّ نَفْسٍ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ» .

والثّالِثُ: كَما خَلَقَكم ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، كَذَلِكَ تَعُودُونَ بَعْدَ الفَناءِ أحْياءً، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: كَما بَدَأكم لا تَمْلِكُونَ شَيْئًا، كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا وأوَّلُ مَن يُكْسى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قَرَأ ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ  ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال: بالعدل ﴿ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ﴾ قال: إلى الكعبة حيث صليتم في كنيسة أو غيرها ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال: شقي أو سعيد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون ﴾ يقول: اخلصوا له الدين كما بدأكم في زمان آدم حيث فطرهم على الإِسلام يقول: فادعوه كذلك لا تدعوا لها غيره وأمرهم أن يخلصوا له الدين والدعوة والعمل، ثم يوجهوا وجوههم إلى البيت الحرام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون...

﴾ الآية.

قال: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، كما قال: ﴿ هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ﴾ [ التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً.

وأخرج ابن جرير عن جابر في الآية قال: يبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال: من ابتدأ الله خلقه على الهدى والسعاده صيره إلى ما ابتدأ عليه خلقه، كما فعل بالسحرة ابتدأ خلقهم على الهدى والسعادة حتى توفاهم مسلمين، وكما فعل بإبليس ابتدأ خلقه على الكفر والضلالة وعمل بعمل الملائكة فصيره الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الكفر.

قال الله تعالى ﴿ وكان من الكافرين ﴾ [ البقرة: 34] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ يقول: كما خلقناكم أول مرة كذلك تعودون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئاً فأحياكم، كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال: خلقهم من التراب وإلى التراب يعودون.

قال: وقيل في الحكمة: ما فخر من خلق من التراب وإلى التراب يعود، وما تكبر من هو اليوم حي وغداً يموت، وأن الله وعد المتكبرين أن يضعهم ويرفع المستضعفين.

فقال: ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴾ [ طه: 55] ثم قال: ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال: إن تموتوا يحسب المهتدي أنه على هدى ويحسب الغني أنه على هدى، حتى يتبين له عند الموت وكذلك تبعثون يوم القيامة.

وذلك قوله: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال: كما كتب عليكم تكونون ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الظلالة ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن عمر بن أبي معروف قال: حدثني رجل ثقة في قوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال: قلفاً بظرا.

وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن وهب العبدي.

أن تأويل هذه الآية ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ تكون في آخر هذه الأمة.

وأخرج البخاري في الضعفاء عن عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يمسخ خلقاً كثيراً، وإن الإِنسان يخلو بمعصيته فيقول الله تعالى استهانة بي، فيمسخه ثم يبعثه يوم القيامة إنساناً يقول ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ ثم يدخله النار» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ﴾ ، قال ابن عباس: (بلا إله إلا الله) (١) (٢) وقال عطاء (٣) (٤) قال الزجاج: (هذا رد لقولهم: ﴿ وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ في الآية الأولى) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ، قال أبو علي الجرجاني: (نسق الأمر على الخبر (٦) ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي ﴾ قول؛ لأن الأمر لا يكون إلا كلامًا، والكلام قول فكأنه قال: قل يقول ربي أقسطوا ﴿ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ) (٧) ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ، أي: وجهوا وجوهكم (٨) (٩) (١٠) (١١) وقال عطاء عن ابن عباس: (صلوا لله وحده في كل مسجد) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال أبو إسحاق: (أي (١٦) (١٧) ﴿ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ يريد: وحدوه ولا تشركوا به شيئًا (١٨) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا و (١٩) ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ  ﴾ ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنًا وكافرًا، فيبعث المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا) (٢٠) (٢١) (٢٢) قال عطاء: (يريد: من خلقه للجنة يعود في البعث إلى الجنة، ومن خلقه للنار يعود في البعث إلى النار) (٢٣) وقال القرظي (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال الفراء: (يقول بدأكم (٢٩) (٣٠) وقال الحسن ومجاهد: (كما بدأكم فخلقكم في الدنيا، ولم تكونوا شيئًا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء) (٣١) ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم) (٣٢) قال ابن الأنباري: (موضع الكاف في ﴿ كَمَا ﴾ نصب بـ ﴿ تَعُودُونَ ﴾ وهو على مذهب العرب في تقديم مفعول الفعل (٣٣) (٣٤) وقال أبو علي الفارسي: (قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ ، ليس معنى الكلام على الظاهر؛ لأن الظاهر (تعودون كالبدء) (٣٥) ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ (كما بدأ خلقكم) أي: يعود خلقكم عودًا كبدئه (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  ﴾ (٣٩) (١) "تنوير المقباس" 2/ 88، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 189 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 172، والبغوي 3/ 223، والرازي 14/ 57، والقرطبي 7/ 188، و"الخازن" 2/ 222.

(٢) ذكره الثعلبي 189 أ، والواحدي 1/ 172، والبغوي 3/ 223.

(٣) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 57، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155 بسند جيد عن مجاهد والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1462 بسند ضعيف عن ابن عباس، وقال: (روي عن مجاهد والسدي وقتادة مثل ذلك) وهو قول الطبري والزجاج في "معانيه" 2/ 330، والنحاس 3/ 25، والمعاني متقاربة، فالقسط العدل والحق والاستقامة فيحمل ما ذى على التمثيل.

انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 478، وابن كثير 2/ 133.

(٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 330، و"الفتاوى" 15/ 8 - 9، و"بدائع التفسير" 2/ 203 - 204.

(٦) ذكره السمين في "الدر" 5/ 296 - 297 عن الجرجاني صاحب النظم، وفيه: (نسق الأمر على الجر) بدل لفظ (الخبر)، والأمر ﴿ وَأَقِيمُوا ﴾ والجر ﴿ بِالْقِسْطِ ﴾ .

(٧) في "الدر المصون": (أقسطوا وأقيموا) يعني أنه عطف على المعنى) اهـ.

واختار أبو حيان في "البحر" 4/ 287، والسمين في "الدر" 5/ 295 - 297، أنه معطوف على الأمر المقدر الذي ينحل إليه المصدر وهو ﴿ بِالْقِسْطِ ﴾ وذلك أن القسط == مصدر فهو ينحل لحرف مصدري وفعل والتقدير: قل أمر ربي بأن أقسطوا وأقيموا.

وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 75، وابن عطية 5/ 478، والرازي 14/ 57، و"التبيان" ص 372، و"الفريد" 2/ 288.

(٨) في (ب): (وجهوا لوجوهكم)، وهو تحريف.

(٩) في (ب): (قال)، وهو تحريف.

(١٠) "تفسير مجاهد" 1/ 234.

وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155، وابن أبي حاتم 5/ 1462 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 143.

(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155 من عدة طرق جيدة عن السدي، وابن زيد، وذكره الثعلبي 189 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 185 عن مجاهد والسدي وابن زيد، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 33، والقرطبي 7/ 188.

(١٢) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 185، والرازي 14/ 58، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.

(١٣) ذكره الثعلبي في "الكشف" 189 أ، والبغوي 3/ 223، وابن الجوزي 3/ 185، و"الخازن" 2/ 222، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.

(١٤) هنا وقع اضطراب في ترتيب نسخة: (ب)، فتقدم تفسير بعض الآيات.

(١٥) "معاني الفراء" 2/ 376، وهو قول الكلبي كما ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 537، واختاره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 177.

(١٦) في (أ): (أي في وقت).

(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 330، والظاهر أن المعنى: اقصدوا عبادته وحده وتوجهوا إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي وقت ومسجد، وهو ظاهر كلام الطبري في "تفسيره" 8/ 155، وأخرجه بسند جيد عن الربيع بن أنس، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 479، وابن كثير 2/ 233، و"بدائع التفسير" 2/ 203 - 204، و"فتح البيان" لصديق خان 4/ 329.

(١٨) قال الزجاج في "معانيه" 2/ 331: (أي: مخلصين له الطاعة) اهـ.

والمعنى: اعبدوه وحده حال كونكم مخلصين العبادة والدعاء له لا لغيره، وهو ظاهر كلام الطبري في "تفسيره" 8/ 155، والسمرقندي 1/ 537، وصديق خان 4/ 329.

(١٩) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٢٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 156، وابن أبي حاتم 5/ 1462 بسند جيد.

(٢١) ومنهم مجاهد في "تفسيره" 1/ 235، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 225 - 226 بسند جيد عن مجاهد والكلبي، وأخرجه الطبري 8/ 156، 157 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والسدي وأخرجه بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله  ، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1463 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وأبي العالية، وذكره عن أبي رزين وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 34، وأخرجه الثوري في "تفسيره" ص 112 بسند جيد عن مجاهد.

(٢٢) "معاني القرآن" 1/ 376.

(٢٣) لم أقف عليه.

(٢٤) القرظي: هو محمد بن كعب، إمام.

تقدمت ترجمته.

(٢٥) في (أ): (إلي).

(٢٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٧) لفظ: (أهل) ساقط من (أ).

(٢٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 157، وابن أبي حاتم 5/ 1463 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 144.

(٢٩) في (ب): (كما بداكم).

(٣٠) "معاني الفراء" 1/ 376.

(٣١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 157 بسند جيد عن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد، وأخرجه عن ابن عباس بسند ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1463 بسند جيد عن السدي، وأخرجه عن ابن عباس بسند ضعيف.

(٣٢) "معاني القرآن" 2/ 331، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 158، 159، == والزمخشرى في "الكشاف" 2/ 75 - 76، والقرطبي 7/ 188 والظاهر الجمع بين القولين، وأن الآية إعلام بالبعث، أي: كما خلقكم يعيدكم بعد الموت على ما سبق لكم في علم الله تعالى من سعادة أو شقاوة، فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة، والآيات الدالة على ذلك كثيرّةً جدَّا، ومنها قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  ﴾ وغيرها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى، وعلى المعاد بالمبدأ، فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ .

وأخرج البخاري في "صحيحه" رقم (4625) في كتاب التفسير آخر تفسير سورة المائدة، ومسلم رقم (2860) كتاب الجنة ونعيمها، باب: متاع الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة.

عن ابن عباس -  ما- قال: (خطب رسول الله  فقال: "يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرلاً" ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ  ﴾ ) اهـ.

وأخرج مسلم رقم (2878) كتاب الجنة ونعيمها، باب: الأمر بحسن الظن.

عن جابر بن عبد الله -  ما- أن النبي -  - قال: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" اهـ قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 297 - 298: (في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير كل واحد منهما حق ويشهد له القرآن) اهـ.

ثم حكى نحو ما ذكره الواحدي.

وانظر: "معاني النحاس" 3/ 26، و"تفسير السمرقندي" 1/ 537، والماوردي 2/ 217، والبغوي 3/ 223 - 224، وابن عطية 5/ 479، وابن الجوزي 3/ 185 - 186، والرازي 14/ 58، و"بدائع التفسير" 2/ 204 - 206، و"البحر المحيط" 4/ 288.

(٣٣) لفظ: (الفعل) ساقط من (أ) وملحق بالهامش.

(٣٤) ذكره السمين في "الدر" 5/ 297.

(٣٥) في (أ): (على البدء).

وفي "الحجة" لأبي علي 5/ 263: (تعودون كالبدء).

(٣٦) في (ب): (عودًا لبدئه).

وفي "الحجة" 5/ 263: (فتقدير ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ كما بدأ خلقكم يعود خلقكم أي: يعود خلقكم عودًا كبدئه) اهـ.

(٣٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٣٩) "الحجة" لأبي علي 5/ 263 وفيه: (فكما أنه لم يُعْنَ بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه منه، كذلك لا يعني بالعود من غير حذف المضاف إليه منه فَحُذِف المضافُ الذي هو الخلق فلما حذف قام المضاف إليه مقام الفاعل وصار الفاعلون مخاطبين كما أنه لما حُذف المضاف من قوله: (كما بدأ خلقكم) صار المخاطبون مفعولين في اللفظ ومثل ذلك في المعنى ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ والخلق هنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق) اهـ.

وذكره السمين في "الدر" 5/ 297، وقال: (يعني: أن الأصل كما بدأ خلقكم يعود خلقكم فحذف الخلق في الموضعين فصار المخاطبون في الأول مفعولين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة، وفيِ الثاني صاروا فاعلين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة أيضًا، وقوله ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ ﴾ الكاف في محل نصب نعتًا لمصدر محذوف تقديره: تعودون عودًا مثل ما بدأكم، وهذا أليق بلفظ الآية الكريمة) اهـ.

وانظر: == "إعراب النحاس" 1/ 608، و"المشكل" 1/ 287، و"البيان" 1/ 359، و"التبيان" ص 372، و"الفريد" 2/ 288.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة ﴾ قيل: هي ما كانت العرب تفعله من الطواف بالبيت عراة؛ الرجال والنساء، ويحتمل العموم في الفواحش ﴿ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا ﴾ اعتذروا بعذرين باطلين أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ قيل: المراد إحضار النية، والإخلاص لله، وقيل: فعل الصلاة والتوجه فيها ﴿ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ أي في كل مكان سجود أو في وقت كل سجود، والأول أظهر، والمعنى إباحة الصلاة في كل موضع كقوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً» ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ احتجاج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى ﴿ فَرِيقاً ﴾ الأول منصوب بهدى، والثاني منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورياشا ﴾ أبو زيد عن المفضل.

الباقون ﴿ ريشاً ﴾ ﴿ ولباس ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ.

الباقون بالرفع.

﴿ خالصة ﴾ بالرفع: نافع.

الآخرون بالنصب ﴿ ربي الفواحش ﴾ مرسلة الباء: حمزة.

الوقوف: ﴿ وريشاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولباس ﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿ التقوى ﴾ ﴿ خير ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ سوآتهما ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أمرنا بها ﴾ ط ﴿ بالفحشاء ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ط ﴿ تعودون ﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿ الضلالة ﴾ ج ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام.

﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ من الرزق ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ أجل ﴾ ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا ﴾ وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ ﴿ وأنزلنا الحديد  ﴾ والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال  ﴾ ومن قرأ ﴿ رياشاً ﴾ فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب.

وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر.

ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش.

وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال.

أما قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي ﴿ ذلك خير ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو ﴿ خير ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير.

والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة.

ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله  ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده.

أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب.

أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة.

ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان.

وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.

وقيل: هو السمت الحسن.

وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً.

وقال معبد: هو الحياء.

وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات.

وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله  مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف  ﴾ ﴿ وذلك من آيات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.

ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.

وقال الخليل: الفتن الإحراق.

وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله  : ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر.

ومحل ﴿ كما أخرج ﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة.

ومحل ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما.

واللام في ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ﴿ ليبدي لهما  ﴾ قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.

وعن عائشة  ا ما رأيت منه ولا رأى مني.

وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم.

واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر.

وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.

وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان.

وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي.

ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً.

والقبيل بنو أب واحد.

وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده.

وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته.

﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون.

قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله  يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه  كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.

وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه  خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه  لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس.

قال بعض العلماء: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة.

ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد.

وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى.

وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.

والضمير في ﴿ إنه ﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ الآية.

واحتج أهل السنة على أنه  هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً  ﴾ اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟

وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب.

وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها.

ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ ؟

والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه  مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً.

وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله  بذاته وأفعاله وأحكامه.

أما قوله: ﴿ وأقيموا ﴾ فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا ﴿ وجوهكم ﴾ أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ﴿ عند كل مسجد ﴾ في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي.

ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين  ﴾ ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء.

وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله  في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة.

ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ وانتصاب ﴿ فريقاً ﴾ الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به.

قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة.

وأجيب بأن قوله: ﴿ هدى ﴾ و ﴿ حق ﴾ ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال.

ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.

ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين.

ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله .

*** وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد.

وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.

وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية.

قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله  : ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ يعني الثياب.

وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.

والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة.

وقيل: الزينة المشط.

وقيل: الطيب.

ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ.

فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته.

قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة.

وأجيب بأن اللام في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة  ﴾ تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله  فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟

أما قوله: ﴿ وكلوا ﴾ أي اللحم والدسم.

﴿ واشربوا ﴾ فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة.

وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين.

أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل.

والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.

وفي قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.

الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها.

وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله  لهم.

قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي.

وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان.

فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.

قال: وما هي؟

قال: قوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا  الطب في ألفاظ يسيرة.

قال: وما هي؟

قال: قوله: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.

قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة.

وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب.

عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله  وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام.

قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات.

فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة.

فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك.

فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك.

فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة.

فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله  .

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم.

قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.

قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة.

ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي.

واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام.

قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله  بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله  أعلم.

ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً  ﴾ وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر.

قال أبو علي: أو على الخبر ﴿ والذين آمنوا ﴾ متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿ يوم القيامة ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ آمنوا ﴾ و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ خالصة ﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار.

وعلى الأول يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة.

ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.

ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والإثم ﴾ وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر.

وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم.

وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: ﴿ والبغي بغير الحق ﴾ ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله  عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة.

فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال.

ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه  أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة.

وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول.

وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال.

وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل.

ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال.

وليس المراد أنه  لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه  وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه  اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً.

والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته.

قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ؟

وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى.

التأويل: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ هو لباس الشريعة ﴿ يواري ﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿ وريشاً ﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ ولباس التقوى ﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي.

فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ ذلك خير ﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.

﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿ كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ وجوار الحق ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ ليريهما سوآتها ﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿ وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني.

﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء ﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة.

﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿ قالوا إنا وجدنا آباءنا ﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿ والله أمرنا ﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ ﴿ كما بدأكم ﴾ لطفاً أو قهراً ﴿ تعودون ﴾ إليه.

فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿ خذوا زينتكم ﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في مقام العندية كما قال: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية.

﴿ زينة الله ﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ الفواحش ﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام ﴿ ما ظهر منها ﴾ ارتكاب المناهي ﴿ وما بطن ﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ ما ظهر منها ﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿ وما بطن ﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ ما ظهر منها ﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿ وما بطن ﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين.

﴿ والإثم ﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿ والبغي ﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه.

وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿ وأن تقولوا ﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿ على الله ما لا تعلمون ﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين ﴿ ولكل أمة ﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ﴾ .

قال ابن عباس -  -: كل معصية فاحشة، والفاحشة: كل ما عظم فيه النهي، فإذا ارتكبوا ذلك فهو فاحشة.

وقال مجاهد: فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.

وقال غيره من أهل التأويل: الفاحشة هو ما حرموا من الحرث والأنعام والبنات، وغيره من نحو السائبة والحامي وغيره، لكن الفاحشة ما ذكرنا: أن كل ما عظم النهي فيه والزجر فهو فاحشة، والفاحشة هو ما عظم من الأمر، يعرف ذلك بوجهين: أحدهما: يعظم ذلك في العقل، والثاني: بالسمع يرد فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .

ادعوا في ذلك أمر الله ورضاه به، ويقولون: لو لم يرض بذلك ولم يأمر، لكان ينكلهم وينتقم منهم، يعنون آباءهم، فاستدلوا بتركهم وما فعلوا على أن الله قد كان رضي بذلك، وأمرهم أن يفعلوا ذلك؛ فدل تركه إياهم على ذلك على أنه قد أمرهم بذلك، ورضي عنهم؛ كمن يخالف في الشاهد ملكاً من الملوك في أمره ونهيه، فإنه ينكله على ذلك وينتقم منه؛ إذا كان قادراً على ذلك، فإذا لم يفعل ذلك به دل ذلك منه على الرضا به؛ فعلى ذلك الله: لما لم ينتقم منهم ولم ينكلهم، دل ذلك على الرضا والأمر به.

والثاني: كأنهم أخذوا ذلك من المسلمين لما سمعوا من المسلمين قالوا: "ما شاء الله كان" ظنوا أن ما كان من آبائهم كان بأمر من الله ورضاه، لم يفصلوا بين المشيئة والأمر: المشيئة والإرادة [هي] صفة فعل كل فاعل يفعله على الاختيار، نحو أن يقال: شاء فعل كذا، أو أراد أمر كذا، ولا يجوز أن يقال: أمر نفسه بكذا، أو نهى نفسه عن كذا.

وأما قولهم: إن لم ينكل آباءهم، ولم ينتقم منهم بما فعلوا، دل أنه رضي بذلك، فيقال: إن فيهم من فعل على خلاف فعلهم وغير صنيعهم ضد ما فعل أولئك، ثم لم يفعل بهم ذلك، فهل دلّ ذلك على الرضا منه بذلك؛ فإن قلتم: بلى [فقد] رضي بفعلين متضادين.

وإن قلتم: لا فكيف دلّ ذلك في أولئك على الرضا والأمر، ولم يدل فيمن فعلوا بخلاف فعلهم؛ فهذا تناقض؟!

وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ ﴾ لهم يا محمد.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

إن الله أمر بهذا وحرم هذا، وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ \[الفحشاء\]: هو ما ذكرنا ما عظم النهي فيه، أو كل ما يشتد فيه النهي ويغلظ أو يكثر هو الفحشاء.

ألا ترى أنه يقال لكل شيء يكثر: فحش، من نحو الكلام وغيره أنه إذا خرج عن حدّه وجاوزه يقال: فحش؛ فعلى ذلك الفحشاء - هاهنا - هو ما جاوز حده في القبح، أو جاوز الحد من الكثرة، وهم قد أكثروا الافتراء على الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: بل تقولون على الله ما لا تعلمون: إنه أمر بذلك.

وقيل: قوله: ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: تعلمون أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؛ لأنهم لم يكونوا يؤمنون بالرسل، ولا كان لهم كتاب، فكيف تعلمون أن الله أمركم بذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ لا يجوز ألا يعلم الله، ولكن على النفي لذلك، ليس كما تقولون وتنبئون، ولكن يعلم خلاف ذلك وضده، ويكون في نفي ذلك إثبات غيره؛ فعلى ذلك يعلمون أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون.

وأسباب العلم بهذا: إما الرسل يخبرون عن الله ذلك، وإما الكتاب يجدونه فيه مكتوباً، فيعلمون فتتسع الشهادة بذلك، وهم قوم لا يصدقون الرسل، ولا يؤمنون بخبرهم، وليس لهم كتاب - أيضاً - يقرءونه، فما بقي إلا وحي الشيطان إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

والقسط: هو العدل في كل شيء: في القول والفعل وغيره، كقوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ ، وأصل العدل: هو محافظة الشيء على الحد الذي جعل له، ووضعه موضعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ .

اختلف فيه؛ قيل: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ ، أي: سووا وجوهكم نحو الكعبة، ﴿ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ، أي: في كل مكان تكونون فيه، وهو كقوله: ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً  ﴾ أي: اجعلوا بيوتكم نحو الكعبة؛ كقوله -  -: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ .

وقيل: ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ ، أي: اجعلوا عبادتكم لله، ولا تشركوا فيها غيره؛ كقوله: ﴿ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ ، ويشبه أن يكون الوجه كناية وعبارة عن الأنفس؛ كأنه قال: أقيموا أنفسكم لله، لا تشركوا فيها لأحد شركاً كقوله: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ  ﴾ أي بجعل نفسه لله سالماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ .

يحتمل الدعاء نفسه، أي: ادعوه ربّاً خالقاً ورحماناً، ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : بالوحدانية والألوهية والربوبية.

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱدْعُوهُ ﴾ ، أي: اعبدوه مخلصين له العبادة، ولا تشركوا غيره فيها.

ويحتمل: أي: دينوا بدينه الذي دعاكم إلى ذلك وأمركم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ .

قال قائلون: هو صلة قوله: ﴿ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ  ﴾ ؛ كأنهم سألوا مما يعودون إذا بعثوا، فقال: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ ﴾ : خلقكم، ﴿ تَعُودُونَ ﴾ مثله.

ويحتمل أن يكون هو صلة قوله: ﴿ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ  ﴾ ، يعودون كما كانوا في البداءة: الكافر كافراً، والمؤمن مؤمناً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ : هو من الدائمة، ليس من الابتداء؛ لأنه لا يجوز أن يقال لصبي: كافر أو مؤمن، وهو الدوام والمقام فيه إلى وقت الموت، وهو في [الدنيا] البداءة، وفي الآخرة الإعادة، وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَبْدَؤُاْ ﴾ ليس يريد ابتداء نشوئه؛ ولكن كونه في الدنيا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ...

﴾ الآية، يخرج على وجهين: أحدهما: أي: كما كنتم في الدنيا تعودون في الآخرة كذلك: المؤمن مؤمن والكافر على كفره.

والثاني: كما أنشأكم في الدنيا لا من شيء؛ فعلى ذلك يبعثكم كذلك، لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِيقاً هَدَىٰ ﴾ .

بما هداهم الله بفضله.

﴿ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ ﴾ .

بما اختاروا من فعل الضلال؛ فأضلهم الله؛ كقوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .

فيه [دلالة] لزوم الحجة والدليل في حال الحسبان والظن إذا كان بحث الإدراك والوصول إليه؛ لأنه قال: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ  ﴾ فيه أنهم عند أنفسهم مهتدون، ولم يكونوا، ثم عوقبوا على ذلك؛ دل أن الدليل والحجة قد يلزم، وإن لم يعرف بعد أن [كيف] يكون سبيل الوصول إلى ذلك، وهذا يرد قول من يقول بأن فرائض الله لا تلزم إلا بعد العلم بها والمعرفة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين: إن الله أمر بالعدل، ولم يأمر بالفحشاء والمنكر، وأمر أن تخلصوا له العبادة عمومًا، وعلى وجه الخصوص في المساجد، وأن تدعوه وحده مخلصين له الطاعة، كما خلقكم من عدم أول مرة يعيدكم أحياء مرة أخرى، فالقادر على بدء خلقكم قادر على إعادتكم وبعثكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZKQg0"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله