الآية ٣٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٣٣ من سورة الأعراف

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أحد أغير من الله ، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله " أخرجاه في الصحيحين ، من حديث سليمان بن مهران الأعمش ، عن شقيق عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود وتقدم الكلام في سورة الأنعام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن .

وقوله : ( والإثم والبغي بغير الحق ) قال السدي : أما الإثم فالمعصية ، والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق .

وقال مجاهد : الإثم المعاصي كلها ، وأخبر أن الباغي بغيه كائن على نفسه .

وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه ، والبغي هو التعدي إلى الناس ، فحرم الله هذا وهذا .

وقوله : ( وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) أي : تجعلوا له شريكا في عبادته ، وأن تقولوا عليه من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدا ونحو ذلك ، مما لا علم لكم به كما قال تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ) الآية [ الحج : 30 ، 31 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يتجرّدون من ثيابهم للطواف بالبيت, ويحرمون أكل طيبات ما أحل الله لهم من رزقه: أيها القوم، إن الله لم يحرم ما تحرمونه, بل أحل ذلك لعباده المؤمنين وطيَّبه لهم، وإنما حرم ربِّي القبائح من الأشياء = وهي" الفواحش " (28) =" ما ظهر منها "، فكان علانية =" وما بطن "، منها فكان سرًّا في خفاء.

(29) * * * وقد روي عن مجاهد في ذلك ما:- 14551- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (ما ظهر منها وما بطن)، قال: " ما ظهر منها "، طوافُ أهل الجاهلية عراة=" وما بطن "، الزنى.

* * * وقد ذكرت اختلاف أهل التأويل في تأويل ذلك بالروايات فيما مضى، فكرهت إعادته.

(30) * * * وأما " الإثم "، فإنه المعصية =" والبغي"، الاستطالة على الناس.

(31) * * * يقول تعالى ذكره: إنما حرم ربي الفواحش مع الإثم والبغي على الناس.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14552- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (والإثم والبغي)، أما " الإثم " فالمعصية = و " البغي"، أن يبغي على الناس بغير الحق.

14553- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا في قوله: (ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي)، قال: نهى عن " الإثم "، وهي المعاصي كلها = وأخبر أن الباغيَ بَغْيُه كائنٌ على نفسه.

(32) * * * القول في تأويل قوله : وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: إنما حرم ربي الفواحش والشرك به، أن تعبدوا مع الله إلهًا غيره =(ما لم ينـزل به سلطانًا)، يقول: حرم ربكم عليكم أن تجعلوا معه في عبادته شِرْكًا لشيء لم يجعل لكم في إشراككم إياه في عبادته حجة ولا برهانًا, وهو " السلطان " (33) =(وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )، يقول: وأن تقولوا إن الله أمركم بالتعرِّي والتجرُّد للطواف بالبيت, وحرم عليكم أكل هذه الأنعام التي حرمتموها وسيَّبتموها وجعلتموها وصائل وحوامي, وغير ذلك مما لا تعلمون أن الله حرّمه، أو أمر به، أو أباحه, فتضيفوا إلى الله تحريمه وحَظْره والأمر به, فإن ذلك هو الذي حرمه الله عليكم دون ما تزعمون أن الله حرمه، أو تقولون إن الله أمركم به، جهلا منكم بحقيقة ما تقولون وتضيفونه إلى الله.

---------------- الهوامش : (28) انظر تفسير (( الفاحشة )) فيما سلف ص : 377 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(29) انظر تفسير (( ظهر )) و (( يظن )) فيما سلف ص : 218 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(30) انظر ما سلف ص 218 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(31) انظر تفسير (( الإثم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أثم ) .

= وتفسير (( البغي )) فيما سلف 2 : 342 /3 : 322 / 4 : 281 / 6 : 276 .

(32) في المخطوطة : (( أن اكتفى بغيه على نفسه )) ، وهو شيء لا يقرأ ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب .

(33) انظر تفسير (( السلطان )) فيما سلف 11 : 490 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمونفيه مسألة واحدة :قال الكلبي : لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت عيرهم المشركون ; فنزلت هذه الآية .

والفواحش : الأعمال المفرطة في القبح ، ما ظهر منها وما بطن .

وروى روح بن عبادة [ ص: 181 ] عن زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : ما ظهر منها نكاح الأمهات في الجاهلية .

وما بطن : الزنى .

وقال قتادة : سرها وعلانيتها .

وهذا فيه نظر ; فإنه ذكر الإثم والبغي فدل أن المراد بالفواحش بعضها ، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى .

والله أعلم .

والإثم قال الحسن : الخمر .

قال الشاعر :شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقولوقال آخر :نشرب الإثم بالصواع جهارا وترى المسك بيننا مستعاراوالبغي الظلم وتجاوز الحد فيه .

وقد تقدم .

وقال ثعلب : البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه ، ويبغي عليه بغير الحق ; إلا أن ينتصر منه بحق .

وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما ; فنص على ذكرهما تأكيدا لأمرهما وقصدا للزجر عنهما .

وكذا وأن تشركوا وأن تقولوا وهما في موضع نصب على ما قبل .

وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر .

قال الفراء : الإثم ما دون الحد والاستطالة على الناس .

قال النحاس : فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك ، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي ; كما قال الشاعر :إني وجدت الأمر أرشده تقوى الإله وشره الإثمقلت : وأنكره ابن العربي أيضا وقال : ولا حجة في البيت ; لأنه لو قال : شربت الذنب أو شربت الوزر لكان كذلك ، ولم يوجب قوله أن يكون الذنب والوزر اسما من أسماء الخمر ، كذلك الإثم .

والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني .

قلت : وقد ذكرناه عن الحسن .

وقال الجوهري في الصحاح : وقد يسمى الخمر إثما ، وأنشد : شربت الإثم .

.

.

البيت وأنشده الهروي في غريبيه ، على أن الخمر الإثم .

فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة ، فلا تناقض .

والبغي : التجاوز في الظلم ، وقيل : الفساد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر المحرمات التي حرمها اللّه في كل شريعة من الشرائع فقال: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ } أي: الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها، وذلك كالزنا واللواط ونحوهما.

وقوله: { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي: الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر والعجب والرياء والنفاق، ونحو ذلك، { وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } أي: الذنوب التي تؤثم وتوجب العقوبة في حقوق اللّه، والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فدخل في هذا الذنوبُ المتعلقةُ بحق اللّه، والمتعلقةُ بحق العباد.

{ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } أي: حجة، بل أنزل الحجة والبرهان على التوحيد.

والشركُ هو أن يشرك مع اللّه في عبادته أحد من الخلق، وربما دخل في هذا الشرك الأصغر كالرياء والحلف بغير اللّه، ونحو ذلك.

{ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها اللّه، ونهى العباد عن تعاطيها، لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتجري على اللّه، والاستطالة على عباد اللّه، وتغيير دين اللّه وشرعه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) يعني : الطواف عراة ( ما ظهر ) طواف الرجال بالنهار ( وما بطن ) طواف النساء بالليل .

وقيل : هو الزنا سرا وعلانية .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن عبد الله قال قلت : أنت سمعت هذا من عبد الله؟

قال : نعم ، فرفعه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا أحد أغير من الله ، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله فلذلك مدح نفسه " .

قوله - عز وجل - : ( والإثم ) يعني : الذنب والمعصية .

وقال الضحاك : الذنب الذي لا حد فيه .

قال الحسن : الإثم : الخمر .

قال الشاعر : شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول ( والبغي ) الظلم والكبر ، ( بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) حجة وبرهانا ، ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) في تحريم الحرث والأنعام ، في قول مقاتل .

وقال غيره : هو عام في تحريم القول في الدين من غير يقين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل إنما حرَّم ربي الفواحش» الكبائر كالزنا «ما ظهر منها وما بطن» أي جهرها وسرها «والإثم» المعصية «والبغي» على الناس «بغير الحق» وهو الظلم «وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به» بإشراكه «سلطانا» حجة «وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون» من تحريم ما لم يحرم وغيره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنما حَرَّم الله القبائح من الأعمال، ما كان منها ظاهرًا، وما كان خفيًّا، وحَرَّم المعاصي كلها، ومِن أعظمها الاعتداء على الناس، فإن ذلك مجانب للحق، وحرَّم أن تعبدوا مع الله تعالى غيره مما لم يُنَزِّل به دليلا وبرهانًا، فإنه لا حجة لفاعل ذلك، وحرَّم أن تنسبوا إلى الله تعالى ما لم يشرعه افتراءً وكذبًا، كدعوى أن لله ولدًا، وتحريم بعض الحلال من الملابس والمآكل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من المحرمات التى نهى عباده عن اقترافها فقال تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ .

.

.

) .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين ضيقوا على أنفسهم ما وسعه الله ، قل لهم : إن ما حرمه الله عليكم فى كتبه وعلى ألسنة رسله هو هذه الأنواع الخمس التى أولها ( الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ، أى : ما كان قبيحاً من الأقوال والأفعال سواء أكان فى السر أو العلن ، وثانيها وثالثها ( الإثم والبغي بِغَيْرِ الحق ) والإثم : هو الشىء القبيح الذى فعله يعتبر معصية ، والبغى : هو الظلم والتطاول على الناس وتجاوز الحد .قال الإمام ابن كثير : " وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه ، والبغى هو التعدى على الناس ، فحرم الله هذا وهذا " .وقيد البغى بكونه بغير الحق ، لأنه لا يكون إلا كذلك .

إذ معناه فى اللغة تجاوز الحد .

يقال : بغى الجرح .

إذ تجاوز الحد فى فساده .وقيل قيده بذلك ليخرج البغى على الغير فى مقابلة بغيه ، فإنه يسمى بغيا فى الجملة .

لكنه بحق ، وهو قول ضعيف لأن دفع البغى لا يسمى بغيا .

وإنما يسمى انتصافا من الظالم ، ولذا قال القرآن : ( وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ) وقيل إن القيد هنا لإخراج الأمور التى ليس لهم فيها حقوق ، أو التى تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمنفعة أو مصلحة لهم يرجونها ببذلها .ورابع الأمور التى حرمها الله أخبر عنه القرآن بقوله : ( وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ) .أى : وحرم عليكم أن تجعلوا لله شركاى فى عبادته بدون حجة وبرهان .

وقوله : ( مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ) بيان للواقع من شركهم ، إذ أنهم لا حجة عندهم على شركهم : لا من العقل ولا من النقل ، فالجملة الكريمة قد اشتملت على التهكم بالمشركين وتوبيخهم على كفرهم .وخامسها قوله - تعالى - : ( وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) أى : حرم عليكم أن تقولوا قولا يتعلق بالعبادات أو المحللات أو المحرمات أو غيرها بدون علم منكم بصحة ما تقولون ، وبغير بينة على صدق ما تدعون .قال صاحب المنار : " ومن تأمل هذه الآية حق التأمل ، فإنه يتجنب أن يحرم على عباد الله شيئاً ويوجب عليهم شيئا فى دينهم بغير نص صريح عن الله ورسوله ، بل يجتنب - أيضاً - أن يقول : هذا مندوب أو مكروه فى الدين بغير دليل واضح من النصوص ، وما أكثر الغافلين عن هذا المتجرئين على التشريع " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسألتان: المسألة الأولى: أسكن حمزة الياء من ﴿ رَبّى ﴾ والباقون فتحوها.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذي حرموه ليس بحرام بين في هذه الآية أنواع المحرمات، فحرم أولاً الفواحش، وثانياً الإثم، واختلفوا في الفرق بينهما على وجوه: الأول: أن الفواحش عبارة عن الكبائر، لأنه قد تفاحش قبحها أي تزايد والإثم عبارة عن الصغائر فكان معنى الآية: أنه حرم الكبائر والصغائر، وطعن القاضي فيه، فقال هذا يقتضي أن يقال: الزنا، والسرقة، والكفر ليس بإثم وهو بعيد.

القول الثاني: أن الفاحشة اسم لا يجب فيه الحَدّ، والإثم اسم لما يجب فيه الحَدّ، وهذا وإن كان مغايراً للأول إلا أنه قريب منه، والسؤال فيه ما تقدم.

والقول الثالث: أن الفاحشة اسم للكبيرة، والإثم اسم لمطلق الذنب سواء كان كبيراً أو صغيراً.

والفائدة فيه: أنه تعالى لما حرم الكبيرة أردفها بتحريم مطلق الذنب لئلا يتوهم أن التحريم مقصور على الكبيرة وعلى هذا القول اختيار القاضي.

والقول الرابع: أن الفاحشة وإن كانت بحسب أصل اللغة اسماً لكل ما تفاحش وتزايد في أمر من الأمور، إلا أنه في العرف مخصوص بالزيادة.

والدليل عليه أنه تعالى قال في الزنا: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ ولأن لفظ الفاحشة إذا أطلق لم يفهم منه إلا ذلك، وإذا قيل فلان فَحّاش: فهم أنه يشتم الناس بألفاط الوقاع، فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا فقط.

إذا ثبت هذا فنقول: في قوله: ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ على هذا التفسير وجهان: الأول: يريد سر الزنا، وهو الذي يقع على سبيل العشق والمحبة، وما ظهر منها بأن يقع علانية.

والثاني: أن يراد بما ظهر من الزنا الملامسة والمعانقة ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ الدخول.

وأما الإثم فيجب تخصيصه بالخمر، لأنه تعالى قال في صفة الخمر: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا  ﴾ وبهذا التقدير: فإنه يظهر الفرق بين اللفظين.

النوع الثالث: من المحرمات قوله: ﴿ والبغى بِغَيْرِ الحق ﴾ فنقول: أما الذين قالوا: المراد بالفواحش جميع الكبائر، وبالإثم جميع الذنوب.

قالوا: إن البغي والشرك لابد وأن يكونا داخلين تحت الفواحش وتحت الإثم، إلا أن الله تعالى خصهما بالذكر تنبيهاً على أنهما أقبح أنواع الذنوب، كما في قوله: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ وفي قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوح  ﴾ ، وأما الذين قالوا الفاحشة مخصوصة بالزنا والإثم بالخمر، قالوا: البغي والشرك على هذا التقرير غير داخلين تحت الفواحش والإثم فنقول: البغي لا يستعمل إلا في الإقدام على الغير نفساً، أو مالاً، أو عرضاً، وأيضاً قد يراد بالبغي الخروج على سُلطان الوقت.

فإن قيل: البغي لا يكون إلا بغير الحق، فما الفائدة في ذكر هذا الشرط.

قلنا أنه مثل قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق  ﴾ والمعنى: لا تقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر، إلا أن يكون لكم فيه حق، فحينئذ يخرج من أن يكون بغياً.

والنوع الرابع: من المحرمات قوله تعالى: ﴿ وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ وفيه سؤال: وهو أن هذا يوهم أن في الشرك بالله ما قد أنزل به سلطاناً، وجوابه: المراد منه أن الإقرار بالشيء الذي ليس على ثبوته حجة، ولا سلطان ممتنع، فلما امتنع حصول الحجة والتنبيه على صحة القول بالشرك، فوجب أن يكون القول به باطلاً على الإطلاق، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل.

والنوع الخامس: من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وقد سبق تفسير هذه الآية في هذه السورة عند قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ وبقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: كلمة إنما تفيد الحصر، فقوله: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ﴾ كذا وكذا يفيد الحصر، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء.

والجواب: إن قلنا الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر، والإثم على مطلق الذنب دخل كل الذنوب فيه، وإن حملنا الفاحشة على الزنا، والإثم على الخمر قلنا: الجنايات محصورة في خمسة أنواع: أحدها: الجنايات على الأنساب، وهي إنما تحصل بالزنا، وهي المراد بقوله: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش ﴾ .

وثانيها: الجنايات على العقول، وهي شرب الخمر، وإليها الإشارة بقوله: ﴿ الإثم ﴾ .

وثالثها: الجنايات على الأعراض.

ورابعها: الجنايات على النفوس وعلى الأموال، وإليهما الإشارة بقوله: ﴿ والبغى بِغَيْرِ الحق ﴾ .

وخامسها: الجنايات على الأديان وهي من وجهين: أحدها: الطعن في توحيد الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَأَن تُشْرِكُواْ بالله ﴾ .

وثانيها: القول في دين الله من غير معرفة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فلما كانت أصول الجنايات هي هذه الأشياء، وكانت البواقي كالفروع والتوابع، لا جرم جعل تعالى ذكرها جارياً مجرى ذكر الكل، فأدخل فيها كلمة إنما المفيدة للحصر.

السؤال الثاني: الفاحشة والإثم هو الذي نهى الله عنه، فصار تقدير الآية: إنما حرم ربي المحرمات، وهو كلام خال عن الفائدة؟

والجواب: كون الفعل فاحشة هو عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه، وعلى هذا التقدير: فيسقط السؤال، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الفواحش ﴾ ما تفاحش قبحه أي تزايد.

وقيل: هي ما يتعلق بالفروج ﴿ والإثم ﴾ عام لكل ذنب.

وقيل: شرب الخمر ﴿ والبغى ﴾ الظلم والكبر، أفرده بالذكر كما قال: ﴿ وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى ﴾ .

﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل برهاناً بأن يشرك به غيره ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله ﴾ وأن تتقوّلوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ﴾ ما تَزايِدَ قُبْحُهُ، وقِيلَ ما يَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ.

﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ جَهْرُها وسِرُّها.

﴿ والإثْمَ ﴾ وما يُوجِبُ الإثْمَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وقِيلَ شُرْبُ الخَمْرِ.

﴿ والبَغْيَ ﴾ الظُّلْمَ، أوِ الكِبْرَ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالبَغْيِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مَعْنًى.

﴿ وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وتَنْبِيهٌ عَلى تَحْرِيمِ اتِّباعِ ما لَمْ يَدُلْ عَلَيْهِ بُرْهانٌ.

﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ بِالإلْحادِ في صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والِافْتِراءِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمُ ﴿ واللَّهُ أمَرَنا بِها ﴾ .

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ مُدَّةٌ، أوْ وقْتٌ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ.

﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ ﴾ انْقَرَضَتْ مُدَّتُهم، أوْ حانَ وقْتُهم.

﴿ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أيْ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ أقْصَرَ وقْتٍ، أوْ لا يَطْلُبُونَ التَّأخُّرَ والتَّقَدُّمَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش} رَبّي حمزة الفواحش ما تفاحش قبحه أي تزايد {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} سرها وعلانيتها {والإثم} أي شرب الخمر أو كل ذنب {والبغي} والظلم والكبر {بِغَيْرِ الحق} متعلق بالبغي ومحل {وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا} حجة النصب كأنه قال حرم الفواحش وحرم الشرك يُنَزّلٍ بالتخفيف مكي وبصري وفيه تهكم إذ

لا يجوز أن ينزل برهاناً على أن يشرك به غيره {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وأن تتقولوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ﴾ أيْ ما تَزايَدَ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصِي وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ ﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿ الفَواحِشَ ﴾ أيْ جَهْرُها وسِرُّها وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما ظَهَرَ الزِّنا عَلانِيَةً وما بَطَنَ الزِّنا سِرًّا وقَدْ كانُوا يَكْرَهُونَ الأوَّلَ ويَفْعَلُونَ الثّانِيَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا.

وعَنْ مُجاهِدٍ ما ظَهَرَ التَّعَرِّي في الطَّوافِ وما بَطَنَ الزِّنا وقِيلَ: الأوَّلُ طَوافُ الرِّجالِ بِالنِّساءِ والثّانِي طَوافُ النِّساءِ بِاللَّيْلِ عارِياتٍ ﴿ والإثْمَ ﴾ أيْ ما يُوجِبُ الإثْمَ وأصْلُهُ الذَّمُّ فَأُطْلِقَ عَلى ما يُوجِبُهُ مِن مُطْلَقِ الذَّنْبِ وذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَعْنى الفَواحِشِ وقِيلَ: إنَّ الإثْمَ هو الخَمْرُ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ كالأصْمَعِيِّ وغَيْرِهِ وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَ الشّاعِرِ.

نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الزِّنا وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا وقَوْلَ الآخَرِ.

شَرِبْتُ الأثَمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي ∗∗∗ كَذاكَ الإثْمِ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ العَرَبَ لا تُسَمِّ الخَمْرَ إثْمًا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ وأنَّ الشِّعْرَ مَوْضُوعٌ والمَشْهُورَ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ لِأنَّ الخَمْرَ سَبَبُ الإثْمِ وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ غَيْرُ صَحِيحٍ هُنا لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ تُحَرَّمُ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ وأيْضًا يَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى دَعْوى أنَّ الحَصْرَ إضافِيٌّ فَتَدَبَّرْ.

﴿ والبَغْيَ ﴾ الظُّلْمَ والِاسْتِطالَةَ عَلى النّاسِ وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بِناءً عَلى التَّعْمِيمِ فِيما قَبْلَهُ أوْ دُخُولِهِ في الفَواحِشِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْهُ ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالبَغْيِ لِأنَّ البَغْيَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً وقِيلَ: جِيءَ بِهِ لِيَخْرُجَ البَغْيُ عَلى الغَيْرِ في مُقابَلَةِ بَغْيِهِ فَإنَّهُ يُسَمّى بَغْيًا في الجُمْلَةِ لَكِنَّهُ بِحَقٍّ وهو كَما تَرى ﴿ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ أيْ حُجَّةً وبُرْهانًا والمَعْنى عَلى نَفْيِ الإنْزالِ والسُّلْطانِ مَعًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَقَوْلِهِ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ ما لا يَخْفى ﴿ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ (33) بِالإلْحادِ في صِفاتِهِ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿ واللَّهُ أمَرَنا بِها ﴾ ولا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ التَّحْرِيمِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ دُونَ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنَ السِّرِّ الجَلِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي البسوا ثيابكم واستروا عوراتكم عند كل صلاة.

قال السدي: كان هؤلاء والذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون الودك.

فقال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا في التحريم.

ويقال: الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله أو يأكل مما يحل له أكله فوق القصد ومقدار الحاجة.

وقيل لبعض الأطباء: هل وجدت الطب في كتاب الله تعالى؟

قال: نعم قد جمع الله الطب كله في هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ أي لا تحرموا ما أحل الله لكم، فإنَّ المحرم ما أحل الله كالمحل ما حرم الله تعالى.

قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وهو أنه لما نزل قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ لبسوا الثياب وطافوا بالبيت مع الثياب فعيرهم المشركون، فنزل قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ يعني: لبس الثياب الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي خلقها لهم لعباده أي أوجد.

وقيل: أظهر وقيل على حقيقته كان في السماء أو في الأرض فأخرجه.

وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ يعني: الحلال وهو اللحم والشحم والدسم قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل: في الآية تقديم.

ومعناه: قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ قرأ نافع: خَالِصَةٌ بضم التاء وقرأ الباقون بالنصب خَالِصَةً فمن قرأ بالضم فهو خبر بعد خبر يعني: هي ثابتة لهم خالصة أي ثابتة.

معناه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشترك فيها المؤمن والكافر وهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة وقال القتبي: هذا من الاختصار ومعناه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة، وفي الآخرة خالصة ثم قال: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: العلامات ويقال: نبيّن الآيات من أمره ونهيه وما يكون في الدنيا والآخرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي يفهمون أمر الله تعالى.

ثم أخبرهم بما حرّم عليهم فقال: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ يعني: المعاصي.

ويقال الإثم يعني: الخمر كما قال القائل: شربت الإثم حتى ضل عقلي ...

كذاك الإثم يذهب بالعقول وَالْبَغْيَ يعني: حرم الاستطالة وظلم الناس بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ يقول: وحرّم أن تشركوا بالله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يقول: ما لم ينزل به كتاباً فيه عذركم وحجة لكم وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ أي وحرم عليكم أن تقولوا على الله ما لاَ تَعْلَمُونَ أنه حرم عليكم.

ثم خوفهم فقال: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ يعني: لكل أهل دين مُهلة للعذاب فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ بالعذاب لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً بعد الأجل وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ساعة قبل الأجل.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جُبَيْرٍ: المعنى: قل هي للذين آمَنُوا في الحَيَاةِ الدنيا يَنْتَفِعُونَ بها في الدُّنْيَا، ولا يتبعهم إثمها يوم القِيَامَةِ «١» .

وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم: المعنى هو أن يخبر صلّى الله عليه وسلّم أن هذه الطَّيبات المَوْجُودَاتِ هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا، وإن كانت أيْضاً لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة لهم، أي: لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة «٢» .

وقرأ نافع «٣» وحده «خالصةٌ» بالرفع، والباقون بالنَّصْب.

وقوله سبحانه: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: كما فَصَّلنا هذه الأشياء المتقدمة الذِّكر نُفَصِّلُ الْآياتِ أي: نبين الأمَارَاتِ، والعَلاَمَاتِ، والهِدَايَاتِ لقوم لهم علم ينتفعون به.

وقوله عز وجل: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ...

الآية:

لما تقدم إنكار ما حرمه الكُفَّار بآرائهم أتبعه بذِكْرِ ما حرم الله عز وجل.

والفَوَاحِشُ في اللغة ما فَحُشَ وشنع، وأصله من القُبْحِ في النظر، وهي هنا إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه، فكل ما حرمه الشَّرْعُ، فهو فاحش، والإثم لفظ عام في جَمِيعِ الأفعال والأقوال التي يَتَعَلَّقُ بمرتكبها إثم.

هذا قول الجمهور.

وقال بعض الناس: هي الخَمْرُ وهذا قول مردود لأن هذه السورة مَكيّة، وإنما حرمت الخَمْرُ ب «المدينة» بعد أُحد وَالْبَغْيَ التعدي، وتجاوز الحد.

وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ من أنه حرم البَحِيرَةَ والسائبة ونحوه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: (رَبِّي الفَواحِشَ) بِإسْكانِ الياءِ.

﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِها الزِّنا، ما ظَهَرَ مِنهُ: عَلانِيَتُهُ، وما بَطَنَ سِرُّهُ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّ ما ظَهَرَ، نِكاحُ الأُمَّهاتِ، وما بَطَنَ: الزِّنا، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ ما ظَهَرَ: نِكاحُ الأبْناءِ نِساءُ الآَباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها أوْ خالَتِها، وما بَطَنَ: الزِّنا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّ ما ظَهَرَ: الزِّنا، وما بَطَنَ: العَزْلُ قالَهُ شُرَيْحٌ.

والخامِسُ: أنَّ ما ظَهَرَ: طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةٌ، وما بَطَنَ: الزِّنا، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسّادِسُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي.

ثُمَّ في "ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الظّاهِرَ: العَلانِيَةُ، والباطِنُ: السِّرُّ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّانِي: أنَّ ما ظَهَرَ: أفْعالٌ الجَوارِحِ، والباطِنُ: اعْتِقادُ القُلُوبِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

وفي الإثْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الذَّنْبُ الَّذِي لا يُوجِبُ الحَدَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، والثّانِي: المَعاصِي كُلُّها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنْشَدَنا رَجُلٌ في مَجْلِسِ ثَعْلَبٍ بِحَضْرَتِهِ، وزَعَمَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ أنْشَدَهُ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ونَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارًا فَقالَ أبُو العَبّاسِ: لا أعْرِفُهُ، ولا أعْرِفُ الإثْمَ: الخَمْرُ في كَلامِ العَرَبِ.

وأنْشَدَنا رَجُلٌ آَخَرُ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي ∗∗∗ كَذاكَ الإثْمُ تُذْهِبُ بِالعُقُولِ قالَ أبُو بَكْرٍ: وما هَذا البَيْتُ مَعْرُوفًا أيْضًا في شِعْرِ مَن يَحْتَجُّ بِشِعْرِهِ، وما رَأيْتُ أحَدًا مِن أصْحابِ الغَرِيبِ أدْخَلَ الإثْمَ في أسْماءِ الخَمْرِ، ولا سَمَّتْها العَرَبُ بِذَلِكَ في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ الخَمْرَ تَدْخُلُ تَحْتَ الإثْمِ، فَصَوابٌ، لا لِأنَّهُ اسْمٌ لَها.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَصِلَ الإثْمَ عَنِ الفَواحِشِ، وفي كُلِّ الفَواحِشِ إثْمٌ؟

فالجَوابُ: أنَّ كُلَّ فاحِشَةٍ إثْمٌ، ولَيْسَ كُلُّ إثْمٍ فاحِشَةً، فَكانَ لَإثْمِ كُلِّ فِعْلٍ مَذْمُومٍ؛ والفاحِشَةُ: العَظِيمَةُ.

فَأمّا البَغْيُ، فَقالَ الفَرّاءُ: هو الِاسْتِطالَةُ عَلى النّاسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تُشْرِكُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ "أنْ" نَصْبٍ؛ فالمَعْنى: حَرَّمَ الفَواحِشَ، وحَرَّمَ الشِّرْكَ.

والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ عامٌّ في تَحْرِيمِ القَوْلِ في الدِّينِ مِن غَيْرِ يَقِينٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.

و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ: قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................

وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿ الفَواحِشَ ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.

و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛  ﴾ مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ  ﴾ ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.

و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".

﴿ وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ.

﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  ﴾ ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ  ﴾ ؛ ثُمَّ بَثَّهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ.

﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا  ﴾ ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.

﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا ﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لَمَّا أنبأ قوله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ﴾ [الأعراف: 32] إلى آخره، بأنّ أهل الجاهليّة حُرِموا من الزّينة والطّيبات من الرّزق، وأنبأ قوله تعالى قبل ذلك ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ﴾ [الأعراف: 28] بأنّ أهل الجاهليّة يَعْزُون ضلالهم في الدّين إلى الله، فأنتج ذلك أنّهم ادّعوا أنّ ما حَرّموه من الزّينة والطّيبات قد حرّمه الله عليهم، أعقب مجادلتهم ببيان ما حرّمه الله حقّاً وهم ملتبسون به وعاكفون على فعله.

فالقصر المفاد من ﴿ إنَّما ﴾ قصر إضافي مُفَادُهُ أنّ الله حرّم الفَواحش وما ذُكر معها لاَ ما حرّمتموه من الزّينة والطّيّبات، فأفاد إبطال اعتقادهم، ثمّ هو يفيد بطريق التّعريض أنّ ما عدّه الله من المحرّمات الثّابت تحريمها قد تلبّسوا بها، لأنّه لمّا عدّ أشياء، وقد علم النّاس أنّ المحرّمات ليست محصورة فيها، عَلم السّامع أنّ ما عيّنه مقصود به تعيين ما تلبّسوا به فحصل بصيغة القصر ردّ عليهم من جانبي ما في صيغة (إنّما) من إثبات ونفي: إذ هي بمعنى (مَا وإلاّ)، فأفاد تحليل ما زعموه حراماً وتحريم ما استبَاحوه من الفواحش وما معها.

والفواحش جمع فاحشة وقد تقدّم ذكر معنى الفاحشة عند قوله تعالى: ﴿ إنه كان فاحشة ومقتاً ﴾ في سورة النّساء (22) وتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ [الأعراف: 28].

و ﴿ ما ظهر منها ﴾ هو ما يظهره النّاس بين قرنائهم وخاصتهم مثل البغاء والمخادنة، وما بطن هو ما لا يظهره النّاس مثل الوأد والسّرقة، وقد تقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ في سورة الأنعام (151).

وقد كانوا في الجاهليّة يستحلّون هذه الفواحش وهي مفاسد قبيحة لا يشكّ أولو الألباب، لو سئلوا، أنّ الله لا يرضى بها، وقيل المراد بالفواحش: الزّنا، وما ظهر منه وما بطن حالان من أحوال الزّناة، وعلى هذا يتعيّن أن يكون الإتيان بصيغة الجمع لاعتبار تعدّد أفعاله وأحواله وهو بعيد.

وأمّا الإثم فهو كلّ ذنب، فهو أعمّ من الفواحش، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ في سورة البقرة (219).

وقوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ في سورة الأنعام (120)، فيكون ذكر الفواحش قبلَه للاهتمام بالتّحذير منها قبل التّحذير من عموم الذّنوب، فهو من ذكر الخاص قبل العام للاهتمام، كذكر الخاص بعد العام، إلاّ أنّ الاهتمام الحاصل بالتّخصيص مع التّقديم أقوى لأنّ فيه اهتماماً من جهتين.

وأمّا البغي فهو الاعتداء على حقّ الغير بسلب أموالِهم أو بأذاهم، والكبرُ على النّاس من البغي، فما كان بوجه حقّ فلا يسمّى بَغياً ولكنّه أذىً، قال الله تعالى: ﴿ والّذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ [النساء: 16] وقد كان البغي شائعاً في الجاهليّة فكان القوي يأكل الضّعيف، وذو البأس يغير على أنعام النّاس ويقتل أعداءه منهم، ومن البغي أن يضربوا من يطوف بالبيت بثيابه إذا كان من غير الحُمْس، وأن يُلزموه بأن لا يأكل غير طعام الحُمْس، ولا يطوف إلاّ في ثيابهم.

وقوله: ﴿ بغير حق ﴾ صفة كاشفة للبغي مثل العشاء الآخرة لأنّ البغي لا يكون إلاّ بغير حقّ.

وعطف ﴿ البغي ﴾ على ﴿ الإثم ﴾ من عطف الخاص على العام للاهتمام به، لأنّ البغي كان دأبهم في الجاهليّة، قال سوار بن المضرِّب السّعدي: وأنَّي لاَ أزَالُ أخَا حُروب *** إذا لم أجْننِ كنت مِجَنَّ جان والإشراك معروف وقد حرّمَه الله تعالى على لسان جميع الأنبياء منذ خلَق البشر.

و ﴿ ما لم ينزّل به سلطانا ﴾ موصول وصلته، و(مَا) مفعول ﴿ تشركوا بالله ﴾ ، والسّلطان البرهان والحجّة، والمجرور في قوله: ﴿ به ﴾ صفة ل ﴿ سلطانا ﴾ ، والباء للمصاحبة بمعنى معه أي لم ينزّل حجّة مصاحبة له، وهي مصاحبة الحجّة للمدّعي وهي مصاحبة مجازية ويجوز أن يكون الباء بمعنى على للاستعلاء المجازي على حدّ قوله تعالى: ﴿ من إن تأمنه بقنطار ﴾ [آل عمران: 75] أي سلطاناً عليه، أي دليلاً.

وضمير (به) عائد إلى (ما) وهو الرابط للصّلة.

فمعنى نفي تنزيل الحجّة على الشّركاء: نفي الحجّة الدّالة على إثبات صفة الشّركة مع الله في الإلهيّة، فهو من تعليق الحكم بالذّات والمرادُ وصفُها، مثلُ حرّمت عليكم الميتة أي أكلها.

وهذه الصّلة مؤذنة بتخطئة المشركين، ونفيِ معذرتهم في الإشراك، بأنّه لا دليل يشتبه على النّاس في عدم استحقاق الأصنام العبادة، فَعَرّف الشّركاء المزعومين تعريفاً لطريق الرسم بأنّ خاصّتهم: أنّ لا سُلطان على شركتهم لله في الإلهية، فكلّ صنم من أصنامهم واضحة فيه هذه الخاصّة، فإنّ الموصول وصلته من طرق التّعريف، وليس ذلك كالوصف، وليس للموصول وصلته مفهوم مخالفة، ولا الموصولاتُ معدودة في صِيَغ المفاهيم، فلا يتّجه ما أورده الفخر من أن يقول قائل: هذا يوهم أن مِن بين الشّرك ما أنزل الله به سلطاناً واحتياجِه إلى دفع هذا الإيهام، ولا ما قفاه عليه صاحب «الانتصاف» من تنظير نفي السّلطان في هذه الآية بنحو قول امرئ القيس: على لا حببٍ لا يُهتدَى بمناره ولا يتّجه ما نحاه صاحبُ «الكشاف» من إجراء هذه الصّلة على طريقة التّهكّم.

وقولُه: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ تقدّم نظيره آنفاً عند قوله تعالى، في هذه السّورة: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ [الأعراف: 28].

وقد جمعت هذه الآية أصول أحوال أهل الجاهليّة فيما تلبسوا به من الفواحش والآثام، وهم يزعمون أنّهم يتورّعون عن الطّواف في الثّياب، وعن أكل بعض الطّيّبات في الحجّ.

وهذا من ناحية قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عنه الله والفتنة أكبر من القتل ﴾ [البقرة: 217].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفَواحِشَ: الزِّنى خاصَّةً، وما ظَهَرَ مِنها: المَناكِحُ الفاسِدَةُ، وما بَطَنَ: الزِّنى الصَّرِيحُ.

والثّانِي: أنَّ الفَواحِشَ: جَمِيعُ المَعاصِي، وما ظَهَرَ مِنها: أفْعالُ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ: اعْتِقادُ القُلُوبِ.

﴿ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإثْمَ الخِيانَةُ في الأُمُورِ، والبَغْيَ: التَّعَدِّي في النُّفُوسِ.

والثّانِي: الإثْمُ: الخَمْرُ، والبَغْيُ: السُّكْرُ، قالَ الشّاعِرُ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي كَذاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بِالعُقُولِ وَسُمِّيَ الخَمْرُ بِالإثْمِ، والسُّكْرُ بِالبَغْيِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُما.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ قال: ما ظهر العرية وما بطن الزنا، كانوا يطوفون بالبيت عراة.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أَغْيَرُ مِنْ سعد، والله أغْيَرُ مني، ومن أجله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله أما تغار؟

قال: «والله إني لأغار، والله أغْيَرُ مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش» .

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ قال: ما ظهر منها الاغتسال بغير سترة.

وأخرج عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير «أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه عليَّ.

فجلده ثم صعد المنبر والغضب يعرف في وجهه، فقال: أيها الناس إن الله حرم عليكم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فمن أصاب منها شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يرفع إلينا من ذلك شيئاً نقمة عليه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني غيور، وإن إبراهيم كان غيوراً، وما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ والإِثم ﴾ قال: المعصية والبغي.

قال: إن تبغى على الناس بغير حق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال الكلبي: (فلما نزلت هذه الآية لبسوا الثياب، وطافوا بالبيت فيها، فعيرهم المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى (١) ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ ) (٢) (٣) وقال مجاهد: (ما ظهر: نكاح الأمهات ...

(٤) ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ الزنا).

وقال القرظي: ( ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ طوافهم بالبيت عراة، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ الزنا) (٥) وقال عكرمة: ( ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ الظلم على الناس، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ الزنا والسرقة) (٦) وقال مقاتل (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ .

قال بعض أهل المعاني: (إنما ذكر هذه القبائح مع الفواحش وهي داخلة في الفواحش للبيان عن التفصيل؛ كأنه قيل: الفواحش التي منها الإثم، ومنها البغي، ومنها الإشراك بالله) (٩) وقال ابن الأنباري: (إنما فصل الإثم لأنه قصد [به] (١٠) (١١) وقال عطاء عن ابن عباس: ( ﴿ وَالْإِثْمَ ﴾ يريد: الخمر) (١٢) وقال الحسن (١٣) ﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ) [البقرة: 219].

قال أبو بكر: (الإثم لا يكون من أسماء الخمر؛ لأن العرب ما سمته إثمًا قط في الجاهلية ولا إسلام، ولكن قد تكون الخمر داخلة تحت الإثم لقوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ) [البقرة: 219] (١٤) وقال الضحاك: (الإثم: الذنب دون الحد) (١٥) وقال السدي: (الإثم المعصية) (١٦) ﴿ وَالْبَغْيَ ﴾ ظلم الناس والاستطالة بغير حق، وهو أن يطلب ما ليس له، كذا قال جميع أهل التفسير (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ﴾ (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ ، قال مقاتل: (ما لم ينزل [به] (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: قولهم الملائكة بنات الله) (٢٢) وقال مقاتل: (وحرم أن تقولوا (٢٣) (٢٤) وقال أهل المعاني: (هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين) (٢٥) (١) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).

(٢) ذكره القرطبي 7/ 200، وأبو حيان في "البحر" 4/ 292.

(٣) تقدم تخريجه.

(٤) جاء في النسخ كلمة غير واضحة بعد لفظ (الأمهات)، ولعلها (الذوات، أو الدواب).

وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 25، والقرطبي 7/ 200 عن مجاهد قال: ( ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ نكاح الأمهات في الجاهلية، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ الزنا) اهـ، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 166 عن مجاهد قال: ( ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ الجمع بين الأختين وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ الزنا).

(٥) لم أقف عليه، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 166 بسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1470 بسند جيد عن الزهري.

(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1471 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 151.

(٧) "تفسير مقاتل" 2/ 34 (٨) "تنوير المقباس" 2/ 90.

(٩) انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 201.

(١٠) لفظ: (به) ساقط من (ب).

(١١) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 191 عن ابن عباس قال: (الإثم الذنب الذي لا يوجب الحد) اهـ.

(١٢) "تنوير المقباس" 2/ 90، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 191 عن عطاء فقط، وذكره السمين في "الدر" 5/ 306 عن ابن عباس والحسن.

(١٣) ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 191، والقرطبي 7/ 200.

(١٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، والسمين في "الدر" 5/ 306، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 122، قال ابن الأنباري: (ليس الإثم في أسماء الخمر بمعروف، ولم يصح فيه بيت صحيح) اهـ.

وقال السمين في "الدر" 5/ 306: (الذي قاله الحذاق إن الإثم ليس من أسماء الخمر) اهـ.

(١٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، والبغوي 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 191، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 378.

(١٦) أخرجه الطبري 8/ 166، وابن أبي حاتم 5/ 1471 بسند جيد.

(١٧) وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 378، والطبري 8/ 166، والظاهر أن الإثم الذنب والمعصية عام في الأقوال والأفعال التي يترتب عليها الإثم، والبغي: الظلم وتجاوز الحد فيه، وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما فنص على ذكرهما تأكيدًا لأمرهما وقصدًا للزجر عنهما، وذكر الخمر من باب التمثيل لأنه سبب الإثم، بل هي معظمه، فإنها مؤججة للفتن.

وقال ابن كثير في == "تفسيره" 2/ 236: (وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس) اهـ.

وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 609، 610، و"تفسير ابن عطية" 5/ 488، 489، والقرطبي 7/ 201.

(١٨) في (ب): ﴿ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ ﴾ .

(١٩) "معاني القرآن" 2/ 334، وفيه: (المعنى: حرم الله الفواحش تحريم الشرك) اهـ.

وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 610، و"المشكل" 1/ 290.

(٢٠) لفظ: (به) ساقط من (ب).

(٢١) "تفسير مقاتل" 2/ 34، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 334، و"تفسير الطبري" 8/ 166، 167.

(٢٢) لم أقف عليه.

(٢٣) في (أ): (يقولوا) بالياء.

(٢٤) "تفسير مقاتل" 2/ 34، وزاد فيه: (والألبان والثياب).

(٢٥) هذا قول الطبري 8/ 167، والبغوي 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 192.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والإثم ﴾ عام في كل ذنب ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله ﴾ أي تفتروا عليه في التحريم وغيره ﴿ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، ولزمتها النون الشديدة المؤكدة، وجواب الشرط فمن اتقى الآية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورياشا ﴾ أبو زيد عن المفضل.

الباقون ﴿ ريشاً ﴾ ﴿ ولباس ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ.

الباقون بالرفع.

﴿ خالصة ﴾ بالرفع: نافع.

الآخرون بالنصب ﴿ ربي الفواحش ﴾ مرسلة الباء: حمزة.

الوقوف: ﴿ وريشاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولباس ﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿ التقوى ﴾ ﴿ خير ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ سوآتهما ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أمرنا بها ﴾ ط ﴿ بالفحشاء ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ط ﴿ تعودون ﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿ الضلالة ﴾ ج ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام.

﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ من الرزق ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ أجل ﴾ ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا ﴾ وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ ﴿ وأنزلنا الحديد  ﴾ والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال  ﴾ ومن قرأ ﴿ رياشاً ﴾ فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب.

وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر.

ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش.

وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال.

أما قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي ﴿ ذلك خير ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو ﴿ خير ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير.

والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة.

ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله  ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده.

أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب.

أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة.

ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان.

وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.

وقيل: هو السمت الحسن.

وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً.

وقال معبد: هو الحياء.

وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات.

وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله  مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف  ﴾ ﴿ وذلك من آيات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.

ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.

وقال الخليل: الفتن الإحراق.

وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله  : ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر.

ومحل ﴿ كما أخرج ﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة.

ومحل ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما.

واللام في ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ﴿ ليبدي لهما  ﴾ قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.

وعن عائشة  ا ما رأيت منه ولا رأى مني.

وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم.

واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر.

وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.

وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان.

وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي.

ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً.

والقبيل بنو أب واحد.

وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده.

وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته.

﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون.

قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله  يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه  كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.

وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه  خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه  لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس.

قال بعض العلماء: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة.

ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد.

وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى.

وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.

والضمير في ﴿ إنه ﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ الآية.

واحتج أهل السنة على أنه  هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً  ﴾ اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟

وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب.

وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها.

ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ ؟

والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه  مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً.

وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله  بذاته وأفعاله وأحكامه.

أما قوله: ﴿ وأقيموا ﴾ فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا ﴿ وجوهكم ﴾ أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ﴿ عند كل مسجد ﴾ في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي.

ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين  ﴾ ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء.

وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله  في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة.

ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ وانتصاب ﴿ فريقاً ﴾ الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به.

قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة.

وأجيب بأن قوله: ﴿ هدى ﴾ و ﴿ حق ﴾ ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال.

ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.

ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين.

ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله .

*** وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد.

وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.

وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية.

قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله  : ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ يعني الثياب.

وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.

والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة.

وقيل: الزينة المشط.

وقيل: الطيب.

ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ.

فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته.

قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة.

وأجيب بأن اللام في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة  ﴾ تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله  فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟

أما قوله: ﴿ وكلوا ﴾ أي اللحم والدسم.

﴿ واشربوا ﴾ فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة.

وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين.

أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل.

والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.

وفي قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.

الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها.

وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله  لهم.

قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي.

وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان.

فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.

قال: وما هي؟

قال: قوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا  الطب في ألفاظ يسيرة.

قال: وما هي؟

قال: قوله: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.

قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة.

وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب.

عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله  وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام.

قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات.

فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة.

فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك.

فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك.

فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة.

فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله  .

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم.

قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.

قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة.

ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي.

واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام.

قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله  بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله  أعلم.

ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً  ﴾ وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر.

قال أبو علي: أو على الخبر ﴿ والذين آمنوا ﴾ متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿ يوم القيامة ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ آمنوا ﴾ و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ خالصة ﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار.

وعلى الأول يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة.

ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.

ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والإثم ﴾ وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر.

وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم.

وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: ﴿ والبغي بغير الحق ﴾ ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله  عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة.

فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال.

ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه  أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة.

وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول.

وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال.

وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل.

ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال.

وليس المراد أنه  لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه  وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه  اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً.

والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته.

قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ؟

وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى.

التأويل: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ هو لباس الشريعة ﴿ يواري ﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿ وريشاً ﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ ولباس التقوى ﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي.

فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ ذلك خير ﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.

﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿ كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ وجوار الحق ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ ليريهما سوآتها ﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿ وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني.

﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء ﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة.

﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿ قالوا إنا وجدنا آباءنا ﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿ والله أمرنا ﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ ﴿ كما بدأكم ﴾ لطفاً أو قهراً ﴿ تعودون ﴾ إليه.

فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿ خذوا زينتكم ﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في مقام العندية كما قال: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية.

﴿ زينة الله ﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ الفواحش ﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام ﴿ ما ظهر منها ﴾ ارتكاب المناهي ﴿ وما بطن ﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ ما ظهر منها ﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿ وما بطن ﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ ما ظهر منها ﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿ وما بطن ﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين.

﴿ والإثم ﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿ والبغي ﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه.

وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿ وأن تقولوا ﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿ على الله ما لا تعلمون ﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين ﴿ ولكل أمة ﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الخطاب - وإن خرج مخرج الأمر - بأخذ الزينة واللباس، فهو على النهي عن نزعها؛ لأن الناس يكونون آخذين الزينة وساترين عوراتهم غير بادين بها فإذا كان كذلك فهو على النهي عن نزع لباسهم وإبداء عوراتهم، وهو ما ذكر في بعض القصّة أن أهل الشرك كانوا إذا طافوا بالبيت نزعوا ثيابهم، ويقولون: لا نطوف في ثيابنا التي أذنبنا فيها، فإن كان التأويل [ما] قال ابن عباس وهؤلاء: فيكون فيه إضمار؛ كأنه قال: خذوا زينتكم عند هذا المسجد، كما تأخذون عند كل مسجد سواء.

وإلا خرج تأويل الآية على وجوه: أحدها: يقول: صلوا في كل مسجد، ذكر هذا لمن لا يرى الصلاة إلا في مسجده، على ما روي: "أن لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" والثاني: [يقول]: صلوا بكل مسجد، وبكل مكان؛ كقوله -  -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً" والثالث: بجعل الزينة العبادة نفسها؛ بقوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ .

ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: كانوا يستعيرون من أهل مكة ثياباً يطوفون فيها، فإن لم يجدوا بها طافوا فيها عراة بادين عوراتهم، فنهاهم الله -  - عن ذلك، وقال: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ، أي: لا تنزعوا ثيابكم التي على عوراتكم؛ فهو على النهي عن نزع الثياب وإبداء العورة، وكذلك قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ ﴾ .

يخرج على النهي عما حرموا على أنفسهم من أنواع المنافع والنعم التي أحل الله لهم: من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ومن نحو ما حرموا من الزرع والطعام، وكقوله: ﴿ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ الآية [الأنعام: 138]، خرج قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ ﴾ على النهي عما حرموا مما أحل لهم، لا على الأمر بالأكل والشرب؛ [لأن كل أحد يأكل ويشرب] ولا يدع ذلك؛ فدل أنه خرج على النهي عما حرموا؛ كأنه قال: لا تحرموا [ما تحرمون] ولكن كلوا واشربوا وانتفعوا بها.

فإن كان على ابتداء الأمر بأخذ الزينة، فهو - والله أعلم - أمر بأخذ الزينة والتجمل عند كل مسجد، والمسجد هو مكان كل عبادة ونسك، على ما يكون في غير ذلك من الأوقات يتزينون ويتجملون عند اجتماع الناس؛ فعلى ذلك يكونون في مكان العبادة والنسك.

أو أن يكون لما في المسجد من اجتماع الناس للعبادة، فأمروا بستر عوراتهم في ذلك.

ويكون قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ﴾ ، أي: كلوا واشربوا واحفظوا الحدّ في ذلك ولا تجاوزوه، وهو نهي عن الكثرة.

أو ما ذكرنا أنه نهاهم عن التحريم وترك الانتفاع بها، وفي تحريم ما أحل الله وترك الانتفاع بها إسراف.

﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ ؛ لأنه لا يحب الإسراف، وقد ذكرنا أن المفروض من الستر هو ما يستر به العورة، وأما غيره فإنما هو على دفع الأذى والتجمل.

ألا ترى أنه قال: ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ، منّ علينا بما أنزل مما نستر به عوراتنا، وإن كانت له المنة في الكل، وذلك [- أيضاً -] قبيح في الطبع أن ينظر أحد إلى عورة آخر، وعلى ذلك جاءت الآثار في الأمر بستر العورة، روي عن رسول الله  أنه قال: "احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، فقيل: يا رسول الله؛ فإن كان بعضنا في بعض، فقال: إن استطعت ألا تظهر عورتك فافعل، فقيل: فإذا كان أحدنا خالياً، فقال: فالله أحق أن يُسْتَحْيا منه" وعنه  قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة" ، ومثله كثير، وفيما ذكرنا كفاية؛ وعلى ذلك يخرج الأمر بالإخبار بستر العورة؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ...

 ﴾ الآية، لئلا تُرَى عورته؛ لأنه يكون جفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الزينة - هاهنا -: هي اللباس؛ لأنه ذكر على أثر ذلك اللباس، وهو قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد ﴾ ، والطيبات من الرزق: ما حرموا مما أحل الله لهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وغير ذلك، مما كانوا يحرمون الانتفاع به؛ كقوله: ﴿ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ  ﴾ .

وقال الحسن: زينة الله هي المرْكَب؛ كقوله: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  ﴾ جعل الله ما يركب زينة للخلق، وهم كانوا يحرمون الركوب والانتفاع بها، فقال: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ : ألبانها ولحومها.

وقال غيره من أهل التأويل: زينة الله - هاهنا -: النبات وما يخرج من الأرض مما هو رزق للبشر، والدواب جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ...

 ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ  ﴾ سمى لنا ما أخرج من الأرض: زينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

اختلف فيه؛ قال الحسن: هي، يعني: الطيبات خالصة للمؤمنين في الآخرة لا يشاركهم الكفرة فيها، فأمّا في الدنيا فقد شاركوهم؛ فالتأويل الأول يخرج على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: قل هي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة، وفي الحياة الدنيا لهم جميعاً؛ كقوله: ﴿ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ؛ لأنهم لم يحرموا الطيبات التي أحلّ الله لهم، بل انتفعوا بها، وحرمها أولئك ولم ينتفعوا بها، فكانت هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ لما انتفعوا بها في الدنيا، وتزودوا بها للآخرة، وكانت [لهم] خالصة يوم القيامة، وإنما كان خالصاً لهم يوم القيامة، لما لا يكون لأهل الشرك ذلك؛ لما لم يتزودوا للمعاد، [و] قد كانت لهم في الدنيا لو لم يحرموها وانتفعوا بها.

وفي قوله -  -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ دليل إباحة الزينة والتناول من الطيبات، وقد يحتمل أن يكون خرج على النهي والإنكار على ما كان يفعله أهل الشرك؛ من نحو تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فقال: قل من حرم ما حرمتم إذا لم يحرمه الله.

ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ يقول - والله أعلم - لم يحرم ما حرمتموه من هذه الأشياء؛ ولكن حرم الفواحش وما ذكر، ولم يذكر جوابهم أنهم ماذا يقولون؛ فهو يخرج على وجهين: إن قالوا: حرمه الله، فيقال لهم: من حرمه وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب؟!

فإن قالوا: حرمه فلان، فيقال: كيف صدقتم فلاناً في تحريم ذلك؛ ولا تصدقون الرسل فيما يخبرون عن الله -  - مع ظهور صدقهم؟!

يذكر سفههم في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ كأنه يقول: ليس لأحد تحريم ما ذكرنا؛ إنما التحريم إلى الله، وإنما حرم ما ذكر، وقد يحتمل ما ذكرنا من نزعهم الثياب عند الطواف ويطوفون عراة، على ما ذكر في القصة، وإلى هذا يذهب ابن عباس والحسن وقتادة وعامة أهل التأويل، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله  : [حيث قال] "ألا لا يطوفنَّ بهذا البيت عريان ولا مُحْدث" .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

أي: نبين الآيات.

﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: لقوم ينتفعون بعلمهم، أو نقول: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: كذلك نفصل حكم آية من حكم آية أخرى، نفصل هذا من هذا، وهذا من هذا.

وقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ﴾ إنه إذا لم يفهم من زينة الله ما يفهم من زينة الخلق - لأن زينة الخلق ما يتزينون به ويتجملون - لا يجب أن يفهم من استوائه استواء الخلق، ولا من مجيئه مجيء الخلق؛ لأن استواء الخلق هو انتقال من حال إلى حال، ولا يجوز أن يفهم منه ذلك، على ما لم يفهم من زينة الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يشبه أن تكون هذه الآية مقابل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ  ﴾ ، كما خرج آخر الآية وهو قوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ  ﴾ مقابل الأول وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ  ﴾ ، والنهي [هناك نهي] تحريم [كالتنصيص على التحريم هاهنا]، وتكون الفحشاء التي ذكر في هذه الآية الفواحش التي ذكر في تلك، والمنكر الذي ذكر هاهنا هو الإثم الذي ذكر في تلك، وذكر البغي هاهنا وهنالك.

ثم الفحشاء: هو الذي ظهر قبحه في العقل، والسمع.

والمنكر: هو الذي ظهر الإنكار فيه على مرتكبه.

والإثم هو الذي يأثم المرء فيه.

والبغي: هو من مظالم الناس يظلم بعضهم على بعض.

وقال بعضهم: الفواحش هن الكبائر، والإثم هو الصغائر، والبغي هو أخذ ما عصم من مال أو نفس بعقد الإسلام، على ما روي عن نبي الله  أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ، فكل ما صار معصوماً بالإسلام من مال أو نفس، فأخذ ذلك بغي وظلم إلا ما ذكر بحقها.

وأصل البغي هو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل له.

وقال أهل التأويل: الفواحش هي الزنى، ما ظهر منها علانية، وما بطن منها: سرّاً، لكن الفواحش ما ذكرنا أن ما [ظهر قبحه] في العقل وفحشه السمع [فهو فاحشة، والفواحش هي ما ذكرنا أن ما قبح في العقل والسمع وأفحش فيهما] فهي الفاحشة.

وأصل المنكر: كل ما [لا] يعرف؛ كقول إبراهيم: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ، والمنكر: ما أنكره العقل والسمع أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ .

أي: وحرم - أيضاً - أن تشركوا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ : ليس على أنه ينزل سلطاناً على الإشراك بحال؛ ولكن على أنهم يشركون بالله من غير حجج وسلطان؛ لأن أهل الإسلام هم الذين يدينون بدين ظهر بالحجج والآيات، وهم يدينون بدين لا يظهر بالحجج والآيات، ولكن بما هوت أنفسهم واشتهت.

ويحتمل قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ ، أي: عذراً؛ لأنه يجوز أن يعذر المرء بحال في إجراء كلمة الكفر على لسانه عند الإكراه، ولا يصير به كافراً إذا كان قلبه مطمئناً بالإسلام ومنشرحاً به؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ  ﴾ أي: يشركون بالله من غير أن ينزل بهم حال عذر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: يعلمون أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون أنه حرم كذا، وأمر بكذا.

وقوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [يحتمل وجهين: أحدهما: أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون] هذا على الجهل، والأول على العلم؛ كقوله: ﴿ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ  ﴾ ، أي: تنبئون الله بما يعلم أنه ليس ما تقولون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما أحل الله: إن الله إنما حرم على عباده الفواحش، وهي قبائح الذنوب، ظاهرة كانت أو باطنة , وحرم المعاصي كلها، والاعتداء ظلمًا على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحرم عليكم أن تشركوا مع الله غيره مما ليس لكم حجة فيه، وحرم عليكم القول عليه بغير علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.JR97w"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله