الآية ٣٤ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٣٤ من سورة الأعراف

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ولكل أمة ) أي : قرن وجيل ( أجل فإذا جاء أجلهم ) أي : ميقاتهم المقدر لهم ( لا يستأخرون ساعة ) عن ذلك ( ولا يستقدمون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره تهدُّدًا للمشركين الذين أخبر جل ثناؤه عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا فاحشة قالوا: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا (34) = ووعيدًا منه لهم على كذبهم عليه، وعلى إصرارهم على الشرك به والمقام على كفرهم = ومذكرًا لهم ما أحلّ بأمثالهم من الأمم الذين كانوا قبلهم= : (ولكل أمة أجل)، يقول: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رُسل الله، (35) وردِّ نصائحهم, والشرك بالله، مع متابعة ربهم حججه عليهم =" أجل ", يعني: وقت لحلول العقوبات بساحتهم, ونـزول المثُلات بهم على شركهم (36) =(فإذا جاء أجلهم)، يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقّته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم =(لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، يقول: لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يُمَتَّعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم، (37) ساعة من ساعات الزمان =(ولا يستقدمون)، يقول: ولا يتقدّمون بذلك أيضًا عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاك.

------------------ الهوامش : (34) في المطبوعة : (( مهددًا للمشركين )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو ألصق بالسياق .

(35) انظر تفسير (( الأمة )) فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(36) انظر تفسير (( الأجل )) فيما سلف ص : 117 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .

(37) في المطبوعة : (( يتمتعون )) ، والصواب من المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [ ص: 182 ] فيه مسألة واحدة :قوله تعالى ولكل أمة أجل أي وقت مؤقت .فإذا جاء أجلهم أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل .

وقرأ ابن سيرين ( جاء آجالهم ) بالجمعلا يستأخرون عنه ساعة ولا أقل من ساعة ; إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات ، وهي ظرف زمان .ولا يستقدمون فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله .

وأجل الموت هو وقت الموت ; كما أن أجل الدين هو وقت حلوله .

وكل شيء وقت به شيء فهو أجل له .

وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت الحي فيه لا محالة .

وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه ، لا من حيث إنه ليس مقدورا تأخيره .

وقال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم : إن المقتول مات بغير أجله الذي ضرب له ، وإنه لو لم يقتل لحيي .

وهذا غلط ; لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له ، بل من أجل ما فعله الله من إزهاق نفسه عند الضرب له .

فإن قيل : فإن مات بأجله فلم تقتلون ضاربه وتقتصون منه ؟

قيل له : نقتله لتعديه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه ، لا لموته وخروج الروح ; إذ ليس ذلك من فعله .

ولو ترك الناس والتعدي من غير قصاص لأدى ذلك إلى الفساد ودمار العباد .

وهذا واضح .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وقد أخرج اللّه بني آدم إلى الأرض، وأسكنهم فيها، وجعل لهم أجلا مسمى لا تتقدم أمة من الأمم على وقتها المسمى، ولا تتأخر، لا الأمم المجتمعة ولا أفرادها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولكل أمة أجل ) مدة ، وأكل وشرب .

وقال ابن عباس وعطاء والحسن : يعني وقتا لنزول العذاب بهم ، ( فإذا جاء أجلهم ) وانقطع أكلهم ، ( لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) أي : ولا يتقدمون .

وذلك حين سألوا العذاب فأنزل الله هذه الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولكل أمَّة أجل» مدة «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون» عنه «ساعة ولا يستقدمون» عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولكل جماعة اجتمعت على الكفر بالله تعالى وتكذيب رسله -عليهم الصلاة والسلام- وقت لحلول العقوبة بهم، فإذا جاء الوقت الذي وقَّته الله لإهلاكهم لا يتأخرون عنه لحظة، ولا يتقدمون عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين القرآن ما أحله الله وما حرمه .

عقب على ذلك بأن بين أن أجل الناس فى هذه الدنيا محدود ، وأنهم إن آجلا أو عاجلا سوف يقفون أمام ربهم للحساب فقال : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ .

.

.

.

) .أى : لكل أمة من الأمم ولكل جيل من الأجيال مدة من العمر محدودة فى علم الله ، فإذا ما انتهت هذه المدة انقطعت حياتهم وفارقوا هذه الدنيا بدون أى تقديم أو تأخير .وليس المراد بالساعة هنا ما اصطلح عليه الناس من كونها ستين دقيقة ، وإنما المراد بها الوقت الذى هو فى غاية القلة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين الحلال والحرام وأحوال التكليف، بين أن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر، وإذا جاء ذلك الأجل مات لا محالة، والغرض منه التخويف ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي.

المسألة الثانية: اعلم أن الأجل، هو الوقت الموقت المضروب لانقضاء المُهْلَة، وفي هذه الآية قولان: القول الأول: وهو قول ابن عباس، والحسن ومقاتل أن المعنى أن الله تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين، وهو تعالى لا يعذبهم إلى أن ينظروا ذلك الوقت الذي يصيرون فيه مستحقين لعذاب الاستئصال، فإذا جاء ذلك الوقت نزل ذلك العذاب لا محالة.

والقول الثاني: أن المراد بهذا الأجل العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل وكمل امتنع وقوع التقديم والتأخير فيه، والقول الأول: أولى، لأنه تعالى قال: ﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ ﴾ ولم يقل ولكل أحد أجل وعلى القول الثاني: إنما قال: ﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ ﴾ ولم يقل لكل أحد لأن الأمة هي الجماعة في كل زمان، ومعلوم من حالها التقارب في الأجل، لأن ذكر الأمة فيما يجري مجرى الوعيد أفحم، وأيضاً فالقول الأول: يقتضي أن يكون لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال عليهم وليس الأمر كذلك لأن أمتنا ليست كذلك.

المسألة الثالثة: إذا حملنا الآية على القول الثاني: لزم أن يكون لكل أحد أجل، لا يقع فيه التقديم والتأخير فيكون المقتول ميتاً بأجله، وليس المراد منه أنه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك، ولا أنقص، ولا يقدر على أن يميته في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه تعالى عن كونه قادراً مختاراً، وصيرورته كالموجب لذاته، وذلك في حق الله تعالى ممتنع بل المراد أنه تعالى أخبر أن الأمر يقع على هذا الوجه.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ المراد أنه لا يتأخر عن ذلك الأجل المعين لا بساعة ولا بما هو أقل من ساعة إلا أنه تعالى ذكر الساعة لأن هذا اللفظ أقل أسماء الأوقات.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ فإن عند حضور الأجل امتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم عليه.

قلنا: يحمل قوله: ﴿ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ ﴾ على قرب حضور الأجل.

تقول العرب: جاء الشتاء، إذا قارب وقته، ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك تارة، والتأخر عنه أخرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم وقرئ: ﴿ فإذا جاء آجالهم ﴾ .

وقال: ﴿ سَاعَةً ﴾ لأنها أقل الأوقات في استعمال الناس.

يقول المستعجل لصاحبه: في ساعة، يريد أقصر وقت وأقربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ﴾ ما تَزايِدَ قُبْحُهُ، وقِيلَ ما يَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ.

﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ جَهْرُها وسِرُّها.

﴿ والإثْمَ ﴾ وما يُوجِبُ الإثْمَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وقِيلَ شُرْبُ الخَمْرِ.

﴿ والبَغْيَ ﴾ الظُّلْمَ، أوِ الكِبْرَ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالبَغْيِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مَعْنًى.

﴿ وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وتَنْبِيهٌ عَلى تَحْرِيمِ اتِّباعِ ما لَمْ يَدُلْ عَلَيْهِ بُرْهانٌ.

﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ بِالإلْحادِ في صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والِافْتِراءِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمُ ﴿ واللَّهُ أمَرَنا بِها ﴾ .

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ مُدَّةٌ، أوْ وقْتٌ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ.

﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ ﴾ انْقَرَضَتْ مُدَّتُهم، أوْ حانَ وقْتُهم.

﴿ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أيْ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ أقْصَرَ وقْتٍ، أوْ لا يَطْلُبُونَ التَّأخُّرَ والتَّقَدُّمَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا وهو وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} قيد بساعة لأنها أقل ما يستعمل في الإمهال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿ أجَلٌ ﴾ أيْ وقْتٌ مُعَيَّنٌ مَضْرُوبٌ لِاسْتِئْصالِهِمْ كَما قالَ الحَسَنُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ وهَذا كَما قِيلَ وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَهم ورُجُوعٌ إلى الحَثِّ عَلى الِاتِّباعِ بَعْدَ الِاسْتِطْرادِ الَّذِي قالَهُ البَعْضُ.

وقَدْ رُوعِيَ نُكْتَةٌ في تَعْقِيبِهِ تَحْرِيمَ الفَواحِشِ حَيْثُ ناسَبَهُ أيْضًا وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأجَلَ هُنا بِالمُدَّةِ المُعَيَّنَةِ الَّتِي أُمْهِلُوها لِنُزُولِ العَذابِ وفَسَّرَهُ آخَرُونَ بِوَقْتِ المَوْتِ وقالُوا: التَّقْدِيرُ ولِكُلِّ أحَدٍ مِن أُمَّةٍ وعَلى الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ ﴾ الضَّمِيرُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إمّا لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ أُمَّةٍ وإمّا لِكُلِّ أُمَّةٍ وعَلى الأوَّلِ فَإظْهارُ الأجَلِ مُضافًا إلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِالإضافَةِ عُمُومًا يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَ آجالُهم بِأنْ يَجِيءَ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها وعَلى الثّانِي وهو الظّاهِرُ فالإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإضافَةُ لِإفادَةِ أكْمَلِ التَّمْيِيزِ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ( آجالُهم ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ واسْتَظْهَرَها ابْنُ جِنِّيٍّ وجَعَلَ الإفْرادَ لِقَصْدِ الجِنْسِيَّةِ والجِنْسُ مِن قَبِيلِ المَصْدَرِ وحُسْنُهُ الإضافَةُ إلى الجَماعَةِ والفاءُ قِيلَ: فَصِيحَةٌ وسَقَطَتْ في آيَةِ يُونُسَ لِما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ والمُرادُ مِن مَجِيءِ قُرْبِهِ أوْ تَمامِهِ أيْ إذا حانَ وقَرُبَ أوِ انْقَطَعَ وتَمَّ ﴿ لا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ عَنْهُ ﴿ ساعَةً ﴾ قِطْعَةً مِنَ الزَّمانِ في غايَةِ القِلَّةِ ولَيْسَ المُرادُ بِها السّاعَةُ في مُصْطَلَحِ المُنَجِّمِينَ المُنْقَسِمَةُ إلى ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ وتُسَمّى فَلَكِيَّةً هي زَمانُ مِقْدارِ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً أبَدًا ومُعْوَجَّةٍ وتُسَمّى زَمانِيَّةً هي زَمانُ مِقْدارِ نِصْفِ سُدْسِ النَّهارِ أوِ اللَّيْلِ أبَدًا ويَسْتَعْمِلُ الأُولى أهْلُ الحِسابِ غالِبًا والثّانِيَةَ الفُقَهاءُ وأهْلُ الطَّلاسِمِ ونَحْوُهم وجُمْلَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ عِنْدَهم أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً أبَدًا سَواءً كانَتِ السّاعَةُ مُسْتَوِيَةً أوْ مُعْوَجَّةً إلّا أنَّ كُلًّا مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لا يَزِيدُ عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مُعْوَجَّةً أبَدًا ولِهَذا تَطُولُ وتَقْصُرُ وقَدْ تُساوِي السّاعَةَ المُسْتَوِيَةَ وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِواءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمُرادُ لا يَتَأخَّرُونَ أصْلًا وصِيغَةُ الِاسْتِغْفارِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ ﴿ ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ (34) أيْ ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى ﴿ لا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ كَما أعْرَبَهُ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِقْدامُ عِنْدَ مَجِيئِهِ فَلا فائِدَةَ في نَفْيِهِ بَلْ هو مِن بابِ الإخْبارِ بِالضَّرُورِيِّ كَقَوْلِكَ: إذا قُمْتَ فِيما يَأْتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ فِيما مَضى وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لا الجَزائِيَّةِ فَلا يَتَقَيَّدُ بِالشَّرْطِ فَمَعْنى الآيَةِ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ لا يَسْتَقْدِمُونَ عَلَيْهِ وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا العَلّامَةُ السّالَكُوتِيُّ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ فائِدَةَ تَقْيِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ فَقَطْ بِالشَّرْطِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ وإنْ صَحَّ بَلِ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ السَّلِيمِ ما تَقَدَّمَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأجَلَ كَما يَمْتَنِعُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ بِأقْصَرِ مُدَّةٍ هي السّاعَةُ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ التَّأخُّرُ عَنْهُ وإنْ كانَ مُمْكِنًا عَقْلا فَإنَّ خِلافَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وعَلِمَهُ مُحالٌ والجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فِيما ذُكِرَ كالجَمْعِ بَيْنَ مَن سَوَّفَ التَّوْبَةَ إلى حُضُورِ المَوْتِ ومَن ماتَ عَلى الكُفْرِ في نَفْيِ التَّوْبَةِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ الآيَةَ ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ إنَّهُ عُطِفَ عَلى الجَزاءِ بِناءً عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَسْتَأْخِرُونَ.

ولا يَسْتَقْدِمُونَ ) لا يَسْتَطِيعُونَ تَغْيِيرَهُ عَلى نَمَطِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ ﴾ وقَوْلِهِمْ: كَلَّمْتُهُ فَما رَدَّ عَلى سَوْداءَ ولا بَيْضاءَ فَلا يَرُدُّ ما قِيلَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ بِذِكْرِ الجَزاءِ بِدُونِ ذِكْرِ ﴿ ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ والحَقُّ العَطْفُ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ القَيْدُ إذا جُعِلَ جُزْأً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يُشارِكْهُ المَعْطُوفُ فِيهِ ومَثَّلَ بِالآيَةِ وعَلَيْهِ لا مَحْذُورَ في العَطْفِ عَلى ﴿ لا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ لِعَدَمِ المُشارَكَةِ في القَيْدِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم ذَكَرُوا في هَذا البابِ أنَّهُ إذا عُطِفَ شَيْءٌ عَلى شَيْءٍ وسَبَقَهُ قَيْدٌ يُشارِكُ المَعْطُوفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ القَيْدِ لا مَحالَةَ وأمّا إذا عُطِفَ عَلى ما لَحِقَهُ قَيْدٌ فالشَّرِكَةُ مُحْتَمَلَةٌ فالعَطْفُ عَلى المُقَيَّدِ لَهُ اعْتِبارانِ الأوَّلُ أنْ يَكُونَ القَيْدُ سابِقًا في الِاعْتِبارِ والعَطْفُ لاحِقًا فِيهِ والثّانِي أنْ يَكُونَ العَطْفُ سابِقًا والقَيْدُ لاحِقًا فَعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ اشْتِراكُ المَعْطُوفَيْنِ في القَيْدِ المَذْكُورِ إذِ القَيْدُ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وعَلى الثّانِي يَجِبُ الِاشْتِراكُ إذْ هو حُكْمٌ مِن أحْكامِ الأوَّلِ يَجِبُ فِيهِ الِاشْتِراكُ وبَعْضُهم بَنى العَطْفَ هُنا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ الدُّنُوُّ بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةً مِنهُ ولَيْسَ بِذاكَ وتَقْدِيمُ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ كَما قِيلَ لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بَيانُ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ مِن سَبْقِ السَّبْقِ في الذِّكْرِ فَلِما أنَّ المُرادَ هُنا بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ إهْلاكِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ فالأهَمُّ هُناكَ بَيانُ انْتِفاءِ السَّبْقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي البسوا ثيابكم واستروا عوراتكم عند كل صلاة.

قال السدي: كان هؤلاء والذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون الودك.

فقال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا في التحريم.

ويقال: الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله أو يأكل مما يحل له أكله فوق القصد ومقدار الحاجة.

وقيل لبعض الأطباء: هل وجدت الطب في كتاب الله تعالى؟

قال: نعم قد جمع الله الطب كله في هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ أي لا تحرموا ما أحل الله لكم، فإنَّ المحرم ما أحل الله كالمحل ما حرم الله تعالى.

قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وهو أنه لما نزل قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ لبسوا الثياب وطافوا بالبيت مع الثياب فعيرهم المشركون، فنزل قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ يعني: لبس الثياب الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي خلقها لهم لعباده أي أوجد.

وقيل: أظهر وقيل على حقيقته كان في السماء أو في الأرض فأخرجه.

وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ يعني: الحلال وهو اللحم والشحم والدسم قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل: في الآية تقديم.

ومعناه: قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ قرأ نافع: خَالِصَةٌ بضم التاء وقرأ الباقون بالنصب خَالِصَةً فمن قرأ بالضم فهو خبر بعد خبر يعني: هي ثابتة لهم خالصة أي ثابتة.

معناه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشترك فيها المؤمن والكافر وهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة وقال القتبي: هذا من الاختصار ومعناه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة، وفي الآخرة خالصة ثم قال: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: العلامات ويقال: نبيّن الآيات من أمره ونهيه وما يكون في الدنيا والآخرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي يفهمون أمر الله تعالى.

ثم أخبرهم بما حرّم عليهم فقال: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ يعني: المعاصي.

ويقال الإثم يعني: الخمر كما قال القائل: شربت الإثم حتى ضل عقلي ...

كذاك الإثم يذهب بالعقول وَالْبَغْيَ يعني: حرم الاستطالة وظلم الناس بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ يقول: وحرّم أن تشركوا بالله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يقول: ما لم ينزل به كتاباً فيه عذركم وحجة لكم وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ أي وحرم عليكم أن تقولوا على الله ما لاَ تَعْلَمُونَ أنه حرم عليكم.

ثم خوفهم فقال: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ يعني: لكل أهل دين مُهلة للعذاب فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ بالعذاب لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً بعد الأجل وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ساعة قبل الأجل.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ المعنى: ولكل أمة أجل مُؤَقَّت لمجيء العَذَابِ إذا كفروا، وخالفوا أَمْرَ ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك.

قاله الطبري «١» وغيره.

وقوله: ساعَةً لفظ عين به الجزء القليل من الزمان، والمراد جميع أجزائه، والمعنى: لا يستأخرون سَاعَة، ولا أقل منها، ولا أكثر.

وقوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ/ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ الخِطَابُ في هذه الآية لجميع العالم، و «إن» هي الشرطية دخلت عليها «ما» مؤكدة، وكان هذا الخطاب لجميع الأُمم قَدِيمِها وحَدِيثِهَا هو متمكن لهم، ومتحصِّل منه لحاضري نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن هذا حُكْمُ اللَّه في العالم منذ أنشأه، ويَأْتِيَنَّكُمْ مستقبل وُضِعَ موضع ماضٍ ليفهم أن الإتيان بَاقٍ وَقْتَ الخطاب، لِتَقْوَى الإشارة بصحّة النبوءة إلى نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم وهذا على مُرَاعَاةِ وَقْتِ نزول الآية.

وأسند الطَّبَري إلى أبي سَيَّارٍ السُّلمي قال: «إن الله سبحانه خاطب آدم وذريته، فقال:

يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ...

الآية: قال: ثم نظر سبحانه إلى الرّسل، فقال:

يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ...

[المؤمنون: ٥١، ٥٢] » الحديث «٢» .

قال ع «٣» : ولا مَحَالَةَ أن هذه المُخَاطَبَة في الأزل.

وقيل: المراد بالرسل نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَهُ النقاش ويَقُصُّونَ أي: يسردون، ويوردون، «والآيات» لَفْظٌ جامع لآيات الكُتُب المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جَمِيعَ أنواع مكاره النفس وأنكادها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ  العَذابَ، فَأُنْزِلَتْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي الأجَلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أجْلُ العَذابِ.

والثّانِي: أجْلُ الحَياةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأجَلُ: الوَقْتُ المُؤَقَّتُ.

﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ﴾ المَعْنى: ولا أقَلَّ مِن ساعَةٍ.

وإنَّما ذَكَرَ السّاعَةَ، لِأنَّها أقَلُّ أسْماءِ الأوْقاتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.

و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ: قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................

وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿ الفَواحِشَ ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.

و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛  ﴾ مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ  ﴾ ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.

و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".

﴿ وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ.

﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  ﴾ ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ  ﴾ ؛ ثُمَّ بَثَّهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ.

﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا  ﴾ ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.

﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا ﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض بين جملة: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ [الأعراف: 31] وبين جملة: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ﴾ [الأعراف: 35] لمّا نعى الله على المشركين ضلالهم وتمرّدهم.

بعد أن دعاهم إلى الإيمان، وإعراضَهم عنه، بالمجادلة والتّوبيخ وإظهارِ نقائصهم بالحجّة البيّنة، وكان حالهم حال من لا يقلع عمّا هم فيه، أعقَب ذلك بإنذارهم ووعيدهم إقامةً للحجّة عليهم وإعذاراً لهم قبل حلول العذاب بهم.

وهذه الجملة تؤكّد الغرض من جملة: ﴿ وكم من قرية أهلكناها ﴾ [الأعراف: 4] وتحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون المقصود بهذا الخبر المشركين، بأن أقبل الله على خطابهم أو أمر نبيئه بأن يخاطبهم، لأنّ هذا الخطاب خطاب وعيد وإنذار.

والمعنى الثّاني: أن يكون المقصود بالخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيكون وعداً له بالنّصر على مكذّبيه، وإعلاماً له بأنّ سنّته سنّةُ غيره من الرّسل بطريقة جعل سنّة أمّته كسنّة غيرها من الأمم.

وذكْرُ عموم الأمم في هذا الوعيد، مع أنّ المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا، إنّما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التّاريخ في قياس الحاضر على الماضي فيكون الوعيد خبراً معضوداً بالدّليل والحجّة، كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ [آل عمران: 137] أي: ما أنتم إلاّ أمة من الأمم المكذّبين ولكلّ أمّة أجل فأنتم لكم أجل سيحين حينه.

وذِكر الأجل هنا، دون أن يقول لكلّ أمّة عذاب أو استئصال، إيقاظاً لعقولهم من أن يغرّهم الإمهال فيحسبوا أنّ الله غيرُ مؤاخذهم على تكذيبهم، كما قالوا: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32]، وطمأنةً للرسول عليه الصّلاة والسلام بأنّ تأخير العذاب عنهم إنّما هو جري على عادة الله تعالى في إمهال الظّالمين على حدّ قوله: ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذّبوا جاءهم نصرنا ﴾ [يوسف: 110] وقوله ﴿ لا يغرنَّك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ [آل عمران: 196، 197].

ومعنى: ﴿ لكل أمة أجل ﴾ لكلّ أمّة مكذّبة إمهال فحذف وصف أمّة أي: مكذّبة.

وجعل لذلك الزّمان نهاية وهي الوقت المضروب لانقضاء الإمهال، فالأجل يطلق على مدّة الإمهال، ويُطلق على الوقت المحدّد به انتهاء الإمهال، ولا شكّ أنّه وُضع لأحد الأمرين ثمّ استعمل في الآخرة على تأويل منتهى المدّة أو تأخير المنتهى وشاع الاستعمالان.

فعلى الأوّل يقال قَضى الأجلَ أي المدّة كما قال تعالى: ﴿ أيَّما الأجلين قضيت ﴾ [القصص: 28] وعلى الثّاني يقال: «دنا أجل فلان» وقوله تعالى: ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ [الأنعام: 128] والواقع في هذه الآية يصحّ للاستعمالين بأن يكون المراد بالأجل الأوّل المدّة، وبالثّاني الوقت المحدّد لفعللٍ مَّا.

والمراد بالأمّة هنا الجماعة التي اشتركت في عقيدة الإشراك أو في تكذيب الرّسل، كما يدلّ عليه السّياق من قوله تعالى: ﴿ وأن تشركوا بالله ﴾ [الأعراف: 33] إلخ وليس المراد بالأمّة، الجماعةَ التي يجمعها نسب أو لغة إذ لا يتصوّر انقراضها عن بكرة أبيها، ولم يقع في التّاريخ انقراض إحداها، وإنّما وقع في بعض الأمم أن انقرض غالب رجالها بحوادث عظيمة مثل (طَسْمٍ) و(جَدِيس) و(عَدْوَان) فتندمج بقاياها في أمم أخرى مجاورة لها فلا يقال لأمّة إنّ لها أجلا تنقرض فيه، إلاّ بمعنى جماعة يجمعها أنّها مُرسل إليها رسول فكذّبته، وكذلك كان ما صْدَق هذه الآية، فإنّ العرب لمّا أرسل محمّد صلى الله عليه وسلم ابتدأ دعوته فيهم ولهم، فآمن به من آمن، وتَلاحق المؤمنون أفواجاً، وكذّب به أهل مكّة وتبعهم مَن حولهم، وأمهل الله العربَ بحكمته وبرحمة نبيّه صلى الله عليه وسلم إذ قال: «لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده» فلطف الله بهم إذ جعلهم مختلطين مؤمنهم ومشركهم، ثمّ هاجر المؤمنون فبقيت مكّة دار شرك وتمحّض مَنْ عَلِم الله أنّهم لا يؤمنون فأرسل الله عليهم عبادَهُ المؤمنين فاستأصلوهم فوْجاً بعد فوح، في يوم بدر وما بعده من أيّام الإسلام، إلى أن تَم استئصال أهل الشّرك بقتل بقيّة من قتل منهم في غزوة الفتح، مثل عبد الله بن خَطَل ومن قُتل معه، فلمّا فتحت مكّة دان العرب للإسلام وانقرض أهل الشّرك، ولم تقم للشّرك قائمة بعد ذلك، وأظهر الله عنايته بالأمّة العربيّة إذ كانت من أوّللِ دعوة الرّسول غير متمحّضة للشّرك، بل كان فيها مسلمون من أوّل يوم الدّعوة، وما زالوا يتزايدون.

وليس المراد في الآية، بأجل الأمّة، أجلَ أفرادها، وهو مدّة حياة كلّ واحد منها، لأنّه لا علاقة له بالسّياق، ولأنّ إسناده إلى الأمّة يعيّن أنّه أجل مجموعها لا أفرادها، ولو أريد آجال الأفراد لقال لكلّ أحد أو لكلّ حَيّ أجل.

و ﴿ إذا ﴾ ظرف زمان للمستقبل في الغالب، وتتضمّن معنى الشّرط غالباً، لأنّ معاني الظّروف قريبَة من معاني الشّرط لما فيها من التّعليق، وقد استُغني بفاء تفريع عامل الظرّف هنا عن الإتيان بالفاء في جواب (إذا) لظهور معنى الرّبط والتّعليق بمجموع الظّرفية والتّفريع، والمفرعُ هو: ﴿ جاء أجلهم ﴾ وإنّما قدم الظّرف على عامله للاهتمام به ليتأكدّ بذلك التّقديممِ معنى التّعليق.

والمجيء مجاز في الحلول المقدَّر له كقولهم جاء الشّتاء.

وإفراد الأجل في قوله: ﴿ إذا جاء أجلهم ﴾ مراعى فيه الجنس، الصّادق بالكثير، بقرينة إضافته إلى ضمير الجمع.

وأُظهر لفظ أجل في قوله: ﴿ إذا جاء أجلهم ﴾ ولم يُكتف بضميره لزيادة تقرير الحكم عليه، ولتكون هذه الجملة مستقلّة بنفسها غير متوقّفة عن سماع غيرها لأنّها بحيث تَجْري مَجرى المثل، وإرسالُ الكلام الصّالح لأن يكون مَثلا طريق مِن طُرق البلاغة.

و ﴿ يستأخرون ﴾ : و ﴿ يستقدمون ﴾ بمعنى: يتأخّرون ويتقدّمون، فالسّين والتّاء فيهما للتّأكيد مثل استجاب.

والمعنى: إنّهم لا يتجاوزونه بتأخير ولا يتعجّلونه بتقديم.

والمقصود أنّهم لا يؤخّرون عنه، فَعَطْفُ ﴿ ولا يستقدمون ﴾ لبيان أن ما علمه الله وقدّره على وفق علمه لا يَقْدِر أحد على تغييره وصَرفه، فكان قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ لا تعلّق له بغرض التّهديد.

وقريب من هذا قول أبي الشيص: وقف الهوى بي حيثُ أنتتِ فليس لي *** مُتَأخَّرٌ عَنْهُ وَلاَ مُتَقَدَّم وكلّ ذلك مبني على تمثيل حالة الذي لا يستطيع التّخلّص من وعيد أو نحوه بهيئة من احتُبس بمكان لا يستطيع تجاوزه إلى الأمام ولا إلى الوراء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ولِكُلِّ أُمَّةٌ كِتابٌ فِيما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ، مِن عَذابٍ أوْ رَحْمَةٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

الثّانِي: ولِكُلٍّ نَبِيٌّ يَدْعُوهم إلى طاعَتِهِ ويَنْهاهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ.

والثّالِثُ: لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فِيما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن حَياةٍ، وقَضاهُ عَلَيْهِمْ مِن وفاةٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ولِكُلِّ أُمَّةٍ مُدَّةٌ يُبْقُونَ فِيها عَلى دِينِهِمْ أنْ يُحْدِثُوا فِيهِ الِاخْتِلافَ.

﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أجَلُ مَوْتِهِمْ.

الثّانِي: أجَلُ عَذابِهِمْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

﴿ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَزِيدُ أجَلُ حَياتِهِمْ ولا يَنْقُصُ.

والثّانِي: لا يَتَقَدَّمُ عَذابُهم ولا يَتَأخَّرُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص وابن النجار في تاريخه عن أبي الدرداء قال: تذاكرنا زيادة العمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: من وصل رحمه أنسئ في أجله.

فقال «إنه ليس بزائدة في عمره، قال الله: ﴿ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ ولكن الرجل يكون له الذرية الصالحة فيدعون الله له من بعده فيبلغه ذلك، فذلك الذي ينسأ في أبده» ، وفي لفظ: «فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان الحسن يقول: ما أحمق هؤلاء القوم...

!

يقولون.

اللهم أطل عمره، والله يقول ﴿ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن ابن المسيب قال: لما طعن عمر قال كعب: لو دعا الله عمر لأَخَّر في أجله.

فقيل له: أليس قد قال الله: ﴿ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ ؟

فقال كعب: وقد قال الله: ﴿ وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ﴾ [ فاطر: 11] قال الزهري: وليس أحد إلا له عمر مكتوب، فرأى أنه ما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء وينقص ﴿ فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ .

وأخرج ابن سعد في الطبقات عن كعب قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبي أن يقول له: أعهد عهدك واكتب إلى وصيتك فإنك ميت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك، فلما كان في اليوم الثالث وقع بين الجدر وبين السرير، ثم جار إلى ربه فقال: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور ابتعت هداك، وكنت فزدني في عمري حتى يكبر طفلي وتربوا أمتي.

فأوحى الله إلى النبي: أنه قد قال كذا وكذا وقد صدق: وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته، فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ليبقينه، فأخبر بذلك عمر فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.

وأخرج ابن سعد عن ابن أبي مليكة قال: لما طعن عمر جاء كعب، فجعل يبكي بالباب ويقول قال: والله لو أن أمير المؤمنين يقسم على الله أن يؤخره لأخَّرَهُ، فدخل ابن عباس عليه فقال: يا أمير المؤمنين هذا كعب يقول كذا وكذا؟

قال: إذاً والله لا أسأله.

وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن يحيى بن عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه عن جده قال: جاء سعد بن أبي وقاص فقال: يا رب إن لي بنين صغاراً فأخِّر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه الموت عشرين سنة.

وأخرج أحمد عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره النسأ في الأجل والزياده في الرزق فليصل رحمه» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «من ولي من أمر أمتي شيئاً فحسنت سريرته رزق الهيبة من قلوبهم، وإذا بسط يده لهم بالمعروف رزق المحبة منهم، وإذا وفر عليهم أموالهم وفر الله عليه ماله، وإذا أنصف الضعيف من القوي قوّى الله سلطانه، وإذا عدل مدَّ في عمره» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: من اتقى ربه، ووصل رحمه، نسئ له في عمره، وربا ماله، وأحبه أهله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ الآية، معنى الأجل: الوقت [المؤقت] (١) (٢) وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أن المراد بهذا أجل العذاب.

وهو قول ابن عباس والحسن (٣) قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ (يريد: وقتًا فإذا جاء ذلك الوقت لا يؤخر عنهم العذاب، ولا يقدم قبل ذلك) (٤) وقال الحسن: (يريد: أجل الهلاك بعذاب الاستئصال).

وقال مقاتل: ( ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ بالعذاب، ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ ﴾ بالعذاب لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا.

قال: وذلك حين سألوا النبي  العذاب) (٥) القول الثاني: أن المراد بهذا الأجل أجل العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل ﴿ لَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ بعد الأجل ساعة، وكأن القول الأول أقوى لقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ ، ولم يقل: ولكل أحد أجل.

وعلى القول الثاني إنما قال: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ ، ولم يقل لكل أحد إخبارًا عن تقارب أعمار أهل كل عصر حتى كأن لها أجلًا واحداً لتقاربها (٦) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ﴾ .

قال الزجاج: (ولا أقل من ساعة، ولكن ذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، إن قيل: ما معنى هذا مع استحالة التقدم على الأجل وقت حضوره، وكيف يحسن قوله: ﴿ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ بعد فناء الأجل؟؛ قيل: هذا على المقاربة؛ لأن العرب تقول: جاء الشتاء إذا قارب وقته.

وجاء الصيف، ومع مقاربة (٨) ﴿ لَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ عن (٩) ﴿ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ عليها إذا قاربت الانقضاء، ولفظ قوله: ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ ﴾ محتمل للمعنيين (١٠) (١) لفظ: (المؤقت) ساقط من (ب).

(٢) انظر: "العين" 6/ 178، و"الجمهرة" 2/ 1043، و"التهذيب" 1/ 124، و"الصحاح" 4/ 1621، و"المجمل" 1/ 88، و"المفردات" ص 65، و"اللسان" 1/ 32 (أجل).

(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 177، والرازي 14/ 67، عن ابن عباس والحسن ومقاتل، وذكره البغوي 3/ 226، عن ابن عباس وعطاء والحسن.

(٤) "تنوير المقباس" 2/ 91، و"الفريد" للهمداني 2/ 293.

(٥) "تفسير مقاتل" 2/ 35.

(٦) انظر: "تفسير الرازي" 14/ 68، و"الخازن" 2/ 225، وفيهما نص كلام الواحدي == بدون نسبة.

والقول الأول أظهر.

وهو قول الجمهور، والثاني داخل فيه ومعلوم أن لكل إنسان أجلاً لا يتعداه.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 167، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 220، وابن عطية 5/ 490، 491.

(٧) "معاني القرآن" 2/ 334، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 30.

(٨) لفظ: (مع مقاربة) عليه طمس في (أ).

(٩) في (ب): (مع).

(١٠) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 68، ونقله عن الواحدي السمين في "الدر" 5/ 308، وقال: (هذا بناء منه على أنه معطوف على ﴿ لَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ وهو ظاهر أقوال المفسرين، وهذا لا يجوز؛ لأن (إذا) إنما يترتب عليها وعلى ما بعدها الأمور المستقبلية لا الماضية، والاستقدام بالنسبة إلى مجيء الأجل متقدم عليه، فكيف يترتب عليه؟

ويصير هذا من باب الإخبار بالضروريات التي لا يجهل أحد معناها، وهو مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم، بل لا بد من استيفائهم إياه، كما أنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان) اهـ.

ملخصًا.

وانظر: "البحر المحيط" 4/ 293.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والإثم ﴾ عام في كل ذنب ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله ﴾ أي تفتروا عليه في التحريم وغيره ﴿ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، ولزمتها النون الشديدة المؤكدة، وجواب الشرط فمن اتقى الآية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورياشا ﴾ أبو زيد عن المفضل.

الباقون ﴿ ريشاً ﴾ ﴿ ولباس ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ.

الباقون بالرفع.

﴿ خالصة ﴾ بالرفع: نافع.

الآخرون بالنصب ﴿ ربي الفواحش ﴾ مرسلة الباء: حمزة.

الوقوف: ﴿ وريشاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولباس ﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿ التقوى ﴾ ﴿ خير ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ سوآتهما ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أمرنا بها ﴾ ط ﴿ بالفحشاء ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ط ﴿ تعودون ﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿ الضلالة ﴾ ج ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام.

﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ من الرزق ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ أجل ﴾ ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا ﴾ وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ ﴿ وأنزلنا الحديد  ﴾ والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال  ﴾ ومن قرأ ﴿ رياشاً ﴾ فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب.

وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر.

ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش.

وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال.

أما قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي ﴿ ذلك خير ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو ﴿ خير ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير.

والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة.

ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله  ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده.

أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب.

أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة.

ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان.

وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.

وقيل: هو السمت الحسن.

وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً.

وقال معبد: هو الحياء.

وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات.

وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله  مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف  ﴾ ﴿ وذلك من آيات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.

ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.

وقال الخليل: الفتن الإحراق.

وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله  : ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر.

ومحل ﴿ كما أخرج ﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة.

ومحل ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما.

واللام في ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ﴿ ليبدي لهما  ﴾ قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.

وعن عائشة  ا ما رأيت منه ولا رأى مني.

وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم.

واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر.

وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.

وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان.

وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي.

ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً.

والقبيل بنو أب واحد.

وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده.

وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته.

﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون.

قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله  يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه  كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.

وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه  خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه  لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس.

قال بعض العلماء: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة.

ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد.

وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى.

وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.

والضمير في ﴿ إنه ﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ الآية.

واحتج أهل السنة على أنه  هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً  ﴾ اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟

وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب.

وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها.

ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ ؟

والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه  مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً.

وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله  بذاته وأفعاله وأحكامه.

أما قوله: ﴿ وأقيموا ﴾ فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا ﴿ وجوهكم ﴾ أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ﴿ عند كل مسجد ﴾ في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي.

ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين  ﴾ ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء.

وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله  في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة.

ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ وانتصاب ﴿ فريقاً ﴾ الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به.

قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة.

وأجيب بأن قوله: ﴿ هدى ﴾ و ﴿ حق ﴾ ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال.

ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.

ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين.

ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله .

*** وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد.

وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.

وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية.

قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله  : ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ يعني الثياب.

وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.

والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة.

وقيل: الزينة المشط.

وقيل: الطيب.

ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ.

فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته.

قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة.

وأجيب بأن اللام في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة  ﴾ تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله  فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟

أما قوله: ﴿ وكلوا ﴾ أي اللحم والدسم.

﴿ واشربوا ﴾ فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة.

وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين.

أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل.

والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.

وفي قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.

الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها.

وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله  لهم.

قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي.

وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان.

فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.

قال: وما هي؟

قال: قوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا  الطب في ألفاظ يسيرة.

قال: وما هي؟

قال: قوله: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.

قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة.

وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب.

عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله  وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام.

قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات.

فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة.

فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك.

فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك.

فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة.

فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله  .

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم.

قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.

قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة.

ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي.

واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام.

قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله  بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله  أعلم.

ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً  ﴾ وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر.

قال أبو علي: أو على الخبر ﴿ والذين آمنوا ﴾ متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿ يوم القيامة ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ آمنوا ﴾ و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ خالصة ﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار.

وعلى الأول يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة.

ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.

ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والإثم ﴾ وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر.

وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم.

وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: ﴿ والبغي بغير الحق ﴾ ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله  عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة.

فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال.

ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه  أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة.

وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول.

وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال.

وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل.

ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال.

وليس المراد أنه  لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه  وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه  اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً.

والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته.

قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ؟

وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى.

التأويل: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ هو لباس الشريعة ﴿ يواري ﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿ وريشاً ﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ ولباس التقوى ﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي.

فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ ذلك خير ﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.

﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿ كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ وجوار الحق ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ ليريهما سوآتها ﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿ وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني.

﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء ﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة.

﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿ قالوا إنا وجدنا آباءنا ﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿ والله أمرنا ﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ ﴿ كما بدأكم ﴾ لطفاً أو قهراً ﴿ تعودون ﴾ إليه.

فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿ خذوا زينتكم ﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في مقام العندية كما قال: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية.

﴿ زينة الله ﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ الفواحش ﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام ﴿ ما ظهر منها ﴾ ارتكاب المناهي ﴿ وما بطن ﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ ما ظهر منها ﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿ وما بطن ﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ ما ظهر منها ﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿ وما بطن ﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين.

﴿ والإثم ﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿ والبغي ﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه.

وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿ وأن تقولوا ﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿ على الله ما لا تعلمون ﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين ﴿ ولكل أمة ﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ : [هو بعث الرسول إليها أي لا يهلكون إلا بعد] بعث الرسل إليهم، فإذا أتاهم الرسول، فكذبوه وعاندوا، فعند ذلك يهلكون، وهو كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً  ﴾ .

ويحتمل أن لكل أمة أجلاً لا تهلك قبل بلوغ أجلها لا تستأخر ولا تستقدم.

فهذا يرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن من قتل إنما هلك قبل بلوغ أجله، ويجعلون القاتل منه مستقدماً لأجل ذلك المقتول، والله -  - يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ : إذا جاء لا يستأخرون، وإذا لم يجئ لا يستقدمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ ، أي: سيأتينكم رسل منكم، أو سوف يأتيكم [يقصون عليكم ثم يحتمل قوله:] ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ ، أي: هداي؛ كقوله: [ ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ فعلى ذلك قوله ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ أي: هداي] ﴿ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

ويحتمل الآيات: الحجج والبراهين التي يضطر أهلها إلى قبولها إلا من عاند وكابر.

﴿ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ .

اتقى الشرك.

﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ .

وآمن بالله وعمل صالحاً.

﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ يحتمل: اتقى ما نهى الرسل أو اتقى المهالك، وأصلح فيما أمر به الرسل، أو أصلح أمره وعمله.

﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ في ذهاب ما أكرمهم به مولاهم ولا فوته؛ لأن خوف الفوت مما ينقص [النعم].

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : تبعاته وآفاته: يخبر أن نعيم الآخرة على خلاف نعيم الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

ظاهر تأويلها، وقد ذكرنا في غير موضع حتى لم يأخذوا على أحد منهم.

وفي قوله: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ له على خلقه منن كثيرة ونعم عظيمة، حيث بعث الرسل من جنس المرسل إليهم: أحدها: أن كل ذي جنس وجوهر يستأنس بجنسه وجوهره، ويستوحش بغيره، فمنَّ عليهم؛ [حيث بعث] الرسل من جنسهم وجوهرهم، يستأنس بعضهم ببعض ويألف بعضهم بعضاً؛ فذلك آخذ للقلوب وأدعى إلى الاتباع والإجابة.

والثاني: بعث الرسل من قومهم الذين نشئوا بين أظهرهم، وعرفوا صدقهم وأمانتهم؛ ليعلموا أنهم صادقين فيما يدعون من الرسالة؛ حيث لم يظهر منهم الكذب والخيانة قط، حتى لم يأخذوا على أحد منهم الكذب.

والثالث: أن الرسل لو كانوا من غير جنسهم وغير جوهرهم، لم يعرفوا ما أوتوا من الآيات والبراهين أنها آيات وحجج؛ لما لا يعلمون أن وسعهم لا يبلغ هذا، وطوقهم لا يصل إلى ذلك، وإذا كانوا منهم يعرفون ذلك إن أتوا بشيء خرج عن وسعهم أنها آيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا ﴾ .

قال الحسن: ديننا.

ويحتمل ﴿ بِآيَٰتِنَا ﴾ حججنا [أي: كذبوا بحججنا] فإذا كذبوا بحججه كفروا به؛ لأنه - عز وجل - لا يعرف من طريق الحس والعيان؛ ولكن إنما يعرف من طريق الحجج والآيات والدلائل؛ فيكون الكفر بآياته وحججه كفراً به، ويشبه أن تكون آياته آيات الرسالة وحججها.

ويحتمل آياته - هاهنا - رسله، أي: كذبوا برسلنا، سمى رسله آياته؛ لأن أنفس الرسل كانت آيات للخلق تدلهم على وحدانية الله، ورسالتهم من أعلام جعلت من أنفسهم من صدقهم وأماناتهم.

﴿ وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ ﴾ .

أي: استكبروا عن التدبر فيها والنظر.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ﴾ .

لأنهم يصحبون النار والسبب الذي يوجب لهم النار أبداً؛ فسموا أصحاب النار بذلك؛ كما يقال: صاحب الدار وصاحب الدابة؛ لأنه هو يصحبها دائماً؛ فعلى ذلك هؤلاء سموا أصحاب النار؛ لما هم يصحبونها دائِماً أبداً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولكل جيل وقرن مدة وميقات محدد لآجالهم، فإذا جاء ميقاتهم المُقَدَّر لا يتأخرون عنه زمنا وإن قل، ولا يتقدمون عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.Bp7El"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله