الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٣٦ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 57 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أي : كذبت بها قلوبهم ، واستكبروا عن العمل بها ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) أي : ماكثون فيها مكثا مخلدا .
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وأما من كذّب بإيتاء رسلي التي أرسلتها إليه، وجحد توحيدي، وكفر بما جاء به رسلي، واستكبر عن تصديق حُجَجي وأدلّتي =(فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، يقول: هم في نار جهنم ماكثون, لا يخرجون منها أبدًا.
(42) ----------------- الهوامش : (42) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .
لا يوجد تفسير لهذه الأية
{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا } أي: لا آمنت بها قلوبهم، ولا انقادت لها جوارحهم، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } كما استهانوا بآياته، ولازموا التكذيب بها، أهينوا بالعذاب الدائم الملازم.
( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ) تكبروا عن الإيمان بها ، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر .
قال الله تعالى " إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون " ( الصافات ، 35 ) ، ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
«والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا» تكبروا «عنها» فلم يؤمنوا بها «أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».
والكفار الذين كذَّبوا بالدلائل على توحيد الله، واستعلَوا عن اتباعها، أولئك أصحاب النار ماكثين فيها، لا يخرجون منها أبدًا.
اعلم أنه تعالى لما بين أحوال التكليف وبين أن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بين أنهم بعد الموت كانوا مطيعين فلا خوف عليهم ولا حزن وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب وقوله: ﴿ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ هي إن الشرطية ضمت إليها ما مؤكدة لمعنى الشرط ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء، وهو قوله: ﴿ فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ ﴾ وإنما قال رسل وإن كان خطاباً للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء عليه وعليهم السلام لأنه تعالى أجرى الكلام على ما يقتضيه سنته في الأمم وإنما قال: ﴿ مّنكُمْ ﴾ لأن كون الرسول منهم أقطع لعذرهم وأبين للحجة عليهم من جهات: أحدها: أن معرفتهم بأحواله وبطهارته تكون متقدمة.
وثانيها: أن معرفتهم بما يليق بقدرته تكون متقدمة فلا جرم لا يقع في المعجزات التي تظهر عليه شك وشبهة في أنها حصلت بقدرة الله تعالى لا بقدرته فلهذا السبب قال تعالى: ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً ﴾ .
وثالثها: ما يحصل من الألفة وسكون القلب إلى أبناء الجنس، بخلاف ما لا يكون من الجنس، فإنه لا يحصل معه الألفة.
وأما قوله: ﴿ يَقُصُّونَ عَلِيمٌ ءاياتي ﴾ فقيل تلك الآيات هي القرآن وقيل الدلائل، وقيل الأحكام والشرائع والأولى دخول الكل فيه، لأن جميع هذه الاْشياء آيات الله تعالى لأن الرسل إذا جاؤا فلابد وأن يذكروا جميع هذه الأقسام، ثم قسم تعالى حال الأمة فقال: ﴿ فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ ﴾ وجمع هاتين الحالتين مما يوجب الثواب لأن الملتقي هو الذي يتقي كل ما نهى الله تعالى عنه، ودخل في قوله: ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ أنه أتى بكل ما أمر به.
ثم قال تعالى في صفته: ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أي بسبب الأحوال المستقبلة ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ أي بسبب الأحوال الماضية لأن الإنسان إذا جوز وصول المضرة إليه في الزمان المستقبل خاف وإذا تفكر فعلم أنه وصل إليه بعض ما لا ينبغي في الزمان الماضي، حصل الحزن في قلبه، لهذا السبب والأولى في نفي الحزن أن يكون المراد أن لا يحزن على ما فاته في الدنيا، لأن حزنه على عقاب الآخرة يجب أن يرتفع بما حصل له من زوال الخوف، فيكون كالمعاد وحمله على الفائدة الزائدة أولى فبين تعالى أن حاله في الآخرة تفارق حاله في الدنيا، فإنه في الآخرة لا يحصل في قلبه خوف ولا حزن ألبتة، واختلف العلماء في أن المؤمنين من أهل الطاعات هل يلحقهم خوف، وحزن عند أهوال يوم القيامة فذهب بعضهم إلا أنه لا يلحقهم ذلك، والدليل عليه هذه الآية، وأيضاً قوله تعالى: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ وذهب بعضهم إلى أن يلحقهم ذلك الفزع لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ﴾ أي من شدة الخوف.
وأجاب هؤلاء عن هذه الآية: بأن معناه أن أمرهم يؤل إلى الأمن والسرور، كقول الطبيب للمريض: لا بأس عليك، أي أمرك يؤل إلى العافية والسلامة، وإن كان في الوقت في بأس من علته، ثم بين تعالى أن الذين كذبوا بهذه الآيات التي يجيء بها الرسل ﴿ واستكبروا ﴾ أن أنفوا من قبولها وتمردوا عن التزامها ﴿ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وقد تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة، لا يبقى مخلداً في النار، لأنه تعالى بين أن المكذبين بآيات الله والمستكبرين عن قبولها، هم الذين يبقون مخلدين في النار، وكلمة ﴿ هُمْ ﴾ تفيد الحصر، فذلك يقتضي أن من لا يكون موصوفاً بذلك التكذيب والاستكبار، لا يبقى مخلداً في النار، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ هي (إن) الشرطية ضمت إليها (ما) مؤكدة لمعنى الشرط.
ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة.
فإن قلت: فما جزاء هذا الشرط؟
قلت: الفاء وما بعده من الشرط والجزاء.
والمعنى: فمن اتقى وأصلح منكم، والذين كذبوا منكم.
وقرئ: ﴿ تأتينكم ﴾ ، بالتاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ والمَعْنى فَمَنِ اتَّقى التَّكْذِيبَ وأصْلَحَ عَمَلَهُ مِنكم والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مِنكم، وإدْخالُ الفاءِ في الخَبَرِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي لِلْمُبالَغَةِ في الوَعْدِ والمُسامَحَةِ في الوَعِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين كذبوا} منكم {بآياتنا واستكبروا عَنْهَا} تعظموا عن الايمان بها {أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون}
﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ مِنكم ﴿ بِآياتِنا ﴾ الَّتِي تَقُصُّ ﴿ واسْتَكْبَرُوا عَنْها ﴾ ولَمْ يَقْبَلُوها ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ (36) لِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وإيرادُ الِاتِّقاءِ فِيها لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الفَلاحِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّكْذِيبِ بَلْ هو الِاتِّقاءُ والِاجْتِنابُ عَنْهُ وإدْخالُ الفاءِ في الوَعْدِ دُونَ الوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في الأوَّلِ والمُسامَحَةِ في الثّانِي <div class="verse-tafsir"
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ وأصله إنْ ما ومعناه متى ما يأتيكم رُسُلٌ مِنْكُمْ أي: من جنسكم يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي أي يقرءون عليكم، ويعرضون عليكم كتابي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ أي: اتقى الشرك وأطاع الرسول وأصلح العمل، يعني: فمن اتقى عما نهى الله عنه وأصلح أي: عمل بما أمر الله تعالى به فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني: لا خوف عليهم من العذاب وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ من فوات الثواب.
ويقال: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من الدنيا ويقال معناه إمَّا يأتينَّكم رسل منكم وأيقنتم فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلكم، فذكر الله ثواب من اتقى وأصلح.
ثم بيّن عقوبة من لم يتق فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي تعظموا عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالرسل وتكبروا عن الإيمان أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي: دائمون.
قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ قال الكلبي: فمن أكفر.
وقال بعضهم: هذا التفسير خطأ لأنه لا يصح أن يقال هذا أكفر من هذا.
ولكن معناه: ومن أشد في كفره.
ويقال: فلا أحد أظلم.
ويقال: أي ظلم أشنع وأقبح مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: من اختلق على الله كذباً أي: شركا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ جحد بالقرآن أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ أي: حظهم من العذاب.
ويقال نَصِيبُهُمْ حظهم مما أوعدهم اللَّه في الكتاب الإهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة.
وقال ابن عباس: هو ما ذكر في موضع آخر وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ.
ويقال: نَصِيبُهُمْ أي ما قضي وقدر عليهم في اللوح المحفوظ من السعادة والشقاوة.
ويقال: نَصِيبُهُمْ رزقهم وأجلهم في الدنيا حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ يعني: أمهلهم حتى يأتيهم ملك الموت وأعوانه عند قبض أرواحهم.
ويقال: يقول لهم خزنة جهنم قبل دخولها قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ يعني: أن الملائكة يقولون ذلك عند قبض أرواحهم مِنْ دُونِ اللَّهِ يمنعونكم من النار قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي اشتغلوا عنا بأنفسهم وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ في الدنيا، وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم.
ثم قال: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: قالت لهم خزنة النار: ادخلوا النار مع أمم قد مضت على مذهبكم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ يعني: النار أُمَّةٌ جماعة لَعَنَتْ أُخْتَها أي: على الأمة التي دخلت قبلها في النار.
قال مقاتل: يعني لعنوا أهل ملتهم يلعن المشركون المشركين والنصارى النصارى.
وقال الكلبي: تدعو على الأمم التي قبلهم في النار يبدأ بالأمم الأولى فالأولى، ويبدأ أولاً بقابيل وولده.
ويقال: يبدأ بالأكابر فالأكابر مثل فرعون كما قال في آية أخرى ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا [مريم: 69] .
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً يعني: اجتمعوا في النار وأصله تداركوا فيها يعني: اجتمع القادة والأتباع في النار وقرأ بعضهم حَتَّى إذَا أَدْرَكُوا فيه أي دخلوا في إدراكها، كما يقال أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء وهي قراءة شاذة قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ أي: قال أواخر الأمم لأولّهم.
ويقال: قالت الأتباع للقادة والرؤساء رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا عن الهدى فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ أي: أعظم زيادة من العذاب قالَ الله تعالى: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لاَّ تَعْلَمُونَ أي: على القادة زيادة من العذاب ولكن لا تعلمون ما عليهم.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلكِنْ لاَّ يَعْلَمُونَ بالياء أي: لا يعلم فريق منهم عذاب فريق آخر وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ أي: أولهم دخولاً لآخرهم دخولاً.
ويقال: القادة للأتباع فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في شيء كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم سواء في الكفر ضللتم كما ضللنا.
قال الله تعالى: فَذُوقُوا الْعَذابَ ويقال: يقول الخزنة فذوقوا العذاب.
ويقال: هذا قول بعضهم لبعض فَذُوقُواْ العذاب بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي: تكفرون في الدنيا بترككم الإيمان.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ المعنى: ولكل أمة أجل مُؤَقَّت لمجيء العَذَابِ إذا كفروا، وخالفوا أَمْرَ ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك.
قاله الطبري «١» وغيره.
وقوله: ساعَةً لفظ عين به الجزء القليل من الزمان، والمراد جميع أجزائه، والمعنى: لا يستأخرون سَاعَة، ولا أقل منها، ولا أكثر.
وقوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ/ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ الخِطَابُ في هذه الآية لجميع العالم، و «إن» هي الشرطية دخلت عليها «ما» مؤكدة، وكان هذا الخطاب لجميع الأُمم قَدِيمِها وحَدِيثِهَا هو متمكن لهم، ومتحصِّل منه لحاضري نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن هذا حُكْمُ اللَّه في العالم منذ أنشأه، ويَأْتِيَنَّكُمْ مستقبل وُضِعَ موضع ماضٍ ليفهم أن الإتيان بَاقٍ وَقْتَ الخطاب، لِتَقْوَى الإشارة بصحّة النبوءة إلى نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم وهذا على مُرَاعَاةِ وَقْتِ نزول الآية.
وأسند الطَّبَري إلى أبي سَيَّارٍ السُّلمي قال: «إن الله سبحانه خاطب آدم وذريته، فقال:
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ...
الآية: قال: ثم نظر سبحانه إلى الرّسل، فقال:
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ...
[المؤمنون: ٥١، ٥٢] » الحديث «٢» .
قال ع «٣» : ولا مَحَالَةَ أن هذه المُخَاطَبَة في الأزل.
وقيل: المراد بالرسل نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَهُ النقاش ويَقُصُّونَ أي: يسردون، ويوردون، «والآيات» لَفْظٌ جامع لآيات الكُتُب المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جَمِيعَ أنواع مكاره النفس وأنكادها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أُضْمِرَ: "فَأطِيعُوهُمْ" وقَدْ سَبَقَ مَعْنى "إمّا" في سُورَةِ البَقَرَةِ (البَقَرَةِ:٣٨)؛ والباقِي ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ ﴾ فَفي مَعْناهُ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: نُصِيبُهم مِنَ الأعْمالِ، فَيُجْزَوْنَ عَلَيْها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: ما كَتَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
والرّابِعُ: ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والأعْمالِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: ما كَتَبَ لَهم مِنَ العَذابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ.
والسّادِسُ: ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في الكُتُبِ كُلِّها: أنَّهُ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، اسْوَدَّ وجْهُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّابِعُ: ما أخْبَرَ في الكِتابِ مِن جَزائِهِمْ، نَحْوُ قَوْلُهُ: ﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَإذَنْ في الكِتابِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والثّانِي: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها.
والثّالِثُ: القُرْآَنُ.
والرّابِعُ: كِتابُ أعْمالِهِمْ.
والخامِسُ: القَضاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
/٠ أحَدُها: أنَّهم أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ.
والثّانِي: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: "يَتَوَفَّوْنَهُمْ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَتَوَفَّوْنَهم بِالمَوْتِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: يَتَوَفَّوْنَهم بِالحَشْرِ إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: يَتَوَفَّوْنَهم عَذابًا، كَما تَقُولُ: قَتَلْتُ فُلانًا بِالعَذابِ، وإنْ لَمْ يَمُتْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ ، وهَذا سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيعٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: فَلْيَمْنَعُوكم مِنَ النّارِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ ضَلُّوا عَنّا ﴾ بَطِلُوا وذَهَبُوا، فَيَعْتَرِفُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ.
وقالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ الِاعْتِرافُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.
و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ: قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................
وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿ الفَواحِشَ ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.
و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛ ﴾ مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ فِيهِما إثْمٌ ﴾ ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.
و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".
﴿ وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ.
﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .......................
∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ ؛ ثُمَّ بَثَّهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ.
﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا ﴾ ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.
﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا ﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.
<div class="verse-tafsir"
يجيء في موقع هذه الجملة: من التّأويل، ما تقدّم في القوللِ في نظيرتها وهي قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ﴾ [الأعراف: 26].
والتّأويل الذي استظهرنا به هنالك يبدو في هذه النظيرة الرّابعة أوضحَ.
وصيغة الجمع في قوله: ﴿ رسل ﴾ وقوله ﴿ يقصون ﴾ تقتضي توقّع مجيءِ عدّةِ رسل، وذلك منتف بعد بعثة الرّسول الخاتم للرّسل الحاشر العاقب عليه الصّلاة والسّلام، فذلك يتأكّد أن يكون هذا الخطاب لبني آدم الحاضرين وقت نزول القرآن، ويرجح أن تكون هذه النّداآت الأربعة حكاية لقوللٍ موجّه إلى بني آدم الأوّلين الذي أوّلُه: ﴿ قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ﴾ [الأعراف: 25].
قال ابن عطيّة: «وكأنّ هذا خطاب لجميع الأمم، قديمها وحديثها، هو متمكّن لهم، ومتحصّل منه لحاضري محمّد صلى الله عليه وسلم أنّ هذا حكم الله في العالم منذ أنشأه» يريد أنّ الله أبلغ النّاس هذا الخطابَ على لسان كلّ نبيء، من آدم إلى هلم جرّا، فما من نبيء أو رسول إلاّ وبلَّغه أمَّته، وأمَرَهم بأن يبلغ الشّاهد منهم الغائبَ، حتّى نزل في القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فعلمت أمّته أنّها مشمولة في عموم بني آدم.
وإذا كان ذلك متعيّناً في هذه الآية أو كالمتعيّن تعيّن اعتبار مثله في نظائرها الثّلاث الماضية، فشد به يدك.
ولا تعبأْ بمن حَرَدك.
فأمَا إذا جعل الخطاب في هذه الآية موجّهاً إلى المشركين في زمن النّزول، بعنوان كونهم من بني آدم، فهنالك يتعيّن صرف معنى الشّرط إلى ما يأتي من الزّمان بعد نزول الآية لأنّ الشّرط يقتضي الاستقبال غالباً.
كأنّه قيل إنْ فاتكم اتّباع ما أنزل إليكم فيما مضى لا يَفْتُكم فيما بقي، ويتعيّن تأويل يأتينّكم بمعنى يَدْعُونَّكم، ويتعيَّن جعل جمع الرّسل على إرادة رسول واحد، تعظيماً له، كما في قوله تعالى: ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ﴾ [الفرقان: 37] أي كذّبوا رسوله نُوحا، وقوله: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ [الشعراء: 105] وله نظائر كثيرة في القرآن.
وهذه الآية، والتي بعدها متّصلتا المعنى بمضمون قوله تعالى في أوّل السّورة: ﴿ وكم من قرية أهلكناها ﴾ [الأعراف: 4] الآية اتّصال التّفصيل بإجماله.
أكد به تحذيرهم من كيد الشّيطان وفتونه، وأراهم به مناهج الرّشد التي تُعين على تجنّب كيده، بدعوة الرّسل إياهم إلى التّقوى والإصلاح، كما أشار إليه بقوله، في الخطاب السّابق: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ [الأعراف: 27] وأنبأهم بأنّ الشّيطان توعَّد نوع الإنسان فيما حكى الله في قوله: ﴿ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16] الآية فلذلك حذرّ الله بني آدم من كيد الشّيطان، وأشعرهم بقوّة الشّيطان بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ﴾ [الأعراف: 27] عسى أن يتّخذوا العُدّة للنّجاة من مخالب فتنته، وأردف ذلك بالتّحذير من حزبه ودعاته الذين يفتنون المؤمنين، ثمّ عزّز ذلك بإعلامه إياهم أنّه أعانهم على الاحتراز من الشّيطان، بأن يبعث إليهم قوماً من حزب الله يبلّغونهم عن الله ما فيه منجاة لهم من كيد الشّياطين، بقوله: ﴿ يا بني آدم إما يأتيكم رسل منكم ﴾ الآية فأوصاهم بتصديقهم والامتثال لهم.
و ﴿ إمَّا ﴾ مركّبة من (إن) الشّرطيّة و(ما) الزائدة المؤكّدة لمعنى الشّرطية، واصطلح أيمّة رسم الخطّ على كتابتها في صورة كلمة واحدَة، رعْياً لحالة النّطق بها بإدغام النّون في الميم، والأظهر أنّها تفيد مع التّأكيد عموم الشّرط مثل أخواتها (مهما) و(أينما)، فإذا اقترنت بإن الشّرطية اقترنت نون التّوكيد بفعل الشّرط كقوله تعالى: ﴿ فإما ترين من البشر أحداً فقولي ﴾ سورة مريم (26) لأنّ التّوكيد الشّرطي يشبه القسم، وهذا الاقتران بالنّون غالب، ولأنّها لما وقعت توكيداً للشّرط تنزّلت من أداة الشّرط منزلة جزء الكلمة.
وقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من بني آدم، وهذا تنبيه لبَني آدم بأنّهم لا يترقّبون أن تجيئهم رسل الله من الملائكة لأنّ المرسَل يكون من جنس من أرسل إليهم، وفي هذا تعريض بالجهلة من الأمم الذين أنكروا رسالة الرّسل لأنّهم من جنسهم، مثل قوم نوح، إذ قالوا: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ [هود: 27] ومثل المشركين من أهل مكّة إذ كذّبوا رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم بأنّه بَشر قال تعالى: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أَبَعثَ الله بشراً رسولاً قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ [الإسراء: 94، 95].
ومعنى ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ يتلونها ويحكونها ويجوز أن يكون بمعنى يُتبعون الآية بأخرى ويجوز أن يكون بمعنى يظهرون وكلّها معان مجازيّة للقص لأنّ حقيقة القص هي أنّ أصل القصص إتْباع الحديث من اقتصاص أثر الأرجل واتّباعه لتعرف جهة الماشي، فعلى المعنى الأوّل فهو كقوله في الآية الأخرى: ﴿ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ﴾ [الزمر: 71] وأيّاً مّا كان فهو محتمل للحمل على جميعها من استعمال اللّفظ في مجازيْه.
الآية أصلها العلامة الدّالة على شيء، من قول أو فعل، وآيات الله الدّلائل التي جعلها دالة على وجوده، أو على صفاته، أو على صدق رسله، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ﴾ في سورة البقرة (39)، وقوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ في سورة الأنعام (37)، ومنه آيات القرآن التي جعلها الله دلالة على مراده للنّاس، للتّعريض بالمشركين من العرب، الذين أنكروا رسالة محمّد.
ووجه دلالة الآيات على ذلك إمّا لأنّها جاءت على نظم يَعجز البشر عن تأليف مثله، وذلك من خصائص القرآن، وإمّا لأنّها تشتمل على أحكام ومعان لا قِبَل لغير الله ورسوله بإدراك مثلها، أو لأنّها تدعو إلى صلاح لم يعهَدْه النّاس.
فيَدل ما اشتملت عليه على أنّه ممّا أراده الله للنّاس، مثل بقيّة الكتب التي جاءت بها الرّسل، وإمّا لأنّها قارنتها أمور خارقة للعادة تحدّى بها الرّسولُ المرسلُ بتلك الأقوال أمَّتَه، فهذا معنى تسميتها آيات، ومعنَى إضافتها إلى الله تعالى، ويجوز أن يكون المراد بالآيات ما يشمل المعجزاتتِ غيرَ القولية، مثل نبع الماء من بين أصابع محمّد ومثل قلب العصا حيّة لموسى عليه السلام.
وابراء الأكمه لعيسى عليه السّلام، ومعنى التّكذيب بها العناد بإنكارها وجحدها.
وجملة: فمن اتقى وأصلح } جواب الشّرط وبينها وبين جملة: ﴿ إما يأتينكم ﴾ محذوف تقديره: فاتقى منكم فريق وكذب فريق ﴿ فمن اتقى ﴾ إلخ، وهذه الجملة شرطيّة أيضاً، وجوابها ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ ، أي فمن اتّبع رسلي فاتّقاني وأصلح نفسه وعمله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولمّا كان إتيان الرّسل فائدته لإصلاح النّاس، لا لنفع الرّسل، عُدل عن جعل الجواب اتّباعّ الرّسل إلى جعله التّقوى والصّلاح.
إيماء إلى حكمة إرسال الرّسل، وتحريضا على اتّباعهم بأن فائدتُه للأمم لا للرّسل، كما قال شعيب: ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت ﴾ [هود: 88]، أي لا خوف عليهم من عقوبة الله في الدّنيا والآخرة ولا هم يحزنون من شيء من ذلك، فالخوف والحزن المنفيان هما ما يوجبه العقاب، وقد ينتفي عنهم الخوف والحزن مطلقاً بمقدار قوّة التّقوى والصّلاح، وهذا من الأسرار التي بين الله وعباده الصّالحين، ومثلُه قوله تعالى: ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ [يونس: 62 64].
وقد نُفي الخوف نفي الجنس بلا النّافية له، وجيء باسمها مرفوعاً لأنّ الرّفع يساوي البناء على الفتح في مثل هذا، لأنّ الخوف من الأجناس المعنوية التي لا يتوهّم في نفيها أن يكون المراد نفي الفرد الواحدِ، ولو فتح مثله لصحّ، ومنه قول الرابّعة من نساء حديث أمّ زرع: «زوجي كَلَيْللِ تِهامَه، لا حَرّ ولا قَرّ ولا مخافة ولا سئامَه» فقد روي بالرّفع وبالفتح.
و (على) في قوله: ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ للاستعلاء المجازي، وهو المقارنة والملازمة، أي لا خوف ينالهم.
وقوله: ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ جملة عطفت على جملة: ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ ، وعُدل عن عطف المفرد، بأن يقال ولا حَزَنٌ، إلى الجملة: ليتأتى بذلك بناء المسند الفعلي على ضميرهم، فيدلّ على أنّ الحَزَن واقع بغيرهم، وهم الذين كفروا.
فإنّ بناء الخبر الفعلي على المسند إليه المتقدّم عليه يفيد تخصيص المسند إليه بذلك الخبر، نحو: ما أنا قُلْتُ هذا، فإنّه نفيُ صدور القول من المتكلّم مع كون القول واقعاً من غيره، وعليه بيت «دلائل الإعجاز»، (وهو للمتنبّي): وما أنا أسقمت جسمي به *** ولا أنا أضرَمْتُ في القلب ناراً فيفيد أنّ الذين كفروا يَحزنون إفادة بطريق المفهوم، ليكون كالمقدّمة للخبر عنهم بعد ذلك بأنّهم أصحاب النّار هم فيها خالدون.
وجملة: ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار ﴾ معطوفة على جملة ﴿ فمن اتَّقى وأصلح ﴾ .
والرَابط محذوف تقديره: والذين كفروا منكم وكذّبوا.
والاستكبار مبالغة في التّكبّر، فالسين والتّاء للمبالغة.
وهو أن يعُد المرء نفسه كبيراً أي عظيماً وما هو به، فالسّين والتاء لعد والحسبان، وكلا الأمرين يؤذن بإفراطهم في ذلك وأنّهم عَدَوْا قدرهم.
وضمن الاستكبار معنى الإعراض.
فعلّق به ضمير الآيات.
والمعنى: واستكبروا فأعرضوا عنها.
وأفاد تحقيق أنّهم صائرون إلى النّار بطريق قصر ملازمة النّار عليهم في قوله: ﴿ أولئك أصحاب النار ﴾ لأنّ لفظ أصحاب مؤذن بالملازمة.
وبما تدلّ عليه الجملة الاسميّة من الدّوام والثّبات في قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ولِكُلِّ أُمَّةٌ كِتابٌ فِيما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ، مِن عَذابٍ أوْ رَحْمَةٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
الثّانِي: ولِكُلٍّ نَبِيٌّ يَدْعُوهم إلى طاعَتِهِ ويَنْهاهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ.
والثّالِثُ: لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فِيما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن حَياةٍ، وقَضاهُ عَلَيْهِمْ مِن وفاةٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ولِكُلِّ أُمَّةٍ مُدَّةٌ يُبْقُونَ فِيها عَلى دِينِهِمْ أنْ يُحْدِثُوا فِيهِ الِاخْتِلافَ.
﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أجَلُ مَوْتِهِمْ.
الثّانِي: أجَلُ عَذابِهِمْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
﴿ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَزِيدُ أجَلُ حَياتِهِمْ ولا يَنْقُصُ.
والثّانِي: لا يَتَقَدَّمُ عَذابُهم ولا يَتَأخَّرُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن أبي سيار السلمي فقال: إن الله تبارك وتعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ ، ثم نظر إلى الرسل فقال: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم ﴾ [ المؤمنون: 51] ﴿ وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ﴾ [ المؤمنون: 53] ثم بثهم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ والإثم ﴾ عام في كل ذنب ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله ﴾ أي تفتروا عليه في التحريم وغيره ﴿ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، ولزمتها النون الشديدة المؤكدة، وجواب الشرط فمن اتقى الآية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حتى إذا ادّاركوا ﴾ كان يعقوب: إذا وقف على "إذا" يبتدىء ﴿ تداركوا ﴾ بالتاء.
سهل: مخير، وكذلك قوله : ﴿ قلتم ﴾ ﴿ وقالوا إنا طيرنا ﴾ وافق الكسائي في ﴿ تثاقلتم ﴾ ﴿ أخراهم لأولاهم ﴾ بالإمالة الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف.
وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد ﴿ أولاهم ﴾ بالإمالة اللطيفة ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة ﴿ فآتهم ﴾ بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة.
إلا قوله: ﴿ ومن يولهم ﴾ ﴿ لا يعلمون ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد ﴿ لا تفتح لهم ﴾ بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو.
وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف.
الباقون بتاء التأنيث والتشديد.
﴿ غواشي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ ما كنا ﴾ بغير واو العطف: ابن عامر.
الآخرون بالواو.
﴿ أورثتموها ﴾ وبابه بإدغام الثاء: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.
الوقوف: ﴿ آياتي ﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ ولاهم يحزنون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ من الكتاب ﴾ ط ﴿ يتوفونهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".
﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ط ﴿ أختها ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ لا لما قلنا.
﴿ من النار ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ الخياط ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ غواش ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ وسعها ﴾ ط وجعل ﴿ أولئك ﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ معترضة ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط للعطف مع العارض.
﴿ اهدنا الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ بالحق ﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بيّن أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم ﴾ وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم.
وإنما قال: ﴿ رسل منكم ﴾ لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والآنس.
ومعنى أياتي أحكامي وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد.
ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ﴾ والأول الحكم بوجود ما لم يوجد كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة.
والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو كتاب.
ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قيل: أي العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين.
وقال الزجاج: أي أنواع البلايا المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب.
وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد.
وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار كأنه بيّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله لكي يصلحوا ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ وذلك أن "حتى" هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه ههنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك النصيب يكون مقدماً على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق.
ومحل ﴿ يتوفونهم ﴾ نصب على الحال من الرسل.
قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ.
وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون عدّتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدّتهم حتى لا ينفلت منهم أحد.
قال في الكشاف: "ما" وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أي الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد ﴿ قالوا ﴾ على سبيل الاعتراف والعود إلى الإنصاف ﴿ ضلوا عنا ﴾ أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم ﴿ وشهدوا على أنفسهم ﴾ بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: ﴿ قال ﴾ أي الله.
وعن مقاتل هو من كلام خازن النار.
وهذا مبني على أنه لا يجوز أن يكلم الكفار وإن كان كلام سخط ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ قيل: أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز.
والمعنى ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار.
وفيه دليل على أن أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ في الدين والعقيدة.
فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى ﴿ حتى إذا ادّاركوا فيها ﴾ أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضاً واستقر معه ﴿ قالت أخراهم ﴾ أي آخرتهم دخولاً في النار ﴿ لأولاهم ﴾ دخولاً فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدماً على الضال في دخول النار.
واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع الله لا معهم ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ﴾ الفاء للجزاء ﴿ عذاباً ضعفاً ﴾ أي مضاعفاً وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل.
قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه مرتين.
وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين بدليل قوله عز من قائل: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ وأقل ذلك عشرة لقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك متقن وما فوقه مشكوك ﴿ قال ﴾ أي الله أو خازن النار ﴿ لكل ﴾ من القادة والأتباع ﴿ ضعف ﴾ أما للقادة فلما قلنا، وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروّجوا أمرهم.
سئل ههنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير النهاية.
قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا يصلح للجواب.
والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية والله أعلم ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك.
﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ إذ قد حكم الله بأن لكل منا ضعفاً ﴿ فما كان ﴾ أي فما ثبت ﴿ لكم علينا من فضل ﴾ لأنكم مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله فيهم.
قال في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذباً لأنهم بنو كلامهم على حكم الله بأن لكل ضعفاً.
ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وهي الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد ﴿ واستكبروا عنها ﴾ أي ترفعوا عن قبولها ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال ابن عباس: أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله من قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ ومن قوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها كما جاء في الحديث "إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة.
ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء" وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرّق لهم إليها حتى يدخلوا الجنة.
وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله : ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾ ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ الولوج الدخول.
وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.
والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب.
والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع.
ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام المشهورة عند العرب كما قال: لا عيب بالقوم من طول ومن عظم *** جسم الجمال وأحلام العصافير وكان سم الإبرة مثلاً في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة.
وقالوا للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة قطعاً فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: "لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار".
وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن.
واختار ابن عباس هذا التفسير قائلاً: إن الله أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه.
وأهل التناسخ أوّلوا الآية بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لمّا عصت وأذنبت فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذٍ تصير مطهرة عن تلك الذنوب فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نجزي المجرمين ﴾ قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق بشرط عند التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة.
ثم لما بين أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ أي فراش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.
والتنوين في ﴿ غواش ﴾ مثله في "جوار" أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان الياء ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾ هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.
وقوله ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن.
وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعداً لمن فاتته وسحقاً لمن فارقته.
ومن جعله خبراً فالعائد محذوف أي لا نكلف نفساً منهم.
ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ وللآية تفسيران: الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف.
عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.
الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوته بحسب الكمال والنقص، فالله أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير.
ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ ونودوا أن تلكم ﴾ بأنه تلكم ﴿ الجنة ﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول.
وإنما قيل: ﴿ تلكم ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم.
ومعنى ﴿ أورثتموها ﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.
قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار.
وقيل: أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.
وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم" قالت المعتزلة قوله: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل.
وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله كان دخول الجنة بفضله.
وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله أعلم.
التأويل: ﴿ يا بني آدم أما يأتينكم رسل ﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته.
﴿ افترى على الله كذباً ﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿ أو كذب ﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿ حتى إذا جاءتهم ﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿ يتوفونهم ﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿ قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وشهدوا ﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله .
ثم قال لأهل الخذلان ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وقدم الجن لأن الله خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر.
﴿ كلما دخلت أمة ﴾ في أعمال أهل النار ﴿ لعنت أختها ﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿ حتى إذا ﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار.
﴿ عذاباً ﴾ ﴿ ضعفاً ﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿ لكل ضعف ﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿ لا تفتح لهم أبواب ﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ ولا يدخلون ﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿ لهم من جهنم ﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم.
﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ : [هو بعث الرسول إليها أي لا يهلكون إلا بعد] بعث الرسل إليهم، فإذا أتاهم الرسول، فكذبوه وعاندوا، فعند ذلك يهلكون، وهو كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً ﴾ .
ويحتمل أن لكل أمة أجلاً لا تهلك قبل بلوغ أجلها لا تستأخر ولا تستقدم.
فهذا يرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن من قتل إنما هلك قبل بلوغ أجله، ويجعلون القاتل منه مستقدماً لأجل ذلك المقتول، والله - - يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ : إذا جاء لا يستأخرون، وإذا لم يجئ لا يستقدمون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ ، أي: سيأتينكم رسل منكم، أو سوف يأتيكم [يقصون عليكم ثم يحتمل قوله:] ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ ، أي: هداي؛ كقوله: [ ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فعلى ذلك قوله ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ أي: هداي] ﴿ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
ويحتمل الآيات: الحجج والبراهين التي يضطر أهلها إلى قبولها إلا من عاند وكابر.
﴿ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ .
اتقى الشرك.
﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ .
وآمن بالله وعمل صالحاً.
﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ يحتمل: اتقى ما نهى الرسل أو اتقى المهالك، وأصلح فيما أمر به الرسل، أو أصلح أمره وعمله.
﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ في ذهاب ما أكرمهم به مولاهم ولا فوته؛ لأن خوف الفوت مما ينقص [النعم].
﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : تبعاته وآفاته: يخبر أن نعيم الآخرة على خلاف نعيم الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .
ظاهر تأويلها، وقد ذكرنا في غير موضع حتى لم يأخذوا على أحد منهم.
وفي قوله: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ له على خلقه منن كثيرة ونعم عظيمة، حيث بعث الرسل من جنس المرسل إليهم: أحدها: أن كل ذي جنس وجوهر يستأنس بجنسه وجوهره، ويستوحش بغيره، فمنَّ عليهم؛ [حيث بعث] الرسل من جنسهم وجوهرهم، يستأنس بعضهم ببعض ويألف بعضهم بعضاً؛ فذلك آخذ للقلوب وأدعى إلى الاتباع والإجابة.
والثاني: بعث الرسل من قومهم الذين نشئوا بين أظهرهم، وعرفوا صدقهم وأمانتهم؛ ليعلموا أنهم صادقين فيما يدعون من الرسالة؛ حيث لم يظهر منهم الكذب والخيانة قط، حتى لم يأخذوا على أحد منهم الكذب.
والثالث: أن الرسل لو كانوا من غير جنسهم وغير جوهرهم، لم يعرفوا ما أوتوا من الآيات والبراهين أنها آيات وحجج؛ لما لا يعلمون أن وسعهم لا يبلغ هذا، وطوقهم لا يصل إلى ذلك، وإذا كانوا منهم يعرفون ذلك إن أتوا بشيء خرج عن وسعهم أنها آيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا ﴾ .
قال الحسن: ديننا.
ويحتمل ﴿ بِآيَٰتِنَا ﴾ حججنا [أي: كذبوا بحججنا] فإذا كذبوا بحججه كفروا به؛ لأنه - عز وجل - لا يعرف من طريق الحس والعيان؛ ولكن إنما يعرف من طريق الحجج والآيات والدلائل؛ فيكون الكفر بآياته وحججه كفراً به، ويشبه أن تكون آياته آيات الرسالة وحججها.
ويحتمل آياته - هاهنا - رسله، أي: كذبوا برسلنا، سمى رسله آياته؛ لأن أنفس الرسل كانت آيات للخلق تدلهم على وحدانية الله، ورسالتهم من أعلام جعلت من أنفسهم من صدقهم وأماناتهم.
﴿ وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ ﴾ .
أي: استكبروا عن التدبر فيها والنظر.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ﴾ .
لأنهم يصحبون النار والسبب الذي يوجب لهم النار أبداً؛ فسموا أصحاب النار بذلك؛ كما يقال: صاحب الدار وصاحب الدابة؛ لأنه هو يصحبها دائماً؛ فعلى ذلك هؤلاء سموا أصحاب النار؛ لما هم يصحبونها دائِماً أبداً، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وأما الكافرون الذين كذبوا بآياتنا، ولم يؤمنوا بها، وتَرَفَعوا تكبُّرًا عن العمل بما جاءتهم به رسلهم، فإنهم أصحاب النار الملازمون لها الماكثون فيها أبدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.ykaZb"