الآية ٣٧ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٣٧ من سورة الأعراف

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ) أي : لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله ، أو كذب بآيات الله المنزلة .

( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) اختلف المفسرون في معناه ، فقال العوفي عن ابن عباس : ينالهم ما كتب عليهم ، وكتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسود .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس يقول : نصيبهم من الأعمال ، من عمل خيرا جزي به ، ومن عمل شرا جزي به .

وقال مجاهد : ما وعدوا فيه من خير وشر .

وكذا قال قتادة ، والضحاك ، وغير واحد .

واختاره ابن جرير .

وقال محمد بن كعب القرظي : ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) قال : عمله ورزقه وعمره .

وكذا قال الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وهذا القول قوي في المعنى ، والسياق يدل عليه ، وهو قوله : ( حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) ويصير المعنى في هذه الآية كما في قوله تعالى ( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) [ يونس : 69 ، 70 ] وقوله ( ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) [ لقمان : 23 ، 24 ] .

وقوله تعالى ( حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ) الآية : يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار ، يقولون لهم أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله؟

ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه .

قالوا : ( ضلوا عنا ) أي : ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ، ولا خيرهم .

( وشهدوا على أنفسهم ) أي : أقروا واعترفوا على أنفسهم ( أنهم كانوا كافرين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فمن أخطأ فعلا وأجهلُ قولا وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب (43) =(ممن افترى على الله كذبًا)، يقول: ممن اختلق على الله زُورًا من القول, فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرنا بها (44) =(أو كذب بآياته)، يقول: أو كذب بأدلته وأعلامه الدّالة على وحدانيته ونبوّة أنبيائه, فجحد حقيقتها ودافع صحتها =(أولئك) يقول: مَنْ فعل ذلك، فافترى على الله الكذب وكذب بآياته =(أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، يقول: يصل إليهم حظهم مما كتب الله لهم في اللوح المحفوظ.

(45) * * * ثم اختلف أهل التأويل في صفة ذلك " النصيب "، الذي لهم في" الكتاب "، وما هو؟

فقال بعضهم: هو عذاب الله الذي أعدَّه لأهل الكفر به.

* ذكر من قال ذلك.

14555- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا مروان, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، أي من العذاب.

14556- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن إسماعيل, عن أبي صالح, مثله.

14557- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، يقول: ما كتب لهم من العذاب.

14558- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن كثير بن زياد, عن الحسن في قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: من العذاب.

14559- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن جويبر, عن أبي سهل, عن الحسن, قال: من العذاب.

14560- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن رجل, عن الحسن, قال: من العذاب.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما سبق لهم من الشقاء والسعادة.

* ذكر من قال ذلك: 14561- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن سعيد: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: من الشِّقوة والسعادة.

14562- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، كشقي وسعيد.

(46) 14563- حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن فضيل, عن الحسن ابن عمرو الفقيمي, عن الحكم قال: سمعت مجاهدًا يقول: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: هو ما سبق.

14564- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، ما كتب لهم من الشقاوة والسعادة.

14565- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ينالهم نصيبهم من الكتاب)، ما كتب عليهم من الشقاوة والسعادة, كشقي وسعيد.

14566- .

.

.

.

قال، حدثنا ابن المبارك, عن شريك, عن جابر, عن مجاهد, عن ابن عباس: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، من الشقاوة والسعادة.

14567- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير وابن إدريس, عن الحسن بن عمرو, عن الحكم, عن مجاهد: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ما قد سبق من الكتاب.

14568- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ما سبق لهم في الكتاب.

14569- .

.

.

.

قال، حدثنا سويد بن عمرو ويحيى بن آدم, عن شريك, عن سالم, عن سعيد: (أولئك ينالهم نصيبهم)، قال: من الشقاوة والسعادة.

14570- .

.

.

.

قال: حدثنا أبو معاوية, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: ما قُضي أو قُدِّر عليهم.

14571- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (ينالهم نصيبهم من الكتاب)، ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال.

14572- حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا مروان بن معاوية, عن إسماعيل بن سميع, عن بكر الطويل, عن مجاهد في قول الله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: قوم يعملون أعمالا لا بُدَّ لهم من أن يعملوها.

(47) * * * وقال آخرون: معنى ذلك، أولئك ينالهم نصيبهم من كتابهم الذي كتب لهم أو عليهم، بأعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير وشر.

* ذكر من قال ذلك: 14573- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، يقول: نصيبهم من الأعمال, من عمل خيرًا جُزي به, ومن عمل شرًّا جزي به.

14574- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) قال: من أحكام الكتاب، على قدر أعمالهم.

14575- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ينالهم نصيبهم في الآخرة من أعمالهم التي عملوا وأسْلَفوا.

14576- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، أي: أعمالهم, أعمال السوء التي عملوها وأسلفوها.

14577- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، قال أبي: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، زعم قتادة: من أعمالهم التي عملوا.

14578- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، يقول: ينالهم نصيبهم من العمل.

يقول: إن عمل من ذلك نصيبَ خير جُزِي خيرًا, وإن عمل شرًّا جُزِي مثله.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ينالهم نصيبهم مما وُعِدوا في الكتاب من خير أو شر.

* ذكر من قال ذلك: 14579- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن سفيان, عن جابر, عن مجاهد, عن ابن عباس في هذه الآية: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: من الخير والشر.

14580- .

.

.

قال حدثنا زيد, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد قال: ما وُعدوا.

14581- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ما وعدوا.

14582- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر.

14583- .

.

.

.

قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن مجاهد, عن ليث, عن ابن عباس: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ما وُعِدوا مثله.

14584- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر.

14585- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم، قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ما وُعِدوا فيه.

14586- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد في قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ما وعدوا من خير أو شر.

14587- حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا مروان بن معاوية, عن الحسن بن عمرو, عن الحكم, عن مجاهد في قول الله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: ينالهم ما سبق لهم من الكتاب.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب الذي كتبه الله على من افترى عليه.

* ذكر من قال ذلك: 14588- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، يقول: ينالهم ما كتب عليهم.

يقول: قد كتب لمن يفتري على الله أنّ وجهه مسوَدٌّ.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما كتب لهم من الرزق والعمر والعمل.

* ذكر من قال ذلك: 14589- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، مما كتب لهم من الرزق.

14590- .

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب, عن ابن لهيعة, عن أبي صخر, عن القرظي: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: عمله ورزقه وعمره.

14591- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، قال: من الأعمال والأرزاق والأعمار, فإذا فني هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، وقد فرغوا من هذه الأشياء كلها.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب، مما كتب لهم من خير وشر في الدنيا، ورزق وعمل وأجل.

وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فأبان بإتباعه ذلك قولَه: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، أن الذي ينالهم من ذلك إنما هو ما كان مقضيًّا عليهم في الدنيا أن ينالهم, لأنه قد أخبر أن ذلك ينالهم إلى وقت مجيئهم رسلَه لتقبض أرواحهم.

ولو كان ذلك نصيبهم من الكتاب، أو مما قد أعدّ لهم في الآخرة, لم يكن محدودًا بأنه ينالهم إلى مجيء رسل الله لوفاتهم، لأن رسل الله لا تجيئهم للوفاة في الآخرة, وأن عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انقضاء، فإن الله قد قضى عليهم بالخلود فيه.

فبيِّنٌ بذلك أن معناه ما اخترنا من القول فيه.

* * * القول في تأويل قوله : حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (حتى إذا جاءتهم رسلنا)، إلى أن جاءتهم رسلنا.

يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين افتروا على الله الكذب، أو كذبوا بآيات ربهم, ينالهم حظوظهم التي كتب الله لهم، وسبق في علمه لهم من رزق وعمل وأجل وخير وشر في الدنيا, إلى أن تأتيهم رسلنا لقبض أرواحهم.

فإذا جاءتهم رسلنا، يعني ملك الموت وجنده =(يتوفونهم)، يقول: يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة (48) =(قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله)، يقول: قالت الرسل: أين الذين كنتم تدعونهم أولياء من دون الله وتعبدونهم, لا يدفعون عنكم ما قد جاءكم من أمر الله الذي هو خالقكم وخالقهم، وما قد نـزل بساحتكم من عظيم البلاء؟

وهلا يُغيثونكم من كرب ما أنتم فيه فينقذونكم منه؟

فأجابهم الأشقياء فقالوا: ضَلَّ عنا أولياؤنا الذين كنا ندعو من دون الله.

يعني بقوله: (ضلوا)، جاروا وأخذوا غير طريقنا، وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا.

(49) يقول الله جل ثناؤه: وشهد القوم حينئذ على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بالله، جاحدين وحدانيته.

------------------ الهوامش : (43) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة .

(44) انظر تفسير (( افترى )) فيما سلف ص : 189 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(45) انظر تفسير (( نال )) فيما سلف 3 : 20 /6 : 587 .

= وتفسير (( نصيب )) فيما سلف ص : 131 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(46) يعني كقوله في [ سورة هود : 105 ] : " فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ " .

(47) الأثر : 14572 - (( إسماعيل بن سميع الحنفي )) ، مضى برقم : 4791 ، 4793 .

و (( بكر الطويل )) كأنه هو (( بكر بن يزيد الطويل الحمصي )) ، روى عن أبي هريرة الحمصي ، روى عنه أبو سعيد الشج ، مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 1 / 394 .

(48) انظر تفسير (( التوفي )) فيما سلف : 11 : 409 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(49) انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرينقوله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته المعنى أي ظلم أشنع من الافتراء على الله تعالى والتكذيب بآياته .أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب أي ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل ; عن ابن زيد .

ابن جبير : من شقاء وسعادة .

ابن عباس : من خير وشر .

الحسن وأبو صالح : من العذاب بقدر كفرهم .

واختيار الطبري أن يكون المعنى : ما كتب لهم ، أي ما قدر لهم من خير وشر ورزق وعمل وأجل ; على ما تقدم عن ابن زيد وابن عباس وابن جبير .

قال : ألا ترى أنه أتبع ذلك بقوله :حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم يعني رسل ملك الموت .

وقيل : الكتاب هنا القرآن ; لأن عذاب الكفار مذكور فيه .

وقيل : الكتاب اللوح المحفوظ .

ذكر الحسن بن علي الحلواني قال : أملى علي علي بن المديني قال : سألت عبد الرحمن بن مهدي عن القدر فقال لي : كل شيء بقدر ، والطاعة والمعصية بقدر ، وقد أعظم الفرية من قال : إن المعاصي ليست بقدر .

قال علي وقال لي عبد الرحمن بن مهدي : العلم والقدر والكتاب سواء .

ثم عرضت كلام عبد الرحمن بن مهدي على يحيى بن سعيد فقال : لم يبق بعد هذا قليل ولا كثير .

وروى يحيى بن معين حدثنا مروان الفزاري حدثنا إسماعيل بن سميع عن بكير الطويل عن مجاهد عن ابن عباس أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب قال : قوم يعملون أعمالا لا بد لهم من أن يعملوها .

و حتى ليست غاية ، بل هي ابتداء خبر عنهم .

قال الخليل وسيبويه : " حتى وإما وإلا " لا يملن لأنهن حروف ففرق بينها وبين الأسماء نحو حبلى وسكرى .

قال الزجاج : تكتب " حتى " بالياء لأنها أشبهت سكرى ، ولو كتبت " إلا " بالياء لأشبهت إلى .

ولم تكتب " إما " بالياء لأنها " إن " ضمت إليها " ما " .قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله سؤال توبيخ .

ومعنى تدعون تعبدون .قالوا ضلوا عنا أي بطلوا وذهبوا .

قيل : يكون هذا في الآخرة .وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين أي أقروا بالكفر على أنفسهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لا أحد أظلم { مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ْ} بنسبة الشريك له، أو النقص له، أو التقول عليه ما لم يقل، { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ْ} الواضحة المبينة للحق المبين، الهادية إلى الصراط المستقيم، فهؤلاء وإن تمتعوا بالدنيا، ونالهم نصيبهم مما كان مكتوبا لهم في اللوح المحفوظ، فليس ذلك بمغن عنهم شيئا، يتمتعون قليلا، ثم يعذبون طويلا، { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ْ} أي: الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم واستيفاء آجالهم.

{ قَالُوا ْ} لهم في تلك الحالة توبيخا وعتابا { أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ْ} من الأصنام والأوثان، فقد جاء وقت الحاجة إن كان فيها منفعة لكم أو دفع مضرة.

{ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ْ} أي: اضمحلوا وبطلوا، وليسوا مغنين عنا من عذاب اللّه من شيء.

{ وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ْ} مستحقين للعذاب المهين الدائم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) جعل له شريكا ، ( أو كذب بآياته ) بالقرآن ، ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) أي : حظهم مما كتب لهم في اللوح المحفوظ .

واختلفوا فيه ، قال الحسن والسدي : ما كتب لهم من العذاب وقضى عليهم من سواد الوجوه وزرقة العيون .

قال عطية عن ابن عباس : كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسود ، قال الله تعالى : " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " ( الزمر ، 60 ) .

وقال سعيد بن جبير ومجاهد : ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة .

وقال ابن عباس وقتادة والضحاك : يعني أعمالهم التي عملوها وكتب عليهم من خير وشر يجزي عليها .

وقال محمد بن كعب القرظي : ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والأعمال فإذا فنيت ، ( جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه ، ( قالوا ) يعني يقول الرسل للكافر ، ( أين ما كنتم تدعون ) تعبدون ، ( من دون الله ) سؤال تبكيت وتقريع ، ( قالوا ضلوا عنا ) بطلوا وذهبوا عنا ، ( وشهدوا على أنفسهم ) اعترفوا عند معاينة الموت ، ( أنهم كانوا كافرين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فمن» أي لا أحد «أظلم ممن افترى على الله كذبا» بنسبة الشريك والولد إليه «أو كذَّب بآياته» القرآن «أولئك ينالهم» يصيبهم «نصيبهم» حظهم «من الكتاب» مما كتب لهم في اللوح المحفوظ من الرزق والأجل وغير ذلك «حتى إذا جاءتهم رسلنا» أي الملائكة «يتوفونهم قالوا» لهم تبكيتا «أين ما كنتم تدعون» تعبدون «من دون الله قالوا ضلُّوا» غابوا «عنا» فلم نرهم «وشهدوا على أنفسهم» عند الموت «أنهم كانوا كافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا أحد أشد ظلمًا ممن اختلق على الله تعالى الكذب، أو كذَّب بآياته المنزلة، أولئك يصل إليهم حظُّهم من العذاب مما كتب لهم في اللوح المحفوظ، حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه يقبضون أرواحهم قالوا لهم: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الشركاء والأولياء والأوثان ليخلِّصوكم مما أنتم فيه؟

قالوا: ذهبوا عنا، واعترفوا على أنفسهم حينئذ أنهم كانوا في الدنيا جاحدين مكذبين وحدانية الله تعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تعرض السورة الكريمة بعد ذلك لمشاهد يوم القيامة فى خمس عشرة آية فتصور لنا فى أسلوبها البليغ المؤثر حال المشركين عند قبض أرواحهم ، وحالهم عندما يقفون أمام الله للحساب يوم الدين ، وتحكى لنا ما يجرى بين رؤساء المشركين ومرءوسيهم من مجادلات وملاعنات ، ثم تعقب على ذلك ببيان ما أعده الله للمؤمنين من أجر عظيم وثواب جزيل ، ثم يختم هذه المشاهدة بالحديث عما يدور بين أصحاب الجنة واصحاب النار من محاورات ونداءات .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بطريقته التصويرية المعجزة فيقول : ( فَمَنْ أَظْلَمُ .

.

.

.

) .أى : با أحد أشد ظلما ممن افترى الكذب على الله ، بأن أحل ما حرمه أو حرم ما أحله ، أو كذب بآياته المنزلة على أنبيائه ، والاستفهام فى قوله : ( فَمَنْ أَظْلَمُ ) للإنكار .ثم بين - سبحانه - عاقبتهم فقال : ( أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب ) .

أى : أولئك الذين كذبوا بآيات الله سينالهم نصيبهم مما كتب لهم وقدر من رزق وأجر ، وخير وشر ، والمراد بالكتاب ، كتاب الوحى الذى أنزل على الرسل ، فإنه يتضمن ما أعده الله للمؤمنين من ثواب وما أعده للكافرين من عقاب ، وقيل المراد به اللوح المحفوظ ، أى أولئك ينالهم نصيبهم المكتوب لهم فى كتاب المقادير ، وهو : اللوح المحفوظ .ثم صور القرآن حالهم عند قبض أرواحهم فقال : ( حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ) .أى : أولئك المفترون ينالهم نصيبهم الذى كتب لهم مدة حياتهم ، حتى إذا ما انتهت آجالهم وجاءتهم ملائكة الموت لقبض أرواحهم سألتهم سؤال توبيخ وتقريع : أين الآلهة التى كنتم تعبدونها فى الدنيا ، وتزعمون أنها شفعاؤكم عند الله لكى تنقذكم من هذا الموقف العصيب؟

وهنا يجيب المشركون على الملائكة بقولهم بحسرة وندامة : ( ضَلُّواْ عَنَّا ) أى : غابوا عنا وصرنا لا ندرى مكانهم ، ولا نرجو منهم خيرا أو نفعا ، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بعبادتهم لغير الله الواحد القهار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بئاياته ﴾ يرجع إلى قوله: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها  ﴾ وقوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ أي فمن أعظم ظلماً ممن يقول على الله مالم يقله أو كذب ما قاله.

والأول: هو الحكم بوجود ما لم يوجد.

والثاني: هو الحكم بإنكار ما وجد والأول دخل فيه قول من أثبت الشريك لله سواء كان ذلك الشريك عبارة عن الأصنام أو عن الكواكب أو عن مذهب القائلين بيزدان وأهرمن.

ويدخل فيه قول من أثبت البنات والبنين لله تعالى، ويدخل فيه قول من أضاف الأحكام الباطلة إلى الله تعالى.

والثاني: يدخل فيه قول من أنكر كون القرآن كتاباً نازلاً من عند الله تعالى وقول من أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم قال تعالى: ﴿ أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب ﴾ واختلفوا في المراد بذلك النصيب على قولين: أحدهما: أن المراد منه العذاب، والمعنى ينالهم ذلك العذاب المعين الذي جعله نصيباً لهم في الكتاب، ثم اختلفوا في ذلك العذاب المعين.

فقال بعضهم هو سواد الوجه وزرقة العين، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ  ﴾ وقال الزجاج: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى  ﴾ وفي قوله: ﴿ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً  ﴾ وفي قوله: ﴿ إِذِ الأغلال فِي أعناقهم والسلاسل  ﴾ فهذه الأشياء هي نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم.

والقول الثاني: أن المراد من هذا النصيب شيء سوى العذاب، واختلفوا فيه فقيل: هم اليهود والنصارى يجب لهم علينا إذا كانوا أهل ذمة لنا أن لا تتعدى عليهم وأن ننصفهم وأن نذب عنهم فذلك هو معنى النصيب من الكتاب وقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب أي ما سبق لهم في حكم الله وفي مشيئته من الشقاوة والسعادة، فإن قضى الله لهم بالختم على الشقاوة، أبقاهم على كفرهم، وإن قضى لهم بالختم على السعادة نقلهم إلى الإيمان والتوحيد، وقال الربيع وابن زيد يعني: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار، فإذا فنيت وانقرضت وفرغوا منها ﴿ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ واعلم أن هذا الاختلاف إنما حصل، لأنه تعالى قال: ﴿ أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب ﴾ ولفظ النصيب مجمل محتمل لكل الوجوه المذكورة وقال بعض المحققين: حمله على العمر والرزق أولى، لأنه تعالى بين أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم، إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله تعالى، لكي يصلحوا ويتوبوا، وأيضاً فقوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ يدل على أن مجيء الرسل للتوفي، كالغاية لحصول ذلك النصيب، فوجب أن يكون حصول ذلك النصيب متقدماً على حصول الوفاة، والمتقدم على حصول الوفاة، ليس إلا العمر والرزق.

أما قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَمَا كُنتُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الخليل وسيبويه: لا يجوز إمالة حتى وألا وأما وهذه ألفات ألزمت الفتح، لأنها أواخر حروف جاءت لمعان يفصل بينها وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف، نحو: حبلى وهدى إلا أن ﴿ حتى ﴾ كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سكرى.

وقال بعض النحويين: لا يجوز إمالة ﴿ حتى ﴾ لأنها حرف لا يتصرف، والإمالة ضرب من التصرف.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ فيه قولان: القول الأول: المراد هو قبض الأرواح، لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى.

قال ابن عباس الموت قيامة الكافر، فالملائكة يطالبونهم بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ والتهديد، وهؤلاء الرسل هم ملك الموت وأعوانه.

والقول الثاني: وهو قول الحسن، وأحد قولي الزجاج أن هذا لا يكون في الآخرة ومعنى قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا ﴾ أي: ملائكة العذاب ﴿ يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ أي يتوفون مدتهم عند حشرهم إلى النار على معنى أنهم يستكملون عدتهم، حتى لا ينفلت منهم أحد.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَيْنَمَا كُنتُمْ ﴾ معناه أين الشركاء الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم من دون الله.

ولفظة ما وقعت موصولة بأين في خط المصحف.

قال صاحب الكشاف: وكان حقها أن تفصل، لأنها موصولة بمعنى: أين الآلهة الذين تدعون.

ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ أي: بطلوا وذهبوا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين عند معاينة الموت.

واعلم أن على جميع الوجوه، فالمقصود من الآية زجر الكفار عن الكفر، لأن التهويل يذكر هذه الأحوال مما يحمل العاقل على المبالغة في النظر والاستدلال والتسدد في الاحتراز عن التقليد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ فمن أشنع ظلماً ممن تقول على الله ما لم يقله، أو كذب ما قاله: ﴿ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب ﴾ أي مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار ﴿ حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا ﴾ حتى غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له، أي إلى وقت وفاتهم، وهي (حتى) التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هاهنا الجملة الشرطية، وهي إذا جاءتهم رسلنا قالوا.

و ﴿ يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ حال من الرسل، أي متوفيهم.

والرسل ملك الموت وأعوانه.

﴿ وما ﴾ وقعت موصولة بأين في خط المصحف، وكان حقها أن تفصل؛ لأنها موصولة بمعنى: أين الآلهة الذين تدعون ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ غابوا عنا فلا نراهم ولا ننتفع بهم، اعترافاً منهم بأنهم لم يكونوا على شيء فيما كانوا عليه، وأنهم لم يحمدوه في العاقبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ مِمَّنْ تَقُولُ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ.

﴿ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ ﴾ مِمّا كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ.

وقِيلَ الكِتابُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ أيْ مِمّا أُثْبِتَ لَهم فِيهِ.

﴿ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ أيْ يَتَوَفَّوْنَ أرْواحَهم، وهو حالٌ مِنَ الرُّسُلِ وحَتّى غايَةٌ لِنَيْلِهِمْ وهي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ.

﴿ قالُوا ﴾ جَوابُ إذا ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَها، وما وُصِلَتْ بِأيْنَ في خَطِّ المُصْحَفِ وحَقُّها الفَصْلُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ.

﴿ قالُوا ضَلُّوا عَنّا ﴾ غابُوا عَنّا.

﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم كانُوا ضالِّينَ فِيما كانُوا عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَمَنْ أَظْلَمُ} فمن أشنع ظلماً {مِمَّنِ افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} ممن تقول على الله مالم يقله أو كذب ما قاله {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب} ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار {حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا} ملك الموت وأعوانه وحتى تغاية لنيبلهم نصيبهم واستيفائهم له وهى حتى التى يبتداأ بعدها الكلام والكلام هنا الملة الشرطية وهى إذا جاءتهم رسلنا

{يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يقبضون أرواحهم وهو حال من الرسل أى متوفيهم ومافى {قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ} في خط المصحف موصولة باين وحقها أن تكبت مفصولة لاها موصولة والمعنى أين الآلهة الذين تعبدون {مِن دُونِ الله} ليذبوا عنكم {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} فابوا عنا فلا نراهم {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانوا كافرين} اعترفوا بكفرهم بلفظ لشهادة التاريخ هى لتحقيقف الخبر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ أيْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ونَسَبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ ﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ جَلَّ شَأْنُهُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِتَمادِيهِمْ في سُوءِ الحالِ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ ﴿ يَنالُهُمْ ﴾ أيْ يُصِيبُهم ﴿ نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ ﴾ أيْ مِمّا كُتِبَ لَهم وقُدِّرَ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ مَعَ ظُلْمِهِمْ وافْتِرائِهِمْ لا يُحْرَمُونَ ما قُدِّرَ لَهم مِن ذَلِكَ إلى انْقِضاءِ أجَلِهِمْ فالكِتابُ بِمَعْنى المَكْتُوبِ وتَخْصِيصُهُ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ومِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ.

وعَنْ أبِي صالِحٍ ما قُدِّرَ مِنَ العَذابِ وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ وبَعْضُهم فَسَّرَ الكِتابَ بِالمَكْتُوبِ فِيهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ وجُوِّزَ فِيها التَّبْيِينُ والتَّبْعِيضُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( نَصِيبُهم ) أيْ كائِنًا مِنَ الكِتابِ ﴿ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا ﴾ أيْ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ ﴿ يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَوَفِّينَ لِأرْواحِهِمْ وحَتّى غايَةُ نَيْلِهِمْ وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ غَيْرُ جارَّةٍ بَلْ داخِلَةٌ عَلى الجُمَلِ كَما في قَوْلِهِ: وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ وقِيلَ: إنَّها جارَّةٌ وقِيلَ: لا دَلالَةَ لَها عَلى الغايَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وكانَ الَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا ﴾ أيِ الرُّسُلُ لَهم ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَها في الدُّنْيا وتَسْتَعِينُونَ بِها في المُهِمّاتِ ﴿ قالُوا ضَلُّوا ﴾ أيْ غابُوا ﴿ عَنّا ﴾ لا نَدْرِي أيْنَ مَكانَهم فَإنَّ هَذا السُّؤالَ والجَوابَ وكَذا ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما مِمّا سَيَأْتِي إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ لا مَحالَةَ ولَعَلَّهُ عَلى الظّاهِرِ أُرِيدَ بِوَقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ وحالُ التَّوَفِّي الزَّمانُ المُمْتَدُّ مِنَ ابْتِداءِ المَجِيءِ والتَّوَفِّي إلى نِهايَةِ يَوْمِ الجَزاءِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ المَجِيءِ والتَّوَفِّي في ذَلِكَ الزَّمانِ بَقاءٌ وإنْ كانَ حُدُوثُهُما في أوَّلِهِ فَقَطْ أوْ قُصِدَ بَيانُ غايَةِ سُرْعَةِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ كَأنَّهُما حاصِلانِ عِنْدَ ابْتِداءِ التَّوَفِّي وما وُصِلَتْ بِأيْنَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وحَقُّها الفَصْلُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ولَوْ كانَتْ صِلَةً لاتَّصَلَتْ.

﴿ وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ أيِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ولَيْسَ في النَّظْمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اعْتِرافَهم كانَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ فالشَّهادَةُ مَجازٌ عَنِ الِاعْتِرافِ ﴿ أنَّهم كانُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ كافِرِينَ ﴾ (37) عابِدِينَ لِما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ أصْلًا حَيْثُ اتَّضَحَ لَهم حالُهُ والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِاعْتِرافِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى قالُوا وعَطْفُها عَلى المَقُولِ لا يَخْفى ما فِيهِ والِاسْتِفْهامُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ بَلْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ وعَلَيْهِ فَلا جَوابَ وما ذُكِرَ إنَّما هو لِلتَّحَسُّرِ والِاعْتِرافِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الخَيْبَةِ والخُسْرانِ ولا تَعارُضَ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ لِأنَّ الطَّوائِفَ مُخْتَلِفَةٌ أوِ المَواقِفَ عَدِيدَةٌ أوِ الأحْوالَ شَتّى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ وأصله إنْ ما ومعناه متى ما يأتيكم رُسُلٌ مِنْكُمْ أي: من جنسكم يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي أي يقرءون عليكم، ويعرضون عليكم كتابي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ أي: اتقى الشرك وأطاع الرسول وأصلح العمل، يعني: فمن اتقى عما نهى الله عنه وأصلح أي: عمل بما أمر الله تعالى به فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني: لا خوف عليهم من العذاب وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ من فوات الثواب.

ويقال: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من الدنيا ويقال معناه إمَّا يأتينَّكم رسل منكم وأيقنتم فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلكم، فذكر الله ثواب من اتقى وأصلح.

ثم بيّن عقوبة من لم يتق فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي تعظموا عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالرسل وتكبروا عن الإيمان أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي: دائمون.

قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ قال الكلبي: فمن أكفر.

وقال بعضهم: هذا التفسير خطأ لأنه لا يصح أن يقال هذا أكفر من هذا.

ولكن معناه: ومن أشد في كفره.

ويقال: فلا أحد أظلم.

ويقال: أي ظلم أشنع وأقبح مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: من اختلق على الله كذباً أي: شركا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ جحد بالقرآن أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ أي: حظهم من العذاب.

ويقال نَصِيبُهُمْ حظهم مما أوعدهم اللَّه في الكتاب الإهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة.

وقال ابن عباس: هو ما ذكر في موضع آخر وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ.

ويقال: نَصِيبُهُمْ أي ما قضي وقدر عليهم في اللوح المحفوظ من السعادة والشقاوة.

ويقال: نَصِيبُهُمْ رزقهم وأجلهم في الدنيا حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ يعني: أمهلهم حتى يأتيهم ملك الموت وأعوانه عند قبض أرواحهم.

ويقال: يقول لهم خزنة جهنم قبل دخولها قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ يعني: أن الملائكة يقولون ذلك عند قبض أرواحهم مِنْ دُونِ اللَّهِ يمنعونكم من النار قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي اشتغلوا عنا بأنفسهم وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ في الدنيا، وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم.

ثم قال: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: قالت لهم خزنة النار: ادخلوا النار مع أمم قد مضت على مذهبكم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ يعني: النار أُمَّةٌ جماعة لَعَنَتْ أُخْتَها أي: على الأمة التي دخلت قبلها في النار.

قال مقاتل: يعني لعنوا أهل ملتهم يلعن المشركون المشركين والنصارى النصارى.

وقال الكلبي: تدعو على الأمم التي قبلهم في النار يبدأ بالأمم الأولى فالأولى، ويبدأ أولاً بقابيل وولده.

ويقال: يبدأ بالأكابر فالأكابر مثل فرعون كما قال في آية أخرى ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا [مريم: 69] .

حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً يعني: اجتمعوا في النار وأصله تداركوا فيها يعني: اجتمع القادة والأتباع في النار وقرأ بعضهم حَتَّى إذَا أَدْرَكُوا فيه أي دخلوا في إدراكها، كما يقال أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء وهي قراءة شاذة قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ أي: قال أواخر الأمم لأولّهم.

ويقال: قالت الأتباع للقادة والرؤساء رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا عن الهدى فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ أي: أعظم زيادة من العذاب قالَ الله تعالى: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لاَّ تَعْلَمُونَ أي: على القادة زيادة من العذاب ولكن لا تعلمون ما عليهم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلكِنْ لاَّ يَعْلَمُونَ بالياء أي: لا يعلم فريق منهم عذاب فريق آخر وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ أي: أولهم دخولاً لآخرهم دخولاً.

ويقال: القادة للأتباع فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في شيء كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم سواء في الكفر ضللتم كما ضللنا.

قال الله تعالى: فَذُوقُوا الْعَذابَ ويقال: يقول الخزنة فذوقوا العذاب.

ويقال: هذا قول بعضهم لبعض فَذُوقُواْ العذاب بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي: تكفرون في الدنيا بترككم الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ...

الآية: هذه الآية وَعِيدٌ واستفهام على جهة التقرير، أي: لا أحد أظلم منه، والكتاب هو اللوح المَحْفُوظُ في قول الحَسَنِ وغيره.

وقيل: ما تكتبه الحَفَظَةُ، ونصيبهم من ذلك هو الكُفْرُ وَالمَعَاصي.

قاله مجاهد، وغيره.

وقيل: هو القرآن، وحَظُّهم فيه سَوَادُ الوجوه يوم القيامة.

وقال الربيع بن أنس، وغيره: المعنى بالنصيب مَا سَبَقَ لهم في أُم الكتاب من رِزْق، وعمر، وخير، وشر في الدنيا، ورجحه «١» الطبري.

واحتج له بقوله تعالى بعد ذلك: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا أي: عند انقضاء ذلك، فكان معنى الآية على هذا التأويل: أولئك يتمتعون، ويتصرَّفُونَ في الدنيا بِقَدْرِ ما كتب لهم حتى إِذا جاءتهم رُسُلنا لموتهم وهذا تأويل جَمَاعَةٍ، وعلى هذا يترتّبُ ترجيحُ الطبري.

وقالت فرقة: رُسُلُنا يريد بهم مَلاَئِكَةَ العَذَابِ يوم القيامة، ويَتَوَفَّوْنَهُمْ معناه عندهم يستوفونهم عَدَداً في السوق إلى جهنم.

وقوله سبحانه حكايةً عن الرسل أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ استفهام تقرير، وتوبيخ، وتوقيف على خِزْيٍ، وتَدْعُونَ معناه: تعبدون، وتؤمِّلُون.

وقولهم: ضَلُّوا عَنَّا معناه: هلكوا، وتلفوا، وفقدوا.

ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله سبحانه: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ.

قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)

قوله سبحانه: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ هذه حكاية ما يَقُولُ اللَّه سبحانه لهم يَوْمَ القيامة، بواسطة ملائكة العَذَابِ، نسأل اللَّه العافية.

وعبر عن يقول ب «قال» لتحقُّق وقوع ذلك، وصدق القصة، وهذا كثير، وخَلَتْ حكاية عن حَالِ الدنيا، أي: ادخلوا في النَّار في جملة الأمم السابقة لكم في الدنيا الكافرة.

ت: وكذا قدره «١» أبو حَيَّانَ في جملة «أمم» ، قال: وقيل: «في» بمعنى «مع» أي: مع أمم، وتقدم له في «البقرة» أن «في» تجيء للمُصَاحَبَةِ، كقوله تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ انتهى.

وقدم ذِكْرَ الجن لأنهم أَعْرَقُ/ في الكفر، وإبليس أَصْلُ الضلال والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجنِّ في النار، والذي يقتضيه النظر أن مُؤمنيهم في الجَنَّةِ لأنهم عُقَلاَءُ، مُكَلَّفُونَ، مبعوث إليهم، آمنوا وصدقوا، وقد بَوَّب البخاري رحمه اللَّه باباً في ذِكْرِ الجن، وثوابهم، وعقابهم.

وذكر عبد الجليل: أن مؤمني الجن يكونون تُرَاباً كالبهائم، وذكر في ذلك حديثاً مجهولاً، وما أَراه يصحُّ.

واللَّه أعلم.

والإِخْوَةُ في هذه الآية إِخْوَةُ الملة.

قال ص: في «النار» متعلق ب «خَلَتْ» ، أو بمحذوف، وهو صفة ل «أمم» أي:

في أمم سابقة، في الزمان كائنة، من الجن والإنس كائنة في النار، ويحتمل أن يتعلق ب «ادخلوا» على أن «في» الأولى بمعنى «مع» ، والثانية للظرفية، وإذا اختلف مَدْلُول الحرفين، جاز تعلقهما بمحلّ واحد.

انتهى.

وادَّارَكُوا معناه: تلاحقوا، أصله: تداركوا أدغم، فجلبت ألف الوَصْل.

وقال البخاري: ادَّارَكُوا اجتمعوا.

انتهى.

وقوله سبحانه: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ معناه: قالت الأمم الأخيرة التي وجدت ضلالات متقررة، وسنناً كاذبةً مستعملة للأولى التي شرعت ذلك، وافترت على اللَّه، وسَلَكَتْ سبيل الضَّلال ابتداءً رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا، أي: طرقوا لنا طُرُقَ الضلال، قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ أي: عذاب مشدَّد على الأول والآخر وَلكِنْ لاَّ تَعْلَمُونَ أي المقادير، وصور التضعيف.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أُضْمِرَ: "فَأطِيعُوهُمْ" وقَدْ سَبَقَ مَعْنى "إمّا" في سُورَةِ البَقَرَةِ (البَقَرَةِ:٣٨)؛ والباقِي ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ ﴾ فَفي مَعْناهُ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نُصِيبُهم مِنَ الأعْمالِ، فَيُجْزَوْنَ عَلَيْها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما كَتَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.

والرّابِعُ: ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والأعْمالِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: ما كَتَبَ لَهم مِنَ العَذابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في الكُتُبِ كُلِّها: أنَّهُ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، اسْوَدَّ وجْهُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والسّابِعُ: ما أخْبَرَ في الكِتابِ مِن جَزائِهِمْ، نَحْوُ قَوْلُهُ: ﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى  ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَإذَنْ في الكِتابِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

والثّانِي: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها.

والثّالِثُ: القُرْآَنُ.

والرّابِعُ: كِتابُ أعْمالِهِمْ.

والخامِسُ: القَضاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

/٠ أحَدُها: أنَّهم أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ.

والثّانِي: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: "يَتَوَفَّوْنَهُمْ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَتَوَفَّوْنَهم بِالمَوْتِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: يَتَوَفَّوْنَهم بِالحَشْرِ إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: يَتَوَفَّوْنَهم عَذابًا، كَما تَقُولُ: قَتَلْتُ فُلانًا بِالعَذابِ، وإنْ لَمْ يَمُتْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ ، وهَذا سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيعٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: فَلْيَمْنَعُوكم مِنَ النّارِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ ضَلُّوا عَنّا ﴾ بَطِلُوا وذَهَبُوا، فَيَعْتَرِفُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ.

وقالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ الِاعْتِرافُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنَ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ واسْتِفْهامٍ؛ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ؛ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ؛ و"اِفْتَرى"؛ مَعْناهُ: اِخْتَلَقَ؛ وهَذِهِ - وإنْ كانَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها؛ أيْ: "كَيْفَ يَجْعَلُونَ الرُسُلَ مُفْتَرِينَ؟

ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى؛ ولا حَظَّ لِلرُّسُلِ إلّا أنْ يُرْحَمَ مَنِ اهْتَدى؛ ويُعَذَّبَ مَن كَفَرَ" - فَهي أيْضًا مُشِيرَةٌ بِالمَعْنى إلى كُلِّ مُفْتَرٍ؛ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ واللهُ أمَرَنا بِها  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ ؛ قالَ الحَسَنُ؛ والسُدِّيُّ ؛ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ فالكِتابُ عِبارَةٌ عَنِ اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ؛ والسُخْطُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ ؛ يُرِيدُ: مِنَ الشَقاءِ؛ والسَعادَةِ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ الحَدِيثُ المَشْهُورُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ أنَّ المَلَكَ يَأْتِي إذا خُلِقَ الجَنِينَ في الرَحِمِ؛ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ؛ وأجَلَهُ؛ وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: اَلْكِتابِ يُرادُ بِهِ الَّذِي تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ مِن أعْمالِ الخَلِيقَةِ؛ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ؛ فَيَنالُ هَؤُلاءِ نَصِيبَهم مِن ذَلِكَ؛ وهو الكُفْرُ؛ والمَعاصِي؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ والضَحّاكُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرادُ بِهِ: "مِنَ القُرْآنِ"؛ وحَظُّهم فِيهِ أنَّ وُجُوهَهم تُسَوَّدُ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنِيُّ بِالنَصِيبِ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ؛ مِن رِزْقٍ؛ وعُمْرٍ ؛ وخَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ في الدُنْيا؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا؛ واحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا ﴾ ؛ أيْ: "عِنْدَ انْقِضاءِ ذَلِكَ"؛ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: "أُولَئِكَ يَتَمَتَّعُونَ؛ ويَتَصَرَّفُونَ مِنَ الدُنْيا؛ بِقَدْرِ ما كُتِبَ لَهُمْ؛ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا لِمَوْتِهِمْ..."؛ وهَذا تَأْوِيلُ جَماعَةٍ في مَجِيءِ الرُسُلِ لِلتَّوَفِّي؛ وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ تَرْجِيحُ الطَبَرِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "رُسُلُنا"؛ يُرِيدُ بِهِمْ: مَلائِكَةَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَتَوَفَّوْنَهُمْ"؛ مَعْناهُ: "يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا؛ في السَوْقِ إلى جَهَنَّمَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ التَأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ ﴾ ؛ لِأنَّ النَصِيبَ عَلى تِلْكَ التَأْوِيلاتِ إنَّما يَنالُهم في الآخِرَةِ؛ وقَدْ قُضِيَ مَجِيءُ رُسُلِ المَوْتِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُسُلِ: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ ﴾ ؛ اِسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ وتَوْبِيخٍ؛ وتَوْقِيفٍ عَلى خِزْيٍ؛ وهو إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ والأوثانِ؛ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ و"تَدْعُونَ"؛ مَعْناهُ: "تَعْبُدُونَ؛ وتُؤَمِّلُونَ"؛ وقَوْلُهُمْ: "ضَلُّوا"؛ مَعْناهُ: هَلَكُوا؛ وتَلَفُوا؛ وفُقِدُوا؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما شاكَلَها؛ تُعارِضُ في الظاهِرِ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ؛ واجْتِماعُهُما إمّا أنْ يَكُونَ في طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ؛ أو في أوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ يَقُولُونَ في حالِ كَذا؛ وحالِ كَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ باياته أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ على أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين قَالَ ادخلوا فى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الجن والإنس فِى النار ﴾ .

الفاء للتّفريع على جملة الكلام السّابق، وهذه كالفذلكة لما تقدّم لتُبيِّن أنّ صفات الضّلال، التي أُبهم أصحابُها، هي جافة بالمشركين المكذّبين برسالة محمّد عليه الصّلاة والسّلام فإنّ الله ذكر أولياء الشّياطين وبعض صفاتهم بقوله: ﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ﴾ [الأعراف: 27] وذكر أنّ الله عهد لبني آدم منذ القدم بأن يتّبعوا من يجيئهم من الرّسل عن الله تعالى بآياته ليتّقوا ويصلحوا، ووعدهم على اتباع ما جاءهم بيني الخوف والحزن وأوعدهم على التّكذيب والاستكبار بأن يكونوا أصحاب النّار، فقد أعذر إليهم وبصّرهم بالعواقب، فتفرّع على ذلك: أن من كَذَب على الله فزعم أنّ الله أمره بالفواحش، أوْ كَذب بآيات الله التي جاء بها رسوله، فقد ظلم نفسه ظُلماً عظيماً حتّى يُسْأل عمن هو أظلم منه.

ولك أن تجعل جملة: ﴿ فمن أظلم ممن افترى ﴾ [الأنعام: 144] إلخ معترضة بين جملة: ﴿ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 36] وجملة: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ كما سيأتي في موقع هذه الأخيرة، وقد تقدّم الكلام على تركيب: ﴿ من أظلم ممن ﴾ عند قوله تعالى: والافتراء والكذب تقدّم القول فيهما عند قوله تعالى: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة العقود (103).

ولهذه الآية اتّصال بآية: ﴿ وكم من قرية أهلكناها ﴾ [الأعراف: 4] من حيث ما فيها من التّهديد بوعيد عذاب الآخرة وتفظيع أهواله.

و (من) استفهام إنكاري مستعمل في تهويل ظلم هذا الفريق، المعبّر عنه بمَن افترى على الله كذباً.

و(مَنْ) الثّانية موصولة، وهي عامة لكلّ من تتحقّق فيه الصّلة، وإنّما كانوا أظلم النّاس ولم يكن أظلمُ منهم، لأنّ الظلم اعتداء على حقّ، وأعظم الحقوق هي حقوق الله تعالى، وأعظم الاعتداء على حقّ الله الاعتداءُ عليه بالاستخفاف بصاحبه العظيم، وذلك بأن يكذّب بما جاءه من قِبله، أو بأن يَكْذِب عليه قيبلِّغ عنه ما لم يأمر به فإنْ جَمَع بين الأمرين فقد عطّل مراد الله تعالى من جهتين: جهة إبطال ما يدلّ على مراده، وجهة إيهام النّاس بأنّ الله أراد منهم ما لا يريده الله.

والمراد بهذا الفريق: هم المشركون من العرب، فإنّهم كذّبوا بآيات الله التي جاء بها محمّد صلى الله عليه وسلم وافتروا على الله الكذب فيما زعموا أنّ الله أمرهم به من الفواحش، كما تقدّم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ﴾ [الأعراف: 28].

و (أو) ظاهرها التّقسيم فيكون الأظلمُ وهم المشركون فريقين: فريق افتروا على الله الكذب، وهم سادة أهل الشّرك وكبراؤهم، الذين شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ونسبوه إلى الله وهم يعلمون، مثل عَمْرو بن لُحَيّ، وأبي كَبْشة، ومن جاء بعدهما، وأكثر هذا الفريق قد انقرضوا في وقت نزول الآية، وفريق كذّبوا بآياتتٍ ولم يفتروا على الله وهم عامة المشركين، من أهل مكّة وما حولها، وعلى هذا فكلّ واحد من الفريقين لا أظلمَ منه، لأنّ الفريق الآخر مساوٍ له في الظلم وليس أظلَم منه، فأمَّا من جمع بين الأمرين ممّن لعلّهم أن يكونوا قد شرعوا للمشركين أموراً من الضّلالات، وكذّبوا محمّداً صلى الله عليه وسلم فهم أشدّ ظلماً، ولكنّهم لمّا كانوا لا يخلون عن الانتساب إلى كلا الفريقين وجامعين للخصلتين لم يخرجوا من كونهم من الفريق الذين هم أظلم النّاس، وهذا كقوله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما أنزل الله ﴾ [الأنعام: 93]، فلا شكّ أنّ الجامع بين الخصال الثّلاث هو أظلم من كلّ من انفرد بخصلة منها، وذلك يوجب له زيادة في الأظلميّة، لأنّ كلّ شدّة وصف قابلة للزّيادة.

ولك أن تجعل (أو) بمعنى الواو، فيكون الموصوف بأنّه أظلم النّاس هو من اتّصف بالأمرين الكذب والتّكذيب، ويكون صادقاً على المشركين لأنّ جماعتهم لا تخلو عن ذلك.

شيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ ليدلّ على أنّ المشار إليهم أحرياء بأن يصيبهم العذاب بناءً على ما دلّ عليه التّفريع بالفاء.

وجملة ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الاستفهام في قوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية، لأنّ التّهويل المستفاد من الاستفهام يسترعي السّامع أن يَسأل عمّا سيلاقُونه من الله الذي افتروا عليه وكذّبوا بآياته.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ عطف بيان لجملة: ﴿ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 36] أي خالدون الخلود الذي هو نصيبهم من الكتاب.

وتكملة هذه الجملة هي جملة: ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ الآية كما سيأتي.

ومادة النّيل والنّوال وردت واوية العين ويائية العين مختلطتين في دواوين اللّغة، غير مفصحةً عن توزيع مواقع استعمالها بين الواوي واليائيّ، ويظهر أن أكثر معاني المادتين مترادفة وأنّ ذلك نشأ من القلب في بعض التّصاريف أو من تداخل اللّغات، وتقول نُلْتُ بضمّ النّون من نال يُنول، وتقول نِلْت بكسر النّون من نال يَنِيل، وأصل النّيْل إصابة الإنسان شيئاً لنفسه بيَده، ونوّله أعطاهُ فنال، فالأصل أن تقول نَال فلان كسباً، وقد جاء هنا بعكس ذلك لأنّ النّصيب من الكتاب هو أمر معنوي، فمقتضى الظّاهر أن يكون النّصيب مَنُولا لا نَائلاً، لأنّ النّصيب لا يُحصِّل الذين افتروا على الله كذباً، بل بالعكس: الذين افتروا يحصلونه، وقد جاء ذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ [الحج: 37] وقوله ﴿ سينالهم غضب من ربهم ﴾ [الأعراف: 152]، فتعيّن أن يكون هذا إمّا مجازاً مرسلاً في معنى مطلق الإصابة، وإمّا أن يكون استعارة مبنيّة على عكس التّشبيه بأن شبّه النّصيب بشخص طالب طِلبة فنالها، وإنّما يصار إلى هذا للتّنبيه على أنّ الذي ينالهم شيءٌ يكرهونه، وهو يطلبهم وهم يفرّون منه، كما يطلب العدوّ عدوّه، فقد صار النّصيب من الكتاب كأنَّه يطلب أن يحصِّل الفريق الذين حقّ عليهم ويصادِفهم، وهو قريب من القلب المبني على عكس التّشبيه في قول رؤبة: وَمَهْمَهٍ مُغْبَرّةٍ أرجاؤُه *** كأنّ لَوْنَ أرْضِهِ سَمَاؤُه وقولهم: «عرضتُ النّاقة على الحوض».

والنّصيب الحظّ الصّائر لأحد المتقاسمين من الشّيء المقسوم، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ أولئك لهم نصيب مما كسبوا ﴾ في سورة البقرة (202)، وقوله: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ في سورة النساء (7).

والمراد بالكتاب ما تضمَّنه الكتاب، فإن كان الكتاب مستعملاً حقيقة فهو القرآن، ونصيبهم منه هو نصيبهم من وعيده، مثل قوله تعالى آنفاً: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 36]، وإن كان الكتاب مجازاً في الأمر الذي قضَاه الله وقدّره، على حدّ قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38] أي الكتاب الثّابت في عِلم الله من إحقاق كلمة العذاب عليهم، فنصيبهم منه هو ما أخبر الله بأنّه قدّره لهم من الخلود في العذاب، وأنّه لا يغفر لهم، ويَشْمل ذلك ما سبق تقديره لهم من الإمهال وذلك هو تأجيلهم إلى أجل أراده ثمّ استئصالهم بعده كما أخبر عن ذلك آنفاً بقوله: ﴿ ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ [الأعراف: 34].

وحمل كثير من المفسّرين النّصيب على ما ينالهم من الرّزق والإمهال في الدّنيا قبل نزول العذاب بهم وهو بعيد من معنى الفاء في قوله: ﴿ فمن أظلم ﴾ ولا أحسب الحادي لهم على ذلك إلاّ ليكون نوال النّصيب حاصلاً في مدّةٍ ممتدّة ليَكون مجيء الملائكة لتَوَفِّيهم غاية لانتهاء ذلك النّصيب، استبقاء لمعنى الغاية الحقيقيّة في (حتّى).

وذلك غير ملتزَم، فإنّ حتّى الابتدائيّة لا تفيد من الغاية ما تفيده العاطفة كما سنذكره.

والمعنى: إمّا أنّ كل واحد من المشركين سيصيبه ما توعدهم الله به من الوعيد على قدر عتوه في تكذيبه وإعراضه، فنصيبه هو ما يناسب حاله عند الله من مقدار عذابه، وإمّا أن مجموع المشركين سيصيبهم ما قُدر لأمثالهم من الأمم المكذّبين للرّسل المعرضين عن الآيات من عذاب الدّنيا، فلا يغرنّهم تأخير ذلك لأنّه مُصيبهم لا محالة عند حلول أجله، فنصيبهم هو صفة عذابهم من بين صفات العذاب التي عذّبت بها الأمم.

وجملة: ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا ﴾ تفصيل لمضمون جملة ﴿ ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ فالوقت الذي أفاده قوله: ﴿ إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ هو مبدأ وصف نصيبهم من الكتاب حين ينقطع عنهم الإمهال الذي لَقُوه في الدّنيا.

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائيّة لأنّ الواقع بعدها جملة فتفيد السّببيّة، فالمعنى: ف ﴿ إذا جاءتهم رسلنا ﴾ إلخ، و(حَتّى) الابتدائيه لها صدر الكلام فالغاية التي تدلّ عليها هي غاية مَا يُخبر به المخبر، وليست غايةَ ما يبلغ إليه المعطوف عليه بحتّى، لأنّ ذلك إنّما يُلتزم إذا كانت حتّى عاطفة، ولا تفيد إلاّ السّببيّة كما قال ابن الحاجب فهي لا تفيد أكثر من تسبّب ما قبلها فيما بعدها، قال الرضي؛ قال المصنف: وإنّما وجب مع الرّفع السّببيّة لأنّ الاتّصال اللّفظي لمَّا زال بسبب الاستئناف شُرِط السّببيّة التي هي موجبة للاتّصال المعنوي، جبراً لما فات من الاتّصال اللّفظي، قال عَمرو بن شَأس: نذود الملوك عنكُمُ وتذودُنا *** ولا صُلْحَ حتّى تَضبَعُونَ ونَضْبَعا وقد تقدّم بعض هذا عند قوله تعالى: ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة ﴾ في سورة الأنعام (31) و(حتّى) الابتدائيّة تدلّ على أنّ مضمون الكلام الّذي بعدها أهمّ بالاعتناء للإلقاء عند المتكلّم لأنّه أجدى في الغرض المسوق له الكلام، وهذا الكلام الواقع هنا بعد (حتّى) فيه تهويلُ ما يصيبهم عند قبض أرواحهم، وهو أدخل في تهديدهم وترويعهم وموعظتهم، من الوعيد المتعارف، وقد هدّد القرآن المشركين بشدائد الموْت عليهم في آيات كثيرة لأنهم كانوا يرهبونه.

والرّسُل هم الملائكة قال تعالى: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت ﴾ [السجدة: 11] وقال ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ﴾ [الأنفال: 50].

وجملة: ﴿ يتوفونهم ﴾ في موضع الحال من ﴿ رُسلنا ﴾ وهي حال معلِّلة لعاملها، كقوله: ﴿ ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ﴾ [الأعراف: 61، 62] أي رسول لأبلّغكم ولأنْصحَ لكم.

والتّوفي نزع الرّوح من الجسد، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ في سورة آل عمران (55) وهو المراد هنا، ولا جدوى في حمْلهِ على غير هذا المعنى، ممّا تردّد فيه المفسّرون، إلاّ أن المحافظة على معنى الغاية لحرف (حتى) فتوفي الرسل يجوز أن يكون المراد منه وقت أن يتوفوهم جميعاً، إن كان المراد بالنّصيب من الكتاب الاستئصال، أي حين تبعث طوائف الملائكة لإهلاك جميع أمّة الشّرك.

ويجوز أن يكون المراد حتى يتوفَّون آحادهم في أوقات متفرّقه إن كان المراد بالنّصيب من الكتاب وعيد العذاب، وعلى الوجهين فالقول محكي على وجه الجمععِ والمراد منه التّوزيع أي قال كلّ ملَك لمن وُكِّل بتوفّيهِ، على طريقة: رَكِبَ القومُ دَوَابَّهم.

وقد حكي كلام الرّسل معهم وجوابهم إياهم بصيغة الماضي على طريقة المحاورة، لأنّ وجود ظرف المستقبل قرينة على المراد.

والاستفهام في قوله: أين ما كنتم تدعون من دون الله} مستعمل في التّهكّم والتّأييس.

و (مَا) الواقعة بعد أين موصولة، يعني: أين آلهتكم التي كنتم تزعمون أنّهم ينفعونكم عند الشّدائد ويردّون عنكم العذاب فإنّهم لم يَحْضُروكم، وذلك حين يشهدون العذاب عند قبض أوراحهم، فقد جاء في حديث «الموطّأ»: أنّ الميّت يرى مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنّة فمِنْ أهل الجنّة وإن كان من أهل النّار يقال له هذا مقعدك حتّى يبعثك الله.

وهذا خطاب للأرواح التي بها الإدراك وهو قبل فتنة القبر.

وقولهم: ﴿ ضلّوا عنّا ﴾ أي أتلفوا مواقعنا وأضاعونا فلم يحضروا، وهذا يقتضي أنّهم لَمَّا يعلمُوا أنّهم لا يُغنون عنهم شيئاً من النّفع، فظنّوا أنّهم أذهبهم ما أذهبهم وأبعدهم عنهم ما أبعدهم، ولم يعلموا سببه، لأنّ ذلك إنّما يتبيّن لهم يوم الحشر حين يرون إهانة أصنامهم وتعذيب كبرائهم، ولذلك لم ينكروا في جوابهم أنّهم كانوا يدعونهم من دون الله بخلاف ما حُكي عنهم في يوم الحشر من قولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [الأنعام: 23] ولذلك قال هنا: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ ، وقال في الآخرى: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ [الأنعام: 24].

والشّهادة هنا شهادة ضِمنية لأنّهم لما لم ينفُوا أن يكونوا يدْعُون من دون الله وأجابوا بأنّهم ضلّوا عنهم قد اعترفوا بأنّهم عبدوهم.

فأمّا قوله: ﴿ قال ادخلوا في أمم ﴾ فهذا قول آخر، ليس هو من المحاورة السّابقة، لأنّه جاء بصيغة الإفراد، والأقوالُ قبله مسندة إلى ضمائر الجمع، فتعيّن أنّ ضمير (قال) عائد إلى الله تعالى بقرينة المقام، لأنّ مثل هذا القول لا يصدر من أحد غير الله تعالى، فهو استيناف كلام نشأ بمناسبة حكاية حال المشركين حينَ أوّل قدومهم على الحياة الآخرة، وهي حالة وفاة الواحد منهم فيَكون خطاباً صدر من الله إليهم بواسطة أحد ملائكته، أو بكلام سمعوه وعلموا أنّه من قِبَل الله تعالى بحيث يوقنون منه أنّهم داخلون إلى النار، فيكون هذا من أشدّ ما يرون فيه مقعدهم من النّار عقوبة خاصّة بهم.

والأمر مستعمل للوعيد فيتأخّر تنجيزه إلى يوم القيامة.

ويجوز أن يكون المحكي به ما يصدر من الله تعالى يوم القيامة من حكم عليهم بدخول النّار مع الأمم السّابقة، فذُكر عقب حكاية حال قبض أرواحهم إكمالاً لذكر حال مصيرهم، وتخلّصاً إلى وصف ما ينتظرهم من العذاب ولذكر أحوال غيرهم.

وأيَّاً مّا كان فالإتيان بفعل القول، بصيغه الماضي: للتنبيه على تحقيق وقوعه على خلاف مقتضى الظاهر.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ قال ادخلوا في أمم ﴾ في موضع عطف البيان لجملة ﴿ ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ أي: قال الله فيما كتبه لهم ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم ﴾ [الأعراف: 34] أي أمثالكم، والتّعبير بفعل المضي جرَى على مقتضى الظّاهر.

والأمم جمع الأمّة بالمعنى الذي تقدّم في قوله: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ .

و (في) من قوله: ﴿ في أمم ﴾ للظّرفية المجازيّة، وهي كونهم في حالة واحدة وحكممٍ واحد، سواء دخلوا النّار في وسطهم أم دخلوا قبلهم أو بَعدهم، وهي بمعنى (مع) في تفسير المعنى، ونقل عن صاحب «الكشاف» أنه نظَّر (في) التي في هذه الآية بفي التي في قول عروة بن أذينة: إنْ تَكُنْ عن حسن الصّنيعة مأفُو *** كاً ففي آخرينَ قد أُفِكُوا ومعنى: ﴿ قد خلت ﴾ قد مضت وانقرضت قبلكم، كما في قوله تعالى: ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ في سورة البقرة (134)، يعني: أنّ حالهم كحال الأمم المكذّبين قبلَهم، وهذا تذكير لهم بما حاق بأولئك الأمم من عذاب الدّنيا كقوله: ﴿ وتبين لكم كيف فعلنا بهم ﴾ [إبراهيم: 45] وتعريض بالوعيد بأن يحل بهم مثل ذلك، وتصريح بأنّهم في عذاب النّار سواء.

جملة: ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، لوصف أحوالهم في النّار، وتفظيعها للسّامع، ليتّعظ أمثالهم ويستبشر المؤمنين بالسّلامة ممّا أصابهم فتكون جملة ﴿ حتى إذا اداركوا ﴾ داخلة في حيز الاستيناف.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ كلما دخلت أمة ﴾ معترضة بين جملة: ﴿ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وبين جملة: ﴿ حتى إذا أداركوا فيها ﴾ إلخ.

على أن تكون جملة ﴿ حتى إذا اداركوا ﴾ مرتبطة بجملة ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ بتقدير محذوف تقديره: فيدخلون حتّى إذا اداركوا.

و (ما) في قوله: ﴿ كلّما ﴾ ظرفية مصدريّة، أي كلّ وقت دخول أمّة لعنت أختها.

والتّقدير: لعنت كلّ أمّة منهم أختها في كلّ أوقات دخول الأمّة منهم، فتفيد عموم الأزمنة.

و ﴿ أمّة ﴾ نكرة وقعت في حيز عموم الأزمنة، فتفيد العموم، أي كلّ أمة دخلت، وكذلك: ﴿ أختَها ﴾ نكرة لأنّه مضاف إلى ضمير نكرة فلا يتعرّف فتفيد العموم أيضاً، أي كل أمة تدخل تلعن كل أخت لها، والمراد بأختها المماثِلة لها في الدّين الذي أوجب لها الدّخول في النّار، كما يقال: هذه الأمّة أخت تلك الأمّة إذا اشتركتا في النّسب، فيقال: بَكْر وأختها تغلب، ومنه قول أبي الطبيّب: وكطَسْم وأُخْتِها في البعاد *** يريد: كَطَسم وجَدِيس.

والمقام يعيّن جهة الأخوّة، وسبَبُ اللّعن أنّ كل أمّة إنّما تدخل النّار بعد مناقشة الحساب، والأمر بإدخالهم النّار، وإنّما يقع ذلك بعد أن يتبيّن لهم أنّ ما كانوا عليه من الدّين هو ضلال وباطل، وبذلك تقع في نفوسهم كراهية ما كانوا عليه، لأنّ النّفوس تكره الضّلال والباطل بعد تبيُّنه، ولأنّهم رأوا أن عاقبة ذلك كانت مجلبة العقاب لهم فيزدادون بذلك كراهيّة لدينهم، فإذا دخلوا النّار فرأوا الأمم التي أدخلت النّار قبلهم علموا، بوجه من وجوه العلم، أنّهم أُدخلوا النّار بذلك السّبب فلعنوهم لكراهيّة دينهم ومن اتّبعوه.

وقيل: المراد بأختها أسلافها الذين أضلّوها.

وأفادت ﴿ كلّما ﴾ لما فيها من معنى التّوقيت: أنّ ذلك اللّعن يقع عند دخول الأمّة النّار، فيتعيّن إذن أن يكون التّقدير: لعنت أختها السّابقة إياها في الدّخول في النّار، فالأمّة التي تدخل النّار أوّل مرّة قبل غيرها من الأمم لا تَلْعن أختها، ويعلم أنّها تلعن من يدخل بعدَها الثّانيةَ، ومن بعدها بطريق الأوْلى، أو ترُدّ اللّعن على كلّ أخت لاعنة.

والمعنى: كلّما دخلت أمّة منهم بقرينة قوله: ﴿ لعنت أختها ﴾ .

و (حتّى) في قوله: ﴿ حتى إذا اداركوا ﴾ ابتدائيّة، فهي جملة مستأنفة وقد تقدّم في الآية قبل هذه أن (حتّى) الابتدائيّة تفيد معنى التّسبّب، أي تسبّب مضمون ما قبلها في مضمون ما بعدها، فيجوز أن تكون مترتِبَة في المعنى على مضمون قوله: ﴿ قال أدخلوا في أمم قد خلت ﴾ إلخ، ويجوز أن تكون مترتّبة على مضمون قوله: ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ .

و ﴿ اداركوا ﴾ أصله تَداركوا فقلبت التّاء دَالا ليتأتى إدغامها في الدّال للتّخفيف، وسُكنت ليتحقّق معنى الإدغام المتحركين، لثقل واجتلبت همزة الوصل لأجل الابتداء بالسّاكن، وهذا قلْب ليس بمتعيّن، وإنّما هو مستحسن، وليس هو مثل قلب التّاء في ادّان وازْداد وادّكر: ومعناه: أدرك بعضهم بعضاً، فصيغ من الإدراك وزن التّفاعل، والمعنى: تلاحقوا واجتمعوا في النّار.

وقوله: ﴿ جميعاً ﴾ حال من ضمير ﴿ اداركوا ﴾ لتحقيق استيعاب الاجتماع، أي حتى إذا اجتمعت أمم الضّلال كلّها.

والمراد: ب ﴿ أخراهم ﴾ : الآخِرة في الرّتبة، وهم الأتباع والرّعيّة من كلّ أمّة من تلك الأمم، لأنّ كلّ أمّة في عصر لا تخلو من قادة ورَعاع، والمراد بالأولى: الأولى في المرتبة والاعتبار، وهم القادة والمتبوعون من كلّ أمّة أيضاً، فالأخرى والأولى هنا صفتان جرتا على موصوفَين محذوفين، أي أخرى الطّوائف لأولاهم، وقيل: أريد بالأخرى المتأخّرة في الزّمان، وبالأولى أسلافهم، لأنّهم يقولون: ﴿ إنّا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ [الزخرف: 23].

وهذا لا يلائم ما يأتي بعده.

واللاّم في: ﴿ لأولاَهم ﴾ لام العلّة، وليست اللاّم التي يتعدّى بها فعل القَول، لأنّ قول الطائفة الأخيرة موجَّه إلى الله تعالى، بصريح قولهم: ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا ﴾ إلخ، لا إلى الطّائفة الأولى، فهي كاللاّم في قوله تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ [الأحقاف: 11].

والضعف بكسر الضّاد المِثْل لمقدار الشّيء، وهو من الألفاظ الدّالة على معنى نسبي يقتضي وجودَ معنى آخر، كالزّوج والنِّصف، ويختص بالمقدار والعدد، هذا قول أبي عبيدة والزّجاج وأيمّة اللّغة، وقد يستعمل فعله في مطلق التّكثير وذلك إذا أسند إلى ما لا يدخل تحت المقدار، مثل العذاب في قوله تعالى: ﴿ يُضَاعَفْ له العذاب يوم القيامة ﴾ [الفرقان: 69] وقوله ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ [الأحزاب: 30] أراد الكثرة القويّة فقولهم هنا ﴿ فآتهم عذاباً ضعفا ﴾ أي أعطهم عذاباً هو ضِعف عذاببٍ آخر، فعُلم أنّه، آتاهم عذاباً، وهم سألوا زيادة قوّة فيه تبلغ ما يعادل قوّته، ولذلك لما وصف بضعف علم أنّه مِثْلٌ لعذاببٍ حصل قبله إذ لا تقول: أكرمت فلان ضِعفاً، إلاّ إذا كان إكرامك في مقابلة إكراممٍ آخر، فأنت تزيده، فهم سألوا لهم مضاعفة العذاب لأنّهم علموا أنّ الضّلال سبب العذاب، فعلموا أنّ الذين شرعوا الضّلال هم أولى بعقوبة أشدّ من عقوبة الذين تقلّدوه واتبعوهم، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ﴾ [سبأ: 31].

وفعل: ﴿ قال ﴾ حكاية لجواب الله إياهم عن سُؤالهم مضاعفةَ العذاب لقادتهم، فلذلك فصل ولم يعطف جريا على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات، والتّنوينُ في قوله: ﴿ لكلّ ﴾ عوض عن المضاف إليه المحذوف، والتّقدير: لكلّ أمّة، أو لكلّ طائفة ضعف، أي زيادة عذاب مثل العذاب الذي هي معذّبه أولَ الأمر، فأمّا مضاعفة العذاب للقادة فلأنّهم سنّوا الضّلال أو أيّدوه ونصروه وذبّوا عنه بالتّمويه والمغالطات فأضلوا، وأمّا مضاعفته للأتباع فلأنَهم ضلّوا بإضلال قادتهم، ولأنّهم بطاعتهم العمياء لقادتهم، وشكرهم إياهم على ما يرسمون لهم، وإعطائِهم إياهم الأموال والرّشى، يزيدونهم طغياناً وجراءة على الإضلال ويغرّونهم بالازدياد منه.

والاستدراك في قوله: ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ لرفع ما تُوهِمه التّسوية بين القادة والأتباع في مضاعفة العذاب: أنّ التّغليظ على الأتباع بلا موجب، لأنّهم لولا القادة لما ضلّوا، والمعنى: أنّكم لا تعلمون الحقائق ولا تشعرون بخفايا المعاني، فلذلك ظننتم أنّ موجب مضاعفة العذاب لهم دونكم هو أنّهم علّموكم الضّلال، ولو علمتم حقّ العلم لاطّلعتم على ما كان لطاعتكم إياهم من الأثر في إغرائهم بالازدياد من الإضلال.

ومفعول ﴿ تعلمون ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ لكللٍ ضِعف ﴾ ، والتّقدير: لا تعلمون سبب تضعيف العذاب لكلّ من الطّائفتين، يعني لا تعلمون سبب تضعيفه لكم لظهور أنّهم علموا سبب تضعيفه للذين أضلّوهم.

وقرأ الجمهور: ﴿ لا تَعلمون ﴾ بتاء الخطاب على أنّه من تمام ما خاطب الله به الأمّة الأخرى، وقرأه أبو بكر عن عاصم بياء الغيبة فيكون بمنزلة التّذييل خطاباً لسامعي القرآن، أي قال الله لهم ذلك وهم لا يَعلمون أنّ لكلّ ضعفاً فلذلك سألوا التّغليظ على القادة فأجيبوا بأنّ التّغليظ قد سُلّط على الفريقين.

وعُطفتْ جملة: ﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ على جملة: ﴿ قالت آخراهم لأولاهم ﴾ لأنّهم لم يَدخلوا في المحاورة ابتداء فلذلك لم تفصل الجملة.

والفاء في قولهم: ﴿ فما كان لكم علينا من فضل ﴾ فاء فصيحة، مرتبة على قول الله تعالى ﴿ لكل ضعف ﴾ حيث سوّى بين الطّائفتين في مضاعفة العذاب.

و(مَا) نافية.

و(مِنْ) زائدة لتأكيد نفي الفضل، لأنّ إخبار الله تعالى بقوله: ﴿ لكل ضعف ﴾ لا وقوله: ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يجوز أن يكون من كلام أولاهم: عَطَفوا قولهم: ﴿ ذوقوا العذاب ﴾ على قولهم: ﴿ فما كان لكم علينا من فضل ﴾ بفاء العطف الدّالة على التّرتب.

فالتشفي منهم فيما نالهم من عذاب الضّعف ترتَّب على تحقّق انتفاء الفضل بينهم في تضعيف العذاب الذي أفصح عنه إخبار الله بأنّ لهم عذاباً ضعفاً.

وصيغة الأمر في قولهم: ﴿ فذوقوا ﴾ مستعملة في الإهانة والتشفّي.

والذّوق استُعمل مجازاً مرسلاً في الإحساس بحاسّة اللّمس، وقد تقدّم نظائره غير مرّة.

والباء سببيّة، أي بسبب ما كنتم تكسبون ممّا أوجب لكم مضاعفة العذاب، وعبّر بالكسب دون الكفر لأنّه أشمل لأحوالهم، لأنّ إضلالهم لأعقابهم كان بالكفر وبحبّ الفخر والاغرَاب بما علّموهم وَمَا سَنْوا لهم، فشمل ذلك كلَّه أنّه كسب.

يجوز أن يكون قوله: ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ من كلام الله تعالى، مخاطباً به كلا الفريقين، فيكون عطفاً على قوله: ﴿ لكل ضعف ولكن لا تعلمون ﴾ ويكون قوله: ﴿ وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ﴾ جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، وعلى اعتباره يكون الأمر في قوله: ﴿ فذوقوا ﴾ للتكوين والإهانة.

وفيما قصّ الله من محاورة قادة الأمم وأتباعهم ما فيه موعظة وتحذير لقادة المسلمين من الإيقاع بأتباعهم فيما يَزِجّ بهم في الضّلالة، ويحسِّن لهم هواهم، وموعظة لعامتهم من الاسترسال في تأييد من يشايع هواهم، ولا يبلغهم النّصيحة، وفي الحديث: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هو عَذابُ اللَّهِ الَّذِي أعَدَّهُ لِمَن أشْرَكَ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: ما سَبَقَ لَهم مِنَ الشَّقاءِ والسَّعادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: نَصِيبٌ مِن كِتابِهِمُ الَّذِي كَتَبْنا لَهم أوْ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: نَصِيبُهم مِمّا كُتِبَ لَهم مِنَ العُمْرِ والرِّزْقِ والعَمَلِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: نَصِيبُهم مِمّا وُعِدُوا في الكِتابِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ في تَوَفِّي الرُّسُلِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها وفاةُ المَوْتِ في الدُّنْيا الَّتِي تُوَبِّخُهم عِنْدَها المَلائِكَةُ.

والثّانِي: أنَّها وفاةُ الحَشْرِ إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قال: ما قدر لهم من خير وشر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قال: من الأعمال، من عمل خيراً جزى به ومن عمر شراً جزى به.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله و ﴿ نصيبهم من الكتاب ﴾ قال: ما كتب عليهم من الشقاء والسعادة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قال: قوم يعملون أعمالاً لا بد لهم أن يعملوها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قال: ما سبق من الكتاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ نصيبهم من الكتاب ﴾ قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قال: رزقه وأجله وعمله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله: ﴿ نصيبهم من الكتاب ﴾ قال: من العذاب.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قال مما كتب لهم من الرزق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ .

[قال الكلبي] (١) (٢) وقال أبو إسحاق: (أيْ: أيُّ ظلم أشنع من الكذب على الله عز وجل) (٣) (٤) ﴿ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ (يريد: جعل لله شريكًا وجعل له ولداً) (٥) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ اختلفوا في معناه؛ فقال الحسن والسدي وأبو صالح: (ينالهم ما كتب لهم من العذاب) (٦) (٧) ﴿ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ (أي: من العذاب) (٨) والسدي بيَّن ذلك العذاب ما هو فقال: (سواد الوجوه وزرقة العيون) (٩) ﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ ما قضى الله عليهم في الكتاب من سواد الوجوه، وزرقة العيون (١٠) ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ  ﴾ .

وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطية (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال الزجاج: (معنى: ﴿ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ ما أخبر الله -عز وجل- من جزائهم؛ نحو قوله: ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴾ (١٦) ﴿ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾ الآية [غافر: 71]، فهذا نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم) (١٧) وقال عبد الله بن مسلم: (أي: حظهم مما كتب عليهم من العقوبة) (١٨) ﴿ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ ، العذاب، و ﴿ الْكِتَابِ ﴾ على هذا القول الظاهر أنه القرآن؛ لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع كما ذكره (١٩) وقال سعيد بن جبير، ومجاهد (٢٠) ﴿ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ (٢١) ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ  ﴾ ، يعني: أن هؤلاء ممن أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة، وإن كان فيهم أحد كتبت له السعادة أدركته، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء؛ لأنه قال: (يريد: ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ) (٢٢) وقال الربيع والقرظي وابن زيد (٢٣) ﴿ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ ) (٢٤) قال بعض أهل المعاني (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا ﴾ بما قبله، بل هذا ابتداء خبر أُخبر عنهم كقوله: فَيَاعَجَبِي حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبنُّي (٢٩) ويؤكد القول الأول أن ذكر عظم الظلم يقتضي ذكر الوعيد (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ .

قال سيبويه (٣١) (٣٢) (٣٣) وقال بعض النحويين: (لم يجز إمالة (حتى) لأنها حرف لا ينصرف والإمالة ضرب من التصرف ( (٣٤) قال ابن عباس: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ (يريد: الملائكة يقبضون أرواحهم) (٣٥) ﴿ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ سؤال تبكيت وتقريع، ﴿ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ﴾ أي بطلوا وذهبوا، ﴿ وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾ ، اعترفوا عند معاينة الموت وأقروا على أنفسهم بالكفر، قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: أن الموت قيامة الكافر، والموت راحة المؤمن) (٣٦) ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا ﴾ أي: ملائكة العذاب ﴿ يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ أي: يتوفون عدتهم وفاة الحشر إلى النار، على معنى: يستكملونهم جميعًا لا يغادرون منهم أحداً).

وذكر الزجاج هذه الوجه (٣٧) وهذا يحكى عن الحسن (٣٨) (١) لفظ: (قال الكلبي) ساقط من (أ).

(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 539، وقال بعده: (قال بعضهم هذا التفسير خطأ لأنه لا يصح أن يقال: هذا أكفر من هذا، ولكن معناه، ومن أشد في كفره) اهـ.

(٣) "معاني القرآن" 2/ 334، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 30، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 168.

(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 177 بلفظ: (جعل له صاحبة وولدا وشريكًا) اهـ.

(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 169 من عدة طرق عن أبي صالح والحسن والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1474 عن أبي صالح.

(٧) حبان: هو حبان بن علي العنزي الكوفي، فقيه، فاضل، ضعيف.

تقدمت ترجمته.

(٨) "تنوير المقباس" 2/ 92، و"تفسير هود الهواري" 2/ 16.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) في (أ): (سواد الوجه وزرقة العين).

(١١) في (ب): (عطاء)، وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 170 بسند ضعيف عن عطية العوفي عن ابن عباس -  ما-.

(١٢) لفظ: (وقد كتب) ساقط من (ب).

(١٣) في (ب): (بأن يفترى).

(١٤) في (ب): (مسوده)، وعند الطبراني 12/ 413: (أنه وجهه مسود) وهو أولى.

(١٥) "معاني القرآن" 1/ 378، ونحوه ذكر مقاتل في "تفسيره" 2/ 35.

(١٦) في (ب): ﴿ نَسْلُكُهُ ﴾ بالنون وهي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، ونافع وقرأ الباقون ﴿ يَسْلُكُهُ ﴾ بالياء.

انظر: "السبعة" ص 656، و"المبسوط" ص 384، و"التذكرة" 2/ 737، و"النشر" 2/ 392.

(١٧) "معاني القرآن" 2/ 334 - 335.

(١٨) "تفسير غريب القرآن" ص 177، وهو قول مكي في "تفسير المشكل" ص 84.

(١٩) في (ب): كما ذكر.

(٢٠) "تفسير مجاهد" 1/ 235 - 236، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 169، 170 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطية العوفي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1474 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي، وقال بعده: (وروي عن سعيد بن جبير والحسن نحوه) اهـ.

(٢١) هنا وقع اضطراب في نسخة (ب) فوقع باقي تفسير الآية في ص 147ب.

(٢٢) ذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 209، وقريب منه ما أخرجه الطبري 8/ 170، 171، وابن أبي حاتم 5/ 1473 بسند جيد عن ابن عباس قال: (نصيبهم من الأعمال) وفي رواية عند الطبري قال: (ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال)، وفي رواية أخرى: (من الخير والشر)، وفي أخرى: (ما وعدوا مثله) والكل متقارب.

(٢٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 171 من عدة طرق عن الربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي وابن زيد.

وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1473، عن الربيع والقرظي.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 153، 154.

(٢٤) في (أ): (رسلهم).

(٢٥) ومنهم الطبري في "تفسيره" 8/ 172، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 237: (وهذا القول قوي في المعنى والسياق يدل عليه) اهـ.

(٢٦) يعني أن مجيء الرسل للتوفي كالغاية لحصول ذلك النصيب فينبغي أن يكون حصول ذلك النصيب متقدمًا على حصول الوفاة والمتقدم على حصول الوفاة ليس إلا العمر والرزق، أفاد ذلك الرازي في "تفسيره" 14/ 71.

(٢٧) نقل قول الواحدي السمين في "الدر" 5/ 310 ثم قال: (هذا غير مرضي منه لمخالفته الجمهور؛ إذ الغاية معنى لا يفارقها، وقوله: لا تعلق لها بما قبلها ممنوع على جميع الأقوال التي ذكرها.

والظاهر أنها إنما تتعلق بقوله ﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ ﴾ ) اهـ.

ملخصًا.

(٢٨) قال سيبويه في "الكتاب" 3/ 17 - 18: (حتى صارت هاهنا بمنزلة إذا، وما أشبهها من حروف الابتداء) اهـ، وانظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 64، و"معاني الحروف" للرمانى ص 119، ص164، و"المغني" لابن هشام 1/ 128.

(٢٩) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 419، وعجزه: كَأنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَوْ مُجَاشِعُ وهو في "الكتاب" 3/ 18، و"الأصول" 1/ 425، و"نزهة الأعين" لابن الجوزي ص 244، و"المغني" لابن هشام 1/ 129 وبلا نسبة في: "المقتضب" 2/ 39، و"معاني الحروف" للرماني ص 165، و"الموضح في التفسير" للحدادي ص 56، و"رصف المباني" ص 257، و"الدر المصون" 5/ 310.

وكليب: هو ابن يربوع بن حنظلة بطن من ربيعة من عامر بن صعصعة، وهو رهط جرير.

انظر: "نهاية الأرب" ص 366، ونهشل: بطن من حنظلة من تميم.

انظر: "نهاية الأرب" ص370.

ومجاشع: بطن من دارم من تميم، وهو رهط الفرزدق.

انظر: "نهاية الأرب" ص 386، والشاهد: حتى كليب، حيث جاءت (حتى) حرف ابتداء، ودخلت على الجملة الاسمية، وانظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 14، و"الخزانة" 9/ 475.

(٣٠) والظاهر والله أعلم هو عموم ما كتب عليهم من أجل وعمل ورزق في أم "الكتاب"، وهو اختيار ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 209 - 210، فقد ذكر عامة الأقوال التي ذكر الواحدي ثم قال: (والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ونصيبهم يتناول الأمرين، نصيبهم من الشقاوة، ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك، فعمت الآية هذا النصيب كله، وذكر هؤلاء بعضه، وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح، وأن المراد ما سبق لهم في أم "الكتاب" ، ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين من الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء من العذاب والشقاوة، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره، كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة، فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم) اهـ.

ملخصًا.

== وانظر: "معاني النحاس" 3/ 30، و"تفسير السمرقندي" 1/ 539، والماوردي 2/ 221، والبغوي 3/ 227، وابن عطية 7/ 54، وابن الجوزي 3/ 193، والرازي 14/ 70، 71، والقرطبي 7/ 203.

(٣١) "الكتاب" 4/ 135، وفيه قال: (ومما لا يميلون ألفه (حتى) و (أمَّا) و (إلَّا) فرقوا بينها وبين ألفات الأسماء نحو حبلى وعطشى.

وقال الخليل: لو سميت رجلاً بها وامرأة جازت فيها الإمالة) اهـ.

وانظر: "المقتضب" 3/ 52 (٣٢) في (ب): (بينهما).

(٣٣) هذا نص الزجاج في "معانيه" 2/ 335، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 611، و"التكملة" لأبي علي ص 538، و"الكشف" لمكي 1/ 193.

(٣٤) ذكر الرازي في "تفسيره" 14/ 71 مثله.

(٣٥) "تنوير المقباس" 2/ 92، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 178.

(٣٦) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 71.

(٣٧) "معاني القرآن" 2/ 335 - 336، وقال: (هو أضعف الوجهين) وكذلك ذكر القولين النحاس في "معانيه" 3/ 31 - 32.

(٣٨) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 16، والماوردي 2/ 221، وابن الجوزي 3/ 194، والرازي 14/ 71 والأول أظهر وهو ما رجحه جمهور المفسرين، والمعنى يتمتعون في الدنيا بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه يتوفونهم عند الموت أقروا على أنفسهم بالكفر، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 172، والسمرقندي 1/ 539، والبغوي 3/ 227، وابن عطية 5/ 496.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ذكر في الأنعام ﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب ﴾ أي يصل إليهم ما كتب لهم من الأرزاق وغيرها ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ أي غابوا ﴿ ادخلوا في أُمَمٍ ﴾ أي ادخلوا النار في جملة أمم أو مع أمم ﴿ اداركوا ﴾ تلاحقوا واجتمعوا ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ المراد بأولاهم الرؤساء والقادة، وأخراهم الأتباع والسفلة، والمعنى: أن أخراهم طالبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم لأنهم أضلوهم، وليس المعنى أنهم قالوا لهم ذلك خطاباً لهم، إنما هو كقولك قال فلان لفلان كذا: أي قاله عنه وإن لم يخاطبه به ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ أي لم يكن لكم علينا فضل في الإيمان والتقوى، يوجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم بل: نحن وأنتم سواء ﴿ فَذُوقُواْ العذاب ﴾ من قول أولاهم لأخراهم أو من قول الله تعالى لجميعهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى إذا ادّاركوا ﴾ كان يعقوب: إذا وقف على "إذا" يبتدىء ﴿ تداركوا ﴾ بالتاء.

سهل: مخير، وكذلك قوله  : ﴿ قلتم ﴾ ﴿ وقالوا إنا طيرنا ﴾ وافق الكسائي في ﴿ تثاقلتم ﴾ ﴿ أخراهم لأولاهم ﴾ بالإمالة الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف.

وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد ﴿ أولاهم ﴾ بالإمالة اللطيفة ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة ﴿ فآتهم ﴾ بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة.

إلا قوله: ﴿ ومن يولهم  ﴾ ﴿ لا يعلمون ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد ﴿ لا تفتح لهم ﴾ بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف.

الباقون بتاء التأنيث والتشديد.

﴿ غواشي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ ما كنا ﴾ بغير واو العطف: ابن عامر.

الآخرون بالواو.

﴿ أورثتموها ﴾ وبابه بإدغام الثاء: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.

الوقوف: ﴿ آياتي ﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ ولاهم يحزنون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ من الكتاب ﴾ ط ﴿ يتوفونهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ط ﴿ أختها ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ لا لما قلنا.

﴿ من النار ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ الخياط ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ غواش ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ وسعها ﴾ ط وجعل ﴿ أولئك ﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ معترضة ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط للعطف مع العارض.

﴿ اهدنا الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ بالحق ﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بيّن أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بيّن أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم ﴾ وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة ﴿ فإما يأتينكم مني هدى  ﴾ والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم.

وإنما قال: ﴿ رسل منكم ﴾ لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والآنس.

ومعنى أياتي أحكامي وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد.

ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ﴾ والأول الحكم بوجود ما لم يوجد كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة.

والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو كتاب.

ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قيل: أي العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين.

وقال الزجاج: أي أنواع البلايا المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب.

وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد.

وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار كأنه  بيّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله  لكي يصلحوا ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ وذلك أن "حتى" هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه ههنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك النصيب يكون مقدماً على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق.

ومحل ﴿ يتوفونهم ﴾ نصب على الحال من الرسل.

قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ.

وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون عدّتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدّتهم حتى لا ينفلت منهم أحد.

قال في الكشاف: "ما" وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أي الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد ﴿ قالوا ﴾ على سبيل الاعتراف والعود إلى الإنصاف ﴿ ضلوا عنا ﴾ أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم ﴿ وشهدوا على أنفسهم ﴾ بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: ﴿ قال ﴾ أي الله.

وعن مقاتل هو من كلام خازن النار.

وهذا مبني على أنه  لا يجوز أن يكلم الكفار وإن كان كلام سخط ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ قيل: أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز.

والمعنى ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار.

وفيه دليل على أن أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ في الدين والعقيدة.

فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى ﴿ حتى إذا ادّاركوا فيها ﴾ أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضاً واستقر معه ﴿ قالت أخراهم ﴾ أي آخرتهم دخولاً في النار ﴿ لأولاهم ﴾ دخولاً فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدماً على الضال في دخول النار.

واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع الله لا معهم ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ﴾ الفاء للجزاء ﴿ عذاباً ضعفاً ﴾ أي مضاعفاً وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل.

قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه مرتين.

وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين بدليل قوله عز من قائل: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا  ﴾ وأقل ذلك عشرة لقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك متقن وما فوقه مشكوك ﴿ قال ﴾ أي الله أو خازن النار ﴿ لكل ﴾ من القادة والأتباع ﴿ ضعف ﴾ أما للقادة فلما قلنا، وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروّجوا أمرهم.

سئل ههنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير النهاية.

قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا يصلح للجواب.

والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية والله أعلم ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك.

﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ إذ قد حكم الله بأن لكل منا ضعفاً ﴿ فما كان ﴾ أي فما ثبت ﴿ لكم علينا من فضل ﴾ لأنكم مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله  فيهم.

قال في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذباً لأنهم بنو كلامهم على حكم الله  بأن لكل ضعفاً.

ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وهي الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد ﴿ واستكبروا عنها ﴾ أي ترفعوا عن قبولها ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال ابن عباس: أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله  من قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ومن قوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها كما جاء في الحديث "إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة.

ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء" وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرّق لهم إليها حتى يدخلوا الجنة.

وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله  : ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر  ﴾ ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ الولوج الدخول.

وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.

والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب.

والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع.

ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام المشهورة عند العرب كما قال: لا عيب بالقوم من طول ومن عظم *** جسم الجمال وأحلام العصافير وكان سم الإبرة مثلاً في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة.

وقالوا للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله  دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة قطعاً فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: "لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار".

وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن.

واختار ابن عباس هذا التفسير قائلاً: إن الله  أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه.

وأهل التناسخ أوّلوا الآية بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لمّا عصت وأذنبت فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذٍ تصير مطهرة عن تلك الذنوب فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نجزي المجرمين ﴾ قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق بشرط عند التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة.

ثم لما بين أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ أي فراش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.

والتنوين في ﴿ غواش ﴾ مثله في "جوار" أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان الياء ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾ هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

وقوله ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن.

وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعداً لمن فاتته وسحقاً لمن فارقته.

ومن جعله خبراً فالعائد محذوف أي لا نكلف نفساً منهم.

ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل  ﴾ وللآية تفسيران: الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف.

عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.

الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوته بحسب الكمال والنقص، فالله  أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله  من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله  ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير.

ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ ونودوا أن تلكم ﴾ بأنه تلكم ﴿ الجنة ﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول.

وإنما قيل: ﴿ تلكم ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم.

ومعنى ﴿ أورثتموها ﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.

قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار.

وقيل: أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.

وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم" قالت المعتزلة قوله: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل.

وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله  كان دخول الجنة بفضله.

وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله  أعلم.

التأويل: ﴿ يا بني آدم أما يأتينكم رسل ﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته.

﴿ افترى على الله كذباً ﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿ أو كذب ﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿ حتى إذا جاءتهم ﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿ يتوفونهم ﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿ قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وشهدوا ﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله  .

ثم قال لأهل الخذلان ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وقدم الجن لأن الله  خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر.

﴿ كلما دخلت أمة ﴾ في أعمال أهل النار ﴿ لعنت أختها ﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿ حتى إذا ﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار.

﴿ عذاباً ﴾ ﴿ ضعفاً ﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿ لكل ضعف ﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿ لا تفتح لهم أبواب ﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ ولا يدخلون ﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿ لهم من جهنم ﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم.

﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : إنما هو حرف استفهام وسؤال لم يخرج له جواب، لكن أهل التأويل عرفوا ذلك، فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، أجابوا على ما عرفوا من السؤال؛ وإلا ليس قولهم: لا أحد أظلم، نفس قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ، أي: لا أحد أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً، مع علمه أنه خالقه، وأنه متقلب في نعمه، وأحاطت به أياديه وإحسانه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : أي لا [أحد] أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً.

وقوله: ﴿ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، قيل: الافتراء هو اختراع الكذب من نفسه من غير أن سبق له أحد في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ  ﴾ وأما [الكذب] فقد يكون مما أنشأ هو أو مما قد سبق له أحد فسمع منه ثم افتراه على الله فهو أنواع: يكون بما قالوا: [إن له ولداً، وقالوا: إن له شريكاً وصاحبة، وبما عبدوا غير الله وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ويكون ما قالوا] ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ، ويكون بما حرموا من أشياء على أنفسهم فأضافوا ذلك إلى الله، ونحو ذلك من الافتراء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

اختلف فيه: قال الحسن: [إنّ] من أطاع الله في أمره ونهيه، وأطاع رسله، فقد كتبت له الجنة خالداً فيها أبداً، فذلك نصيبه وحظه من الكتاب الذي كتب له، ومن عصى الله وخالف رسله، كتبت له النار [خالداً فيها أبداً] فهو نصيبه من الكتاب.

وقال أبو بكر الكيساني: [في] قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: حظهم من الخير والعقاب في الآخرة، وهو قول القتبي ويحتمل وجهين آخرين غير هذين: أحدهما: ما حرفوا من الكتب وغيروها، ثم أضافوا ذلك ونسبوه إلى الله؛ كقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فصار ما حرفوا هم وغيروه سنة فيهم يعملون بها إلى يوم القيامة، فينالون هم جزاء ذلك يوم القيامة.

والثاني: قوله: ﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم ﴾ مما كتب لهم من الرزق والنعمة، يستوفون ذلك المكتوب لهم، ثم يموتون.

ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ .

على هذا التأويل جاءتهم الرسل بقبض أرواحهم، وهو ظاهر.

وعلى تأويل من حمل ذلك على الجزاء في الآخرة: فهو يجعل المتوفَّى في النار؛ لشدة العذاب، وإن كانوا لا يموتون، وهو كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  ﴾ ، أي تأتيه أسباب الموت.

وعلى تأويل [من] يجعل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : في الدنيا في استيفاء الرزق وما كتب لهم؛ يكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ ﴾ على الإثبات وعلى تأويل من يقول بأن ذلك في الآخرة فيجيء أن يكون على الصلة والإسقاط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

تقول لهم الملائكة في النار على تأويل هؤلاء [و] على تأويل أولئك: عند قبض أرواحهم، أو بعد قبض أرواحهم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي تعبدون من دون الله، وتقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، أو الأكابر التي ذكر بقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ أين أولئك الذين كنتم تعبدون من دون الله؟!

﴿ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ .

وهلكوا، أي: بطل عبادتنا التي عبدناهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: هلكنا وبطلنا.

﴿ وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ .

فإن كان قوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : الكبراء منهم والرؤساء يكون قوله: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ ، أي: شغلوا بأمرهم عنا، وإن كان الأصنام يكون قوله: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ أي: بطل ما كنا نطمع من عبادتنا إياهم، وهو قولهم: ﴿ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ ﴾ .

قوله: ﴿ فِيۤ أُمَمٍ ﴾ يحتمل مع أمم، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: جاء فلان في جنده.

وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .

المتبوعين والأتباع جميعاً معاً والعرب تضع حروف الخفض بعضها في موضع بعض؛ كقوله: ﴿ فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي  ﴾ ، قيل: مع عبادي.

ويحتمل "في" موضعه كأن المتبوعين يدخلون النار قبل الأتباع [فقيل لهؤلاء الأتباع] ﴿ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .

وفيه دليل أن الكفار من الجن يعذبون كما يعذب الكفار من الإنس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ .

لعن الأتباع المتبوعين؛ لما هم دعوهم إلى ذلك، وهم صرفوهم عن دين الله؛ كقولهم: ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً...

 ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ...

 ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.

ولعن المتبوعون الأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع وبقدرهم؛ فيلعن بعضهم بعضاً.

وفيه دليل أن أهل الكفر وإن اختلفوا في مذاهبهم فهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، كالمؤمنين [بعضهم] إخوة وأخوات لبعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ .

قال بعضهم: هو من التدارك، أي: حتى إذا تداركوا وتتابعوا فيها.

وقيل: هو من الدرك؛ لأن النار دركات، لا يزال أهل النار يهوون فيها لا قرار لهم في ذلك؛ [و] في القرار بعض التسلي والراحة، فلا يزالون يهوون فيها دركاً فدركاً.

وقيل: ولذلك سميت هاوية.

وقيل: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ ، أي: اجتمعوا فيها؛ فعند ذلك يتلاوم بعضهم بعضاً، فإن كان على التدارك فهو كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ، وإن كان على الاجتماع فهو للتضييق؛ كقوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ  ﴾ الآية، ويجتمعون يلعن بعضهم بعضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أُخْرَاهُمْ ﴾ : الذين [كانوا] في آخر الزمان، ﴿ لأُولاَهُمْ ﴾ : الذين شرعوا لهم ذلك الدين.

﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ أُخْرَاهُمْ ﴾ الذين دخلوا النار أخيراً وهم الأتباع، ﴿ لأُولاَهُمْ ﴾ الذين دخلوا النار أولاً، وهم القادة والمتبوعون، ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: القادة والسادة، ﴿ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ  ﴾ ، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ : ليس على القول بعضهم لبعض، ولكن على الدعاء عليهم واللعن؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ .

قال بعضهم: لكل ضعف النار؛ لأنها لا تزال تزداد وتعظم وتكبر فذلك الضعف، وذلك للأتباع والمتبوعين جميعاً.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ ، أي: للمتبوعين والقادة ضعف، قال لهم مالك، أو خزنة [النار]، أو من كان: ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة بعد أن يقال لهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ .

في الدنيا أن لكم ضعفاً منها.

وقيل: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ : للحال بأن لكل ضعفاً من النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ ﴾ .

يحتمل ﴿ أُولاَهُمْ ﴾ ما ذكرنا: الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وسنّوا لهم ﴿ لأُخْرَاهُمْ ﴾ الذين كانوا في آخر الزمان.

ويحتمل ﴿ أُولاَهُمْ ﴾ : الذين دخلوا أولاً، ﴿ لأُخْرَاهُمْ ﴾ : هم الذين دخلوا النار أخيراً، وهم الأتباع.

﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: يحتمل ما كان لكم علينا من فضل في شيء؛ فقد ضللتم كما ضللنا، أي: لم يكن لنا عليكم فضل سلطان، ولا كان معنا حجج وآيات قهرناكم عليها، إنما دعوناكم إلى ذلك فاستجبتم لنا، وقد كان بعث إليكم الرسل مع حجج وآيات فلم تجيبوهم، وهو كخطبة إبليس حيث قال: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ...

 ﴾ الآية، فيقول هؤلاء القادة للأتباع مثل قول الشيطان لجملتهم.

وقيل: قوله ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ ، يعني: تخفيف العذاب.

أي: نحن وأنتم في العذاب سواء، لا فضل لكم علينا من تخفيف العذاب في شيء.

أحد التأويلين في قوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ يرجع إلى الآخرة والآخر إلى الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ .

من الشرك والتكذيب لآيات الله، وكذلك جزاء بما كانوا يكسبون ويعملون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا ﴾ .

هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قال بعضهم: يعني بأبواب السماء أبواب الجنان؛ لأن الجنان تكون في السماء؛ فسمى أبواب السماء لأن الجنان فيها.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، وما يوعد لنا هو الجنة، ثم أخبر أنها في السماء.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ \[كأنه قال: لا تفتح لهم أبواب الجنان ولا يدخلون الجنة\] - أيضاً.

وقال آخرون: أبواب السماء هي أبواب السماء؛ وذلك أن أعمال المؤمنين ترفع إلى السماء وتصعد إليها أرواحهم، وأعمال الكفرة وأرواحهم ترد إلى أسفل السافلين؛ كقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  ﴾ ، وقال في الكافر: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ  ﴾ فإذا كانت أعمال المؤمنين وأرواحهم ترفع إلى السماء وتصعد إليها، أخبر [أن الكافرين] لا تفتح لهم أبواب السماء ولا لأعمالهم، ولكن ترد إلى السجين.

وأمكن أن يكون على التمثيل ليس على تحقيق السماء؛ ولكن ذكر السماء لما أن السماء هي مكان الطيبات من الأشياء وقرارها، لا مكان الخبائث والأقذار، والأرض هي مكان ذلك، وأعمال الكفرة خبيثة؛ فكنى عن أعمالهم الخبيثة بالأرض [لما أن الأرض] هي معدن الخبائث والأنجاس.

وكنى عن أعمال المؤمنين الطيبة بالسماء، وهو كما ضرب مثل الإيمان: بالشجرة الطيبة الثابتة وفرعها في السماء، وضرب مثل الكفر: بالشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض، ليس على أن يكون قوله: ﴿ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ على تحقيق السماء، ولكن على الوصف بالطيب والقبول؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

لا يستقيم مثله على الابتداء إلا على نوازل تسبق، خرج ذلك جواباً لها؛ نحو قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ...

 ﴾ الآية.

أو أن ذكروا أعمال أنفسهم أنهم يعملون كذا؛ فقال: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

فإن قيل: [كيف] خوفهم بما ذكر من سدّ الأبواب عليهم، وجعل النار لهم مهاداً وغواشياً، وهم لا يؤمنون بذلك كله، فكيف خوفوا به؟

قيل: إن المرء إذا خوف بشيء فإنه يخاف ويهاب ذلك، وإن لم يتيقن بذلك، ولا تحقق عنده ما خوف به؛ حتى يستعدّ لذلك، ويتهيأ وإن كان على شك من ذلك وظن؛ فعلى ذلك هؤلاء خوفوا بالنار وأنواع العذاب، وإن كانوا شاكين في ذلك غير مصدّقين؛ لما يجوز أن يهابوا ذلك، أو أن يخوف بذلك المؤمنين؛ كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

أو أن يكون التخويف لمن آمن منهم بالبعث؛ [لأن] منهم من قد آمن بالبعث والجزاء والثواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ \[هذا على الإياس أنهم لا يدخلون أبداً الجنة كما لا يدخل ما ذكر في سمّ الخياط فإنه لا يدخل أبداً ثم قوله: حتى يلج الجمل في سم الخياط\].

قال بعضهم: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة.

وقال ابن عباس -  -: حتى يدخل الجمل الذي يشد به السفينة في خرق الإبرة.

وقال أبو عوسجة: يعني خرق الإبرة أو المسلة، والجمل: الحبل، والخياط: الإبرة أو المسلة.

وقال ابن عباس -  -: ليس بالجمل ذي القوائم [ولكنه الجمل] يعني: القلس.

وقال ابن مسعود: هو الجمل ذو القوائم الأربع، والله أعلم بما أراد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل مجرم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ ﴾ .

قيل: الفرش.

﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ .

هي اللحف أو الحواشي، ما يتغشاهم فيه النار تحيط بهم من تحت ومن فوق وأمام وخلف؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، أي: لا يتقي لما يحيط بهم العذاب، وهو كقوله -  -: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أن النار تحيط بهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا أحد أظلم من الذي يفتري على الله الكذب بنسبة الشريك إليه أو النقص أو القول عليه بما لم يقله، أو كذَّب بآياته الجلية الهادية إلى صراطه المستقيم، أولئك المتصفون بذلك ينالهم حظهم المكتوب لهم في اللوح المحفوظ من ملذات الدنيا، حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه من الملائكة لقبض أرواحهم قالوا لهم توبيخًا لهم: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟!

ادعوها لتنفعكم، قال المشركون للملائكة: لقد ذهبت عنا الآلهة التي كنا نعبد وغابت، فلا ندري أين هي، وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين، لكن إقرارهم في ذلك الحين حجة عليهم، ولن ينفعهم.

من فوائد الآيات المؤمن مأمور بتعظيم شعائر الله من خلال ستر العورة والتجمل في أثناء صلاته وخاصة عند التوجه للمسجد.

من فسر القرآن بغير علم أو أفتى بغير علم أو حكم بغير علم فقد قال على الله بغير علم وهذا من أعظم المحرمات.

في الآيات دليل على أن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع، وإذا لحقهم فمآلهم الأمن.

أظلم الناس من عطَّل مراد الله تعالى من جهتين: جهة إبطال ما يدل على مراده، وجهة إيهام الناس بأن الله أراد منهم ما لا يريده الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.XZGx3"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده