الآية ٣٩ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٣٩ من سورة الأعراف

وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وقالت أولاهم لأخراهم ) أي : قال المتبوعون للأتباع : ( فما كان لكم علينا من فضل ) قال السدي : فقد ضللتم كما ضللنا .

( فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ) وهذا الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم ، في قوله تعالى : ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) [ سبأ : 31 - 33 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وقالت أولى كل أمة وملة سبقت في الدنيا، لأخراها الذين جاؤوا من بعدهم، وحَدَثوا بعد زمانهم فيها, فسلكوا سبيلهم واستنوا سنتهم: (فما كان لكم علينا من فضل)، و قد علمتم ما حل بنا من عقوبة الله جل ثناؤه بمعصيتنا إياه وكفرنا بآياته, بعدما جاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل والنذر, (8) فهل أنَبْتم إلى طاعة الله, (9) وارتدعتم عن غوايتكم وضلالتكم؟

فانقضت حجة القوم وخُصِموا ولم يطيقوا جوابًا بأن يقولوا: " فضِّلنا عليكم إذ اعتبرنا بكم فآمنا بالله وصدقنا رسله ", (10) قال الله لجميعهم: فذوقوا جميعكم، أيها الكفرة، عذابَ جهنم, (11) بما كنتم في الدنيا تكسبون من الآثام والمعاصي, وتجترحون من الذنوب والإجرام.

(12) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14599- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت عمران, عن أبي مجلز: (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون)، قال: يقول: فما فَضْلكم علينا, وقد بُيِّن لكم ما صنع بنا، وحُذِّرتم؟

14600- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل)، فقد ضللتم كما ضللنا.

* * * وكان مجاهد يقول في هذا بما:- 14601- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد: (فما كان لكم علينا من فضل)، قال: من التخفيف من العذاب.

14602- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فما كان لكم علينا من فضل)، قال: من تخفيف.

* * * وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد، قولٌ لا معنى له لأن قول القائلين: " فما كان لكم علينا من فضل " لمن قالوا ذلك، إنما هو توبيخ منهم على ما سلف منهم قبل تلك الحال, يدل على ذلك دخول " كان " في الكلام.

ولو كان ذلك منهم توبيخًا لهم على قيلهم الذي قالوا لربهم: "آتهم عذابًا ضعفًا من النار ", لكان التوبيخ أن يقال: " فما لكم علينا من فضل، في تخفيف العذاب عنكم، وقد نالكم من العذاب ما قد نالنا "، ولم يقل: " فما كان لكم علينا من فضل ".

-------------- الهوامش : (8) في المطبوعة : (( وكفرنا به وجاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل )) ، وفي المخطوطة : (( وكفرنا به ما جاءتنا وجاءتكم )) ، وهو غير مستقيم ، صوابه إن شاء الله ما أثبت .

وهو سياق الآيات قبلها.

هكذا استظهرته من تفسير الآيات السالفة.

(9) في المطبوعة : (( هل انتهيتم )) ، وفي المخطوطة : (( هل أسم )) ، وهذا صواب قراءتها ، وزدت الفاء في أول (( هل )) ، لاقتضاء سياق الكلام إثباتها .

(10) في المطبوعة : (( إنا اعتبرنا بكم )) وفي المخطوطة : (( إذا اعتبرنا بكم )) ، والصواب ما أثبت .

(11) انظر تفسير : (( ذوقوا العذاب )) فيما سلف 11 : 420 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12) انظر تفسير (( كسب )) فيما سلف ص : 286 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا ، فليس تستحقون تخفيفا من العذاب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: الرؤساء، قالوا لأتباعهم: { فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ْ} أي: قد اشتركنا جميعا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب العذاب، فأي: فضل لكم علينا؟

{ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ْ} ولكنه من المعلوم أن عذاب الرؤساء وأئمة الضلال أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى: { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ْ} فهذه الآيات ونحوها، دلت على أن سائر أنواع المكذبين بآيات اللّه، مخلدون في العذاب، مشتركون فيه وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في مقداره، بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقالت أولاهم ) يعني القادة ( لأخراهم ) للأتباع ، ( فما كان لكم علينا من فضل ) لأنكم كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم في الكفر سواء وفي العذاب سواء ، ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالت أُولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل» لأنكم لم تكفروا بسببنا فنحن وأنتم سواء قال تعالى لهم «فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال المتبوعون من الرؤساء وغيرهم لأتباعهم: نحن وأنتم متساوون في الغيِّ والضلال، وفي فِعْلِ أسباب العذاب فلا فَضْلَ لكم علينا، قال الله تعالى لهم جميعًا: فذوقوا العذاب أي عذاب جهنم؛ بسبب ما كسبتم من المعاصي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أى : قال الزعماء لأتباعهم بعد أن سمعوا رد الله عليهم : إنا وإياكم متساوون فى استحقاق العذاب ، ولكنا فيه سواء ، لأنا لم نجبركم على الكفر ، ولكنكم أنتم الذين كفرتم باختياركم ، وضللتم بسبب جهلكم ، فذوقوا العذاب المضاعف مثلنا بسبب ما اكتسبتموه فى الدنيا من قبئاح ومنكرات :فقوله - تعالى - ( بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ) بيان لأسباب الحكم عليهم .وأنهم ما وردوا هذا المصير الأليم إلا بسبب ، ما اكتسبوه من آثام : واجترحوه من سيئات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية من بقية شرح أحوال الكفار وهو أنه تعالى يدخلهم النار.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ ادخلوا ﴾ ففيه قولان: الأول: إن الله تعالى يقول ذلك.

والثاني: قال مقاتل: هو من كلام خازن النار، وهذا الاختلاف بناء على أنه تعالى هل يتكلم مع الكفار أم لا؟

وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء.

أما قوله تعالى: ﴿ ادخلوا فِي أُمَمٍ ﴾ ففيه وجهان: الوجه الأول: التقدير: ادخلوا في النار مع أمم، وعلى هذا القول ففي الآية إضمار ومجاز أما الإضمار فلأنا أضمرنا فيها قولنا: في النار.

وأما المجاز، فلأنا حملنا كلمة في على مع لأنا قلنا معنى قوله: ﴿ فِى أُمَمٍ ﴾ أي مع أمم.

والوجه الثاني: أن لا يلتزم الإضمار ولا يلتزم المجاز، والتقدير: ادخلوا في أمم في النار، ومعنى الدخول في الأمم، الدخول فيما بينهم وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مّن الجن والإنس ﴾ أي تقدم زمانهم زمانكم، وهذا يشعر بأنه تعالى لا يدخل الكفار بأجمعهم في النار دفعة واحدة، بل يدخل الفوج بعد الفوج، فيكون فيهم سابق ومسبوق، ليصح هذا القول، ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقها وقوله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ والمقصود أن أهل النار يلعن بعضهم بعضاً فيتبرأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين  ﴾ والمراد بقوله: ﴿ أُخْتَهَا ﴾ أي في الدين، والمعنى: أن المشركين يلعنون المشركين، وكذلك اليهود، تلعن اليهود، والنصارى النصارى، وكذا القول في المجوس، والصابئة وسائر أديان الضلالة.

وقوله: ﴿ حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا ﴾ أي تداركوا، بمعنى تلاحقوا، واجتمعوا في النار، وأدرك بعضهم بعضاً، واستقر معه ﴿ قَالَتْ أولاهم لأُخْرَاهُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الأولى والأخرى قولان: الأول: قال مقاتل أخراهم يعني آخرهم دخولاً في النار، لأولاهم دخولاً فيها.

والثاني: أخراهم منزلة، وهم الأتباع والسفلة، لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء.

المسألة الثانية: اللام في قوله: ﴿ لاِخْرَاهُمْ ﴾ لام أجل، والمعنى: لأجلهم ولإضلالهم إياهم ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء أَضَلُّونَا ﴾ وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم، لأنهم ما خاطبوا أولاهم، وإنما خاطبوا الله تعالى بهذا الكلام.

أما قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا ﴾ فالمعنى: أن الأتباع يقولون إن المتقدمين أضلونا، واعلم أن هذا الإضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على وجهين: أحدهما: بالدعوة إلى الباطل، وتزيينه في أعينهم، والسعي في إخفاء الدلائل المبطلة لتلك الأباطيل.

والوجه الثاني: بأن يكون المتأخرون معظمين لأولئك المتقدمين، فيقلدونهم في تلك الأباطيل والأضاليل التي لفقوها ويتأسون بهم، فيصير ذلك تشبيهاً بإقدام أولئك المتقدمين على الإضلال.

ثم حكى الله تعالى عن هؤلاء المتأخرين أنهم يدعون على أولئك المتقدمين بمزيد العذاب وهو قوله: ﴿ فَئَاتِهِم عذاباً ضِعفاً من النار ﴾ وفي الضعف، قولان: القول الأول: قال أبو عبيدة الضعف هو مثل الشيء مرة واحدة.

وقال الشافعي رحمه الله: ما يقارب هذا، فقال في رجل أوصى فقال اعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي قال: يعطي مثله مرتين.

والقول الثاني: قال الأزهري: الضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين، وجائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه، أي مثلاه وثلاثة أمثاله، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، والدليل عليه: قوله تعالى: ﴿ فأولئك لَهُمْ جَزَاء الضعف بِمَا عَمِلُواْ  ﴾ ولم يرد به مثلاً ولا مثلين، بل أولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله، لقوله تعالى: ﴿ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ فثبت أن أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور إلى ما لا نهاية له.

وأما مسألة الشافعي رحمه الله: فاعلم أن التركة متعلقة بحقوق الورثة، إلا أنا لأجل الوصية صرفنا طائفة منها إلى الموصى له، والقدر المتيقن في الوصية هو المثل، والباقي مشكوك، فلا جرم أخذنا المتيقن وطرحنا المشكوك، فلهذا السبب حملنا الضعف في تلك المسألة على المثلين.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ بالياء على الكناية عن الغائب، والمعنى: ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر، فيحمل الكلام على كل، لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة، فحمل على اللفظ دون المعنى، وأما الباقون فقرؤوا بالتاء على الخطاب والمعنى: ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون، ما لكل فريق منكم من العذاب، ويجوز ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن كان المراد من قوله: ﴿ لِكُلّ ضِعْفٌ ﴾ أي حصل لكل أحد من العذاب ضعف ما يستحقه، فذلك غير جائز لأنه ظلم، وإن لم يكن المراد ذلك، فما معنى كونه ضعفاً؟

والجواب: أن عذاب الكفار يزيد، فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير نهاية فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدة لا إلى آخر، ثم بين تعالى أن أخراهم كما خاطبت أولاهم، فكذلك تجيب أولاهم أخراهم، فقال: ﴿ وَقَالَتْ أولاهم لاِخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ أي في ترك الكفر والضلال، وإنا متشاركون في استحقاق العذاب.

ولقائل أن يقول: هذا منهم كذب، لأنهم لكونهم رؤساء وسادة وقادة، قد دعوا إلى الكفر وبالغوا في الترغيب فيه، فكانوا ضالين ومضلين، وأما الأتباع والسفلة، فهم وإن كانوا ضالين، إلا أنهم ما كانوا مضلين، فبطل قولهم أنه لا فضل للأتباع على الرؤساء في ترك الضلال والكفر.

وجوابه: أن أقصى ما في الباب أن الكفار كذبوا في هذا القول يوم القيامة، وعندنا أن ذلك جائز، وقد قررناه في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

أما قوله: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ فهذا يحتمل أن يكون من كلام القادة، وإن يكون من قول الله تعالى لهم جميعاً.

واعلم أن المقصود من هذا الكلام التخويف والزجر، لأنه تعالى لما أخبر عن الرؤساء والأتباع أن بعضهم يتبرأ عن بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، كان ذلك سبباً لوقوع الخوف الشديد في القلب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَالَ ادخلوا ﴾ أي يقول الله تعالى يوم القيامة لأولئك الذين قال فيهم: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بآياته ﴾ وهم كفار العرب ﴿ فِى أُمَمٍ ﴾ في موضع الحال، أي كائنين في جملة أمم، وفي غمارهم مصاحبين لهم، أي ادخلوا في النار مع أمم ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وتقدّم زمانهم زمانكم ﴿ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ التي ضلت بالاقتداء بها ﴿ حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا ﴾ أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ ﴾ منزلة وهي الأتباع والسفلة ﴿ لأولاهم ﴾ منزلة وهي القادة والرؤس.

ومعنى لأولاهم: لأجل أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم ﴿ عَذَاباً ضِعْفاً ﴾ مضاعفاً ﴿ لِكُلّ ضِعْفٌ ﴾ لأنّ كلا من القادة والأتباع كانوا ضالين مضلين ﴿ ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ قرئ الياء والتاء ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة ﴿ لِكُلّ ضِعْفٌ ﴾ أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا، وأنا متساوون في استحقاق الضعف ﴿ فَذُوقُواْ العذاب ﴾ من قول القادة، أو من قول الله لهم جميعاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ ادْخُلُوا ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

﴿ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ كائِنِينَ في جُمْلَةِ أُمَمٍ مُصاحِبِينَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ عَنِ النَّوْعَيْنِ.

﴿ فِي النّارِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِادْخُلُوا.

﴿ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ ﴾ أيْ في النّارِ.

﴿ لَعَنَتْ أُخْتَها ﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها.

﴿ حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا ﴾ أيْ تَدارَكُوا وتَلاحَقُوا واجْتَمَعُوا في النّارِ.

﴿ قالَتْ أُخْراهُمْ ﴾ دُخُولًا أوْ مَنزِلَةً وهُمُ الأتْباعُ.

﴿ لأُولاهُمْ ﴾ أيْ لِأجْلِ أُولاهم إذِ الخِطابُ مَعَ اللَّهِ لا مَعَهم.

﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا ﴾ سَنُّوا لَنا الضَّلالَ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ ﴿ فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ ﴾ مُضاعَفًا لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا.

﴿ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ أمّا القادَةُ فَبِكُفْرِهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ، وأمّا الأتْباعُ فَبِكُفْرِهِمْ وتَقْلِيدِهِمْ.

﴿ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ما لَكَمَ أوْ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ بِالياءِ عَلى الِانْفِصالِ.

﴿ وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ عَطَفُوا كَلامَهم عَلى جَوابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى « لِأُخْراهم» ورَتَّبُوهُ عَلَيْهِ أيْ فَقَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا وإنّا وإيّاكم مُتَساوُونَ في الضَّلالِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ.

﴿ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ مِن قَوْلِ القادَةِ أوْ مِن قَوْلِ الفَرِيقَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)

{وَقَالَتْ أولاهم لأُِخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة لِكُلّ ضِعْفٌ أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا متساوون في استحقاق الضعف {فَذُوقُواْ العذاب بِمَا

كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} بكسبكم وكفركم وهو من قول القادة للسفلة ولا وقف على فَضَّلَ أو من قول الله لهم جيمعا والوقف على فضل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَتْ أُولاهم لأُخْراهُمْ ﴾ حِينَ سَمِعُوا جَوابَ اللَّهِ تَعالى لَهم واللّامُ هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْلِيغِ لِأنَّ خِطابَهم لَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ أيْ إنّا وإيّاكم مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ وسَبَبِهِ وهَذا مُرَتَّبٌ عَلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ إخْبارَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ سَبَبٌ لِعِلْمِهِمْ بِالمُساواةِ فالفاءُ جَوابِيَّةٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا وقِيلَ: إنَّها عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ تَعالى فَسَوّى بَيْنِنا وبَيْنَكم ﴿ فَما كانَ ﴾ ..

إلَخْ.

ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عَنَوْا بِالفَضْلِ تَخْفِيفَ العَذابِ ووَحْدَةَ السَّبَبِ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى ما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ في الرَّأْيِ والعَقْلِ وقَدْ بَلَغَكم ما نَزَلَ بِنا مِنَ العَذابِ فَلِمَ اتَّبَعْتُمُونا فَكَما تَرى وقِيلَ: المَعْنى ما كانَ لَكم عَلَيْنا في الدُّنْيا فَضْلٌ بِسَبَبِ اتِّباعِكم إيّانا بَلِ اتِّباعُكم وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ عِنْدَنا فاتِّباعُكم إيّانا كانَ بِاخْتِيارِكم دُونَ حَمْلِنا لَكم عَلَيْهِ وعَلَيْهِ فَلَيْسَ مُرَتَّبًا عَلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى وجَوابُهُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ المُضاعَفَ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ (39) أيْ بِسَبَبِ كَسْبِكُمُ أوِ الَّذِي تَكْسِبُونَهُ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ القادَةِ قالُوهُ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي وتَرَتُّبُهُ عَلى ما قَبْلَهُ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في مَعْنى الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والوَقْفُ عَلى ﴿ فَضْلٍ ﴾ وقِيلَ: هو مِن مَقُولِ الفَرِيقَيْنِ أيْ قالَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ لِلْأُخْرى ( ذُوقُوا ) ..

إلَخْ.

وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ وأصله إنْ ما ومعناه متى ما يأتيكم رُسُلٌ مِنْكُمْ أي: من جنسكم يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي أي يقرءون عليكم، ويعرضون عليكم كتابي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ أي: اتقى الشرك وأطاع الرسول وأصلح العمل، يعني: فمن اتقى عما نهى الله عنه وأصلح أي: عمل بما أمر الله تعالى به فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني: لا خوف عليهم من العذاب وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ من فوات الثواب.

ويقال: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من الدنيا ويقال معناه إمَّا يأتينَّكم رسل منكم وأيقنتم فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلكم، فذكر الله ثواب من اتقى وأصلح.

ثم بيّن عقوبة من لم يتق فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي تعظموا عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالرسل وتكبروا عن الإيمان أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي: دائمون.

قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ قال الكلبي: فمن أكفر.

وقال بعضهم: هذا التفسير خطأ لأنه لا يصح أن يقال هذا أكفر من هذا.

ولكن معناه: ومن أشد في كفره.

ويقال: فلا أحد أظلم.

ويقال: أي ظلم أشنع وأقبح مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: من اختلق على الله كذباً أي: شركا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ جحد بالقرآن أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ أي: حظهم من العذاب.

ويقال نَصِيبُهُمْ حظهم مما أوعدهم اللَّه في الكتاب الإهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة.

وقال ابن عباس: هو ما ذكر في موضع آخر وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ.

ويقال: نَصِيبُهُمْ أي ما قضي وقدر عليهم في اللوح المحفوظ من السعادة والشقاوة.

ويقال: نَصِيبُهُمْ رزقهم وأجلهم في الدنيا حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ يعني: أمهلهم حتى يأتيهم ملك الموت وأعوانه عند قبض أرواحهم.

ويقال: يقول لهم خزنة جهنم قبل دخولها قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ يعني: أن الملائكة يقولون ذلك عند قبض أرواحهم مِنْ دُونِ اللَّهِ يمنعونكم من النار قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي اشتغلوا عنا بأنفسهم وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ في الدنيا، وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم.

ثم قال: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: قالت لهم خزنة النار: ادخلوا النار مع أمم قد مضت على مذهبكم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ يعني: النار أُمَّةٌ جماعة لَعَنَتْ أُخْتَها أي: على الأمة التي دخلت قبلها في النار.

قال مقاتل: يعني لعنوا أهل ملتهم يلعن المشركون المشركين والنصارى النصارى.

وقال الكلبي: تدعو على الأمم التي قبلهم في النار يبدأ بالأمم الأولى فالأولى، ويبدأ أولاً بقابيل وولده.

ويقال: يبدأ بالأكابر فالأكابر مثل فرعون كما قال في آية أخرى ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا [مريم: 69] .

حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً يعني: اجتمعوا في النار وأصله تداركوا فيها يعني: اجتمع القادة والأتباع في النار وقرأ بعضهم حَتَّى إذَا أَدْرَكُوا فيه أي دخلوا في إدراكها، كما يقال أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء وهي قراءة شاذة قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ أي: قال أواخر الأمم لأولّهم.

ويقال: قالت الأتباع للقادة والرؤساء رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا عن الهدى فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ أي: أعظم زيادة من العذاب قالَ الله تعالى: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لاَّ تَعْلَمُونَ أي: على القادة زيادة من العذاب ولكن لا تعلمون ما عليهم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلكِنْ لاَّ يَعْلَمُونَ بالياء أي: لا يعلم فريق منهم عذاب فريق آخر وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ أي: أولهم دخولاً لآخرهم دخولاً.

ويقال: القادة للأتباع فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في شيء كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم سواء في الكفر ضللتم كما ضللنا.

قال الله تعالى: فَذُوقُوا الْعَذابَ ويقال: يقول الخزنة فذوقوا العذاب.

ويقال: هذا قول بعضهم لبعض فَذُوقُواْ العذاب بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي: تكفرون في الدنيا بترككم الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله سبحانه: وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي: قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم فَذُوقُوا الْعَذابَ باجْتَرَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة.

وقيل: قوله: فَذُوقُوا هو من كلام الله عز وجل لجميعهم.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الآية، هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم.

قرأ نافع «١» وغيره: «تُفَتَّح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو: «تُفْتَح» بالتاء أيضاً وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية: لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين.

قاله ابن عباس، وغيره.

ثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور «٢» المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن عباس وغيره «٣» «الجُمّل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة «٤» والسّمّ: الثقب من الإبرة وغيرها، وكَذلِكَ أي: وعلى هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِن الجِنِّ والإنْسِ في النارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِن النارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ حِكايَةُ ما يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ بِوَساطَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ؛ وعَبَّرَ عن "يَقُولُ"؛ بِـ "قالَ"؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ؛ وصِدْقِ القِصَّةِ؛ وهَذا كَثِيرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فِي أُمَمٍ"؛ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "اُدْخُلُوا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كائِنِينَ - أو: "ثابِتِينَ" - في أُمَمٍ..."؛ فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "اُدْخُلُوا"؛ وَقِيلَ: "فِي"؛ بِمَعْنى "مَعَ"؛ وقِيلَ: هي عَلى بابِها؛ وهو أصْوَبُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "قَدْ خَلَتْ"؛ ﴾ صِفَةٌ لِـ "أُمَمٍ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي النارِ"؛ ﴾ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ "اُدْخُلُوا"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "أُمَمٍ"؛ أيْ: في أُمَمٍ ثابِتَةٍ؛ أو مُسْتَقِرَّةٍ؛ ويَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالذِكْرِ الَّذِي في "خَلَتْ"؛ ومَعْنى ﴿ "قَدْ خَلَتْ"؛ ﴾ عَلى هَذا التَعَلُّقِ؛ أيْ: "قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ ومَضى عَلَيْها الزَمَنُ؛ وعَرَفَها فِيما تَطاوَلَ مِنَ الآبادِ"؛ وقَدْ تُسْتَعْمَلُ وإنْ لَمْ يَطُلِ الوَقْتُ؛ إذْ أصْلُها فِيمَن ماتَ مِنَ الناسِ؛ أيْ: "صارُوا إلى خَلاءٍ مِنَ الأرْضِ"؛ وعَلى التَعْلِيقَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿ "فِي النارِ"؛ ﴾ فَإنَّما "خَلَتْ"؛ حِكايَةٌ عن حالِ الدُنْيا؛ أيْ: "اُدْخُلُوا في النارِ؛ في جُمْلَةِ الأُمَمِ السالِفَةِ لَكم في الدُنْيا؛ الكافِرَةِ"؛ وقَدَّمَ ذِكْرَ "اَلْجِنِّ"؛ لِأنَّهم أعْرَقُ في الكُفْرِ؛ وإبْلِيسُ أصْلُ الضَلالِ؛ والإغْواءِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ كَفَرَةَ الجِنِّ في النارِ؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَظَرُ أنَّ مُؤْمِنِيهِمْ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم عُقَلاءُ؛ مُكَلَّفُونَ؛ مَبْعُوثٌ إلَيْهِمْ؛ آمَنُوا؛ وصَدَّقُوا؛ وقَدْ بَوَّبَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: "بابٌ في ذِكْرِ الجِنِّ وثَوابِهِمْ وعِقابِهِمْ"؛ وذَكَرَ عَبْدُ الجَلِيلِ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ يَكُونُونَ تُرابًا؛ كالبَهائِمِ؛ وذَكَرَ في ذَلِكَ حَدِيثًا مَجْهُولًا؛ وما أراهُ يَصِحُّ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

والأُخُوَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ أُخُوَّةُ المِلَّةِ والشَرِيعَةِ؛ قالَ السُدِّيُّ: يَتَلاعَنُ آخِرُها؛ وأوَّلُها؛ ﴿ "ادّارَكُوا"؛ ﴾ مَعْناهُ: تَلاحَقُوا؛ ووَزْنُهُ "تَفاعَلُوا"؛ أصْلُهُ: "تَدارَكُوا"؛ أُدْغِمَ؛ فَجُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "اِدّارَكُوا"؛ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ؛ ولا يَسُوغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا؛ فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ؛ وسُكُونِ الدالِ "اِدْرَكُوا"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وبِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الدالِ؛ بِمَعْنى: "أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا"؛ وقَرَأحُمَيْدٌ: "أُدْرِكُوا"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ أيْ: "أُدْخِلُوا في إدْراكِها"؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها "اِدَّرَكُوا"؛ بِشَدِّ الدالِ؛ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ قالَ: وأصْلُهُ: "إدْتَرَكُوا"؛ ووَزْنُها "اِفْتَعَلُوا"؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "تَدارَكُوا"؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَتّى إذا ادّارَكُوا"؛ [وَقُرِئَ] بِحَذْفِ ألِفِ "إذا"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "قالَتِ الأُمَّةُ الأخِيرَةُ؛ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً؛ وسُنَنًا كاذِبَةً مُسْتَعْمَلَةً لِلْأُولى الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ؛ وافْتَرَتْ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَلالِ ابْتِداءً: رَبَّنا هَؤُلاءِ طَرَقُوا طُرُقَ الضَلالِ وسَبَّبُوا ضَلالَنا؛ فَآتِهِمْ عَذابًا مُضاعَفًا - أيْ: ثانِيًا؛ زائِدًا عَلى عَذابِنا - إذْ هم كافِرُونَ؛ ومُسَبِّبُونَ لِكُفْرِنا"؛ وتَقُولُ: "ضاعَفْتُ كَذا"؛ إذا جَعَلْتَهُ مِثْلَ الأوَّلِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ "لأُولاهُمْ"؛ ﴾ كَأنَّها لامُ سَبَبٍ؛ إذِ القَوْلُ إنَّما هو لِلرَّبِّ تَعالى ؛ ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - مُخْبِرًا لَهُمْ: ﴿ "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛ ﴾ أيْ: "اَلْعَذابُ مُشَدَّدٌ عَلى الأوَّلِ والآخِرِ"؛ ﴿ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أيْ: اَلْمَقادِيرَ؛ وصُوَرَ التَضْعِيفِ؛ وهَذا رَدٌّ لِكَلامِ هَؤُلاءِ؛ إذْ لَيْسَ لَهم كَرامَةٌ فَيَظْهَرَ إسْعافُهم.

وأمّا المَعْنى الَّذِي دَعَوْا فِيهِ؛ فَظاهِرُ حَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ حاصِلٌ؛ وأنَّ كُلَّ مَن سَنَّ كُفْرًا؛ أو مَعْصِيَةً؛ فَعَلَيْهِ كِفْلٌ مِن جِهَةِ كُلِّ مَن عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْدَهُ؛ ومِنهُ حَدِيثُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ: « "ما مِن داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ إلّا كانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ ووِزْرُ مَنِ اتَّبَعَهُ؛ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوزارِهِمْ شَيْئًا..."؛» اَلْحَدِيثَ؛ ذَكَرَهُ اللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ؛ مِن آخِرِ الجُزْءِ الرابِعِ مِن حَدِيثِهِ؛ وذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ غَيْرَ مُسْنَدٍ؛ مُوصَلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "ما تُقْتَلُ نَسْمَةٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» أما إنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا في دُعائِهِمُ الضِعْفَ؛ وقَدْ يَكُونُ الكِفْلُ أقَلَّ؛ أو أكْثَرَ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِعْفَ؛ هَهُنا: اَلْأفاعِي والحَيّاتُ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ؛ غَيْرَ عاصِمٍ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ"؛ بِالتاءِ؛ ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ الأخِيرَةِ؛ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى - لَهُمْ: "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ"؛ ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ مِثْلَ قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وإخْبارٌ عَنِ الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُشَدَّدَ العَذابُ عَلى أُولاها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطائِفَتَيْنِ؛ حَمْلًا عَلى لَفْظَةِ "كُلٍّ"؛ أيْ: "لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ".

وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "وَقالَتِ الأُمَّةُ الأُولى المُبْتَدِعَةُ؛ لِلْأُمَّةِ الأخِيرَةِ المُتَّبِعَةِ: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا؛ ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ النُذُرُ؛ والرُسُلُ؛ بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكُمْ؛ وتَرَكْتُمُ النَظَرَ؛ واسْتَوَتْ حالُنا وحالُكُمْ؛ فَذُوقُوا العَذابَ بِاجْتِرامِكُمْ"؛ هَذا قَوْلُ السُدِّيِّ ؛ وأبِي مِجْلَزٍ؛ وغَيْرِهِما؛ فَقَوْلُهُ "فَذُوقُوا" - عَلى هَذا - مِن كَلامِ الأُمَّةِ المُتَقَدِّمَةِ لِلْأُمَّةِ المُتَأخِّرَةِ؛ وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ "فَذُوقُوا"؛ ﴾ هو مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِهِمْ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: ومَعْنى قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "مِن فَضْلٍ"؛ ﴾ أيْ مِنَ التَخْفِيفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْناهُ أنَّهُ لَمّا قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛ ﴾ قالَ الأوَّلُونَ لِلْآخِرِينَ: لَمْ تَبْلُغُوا أمَلًا في أنْ يَكُونَ عَذابُكم أخَفَّ مِن عَذابِنا؛ ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ؛ والنَصِّ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ باياته أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ على أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين قَالَ ادخلوا فى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الجن والإنس فِى النار ﴾ .

الفاء للتّفريع على جملة الكلام السّابق، وهذه كالفذلكة لما تقدّم لتُبيِّن أنّ صفات الضّلال، التي أُبهم أصحابُها، هي جافة بالمشركين المكذّبين برسالة محمّد عليه الصّلاة والسّلام فإنّ الله ذكر أولياء الشّياطين وبعض صفاتهم بقوله: ﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ﴾ [الأعراف: 27] وذكر أنّ الله عهد لبني آدم منذ القدم بأن يتّبعوا من يجيئهم من الرّسل عن الله تعالى بآياته ليتّقوا ويصلحوا، ووعدهم على اتباع ما جاءهم بيني الخوف والحزن وأوعدهم على التّكذيب والاستكبار بأن يكونوا أصحاب النّار، فقد أعذر إليهم وبصّرهم بالعواقب، فتفرّع على ذلك: أن من كَذَب على الله فزعم أنّ الله أمره بالفواحش، أوْ كَذب بآيات الله التي جاء بها رسوله، فقد ظلم نفسه ظُلماً عظيماً حتّى يُسْأل عمن هو أظلم منه.

ولك أن تجعل جملة: ﴿ فمن أظلم ممن افترى ﴾ [الأنعام: 144] إلخ معترضة بين جملة: ﴿ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 36] وجملة: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ كما سيأتي في موقع هذه الأخيرة، وقد تقدّم الكلام على تركيب: ﴿ من أظلم ممن ﴾ عند قوله تعالى: والافتراء والكذب تقدّم القول فيهما عند قوله تعالى: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة العقود (103).

ولهذه الآية اتّصال بآية: ﴿ وكم من قرية أهلكناها ﴾ [الأعراف: 4] من حيث ما فيها من التّهديد بوعيد عذاب الآخرة وتفظيع أهواله.

و (من) استفهام إنكاري مستعمل في تهويل ظلم هذا الفريق، المعبّر عنه بمَن افترى على الله كذباً.

و(مَنْ) الثّانية موصولة، وهي عامة لكلّ من تتحقّق فيه الصّلة، وإنّما كانوا أظلم النّاس ولم يكن أظلمُ منهم، لأنّ الظلم اعتداء على حقّ، وأعظم الحقوق هي حقوق الله تعالى، وأعظم الاعتداء على حقّ الله الاعتداءُ عليه بالاستخفاف بصاحبه العظيم، وذلك بأن يكذّب بما جاءه من قِبله، أو بأن يَكْذِب عليه قيبلِّغ عنه ما لم يأمر به فإنْ جَمَع بين الأمرين فقد عطّل مراد الله تعالى من جهتين: جهة إبطال ما يدلّ على مراده، وجهة إيهام النّاس بأنّ الله أراد منهم ما لا يريده الله.

والمراد بهذا الفريق: هم المشركون من العرب، فإنّهم كذّبوا بآيات الله التي جاء بها محمّد صلى الله عليه وسلم وافتروا على الله الكذب فيما زعموا أنّ الله أمرهم به من الفواحش، كما تقدّم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ﴾ [الأعراف: 28].

و (أو) ظاهرها التّقسيم فيكون الأظلمُ وهم المشركون فريقين: فريق افتروا على الله الكذب، وهم سادة أهل الشّرك وكبراؤهم، الذين شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ونسبوه إلى الله وهم يعلمون، مثل عَمْرو بن لُحَيّ، وأبي كَبْشة، ومن جاء بعدهما، وأكثر هذا الفريق قد انقرضوا في وقت نزول الآية، وفريق كذّبوا بآياتتٍ ولم يفتروا على الله وهم عامة المشركين، من أهل مكّة وما حولها، وعلى هذا فكلّ واحد من الفريقين لا أظلمَ منه، لأنّ الفريق الآخر مساوٍ له في الظلم وليس أظلَم منه، فأمَّا من جمع بين الأمرين ممّن لعلّهم أن يكونوا قد شرعوا للمشركين أموراً من الضّلالات، وكذّبوا محمّداً صلى الله عليه وسلم فهم أشدّ ظلماً، ولكنّهم لمّا كانوا لا يخلون عن الانتساب إلى كلا الفريقين وجامعين للخصلتين لم يخرجوا من كونهم من الفريق الذين هم أظلم النّاس، وهذا كقوله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما أنزل الله ﴾ [الأنعام: 93]، فلا شكّ أنّ الجامع بين الخصال الثّلاث هو أظلم من كلّ من انفرد بخصلة منها، وذلك يوجب له زيادة في الأظلميّة، لأنّ كلّ شدّة وصف قابلة للزّيادة.

ولك أن تجعل (أو) بمعنى الواو، فيكون الموصوف بأنّه أظلم النّاس هو من اتّصف بالأمرين الكذب والتّكذيب، ويكون صادقاً على المشركين لأنّ جماعتهم لا تخلو عن ذلك.

شيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ ليدلّ على أنّ المشار إليهم أحرياء بأن يصيبهم العذاب بناءً على ما دلّ عليه التّفريع بالفاء.

وجملة ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الاستفهام في قوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية، لأنّ التّهويل المستفاد من الاستفهام يسترعي السّامع أن يَسأل عمّا سيلاقُونه من الله الذي افتروا عليه وكذّبوا بآياته.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ عطف بيان لجملة: ﴿ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 36] أي خالدون الخلود الذي هو نصيبهم من الكتاب.

وتكملة هذه الجملة هي جملة: ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ الآية كما سيأتي.

ومادة النّيل والنّوال وردت واوية العين ويائية العين مختلطتين في دواوين اللّغة، غير مفصحةً عن توزيع مواقع استعمالها بين الواوي واليائيّ، ويظهر أن أكثر معاني المادتين مترادفة وأنّ ذلك نشأ من القلب في بعض التّصاريف أو من تداخل اللّغات، وتقول نُلْتُ بضمّ النّون من نال يُنول، وتقول نِلْت بكسر النّون من نال يَنِيل، وأصل النّيْل إصابة الإنسان شيئاً لنفسه بيَده، ونوّله أعطاهُ فنال، فالأصل أن تقول نَال فلان كسباً، وقد جاء هنا بعكس ذلك لأنّ النّصيب من الكتاب هو أمر معنوي، فمقتضى الظّاهر أن يكون النّصيب مَنُولا لا نَائلاً، لأنّ النّصيب لا يُحصِّل الذين افتروا على الله كذباً، بل بالعكس: الذين افتروا يحصلونه، وقد جاء ذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ [الحج: 37] وقوله ﴿ سينالهم غضب من ربهم ﴾ [الأعراف: 152]، فتعيّن أن يكون هذا إمّا مجازاً مرسلاً في معنى مطلق الإصابة، وإمّا أن يكون استعارة مبنيّة على عكس التّشبيه بأن شبّه النّصيب بشخص طالب طِلبة فنالها، وإنّما يصار إلى هذا للتّنبيه على أنّ الذي ينالهم شيءٌ يكرهونه، وهو يطلبهم وهم يفرّون منه، كما يطلب العدوّ عدوّه، فقد صار النّصيب من الكتاب كأنَّه يطلب أن يحصِّل الفريق الذين حقّ عليهم ويصادِفهم، وهو قريب من القلب المبني على عكس التّشبيه في قول رؤبة: وَمَهْمَهٍ مُغْبَرّةٍ أرجاؤُه *** كأنّ لَوْنَ أرْضِهِ سَمَاؤُه وقولهم: «عرضتُ النّاقة على الحوض».

والنّصيب الحظّ الصّائر لأحد المتقاسمين من الشّيء المقسوم، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ أولئك لهم نصيب مما كسبوا ﴾ في سورة البقرة (202)، وقوله: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ في سورة النساء (7).

والمراد بالكتاب ما تضمَّنه الكتاب، فإن كان الكتاب مستعملاً حقيقة فهو القرآن، ونصيبهم منه هو نصيبهم من وعيده، مثل قوله تعالى آنفاً: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 36]، وإن كان الكتاب مجازاً في الأمر الذي قضَاه الله وقدّره، على حدّ قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38] أي الكتاب الثّابت في عِلم الله من إحقاق كلمة العذاب عليهم، فنصيبهم منه هو ما أخبر الله بأنّه قدّره لهم من الخلود في العذاب، وأنّه لا يغفر لهم، ويَشْمل ذلك ما سبق تقديره لهم من الإمهال وذلك هو تأجيلهم إلى أجل أراده ثمّ استئصالهم بعده كما أخبر عن ذلك آنفاً بقوله: ﴿ ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ [الأعراف: 34].

وحمل كثير من المفسّرين النّصيب على ما ينالهم من الرّزق والإمهال في الدّنيا قبل نزول العذاب بهم وهو بعيد من معنى الفاء في قوله: ﴿ فمن أظلم ﴾ ولا أحسب الحادي لهم على ذلك إلاّ ليكون نوال النّصيب حاصلاً في مدّةٍ ممتدّة ليَكون مجيء الملائكة لتَوَفِّيهم غاية لانتهاء ذلك النّصيب، استبقاء لمعنى الغاية الحقيقيّة في (حتّى).

وذلك غير ملتزَم، فإنّ حتّى الابتدائيّة لا تفيد من الغاية ما تفيده العاطفة كما سنذكره.

والمعنى: إمّا أنّ كل واحد من المشركين سيصيبه ما توعدهم الله به من الوعيد على قدر عتوه في تكذيبه وإعراضه، فنصيبه هو ما يناسب حاله عند الله من مقدار عذابه، وإمّا أن مجموع المشركين سيصيبهم ما قُدر لأمثالهم من الأمم المكذّبين للرّسل المعرضين عن الآيات من عذاب الدّنيا، فلا يغرنّهم تأخير ذلك لأنّه مُصيبهم لا محالة عند حلول أجله، فنصيبهم هو صفة عذابهم من بين صفات العذاب التي عذّبت بها الأمم.

وجملة: ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا ﴾ تفصيل لمضمون جملة ﴿ ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ فالوقت الذي أفاده قوله: ﴿ إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ هو مبدأ وصف نصيبهم من الكتاب حين ينقطع عنهم الإمهال الذي لَقُوه في الدّنيا.

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائيّة لأنّ الواقع بعدها جملة فتفيد السّببيّة، فالمعنى: ف ﴿ إذا جاءتهم رسلنا ﴾ إلخ، و(حَتّى) الابتدائيه لها صدر الكلام فالغاية التي تدلّ عليها هي غاية مَا يُخبر به المخبر، وليست غايةَ ما يبلغ إليه المعطوف عليه بحتّى، لأنّ ذلك إنّما يُلتزم إذا كانت حتّى عاطفة، ولا تفيد إلاّ السّببيّة كما قال ابن الحاجب فهي لا تفيد أكثر من تسبّب ما قبلها فيما بعدها، قال الرضي؛ قال المصنف: وإنّما وجب مع الرّفع السّببيّة لأنّ الاتّصال اللّفظي لمَّا زال بسبب الاستئناف شُرِط السّببيّة التي هي موجبة للاتّصال المعنوي، جبراً لما فات من الاتّصال اللّفظي، قال عَمرو بن شَأس: نذود الملوك عنكُمُ وتذودُنا *** ولا صُلْحَ حتّى تَضبَعُونَ ونَضْبَعا وقد تقدّم بعض هذا عند قوله تعالى: ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة ﴾ في سورة الأنعام (31) و(حتّى) الابتدائيّة تدلّ على أنّ مضمون الكلام الّذي بعدها أهمّ بالاعتناء للإلقاء عند المتكلّم لأنّه أجدى في الغرض المسوق له الكلام، وهذا الكلام الواقع هنا بعد (حتّى) فيه تهويلُ ما يصيبهم عند قبض أرواحهم، وهو أدخل في تهديدهم وترويعهم وموعظتهم، من الوعيد المتعارف، وقد هدّد القرآن المشركين بشدائد الموْت عليهم في آيات كثيرة لأنهم كانوا يرهبونه.

والرّسُل هم الملائكة قال تعالى: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت ﴾ [السجدة: 11] وقال ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ﴾ [الأنفال: 50].

وجملة: ﴿ يتوفونهم ﴾ في موضع الحال من ﴿ رُسلنا ﴾ وهي حال معلِّلة لعاملها، كقوله: ﴿ ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ﴾ [الأعراف: 61، 62] أي رسول لأبلّغكم ولأنْصحَ لكم.

والتّوفي نزع الرّوح من الجسد، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ في سورة آل عمران (55) وهو المراد هنا، ولا جدوى في حمْلهِ على غير هذا المعنى، ممّا تردّد فيه المفسّرون، إلاّ أن المحافظة على معنى الغاية لحرف (حتى) فتوفي الرسل يجوز أن يكون المراد منه وقت أن يتوفوهم جميعاً، إن كان المراد بالنّصيب من الكتاب الاستئصال، أي حين تبعث طوائف الملائكة لإهلاك جميع أمّة الشّرك.

ويجوز أن يكون المراد حتى يتوفَّون آحادهم في أوقات متفرّقه إن كان المراد بالنّصيب من الكتاب وعيد العذاب، وعلى الوجهين فالقول محكي على وجه الجمععِ والمراد منه التّوزيع أي قال كلّ ملَك لمن وُكِّل بتوفّيهِ، على طريقة: رَكِبَ القومُ دَوَابَّهم.

وقد حكي كلام الرّسل معهم وجوابهم إياهم بصيغة الماضي على طريقة المحاورة، لأنّ وجود ظرف المستقبل قرينة على المراد.

والاستفهام في قوله: أين ما كنتم تدعون من دون الله} مستعمل في التّهكّم والتّأييس.

و (مَا) الواقعة بعد أين موصولة، يعني: أين آلهتكم التي كنتم تزعمون أنّهم ينفعونكم عند الشّدائد ويردّون عنكم العذاب فإنّهم لم يَحْضُروكم، وذلك حين يشهدون العذاب عند قبض أوراحهم، فقد جاء في حديث «الموطّأ»: أنّ الميّت يرى مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنّة فمِنْ أهل الجنّة وإن كان من أهل النّار يقال له هذا مقعدك حتّى يبعثك الله.

وهذا خطاب للأرواح التي بها الإدراك وهو قبل فتنة القبر.

وقولهم: ﴿ ضلّوا عنّا ﴾ أي أتلفوا مواقعنا وأضاعونا فلم يحضروا، وهذا يقتضي أنّهم لَمَّا يعلمُوا أنّهم لا يُغنون عنهم شيئاً من النّفع، فظنّوا أنّهم أذهبهم ما أذهبهم وأبعدهم عنهم ما أبعدهم، ولم يعلموا سببه، لأنّ ذلك إنّما يتبيّن لهم يوم الحشر حين يرون إهانة أصنامهم وتعذيب كبرائهم، ولذلك لم ينكروا في جوابهم أنّهم كانوا يدعونهم من دون الله بخلاف ما حُكي عنهم في يوم الحشر من قولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [الأنعام: 23] ولذلك قال هنا: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ ، وقال في الآخرى: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ [الأنعام: 24].

والشّهادة هنا شهادة ضِمنية لأنّهم لما لم ينفُوا أن يكونوا يدْعُون من دون الله وأجابوا بأنّهم ضلّوا عنهم قد اعترفوا بأنّهم عبدوهم.

فأمّا قوله: ﴿ قال ادخلوا في أمم ﴾ فهذا قول آخر، ليس هو من المحاورة السّابقة، لأنّه جاء بصيغة الإفراد، والأقوالُ قبله مسندة إلى ضمائر الجمع، فتعيّن أنّ ضمير (قال) عائد إلى الله تعالى بقرينة المقام، لأنّ مثل هذا القول لا يصدر من أحد غير الله تعالى، فهو استيناف كلام نشأ بمناسبة حكاية حال المشركين حينَ أوّل قدومهم على الحياة الآخرة، وهي حالة وفاة الواحد منهم فيَكون خطاباً صدر من الله إليهم بواسطة أحد ملائكته، أو بكلام سمعوه وعلموا أنّه من قِبَل الله تعالى بحيث يوقنون منه أنّهم داخلون إلى النار، فيكون هذا من أشدّ ما يرون فيه مقعدهم من النّار عقوبة خاصّة بهم.

والأمر مستعمل للوعيد فيتأخّر تنجيزه إلى يوم القيامة.

ويجوز أن يكون المحكي به ما يصدر من الله تعالى يوم القيامة من حكم عليهم بدخول النّار مع الأمم السّابقة، فذُكر عقب حكاية حال قبض أرواحهم إكمالاً لذكر حال مصيرهم، وتخلّصاً إلى وصف ما ينتظرهم من العذاب ولذكر أحوال غيرهم.

وأيَّاً مّا كان فالإتيان بفعل القول، بصيغه الماضي: للتنبيه على تحقيق وقوعه على خلاف مقتضى الظاهر.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ قال ادخلوا في أمم ﴾ في موضع عطف البيان لجملة ﴿ ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ أي: قال الله فيما كتبه لهم ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم ﴾ [الأعراف: 34] أي أمثالكم، والتّعبير بفعل المضي جرَى على مقتضى الظّاهر.

والأمم جمع الأمّة بالمعنى الذي تقدّم في قوله: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ .

و (في) من قوله: ﴿ في أمم ﴾ للظّرفية المجازيّة، وهي كونهم في حالة واحدة وحكممٍ واحد، سواء دخلوا النّار في وسطهم أم دخلوا قبلهم أو بَعدهم، وهي بمعنى (مع) في تفسير المعنى، ونقل عن صاحب «الكشاف» أنه نظَّر (في) التي في هذه الآية بفي التي في قول عروة بن أذينة: إنْ تَكُنْ عن حسن الصّنيعة مأفُو *** كاً ففي آخرينَ قد أُفِكُوا ومعنى: ﴿ قد خلت ﴾ قد مضت وانقرضت قبلكم، كما في قوله تعالى: ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ في سورة البقرة (134)، يعني: أنّ حالهم كحال الأمم المكذّبين قبلَهم، وهذا تذكير لهم بما حاق بأولئك الأمم من عذاب الدّنيا كقوله: ﴿ وتبين لكم كيف فعلنا بهم ﴾ [إبراهيم: 45] وتعريض بالوعيد بأن يحل بهم مثل ذلك، وتصريح بأنّهم في عذاب النّار سواء.

جملة: ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، لوصف أحوالهم في النّار، وتفظيعها للسّامع، ليتّعظ أمثالهم ويستبشر المؤمنين بالسّلامة ممّا أصابهم فتكون جملة ﴿ حتى إذا اداركوا ﴾ داخلة في حيز الاستيناف.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ كلما دخلت أمة ﴾ معترضة بين جملة: ﴿ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وبين جملة: ﴿ حتى إذا أداركوا فيها ﴾ إلخ.

على أن تكون جملة ﴿ حتى إذا اداركوا ﴾ مرتبطة بجملة ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ بتقدير محذوف تقديره: فيدخلون حتّى إذا اداركوا.

و (ما) في قوله: ﴿ كلّما ﴾ ظرفية مصدريّة، أي كلّ وقت دخول أمّة لعنت أختها.

والتّقدير: لعنت كلّ أمّة منهم أختها في كلّ أوقات دخول الأمّة منهم، فتفيد عموم الأزمنة.

و ﴿ أمّة ﴾ نكرة وقعت في حيز عموم الأزمنة، فتفيد العموم، أي كلّ أمة دخلت، وكذلك: ﴿ أختَها ﴾ نكرة لأنّه مضاف إلى ضمير نكرة فلا يتعرّف فتفيد العموم أيضاً، أي كل أمة تدخل تلعن كل أخت لها، والمراد بأختها المماثِلة لها في الدّين الذي أوجب لها الدّخول في النّار، كما يقال: هذه الأمّة أخت تلك الأمّة إذا اشتركتا في النّسب، فيقال: بَكْر وأختها تغلب، ومنه قول أبي الطبيّب: وكطَسْم وأُخْتِها في البعاد *** يريد: كَطَسم وجَدِيس.

والمقام يعيّن جهة الأخوّة، وسبَبُ اللّعن أنّ كل أمّة إنّما تدخل النّار بعد مناقشة الحساب، والأمر بإدخالهم النّار، وإنّما يقع ذلك بعد أن يتبيّن لهم أنّ ما كانوا عليه من الدّين هو ضلال وباطل، وبذلك تقع في نفوسهم كراهية ما كانوا عليه، لأنّ النّفوس تكره الضّلال والباطل بعد تبيُّنه، ولأنّهم رأوا أن عاقبة ذلك كانت مجلبة العقاب لهم فيزدادون بذلك كراهيّة لدينهم، فإذا دخلوا النّار فرأوا الأمم التي أدخلت النّار قبلهم علموا، بوجه من وجوه العلم، أنّهم أُدخلوا النّار بذلك السّبب فلعنوهم لكراهيّة دينهم ومن اتّبعوه.

وقيل: المراد بأختها أسلافها الذين أضلّوها.

وأفادت ﴿ كلّما ﴾ لما فيها من معنى التّوقيت: أنّ ذلك اللّعن يقع عند دخول الأمّة النّار، فيتعيّن إذن أن يكون التّقدير: لعنت أختها السّابقة إياها في الدّخول في النّار، فالأمّة التي تدخل النّار أوّل مرّة قبل غيرها من الأمم لا تَلْعن أختها، ويعلم أنّها تلعن من يدخل بعدَها الثّانيةَ، ومن بعدها بطريق الأوْلى، أو ترُدّ اللّعن على كلّ أخت لاعنة.

والمعنى: كلّما دخلت أمّة منهم بقرينة قوله: ﴿ لعنت أختها ﴾ .

و (حتّى) في قوله: ﴿ حتى إذا اداركوا ﴾ ابتدائيّة، فهي جملة مستأنفة وقد تقدّم في الآية قبل هذه أن (حتّى) الابتدائيّة تفيد معنى التّسبّب، أي تسبّب مضمون ما قبلها في مضمون ما بعدها، فيجوز أن تكون مترتِبَة في المعنى على مضمون قوله: ﴿ قال أدخلوا في أمم قد خلت ﴾ إلخ، ويجوز أن تكون مترتّبة على مضمون قوله: ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ .

و ﴿ اداركوا ﴾ أصله تَداركوا فقلبت التّاء دَالا ليتأتى إدغامها في الدّال للتّخفيف، وسُكنت ليتحقّق معنى الإدغام المتحركين، لثقل واجتلبت همزة الوصل لأجل الابتداء بالسّاكن، وهذا قلْب ليس بمتعيّن، وإنّما هو مستحسن، وليس هو مثل قلب التّاء في ادّان وازْداد وادّكر: ومعناه: أدرك بعضهم بعضاً، فصيغ من الإدراك وزن التّفاعل، والمعنى: تلاحقوا واجتمعوا في النّار.

وقوله: ﴿ جميعاً ﴾ حال من ضمير ﴿ اداركوا ﴾ لتحقيق استيعاب الاجتماع، أي حتى إذا اجتمعت أمم الضّلال كلّها.

والمراد: ب ﴿ أخراهم ﴾ : الآخِرة في الرّتبة، وهم الأتباع والرّعيّة من كلّ أمّة من تلك الأمم، لأنّ كلّ أمّة في عصر لا تخلو من قادة ورَعاع، والمراد بالأولى: الأولى في المرتبة والاعتبار، وهم القادة والمتبوعون من كلّ أمّة أيضاً، فالأخرى والأولى هنا صفتان جرتا على موصوفَين محذوفين، أي أخرى الطّوائف لأولاهم، وقيل: أريد بالأخرى المتأخّرة في الزّمان، وبالأولى أسلافهم، لأنّهم يقولون: ﴿ إنّا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ [الزخرف: 23].

وهذا لا يلائم ما يأتي بعده.

واللاّم في: ﴿ لأولاَهم ﴾ لام العلّة، وليست اللاّم التي يتعدّى بها فعل القَول، لأنّ قول الطائفة الأخيرة موجَّه إلى الله تعالى، بصريح قولهم: ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا ﴾ إلخ، لا إلى الطّائفة الأولى، فهي كاللاّم في قوله تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ [الأحقاف: 11].

والضعف بكسر الضّاد المِثْل لمقدار الشّيء، وهو من الألفاظ الدّالة على معنى نسبي يقتضي وجودَ معنى آخر، كالزّوج والنِّصف، ويختص بالمقدار والعدد، هذا قول أبي عبيدة والزّجاج وأيمّة اللّغة، وقد يستعمل فعله في مطلق التّكثير وذلك إذا أسند إلى ما لا يدخل تحت المقدار، مثل العذاب في قوله تعالى: ﴿ يُضَاعَفْ له العذاب يوم القيامة ﴾ [الفرقان: 69] وقوله ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ [الأحزاب: 30] أراد الكثرة القويّة فقولهم هنا ﴿ فآتهم عذاباً ضعفا ﴾ أي أعطهم عذاباً هو ضِعف عذاببٍ آخر، فعُلم أنّه، آتاهم عذاباً، وهم سألوا زيادة قوّة فيه تبلغ ما يعادل قوّته، ولذلك لما وصف بضعف علم أنّه مِثْلٌ لعذاببٍ حصل قبله إذ لا تقول: أكرمت فلان ضِعفاً، إلاّ إذا كان إكرامك في مقابلة إكراممٍ آخر، فأنت تزيده، فهم سألوا لهم مضاعفة العذاب لأنّهم علموا أنّ الضّلال سبب العذاب، فعلموا أنّ الذين شرعوا الضّلال هم أولى بعقوبة أشدّ من عقوبة الذين تقلّدوه واتبعوهم، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ﴾ [سبأ: 31].

وفعل: ﴿ قال ﴾ حكاية لجواب الله إياهم عن سُؤالهم مضاعفةَ العذاب لقادتهم، فلذلك فصل ولم يعطف جريا على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات، والتّنوينُ في قوله: ﴿ لكلّ ﴾ عوض عن المضاف إليه المحذوف، والتّقدير: لكلّ أمّة، أو لكلّ طائفة ضعف، أي زيادة عذاب مثل العذاب الذي هي معذّبه أولَ الأمر، فأمّا مضاعفة العذاب للقادة فلأنّهم سنّوا الضّلال أو أيّدوه ونصروه وذبّوا عنه بالتّمويه والمغالطات فأضلوا، وأمّا مضاعفته للأتباع فلأنَهم ضلّوا بإضلال قادتهم، ولأنّهم بطاعتهم العمياء لقادتهم، وشكرهم إياهم على ما يرسمون لهم، وإعطائِهم إياهم الأموال والرّشى، يزيدونهم طغياناً وجراءة على الإضلال ويغرّونهم بالازدياد منه.

والاستدراك في قوله: ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ لرفع ما تُوهِمه التّسوية بين القادة والأتباع في مضاعفة العذاب: أنّ التّغليظ على الأتباع بلا موجب، لأنّهم لولا القادة لما ضلّوا، والمعنى: أنّكم لا تعلمون الحقائق ولا تشعرون بخفايا المعاني، فلذلك ظننتم أنّ موجب مضاعفة العذاب لهم دونكم هو أنّهم علّموكم الضّلال، ولو علمتم حقّ العلم لاطّلعتم على ما كان لطاعتكم إياهم من الأثر في إغرائهم بالازدياد من الإضلال.

ومفعول ﴿ تعلمون ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ لكللٍ ضِعف ﴾ ، والتّقدير: لا تعلمون سبب تضعيف العذاب لكلّ من الطّائفتين، يعني لا تعلمون سبب تضعيفه لكم لظهور أنّهم علموا سبب تضعيفه للذين أضلّوهم.

وقرأ الجمهور: ﴿ لا تَعلمون ﴾ بتاء الخطاب على أنّه من تمام ما خاطب الله به الأمّة الأخرى، وقرأه أبو بكر عن عاصم بياء الغيبة فيكون بمنزلة التّذييل خطاباً لسامعي القرآن، أي قال الله لهم ذلك وهم لا يَعلمون أنّ لكلّ ضعفاً فلذلك سألوا التّغليظ على القادة فأجيبوا بأنّ التّغليظ قد سُلّط على الفريقين.

وعُطفتْ جملة: ﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ على جملة: ﴿ قالت آخراهم لأولاهم ﴾ لأنّهم لم يَدخلوا في المحاورة ابتداء فلذلك لم تفصل الجملة.

والفاء في قولهم: ﴿ فما كان لكم علينا من فضل ﴾ فاء فصيحة، مرتبة على قول الله تعالى ﴿ لكل ضعف ﴾ حيث سوّى بين الطّائفتين في مضاعفة العذاب.

و(مَا) نافية.

و(مِنْ) زائدة لتأكيد نفي الفضل، لأنّ إخبار الله تعالى بقوله: ﴿ لكل ضعف ﴾ لا وقوله: ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يجوز أن يكون من كلام أولاهم: عَطَفوا قولهم: ﴿ ذوقوا العذاب ﴾ على قولهم: ﴿ فما كان لكم علينا من فضل ﴾ بفاء العطف الدّالة على التّرتب.

فالتشفي منهم فيما نالهم من عذاب الضّعف ترتَّب على تحقّق انتفاء الفضل بينهم في تضعيف العذاب الذي أفصح عنه إخبار الله بأنّ لهم عذاباً ضعفاً.

وصيغة الأمر في قولهم: ﴿ فذوقوا ﴾ مستعملة في الإهانة والتشفّي.

والذّوق استُعمل مجازاً مرسلاً في الإحساس بحاسّة اللّمس، وقد تقدّم نظائره غير مرّة.

والباء سببيّة، أي بسبب ما كنتم تكسبون ممّا أوجب لكم مضاعفة العذاب، وعبّر بالكسب دون الكفر لأنّه أشمل لأحوالهم، لأنّ إضلالهم لأعقابهم كان بالكفر وبحبّ الفخر والاغرَاب بما علّموهم وَمَا سَنْوا لهم، فشمل ذلك كلَّه أنّه كسب.

يجوز أن يكون قوله: ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ من كلام الله تعالى، مخاطباً به كلا الفريقين، فيكون عطفاً على قوله: ﴿ لكل ضعف ولكن لا تعلمون ﴾ ويكون قوله: ﴿ وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ﴾ جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، وعلى اعتباره يكون الأمر في قوله: ﴿ فذوقوا ﴾ للتكوين والإهانة.

وفيما قصّ الله من محاورة قادة الأمم وأتباعهم ما فيه موعظة وتحذير لقادة المسلمين من الإيقاع بأتباعهم فيما يَزِجّ بهم في الضّلالة، ويحسِّن لهم هواهم، وموعظة لعامتهم من الاسترسال في تأييد من يشايع هواهم، ولا يبلغهم النّصيحة، وفي الحديث: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا ﴾ يَعْنِي في النّارِ أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى اسْتُكْمِلُوا فِيها.

﴿ قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ ﴾ يَعْنِي الأتْباعَ لِلْقادَةِ لِأنَّهم بِالِاتِّباعِ لَهم مُتَأخِّرُونَ عَنْهم، وكَذَلِكَ في دُخُولِ النّارِ تَقَدَّمَ القادَةُ عَلى الأتْباعِ.

﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ ﴾ يُرِيدُ بِأحَدِ الضِّعْفَيْنِ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ، وبِالآخَرِ عَذابَهم عَلى الإغْواءِ.

وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ مِنَ الأتْباعِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَخْفِيفُ العَذابِ عَنْهم.

والثّانِي: الِانْتِقامُ مِنَ القادَةِ بِمُضاعَفَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.

فَأجابَهُمُ اللَّهُ قالَ: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ وإنْ كانَ لِلْقادَةِ ضِعْفُ العَذابِ، لِأنَّ أحَدَهُما بِالكَفْرِ، والآخَرُ بِالإغْواءِ، فَلَكم أيُّها الأتْباعُ ضِعْفُ العَذابِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وإنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ زِيادَةُ مِثْلِهِ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثانٍ: قالَهُ مُجاهِدٌ: أنَّ الضِّعْفَ مِن أسْماءِ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ قد خلت ﴾ قال: قد مضت ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ قال: كلما دخلت أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى ﴿ حتى إذا ادَّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم ﴾ الذين كانوا في آخر الزمان ﴿ لأولاهم ﴾ الذين شرعوا لهم ذلك الدين ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا...

قال لكل ضعف ﴾ للأولى والآخرة ﴿ وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ﴾ وقد ضللتم كما ضللنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ عذاباً ضعفاً ﴾ قال: مضاعفاً ﴿ قال لكل ضعف ﴾ قال: مضاعف وفي قوله: ﴿ فما كان لكم علينا من فضل ﴾ قال: تخفيف من العذاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مجلز في قوله: ﴿ وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ﴾ يقول: بيَّن لكم ما صنع بنا من العذاب حين عصينا، وحذرتم فما فضلكم علينا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: قال الحسن: الجن لا يموتون.

فقلت له: ألم يقل الله ﴿ في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإِنس ﴾ وإنما يكون ما خلا ما قد ذهب.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ذكر في الأنعام ﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب ﴾ أي يصل إليهم ما كتب لهم من الأرزاق وغيرها ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ أي غابوا ﴿ ادخلوا في أُمَمٍ ﴾ أي ادخلوا النار في جملة أمم أو مع أمم ﴿ اداركوا ﴾ تلاحقوا واجتمعوا ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ المراد بأولاهم الرؤساء والقادة، وأخراهم الأتباع والسفلة، والمعنى: أن أخراهم طالبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم لأنهم أضلوهم، وليس المعنى أنهم قالوا لهم ذلك خطاباً لهم، إنما هو كقولك قال فلان لفلان كذا: أي قاله عنه وإن لم يخاطبه به ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ أي لم يكن لكم علينا فضل في الإيمان والتقوى، يوجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم بل: نحن وأنتم سواء ﴿ فَذُوقُواْ العذاب ﴾ من قول أولاهم لأخراهم أو من قول الله تعالى لجميعهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى إذا ادّاركوا ﴾ كان يعقوب: إذا وقف على "إذا" يبتدىء ﴿ تداركوا ﴾ بالتاء.

سهل: مخير، وكذلك قوله  : ﴿ قلتم ﴾ ﴿ وقالوا إنا طيرنا ﴾ وافق الكسائي في ﴿ تثاقلتم ﴾ ﴿ أخراهم لأولاهم ﴾ بالإمالة الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف.

وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد ﴿ أولاهم ﴾ بالإمالة اللطيفة ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة ﴿ فآتهم ﴾ بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة.

إلا قوله: ﴿ ومن يولهم  ﴾ ﴿ لا يعلمون ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد ﴿ لا تفتح لهم ﴾ بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف.

الباقون بتاء التأنيث والتشديد.

﴿ غواشي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ ما كنا ﴾ بغير واو العطف: ابن عامر.

الآخرون بالواو.

﴿ أورثتموها ﴾ وبابه بإدغام الثاء: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.

الوقوف: ﴿ آياتي ﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ ولاهم يحزنون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ من الكتاب ﴾ ط ﴿ يتوفونهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ط ﴿ أختها ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ لا لما قلنا.

﴿ من النار ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ الخياط ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ غواش ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ وسعها ﴾ ط وجعل ﴿ أولئك ﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ معترضة ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط للعطف مع العارض.

﴿ اهدنا الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ بالحق ﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بيّن أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بيّن أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم ﴾ وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة ﴿ فإما يأتينكم مني هدى  ﴾ والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم.

وإنما قال: ﴿ رسل منكم ﴾ لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والآنس.

ومعنى أياتي أحكامي وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد.

ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ﴾ والأول الحكم بوجود ما لم يوجد كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة.

والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو كتاب.

ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قيل: أي العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين.

وقال الزجاج: أي أنواع البلايا المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب.

وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد.

وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار كأنه  بيّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله  لكي يصلحوا ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ وذلك أن "حتى" هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه ههنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك النصيب يكون مقدماً على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق.

ومحل ﴿ يتوفونهم ﴾ نصب على الحال من الرسل.

قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ.

وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون عدّتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدّتهم حتى لا ينفلت منهم أحد.

قال في الكشاف: "ما" وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أي الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد ﴿ قالوا ﴾ على سبيل الاعتراف والعود إلى الإنصاف ﴿ ضلوا عنا ﴾ أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم ﴿ وشهدوا على أنفسهم ﴾ بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: ﴿ قال ﴾ أي الله.

وعن مقاتل هو من كلام خازن النار.

وهذا مبني على أنه  لا يجوز أن يكلم الكفار وإن كان كلام سخط ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ قيل: أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز.

والمعنى ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار.

وفيه دليل على أن أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ في الدين والعقيدة.

فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى ﴿ حتى إذا ادّاركوا فيها ﴾ أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضاً واستقر معه ﴿ قالت أخراهم ﴾ أي آخرتهم دخولاً في النار ﴿ لأولاهم ﴾ دخولاً فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدماً على الضال في دخول النار.

واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع الله لا معهم ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ﴾ الفاء للجزاء ﴿ عذاباً ضعفاً ﴾ أي مضاعفاً وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل.

قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه مرتين.

وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين بدليل قوله عز من قائل: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا  ﴾ وأقل ذلك عشرة لقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك متقن وما فوقه مشكوك ﴿ قال ﴾ أي الله أو خازن النار ﴿ لكل ﴾ من القادة والأتباع ﴿ ضعف ﴾ أما للقادة فلما قلنا، وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروّجوا أمرهم.

سئل ههنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير النهاية.

قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا يصلح للجواب.

والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية والله أعلم ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك.

﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ إذ قد حكم الله بأن لكل منا ضعفاً ﴿ فما كان ﴾ أي فما ثبت ﴿ لكم علينا من فضل ﴾ لأنكم مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله  فيهم.

قال في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذباً لأنهم بنو كلامهم على حكم الله  بأن لكل ضعفاً.

ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وهي الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد ﴿ واستكبروا عنها ﴾ أي ترفعوا عن قبولها ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال ابن عباس: أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله  من قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ومن قوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها كما جاء في الحديث "إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة.

ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء" وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرّق لهم إليها حتى يدخلوا الجنة.

وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله  : ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر  ﴾ ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ الولوج الدخول.

وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.

والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب.

والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع.

ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام المشهورة عند العرب كما قال: لا عيب بالقوم من طول ومن عظم *** جسم الجمال وأحلام العصافير وكان سم الإبرة مثلاً في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة.

وقالوا للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله  دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة قطعاً فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: "لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار".

وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن.

واختار ابن عباس هذا التفسير قائلاً: إن الله  أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه.

وأهل التناسخ أوّلوا الآية بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لمّا عصت وأذنبت فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذٍ تصير مطهرة عن تلك الذنوب فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نجزي المجرمين ﴾ قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق بشرط عند التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة.

ثم لما بين أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ أي فراش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.

والتنوين في ﴿ غواش ﴾ مثله في "جوار" أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان الياء ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾ هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

وقوله ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن.

وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعداً لمن فاتته وسحقاً لمن فارقته.

ومن جعله خبراً فالعائد محذوف أي لا نكلف نفساً منهم.

ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل  ﴾ وللآية تفسيران: الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف.

عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.

الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوته بحسب الكمال والنقص، فالله  أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله  من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله  ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير.

ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ ونودوا أن تلكم ﴾ بأنه تلكم ﴿ الجنة ﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول.

وإنما قيل: ﴿ تلكم ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم.

ومعنى ﴿ أورثتموها ﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.

قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار.

وقيل: أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.

وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم" قالت المعتزلة قوله: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل.

وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله  كان دخول الجنة بفضله.

وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله  أعلم.

التأويل: ﴿ يا بني آدم أما يأتينكم رسل ﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته.

﴿ افترى على الله كذباً ﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿ أو كذب ﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿ حتى إذا جاءتهم ﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿ يتوفونهم ﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿ قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وشهدوا ﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله  .

ثم قال لأهل الخذلان ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وقدم الجن لأن الله  خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر.

﴿ كلما دخلت أمة ﴾ في أعمال أهل النار ﴿ لعنت أختها ﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿ حتى إذا ﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار.

﴿ عذاباً ﴾ ﴿ ضعفاً ﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿ لكل ضعف ﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿ لا تفتح لهم أبواب ﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ ولا يدخلون ﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿ لهم من جهنم ﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم.

﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : إنما هو حرف استفهام وسؤال لم يخرج له جواب، لكن أهل التأويل عرفوا ذلك، فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، أجابوا على ما عرفوا من السؤال؛ وإلا ليس قولهم: لا أحد أظلم، نفس قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ، أي: لا أحد أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً، مع علمه أنه خالقه، وأنه متقلب في نعمه، وأحاطت به أياديه وإحسانه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : أي لا [أحد] أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً.

وقوله: ﴿ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، قيل: الافتراء هو اختراع الكذب من نفسه من غير أن سبق له أحد في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ  ﴾ وأما [الكذب] فقد يكون مما أنشأ هو أو مما قد سبق له أحد فسمع منه ثم افتراه على الله فهو أنواع: يكون بما قالوا: [إن له ولداً، وقالوا: إن له شريكاً وصاحبة، وبما عبدوا غير الله وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ويكون ما قالوا] ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ، ويكون بما حرموا من أشياء على أنفسهم فأضافوا ذلك إلى الله، ونحو ذلك من الافتراء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

اختلف فيه: قال الحسن: [إنّ] من أطاع الله في أمره ونهيه، وأطاع رسله، فقد كتبت له الجنة خالداً فيها أبداً، فذلك نصيبه وحظه من الكتاب الذي كتب له، ومن عصى الله وخالف رسله، كتبت له النار [خالداً فيها أبداً] فهو نصيبه من الكتاب.

وقال أبو بكر الكيساني: [في] قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: حظهم من الخير والعقاب في الآخرة، وهو قول القتبي ويحتمل وجهين آخرين غير هذين: أحدهما: ما حرفوا من الكتب وغيروها، ثم أضافوا ذلك ونسبوه إلى الله؛ كقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فصار ما حرفوا هم وغيروه سنة فيهم يعملون بها إلى يوم القيامة، فينالون هم جزاء ذلك يوم القيامة.

والثاني: قوله: ﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم ﴾ مما كتب لهم من الرزق والنعمة، يستوفون ذلك المكتوب لهم، ثم يموتون.

ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ .

على هذا التأويل جاءتهم الرسل بقبض أرواحهم، وهو ظاهر.

وعلى تأويل من حمل ذلك على الجزاء في الآخرة: فهو يجعل المتوفَّى في النار؛ لشدة العذاب، وإن كانوا لا يموتون، وهو كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  ﴾ ، أي تأتيه أسباب الموت.

وعلى تأويل [من] يجعل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : في الدنيا في استيفاء الرزق وما كتب لهم؛ يكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ ﴾ على الإثبات وعلى تأويل من يقول بأن ذلك في الآخرة فيجيء أن يكون على الصلة والإسقاط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

تقول لهم الملائكة في النار على تأويل هؤلاء [و] على تأويل أولئك: عند قبض أرواحهم، أو بعد قبض أرواحهم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي تعبدون من دون الله، وتقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، أو الأكابر التي ذكر بقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ أين أولئك الذين كنتم تعبدون من دون الله؟!

﴿ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ .

وهلكوا، أي: بطل عبادتنا التي عبدناهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: هلكنا وبطلنا.

﴿ وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ .

فإن كان قوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : الكبراء منهم والرؤساء يكون قوله: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ ، أي: شغلوا بأمرهم عنا، وإن كان الأصنام يكون قوله: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ أي: بطل ما كنا نطمع من عبادتنا إياهم، وهو قولهم: ﴿ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ ﴾ .

قوله: ﴿ فِيۤ أُمَمٍ ﴾ يحتمل مع أمم، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: جاء فلان في جنده.

وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .

المتبوعين والأتباع جميعاً معاً والعرب تضع حروف الخفض بعضها في موضع بعض؛ كقوله: ﴿ فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي  ﴾ ، قيل: مع عبادي.

ويحتمل "في" موضعه كأن المتبوعين يدخلون النار قبل الأتباع [فقيل لهؤلاء الأتباع] ﴿ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .

وفيه دليل أن الكفار من الجن يعذبون كما يعذب الكفار من الإنس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ .

لعن الأتباع المتبوعين؛ لما هم دعوهم إلى ذلك، وهم صرفوهم عن دين الله؛ كقولهم: ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً...

 ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ...

 ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.

ولعن المتبوعون الأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع وبقدرهم؛ فيلعن بعضهم بعضاً.

وفيه دليل أن أهل الكفر وإن اختلفوا في مذاهبهم فهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، كالمؤمنين [بعضهم] إخوة وأخوات لبعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ .

قال بعضهم: هو من التدارك، أي: حتى إذا تداركوا وتتابعوا فيها.

وقيل: هو من الدرك؛ لأن النار دركات، لا يزال أهل النار يهوون فيها لا قرار لهم في ذلك؛ [و] في القرار بعض التسلي والراحة، فلا يزالون يهوون فيها دركاً فدركاً.

وقيل: ولذلك سميت هاوية.

وقيل: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ ، أي: اجتمعوا فيها؛ فعند ذلك يتلاوم بعضهم بعضاً، فإن كان على التدارك فهو كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ، وإن كان على الاجتماع فهو للتضييق؛ كقوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ  ﴾ الآية، ويجتمعون يلعن بعضهم بعضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أُخْرَاهُمْ ﴾ : الذين [كانوا] في آخر الزمان، ﴿ لأُولاَهُمْ ﴾ : الذين شرعوا لهم ذلك الدين.

﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ أُخْرَاهُمْ ﴾ الذين دخلوا النار أخيراً وهم الأتباع، ﴿ لأُولاَهُمْ ﴾ الذين دخلوا النار أولاً، وهم القادة والمتبوعون، ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: القادة والسادة، ﴿ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ  ﴾ ، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ : ليس على القول بعضهم لبعض، ولكن على الدعاء عليهم واللعن؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ .

قال بعضهم: لكل ضعف النار؛ لأنها لا تزال تزداد وتعظم وتكبر فذلك الضعف، وذلك للأتباع والمتبوعين جميعاً.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ ، أي: للمتبوعين والقادة ضعف، قال لهم مالك، أو خزنة [النار]، أو من كان: ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة بعد أن يقال لهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ .

في الدنيا أن لكم ضعفاً منها.

وقيل: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ : للحال بأن لكل ضعفاً من النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ ﴾ .

يحتمل ﴿ أُولاَهُمْ ﴾ ما ذكرنا: الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وسنّوا لهم ﴿ لأُخْرَاهُمْ ﴾ الذين كانوا في آخر الزمان.

ويحتمل ﴿ أُولاَهُمْ ﴾ : الذين دخلوا أولاً، ﴿ لأُخْرَاهُمْ ﴾ : هم الذين دخلوا النار أخيراً، وهم الأتباع.

﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: يحتمل ما كان لكم علينا من فضل في شيء؛ فقد ضللتم كما ضللنا، أي: لم يكن لنا عليكم فضل سلطان، ولا كان معنا حجج وآيات قهرناكم عليها، إنما دعوناكم إلى ذلك فاستجبتم لنا، وقد كان بعث إليكم الرسل مع حجج وآيات فلم تجيبوهم، وهو كخطبة إبليس حيث قال: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ...

 ﴾ الآية، فيقول هؤلاء القادة للأتباع مثل قول الشيطان لجملتهم.

وقيل: قوله ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ ، يعني: تخفيف العذاب.

أي: نحن وأنتم في العذاب سواء، لا فضل لكم علينا من تخفيف العذاب في شيء.

أحد التأويلين في قوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ يرجع إلى الآخرة والآخر إلى الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ .

من الشرك والتكذيب لآيات الله، وكذلك جزاء بما كانوا يكسبون ويعملون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا ﴾ .

هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قال بعضهم: يعني بأبواب السماء أبواب الجنان؛ لأن الجنان تكون في السماء؛ فسمى أبواب السماء لأن الجنان فيها.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، وما يوعد لنا هو الجنة، ثم أخبر أنها في السماء.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ \[كأنه قال: لا تفتح لهم أبواب الجنان ولا يدخلون الجنة\] - أيضاً.

وقال آخرون: أبواب السماء هي أبواب السماء؛ وذلك أن أعمال المؤمنين ترفع إلى السماء وتصعد إليها أرواحهم، وأعمال الكفرة وأرواحهم ترد إلى أسفل السافلين؛ كقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  ﴾ ، وقال في الكافر: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ  ﴾ فإذا كانت أعمال المؤمنين وأرواحهم ترفع إلى السماء وتصعد إليها، أخبر [أن الكافرين] لا تفتح لهم أبواب السماء ولا لأعمالهم، ولكن ترد إلى السجين.

وأمكن أن يكون على التمثيل ليس على تحقيق السماء؛ ولكن ذكر السماء لما أن السماء هي مكان الطيبات من الأشياء وقرارها، لا مكان الخبائث والأقذار، والأرض هي مكان ذلك، وأعمال الكفرة خبيثة؛ فكنى عن أعمالهم الخبيثة بالأرض [لما أن الأرض] هي معدن الخبائث والأنجاس.

وكنى عن أعمال المؤمنين الطيبة بالسماء، وهو كما ضرب مثل الإيمان: بالشجرة الطيبة الثابتة وفرعها في السماء، وضرب مثل الكفر: بالشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض، ليس على أن يكون قوله: ﴿ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ على تحقيق السماء، ولكن على الوصف بالطيب والقبول؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

لا يستقيم مثله على الابتداء إلا على نوازل تسبق، خرج ذلك جواباً لها؛ نحو قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ...

 ﴾ الآية.

أو أن ذكروا أعمال أنفسهم أنهم يعملون كذا؛ فقال: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

فإن قيل: [كيف] خوفهم بما ذكر من سدّ الأبواب عليهم، وجعل النار لهم مهاداً وغواشياً، وهم لا يؤمنون بذلك كله، فكيف خوفوا به؟

قيل: إن المرء إذا خوف بشيء فإنه يخاف ويهاب ذلك، وإن لم يتيقن بذلك، ولا تحقق عنده ما خوف به؛ حتى يستعدّ لذلك، ويتهيأ وإن كان على شك من ذلك وظن؛ فعلى ذلك هؤلاء خوفوا بالنار وأنواع العذاب، وإن كانوا شاكين في ذلك غير مصدّقين؛ لما يجوز أن يهابوا ذلك، أو أن يخوف بذلك المؤمنين؛ كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

أو أن يكون التخويف لمن آمن منهم بالبعث؛ [لأن] منهم من قد آمن بالبعث والجزاء والثواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ \[هذا على الإياس أنهم لا يدخلون أبداً الجنة كما لا يدخل ما ذكر في سمّ الخياط فإنه لا يدخل أبداً ثم قوله: حتى يلج الجمل في سم الخياط\].

قال بعضهم: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة.

وقال ابن عباس -  -: حتى يدخل الجمل الذي يشد به السفينة في خرق الإبرة.

وقال أبو عوسجة: يعني خرق الإبرة أو المسلة، والجمل: الحبل، والخياط: الإبرة أو المسلة.

وقال ابن عباس -  -: ليس بالجمل ذي القوائم [ولكنه الجمل] يعني: القلس.

وقال ابن مسعود: هو الجمل ذو القوائم الأربع، والله أعلم بما أراد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل مجرم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ ﴾ .

قيل: الفرش.

﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ .

هي اللحف أو الحواشي، ما يتغشاهم فيه النار تحيط بهم من تحت ومن فوق وأمام وخلف؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، أي: لا يتقي لما يحيط بهم العذاب، وهو كقوله -  -: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أن النار تحيط بهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال السادة المتبوعون لأتباعهم: ليس لكم -أيها الأتباع- علينا من فضل تستحقون به تخفيف العذاب عنكم، فالعبرة بما كسبتم من الأعمال، ولا عذر لكم في اتباع الباطل، فذوقوا -أيها الأتباع- العذاب مثلما ذقناه بسبب ما كنتم تكسبون من الكفر والمعاصي.

<div class="verse-tafsir" id="91.8LoOP"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله