الآية ٤٠ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٤٠ من سورة الأعراف

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 126 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قوله : ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) قيل : المراد : لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء .

قاله مجاهد ، وسعيد بن جبير .

ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس .

وكذا رواه الثوري ، عن ليث ، عن عطاء ، عن ابن عباس .

وقيل : المراد : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء .

رواه الضحاك ، عن ابن عباس .

وقاله السدي وغير واحد ، ويؤيده ما قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن المنهال - هو ابن عمرو - عن زاذان ، عن البراء; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر ، وأنه يصعد بها إلى السماء ، قال : " فيصعدون بها ، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة؟

فيقولون : فلان ، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء ، فيستفتحون بابها له فلا يفتح له " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) الآية .

هكذا رواه ، وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، من طرق ، عن المنهال بن عمرو ، به وقد رواه الإمام أحمد بطوله فقال : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن منهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد .

فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير ، وفي يده عود ينكت به في الأرض ، فرفع رأسه فقال : " استعيذوا بالله من عذاب القبر " مرتين أو ثلاثا ثم قال : " إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا ، وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوط الجنة ، حتى يجلسوا منه مد بصره .

ثم يجيء ملك الموت ، حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان " قال : " فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين ، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن ، وفي ذلك الحنوط .

ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض .

فيصعدون بها فلا يمرون - يعني - بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب؟

فيقولون : فلان ابن فلان ، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له ، فيفتح له ، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة ، فيقول الله ، عز وجل : اكتبوا كتاب عبدي في عليين ، وأعيدوه إلى الأرض ، فإني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى " قال : " فتعاد روحه ، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك؟

فيقول : ربي الله .

فيقولان له : ما دينك؟

فيقول : ديني الإسلام .

فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

فيقول : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فيقولان له : وما علمك؟

فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت .

فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنة ، وألبسوه من الجنة ، وافتحوا له بابا إلى الجنة " " فيأتيه من روحها وطيبها ، ويفسح له في قبره مد بصره " قال : " ويأتيه رجل حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيب الريح ، فيقول : أبشر بالذي يسرك ، هذا يومك الذي كنت توعد .

فيقول له : من أنت؟

فوجهك الوجه يجيء بالخير .

فيقول : أنا عملك الصالح .

فيقول : رب أقم الساعة ، رب أقم الساعة ، حتى أرجع إلى أهلي ومالي " قال : " وإن العبد الكافر ، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح ، فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ، فيقول : أيتها النفس الخبيثة ، اخرجي إلى سخط الله وغضب " قال : " فتفرق في جسده ، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول ، فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض .

فيصعدون بها ، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث؟

فيقولون : فلان ابن فلان ، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا ، فيستفتح له ، فلا يفتح ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) فيقول الله ، عز وجل : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى .

فتطرح روحه طرحا " ثم قرأ : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) [ الحج : 31 ] " فتعاد روحه في جسده .

ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك؟

فيقول : هاه هاه !

لا أدري .

فيقولان : ما دينك؟

فيقول : هاه هاه !

لا أدري ، فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

فيقول : هاه هاه !

لا أدري .

فينادي مناد من السماء : أن كذب ، فأفرشوه من النار ، وافتحوا له بابا إلى النار .

فيأتيه من حرها وسمومها ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح ، فيقول : أبشر بالذي يسوؤك; هذا يومك الذي كنت توعد فيقول : من أنت؟

فوجهك الوجه يجيء بالشر .

فيقول : أنا عملك الخبيث .

فيقول : رب لا تقم الساعة " وقال أحمد أيضا : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن يونس بن خباب ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة ، فذكر نحوه .

وفيه : " حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماء ، وفتحت له أبواب السماء ، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ، عز وجل ، أن يعرج بروحه من قبلهم " وفي آخره : " ثم يقيض له أعمى أصم أبكم ، في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا ، فيضربه ضربة فيصير ترابا ، ثم يعيده الله ، عز وجل ، كما كان ، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين " قال البراء : " ثم يفتح له باب من النار ، ويمهد له فرش من النار " وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه وابن جرير - واللفظ له - من حديث محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الميت تحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ، ورب غير غضبان ، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها ، فيقولون : من هذا؟

فيقولون : فلان .

فيقال : مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ، ورب غير غضبان ، فيقال لها ذلك حتى ينتهى به إلى السماء التي فيها الله ، عز وجل .

وإذا كان الرجل السوء قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة ، وأبشري بحميم وغساق ، وآخر من شكله أزواج ، فيقولون ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقال : من هذا؟

فيقولون : فلان .

فيقولون : لا مرحبا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة ، فإنه لم تفتح لك أبواب السماء ، فترسل بين السماء والأرض ، فتصير إلى القبر " وقد قال ابن جريج في قوله : ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) قال : لا تفتح لأعمالهم ، ولا لأرواحهم .

وهذا فيه جمع بين القولين ، والله أعلم .

وقوله : ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) هكذا قرأه الجمهور ، وفسروه بأنه البعير .

قال ابن مسعود : هو الجمل ابن الناقة .

وفي رواية : زوج الناقة .

وقال الحسن البصري : حتى يدخل البعير في خرق الإبرة .

وكذا قال أبو العالية ، والضحاك .

وكذا روى علي بن أبي طلحة ، والعوفي عن ابن عباس .

وقال مجاهد ، وعكرمة ، عن ابن عباس : أنه كان يقرؤها : " حتى يلج الجمل في سم الخياط " بضم الجيم ، وتشديد الميم ، يعني : الحبل الغليظ في خرم الإبرة .

وهذا اختيار سعيد بن جبير .

وفي رواية أنه قرأ : " حتى يلج الجمل " يعني : قلوس السفن ، وهي الحبال الغلاظ .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فلم يصدقوا بها، ولم يتبعوا رسلنا (13) =(واستكبروا عنها)، يقول: وتكبروا عن التصديق بها وأنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبرًا (14) =" لا تفتح لهم "، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم =" أبواب السماء ", ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل, لأن أعمالهم خبيثة، وإنما يُرْفع الكلم الطيبُ والعملُ الصالح, كما قال جل ثناؤه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [سورة فاطر: 10].

* * * ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (لا تفتح لهم أبواب السماء).

فقال بعضهم: معناه: لا تفتح لأرواح هؤلاء الكفار أبواب السماء.

* ذكر من قال ذلك: 13603- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يعلى, عن أبي سنان, عن الضحاك, عن ابن عباس: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، قال: عنى بها الكفار، أنّ السماء لا تفتح لأرواحهم، وتفتح لأرواح المؤمنين.

14604- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن أبي سنان, عن الضحاك قال، قال ابن عباس: تُفتح السماء لروح المؤمن, ولا تفتح لروح الكافر.

14605- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، قال: إن الكافر إذا أُخِذ روحُه، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء, فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط, فضربته ملائكة الأرض فارتفع, فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء الدنيا فهبط إلى أسفل الأرضين.

وإذا كان مؤمنًا نفخ روحه, (15) وفتحت له أبواب السماء, فلا يمرّ بملك إلا حيَّاه وسلم عليه، حتى ينتهي إلى الله, فيعطيه حاجته, ثم يقول الله: ردّوا روحَ عبدي فيه إلى الأرض, فإني قضيتُ من التراب خلقه, وإلى التراب يعود, ومنه يخرج.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاءٌ إلى الله.

* ذكر من قال ذلك: 14606- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن سفيان, عن ليث, عن عطاء, عن ابن عباس: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، لا يصعد لهم قولٌ ولا عمل.

14607- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء)، يعني: لا يصعد إلى الله من عملهم شيء.

14608- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، يقول: لا تفتح لخير يعملون.

14609- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، قال: لا يصعد لهم كلامٌ ولا عمل.

14610- حدثنا مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا شريك, عن منصور, عن إبراهيم, في قوله: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، قال: لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء.

(16) 14611- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن سالم, عن سعيد: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، قال: لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء.

14612- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سعيد: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، قال: لا يرفع لهم عملٌ صالح ولا دعاء.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم ولا لأعمالهم.

* ذكر من قال ذلك: 14613- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، قال: لأرواحهم ولا لأعمالهم.

* * * قال أبو جعفر: وإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول، لعموم خبر الله جل ثناؤه أن أبواب السماء لا تفتح لهم.

ولم يخصص الخبر بأنه يفتح لهم في شيء, فذلك على ما عمّه خبر الله تعالى بأنها لا تفتح لهم في شيء، مع تأييد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلنا في ذلك، وذلك ما:- 14614- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن المنهال, عن زاذان, عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبضَ روح الفاجر, وأنه يصعد بها إلى السماء, قال: فيصعدون بها، فلا يمرّون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: " ما هذا الروح الخبيث "؟

فيقولون: " فلان "، بأقبح أسمائه التي كان يُدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له فلا يفتح له.

ثم قرأ رسول الله: (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) (17) 14615- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن, عن ابن أبي ذئب, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الميت تحضره الملائكة, فإذا كان الرجلَ الصالحَ قالوا: " اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب, اخرجي حميدة, وأبشري برَوْح وريحان، وربّ غير غضبان "، قال: فيقولون ذلك حتى يُعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها, فيقال: " من هذا "؟

فيقولون: " فلان ".

فيقال: " مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب, (18) ادخلي حميدة, وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان "، فيقال لها حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله.

وإذا كان الرجلَ السَّوْءَ قال: " اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث, اخرجي ذميمة, وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج "، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها, فيقال: " من هذا "؟

فيقولون: " فلان ".

فيقولون: " لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث, ارجعي ذميمة، فإنه لم تفتح لك أبواب السماء "، (19) فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر.

(20) 14616- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثني ابن أبي ذئب, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الكوفة: " لا يُفَتَحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّمَاء "، بالياء من " يفتح "، وتخفيف " التاء " منها, بمعنى: لا يفتح لهم جميعها بمرة واحدةٍ وفتحةٍ واحدة.

* * * وقرأ ذلك بعض المدنيين وبعض الكوفيين: (لا تُفَتَّحُ)، بالتاء وتشديد التاء الثانية, بمعنى: لا يفتح لهم باب بعد باب، وشيء بعد شيء.

* * * قال أبو جعفر: والصواب في ذلك عندي من القول أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى.

وذلك أن أرواح الكفار لا تفتح لها ولا لأعمالهم الخبيثة أبوابُ السماء بمرة واحدة، ولا مرة بعد مرة، وباب بعد باب.

فكلا المعنيين في ذلك صحيح.

وكذلك " الياء "، و " التاء " في" يفتح "، و " تفتح ", لأن " الياء " بناء على فعل الواحد للتوحيد، و " التاء " لأن " الأبواب " جماعة, فيخبر عنها خبر الجماعة.

(21) * * * القول في تأويل قوله : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ولا يدخل هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها، الجنة التي أعدّها الله لأوليائه المؤمنين أبدًا, كما لا يلج الجمل في سمِّ الخياط أبدًا, وذلك ثقب الإبرة.

* * * وكل ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك, فإن العرب تسميه " سَمًّا " وتجمعه " سمومًا "، و " السِّمام ", في جمع " السَّم " القاتل، أشهر وأفصح من " السموم ".

وهو في جمع " السَّم " الذي هو بمعنى الثقب أفصح.

وكلاهما في العرب مستفيض.

وقد يقال لواحد " السموم " التي هي الثقوب " سَمٌّ" و " سُمٌّ" بفتح السين وضمها, ومن " السَّم " الذي بمعنى الثقب قول الفرزدق: فَنَفَّسْــتُ عَـنْ سَـمَّيْهِ حَـتَّى تَنَفَّسَـا وَقُلْـتُ لَـهُ: لا تَخْـشَ شَـيْئًا وَرَائِيـا (22) يعني بسمِّيه، ثقبي أنفه.

* * * وأما " الخياط" فإنه " المخيط"، وهي الإبرة.

قيل لها: " خِيَاط" و " مِخْيَط", كما قيل: " قِناع " و " مِقْنع ", و " إزار " و " مِئْزر ", و " قِرام " و " مِقْرَم ", و " لحاف " و " مِلْحف ".

وأما القرأة من جميع الأمصار, فإنها قرأت قوله: ( فِي سَمِّ الْخِيَاطِ )، بفتح " السين ", وأجمعت على قراءة: " الجَمَلُ" بفتح " الجيم "، و " الميم " وتخفيف ذلك.

* * * وأما ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير, فإنه حكي عنهم أنهم كانوا يقرؤون ذلك: " الجُمَّلُ"، بضم " الجيم " وتشديد " الميم ", على اختلاف في ذلك عن سعيد وابن عباس.

* * * فأما الذين قرؤوه بالفتح من الحرفين والتخفيف, فإنهم وجهوا تأويله إلى " الجمل " المعروف، وكذلك فسروه.

* ذكر من قال ذلك: 14617- حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله في قوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: الجمل ابن الناقة, أو: زوج الناقة.

14618- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي حصين, عن إبراهيم, عن عبد الله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: " الجمل "، زوج الناقة.

14619- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي حصين, عن إبراهيم, عن عبد الله, مثله.

14620- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي, عن هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله قال: " الجمل "، زوج الناقة.

14621- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله، مثله.

14622- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا قرة قال، سمعت الحسن يقول: " الجمل "، الذي يقوم في المِرْبد.

(23) 14623- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: حتى يدخل البعير في خُرت الإبرة.

(24) 14624- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي, عن هشيم, عن عباد بن راشد, عن الحسن قال: هو الجمل!

فلما أكثروا عليه قال: هو الأشتر.

(25) 14625- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن عباد بن راشد, عن الحسن, مثله.

14626- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن يحيى قال: كان الحسن يقرؤها: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: فذهب بعضهم يستفهمه, قال: أشتر، أشتر.

(26) 14627- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد, عن شعيب بن الحبحاب, عن أبي العالية: (حتى يلج الجمل)، قال: الجمل الذي له أربع قوائم.

14628- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن أبي حصين = أو: حصين = , عن إبراهيم, عن ابن مسعود في قوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: زوج الناقة, يعني الجمل.

14629- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك أنه كان يقرأ: (الجمل)، وهو الذي له أربع قوائم.

14630- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو تميلة, عن عبيد, عن الضحاك: (حتى يلج الجمل)، الذي له أربع قوائم.

14631- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب, عن قرة, عن الحسن: (حتى يلج الجمل)، قال: الذي بالمربد.

14632- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: " حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ الأَصْفَرُ".

14633- حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا يحيى بن سليم قال، حدثنا عبد الكريم بن أبي المخارق, عن الحسن في قوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: الجمل ابن الناقة = أو بَعْلُ الناقة.

* * * وأما الذين خالفوا هذه القراءة فإنهم اختلفوا.

فروي عن ابن عباس في ذلك روايتان: إحداهما الموافقة لهذه القراءة وهذا التأويل.

* ذكر الرواية بذلك عنه: 14634- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، والجمل: ذو القوائم.

* * * وذكر أن ابن مسعود قال ذلك.

14635- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، وهو الجمل العظيم، لا يدخل في خُرْت الإبرة، (27) من أجل أنه أعظم منها.

* * * والرواية الأخرى ما:- 14636- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، قال: هو قَلْس السفينة.

(28) 14637- حدثني عبد الأعلى بن واصل قال، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل, عن خالد بن عبد الله الواسطي, عن حنظلة السدوسي, عن عكرمة, عن ابن عباس أنه كان يقرأ: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، يعني الحبل الغليظ = فذكرت ذلك للحسن فقال: (حتى يلجَ الجمَل)، قال عبد الأعلى: قال أبو غسان, قال خالد: يعني: البعير.

14638- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن فضيل, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس أنه قرأ: " الجُمَّلُ"، مثقَّلة, وقال: هو حبل السفينة.

14639- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي, عن هشيم, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: " الجمَّل "، حبال السفن.

14640- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن ابن مبارك, عن حنظلة, عن عكرمة, عن ابن عباس: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، قال: الحبل الغليظ.

14641- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ" قال: هو الحبل الذي يكون على السفينة.

* * * واختُلِف عن سعيد بن جبير أيضًا في ذلك, فروي عنه روايتان إحداهما مثل الذي ذكرنا عن ابن عباس: بضم " الجيم " وتثقيل " الميم ".

* ذكر الرواية بذلك عنه: 14642- حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا حسين المعلم, عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ"، يعني قُلُوس السفن, يعني: الحبال الغلاظ.

(29) * * * والأخرى منهما بضم " الجيم " وتخفيف " الميم ".

* ذكر الرواية بذلك عنه: 14643- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عمرو, عن سالم بن عجلان الأفطس قال، قرأت على أبي: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلَ" فقال: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَلُ" خفيفة، هو حبل السفينة = هكذا أقرأنيها سعيد بن جبير.

* * * وأما عكرمة, فإنه كان يقرأ ذلك: " الْجُمَّلُ"، بضم " الجيم " وتشديد " الميم ", وبتأوّله كما:- 14644- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبو تميلة, عن عيسى بن عبيد قال: سمعت عكرمة يقرأ: " الْجُمَّلُ" مثقلة, ويقول: هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل.

14645- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا كعب بن فروخ قال، حدثنا قتادة, عن عكرمة, في قوله: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، قال: الحبل الغليظ في خرق الإبرة.

(30) 14646- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، قال: حبل السفينة في سمّ الخياط.

14647- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: سمعت مجاهدًا يقول: الحبل من حبال السفن.

* * * وكأنَّ من قرأ ذلك بتخفيف " الميم " وضم " الجيم "، على ما ذكرنا عن سعيد بن جبير، على مثال " الصُّرَد " و " الجُعَل "، وجهه إلى جماع " جملة " من الحبال جمعت " جُمَلا ", كما تجمع " الظلمة "،" ظُلَمًا "، و " الخُرْبة "" خُرَبًا ".

* * * وكان بعض أهل العربية ينكر التشديد في" الميم " ويقول: إنما أراد الراوي" الجُمَل " بالتخفيف, فلم يفهم ذلك منه فشدّده.

* * * 14648- وحدثت عن الفراء, عن الكسائي أنه قال: الذي رواه عن ابن عباس كان أعجميًّا.

* * * وأما من شدد " الميم " وضم " الجيم " فإنه وجهه إلى أنه اسم واحد، وهو الحبل، أو الخيط الغليظ.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، ما عليه قرأة الأمصار، وهو: ( حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ )، بفتح " الجيم " و " الميم " من " الجمل " وتخفيفها, وفتح " السين " من " السم ", لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار, وغير جائز مخالفة ما جاءت به الحجة متفقة عليه من القراءة.

وكذلك ذلك في فتح " السين " من قوله: (سَمِّ الخياط) .

* * * وإذ كان الصواب من القراءة ذلك, فتأويل الكلام: ولا يدخلون الجنة حتى يلج = و " الولوج " الدخول، من قولهم: " ولج فلان الدار يلِجُ ولوجًا ", (31) بمعنى: دخل = الجملُ في سم الإبرة، وهو ثقبها =(وكذلك نجزي المجرمين)، يقول: وكذلك نثيب الذين أجرَموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة.

(32) * * * وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: (سم الخياط)، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14649- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة وابن مهدي وسويد الكلبي, عن حماد بن زيد, عن يحيى بن عتيق قال: سألت الحسن عن قوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: ثقب الإبرة.

(33) 14650- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا كعب بن فروخ قال، حدثنا قتادة, عن عكرمة: (في سم الخياط)، قال: ثقب الإبرة.

(34) 14651- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن, مثله.

14652- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (في سم الخياط)، قال: جُحْر الإبرة.

14653- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (في سم الخياط)، يقول: جُحْر الإبرة.

14654- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (في سم الخياط)، قال: في ثقبه.

-------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .

(14) انظر تفسير (( الاستكبار )) فيما سلف 11 : 540 .

(15) في المطبوعة : (( وإذا كان مؤمنًا أخذ روحه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(16) الأثر : 14610 - (( مطر بن محمد الضبي )) ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة ، ومضى أيضا برقم : 12198 .

(17) الأثر : 14614 - (( المنهال )) هو (( المنهال بن عمرو الأسدي )) ، ثقة ، رجح أخي توثيقه في المسند رقم : 714 ، وفيما يلي رقم : 337 ، 799 .

و (( زاذان )) هو (( أبو عبد الله )) ، ويقال (( أبو عمر )) الكوفي الضرير .

تابعي ثقة ، مضى أيضًا برقم : 9508 ، 13017 ، 13018 .

وهذا الخبر مختصرًا رواه أحمد مطولا ومختصرًا في مسنده 4 : 287 ، 288 ، من طريقتين ، و 297 ، كلها من طريق العمش ، عن المنهال .

ورواه أيضًا 4 : 295 ، 296 ، من طريقين .

أحدهما من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يونس بن خباب ، عن المنهال ، والآخر من طريق أبي الربيع ، عن حماد بن زيد ، عن يونس بن خباب .

ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص : 102 ، مطولا من طريق أبي عوانة ، عن الأعمش .

ورواه أبو داود في سننه 3 : 289 ، رقم : 3212 مختصرًا ، ورواه مطولا 4 : 330 رقم : 4753 .

ورواه الحاكم في المستدرك 1 : 37 - 40 ، من طرق ، وقال : (( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، فقد احتجا بالمنهال بن عمرو ، وزاذان بن عمرو ، وزاذان أبي عمر الكندي .

وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة ، وقمع للمبتدعة ، ولم يخرجاه بطوله )) .

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 473 ، 474 ، وقال : (( رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من طرق عن المنهال بن عمرو به )) ثم ساق حديث أحمد في المسند .

وخره السيوطي في الدر المنثور 1 : 83 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وهناد بن السري ، وعبد بن حميد ، وابن مردويه ، والبيهقي في كتاب عذاب القبر .

(18) في المخطوطة والمطبوعة : (( بالنفس الطيبة التي كانت ...

)) ، والظاهر أنها زيادة من الناسخ ، فإن روايتهم جميعًا اتفقت على ما أثبت .

(19) في المطبوعة : (( لا تفتح لك أبواب السماء )) ، وفي المخطوطة : (( لم تفتح )) بغير (( لك )) ، وأثبت ما في تفسير ابن كثير .

وفي ابن ماجه : (( لا تفتح لك )) .

(20) الأثر : 14615 ، 14616 - (( عبد الرحمن بن عثمان بن أمية الثقفي )) (( أبو بحر البكراوي )) ، ضعيف متكلم فيه ، قال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 264 .

و (( ابن أبي ذئب )) هو (( محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب )) ، ثقة حافظ ، مضى برقم : 2995 .

و (( محمد بن عمرو بن عطاء القرشي العامري )) ، ثقة روى له الجماعة .

و (( سعيد بن يسار )) أبو الحباب المدني ، تابعي ثقة لا يختلفون في توثيقه .

روى له الجماعة .

وهذا خبر صحيح ، رواه عن ابن أبي ذئب غير (( عبد الرحمن بن عثمان )) .

وسيأتي بإسناد ليس فيه ضعف ، في الأثر التالي .

وهذا الخبر رواه ابن ماجه ص : 1423 رقم : 4262 .

وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 475 ، ونسبة إلى أحمد ، والنسائي وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 83 ، وزاد إلى حبان ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في البعث .

والأثر رقم : 14616 .

هو إسناد صحيح للخبر السالف .

(( ابن أبي فديك )) ، هو (( محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك )) ، ثقة ، روى له الجماعة .

مضى برقم : 4319 ، 9482 ، 9876 .

(21) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 378 ، 379 .

(22) ديوانه : 895 ، النقائض : 169 ، واللسان ( سمم ) ، من أول قصيدة هاجى بها جريرًا ، ونصر البعيث وهجاه معًا .

وكان الذي هاج الهجاء بين جرير والفرزدق ، أن البعيث المجاشعي ، سرقت إبله ، سرقها ناس من بني يربوع ، من رهط جرير ، فطلبها البعيث حتى وجدها في أيديهم ، فأرسل لسانه في بني يربوع ، فاعترضه جرير ، فهجاه ، فانبعث الشر بالبعيث ، فانطلق الفرزدق بعد قليل ينصره ، فقال هذه القصيدة يهجو جريرًا ، وينصر البعيث ويهجوه ، فيقول للبعيث : دَعَـانِي ابْـنُ حَـمْرَاءِ العِجَانِ وَلَم يَجِدْ لَـهُ إذْ دَعَـا ، مُسْـتأْخِرًا عَـنْ دُعَائيا فَنَفَّسْـتُ عَـنْ سَـمَّيْهِ...............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

(( نفس عنه )) ، فرج عنه كربته إذ أطبق عليه جرير ، فاستنقذه من تحت وطأته .

فاستطاع أن يتنفس .

وقوله : (( لا تخش شيئًا ورائيا )) ، أي : لا تخش ما دمت درعًا لك وأنت من ورائي تحتمي بلساني وهجائي جريرًا .

وأما قول أبي عبيدة : (( أي لا تخش شيئًا يأتيك من خلفي )) ، فليس عندي بشيء .

وكان في المطبوعة : (( شيئًا وراءنا )) ، لم يحسن قراءة المخطوطة .

(23) (( المربد )) ( بكسر فسكون ) : هو المكان الذي تحبس فيه الإبل ، يقال : (( ربد الإبل ربدًا )) ، حبسها .

ويقال : (( مربد الغنم )) أيضًا .

وبه سمى (( مربد البصرة )) ، لأنه كان موضع سوق الإبل .

(24) (( خرت الإبرة )) ( بضم الخاء أو فتحها ، وسكون الراء ) : هو ثقبها .

وكان في المطبوعة : (( في خرق )) وهي صواب ، والمخطوطة تشبه أن تقرأ هكذا وهكذا .

(25) (( أشتر )) ، وهو الجمل ، بالفارسية .

(26) (( أشتر )) ، وهو الجمل ، بالفارسية .

(27) انظر ص : 429 ، التعليق : 2 .

(28) (( القلس )) ( بفتح فسكون ) : هو حبل ضخم غليظ من ليف أو خوص ، وهو من حبال السفن .

(29) (( القلوس )) جمع (( قلس )) ، انظر التعليق السالف .

(30) الأثر : 14645 - (( كعب بن فروخ ، أبو عبد الله البصري )) ، ثقة .

مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 2 / 162 .

وسيأتي في رقم : 14650 .

(31) انظر تفسير (( الولوج )) فيما سلف 6 : 302 ، وفيه زيادة في مصادره .

(32) انظر تفسير (( الجزاء )) ، و (( الإجرام )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) ( جرم ) .

(33) الأثر : 14649 - (( سويد الكلبي )) ، هو : (( كان يقلب السانيد ، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية )) !!

ووثقه النسائي وابن معين والعجلي .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 /2 / 149 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 239 .

و (( يحيى بن عتيق الطفاوي البصري )) ، ثقة ، وكان ورعًا متفنًا .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 295 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 176 .

(34) الأثر : 14650 - (( كعب بن فروخ )) ، مضى برقم : 14645 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمينقوله تعالى إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء أي لأرواحهم .

جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب " التذكرة " .

منها حديث البراء بن عازب ، وفيه في قبض روح الكافر قال : ويخرج منها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة .

فيقولون فلان ابن فلان ، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفتح لهم أبواب السماء الآية وقيل : لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا ; قاله مجاهد والنخعي .

وقيل : المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة ; لأن الجنة في السماء .

ودل على ذلك قوله : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين والجمل لا يلج فلا يدخلونها البتة .

وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم .

وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر لهم ولا لأحد منهم .

قال القاضي أبو بكر بن الطيب : فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعا من الأمة ؟

وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل [ ص: 186 ] الكفر ليسوا في النار .

قيل له : هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم ، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار ، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر .

وقرأ حمزة والكسائي : ( لا يفتح ) بالياء مضمومة على تذكير الجمع .

وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة ; كما قال : مفتحة لهم الأبواب فأنث .

ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع .

وهي قراءة ابن عباس بالياء وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي ، على معنى أن التخفيف يكون للقليل والكثير ، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير ، والتشديد هنا أولى ; لأنه على الكثير أدل .

والجمل من الإبل .

قال الفراء : الجمل زوج الناقة .

وكذا قال عبد الله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال : هو زوج الناقة ; كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا .

والجمع جمال وأجمال وجمالات وجمائل .

وإنما يسمى جملا إذا أربع .

وفي قراءة عبد الله : ( حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط ) .

ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبد الله .

.

.

; فذكره .

وقرأ ابن عباس ( الجمل ) بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها .

وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس ، وهو حبال مجموعة ، جمع جملة ; قاله أحمد بن يحيى ثعلب .

وقيل : الحبل الغليظ من القنب .

وقيل : الحبل الذي يصعد به في النخل .

وروي عنه أيضا وعن سعيد بن جبير : ( الجمل ) بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلس أيضا والحبل ، على ما ذكرنا آنفا .

وروي عنه أيضا ( الجمل ) بضمتين جمع جمل ; كأسد وأسد ، والجمل مثل أسد وأسد .

وعن أبي السمال ( الجمل ) بفتح الجيم وسكون الميم ، تخفيف " جمل " .

وسم الخياط : ثقب الإبرة ; عن ابن عباس وغيره .

وكل ثقب لطيف في البدن يسمى سما وسما وجمعه سموم .

وجمع السم القاتل سمام .

وقرأ ابن سيرين ( في سم ) بضم السين .

والخياط : ما يخاط به ; يقال : خياط ومخيط ; مثل إزار ومئزر وقناع ومقنع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن عقاب من كذب بآياته فلم يؤمن بها، مع أنها آيات بينات، واستكبر عنها فلم يَنْقَد لأحكامها، بل كذب وتولى، أنهم آيسون من كل خير، فلا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا وصعدت تريد العروج إلى اللّه، فتستأذن فلا يؤذن لها، كما لم تصعد في الدنيا إلى الإيمان باللّه ومعرفته ومحبته كذلك لا تصعد بعد الموت، فإن الجزاء من جنس العمل.

ومفهوم الآية أن أرواح المؤمنين المنقادين لأمر اللّه المصدقين بآياته، تفتح لها أبواب السماء حتى تعرج إلى اللّه، وتصل إلى حيث أراد اللّه من العالم العلوي، وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه.

وقوله عن أهل النار { وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ ْ} وهو البعير المعروف { فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ْ} أي: حتى يدخل البعير الذي هو من أكبر الحيوانات جسما، في خرق الإبرة، الذي هو من أضيق الأشياء، وهذا من باب تعليق الشيء بالمحال، أي: فكما أنه محال دخول الجمل في سم الخياط، فكذلك المكذبون بآيات اللّه محال دخولهم الجنة، قال تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ْ} وقال هنا { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ْ} أي: الذين كثر إجرامهم واشتد طغيانهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ) بالتاء ، خفف أبو عمرو ، وبالياء خفف حمزة والكسائي ، والباقون بالتاء مشددة ، ( أبواب السماء ) لأدعيتهم ولا لأعمالهم .

وقال ابن عباس : لأرواحهم لأنها خبيثة لا يصعد بها بل يهوى بها إلى سجين ، إنما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين وأدعيتهم وأعمالهم ، ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) أي : حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة ، والخياط والمخيط الإبرة ، والمراد منه : أنهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه يدل ذلك على تأكيد المنع ، كما يقال : لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب أو يبيض القار ، يريد لا أفعله أبدا .

( وكذلك نجزي المجرمين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا» تكبروا «عنها» فلم يؤمنوا بها «لا تفتَّح لهم أبواب السماء» إذا عرج بأرواحهم إليها بعد الموت فيهبط بها إلى سجين بخلاف المؤمن فتفتح له ويصعد بروحه إلى السماء السابعة كما ورد في حديث «ولا يدخلون الجنة حتى يلج» يدخل «الجمل في سمِّ الخياط» ثقب الإبرة وهو غير ممكن فكذا دخولهم «وكذلك» الجزاء «نجزي المجرمين» بالكفر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الكفار الذين لم يصدِّقوا بحججنا وآياتنا الدالة على وحدانيتنا، ولم يعملوا بشرعنا تكبرًا واستعلاءً، لا تُفتَّح لأعمالهم في الحياة ولا لأرواحهم عند الممات أبواب السماء، ولا يمكن أن يدخل هؤلاء الكفار الجنة إلا إذا دخل الجمل في ثقب الإبرة، وهذا مستحيل.

ومثل ذلك الجزاء نجزي الذين كثر إجرامهم، واشتدَّ طغيانهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين القرآن بعد ذلك لونا آخر من ألوان عذاب المكذبين فقال : ( إِنَّ الذين .

.

.

.

) .هاتان الآيتان تصوران أكمل تصوير استحالة دخول المشركين الجنة بسبب تكذيبهم لآيات الله واستكبارهم عنها .وقد فسر بعض العلماء قوله - تعالى - : ( لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السمآء ) بمعنى ، لا تقبل أعمالهم ولا ترفع إلى الله كما ترفع أعمال الصالحين .

قال - تعالى - : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ) وفسره بعضهم بمعنى أن أرواحهم لا تصعد إلى السماء بعد الموت ، لأنها قد أغلقت عليهم بسبب شركهم ، ولكنها تفتح لأرواح المؤمنين .والمراد أن الكافرين عند موتهم وعند حسابهم يوم القيامة يكونون على غضب الله ولعنته بسبب ما ارتكبوه فى الدنيا من شرك وظلم .أما قوله - تعالى - : ( وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط ) فمعناه : أن هؤلاء المشركين لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يدخل ما هو مثل فى الضخامة وهو الجمل الكبير ، فيما هو مثل فى الضيق وهو ثقب الإبرة .وفى قراءة ( حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط ) - بضم الجيم وتشديد الميم وفتحا - وهو الحبل الغليظ أى : لا يدخلون الجنة حتى يدخل الحبل الغليظ الذى تربط به السفن فى ذلك الثقب الصغير للإبرة ، وهيهات أن يحصل هذا ، فكما أنه غير ممكن حصول ذلك فكذلك غير ممكن دخول المشركين الجنة .قال الجمل فى حاشيته : ولا يدخلون الجنى حتى يلج الجمل فى سم الخياط .

الولوج : الدخول بشدة ، ولذلك يقال هو الدخول فى ضيق فهو أخص من مطلق الدخول .

والجمل معروف وهو الذكر من الإبل ، وسم الخياط ، ثقب الإبرة ، وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبرها ، وثقب الإبرة من أضيق المنافذ ، فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه فى ثقب الإبرة الضيق محالا فثبت أن الموقوف على المحال محال ، فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار الجنة ميئوس منه قطعا .وقوله : ( وكذلك نَجْزِي المجرمين ) معناه : ومثل ذلك الجزاء الرهيب نجزى جنس المجرمين ، الذين صار الإجرام وصفا لازما لهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود منه إتمام الكلام في وعيد الكفار، وذلك لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة ﴿ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ ثم شرح تعالى في هذه الآية كيفية ذلك الخلود في حق أولئك المكذبين المستكبرين بقوله: ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ أي بالدلائل الدالة على المسائل التي هى أصول الدين، فالدهرية ينكرون دلائل إثبات الذات والصفات، والمشركون ينكرون دلائل التوحيد، ومنكرو النبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحة النبوات ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل الدالة على نبوته، ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل الدالة على صحة المعاد، فقوله: ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ يتناول الكل، ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل وهذا اللفظ في حق البشر يدل على الذم قال تعالى في صفة فرعون: ﴿ واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو ﴿ لاَ تُفَتَّحُ ﴾ بالتاء خفيفة، وقرأ حمزة والكسائي بالياء خفيفة والباقون بالتاء مشددة.

أما القراءة بالتشديد فوجهها قوله تعالى: ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيء  ﴾ ﴿ فَفَتَحْنَا أبواب السماء  ﴾ وأما قراءة حمزة والكسائي فوجهها أن الفعل متقدم.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ﴾ أقوال.

قال ابن عباس: يريد لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله، وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ  ﴾ ومن قوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ  ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المؤمنين، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة، فإنه لا تفتح لك أبواب السماء.

والقول الثالث: أن الجنة في السماء فالمعنى: لا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة.

والقول الرابع: لا تنزل عليهم البركة والخير، وهو مأخوذ من قوله: ﴿ فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ  ﴾ وأقول هذه الآية تدل على أن الأرواح إنما تكون سعيدة إما بأن ينزل عليها من السماء أنواع الخيرات، وإما بأن يصعد أعمال تلك الأرواح إلى السموات وذلك يدل على أن السموات موضع بهجة الأرواح، وأماكن سعادتها، ومنها تنزل الخيرات والبركات، وإليها تصعد الأرواح حال فوزها بكمال السعادات، ولما كان الأمر كذلك كان قوله: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ﴾ من أعظم أنواع الوعيد والتهديد.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمّ الخياط ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الولوج الدخول.

والجمل مشهور، والسم بفتح السين وضمها ثقب الإبرة قرأ ابن سيرين ﴿ سَمّ ﴾ بالضم، وقال صاحب الكشاف: يروي ﴿ سَمّ ﴾ بالحركات الثلاث، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم وجمعه سموم، ومنه قيل: السم القاتل.

لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، و ﴿ الخياط ﴾ ما يخاط به.

قال الفراء: ويقال خياط ومخيط، كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف، وقناع ومقنع، وإنما خص الجمل من بين سائر الحيوانات، لأنه أكبر الحيوانات جسماً عند العرب.

قال الشاعر: جسم الجمال وأحلام العصافير *** فجسم الجمل أعظم الأجسام، وثقب الإبرة أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالاً، فلما وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط، وكان هذا شرطاً محالاً، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال محال، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوساً منه قطعاً.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قرأ ابن عباس ﴿ الجمل ﴾ بوزن القمل، وسعيد بن جبير ﴿ الجمل ﴾ بوزن النغر.

وقرئ ﴿ الجمل ﴾ بوزن القفل، و ﴿ الجمل ﴾ بوزن النصب، و ﴿ الجمل ﴾ بوزن الحبل، ومعناها: القلس الغليظ، لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل.

يعني: أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة، والبعير لا يناسبه.

إلا أنا ذكرنا الفائدة فيه.

المسألة الثالثة: القائلون بالتناسخ احتجوا بهذه الآية، فقالوا: إن الأرواح التي كانت في أجساد البشر لما عصت وأذنبت، فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن، ولا تزال تبقى في التعذيب حتى أنها تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الدودة التي تنفذ في سم الخياط، فحينئذ تصير مطهرة عن تلك الذنوب والمعاصي، وحينئذ تدخل الجنة وتصل إلى السعادة واعلم أن القول بالتناسخ باطل وهذا الاستدلال ضعيف، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك نَجْزِى المجرمين ﴾ أي ومثل هذا الذي وصفنا نجزي المجرمين، والمجرمون والله أعلم هاهنا هم الكافرون، لأن الذي تقدم ذكره من صفتهم هو التكذيب بآيات الله، والاستكبار عنها.

واعلم أنه تعالى لما بين من حالهم أنهم لا يدخلون الجنة ألبتة بين أيضاً أنهم يدخلون النار، فقال: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المهاد جمع مهد، وهو الفراش.

قال الأزهري: أصل المهد في اللغة الفرش، يقال للفراش مهاد لمواتاته، والغواشي جمع غاشية، وهي كل ما يغشاك، أي يجللك، وجهنم لا تنصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف، وقيل اشتقاقها من الجهمة، وهي الغلظ، يقال: رجل جهم الوجه غليظه، وسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب قال المفسرون: المراد من هذه الآية الأخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن غواش، على وزن فواعل، فيكون غير منصرف، فكيف دخله التنوين؟

وجوابه على مذهب الخليل وسيبويه إن هذا جمع، والجمع أثقل من الواحد، وهو أيضاً الجمع الأكبر الذي تتناهى الجموع إليه، فزاده ذلك ثقلاً، ثم وقعت الياء في آخره وهي ثقيلة، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوها بحذف يائه، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل، وصار غواش بوزن جناح، فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال.

أما قوله: ﴿ وكذلك نَجْزِى الظالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلهاً وعلى هذا التقدير: فالظالمون هاهنا هم الكافرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ﴾ لا يصعد لهم عمل صالح ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب ﴾ [فاطر: 10] ، ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الابرار لَفِى عِلّيّينَ ﴾ [المطففين: 18] وقيل: إنّ الجنة في السماء، فالمعنى لا يؤذن لهم في صعود السماء ولا يطرّق لهم إليها ليدخلوا الجنة.

وقيل: لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين.

وقيل: لا تنزل عليهم البركة ولا يغاثون، ففتحنا أبواب السماء.

وقرئ: ﴿ لا تفتح ﴾ ، بالتشديد.

﴿ ولا يفتح ﴾ بالياء.

﴿ ولا تفتح ﴾ بالتاء والبناء للفاعل ونصب الأبواب على أنّ الفعل للآيات.

وبالياء على أن الفعل لله عزّ وجلّ.

وقرأ ابن عباس: ﴿ الجمل ﴾ ، بوزن القمل.

وسعيد بن جبير: ﴿ الجمل ﴾ بوزن النغر.

وقرئ: ﴿ الجمل ﴾ بوزن القفل.

﴿ والجمل ﴾ بوزن النصب.

﴿ والجمل ﴾ .

بوزن الحبل.

ومعناها القلس الغليظ لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة، وعن ابن عباس رضي الله عنه: إنّ الله أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل، يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سمّ الإبرة، والبعير لا يناسبه؛ إلاّ أن قراءة العامّة أوقع لأنّ سم الإبرة مثل في ضيق المسلك.

يقال: أضيق من خرت الإبرة.

وقالوا للدليل الماهر: خِرِّيت، للاهتداء به في المضايق المشبهة بأخرات الإبر.

والجمل: مثل في عظم الجرم.

قال: جِسْمُ الْجِمَالِ وَأَحْلاَمُ الْعَصَافِيرِ إن الرجال ليسوا بجزر تراد منهم الأجسام، فقيل: لا يدخلون الجنة، حتى يكون ما لا يكون أبداً من ولوج هذا الحيوان الذي لا يلج إلاّ في باب واسع، في ثقب الإبرة، وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل، فقال: زوج الناقة، استجهالاً للسائل، وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.

وقرئ؛ ﴿ في سم ﴾ بالحركات الثلاث: وقرأ عبد الله: ﴿ في سم المهيط ﴾ والخياط؛ والمخيط كالحزام والمحزم: ما يخاط به وهو الإبرة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نَجْزِى المجرمين ﴾ ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب، وأن كلّ من أجرم عوقب، وقد كرره فقال: ﴿ وكذلك نَجْزِى الظالمين ﴾ لأنّ كلّ مجرم ظالم لنفسه ﴿ مِهَادٌ ﴾ فراش ﴿ غَوَاشٍ ﴾ أغطية.

وقرئ: ﴿ غواش ﴾ بالرفع، كقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ الجوار المنشآت ﴾ [الرحمن: 24] في قراءة عبد الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ أيْ حَتّى يَدْخُلَ ما هو مِثْلٌ في عِظَمِ الجِرْمُ وهو البَعِيرُ فِيما هو مِثْلٌ في ضِيقِ المَسْلَكِ وهو ثُقْبَةُ الإبْرَةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ فَكَذا ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.

وقُرِئَ « الجَمْلُ» كالقَمْلِ، و « الجُمَلُ» كالنُّغَرِ، و « الجُمْلُ» كالقُفْلِ، والجُمُلُ كالنُّصُبِ، و « الجَمْلُ» كالحَبْلِ وهو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القَنْبِ، وقِيلَ حَبْلُ السَّفِينَةِ.

وسَمِّ بِالضَّمِّ والكَسْرِ وفي سُمِّ المَخِيطِ وهو والخِياطُ ما يُخاطُ بِهِ كالحِزامِ والمُحَزَّمِ.

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ.

﴿ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ .

﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ فِراشٌ.

﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ ﴾ أغْطِيَةٌ، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلْبَدَلِ عَنِ الإعْلالِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولِلصَّرْفِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وقُرِئَ « غَواشٍ» عَلى إلْغاءِ المَحْذُوفِ.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً وبِالظّالِمِينَ أُخْرى إشْعارًا بِأنَّهم بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ اتَّصَفُوا بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ، وذَكَرَ الجُرْمَ مَعَ الحِرْمانِ مِنَ الجَنَّةِ والظُّلْمَ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الإجْرامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء} أي لا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة إذ هى فى السماء اولا يصعد لهم عمل صالح ولا تنزل عليهم البركة أو لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين إلى السماء وبالتاء مع التخفيف أبو عمرو والبياء معه وعلي {وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط} حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة أي لا يدخلون الجنة أبداً لأنه علقه بما لا يكون والخياط والمخيط ما يخلاط به وهو الإبرة {وكذلك} ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا {نَجْزِي المجرمين} أي الكافرين بدلالة التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ الدّالَّةِ عَلى أُصُولِ الدِّينِ وأحْكامِ الشَّرْعِ كالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ والدّالَّةِ عَلى النُّبُوَّةِ والمُعادِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ واسْتَكْبَرُوا عَنْها ﴾ أيْ بالَغُوا في احْتِقارِها وعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِها ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وضَمُّوا أعْيُنَهم عَنْها ونَبَذُوها وراءَ ظُهُورِهِمْ ولَمْ يَكْتَسُوا بِحُلَلٍ مُقْتَضاها ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ ﴾ أيْ لِأرْواحِهِمْ إذا ماتُوا ﴿ أبْوابُ السَّماءِ ﴾ كَما تُفَتَّحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلائِكَةُ فَإذا كانَ الرَّجُلُ صالِحًا قالَ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ مَن هَذا فَيَقُولُونَ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ وإذا كانَ الرَّجُلُ سُوءًا قالَ اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً وأبْشِرِي بِحَمِيمٍ وغَسّاقٍ وآخَرَ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ: مَن هَذا فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ فَيُقالُ: لا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً لا تُفَتَّحُ لَكِ أبْوابُ السَّماءِ فَتُرْسَلُ مِنَ السَّماءِ ثُمَّ تَصِيرُ في القَبْرِ والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ أبْوابُ السَّماءِ».

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ لِأرْواحِهِمْ ولا لِأعْمالِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وقِيلَ: المُرادُ لا يَصْعَدُ لَهم عَمَلٌ ولا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ وكَوْنُ السَّماءِ لَها أبْوابٌ تُفَتَّحُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ قَدْ تَفَتَّحَتْ لَهُ أبْوابُ القَبُولِ لِلنُّصُوصِ الوارِدَةِ فِيهِ وهو أمْرٌ مُمْكِنٌ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ وكَوْنُ السَّماءِ كُرَوِيَّةً لا تَقْبَلُ الخَرْقَ والِالتِئامَ مِمّا لا يَتِمُّ لَهُ دَلِيلٌ عِنْدَنا وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ جَوازُ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القَوْلَ بِالأبْوابِ لا يُنافِي القَوْلَ بِامْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ وفِيهِ نَظَرٌ كَما لا يَخْفى والتّاءُ في ﴿ تُفَتَّحُ ﴾ لِتَأْنِيثِ الأبْوابِ والتَّشْدِيدُ لِكَثْرَةِ الفِعْلِ لِعَدَمِ مُناسِبَةِ المَقامِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والفِعْلَ مُقَدَّمٌ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ.

وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ الأبْوابِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الآياتِ مَجازًا لِأنَّها سَبَبٌ لِذَلِكَ وبِالياءِ عَلى أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ حَتّى يَلِجَ ﴾ أيْ يَدْخُلَ ﴿ الجَمَلُ ﴾ هو البَعِيرُ إذا بَزَلَ وجَمْعُهُ جِمالٌ وأجْمالٌ ويُجْمَعُ الأخِيرُ عَلى جِمالاتٍ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ: هو زَوْجُ النّاقَةِ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ ابْنُ النّاقَةِ الَّذِي يَقُومُ في المِرْبَدِ عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ وفي ذَلِكَ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ وإشارَةٌ إلى أنَّ طَلَبَ مَعْنًى آخَرَ تَكَلُّفٌ والعَرَبُ تَضْرِبُ بِهِ المَثَلَ في عِظَمِ الخِلْقَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى يَدْخُلَ ما هو مَثَلٌ في عِظَمِ الجِرْمِ ﴿ فِي سَمِّ الخِياطِ ﴾ أيْ ثُقْبَةِ الإبْرَةِ وهو مَثَلٌ عِنْدَهم أيْضًا في ضِيقِ المَسْلَكِ وذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ فَكَذا ما تَوَقَّفَ عَلَيْهِ بَلْ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ لِعَدَمِ إمْكانِهِ ما دامَ العَظِيمُ عَلى عِظَمِهِ والضَّيِّقُ عَلى ضِيقِهِ وهي إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالمُمَكِناتِ الصِّرْفَةِ والمُمْكِنُ الوُلُوجُ بِتَصْغِيرِ العَظِيمِ أوْ تَوْسِيعِ الضَّيِّقِ وقَدْ كَثُرَ في كَلامِهِمْ مِثْلُ هَذِهِ الغايَةِ فَيَقُولُونَ لا أفْعَلُ كَذا حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ وحَتّى يَبْيَضَّ القارُ وحَتّى يَؤُوبَ القارِظانِ ومُرادُهم لا أفْعَلُ كَذا أبَدًا وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ ( الجُمَّلُ ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ كالقُمَّلِ.

وقَرَأ عَبْدُ الكَرِيمِ وحَنْظَلَةُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ أُخْرى ( الجُمَلُ ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ مَعَ التَّخْفِيفِ كَنُغَرٍ.

وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ ( الجُمْلُ ) بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ كالقُفْلِ و( الجُمُلُ ) بِضَمَّتَيْنِ كالنُّصُبِ وقَرَأأبُو السَّمالِ ( الجَمْلُ ) بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ كالحَبْلِ وفُسِّرَ في جَمِيعِ ذَلِكَ بِالحَبْلِ الغَلِيظِ مِنَ القُنَّبِ وقِيلَ: هو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقُرِئَ ( في سُمِّ ) بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ فِيهِ والفَتْحُ أشْهَرُ ومَعْناهُ الثُّقْبُ الصَّغِيرُ مُطْلَقًا وقِيلَ: أصْلُهُ ما كانَ في عُضْوٍ كَأنْفٍ وأُذُنٍ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( في سَمِّ المِخْيَطِ ) بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها وهو والخِياطُ ما يُخاطُ بِهِ كالحِزامِ والمِحْزَمِ والقِناعِ والمِقْنَعِ ﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ (40) أيْ جِنْسَهم وأُولَئِكَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وأصْلُ الجِرْمِ قَطْعُ الثَّمَرَةِ عَنِ الشَّجَرَةِ ويُقالُ: أجْرَمَ صارَ ذا جِرْمٍ كَأتْمَرَ وأثْمَرَ ويُسْتَعْمَلُ في كَلامِهِمْ لِاكْتِسابِ المَكْرُوهِ ولا يَكادُ يُقالُ لِلْكَسْبِ المَحْمُودِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بمحمد  والقرآن وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها يعني: استكبروا عن قبولها.

ويقال: عن النظر فيها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ لأعمال الكفار أي: ليس لهم عمل صالح يفتح لهم أبواب السماء ويقال: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا ماتوا.

وقال بعضهم: أبواب السماء أي أبواب الجنة وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ أي لا يدخلون الجنة أبداً كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة.

وروي عن ابن مسعود  أنه سئل عن الجمل.

فقال: زوج الناقة.

وقال الضحاك: الجمل الذي له أربع قوائم.

وقال بعض الناس: الجمل هو أشتر بالفارسية وقال الحسن: هو ولد الناقة وروي عن ابن عباس-  ما- أنه قرأ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة الغليظ.

وسئل عكرمة عن قوله: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ قيل: وما الجمل؟

قال: الحبل الذي يصعد به النخل.

قال سعيد بن جبير هو حبل السفينة الغليظ.

قرأ أبو عمرو لا تُفْتَحْ بالياء بلفظ التذكير بالتخفيف.

وقرأ الباقون بالتاء المشددة.

فمن قرأ بالتأنيث فلأنها من جماعة الأبواب.

ومن قرأ بالتذكير فلأن الفعل مقدم.

ومن قرأ بالتشديد أراد به تكثير الفتح.

ومن قرأ بالتخفيف فتفتح مرة واحدة وقرأ بعضهم في سُمِّ بضم السين وهي قراءة شاذة وهما لغتان قال أبو عبيدة: كل ثقب فهو سم.

ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي هكذا نعاقب المشركين.

ثم ذكر ما أوعدهم في النار فقال عز وجل: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي: فراش من النار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي يغشاهم النار من فوق رؤوسهم ومعناه: أن من تحتهم ناراً ومن فوقهم ناراً.

كقوله: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: 16] ويقال: لهم من جهنم مهاد أي حظهم من جهنم كالمهاد، فأخبر عن ضيق مكانهم في النار وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ نعاقب الكافرين.

قوله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وذلك أن الله تعالى لما أخبر عن حال الذين كذبوا بآياته واستكبروا عن قبولها أخبر عن حال الذين آمنوا بآياته.

فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي: صدقوا وعملوا الصالحات أي الطاعات والأعمال الصالحة لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: لا نكلف نفساً بعد الإيمان من العمل إلا بقدر طاقتها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني: دائمون.

ثم قال عز وجل: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قال بعضهم: أي في الدنيا أخرج الله تعالى الغل والحسد من قلوبهم، وألف بين قلوبهم كما قال الله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63] ويقال: هذا في الجنة يخرج الغل والحسد من قلوبهم.

قال ابن عباس-  ما-: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعليّ ونحوهم من أصحاب رسول الله  ومن تابعهم على سنتهم ومنهاجهم إلى يوم القيامة.

وقال علي بن أبي طالب لعمران بن طلحة بن عبيد الله: أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى فيهم: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ فأنكر عليه بعضهم.

فقال عليّ: إن لم نكن نحن فمن هم؟

يعني: إن الذين كانوا على عهد رسول الله  لم يكن في قلوبهم من الغل حتى ينزع عنهم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أي من تحت غرفهم وقصورهم وأشجارهم الانهار وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي أكرمنا بهذه الكرامة.

ويقال: إن الذي وفقنا للأمر الذي أوجب لنا هذا الثواب وهو الإسلام.

ويقال: هدانا لهاتين العينين.

وذلك أن أهل الجنة لما انتهوا إلى باب الجنة، فإذا هم بشجرة تنبع من ساقها عينان، فيعمدون إلى إحداهما، فيشربون منها، فيخرج الله تعالى ما كان في أجوافهم من غل وقذر فذلك قوله تعالى: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: 21] ثم يعمدون إلى الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب الله تعالى أجسادهم من كل درن وحسد وجرت عليهم نضرة ولا تشعث رؤوسهم، ولا تغبر وجوههم، ولا تشحب أجسادهم أبداً، تتلقاهم خزنة الجنة فينادون في التقديم أي: قبل أن يدخلوها أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فقالوا بعد ما اغتسلوا من العينين الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي: وفقنا حتى اغتسلنا من هاتين العينين.

ويقال: لما دخلوا الجنة ونظروا إلى كراماتها قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا يعني: لهذا الثواب وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ أي: ما كنا لولا أن وفقنا الله.

ذلك أنهم علموا أن الله تعالى له عليهم المن والفضل فيما أعطاهم.

قرأ ابن عامر مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بغير واو على الاستئناف.

وقرأ الباقون والواو وعلى معنى العطف.

لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ يعني: جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فصدقناهم وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ قال بعضهم: قبل أن يدخلوها قال لهم خزنة الجنة تلكم الجنة التي وعدتم.

ويقال بعد ما دخلوا بها يقال لهم: تلك الجنة أي: هذه الجنة التى أُورِثْتُمُوها يعني: أنزلتموها بإيمانكم واقتبستموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في دار الدنيا.

وهذا كما روي في الخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: «جُوزُوا الصِّراطَ بِعَفْوِي وَادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوها بِأَعْمَالِكُمْ» .

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله سبحانه: وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي: قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم فَذُوقُوا الْعَذابَ باجْتَرَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة.

وقيل: قوله: فَذُوقُوا هو من كلام الله عز وجل لجميعهم.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الآية، هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم.

قرأ نافع «١» وغيره: «تُفَتَّح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو: «تُفْتَح» بالتاء أيضاً وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية: لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين.

قاله ابن عباس، وغيره.

ثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور «٢» المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن عباس وغيره «٣» «الجُمّل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة «٤» والسّمّ: الثقب من الإبرة وغيرها، وكَذلِكَ أي: وعلى هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ أيْ: بِحُجَجِنا وأعْلامِنا الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وتَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِها ﴿ لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تُفَتَّحُ"؛ بِالتّاءِ، وشَدَّدُوا التّاءَ الثّانِيَةَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لا تَفْتَحُ" بِالتّاءِ خَفِيفَةً.

ساكِنَةَ الفاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَفْتَحُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً خَفِيفَةً.

وقَرَأ اليَزِيدِيُّ عَنِ اخْتِيارِهِ: "لا تَفْتَحُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ﴿ أبْوابُ السَّماءِ ﴾ بِنَصْبِ الباءِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أفْعالِهِمْ.

وقَرَأ الحَسَنُ: بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، مَعَ نَصْبِ الأبْوابِ، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وفي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَفْتَحُ لِأرْواحِهِمْ أبْوابُ السَّماءِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، والسُّدِّيِّ في آَخَرِينَ، والأحادِيثُ تَشْهَدُ بِهِ.

والثّانِي: لا تَفْتَحُ لِأعْمالِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لا تَفْتَحُ لِأعْمالِهِمْ ولا لَدُعائِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: لا تَفْتَحُ لِأرْواحِهِمْ ولا لِأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.

وَفِي السَّماءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّماءُ المَعْرُوفَةُ، وهو المَشْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ لِمَعْنى: لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ ولا يَدْخُلُونَها، لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ الجُمَلُ: هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ خَصَّ الجُمَلَ دُونَ سائِرِ الدَّوابِّ، وفِيها ما هو أعْظَمُ مِنهُ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ضَرْبَ المَثَلِ بِالجَمَلِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ؛ والمَقْصُودُ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَما لا يَدْخُلُ الجُمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ، ولَوْ ذَكَرَ أكْبَرَ مِنهُ أوْ أصْغَرَ مِنهُ، جازَ، والنّاسُ يَقُولُونَ: فُلانٌ لا يُساوِي دِرْهَمًا، وهَذا لا يُغْنِي عَنْكَ فَتِيلًا، وإنْ كُنّا نَجِدُ أقَلَّ مِنَ الدِّرْهَمِ والفَتِيلِ.

والثّانِي: أنَّ الجَمَلَ أكْبَرُ شَأْنًا عِنْدَ العَرَبِ مِن سائِرِ الدَّوابِّ، فَإنَّهم يُقَدِّمُونَهُ في القُوَّةِ عَلى غَيْرِهِ، لِأنَّهُ يُوَقَّرُ بِحَمْلِهِ فَيَنْهَضُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الدَّوابِّ، ولِهَذا عَجَّبَهم مِن خَلْقِ الإبِلِ، فَقالَ: ﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  ﴾ ، فَآَثَرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عَلى غَيْرِهِ لِهَذا المَعْنى.

ذَكَرَ الجَوابَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ: وقَدْ رَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "حَتّى يَلِجَ الجُمَلُ" بِضَمِّ الجِيمِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ: هو القَلْسُ الغَلِيظُ.

قالَ المُصَنِّفُ: وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأبِي مِجْلَزٍ، وابْنِ يَعْمُرَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ.

قالَ: ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "حَتّى يَلِجَ الجُمَلُ" بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِها.

قُلْتُ: وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأنَّهُ قَرَأ: "حَتّى يَلِجَ الجُمْلُ" بِضَمِّ الجِيمِ وتَسْكِينِ المِيمِ.

قُلْتُ: وهي قِراءَةُ عِكْرِمَةَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فالجُمْلُ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الجُمَّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى جُمْلَةٍ مِنَ الجِمالِ، قِيلَ في جَمْعِها: جُمَلٌ، كَما يُقالُ حُجْرَةٌ، وحُجَرٌ، وظُلْمَةٌ، وظُلِمٌ.

وكَذَلِكَ مَن قَرَأ: "الجُمْلَ" يَسُوغُ لَهُ أنْ يَقُولَ: الجُمَلُ، بِمَعْنى الجُمَّلِ، وأنْ يَقُولَ: الجُمْلُ، جَمْعُ جُمْلَةٍ، مِثْلُ بُسْرَةٍ، وبُسْرٌ.

وأصْحابُ هَذِهِ القِراءاتِ يَقُولُونَ: الحَبْلُ والحِبالُ، أشْبَهُ بِالإبْرَةِ والخُيُوطِ مِنَ الجِمالِ.

ورَوى عَطاءُ بْنُ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "الجُمُلُ" بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ، وبِالتَّخْفِيفِ، وهي قِراءَةُ الضَّحّاكِ، والجَحْدَرِيُّ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "الجُمَلُ" بِفَتْحِ الجِيمِ، وبِسُكُونِ المِيمِ خَفِيفَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَمِّ الخِياطِ ﴾ السُّمُّ في اللُّغَةِ: الثُّقْبُ.

وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ السِّينِ، وبِها قَرَأ الأكْثَرُونَ، وضَمَّها، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وكَسَرَها، وبِهِ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو نَهْيِكٍ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ.

قالَ ابْنُ القاسِمِ: والخَيّاطُ: المِخْيَطُ، بِمَنزِلَةِ اللِّحافِ والمِلْحَفِ، والقِرامِ والمِقْرَمِ.

وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: في "سَمِّ المَخِيطِ" وقالَ الزَّجّاجُ: الخِياطُ: الإبْرَةُ، وسُمُّها: ثُقْبُها.

والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ.

أبَدًا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا كَما يُقالُ: لا يَكُونُ ذَلِكَ حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ، ويَبْيَضَّ القارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ نَجْزِي الكافِرِينَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ قَدِيمِهِمْ وحَدِيثِهِمْ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "لا تُفَتَّحُ"؛ ﴾ بِضَمِّ التاءِ الأُولى؛ وتَشْدِيدِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "تُفْتَحُ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ؛ وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُفْتَحُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وتَخْفِيفِ التاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وأبُو إبْراهِيمَ "يُفَتَّحُ"؛ بِالياءِ؛ وفَتْحِ الفاءِ؛ وشَدِّ التاءِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "لا يَرْتَفِعُ لَهم عَمَلٌ؛ ولا رُوحٌ؛ ولا دُعاءٌ"؛ فَهي عامَّةٌ في نَفْيِ ما يُوجَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ؛ والكافِرِ آثارًا؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ في الآيَةِ؛ ولِلِينِ أسانِيدِها أيْضًا.

ثُمَّ نَفى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عنهم دُخُولَ الجَنَّةِ؛ وعَلَّقَ كَوْنَهُ بِكَوْنٍ مُحالٍ؛ لا يَكُونُ؛ وهو أنْ يَدْخُلَ الجَمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ؛ حَيْثُ يَدْخُلُ الخَيْطُ؛ والجَمَلُ كَما عُهِدَ؛ والسَمُّ كَما عُهِدَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ: "اَلْجَمَلُ"؛ واحِدُ الجِمالِ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو الجَمَلُ الَّذِي يَقُومُ بِالمِرْبَدِ؛ ومَرَّةً لَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قالَ: هو الأشْتَرُ ؛ وهو "اَلْجَمَلُ"؛ بِالفارِسِيَّةِ؛ ومَرَّةً قالَ: هو الجَمَلُ ولَدُ الناقَةِ؛ وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عِبارَةٌ تَدُلُّ عَلى حَرَجِ السائِلِ؛ لِارْتِيابِ السائِلِينَ لا شَكَّ بِاللَفْظَةِ؛ مِن أجْلِ القِراءاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "اَلْجَمْلُ"؛ بِسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكُ بْنُ الشِخِّيرِ؛ وأبُو رَجاءٍ: "اَلْجُمَّلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وتَشْدِيدِ المِيمِ؛ وهو حَبْلُ السَفِينَةِ؛ وقَرَأ سالِمٌ الأفْطَسُ؛ وابْنُ خَيْرٍ؛ وابْنُ عامِرٍ أيْضًا: "اَلْجُمَلُ"؛ بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ مِن "اَلْجُمَّلُ"؛ وقالُوا: هو حَبْلُ السُفُنِ؛ ورَوى الكِسائِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى تَثْقِيلَ المِيمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - كانَ أعْجَمِيًّا؛ فَشَدَّدَ المِيمَ؛ لِعُجْمَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ فِيما رُوِيَ عنهُ: "اَلْجُمْلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "اَلْجُمُلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ والمِيمِ.

و"اَلسَّمُّ": اَلثُّقْبُ مِنَ الإبْرَةِ وغَيْرِها؛ يُقالُ "سَمٌّ"؛ و"سُمٌّ"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وكَسْرِها؛ وضَمِّها؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ بِضَمِّها؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها وبِكَسْرِها؛ ورُوِيَ عنهُ الوَجْهانِ؛ و"اَلْخِياطُ"؛ و"اَلْمِخْيَطُ": اَلْإبْرَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فِي سَمِّ المِخْيَطِ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وسُكُونِ الخاءِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ: "فِي سَمِّ المَخْيَطِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ وكَذَلِكَ أُبَيٌّ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ؛ وبِمِثْلِ هَذا الحَتْمِ وغَيْرِهِ يُجْزى الكَفَرَةُ؛ وأهْلُ الجَرائِمِ عَلى اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى أنَّ جَهَنَّمَ فِراشٌ لَهُمْ؛ ومَسْكَنٌ؛ ومَضْجَعٌ يَتَمَهَّدُونَهُ؛ وهي لَهم غَواشٍ؛ جَمْعُ "غاشِيَةٌ"؛ وهي ما يُغْشِي الإنْسانَ؛ أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ مِن جِهَةِ فَوْقَ؛ قالَ الضَحّاكُ: "اَلْمِهادُ": اَلْفِراشُ؛ و"اَلْغَواشِي": اَللُّحُفُ؛ ودَخَلَ التَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنُقْصانِهِ عن بِناءِ "مَفاعِلُ"؛ فَلَمّا زالَ البِناءُ المانِعُ مِنَ الصَرْفِ بِأنْ حُذِفَتِ الياءُ حَذْفًا؛ لا لِلِالتِقاءِ؛ بَلْ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واللَيْلِ إذا يَسْرِ  ﴾ ؛ و ﴿ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ  ﴾ ؛ ومِن قَوْلِ الشاعِرِ: ..................................

ثُمَّ لا يَفْرِ زالَ الِامْتِناعُ؛ وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "ذُلْذُلٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ وهم يُرِيدُونَ "اَلذَّلاذِلُ"؛ لَمّا زالَ البِناءُ؛ قالَ الزَجّاجُ: والتَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَنقُوصَةِ؛ ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ هَذا هو مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ ؛ ويَجُوزُ الوُقُوفُ بِياءٍ؛ وبِغَيْرِ ياءٍ؛ والِاخْتِيارُ بِغَيْرِ ياءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مُخْبِرَةٌ أنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الجَنَّةِ؛ ولَهُمُ الخُلْدُ فِيها؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ القَوْلِ بِعَقِبِ الصِفَةِ؛ الَّتِي شَرَطَها في المُؤْمِنِينَ بِاعْتِراضٍ يُخَفِّفُ الشَرْطَ ويُرَجِّي في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ ويُعْلِمُ أنَّ دِينَهُ يُسْرٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الشَرِيعَةَ لا يَتَقَرَّرُ مِن تَكالِيفِها شَيْءٌ لا يُطاقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ؛ وفي وُقُوعِهِ؛ بِمُغْنٍ عَنِ الإعادَةِ.

و"اَلْوُسْعُ"؛ مَعْناهُ: اَلطّاقَةُ؛ وهو القَدْرُ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ قَدْرُ البَشَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي مسوق لتحقيق خلود الفريقين في النّار، الواقععِ في قوله: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 36] فأخبر الله بأنّه حرمهم أسباب النّجاة، فَسَدّ عليهم أبواب الخير والصّلاح، وبأنّه حرّمهم من دخول الجنّة.

وأكّد الخبر ب ﴿ إنّ ﴾ لتأييسهم من دخول الجنّة، لدفع توهّم أن يكون المراد من الخلود المتقدّم ذكرُه الكنايةَ عن طول مدّة البقاء في النّار فإنّه ورد في مواضع كثيرة مراداً به هذا المعنى.

ووقع الإظهار في مقام الإضمار لدفع احتمال أن يكون الضّمير عائداً إلى إحدى الطّائفتين المتحاورتين في النّار، واختير من طرق الإظهار طريق التّعريف بالموصول إيذاناً بما تومئ إليه الصّلة من وجه بناءِ الخبر، أي: إنّ ذلك لأجل تكذيبهم بآيات الله واستكبارهم عنها، كما تقدّم في نظيرها السّابق آنفاً.

والسّماءُ أطلقت في القرآن على معاننٍ، والأكثر أن يراد بها العوالم العليا غير الأرضيّة، فالسّماء مجموع العوالم العليا وهي مَراتب وفيها عوالم القُدس الإلهيّةُ من الملائكة والرّوحانيات الصّالحة النّافعة، ومصدرُ إفاضة الخيرات الرّوحيّة والجثمانيّة على العالم الأرضي، ومصدَرُ المقادير المقدّرة قال تعالى: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ [الذاريات: 22]، فالسّماء هنا مراد بها عالم القدس.

وأبوابُ السّماء أسبابُ أمور عظيمة أطلق عليها اسم الأبواب لتقريب حقائقها إلى الأذهان فمنها قبول الأعمال، ومسالكُ وصول الأمور الخيّريّة الصّادرة من أهل الأرض، وطرق قبولها، وهو تمثيل لأسباب التّزكية، قال تعالى: ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ [فاطر: 10]، وما يعلم حقائقها بالتّفصيل إلاّ الله تعالى، لأنّها محجوبة عنّا، فكما أنّ العفاة والشّفعاء إذا وَرَدُوا المكان قد يُقبلون ويُرضى عنهم فتُفْتَح لهم أبواب القصور والقباب ويُدخلون مُكرّمين، وقد يردّون ويُسخطون فتوصد في وجوههم الأبوابُ، مُثِّل إقصاء المكذّبين المستكبرين وعدمُ الرّضا عنهم في سائر الأحوال، بحال من لا تفتَح له أبواب المنازل، وأضيفت الأبواب إلى السّماء ليظهر أنّ هذا تمثيل لحرمانهم من وسائل الخيرات الإلهيّة الروحية، فيشمل ذلك عدم استجابة الدّعاء، وعدم قبول الأعمال والعبادات، وحرمان أرواحهم بعد الموت مشاهدة مناظر الجنّة ومقاعد المؤمنين منها، فقوله: ﴿ لا نفتح لهم أبواب السماء ﴾ كلمة جامعة لمعنى الحرمان من الخيرات الإلهيّة المحضة، وإن كانوا ينالون من نِعم الله الجثمانية ما يناله غيرهم، فيغاثون بالمَطَر، ويأتيهم الرّزق من الله، وهذا بيان لحال خذلانهم في الدّنيا الحائل بينهم وبين وسائل دخول الجنّة.

كما قال النّبي صلى الله عليه وسلم «كلّ ميسَّر لِمّا خُلِق له» وقال تعالى: ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ﴾ [الليل: 5 10].

وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوبُ: ﴿ لا تُفَتَّح ﴾ بضمّ التّاء الأولى وفتح الفاء والتّاءِ الثّانية مشدّدة وهو مبالغة في فَتح، فيفيد تحقيق نفي الفتح لهم، أو أشير بتلك المبالغة إلى أن المنفي فتح مخصوص وهو الفتح الذي يفتح للمؤمنين، وهو فتح قوي، فتكون تلك الإشارة زيادة في نكايتهم.

وقرأ أبو عَمرو بضمّ التّاء الأولى وسكون الفاء وفتح التّاء الثّانية مخفّفة.

وقرأ حمزة، والكسائي، وخلَف ﴿ لا يُفتَحُ ﴾ بمثنّاة تحتيّة في أوّله مع تخفيف المثنّاة الفوقيه مفتوحة على اعتبار تذكير الفعل لأجل كون الفاعل جمعاً لمذكّر.

وقوله: ﴿ ولا يدخلون الجنّة ﴾ اخبار عن حالهم في الآخرة وتحقيق لخلودهم في النّار.

وبعد أن حُقّق ذلك بتأكيد الخبر كلّه بحرف التّوكيد، زيد تأكيداً بطريق تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه، المشتهرِ عند أهل البيان بتأكيد المدح بما يُشْبه الذّم، وذلك بقوله تعالى: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ فقد جعل لانتفاء دخولهم الجنّة امتداداً مستمراً، إذْ جعل غايته شيئاً مستحيلاً، وهو أن يَلج الجمل في سَمّ الخياط، أي لو كانت لانتفاء دخولهم الجنّة غايةٌ لكانت غايتُه ولوجَ الجْمل وهو البعير في سَمّ الخِياط، وهو أمر لا يكون أبداً.

والجَمَل: البعير المعروف للعرب، ضُرب به المثل لأنّه أشهر الأجسام في الضّخامة في عرف العرب.

والخِياط هو المِخْيَط بكسر الميم وهو آلة الخياطة المسمّى بالإبْرَة، والفِعال وَرَدَ اسماً مرادفاً للمِفعَل في الدّلالة على آلةِ الشّيء كقولهم حِزَام ومِحْزم، وإزار ومِئْزر، ولِحاف ومِلحَف، وقِناع ومِقنع.

والسَمّ: الخَرْت الذي في الإبرة يُدخل فيه خيط الخائط، وهو ثقب ضيّق، وهو بفتح السّين في الآية بلغة قريش وتضمّ السّين في لغة أهل العالية.

وهي ما بين نجد وبين حدود أرض مكّة.

والقرآن أحال على ما هو معروف عند النّاس من حقيقة الجَمل وحقيقة الخِياط، ليعلم أنّ دخول الجمل في خَرْت الإبرة محال متعذّر ما داما على حاليهما المتعارفين.

والإشارة في قوله: ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى عدم تفتّح أبواب السّماء الذي تضمّنه قوله: ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة ﴾ أي، ومثل ذلك الانتفاء، أي الحرمان نجزي المجرمين لأنّهم بإجرامهم، الذي هو التّكذيب والإعراض، جعلوا أنفسهم غير مكترثين بوسائل الخير والنّجاة، فلم يتوخّوها ولا تطلبوها، فلذلك جزاهم الله عن استكبارهم أن أعرض عنهم، وسدّ عليهم أبواب الخيرات.

وجملة ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ تذييل يؤذن بأنّ الإجرام هو الذي أوقعهم في ذلك الجزاء، فهم قد دخلوا في عموم المجرمين الذين يجْزون بمثل ذلك الجزاء، وهم المقصود الأوّل منهم، لأنّ عقاب المجرمين قد شُبّه بعقاب هؤلاء، فعلم أنّهم مجرمون، وأنّهم في الرّعيل الأوّل من المجرمين، حتّى شُبِّه عقاب عموم المجرمين بعقاب هؤلاء وكانوا مثَلا لذلك العموم.

والإجرام: فعل الجُرْم بضمّ الجيم وهو الذنْب، وأصل: أجرم صار ذا جُرم، كما يقال: ألْبَنَ وأتمر وأخْصَب.

والمِهاد بكسر الميم ما يُمْهَد أي يفرش، و«غواش» جمع غاشية وهي مَا يغشى الإنسانَ، أي يغطّيه كاللّحاف، شبّه ما هو تحتهم من النّار بالمِهاد، وما هو فوقهم منها بالغواشي، وذلك كناية عن انتفاء الرّاحة لهم في جهنّم، فإنّ المرء يحتاج إلى المهاد والغاشية عند اضطجاعه للرّاحة، فإذا كان مهادهم وغاشيتهم النّار.

فقد انتفت راحتهم، وهذا ذِكر لعذابهم السّوء بعد أن ذكر حِرمانهم من الخير.

وقوله: ﴿ غَواش ﴾ وصف لمقدّر دلّ عليه قوله: ﴿ من جهنّم ﴾ ، أي ومن فوقهم نيران كالغواشي.

وذّيله بقوله: ﴿ وكذلك نَجزي الظالمين ﴾ ليدلّ على أن سبب ذلك الجزاء بالعقاب: هو الظلمُ.

وهو الشّرك.

ولمّا كان جزاء الظّالمين قد شبّه بجزاء الذين كذّبوا بالآيات واستكبروا عنها، علم أنّ هؤلاء المكذّبين من جملة الظّالمين.

وهم المقصود الأوّل من هذا التّشبيه، بحيث صاروا مثلاً لعموم الظالمين، وبهذين العمومين كان الجملتان تذييلين.

وليس في هذه الجملة الثّانية وضع الظّاهر موضع المضمر: لأنّ الوصفين، وإن كانا صادقين معاً على المكذّبين المشبَّهِ عقابُ أصحاب الوصفين بعقابهم.

فوصف المجرمين أعمّ مفهوماً من وصف الظّالمين، لأنّ الإجرام يشمل التّعطيل والمجوسيّة بخلاف الإشراك.

وحقيقة وضع المظهر موقع المضمر إنّما تتقوّم حيث لا يكون للاسم الظّاهر المذكور معنى زائد على معنى الضّمير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ لا تُفْتَحُ لِأرْواحِهِمْ لِأنَّها تُفْتَحُ لِرُوحِ الكافِرِ وتُفْتَحُ لِرُوحِ المُؤْمِنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: لا تُفْتَحُ لِدُعائِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لا تُفْتَحُ لِأعْمالِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ.

والرّابِعُ: لا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ لِدُخُولِ الجَنَّةِ لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

والخامِسُ: لا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ لِنُزُولِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَمُّ الخِياطِ: ثُقْبُ الإبْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ سَمَّ الخِياطِ هو السُّمُّ القاتِلُ الدّاخِلُ في مَسامِّ الجَسَدِ أيْ ثُقْبِهِ.

وَفي ﴿ الجَمَلُ ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما: وعَلَيْها الجُمْهُورُ، الجَمَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ المِيمِ وهو ذُو القَوائِمِ الأرْبَعِ.

والثّانِيَةُ الجُمَّلُ بِضَمِّ الجِيمِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وهو القَلْسُ الغَلِيظُ، وهَذِهِ قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وإحْدى قِراءَتِيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَتَأوَّلُ أنَّهُ حَبْلُ السَّفِينَةِ.

وَمَعْنى الكَلامِ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا كَما لا يَدْخُلُ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ أبَدًا، وضَرْبُ المَثَلِ بِهَذا أبْلَغُ في إياسِهِمْ مِن إرْسالِ الكَلامِ وإطْلاقِهِ في النَّفْيِ، والعَرَبُ تَضْرِبُ هَذا لِلْمُبالَغَةِ، قالَ الشّاعِرُ: إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أهْلِي وعادَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِراشٌ مِن نارٍ، والمِهادُ: الوِطاءُ، ومِنهُ أُخِذَ مَهْدُ الصَّبِيِّ.

﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها اللُّحُفُ.

والثّانِي: اللِّباسُ.

والثّالِثُ: الظُّلَلُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّ النّارَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، فَعَبَّرَ عَمّا تَحْتَهم بِالمِهادِ، وعَمّا فَوْقَهم بِالغَواشِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ يعني لا يصعد إلى الله من عملهم شيء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال: لا تفتح لهم لعمل ولا دعاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال: عَيَّرَتها الكفار، إن السماء لا تفتح لأرواحهم وهي تفتح لأرواح المؤمنين.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتح لهم (بالياء).

وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً قال: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة وابشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، فإذا كان الرجل السوء قال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة وابشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟

فيقال فلان...

فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنها لا تفتح لك أبواب السماء.

فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر» .

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف واللالكائي في السنة والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري قال: تخرج نفس المؤمن وهي أطيب ريحاً من المسك، فيصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتلقاهم ملائكة دون السماء فيقولون: من هذا معكم؟

فيقولون فلان، ويذكرونه بأحسن عمله، فيقولون: حياكم الله وحيا من معكم، فيفتح له أبواب السماء فيصعد به من الباب الذي كان يصعد عمله منه.

فيشرق وجهه فيأتي الرب ولوجهه برهان مثل الشمس.

قال: وأما الكافر فتخرج نفسه وهي أنتن من الجيفة، فيصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتلقاهم ملائكة دون السماء فيقولون: من هذا؟!

فيقولون فلان، ويذكرونه باسوأ عمله، فيقولون: ردوه فما ظلمه الله شيئاً.

فيرد إلى أسفل الأرضين إلى الثرى، وقرأ أبو موسى ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ .

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وهناد بن السري وعبد بن حميد وأبو داود في سننه وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في كتاب عذاب القبر عن البراء بن عازب قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، وكان على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكث به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إنَّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأنَّ وجوههم الشمس، معهم أكفان من كفن الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.

فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء وإن كنتم ترون غير ذلك، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟!

فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعه، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين واعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده.

فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟

فيقول: ربي الله.

فيقولان له: ما دينك؟

فيقول: ديني الإِسلام.

فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

فيقول: هو رسول الله.

فيقولان له: وما عملك؟

فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت.

فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: ابشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد.

فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه يجيء بالخير؟!

فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى ارجع إلى أهلي ومالي.

قال: وإن العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق في جسده فينتزعها كما يتنزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟!

فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ﴾ [ الحج: 31] .

فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟

فيقول: هاه هاه...

!

فيقولان له: ما دينك؟

فيقول: هاه هاه لا أدري...

!

فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

فيقول هاه هاه لا أدري...

!

فينادي مناد من السماء: إن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف في أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: ابشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه، يجيء بالشر؟!

فيقول: أنا عملك الخبيث.

فيقول: رب لا تقم الساعة» .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال: لا يصعد لهم كلام ولا عمل.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال: لا يرفع لهم عمل ولا دعاء.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال: لأرواحهم ولا أعمالهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال: الكافر إذا أخذ روحه ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط، فضربته ملائكة الأرض فارتفع، فضربته ملائكة السماء الدنيا فهبط إلى أسفل الأرضين، وإذا كان مؤمناً روّح روحه، وفتحت له أبواب السماء، فلا يمر بملك إلا حياه وسلم عليه حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته ثم يقول الله: ردوا روح عبدي فيه إلى الأرض فإني قضيت من التراب خلقه وإلى التراب يعود ومنه يخرج.

قوله تعالى ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى يلج الجمل ﴾ قال: ذو القوائم ﴿ في سم الخياط ﴾ قال: خرق الإِبرة.

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والطبراني في الكبير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ حتى يلج الجمل ﴾ قال: زوج الناقة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ حتى يلج الجمل ﴾ قال: ابن الناقة الذي يقوم في المربد على أربع قوائم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس.

أنه كان يقرأ ﴿ الجمل ﴾ يعني بضم الجيم وتشديد الميم، وقال: الجمل الحبل الغليظ، وهو من حبال السفن.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن مجاهد قال: قراءة ابن مسعود ﴿ حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن مصعب قال: إن قرئت الجمل فإنا نعرف طيراً يقال له الجمل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد حتى ﴿ يلج الجمل في سم الخياط ﴾ قال: الجمل حبل السفينة، وسم الخياط ثقبة.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال: الجمل الحبل الذي يصعد به إلى النخل، الميم مرفوعة مشددة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: حتى يدخل البعير في خرق الإِبرة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر.

أنه سئل عن سم الخياط؟

قال: الجمل في ثقب الإِبرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ .

قال أبو إسحاق: (أي: كذبوا بحججنا (١) (٢) ﴿ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا ﴾ ، معنى الاستكبار (٣) ﴿ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا ﴾ ترفعوا (٤) وقوله تعالى: ﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾ قرأ (٥) ﴿ تُفَتَّحُ ﴾ بالتاء والتشديد، ووجهها قوله ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ  ﴾ فقياس ﴿ مُفَتَّحَةً ﴾ تُفَتَّح، وقرأ أبو عمرو ﴿ تُفَتَّحُ ﴾ خفيفة، وحجته قوله: ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ  ﴾ ، [وقرأ حمزة والكسائي ﴿ يُفَتَّحُ ﴾ بالياء خفيفة، لتقدم الفعل.

ومعنى: ﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾ ] (٦) (٧) قال ابن عباس: (يريد: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به الله) (٨) (٩) وقال السدي (١٠) (١١) يدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: "أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، فيقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها: ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء" (١٢) وأجمل الزجاج كل هذا فقال: (أي: لا تصعد أرواحهم ولا أعمالهم إلى السماء؛ لأن أعمال المؤمنين وأرواحهم تصعد إلى السماء) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾ ؛ الولوج معناه: الدخول، والإيلاج: الإدخال (١٤) (١٥) قال الليث (١٦) (١٧) والسم (١٨) (١٩) وقال الفرزدق: فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حَتى تَنَفَّسَا ...

وقُلتُ لَهُ لاَ تَخْشَ شَيْئًا وَرَائِيا (٢٠) ومنه قيل: السم القاتل؛ لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، و ﴿ الْخِيَاطِ ﴾ (٢١) (٢٢) قال الزجاج: (والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدًا) (٢٣) قال ابن الأنباري: (وإنما خص الجمل من بين الحيوان بالذكر إذ كان أكثر شأنًا عند العرب من سائر الدواب، والعرب تقدمه في القوة علي سائرها من أجل أنه يوقر بحمله وهو بارك فينهض به، ولم تر العرب أعظم منها (٢٤) (٢٥) وقال أهل المعاني (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ .

قال الزجاج: (أي: ومثل الذي وصفنا ﴿ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ (٣١) (٣٢) (١) في (أ): (بحجتنا).

(٢) "معاني الزجاج" 2/ 337، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 175، والسمرقندي 1/ 540.

(٣) الكبر -بكسر الكاف وسكون الباء- والتكبر والاستكبار تتقارب: وهو العظمة والإعجاب بالنفس وأعظمه الامتناع عن قبول الحق معاندة وبطرًا.

انظر: "العين" 5/ 361، و"الجمهرة" 1/ 327، و"تهذيب اللغة" 4/ 3091، و"الصحاح" 2/ 801، و"المجمل" 3/ 776، و"المفردات" ص 696، و"اللسان" 6/ 3808 (كبر).

(٤) في (ب): (وقفوا).

(٥) قرأ أبو عمرو: ﴿ تُفَتَّحُ ﴾ بالتاء مع إسكان الفاء وتخفيف التاء الثانية، وقرأ حمزة والكسائي مثلها إلا أنه بالياء: ﴿ يُفَتَّحُ ﴾ ، وقرأ الباقون: ﴿ تُفَتَّحُ ﴾ بالتاء مع فتح الفاء وتشديد التاء الثانية.

انظر: "السبعة" ص 280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 418 - 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٧) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 18 - 19، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 405، و"إعراب القراءات" 1/ 180، و"الحجة" لابن زنجلة ص 282، و"الكشف" 1/ 462.

(٨) أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 112، والطبري 8/ 176، وابن أبي حاتم 5/ 1477 من عدة طرق جيدة (٩) ومنهم الفراء في "معانيه" 1/ 379، وأخرجه الطبري 8/ 176، من طرق عن مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير.

(١٠) أخرجه الطبري 8/ 175، وابن أبي حاتم 5/ 1476 بسند جيد.

(١١) أخرجه الطبري 8/ 175، 176، وابن أبي حاتم 5/ 1476 بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس.

(١٢) أخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (4262) كتاب الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، بسند جيد عن أبي هريرة، وأخرج أبو داود الطيالسي في "مسنده" ص 102 - 103، وعبد الرزاق في "المصنف" 3/ 580، وأحمد في "المسند" 4/ 287 - 288، وأبو داود رقم (4753) كتاب السنة، باب: في المساءلة في القبر، والطبري 8/ 177، والحاكم في "المستدرك" 1/ 37 - 40 ، من عدة طرق عن البراء بن عازب -  - مطولًا نحوه، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) أهـ.

وله شواهد وطرق أخرى ذكرها السيوطي في "الدر" 3/ 155، وانظر: مرويات الإِمام أحمد في "التفسير" 2/ 106 - 107 و175 - 178، وص 434 - 435.

(١٣) "معاني القرآن" 2/ 337، وهذا القول هو الظاهر واختيار جمهور المفسرين ومنهم الطبري 8/ 176، وابن عطية 5/ 502، وابن كثير 2/ 238، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه فإن ذلك لا يدل على فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية، أفاده الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 299، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 34، و"تفسير القرطبي" 7/ 206، و"بدائع التفسير" 2/ 212.

(١٤) انظر: "الجمهرة" 1/ 493، و"تهذيب اللغة" 4/ 3949، و"الصحاح" 1/ 347، و"المجمل" 4/ 937، و"المفردات" ص 882، و"اللسان" 8/ 4913 (ولج).

(١٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 178، من عدة طرق جيدة إلا أنه مرسل؛ لأنه من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وهما لم يسمعا من ابن مسعود، انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص 9 وص 205، والأثر ذكره السيوطي في "الدر" 5/ 157: (وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ والطبراني في "الكبير") وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 23 وقال: (رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود والأخرى ضعيفة) اهـ.

(والجمل) -بالفتح وتخفيف الميم-: معروف وهو زوج الناقة وهو الظاهر وقول جمهور المفسرين وذكر أثر ابن مسعود الزجاج في "معانيه" 2/ 338، والنحاس في "معانيه" 3/ 35 وقالا: (كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعًا).

وانظر: "معاني الفراء" 1/ 379، و"تفسير السمرقندي" 1/ 540، و"تفسير الماوردي" 2/ 2231.

(١٦) "تهذيب اللغة" 1/ 655، وانظر "العين" 6/ 141، و"الجمهرة" 1/ 491، و"الصحاح" 4/ 1661، و"المجمل" 1/ 198، و"المفردات" ص 203، و"اللسان" 2/ 683 (جمل).

(١٧) بَزَل البعير يَبْزُل بُزُولًا فطر نابه أي: انشق وطلع.

انظر: "اللسان" 1/ 276 (بزل).

(١٨) السَّمُّ -بفتح السين وضمها لغتان- قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 214: (كل ثقب فهو سَمٌّ والجميع سموم) وانظر: "الجمهرة" 1/ 135، و"تهذيب اللغة" 2/ 1761، و"الصحاح" 5/ 1953، و"المجمل" 2/ 455، و"المفردات" ص 424، و"اللسان" 4/ 2102 (سمم).

(١٩) ذكرها النحاس في "معانيه" 3/ 36، وابن عطية 5/ 503، والرازي 14/ 76، والقرطبي 7/ 207، وهي قراءة جماعة منهم ابن مسعود وأبو رزين وأبو السمال وقتادة وابن محيصن وطلحة بن مصرف، انظر: "مختصر الشواذ" ص 49، و"زاد المسير" 3/ 198، و"البحر" 4/ 297.

(٢٠) ليس في "ديوانه"، وهو في "تفسير الطبري" 8/ 178، و"الدر المصون" 5/ 318، وصدره بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 2/ 1763، و"اللسان" 8/ 2103 (سمم) ويعني بسميه: ثقبي أنفه، أفاده الطبري.

(٢١) الخَيْط، بفتح الخاء وسكون الياء: واحد الخيوط معروف وهو السلك والخياط والمِخْيَط: الإبرة وما يخيط به.

انظر: "العين" 4/ 293، و"الجمهرة" 1/ 611، و"تهذيب اللغة" 1/ 964، == و"الصحاح" 3/ 1125، و"مجمل اللغة" 2/ 308، و"المفردات" ص 302، و"اللسان" 3/ 1302 (خيط).

(٢٢) "معاني الفراء" 1/ 379، ومثله ذكر الطبري 8/ 178.

(٢٣) "معاني القرآن" 2/ 338، وهو قول عامة المفسرين.

انظر: "الطبري" 8/ 178، و"معاني النحاس" 3/ 35، والسمرقندي 1/ 540، والماوردي 2/ 222.

(٢٤) كذا في النسخ: "منها" أي الجمال، والأولى (منه) أي الجمل.

(٢٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 197.

(٢٦) ذكره الخازن 2/ 229 عن بعض أهل المعاني.

(٢٧) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).

(٢٨) في (ب): (استحال دون).

(٢٩) ذكره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 177، وقولهم: (لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار) يتمثل به في اليأس عن الشيء.

انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 363، و"المستقصى" للزمخشري 2/ 59.

(٣٠) الشاهد في "تفسير الماوردي" 2/ 223، و"وضح البرهان" للغزنوي 2/ 73، و"تفسير الخازن" 2/ 229، و"الدر المصون" 5/ 320 من غير نسبة، وفي حاشية وضح البرهان أفاد أنه للقارظ العنزي ونسب لتميم الداري.

(٣١) لفظ: (نجزي المجرمين).

ساقط من (أ).

(٣٢) "معاني القرآن" 2/ 338، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 36، والسمرقندي 1/ 541، وقال الطبري 8/ 181: (يقول: وكذلك نثيب الذين أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة) أهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السمآء ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: لا يصعد عملهم إلى السماء، والثاني: لا يدخلون الجنة، فإن الجنة في السماء، والثالث لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا كما تفتح لأرواح المؤمنين ﴿ حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط ﴾ أي حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة والمعنى لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبداً، فلا يدخلونها أبداً ﴿ مِهَادٌ ﴾ فراش ﴿ غَوَاشٍ ﴾ أغطية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى إذا ادّاركوا ﴾ كان يعقوب: إذا وقف على "إذا" يبتدىء ﴿ تداركوا ﴾ بالتاء.

سهل: مخير، وكذلك قوله  : ﴿ قلتم ﴾ ﴿ وقالوا إنا طيرنا ﴾ وافق الكسائي في ﴿ تثاقلتم ﴾ ﴿ أخراهم لأولاهم ﴾ بالإمالة الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف.

وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد ﴿ أولاهم ﴾ بالإمالة اللطيفة ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة ﴿ فآتهم ﴾ بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة.

إلا قوله: ﴿ ومن يولهم  ﴾ ﴿ لا يعلمون ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد ﴿ لا تفتح لهم ﴾ بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف.

الباقون بتاء التأنيث والتشديد.

﴿ غواشي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ ما كنا ﴾ بغير واو العطف: ابن عامر.

الآخرون بالواو.

﴿ أورثتموها ﴾ وبابه بإدغام الثاء: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.

الوقوف: ﴿ آياتي ﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ ولاهم يحزنون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ من الكتاب ﴾ ط ﴿ يتوفونهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ط ﴿ أختها ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ لا لما قلنا.

﴿ من النار ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ الخياط ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ غواش ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ وسعها ﴾ ط وجعل ﴿ أولئك ﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ معترضة ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط للعطف مع العارض.

﴿ اهدنا الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ بالحق ﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بيّن أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بيّن أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم ﴾ وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة ﴿ فإما يأتينكم مني هدى  ﴾ والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم.

وإنما قال: ﴿ رسل منكم ﴾ لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والآنس.

ومعنى أياتي أحكامي وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد.

ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ﴾ والأول الحكم بوجود ما لم يوجد كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة.

والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو كتاب.

ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قيل: أي العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين.

وقال الزجاج: أي أنواع البلايا المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب.

وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد.

وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار كأنه  بيّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله  لكي يصلحوا ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ وذلك أن "حتى" هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه ههنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك النصيب يكون مقدماً على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق.

ومحل ﴿ يتوفونهم ﴾ نصب على الحال من الرسل.

قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ.

وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون عدّتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدّتهم حتى لا ينفلت منهم أحد.

قال في الكشاف: "ما" وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أي الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد ﴿ قالوا ﴾ على سبيل الاعتراف والعود إلى الإنصاف ﴿ ضلوا عنا ﴾ أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم ﴿ وشهدوا على أنفسهم ﴾ بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: ﴿ قال ﴾ أي الله.

وعن مقاتل هو من كلام خازن النار.

وهذا مبني على أنه  لا يجوز أن يكلم الكفار وإن كان كلام سخط ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ قيل: أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز.

والمعنى ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار.

وفيه دليل على أن أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ في الدين والعقيدة.

فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى ﴿ حتى إذا ادّاركوا فيها ﴾ أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضاً واستقر معه ﴿ قالت أخراهم ﴾ أي آخرتهم دخولاً في النار ﴿ لأولاهم ﴾ دخولاً فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدماً على الضال في دخول النار.

واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع الله لا معهم ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ﴾ الفاء للجزاء ﴿ عذاباً ضعفاً ﴾ أي مضاعفاً وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل.

قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه مرتين.

وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين بدليل قوله عز من قائل: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا  ﴾ وأقل ذلك عشرة لقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك متقن وما فوقه مشكوك ﴿ قال ﴾ أي الله أو خازن النار ﴿ لكل ﴾ من القادة والأتباع ﴿ ضعف ﴾ أما للقادة فلما قلنا، وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروّجوا أمرهم.

سئل ههنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير النهاية.

قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا يصلح للجواب.

والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية والله أعلم ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك.

﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ إذ قد حكم الله بأن لكل منا ضعفاً ﴿ فما كان ﴾ أي فما ثبت ﴿ لكم علينا من فضل ﴾ لأنكم مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله  فيهم.

قال في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذباً لأنهم بنو كلامهم على حكم الله  بأن لكل ضعفاً.

ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وهي الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد ﴿ واستكبروا عنها ﴾ أي ترفعوا عن قبولها ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال ابن عباس: أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله  من قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ومن قوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها كما جاء في الحديث "إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة.

ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء" وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرّق لهم إليها حتى يدخلوا الجنة.

وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله  : ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر  ﴾ ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ الولوج الدخول.

وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.

والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب.

والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع.

ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام المشهورة عند العرب كما قال: لا عيب بالقوم من طول ومن عظم *** جسم الجمال وأحلام العصافير وكان سم الإبرة مثلاً في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة.

وقالوا للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله  دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة قطعاً فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: "لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار".

وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن.

واختار ابن عباس هذا التفسير قائلاً: إن الله  أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه.

وأهل التناسخ أوّلوا الآية بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لمّا عصت وأذنبت فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذٍ تصير مطهرة عن تلك الذنوب فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نجزي المجرمين ﴾ قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق بشرط عند التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة.

ثم لما بين أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ أي فراش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.

والتنوين في ﴿ غواش ﴾ مثله في "جوار" أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان الياء ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾ هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

وقوله ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن.

وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعداً لمن فاتته وسحقاً لمن فارقته.

ومن جعله خبراً فالعائد محذوف أي لا نكلف نفساً منهم.

ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل  ﴾ وللآية تفسيران: الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف.

عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.

الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوته بحسب الكمال والنقص، فالله  أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله  من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله  ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير.

ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ ونودوا أن تلكم ﴾ بأنه تلكم ﴿ الجنة ﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول.

وإنما قيل: ﴿ تلكم ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم.

ومعنى ﴿ أورثتموها ﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.

قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار.

وقيل: أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.

وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم" قالت المعتزلة قوله: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل.

وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله  كان دخول الجنة بفضله.

وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله  أعلم.

التأويل: ﴿ يا بني آدم أما يأتينكم رسل ﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته.

﴿ افترى على الله كذباً ﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿ أو كذب ﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿ حتى إذا جاءتهم ﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿ يتوفونهم ﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿ قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وشهدوا ﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله  .

ثم قال لأهل الخذلان ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وقدم الجن لأن الله  خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر.

﴿ كلما دخلت أمة ﴾ في أعمال أهل النار ﴿ لعنت أختها ﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿ حتى إذا ﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار.

﴿ عذاباً ﴾ ﴿ ضعفاً ﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿ لكل ضعف ﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿ لا تفتح لهم أبواب ﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ ولا يدخلون ﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿ لهم من جهنم ﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم.

﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : إنما هو حرف استفهام وسؤال لم يخرج له جواب، لكن أهل التأويل عرفوا ذلك، فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، أجابوا على ما عرفوا من السؤال؛ وإلا ليس قولهم: لا أحد أظلم، نفس قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ، أي: لا أحد أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً، مع علمه أنه خالقه، وأنه متقلب في نعمه، وأحاطت به أياديه وإحسانه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : أي لا [أحد] أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً.

وقوله: ﴿ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، قيل: الافتراء هو اختراع الكذب من نفسه من غير أن سبق له أحد في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ  ﴾ وأما [الكذب] فقد يكون مما أنشأ هو أو مما قد سبق له أحد فسمع منه ثم افتراه على الله فهو أنواع: يكون بما قالوا: [إن له ولداً، وقالوا: إن له شريكاً وصاحبة، وبما عبدوا غير الله وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ويكون ما قالوا] ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ، ويكون بما حرموا من أشياء على أنفسهم فأضافوا ذلك إلى الله، ونحو ذلك من الافتراء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

اختلف فيه: قال الحسن: [إنّ] من أطاع الله في أمره ونهيه، وأطاع رسله، فقد كتبت له الجنة خالداً فيها أبداً، فذلك نصيبه وحظه من الكتاب الذي كتب له، ومن عصى الله وخالف رسله، كتبت له النار [خالداً فيها أبداً] فهو نصيبه من الكتاب.

وقال أبو بكر الكيساني: [في] قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: حظهم من الخير والعقاب في الآخرة، وهو قول القتبي ويحتمل وجهين آخرين غير هذين: أحدهما: ما حرفوا من الكتب وغيروها، ثم أضافوا ذلك ونسبوه إلى الله؛ كقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فصار ما حرفوا هم وغيروه سنة فيهم يعملون بها إلى يوم القيامة، فينالون هم جزاء ذلك يوم القيامة.

والثاني: قوله: ﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم ﴾ مما كتب لهم من الرزق والنعمة، يستوفون ذلك المكتوب لهم، ثم يموتون.

ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ .

على هذا التأويل جاءتهم الرسل بقبض أرواحهم، وهو ظاهر.

وعلى تأويل من حمل ذلك على الجزاء في الآخرة: فهو يجعل المتوفَّى في النار؛ لشدة العذاب، وإن كانوا لا يموتون، وهو كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  ﴾ ، أي تأتيه أسباب الموت.

وعلى تأويل [من] يجعل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : في الدنيا في استيفاء الرزق وما كتب لهم؛ يكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ ﴾ على الإثبات وعلى تأويل من يقول بأن ذلك في الآخرة فيجيء أن يكون على الصلة والإسقاط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

تقول لهم الملائكة في النار على تأويل هؤلاء [و] على تأويل أولئك: عند قبض أرواحهم، أو بعد قبض أرواحهم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي تعبدون من دون الله، وتقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، أو الأكابر التي ذكر بقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ أين أولئك الذين كنتم تعبدون من دون الله؟!

﴿ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ .

وهلكوا، أي: بطل عبادتنا التي عبدناهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: هلكنا وبطلنا.

﴿ وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ .

فإن كان قوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : الكبراء منهم والرؤساء يكون قوله: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ ، أي: شغلوا بأمرهم عنا، وإن كان الأصنام يكون قوله: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ أي: بطل ما كنا نطمع من عبادتنا إياهم، وهو قولهم: ﴿ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ ﴾ .

قوله: ﴿ فِيۤ أُمَمٍ ﴾ يحتمل مع أمم، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: جاء فلان في جنده.

وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .

المتبوعين والأتباع جميعاً معاً والعرب تضع حروف الخفض بعضها في موضع بعض؛ كقوله: ﴿ فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي  ﴾ ، قيل: مع عبادي.

ويحتمل "في" موضعه كأن المتبوعين يدخلون النار قبل الأتباع [فقيل لهؤلاء الأتباع] ﴿ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .

وفيه دليل أن الكفار من الجن يعذبون كما يعذب الكفار من الإنس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ .

لعن الأتباع المتبوعين؛ لما هم دعوهم إلى ذلك، وهم صرفوهم عن دين الله؛ كقولهم: ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً...

 ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ...

 ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.

ولعن المتبوعون الأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع وبقدرهم؛ فيلعن بعضهم بعضاً.

وفيه دليل أن أهل الكفر وإن اختلفوا في مذاهبهم فهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، كالمؤمنين [بعضهم] إخوة وأخوات لبعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ .

قال بعضهم: هو من التدارك، أي: حتى إذا تداركوا وتتابعوا فيها.

وقيل: هو من الدرك؛ لأن النار دركات، لا يزال أهل النار يهوون فيها لا قرار لهم في ذلك؛ [و] في القرار بعض التسلي والراحة، فلا يزالون يهوون فيها دركاً فدركاً.

وقيل: ولذلك سميت هاوية.

وقيل: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ ، أي: اجتمعوا فيها؛ فعند ذلك يتلاوم بعضهم بعضاً، فإن كان على التدارك فهو كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ، وإن كان على الاجتماع فهو للتضييق؛ كقوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ  ﴾ الآية، ويجتمعون يلعن بعضهم بعضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أُخْرَاهُمْ ﴾ : الذين [كانوا] في آخر الزمان، ﴿ لأُولاَهُمْ ﴾ : الذين شرعوا لهم ذلك الدين.

﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ أُخْرَاهُمْ ﴾ الذين دخلوا النار أخيراً وهم الأتباع، ﴿ لأُولاَهُمْ ﴾ الذين دخلوا النار أولاً، وهم القادة والمتبوعون، ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: القادة والسادة، ﴿ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ  ﴾ ، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ : ليس على القول بعضهم لبعض، ولكن على الدعاء عليهم واللعن؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ .

قال بعضهم: لكل ضعف النار؛ لأنها لا تزال تزداد وتعظم وتكبر فذلك الضعف، وذلك للأتباع والمتبوعين جميعاً.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ ، أي: للمتبوعين والقادة ضعف، قال لهم مالك، أو خزنة [النار]، أو من كان: ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة بعد أن يقال لهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ .

في الدنيا أن لكم ضعفاً منها.

وقيل: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ : للحال بأن لكل ضعفاً من النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ ﴾ .

يحتمل ﴿ أُولاَهُمْ ﴾ ما ذكرنا: الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وسنّوا لهم ﴿ لأُخْرَاهُمْ ﴾ الذين كانوا في آخر الزمان.

ويحتمل ﴿ أُولاَهُمْ ﴾ : الذين دخلوا أولاً، ﴿ لأُخْرَاهُمْ ﴾ : هم الذين دخلوا النار أخيراً، وهم الأتباع.

﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: يحتمل ما كان لكم علينا من فضل في شيء؛ فقد ضللتم كما ضللنا، أي: لم يكن لنا عليكم فضل سلطان، ولا كان معنا حجج وآيات قهرناكم عليها، إنما دعوناكم إلى ذلك فاستجبتم لنا، وقد كان بعث إليكم الرسل مع حجج وآيات فلم تجيبوهم، وهو كخطبة إبليس حيث قال: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ...

 ﴾ الآية، فيقول هؤلاء القادة للأتباع مثل قول الشيطان لجملتهم.

وقيل: قوله ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ ، يعني: تخفيف العذاب.

أي: نحن وأنتم في العذاب سواء، لا فضل لكم علينا من تخفيف العذاب في شيء.

أحد التأويلين في قوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ يرجع إلى الآخرة والآخر إلى الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ .

من الشرك والتكذيب لآيات الله، وكذلك جزاء بما كانوا يكسبون ويعملون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا ﴾ .

هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قال بعضهم: يعني بأبواب السماء أبواب الجنان؛ لأن الجنان تكون في السماء؛ فسمى أبواب السماء لأن الجنان فيها.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، وما يوعد لنا هو الجنة، ثم أخبر أنها في السماء.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ \[كأنه قال: لا تفتح لهم أبواب الجنان ولا يدخلون الجنة\] - أيضاً.

وقال آخرون: أبواب السماء هي أبواب السماء؛ وذلك أن أعمال المؤمنين ترفع إلى السماء وتصعد إليها أرواحهم، وأعمال الكفرة وأرواحهم ترد إلى أسفل السافلين؛ كقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  ﴾ ، وقال في الكافر: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ  ﴾ فإذا كانت أعمال المؤمنين وأرواحهم ترفع إلى السماء وتصعد إليها، أخبر [أن الكافرين] لا تفتح لهم أبواب السماء ولا لأعمالهم، ولكن ترد إلى السجين.

وأمكن أن يكون على التمثيل ليس على تحقيق السماء؛ ولكن ذكر السماء لما أن السماء هي مكان الطيبات من الأشياء وقرارها، لا مكان الخبائث والأقذار، والأرض هي مكان ذلك، وأعمال الكفرة خبيثة؛ فكنى عن أعمالهم الخبيثة بالأرض [لما أن الأرض] هي معدن الخبائث والأنجاس.

وكنى عن أعمال المؤمنين الطيبة بالسماء، وهو كما ضرب مثل الإيمان: بالشجرة الطيبة الثابتة وفرعها في السماء، وضرب مثل الكفر: بالشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض، ليس على أن يكون قوله: ﴿ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ على تحقيق السماء، ولكن على الوصف بالطيب والقبول؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

لا يستقيم مثله على الابتداء إلا على نوازل تسبق، خرج ذلك جواباً لها؛ نحو قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ...

 ﴾ الآية.

أو أن ذكروا أعمال أنفسهم أنهم يعملون كذا؛ فقال: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

فإن قيل: [كيف] خوفهم بما ذكر من سدّ الأبواب عليهم، وجعل النار لهم مهاداً وغواشياً، وهم لا يؤمنون بذلك كله، فكيف خوفوا به؟

قيل: إن المرء إذا خوف بشيء فإنه يخاف ويهاب ذلك، وإن لم يتيقن بذلك، ولا تحقق عنده ما خوف به؛ حتى يستعدّ لذلك، ويتهيأ وإن كان على شك من ذلك وظن؛ فعلى ذلك هؤلاء خوفوا بالنار وأنواع العذاب، وإن كانوا شاكين في ذلك غير مصدّقين؛ لما يجوز أن يهابوا ذلك، أو أن يخوف بذلك المؤمنين؛ كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

أو أن يكون التخويف لمن آمن منهم بالبعث؛ [لأن] منهم من قد آمن بالبعث والجزاء والثواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ \[هذا على الإياس أنهم لا يدخلون أبداً الجنة كما لا يدخل ما ذكر في سمّ الخياط فإنه لا يدخل أبداً ثم قوله: حتى يلج الجمل في سم الخياط\].

قال بعضهم: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة.

وقال ابن عباس -  -: حتى يدخل الجمل الذي يشد به السفينة في خرق الإبرة.

وقال أبو عوسجة: يعني خرق الإبرة أو المسلة، والجمل: الحبل، والخياط: الإبرة أو المسلة.

وقال ابن عباس -  -: ليس بالجمل ذي القوائم [ولكنه الجمل] يعني: القلس.

وقال ابن مسعود: هو الجمل ذو القوائم الأربع، والله أعلم بما أراد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل مجرم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ ﴾ .

قيل: الفرش.

﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ .

هي اللحف أو الحواشي، ما يتغشاهم فيه النار تحيط بهم من تحت ومن فوق وأمام وخلف؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، أي: لا يتقي لما يحيط بهم العذاب، وهو كقوله -  -: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أن النار تحيط بهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين كذبوا بآياتنا الواضحة، وتكبروا عن الانقياد والإذعان لها آيسون من كل خير، فلا تفتح أبواب السماء لأعمالهم بسبب كفرهم، ولا لأرواحهم إذا ماتوا، ولا يدخلون الجنة أبدًا حتى يدخل الجمل -وهو من أعظم الحيوانات- في ثقب الإبرة الذي هو من أضيق الأشياء، وهذا من المستحيل، فالمُعَلّق عليه وهو دخولهم الجنة مستحيل، ومثل هذا الجزاء يجزي الله من عظمت ذنوبه.

<div class="verse-tafsir" id="91.dM6xE"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد