الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٤١ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ) قال محمد بن كعب القرظي : ( لهم من جهنم مهاد ) قال : الفرش ، ( ومن فوقهم غواش ) قال : اللحف .
وكذا قال الضحاك بن مزاحم ، والسدي ، ( وكذلك نجزي الظالمين ) .
القول في تأويل قوله : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: لهؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها =(من جهنم مهاد).
* * * = وهو ما امتهدوه مما يقعد عليه ويضطجع، كالفراش الذي يفرش، والبساط الذي يبسط.
(35) * * * =(ومن فوقهم غواش).
* * * وهو جمع " غاشية ", وذلك ما غَشَّاهم فغطاهم من فوقهم.
* * * وإنما معنى الكلام: لهم من جهنم مهاد من تحتهم فُرُش، ومن فوقهم منها لُحُف, وإنهم بين ذلك.
* * * وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14655- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب: (لهم من جهنم مهاد)، قال: الفراش =(ومن فوقهم غواش)، قال: اللُّحُف 14656- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)، قال: " المهاد "، الفُرُش, و " الغواشي"، اللحف.
14657- حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)، أما " المهاد " كهيئة الفراش = و " الغواشي"، تتغشاهم من فوقهم.
* * * وأما قوله (وكذلك نجزي الظالمين)، فإنه يقول: وكذلك نثيب ونكافئ من ظلم نفسه، فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه، وتكذيبه أنبياءه.
(36) ---------------------- الهوامش : (35) انظر تفسير (( المهاد )) فيما سلف 4 : 246 /6 : 229 /7 : 494 .
(36) انظر تفسير (( الجزاء )) و (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة (جزى ) و ( ظلم ) .
والمهاد : الفراش .
و غواش جمع غاشية ، أي نيران تغشاهم .وكذلك نجزي الظالمين يعني الكفار .
والله أعلم .
{ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ ْ} أي: فراش من تحتهم { وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ْ} أي: ظلل من العذاب، تغشاهم.
{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ْ} لأنفسهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد.
( لهم من جهنم مهاد ) أي : فراش ، ( ومن فوقهم غواش ) أي : لحف ، وهي جمع غاشية ، يعني ما غشاهم وغطاهم ، يريد إحاطة النار بهم من كل جانب ، كما قال الله ، " لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل " ( الزمر ، 16 ) ، ( وكذلك نجزي المجرمين )
«لهم من جهنم مهاد» فراش «ومن فوقهم غواشٍ» أغطية من النار جمع غاشية وتنوينه عوض من الياء المحذوفة «وكذلك نجزي الظالمين».
هؤلاء الكفار مخلدون في النار، لهم مِن جهنم فراش مِن تحتهم، ومن فوقهم أغطية تغشاهم.
وبمثل هذا العقاب الشديد يعاقب الله تعالى الظالمين الذين تجاوزوا حدوده فكفروا به وعصَوْه.
ثم بين - سبحانه - ما أعد لهم فى النار فقال : ( لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وكذلك نَجْزِي الظالمين ) .جهنم : اسم الدار العذاب .
والمهاد : الفراش .
والغواشى جمع غاشية ، وهى ما يغشى الشىء أى يغطيه ويستره .أى : أن هؤلاء المكذبين لهم نار جهنم تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم ، فهى من تحتهم بمنزلة الفراش ، ومن فوقهم بمثابة الغطاء ، ومثل ذلك الجزاء نجزى كل ظالم ومشرك .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر مصور حال المشركين عندما تقبض أرواحهم ، وحالهم عندما يقفون أمام الله للحساب ، وحالهم عندما يلعن بعضهم بعضا ، وحالهم والعذاب من فوقهم ومن أسفل منهم ، وهى مشاهد تفزع النفوس ، وتحمل العقلاء على الاستقامة والاهتداء .
اعلم أن المقصود منه إتمام الكلام في وعيد الكفار، وذلك لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة ﴿ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ ثم شرح تعالى في هذه الآية كيفية ذلك الخلود في حق أولئك المكذبين المستكبرين بقوله: ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ أي بالدلائل الدالة على المسائل التي هى أصول الدين، فالدهرية ينكرون دلائل إثبات الذات والصفات، والمشركون ينكرون دلائل التوحيد، ومنكرو النبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحة النبوات ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل الدالة على نبوته، ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل الدالة على صحة المعاد، فقوله: ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ يتناول الكل، ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل وهذا اللفظ في حق البشر يدل على الذم قال تعالى في صفة فرعون: ﴿ واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو ﴿ لاَ تُفَتَّحُ ﴾ بالتاء خفيفة، وقرأ حمزة والكسائي بالياء خفيفة والباقون بالتاء مشددة.
أما القراءة بالتشديد فوجهها قوله تعالى: ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيء ﴾ ﴿ فَفَتَحْنَا أبواب السماء ﴾ وأما قراءة حمزة والكسائي فوجهها أن الفعل متقدم.
المسألة الثانية: في قوله: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ﴾ أقوال.
قال ابن عباس: يريد لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله، وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ ومن قوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المؤمنين، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة، فإنه لا تفتح لك أبواب السماء.
والقول الثالث: أن الجنة في السماء فالمعنى: لا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة.
والقول الرابع: لا تنزل عليهم البركة والخير، وهو مأخوذ من قوله: ﴿ فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ ﴾ وأقول هذه الآية تدل على أن الأرواح إنما تكون سعيدة إما بأن ينزل عليها من السماء أنواع الخيرات، وإما بأن يصعد أعمال تلك الأرواح إلى السموات وذلك يدل على أن السموات موضع بهجة الأرواح، وأماكن سعادتها، ومنها تنزل الخيرات والبركات، وإليها تصعد الأرواح حال فوزها بكمال السعادات، ولما كان الأمر كذلك كان قوله: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ﴾ من أعظم أنواع الوعيد والتهديد.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمّ الخياط ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الولوج الدخول.
والجمل مشهور، والسم بفتح السين وضمها ثقب الإبرة قرأ ابن سيرين ﴿ سَمّ ﴾ بالضم، وقال صاحب الكشاف: يروي ﴿ سَمّ ﴾ بالحركات الثلاث، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم وجمعه سموم، ومنه قيل: السم القاتل.
لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، و ﴿ الخياط ﴾ ما يخاط به.
قال الفراء: ويقال خياط ومخيط، كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف، وقناع ومقنع، وإنما خص الجمل من بين سائر الحيوانات، لأنه أكبر الحيوانات جسماً عند العرب.
قال الشاعر: جسم الجمال وأحلام العصافير *** فجسم الجمل أعظم الأجسام، وثقب الإبرة أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالاً، فلما وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط، وكان هذا شرطاً محالاً، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال محال، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوساً منه قطعاً.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قرأ ابن عباس ﴿ الجمل ﴾ بوزن القمل، وسعيد بن جبير ﴿ الجمل ﴾ بوزن النغر.
وقرئ ﴿ الجمل ﴾ بوزن القفل، و ﴿ الجمل ﴾ بوزن النصب، و ﴿ الجمل ﴾ بوزن الحبل، ومعناها: القلس الغليظ، لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل.
يعني: أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة، والبعير لا يناسبه.
إلا أنا ذكرنا الفائدة فيه.
المسألة الثالثة: القائلون بالتناسخ احتجوا بهذه الآية، فقالوا: إن الأرواح التي كانت في أجساد البشر لما عصت وأذنبت، فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن، ولا تزال تبقى في التعذيب حتى أنها تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الدودة التي تنفذ في سم الخياط، فحينئذ تصير مطهرة عن تلك الذنوب والمعاصي، وحينئذ تدخل الجنة وتصل إلى السعادة واعلم أن القول بالتناسخ باطل وهذا الاستدلال ضعيف، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك نَجْزِى المجرمين ﴾ أي ومثل هذا الذي وصفنا نجزي المجرمين، والمجرمون والله أعلم هاهنا هم الكافرون، لأن الذي تقدم ذكره من صفتهم هو التكذيب بآيات الله، والاستكبار عنها.
واعلم أنه تعالى لما بين من حالهم أنهم لا يدخلون الجنة ألبتة بين أيضاً أنهم يدخلون النار، فقال: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المهاد جمع مهد، وهو الفراش.
قال الأزهري: أصل المهد في اللغة الفرش، يقال للفراش مهاد لمواتاته، والغواشي جمع غاشية، وهي كل ما يغشاك، أي يجللك، وجهنم لا تنصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف، وقيل اشتقاقها من الجهمة، وهي الغلظ، يقال: رجل جهم الوجه غليظه، وسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب قال المفسرون: المراد من هذه الآية الأخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن غواش، على وزن فواعل، فيكون غير منصرف، فكيف دخله التنوين؟
وجوابه على مذهب الخليل وسيبويه إن هذا جمع، والجمع أثقل من الواحد، وهو أيضاً الجمع الأكبر الذي تتناهى الجموع إليه، فزاده ذلك ثقلاً، ثم وقعت الياء في آخره وهي ثقيلة، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوها بحذف يائه، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل، وصار غواش بوزن جناح، فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال.
أما قوله: ﴿ وكذلك نَجْزِى الظالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلهاً وعلى هذا التقدير: فالظالمون هاهنا هم الكافرون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ﴾ لا يصعد لهم عمل صالح ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب ﴾ [فاطر: 10] ، ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الابرار لَفِى عِلّيّينَ ﴾ [المطففين: 18] وقيل: إنّ الجنة في السماء، فالمعنى لا يؤذن لهم في صعود السماء ولا يطرّق لهم إليها ليدخلوا الجنة.
وقيل: لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين.
وقيل: لا تنزل عليهم البركة ولا يغاثون، ففتحنا أبواب السماء.
وقرئ: ﴿ لا تفتح ﴾ ، بالتشديد.
﴿ ولا يفتح ﴾ بالياء.
﴿ ولا تفتح ﴾ بالتاء والبناء للفاعل ونصب الأبواب على أنّ الفعل للآيات.
وبالياء على أن الفعل لله عزّ وجلّ.
وقرأ ابن عباس: ﴿ الجمل ﴾ ، بوزن القمل.
وسعيد بن جبير: ﴿ الجمل ﴾ بوزن النغر.
وقرئ: ﴿ الجمل ﴾ بوزن القفل.
﴿ والجمل ﴾ بوزن النصب.
﴿ والجمل ﴾ .
بوزن الحبل.
ومعناها القلس الغليظ لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة، وعن ابن عباس رضي الله عنه: إنّ الله أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل، يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سمّ الإبرة، والبعير لا يناسبه؛ إلاّ أن قراءة العامّة أوقع لأنّ سم الإبرة مثل في ضيق المسلك.
يقال: أضيق من خرت الإبرة.
وقالوا للدليل الماهر: خِرِّيت، للاهتداء به في المضايق المشبهة بأخرات الإبر.
والجمل: مثل في عظم الجرم.
قال: جِسْمُ الْجِمَالِ وَأَحْلاَمُ الْعَصَافِيرِ إن الرجال ليسوا بجزر تراد منهم الأجسام، فقيل: لا يدخلون الجنة، حتى يكون ما لا يكون أبداً من ولوج هذا الحيوان الذي لا يلج إلاّ في باب واسع، في ثقب الإبرة، وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل، فقال: زوج الناقة، استجهالاً للسائل، وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.
وقرئ؛ ﴿ في سم ﴾ بالحركات الثلاث: وقرأ عبد الله: ﴿ في سم المهيط ﴾ والخياط؛ والمخيط كالحزام والمحزم: ما يخاط به وهو الإبرة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نَجْزِى المجرمين ﴾ ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب، وأن كلّ من أجرم عوقب، وقد كرره فقال: ﴿ وكذلك نَجْزِى الظالمين ﴾ لأنّ كلّ مجرم ظالم لنفسه ﴿ مِهَادٌ ﴾ فراش ﴿ غَوَاشٍ ﴾ أغطية.
وقرئ: ﴿ غواش ﴾ بالرفع، كقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ الجوار المنشآت ﴾ [الرحمن: 24] في قراءة عبد الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ أيْ حَتّى يَدْخُلَ ما هو مِثْلٌ في عِظَمِ الجِرْمُ وهو البَعِيرُ فِيما هو مِثْلٌ في ضِيقِ المَسْلَكِ وهو ثُقْبَةُ الإبْرَةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ فَكَذا ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
وقُرِئَ « الجَمْلُ» كالقَمْلِ، و « الجُمَلُ» كالنُّغَرِ، و « الجُمْلُ» كالقُفْلِ، والجُمُلُ كالنُّصُبِ، و « الجَمْلُ» كالحَبْلِ وهو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القَنْبِ، وقِيلَ حَبْلُ السَّفِينَةِ.
وسَمِّ بِالضَّمِّ والكَسْرِ وفي سُمِّ المَخِيطِ وهو والخِياطُ ما يُخاطُ بِهِ كالحِزامِ والمُحَزَّمِ.
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ.
﴿ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ .
﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ فِراشٌ.
﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ ﴾ أغْطِيَةٌ، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلْبَدَلِ عَنِ الإعْلالِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولِلصَّرْفِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وقُرِئَ « غَواشٍ» عَلى إلْغاءِ المَحْذُوفِ.
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً وبِالظّالِمِينَ أُخْرى إشْعارًا بِأنَّهم بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ اتَّصَفُوا بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ، وذَكَرَ الجُرْمَ مَعَ الحِرْمانِ مِنَ الجَنَّةِ والظُّلْمَ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الإجْرامِ.
<div class="verse-tafsir"
{لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} فراش {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} أغطية جمع غاشية {وكذلك نَجْزِى الظالمين} أنفسهم بالكفر
﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ أيْ فِراشٍ مِن تَحْتِهِمْ وتَنْوِيهٌ لِلتَّفْخِيمِ وهو فاعِلُ الظَّرْفِ أوْ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ و( مِن ) تَجْرِيدِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿ مِهادٌ ﴾ لِتَقَدُّمِهِ ﴿ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ ﴾ أيْ أغْطِيَةٌ جَمْعُ غاشِيَةٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّها اللُّحُفُ والآيَةُ عَلى ما قِيلَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ والمُرادُ أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: هي طَبَقاتٌ مِن فَوْقِهِ وطَبَقاتٌ مِن تَحْتِهِ لا يَدْرِي ما فَوْقَهُ أكْثَرُ أوْ تَحْتَهُ غَيْرَ أنَّهُ تَرْفَعُهُ الطَّبَقاتُ السُّفْلى وتَضَعُهُ الطَّبَقاتُ العُلْيا ويَضِيقُ فِيما بَيْنَهُما حَتّى يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الزُّجِّ في القَدَحِ» وتَنْوِينُ ﴿ غَواشٍ ﴾ عِوَضٌ عَنِ الحَرْفِ المَحْذُوفِ أوْ حَرَكَتُهُ والكَسْرَةُ لَيْسَتْ لِلْإعْرابِ وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ عَلى صِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ وبَعْضُ العَرَبِ يُعْرِبُهُ بِالحَرَكاتِ الظّاهِرَةِ عَلى ما قَبْلَ الياءِ لِجَعْلِها مَحْذُوفَةَ ﴿ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ ولِذا قُرِئَ ( غَواشٌ ) بِالرَّفْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ ﴾ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ ﴿ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ (41) عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً وبِالظّالِمِينَ أُخْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم بِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ واسْتِكْبارِهِمْ عَنْها جَمَعُوا الصِّفَتَيْنِ وذَكَرَ الجُرْمَ مَعَ الحِرْمانِ مِنَ الجَنَّةِ والظُّلْمَ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الإجْرامِ ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ في لَطائِفِ القُرْآنِ العَظِيمِ ما في إعْدادِ المِهادِ والغَواشِي لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الآياتِ ومَنعِهِمْ مِنَ العُرُوجِ إلى المَلَكُوتِ وتَقْيِيدِ عَدَمِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ بِدُخُولِ البَعِيرِ بِخَرْقِ الإبْرَةِ مِنَ اللَّطافَةِ فَلْيُتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بمحمد والقرآن وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها يعني: استكبروا عن قبولها.
ويقال: عن النظر فيها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ لأعمال الكفار أي: ليس لهم عمل صالح يفتح لهم أبواب السماء ويقال: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا ماتوا.
وقال بعضهم: أبواب السماء أي أبواب الجنة وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ أي لا يدخلون الجنة أبداً كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة.
وروي عن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل.
فقال: زوج الناقة.
وقال الضحاك: الجمل الذي له أربع قوائم.
وقال بعض الناس: الجمل هو أشتر بالفارسية وقال الحسن: هو ولد الناقة وروي عن ابن عباس- ما- أنه قرأ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة الغليظ.
وسئل عكرمة عن قوله: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ قيل: وما الجمل؟
قال: الحبل الذي يصعد به النخل.
قال سعيد بن جبير هو حبل السفينة الغليظ.
قرأ أبو عمرو لا تُفْتَحْ بالياء بلفظ التذكير بالتخفيف.
وقرأ الباقون بالتاء المشددة.
فمن قرأ بالتأنيث فلأنها من جماعة الأبواب.
ومن قرأ بالتذكير فلأن الفعل مقدم.
ومن قرأ بالتشديد أراد به تكثير الفتح.
ومن قرأ بالتخفيف فتفتح مرة واحدة وقرأ بعضهم في سُمِّ بضم السين وهي قراءة شاذة وهما لغتان قال أبو عبيدة: كل ثقب فهو سم.
ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي هكذا نعاقب المشركين.
ثم ذكر ما أوعدهم في النار فقال عز وجل: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي: فراش من النار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي يغشاهم النار من فوق رؤوسهم ومعناه: أن من تحتهم ناراً ومن فوقهم ناراً.
كقوله: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: 16] ويقال: لهم من جهنم مهاد أي حظهم من جهنم كالمهاد، فأخبر عن ضيق مكانهم في النار وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ نعاقب الكافرين.
قوله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وذلك أن الله تعالى لما أخبر عن حال الذين كذبوا بآياته واستكبروا عن قبولها أخبر عن حال الذين آمنوا بآياته.
فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي: صدقوا وعملوا الصالحات أي الطاعات والأعمال الصالحة لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: لا نكلف نفساً بعد الإيمان من العمل إلا بقدر طاقتها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني: دائمون.
ثم قال عز وجل: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قال بعضهم: أي في الدنيا أخرج الله تعالى الغل والحسد من قلوبهم، وألف بين قلوبهم كما قال الله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63] ويقال: هذا في الجنة يخرج الغل والحسد من قلوبهم.
قال ابن عباس- ما-: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعليّ ونحوهم من أصحاب رسول الله ومن تابعهم على سنتهم ومنهاجهم إلى يوم القيامة.
وقال علي بن أبي طالب لعمران بن طلحة بن عبيد الله: أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى فيهم: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ فأنكر عليه بعضهم.
فقال عليّ: إن لم نكن نحن فمن هم؟
يعني: إن الذين كانوا على عهد رسول الله لم يكن في قلوبهم من الغل حتى ينزع عنهم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أي من تحت غرفهم وقصورهم وأشجارهم الانهار وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي أكرمنا بهذه الكرامة.
ويقال: إن الذي وفقنا للأمر الذي أوجب لنا هذا الثواب وهو الإسلام.
ويقال: هدانا لهاتين العينين.
وذلك أن أهل الجنة لما انتهوا إلى باب الجنة، فإذا هم بشجرة تنبع من ساقها عينان، فيعمدون إلى إحداهما، فيشربون منها، فيخرج الله تعالى ما كان في أجوافهم من غل وقذر فذلك قوله تعالى: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: 21] ثم يعمدون إلى الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب الله تعالى أجسادهم من كل درن وحسد وجرت عليهم نضرة ولا تشعث رؤوسهم، ولا تغبر وجوههم، ولا تشحب أجسادهم أبداً، تتلقاهم خزنة الجنة فينادون في التقديم أي: قبل أن يدخلوها أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فقالوا بعد ما اغتسلوا من العينين الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي: وفقنا حتى اغتسلنا من هاتين العينين.
ويقال: لما دخلوا الجنة ونظروا إلى كراماتها قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا يعني: لهذا الثواب وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ أي: ما كنا لولا أن وفقنا الله.
ذلك أنهم علموا أن الله تعالى له عليهم المن والفضل فيما أعطاهم.
قرأ ابن عامر مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بغير واو على الاستئناف.
وقرأ الباقون والواو وعلى معنى العطف.
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ يعني: جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فصدقناهم وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ قال بعضهم: قبل أن يدخلوها قال لهم خزنة الجنة تلكم الجنة التي وعدتم.
ويقال بعد ما دخلوا بها يقال لهم: تلك الجنة أي: هذه الجنة التى أُورِثْتُمُوها يعني: أنزلتموها بإيمانكم واقتبستموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في دار الدنيا.
وهذا كما روي في الخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: «جُوزُوا الصِّراطَ بِعَفْوِي وَادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوها بِأَعْمَالِكُمْ» .
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله سبحانه: وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي: قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم فَذُوقُوا الْعَذابَ باجْتَرَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة.
وقيل: قوله: فَذُوقُوا هو من كلام الله عز وجل لجميعهم.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الآية، هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم.
قرأ نافع «١» وغيره: «تُفَتَّح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو: «تُفْتَح» بالتاء أيضاً وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية: لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين.
قاله ابن عباس، وغيره.
ثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور «٢» المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن عباس وغيره «٣» «الجُمّل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة «٤» والسّمّ: الثقب من الإبرة وغيرها، وكَذلِكَ أي: وعلى هذه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ المِهادُ الفِراشُ.
وَفِي المُرادِ بِالغَواشِي ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اللُّحُفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: ما يَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ مِنَ الدُّخانِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: غاشِيَةٌ فَوْقَ غاشِيَةٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والظّالِمُونَ هاهُنا الكافِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ قَدِيمِهِمْ وحَدِيثِهِمْ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "لا تُفَتَّحُ"؛ ﴾ بِضَمِّ التاءِ الأُولى؛ وتَشْدِيدِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "تُفْتَحُ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ؛ وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُفْتَحُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وتَخْفِيفِ التاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وأبُو إبْراهِيمَ "يُفَتَّحُ"؛ بِالياءِ؛ وفَتْحِ الفاءِ؛ وشَدِّ التاءِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "لا يَرْتَفِعُ لَهم عَمَلٌ؛ ولا رُوحٌ؛ ولا دُعاءٌ"؛ فَهي عامَّةٌ في نَفْيِ ما يُوجَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ؛ والكافِرِ آثارًا؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ في الآيَةِ؛ ولِلِينِ أسانِيدِها أيْضًا.
ثُمَّ نَفى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عنهم دُخُولَ الجَنَّةِ؛ وعَلَّقَ كَوْنَهُ بِكَوْنٍ مُحالٍ؛ لا يَكُونُ؛ وهو أنْ يَدْخُلَ الجَمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ؛ حَيْثُ يَدْخُلُ الخَيْطُ؛ والجَمَلُ كَما عُهِدَ؛ والسَمُّ كَما عُهِدَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ: "اَلْجَمَلُ"؛ واحِدُ الجِمالِ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو الجَمَلُ الَّذِي يَقُومُ بِالمِرْبَدِ؛ ومَرَّةً لَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قالَ: هو الأشْتَرُ ؛ وهو "اَلْجَمَلُ"؛ بِالفارِسِيَّةِ؛ ومَرَّةً قالَ: هو الجَمَلُ ولَدُ الناقَةِ؛ وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عِبارَةٌ تَدُلُّ عَلى حَرَجِ السائِلِ؛ لِارْتِيابِ السائِلِينَ لا شَكَّ بِاللَفْظَةِ؛ مِن أجْلِ القِراءاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "اَلْجَمْلُ"؛ بِسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكُ بْنُ الشِخِّيرِ؛ وأبُو رَجاءٍ: "اَلْجُمَّلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وتَشْدِيدِ المِيمِ؛ وهو حَبْلُ السَفِينَةِ؛ وقَرَأ سالِمٌ الأفْطَسُ؛ وابْنُ خَيْرٍ؛ وابْنُ عامِرٍ أيْضًا: "اَلْجُمَلُ"؛ بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ مِن "اَلْجُمَّلُ"؛ وقالُوا: هو حَبْلُ السُفُنِ؛ ورَوى الكِسائِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى تَثْقِيلَ المِيمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - كانَ أعْجَمِيًّا؛ فَشَدَّدَ المِيمَ؛ لِعُجْمَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ فِيما رُوِيَ عنهُ: "اَلْجُمْلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "اَلْجُمُلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ والمِيمِ.
و"اَلسَّمُّ": اَلثُّقْبُ مِنَ الإبْرَةِ وغَيْرِها؛ يُقالُ "سَمٌّ"؛ و"سُمٌّ"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وكَسْرِها؛ وضَمِّها؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ بِضَمِّها؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها وبِكَسْرِها؛ ورُوِيَ عنهُ الوَجْهانِ؛ و"اَلْخِياطُ"؛ و"اَلْمِخْيَطُ": اَلْإبْرَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فِي سَمِّ المِخْيَطِ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وسُكُونِ الخاءِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ: "فِي سَمِّ المَخْيَطِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ وكَذَلِكَ أُبَيٌّ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ؛ وبِمِثْلِ هَذا الحَتْمِ وغَيْرِهِ يُجْزى الكَفَرَةُ؛ وأهْلُ الجَرائِمِ عَلى اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى أنَّ جَهَنَّمَ فِراشٌ لَهُمْ؛ ومَسْكَنٌ؛ ومَضْجَعٌ يَتَمَهَّدُونَهُ؛ وهي لَهم غَواشٍ؛ جَمْعُ "غاشِيَةٌ"؛ وهي ما يُغْشِي الإنْسانَ؛ أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ مِن جِهَةِ فَوْقَ؛ قالَ الضَحّاكُ: "اَلْمِهادُ": اَلْفِراشُ؛ و"اَلْغَواشِي": اَللُّحُفُ؛ ودَخَلَ التَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنُقْصانِهِ عن بِناءِ "مَفاعِلُ"؛ فَلَمّا زالَ البِناءُ المانِعُ مِنَ الصَرْفِ بِأنْ حُذِفَتِ الياءُ حَذْفًا؛ لا لِلِالتِقاءِ؛ بَلْ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واللَيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ ؛ و ﴿ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ ﴾ ؛ ومِن قَوْلِ الشاعِرِ: ..................................
ثُمَّ لا يَفْرِ زالَ الِامْتِناعُ؛ وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "ذُلْذُلٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ وهم يُرِيدُونَ "اَلذَّلاذِلُ"؛ لَمّا زالَ البِناءُ؛ قالَ الزَجّاجُ: والتَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَنقُوصَةِ؛ ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ هَذا هو مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ ؛ ويَجُوزُ الوُقُوفُ بِياءٍ؛ وبِغَيْرِ ياءٍ؛ والِاخْتِيارُ بِغَيْرِ ياءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مُخْبِرَةٌ أنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الجَنَّةِ؛ ولَهُمُ الخُلْدُ فِيها؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ القَوْلِ بِعَقِبِ الصِفَةِ؛ الَّتِي شَرَطَها في المُؤْمِنِينَ بِاعْتِراضٍ يُخَفِّفُ الشَرْطَ ويُرَجِّي في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ ويُعْلِمُ أنَّ دِينَهُ يُسْرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الشَرِيعَةَ لا يَتَقَرَّرُ مِن تَكالِيفِها شَيْءٌ لا يُطاقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ؛ وفي وُقُوعِهِ؛ بِمُغْنٍ عَنِ الإعادَةِ.
و"اَلْوُسْعُ"؛ مَعْناهُ: اَلطّاقَةُ؛ وهو القَدْرُ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ قَدْرُ البَشَرِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي مسوق لتحقيق خلود الفريقين في النّار، الواقععِ في قوله: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 36] فأخبر الله بأنّه حرمهم أسباب النّجاة، فَسَدّ عليهم أبواب الخير والصّلاح، وبأنّه حرّمهم من دخول الجنّة.
وأكّد الخبر ب ﴿ إنّ ﴾ لتأييسهم من دخول الجنّة، لدفع توهّم أن يكون المراد من الخلود المتقدّم ذكرُه الكنايةَ عن طول مدّة البقاء في النّار فإنّه ورد في مواضع كثيرة مراداً به هذا المعنى.
ووقع الإظهار في مقام الإضمار لدفع احتمال أن يكون الضّمير عائداً إلى إحدى الطّائفتين المتحاورتين في النّار، واختير من طرق الإظهار طريق التّعريف بالموصول إيذاناً بما تومئ إليه الصّلة من وجه بناءِ الخبر، أي: إنّ ذلك لأجل تكذيبهم بآيات الله واستكبارهم عنها، كما تقدّم في نظيرها السّابق آنفاً.
والسّماءُ أطلقت في القرآن على معاننٍ، والأكثر أن يراد بها العوالم العليا غير الأرضيّة، فالسّماء مجموع العوالم العليا وهي مَراتب وفيها عوالم القُدس الإلهيّةُ من الملائكة والرّوحانيات الصّالحة النّافعة، ومصدرُ إفاضة الخيرات الرّوحيّة والجثمانيّة على العالم الأرضي، ومصدَرُ المقادير المقدّرة قال تعالى: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ [الذاريات: 22]، فالسّماء هنا مراد بها عالم القدس.
وأبوابُ السّماء أسبابُ أمور عظيمة أطلق عليها اسم الأبواب لتقريب حقائقها إلى الأذهان فمنها قبول الأعمال، ومسالكُ وصول الأمور الخيّريّة الصّادرة من أهل الأرض، وطرق قبولها، وهو تمثيل لأسباب التّزكية، قال تعالى: ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ [فاطر: 10]، وما يعلم حقائقها بالتّفصيل إلاّ الله تعالى، لأنّها محجوبة عنّا، فكما أنّ العفاة والشّفعاء إذا وَرَدُوا المكان قد يُقبلون ويُرضى عنهم فتُفْتَح لهم أبواب القصور والقباب ويُدخلون مُكرّمين، وقد يردّون ويُسخطون فتوصد في وجوههم الأبوابُ، مُثِّل إقصاء المكذّبين المستكبرين وعدمُ الرّضا عنهم في سائر الأحوال، بحال من لا تفتَح له أبواب المنازل، وأضيفت الأبواب إلى السّماء ليظهر أنّ هذا تمثيل لحرمانهم من وسائل الخيرات الإلهيّة الروحية، فيشمل ذلك عدم استجابة الدّعاء، وعدم قبول الأعمال والعبادات، وحرمان أرواحهم بعد الموت مشاهدة مناظر الجنّة ومقاعد المؤمنين منها، فقوله: ﴿ لا نفتح لهم أبواب السماء ﴾ كلمة جامعة لمعنى الحرمان من الخيرات الإلهيّة المحضة، وإن كانوا ينالون من نِعم الله الجثمانية ما يناله غيرهم، فيغاثون بالمَطَر، ويأتيهم الرّزق من الله، وهذا بيان لحال خذلانهم في الدّنيا الحائل بينهم وبين وسائل دخول الجنّة.
كما قال النّبي صلى الله عليه وسلم «كلّ ميسَّر لِمّا خُلِق له» وقال تعالى: ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ﴾ [الليل: 5 10].
وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوبُ: ﴿ لا تُفَتَّح ﴾ بضمّ التّاء الأولى وفتح الفاء والتّاءِ الثّانية مشدّدة وهو مبالغة في فَتح، فيفيد تحقيق نفي الفتح لهم، أو أشير بتلك المبالغة إلى أن المنفي فتح مخصوص وهو الفتح الذي يفتح للمؤمنين، وهو فتح قوي، فتكون تلك الإشارة زيادة في نكايتهم.
وقرأ أبو عَمرو بضمّ التّاء الأولى وسكون الفاء وفتح التّاء الثّانية مخفّفة.
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلَف ﴿ لا يُفتَحُ ﴾ بمثنّاة تحتيّة في أوّله مع تخفيف المثنّاة الفوقيه مفتوحة على اعتبار تذكير الفعل لأجل كون الفاعل جمعاً لمذكّر.
وقوله: ﴿ ولا يدخلون الجنّة ﴾ اخبار عن حالهم في الآخرة وتحقيق لخلودهم في النّار.
وبعد أن حُقّق ذلك بتأكيد الخبر كلّه بحرف التّوكيد، زيد تأكيداً بطريق تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه، المشتهرِ عند أهل البيان بتأكيد المدح بما يُشْبه الذّم، وذلك بقوله تعالى: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ فقد جعل لانتفاء دخولهم الجنّة امتداداً مستمراً، إذْ جعل غايته شيئاً مستحيلاً، وهو أن يَلج الجمل في سَمّ الخياط، أي لو كانت لانتفاء دخولهم الجنّة غايةٌ لكانت غايتُه ولوجَ الجْمل وهو البعير في سَمّ الخِياط، وهو أمر لا يكون أبداً.
والجَمَل: البعير المعروف للعرب، ضُرب به المثل لأنّه أشهر الأجسام في الضّخامة في عرف العرب.
والخِياط هو المِخْيَط بكسر الميم وهو آلة الخياطة المسمّى بالإبْرَة، والفِعال وَرَدَ اسماً مرادفاً للمِفعَل في الدّلالة على آلةِ الشّيء كقولهم حِزَام ومِحْزم، وإزار ومِئْزر، ولِحاف ومِلحَف، وقِناع ومِقنع.
والسَمّ: الخَرْت الذي في الإبرة يُدخل فيه خيط الخائط، وهو ثقب ضيّق، وهو بفتح السّين في الآية بلغة قريش وتضمّ السّين في لغة أهل العالية.
وهي ما بين نجد وبين حدود أرض مكّة.
والقرآن أحال على ما هو معروف عند النّاس من حقيقة الجَمل وحقيقة الخِياط، ليعلم أنّ دخول الجمل في خَرْت الإبرة محال متعذّر ما داما على حاليهما المتعارفين.
والإشارة في قوله: ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى عدم تفتّح أبواب السّماء الذي تضمّنه قوله: ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة ﴾ أي، ومثل ذلك الانتفاء، أي الحرمان نجزي المجرمين لأنّهم بإجرامهم، الذي هو التّكذيب والإعراض، جعلوا أنفسهم غير مكترثين بوسائل الخير والنّجاة، فلم يتوخّوها ولا تطلبوها، فلذلك جزاهم الله عن استكبارهم أن أعرض عنهم، وسدّ عليهم أبواب الخيرات.
وجملة ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ تذييل يؤذن بأنّ الإجرام هو الذي أوقعهم في ذلك الجزاء، فهم قد دخلوا في عموم المجرمين الذين يجْزون بمثل ذلك الجزاء، وهم المقصود الأوّل منهم، لأنّ عقاب المجرمين قد شُبّه بعقاب هؤلاء، فعلم أنّهم مجرمون، وأنّهم في الرّعيل الأوّل من المجرمين، حتّى شُبِّه عقاب عموم المجرمين بعقاب هؤلاء وكانوا مثَلا لذلك العموم.
والإجرام: فعل الجُرْم بضمّ الجيم وهو الذنْب، وأصل: أجرم صار ذا جُرم، كما يقال: ألْبَنَ وأتمر وأخْصَب.
والمِهاد بكسر الميم ما يُمْهَد أي يفرش، و«غواش» جمع غاشية وهي مَا يغشى الإنسانَ، أي يغطّيه كاللّحاف، شبّه ما هو تحتهم من النّار بالمِهاد، وما هو فوقهم منها بالغواشي، وذلك كناية عن انتفاء الرّاحة لهم في جهنّم، فإنّ المرء يحتاج إلى المهاد والغاشية عند اضطجاعه للرّاحة، فإذا كان مهادهم وغاشيتهم النّار.
فقد انتفت راحتهم، وهذا ذِكر لعذابهم السّوء بعد أن ذكر حِرمانهم من الخير.
وقوله: ﴿ غَواش ﴾ وصف لمقدّر دلّ عليه قوله: ﴿ من جهنّم ﴾ ، أي ومن فوقهم نيران كالغواشي.
وذّيله بقوله: ﴿ وكذلك نَجزي الظالمين ﴾ ليدلّ على أن سبب ذلك الجزاء بالعقاب: هو الظلمُ.
وهو الشّرك.
ولمّا كان جزاء الظّالمين قد شبّه بجزاء الذين كذّبوا بالآيات واستكبروا عنها، علم أنّ هؤلاء المكذّبين من جملة الظّالمين.
وهم المقصود الأوّل من هذا التّشبيه، بحيث صاروا مثلاً لعموم الظالمين، وبهذين العمومين كان الجملتان تذييلين.
وليس في هذه الجملة الثّانية وضع الظّاهر موضع المضمر: لأنّ الوصفين، وإن كانا صادقين معاً على المكذّبين المشبَّهِ عقابُ أصحاب الوصفين بعقابهم.
فوصف المجرمين أعمّ مفهوماً من وصف الظّالمين، لأنّ الإجرام يشمل التّعطيل والمجوسيّة بخلاف الإشراك.
وحقيقة وضع المظهر موقع المضمر إنّما تتقوّم حيث لا يكون للاسم الظّاهر المذكور معنى زائد على معنى الضّمير.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ لا تُفْتَحُ لِأرْواحِهِمْ لِأنَّها تُفْتَحُ لِرُوحِ الكافِرِ وتُفْتَحُ لِرُوحِ المُؤْمِنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: لا تُفْتَحُ لِدُعائِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: لا تُفْتَحُ لِأعْمالِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ.
والرّابِعُ: لا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ لِدُخُولِ الجَنَّةِ لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
والخامِسُ: لا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ لِنُزُولِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَمُّ الخِياطِ: ثُقْبُ الإبْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّ سَمَّ الخِياطِ هو السُّمُّ القاتِلُ الدّاخِلُ في مَسامِّ الجَسَدِ أيْ ثُقْبِهِ.
وَفي ﴿ الجَمَلُ ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما: وعَلَيْها الجُمْهُورُ، الجَمَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ المِيمِ وهو ذُو القَوائِمِ الأرْبَعِ.
والثّانِيَةُ الجُمَّلُ بِضَمِّ الجِيمِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وهو القَلْسُ الغَلِيظُ، وهَذِهِ قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وإحْدى قِراءَتِيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَتَأوَّلُ أنَّهُ حَبْلُ السَّفِينَةِ.
وَمَعْنى الكَلامِ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا كَما لا يَدْخُلُ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ أبَدًا، وضَرْبُ المَثَلِ بِهَذا أبْلَغُ في إياسِهِمْ مِن إرْسالِ الكَلامِ وإطْلاقِهِ في النَّفْيِ، والعَرَبُ تَضْرِبُ هَذا لِلْمُبالَغَةِ، قالَ الشّاعِرُ: إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أهْلِي وعادَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِراشٌ مِن نارٍ، والمِهادُ: الوِطاءُ، ومِنهُ أُخِذَ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها اللُّحُفُ.
والثّانِي: اللِّباسُ.
والثّالِثُ: الظُّلَلُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّ النّارَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، فَعَبَّرَ عَمّا تَحْتَهم بِالمِهادِ، وعَمّا فَوْقَهم بِالغَواشِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ قال: الفرش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ قال: اللحف.
وأخرج هناد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي.
مثله.
وأخرج أبو الحسن القطان في الطوالات وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «يكسى الكافر لوحين من نار في قبره، فذلك قوله: ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية لهم في جهنم مهاد ومن فوقهم غواش قال: هي طبقات من فوقه وطبقات من تحته لا يدري ما فوقه أكثر أو ما تحته، غير أنه ترفعه الطبقات السفلى وتضعه الطبقات العليا ويضيق فيما بينهما حتى يكون بمنزلة الزج في القدح» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ .
قال الليث: (المهاد: اسم جمع (١) (٢) (٣) (٤) والغواشي (٥) (٦) ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ لا ينصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف.
قال بعض أهل اللغة: (واشتقاقها من الجهومة، وهي الغلظ، يقال: رجل جهم الوجه، غليظه، فسميت بهذا (٧) (٨) (٩) (١٠) فأما التنوين في ﴿ غَوَاشٍ ﴾ ، فقال أبو الفتح الموصلي: (ومما يسأل عنه من أحوال التنوين قولهم: جوارٍ وغواشٍ ونحو ذلك، لأية علة لحقه التنوين، وهو غير منصرف لأنه على وزن فواعل (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق: (زعم الخليل وسيبويه أن النون هاهنا عوض من الياء؛ لأن (غواشي) لا ينصرف الأصل (غواشي) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) والذي ذهب إليه أبو إسحاق هو أن التنوين في (غواشي) إنما هو بدل من الحركة الملقاة لثقلها عن الياء، فلما جاء التنوين حذفت الياء لالتقاء الساكنين هي والتنوين، كما حذف من المنصرف في نحو: قاضٍ وغازٍ ومتقٍ (٢٠) (٢١) قال أبو علي: (الدليل على أن الحذف لغير التقاء الساكنين أنه لو كان لذلك (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ غَوَاشٍ ﴾ بالتنوين دلالة على أن الياء لم تحذف لالتقاء الساكنين؛ إذ الساكن الأول لو ثبت لم يجتمع معه الساكن الثاني.
وحكاية أبي إسحاق في قوله: (زعم سيبويه والخليل أن النون عوض من الياء) هذا لعمري صحيح عليه نص سيبويه، إلا أن ما ذكر بعد من قوله: فإذا ذهبت الضمة أدخلت النون عوضًا منها فالقول أن النون عوض من ذهاب الضمة خلاف قول سيبويه، ألا ترى أنه قد نص على أنه عوض من الياء كما حكاه أبو إسحاق أولاً عنه، ولو كان النون عوضًا من الضمة لكان جديرًا أن يلحق الفعل أيضًا، ألا ترى أن الأفعال قد حذفت الضمة من لاماتها، وقوله: (كأن سيبويه ذهب إلى أن (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلهًا) (٣٠) قال الزجاج: (والظالمون -هاهنا أيضًا (٣١) (٣٢) (١) في (ب): (أجمع).
(٢) في (أ): (جعله).
(٣) "تهذيب اللغة" 4/ 3461، وانظر: "العين" 4/ 31 - 32، و"الجمهرة" 2/ 685، و"الصحاح" 2/ 541، و"المجمل" 3/ 818، و"المفردات" 780، و"اللسان" 7/ 4286 (مهد).
(٤) "تهذيب اللغة" 4/ 3461 (مهد).
(٥) في (ب): (والغواش).
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2667، و"الصحاح" 6/ 2446، و"المجمل" 3/ 696، و"المفردات" ص 607، و"اللسان" 6/ 3259 (غشا).
(٧) في (ب): (بها).
(٨) أكثر النحويين على أنها اسم لنار الله الموقدة وهي أعجمية معربة ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة، وذهب جماعة من المحققين إلى أنها عربية ومنعها للعلمية والتأنيث مأخوذة من قولهم: ركيَّة جِهنام بكسر الجيم والهاء أي: بعيدة القعر، واشتقاق جهنم من ذلك لبعد قعرها ولغلظتها، أفاده السمين في "عمدة الحفاظ" ص 104 وقال: (القول بأنها أعجمية غير مشهور في النقل، بل المشهور عندهم أنها عربية) اهـ.
وانظر: "العين" 3/ 396، و"الزاهر" 2/ 146، و"تهذيب اللغة" 1/ 681، و"الصحاح" 5/ 1892، و"المفردات" ص 209، و"اللسان" 2/ 715 (جهنم).
(٩) في (ب): (على هذا).
وهو تحريف.
(١٠) وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 182، وأخرجه من طرق عن محمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي.
وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 338، والنحاس 3/ 36 و"تفسير السمرقندي" 1/ 541، والماوردي 2/ 223.
(١١) كذا في "النسخ"، وعند ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 (مَفاعِل).
(١٢) انظر: "الكتاب" 3/ 308 - 309.
(١٣) في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 (مفاعل).
(١٤) هذا ملخص ما ذكره ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 - 514.
(١٥) في "معاني الزجاج" 2/ 338: (الأصل غواشي بإسكان الياء، فإذا ذهبت الضمة أدخلت التنوين عوضًا منها ..) اهـ.
ونص الواحدي مثل نصر الفارسي في "الإغفال" ص 778 عن الزجاج.
(١٦) في (ب): (يقف) بالياء.
(١٧) في (ب): (فيقول) بالياء.
(١٨) في (ب): (ليدل).
(١٩) "معاني الزجاج" 2/ 338 - 339، و"الإغفال" ص 778 - 779، وفيهما بعد قوله: (في المصحف "الكتاب" على الوقف) أهـ.
(٢٠) النص من "سر صناعة الإعراب" 2/ 512، وفيه: (قاضٍ وغازٍ ومشترٍ ومتعالٍ).
(٢١) هذا نص كلام ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 512 - 513.
(٢٢) في (ب): (كذلك).
(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢٤) في (أ): (مساجده)، وهو تحريف.
(٢٥) لفظ: (أن) ساقط من (أ).
(٢٦) في (أ): (فإن).
(٢٧) في (ب): تكرار قوله: (أحد وإن أضافه إلى سيبويه فخطأ، وإن ذهب إليه).
(٢٨) وكذلك قال النحاس في "إعرابه" 1/ 612: (التنوين عند سيبويه عوض عن الياء وعن أصحابه عوض من الحركة) اهـ.
(٢٩) "الإغفال" ص 781 - 788، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 298، و"المشكل" 1/ 291، و"غرائب الكرماني" 1/ 403، و"البيان" 1/ 361، و"التبيان" ص 375، و"الفريد" 2/ 301، و"الدر المصون" 5/ 322.
(٣٠) "تنوير المقباس" 2/ 95، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 180، والرازي في "تفسيره" 14/ 78.
وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 199 عن ابن عباس أنه قال: (الظالمون هاهنا الكافرون) اهـ.
(٣١) لفظ: (أيضًا) ساقط من (ب).
(٣٢) "معاني القرآن" 2/ 338، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 37، والسمرقندي 1/ 541، وقال الطبري 8/ 182: (كذلك نثيب ونكافئ من ظلم نفسه فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه وتكذيبه أنبيائه) اهـ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السمآء ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: لا يصعد عملهم إلى السماء، والثاني: لا يدخلون الجنة، فإن الجنة في السماء، والثالث لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا كما تفتح لأرواح المؤمنين ﴿ حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط ﴾ أي حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة والمعنى لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبداً، فلا يدخلونها أبداً ﴿ مِهَادٌ ﴾ فراش ﴿ غَوَاشٍ ﴾ أغطية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حتى إذا ادّاركوا ﴾ كان يعقوب: إذا وقف على "إذا" يبتدىء ﴿ تداركوا ﴾ بالتاء.
سهل: مخير، وكذلك قوله : ﴿ قلتم ﴾ ﴿ وقالوا إنا طيرنا ﴾ وافق الكسائي في ﴿ تثاقلتم ﴾ ﴿ أخراهم لأولاهم ﴾ بالإمالة الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف.
وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد ﴿ أولاهم ﴾ بالإمالة اللطيفة ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة ﴿ فآتهم ﴾ بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة.
إلا قوله: ﴿ ومن يولهم ﴾ ﴿ لا يعلمون ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد ﴿ لا تفتح لهم ﴾ بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو.
وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف.
الباقون بتاء التأنيث والتشديد.
﴿ غواشي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ ما كنا ﴾ بغير واو العطف: ابن عامر.
الآخرون بالواو.
﴿ أورثتموها ﴾ وبابه بإدغام الثاء: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.
الوقوف: ﴿ آياتي ﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ ولاهم يحزنون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ من الكتاب ﴾ ط ﴿ يتوفونهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".
﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ط ﴿ أختها ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ لا لما قلنا.
﴿ من النار ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ الخياط ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ غواش ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ وسعها ﴾ ط وجعل ﴿ أولئك ﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ معترضة ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط للعطف مع العارض.
﴿ اهدنا الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ بالحق ﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بيّن أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم ﴾ وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم.
وإنما قال: ﴿ رسل منكم ﴾ لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والآنس.
ومعنى أياتي أحكامي وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد.
ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ﴾ والأول الحكم بوجود ما لم يوجد كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة.
والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو كتاب.
ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قيل: أي العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين.
وقال الزجاج: أي أنواع البلايا المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب.
وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد.
وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار كأنه بيّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله لكي يصلحوا ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ وذلك أن "حتى" هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه ههنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك النصيب يكون مقدماً على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق.
ومحل ﴿ يتوفونهم ﴾ نصب على الحال من الرسل.
قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ.
وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون عدّتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدّتهم حتى لا ينفلت منهم أحد.
قال في الكشاف: "ما" وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أي الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد ﴿ قالوا ﴾ على سبيل الاعتراف والعود إلى الإنصاف ﴿ ضلوا عنا ﴾ أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم ﴿ وشهدوا على أنفسهم ﴾ بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: ﴿ قال ﴾ أي الله.
وعن مقاتل هو من كلام خازن النار.
وهذا مبني على أنه لا يجوز أن يكلم الكفار وإن كان كلام سخط ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ قيل: أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز.
والمعنى ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار.
وفيه دليل على أن أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ في الدين والعقيدة.
فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى ﴿ حتى إذا ادّاركوا فيها ﴾ أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضاً واستقر معه ﴿ قالت أخراهم ﴾ أي آخرتهم دخولاً في النار ﴿ لأولاهم ﴾ دخولاً فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدماً على الضال في دخول النار.
واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع الله لا معهم ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ﴾ الفاء للجزاء ﴿ عذاباً ضعفاً ﴾ أي مضاعفاً وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل.
قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه مرتين.
وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين بدليل قوله عز من قائل: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ وأقل ذلك عشرة لقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك متقن وما فوقه مشكوك ﴿ قال ﴾ أي الله أو خازن النار ﴿ لكل ﴾ من القادة والأتباع ﴿ ضعف ﴾ أما للقادة فلما قلنا، وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروّجوا أمرهم.
سئل ههنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير النهاية.
قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا يصلح للجواب.
والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية والله أعلم ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك.
﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ إذ قد حكم الله بأن لكل منا ضعفاً ﴿ فما كان ﴾ أي فما ثبت ﴿ لكم علينا من فضل ﴾ لأنكم مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله فيهم.
قال في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذباً لأنهم بنو كلامهم على حكم الله بأن لكل ضعفاً.
ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وهي الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد ﴿ واستكبروا عنها ﴾ أي ترفعوا عن قبولها ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال ابن عباس: أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله من قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ ومن قوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها كما جاء في الحديث "إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة.
ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء" وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرّق لهم إليها حتى يدخلوا الجنة.
وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله : ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾ ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ الولوج الدخول.
وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.
والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب.
والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع.
ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام المشهورة عند العرب كما قال: لا عيب بالقوم من طول ومن عظم *** جسم الجمال وأحلام العصافير وكان سم الإبرة مثلاً في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة.
وقالوا للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة قطعاً فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: "لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار".
وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن.
واختار ابن عباس هذا التفسير قائلاً: إن الله أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه.
وأهل التناسخ أوّلوا الآية بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لمّا عصت وأذنبت فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذٍ تصير مطهرة عن تلك الذنوب فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نجزي المجرمين ﴾ قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق بشرط عند التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة.
ثم لما بين أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ أي فراش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.
والتنوين في ﴿ غواش ﴾ مثله في "جوار" أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان الياء ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾ هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.
وقوله ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن.
وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعداً لمن فاتته وسحقاً لمن فارقته.
ومن جعله خبراً فالعائد محذوف أي لا نكلف نفساً منهم.
ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ وللآية تفسيران: الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف.
عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.
الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوته بحسب الكمال والنقص، فالله أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير.
ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ ونودوا أن تلكم ﴾ بأنه تلكم ﴿ الجنة ﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول.
وإنما قيل: ﴿ تلكم ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم.
ومعنى ﴿ أورثتموها ﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.
قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار.
وقيل: أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.
وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم" قالت المعتزلة قوله: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل.
وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله كان دخول الجنة بفضله.
وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله أعلم.
التأويل: ﴿ يا بني آدم أما يأتينكم رسل ﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته.
﴿ افترى على الله كذباً ﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿ أو كذب ﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿ حتى إذا جاءتهم ﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿ يتوفونهم ﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿ قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وشهدوا ﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله .
ثم قال لأهل الخذلان ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وقدم الجن لأن الله خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر.
﴿ كلما دخلت أمة ﴾ في أعمال أهل النار ﴿ لعنت أختها ﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿ حتى إذا ﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار.
﴿ عذاباً ﴾ ﴿ ضعفاً ﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿ لكل ضعف ﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿ لا تفتح لهم أبواب ﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ ولا يدخلون ﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿ لهم من جهنم ﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم.
﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : إنما هو حرف استفهام وسؤال لم يخرج له جواب، لكن أهل التأويل عرفوا ذلك، فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، أجابوا على ما عرفوا من السؤال؛ وإلا ليس قولهم: لا أحد أظلم، نفس قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ، أي: لا أحد أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً، مع علمه أنه خالقه، وأنه متقلب في نعمه، وأحاطت به أياديه وإحسانه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : أي لا [أحد] أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً.
وقوله: ﴿ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، قيل: الافتراء هو اختراع الكذب من نفسه من غير أن سبق له أحد في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ وأما [الكذب] فقد يكون مما أنشأ هو أو مما قد سبق له أحد فسمع منه ثم افتراه على الله فهو أنواع: يكون بما قالوا: [إن له ولداً، وقالوا: إن له شريكاً وصاحبة، وبما عبدوا غير الله وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، ويكون ما قالوا] ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ، ويكون بما حرموا من أشياء على أنفسهم فأضافوا ذلك إلى الله، ونحو ذلك من الافتراء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
اختلف فيه: قال الحسن: [إنّ] من أطاع الله في أمره ونهيه، وأطاع رسله، فقد كتبت له الجنة خالداً فيها أبداً، فذلك نصيبه وحظه من الكتاب الذي كتب له، ومن عصى الله وخالف رسله، كتبت له النار [خالداً فيها أبداً] فهو نصيبه من الكتاب.
وقال أبو بكر الكيساني: [في] قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: حظهم من الخير والعقاب في الآخرة، وهو قول القتبي ويحتمل وجهين آخرين غير هذين: أحدهما: ما حرفوا من الكتب وغيروها، ثم أضافوا ذلك ونسبوه إلى الله؛ كقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ ، فصار ما حرفوا هم وغيروه سنة فيهم يعملون بها إلى يوم القيامة، فينالون هم جزاء ذلك يوم القيامة.
والثاني: قوله: ﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم ﴾ مما كتب لهم من الرزق والنعمة، يستوفون ذلك المكتوب لهم، ثم يموتون.
ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ .
على هذا التأويل جاءتهم الرسل بقبض أرواحهم، وهو ظاهر.
وعلى تأويل من حمل ذلك على الجزاء في الآخرة: فهو يجعل المتوفَّى في النار؛ لشدة العذاب، وإن كانوا لا يموتون، وهو كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ ، أي تأتيه أسباب الموت.
وعلى تأويل [من] يجعل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : في الدنيا في استيفاء الرزق وما كتب لهم؛ يكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ ﴾ على الإثبات وعلى تأويل من يقول بأن ذلك في الآخرة فيجيء أن يكون على الصلة والإسقاط.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .
تقول لهم الملائكة في النار على تأويل هؤلاء [و] على تأويل أولئك: عند قبض أرواحهم، أو بعد قبض أرواحهم.
وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي تعبدون من دون الله، وتقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، أو الأكابر التي ذكر بقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ أين أولئك الذين كنتم تعبدون من دون الله؟!
﴿ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ .
وهلكوا، أي: بطل عبادتنا التي عبدناهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: هلكنا وبطلنا.
﴿ وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ .
فإن كان قوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : الكبراء منهم والرؤساء يكون قوله: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ ، أي: شغلوا بأمرهم عنا، وإن كان الأصنام يكون قوله: ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ أي: بطل ما كنا نطمع من عبادتنا إياهم، وهو قولهم: ﴿ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ ﴾ .
قوله: ﴿ فِيۤ أُمَمٍ ﴾ يحتمل مع أمم، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: جاء فلان في جنده.
وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .
المتبوعين والأتباع جميعاً معاً والعرب تضع حروف الخفض بعضها في موضع بعض؛ كقوله: ﴿ فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي ﴾ ، قيل: مع عبادي.
ويحتمل "في" موضعه كأن المتبوعين يدخلون النار قبل الأتباع [فقيل لهؤلاء الأتباع] ﴿ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .
وفيه دليل أن الكفار من الجن يعذبون كما يعذب الكفار من الإنس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ .
لعن الأتباع المتبوعين؛ لما هم دعوهم إلى ذلك، وهم صرفوهم عن دين الله؛ كقولهم: ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً...
﴾ ، وكقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ...
﴾ ، وغير ذلك من الآيات.
ولعن المتبوعون الأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع وبقدرهم؛ فيلعن بعضهم بعضاً.
وفيه دليل أن أهل الكفر وإن اختلفوا في مذاهبهم فهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، كالمؤمنين [بعضهم] إخوة وأخوات لبعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ .
قال بعضهم: هو من التدارك، أي: حتى إذا تداركوا وتتابعوا فيها.
وقيل: هو من الدرك؛ لأن النار دركات، لا يزال أهل النار يهوون فيها لا قرار لهم في ذلك؛ [و] في القرار بعض التسلي والراحة، فلا يزالون يهوون فيها دركاً فدركاً.
وقيل: ولذلك سميت هاوية.
وقيل: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ ، أي: اجتمعوا فيها؛ فعند ذلك يتلاوم بعضهم بعضاً، فإن كان على التدارك فهو كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ ، وإن كان على الاجتماع فهو للتضييق؛ كقوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ ﴾ الآية، ويجتمعون يلعن بعضهم بعضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أُخْرَاهُمْ ﴾ : الذين [كانوا] في آخر الزمان، ﴿ لأُولاَهُمْ ﴾ : الذين شرعوا لهم ذلك الدين.
﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ أُخْرَاهُمْ ﴾ الذين دخلوا النار أخيراً وهم الأتباع، ﴿ لأُولاَهُمْ ﴾ الذين دخلوا النار أولاً، وهم القادة والمتبوعون، ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، يعني: القادة والسادة، ﴿ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ ﴾ ، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ : ليس على القول بعضهم لبعض، ولكن على الدعاء عليهم واللعن؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ﴾ .
وقوله: ﴿ فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ .
قال بعضهم: لكل ضعف النار؛ لأنها لا تزال تزداد وتعظم وتكبر فذلك الضعف، وذلك للأتباع والمتبوعين جميعاً.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ ، أي: للمتبوعين والقادة ضعف، قال لهم مالك، أو خزنة [النار]، أو من كان: ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة بعد أن يقال لهم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ .
في الدنيا أن لكم ضعفاً منها.
وقيل: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ : للحال بأن لكل ضعفاً من النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ ﴾ .
يحتمل ﴿ أُولاَهُمْ ﴾ ما ذكرنا: الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وسنّوا لهم ﴿ لأُخْرَاهُمْ ﴾ الذين كانوا في آخر الزمان.
ويحتمل ﴿ أُولاَهُمْ ﴾ : الذين دخلوا أولاً، ﴿ لأُخْرَاهُمْ ﴾ : هم الذين دخلوا النار أخيراً، وهم الأتباع.
﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: يحتمل ما كان لكم علينا من فضل في شيء؛ فقد ضللتم كما ضللنا، أي: لم يكن لنا عليكم فضل سلطان، ولا كان معنا حجج وآيات قهرناكم عليها، إنما دعوناكم إلى ذلك فاستجبتم لنا، وقد كان بعث إليكم الرسل مع حجج وآيات فلم تجيبوهم، وهو كخطبة إبليس حيث قال: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ...
﴾ الآية، فيقول هؤلاء القادة للأتباع مثل قول الشيطان لجملتهم.
وقيل: قوله ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ ، يعني: تخفيف العذاب.
أي: نحن وأنتم في العذاب سواء، لا فضل لكم علينا من تخفيف العذاب في شيء.
أحد التأويلين في قوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ يرجع إلى الآخرة والآخر إلى الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ .
من الشرك والتكذيب لآيات الله، وكذلك جزاء بما كانوا يكسبون ويعملون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا ﴾ .
هذا قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
قال بعضهم: يعني بأبواب السماء أبواب الجنان؛ لأن الجنان تكون في السماء؛ فسمى أبواب السماء لأن الجنان فيها.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ ، وما يوعد لنا هو الجنة، ثم أخبر أنها في السماء.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ \[كأنه قال: لا تفتح لهم أبواب الجنان ولا يدخلون الجنة\] - أيضاً.
وقال آخرون: أبواب السماء هي أبواب السماء؛ وذلك أن أعمال المؤمنين ترفع إلى السماء وتصعد إليها أرواحهم، وأعمال الكفرة وأرواحهم ترد إلى أسفل السافلين؛ كقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ ، وقال في الكافر: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ﴾ فإذا كانت أعمال المؤمنين وأرواحهم ترفع إلى السماء وتصعد إليها، أخبر [أن الكافرين] لا تفتح لهم أبواب السماء ولا لأعمالهم، ولكن ترد إلى السجين.
وأمكن أن يكون على التمثيل ليس على تحقيق السماء؛ ولكن ذكر السماء لما أن السماء هي مكان الطيبات من الأشياء وقرارها، لا مكان الخبائث والأقذار، والأرض هي مكان ذلك، وأعمال الكفرة خبيثة؛ فكنى عن أعمالهم الخبيثة بالأرض [لما أن الأرض] هي معدن الخبائث والأنجاس.
وكنى عن أعمال المؤمنين الطيبة بالسماء، وهو كما ضرب مثل الإيمان: بالشجرة الطيبة الثابتة وفرعها في السماء، وضرب مثل الكفر: بالشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض، ليس على أن يكون قوله: ﴿ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ على تحقيق السماء، ولكن على الوصف بالطيب والقبول؛ فعلى ذلك الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
لا يستقيم مثله على الابتداء إلا على نوازل تسبق، خرج ذلك جواباً لها؛ نحو قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ...
﴾ الآية.
أو أن ذكروا أعمال أنفسهم أنهم يعملون كذا؛ فقال: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .
فإن قيل: [كيف] خوفهم بما ذكر من سدّ الأبواب عليهم، وجعل النار لهم مهاداً وغواشياً، وهم لا يؤمنون بذلك كله، فكيف خوفوا به؟
قيل: إن المرء إذا خوف بشيء فإنه يخاف ويهاب ذلك، وإن لم يتيقن بذلك، ولا تحقق عنده ما خوف به؛ حتى يستعدّ لذلك، ويتهيأ وإن كان على شك من ذلك وظن؛ فعلى ذلك هؤلاء خوفوا بالنار وأنواع العذاب، وإن كانوا شاكين في ذلك غير مصدّقين؛ لما يجوز أن يهابوا ذلك، أو أن يخوف بذلك المؤمنين؛ كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
أو أن يكون التخويف لمن آمن منهم بالبعث؛ [لأن] منهم من قد آمن بالبعث والجزاء والثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ \[هذا على الإياس أنهم لا يدخلون أبداً الجنة كما لا يدخل ما ذكر في سمّ الخياط فإنه لا يدخل أبداً ثم قوله: حتى يلج الجمل في سم الخياط\].
قال بعضهم: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة.
وقال ابن عباس - -: حتى يدخل الجمل الذي يشد به السفينة في خرق الإبرة.
وقال أبو عوسجة: يعني خرق الإبرة أو المسلة، والجمل: الحبل، والخياط: الإبرة أو المسلة.
وقال ابن عباس - -: ليس بالجمل ذي القوائم [ولكنه الجمل] يعني: القلس.
وقال ابن مسعود: هو الجمل ذو القوائم الأربع، والله أعلم بما أراد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
أي: كذلك نجزي كل مجرم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ ﴾ .
قيل: الفرش.
﴿ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ .
هي اللحف أو الحواشي، ما يتغشاهم فيه النار تحيط بهم من تحت ومن فوق وأمام وخلف؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، أي: لا يتقي لما يحيط بهم العذاب، وهو كقوله - -: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ...
﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أن النار تحيط بهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لهؤلاء المكذبين المتكبرين من جهنم فراش يفترشونه، ولهم من فوقهم أغطية من نار، ومثل هذا الجزاء نجزي المتجاوزين لحدود الله بكفرهم به وإعراضهم عنه.
<div class="verse-tafsir" id="91.BOn6d"