الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٤٢ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء ، فقال : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ، ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله ، واستكبروا عنها .
وينبه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل; لأنه تعالى قال : ( لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل ) أي : من حسد وبغضاء ، كما جاء في الصحيح للبخاري ، من حديث قتادة ، عن أبي المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذبوا ونقوا ، أذن لهم في دخول الجنة; فوالذي نفسي بيده ، إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا "
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: والذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به من وحي الله وتنـزيله وشرائع دينه, وعملوا ما أمرهم الله به فأطاعوه، وتجنبوا ما نهاهم عنه (37) =(لا نكلف نفسًا إلا وسعها)، يقول: لا نكلف نفسًا من الأعمال إلا ما يسعها فلا تحرج فيه (38) =(أولئك)، يقول: هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات =(أصحاب الجنة)، يقول: هم أهل الجنة الذين هم أهلها، دون غيرهم ممن كفر بالله, وعمل بسيئاتهم (39) =(هم فيها خالدون)، يقول (40) هم في الجنة ماكثون, دائمٌ فيها مكثهم، (41) لا يخرجون منها، ولا يُسلبون نعيمها.
(42) --------------------- الهوامش : (37) انظر تفسير (( الصالحات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح ) .
(38) انظر تفسير (( التكليف )) و (( الوسع )) فيما سلف ص : 225 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(39) انظر تفسير (( أصحاب الجنة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صحب ) .
(40) في المطبوعة والمخطوطة : (( فيها خالدون )) ، بغير (( هم )) ، وأثبت نص التلاوة .
(41) انظر تفسير (( الخلود )) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(42) في المطبوعة والمخطوطة : (( ولا يسلبون نعيمهم )) ، والسياق يقتضي ما أثبت .
قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون [ ص: 187 ] قوله تعالى لا نكلف نفسا إلا وسعها كلام معترض ، أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ، ومعنى لا نكلف نفسا إلا وسعها أي أنه لم يكلف أحدا من نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه ، دون ما لا تناله يده ، ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل الفعل ; قاله ابن الطيب .
نظيره لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها .
لما ذكر الله تعالى عقاب العاصين الظالمين، ذكر ثواب المطيعين فقال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا ْ} بقلوبهم { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ْ} بجوارحهم، فجمعوا بين الإيمان والعمل، بين الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، بين فعل الواجبات وترك المحرمات، ولما كان قوله: { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ْ} لفظا عاما يشمل جميع الصالحات الواجبة والمستحبة، وقد يكون بعضها غير مقدور للعبد، قال تعالى: { لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ْ} أي: بمقدار ما تسعه طاقتها، ولا يعسر على قدرتها، فعليها في هذه الحال أن تتقي اللّه بحسب استطاعتها، وإذا عجزت عن بعض الواجبات التي يقدر عليها غيرها سقطت عنها كما قال تعالى: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ْ} { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ْ} { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ْ} { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ْ} فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة.
{ أُولَئِكَ ْ} أي: المتصفون بالإيمان والعمل الصالح { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ْ} أي: لا يحولون عنها ولا يبغون بها بدلا، لأنهم يرون فيها من أنواع اللذات وأصناف المشتهيات ما تقف عنده الغايات، ولا يطلب أعلى منه.
( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي : طاقتها وما لا تحرج فيه ولا تضيق عليه ، ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون )
«والذين آمنوا وعملوا الصالحات» مبتدأ وقوله «لا نكلّف نفسا إلا وسعها» طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره وهو «أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون».
والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة في حدود طاقاتهم -لا يكلف الله نفسًا من الأعمال إلا ما تطيق- أولئك أهل الجنة، هم فيها ماكثون أبدًا لا يخرجون منها.
ثم نرى السورة بعد ذلك تسوق لنا ما أعده الله للمؤمنين بعد أن بينت فيما سبق عاقبة الكافرين فقال - تعالى - : ( والذين آمَنُواْ .
.
.
) .أى : والذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وعملوا الأعمال الصالحة التى لا عسر فيها ولا مشقة ، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، أولئك الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، هم أصحاب الجنة هم فيها خالدون .وجملة - لا نكلف نفساً إلا وسعها - معترضة بين المبتدأ الذى هو قوله : ( والذين آمَنُواْ ) وبين الخبر الذى هو قوله : ( أولئك أَصْحَابُ الجنة ) .قال الجمل : " وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر ، لأنه من جنس هذا الكلام ، لأنه - سبحانه - لما ذكر عملهم الصالح ، ذكر أن ذلك العلم من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم قدرها ، يتوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة ولا صعوبة " .وقال صاحب الكشاف : " وجملة ( لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) معترضة بين المبتدأ والخبر ، للترغيب فى اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيم بما هو فى الوسع ، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل الصالح " .
اعلم أنه تعالى لما استوفى الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد في هذه الآية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى: ﴿ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس هذا الكلام، لأنه لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب.
وقال قوم: موضعه خبر عن ذلك المبتدأ والعائد محذوف، كأنه قيل: لا نكلف نفساً منهم إلا وسعها، وإنما حذف العائد للعلم به.
المسألة الثانية: معنى الوسع ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال الضيق والشدة، والدليل عليه: أن معاذ بن جبل قال في هذه الآية إلا يسرها لا عسرها.
وأما أقصى الطاقة يسمى جهداً لا وسعاً، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود.
المسألة الثالثة: قال الجبائي: هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن الله تعالى كذبهم في ذلك، وإذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال، لأنه لو كان خالق أعمال العباد هو الله تعالى، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، لأنه تعالى أن كلفه بذلك الفعل حال ما خلقه فيه، فذلك تكليفه بما لا يطاق، لأنه أمر بتحصيل الحاصل، وذلك غير مقدور، وإن كلفه به حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه كان ذلك أيضاً تكليف ما لا يطاق، لأن على هذا التقدير: لا قدرة للعبد على تكوين ذلك الفعل وتحصيله، قالوا: وأيضاً إذا ثبت هذا الأصل ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل، والكافر لا قدرة له على الإيمان مع أنه مأمور به فكان هذا تكليف ما لا يطاق، ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق، ثبت فساد هذين الأصلين.
والجواب: أنا نقول وهذا الإشكال أيضاً وارد عليكم، لأنه تعالى يكلف العبد بإيجاد الفعل، حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر والأول باطل، لأن الإيجاد ترجيح لجانب الفعل، وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال، والثاني باطل، لأن حال حصول الرجحان كان الحصول واجباً، فإن وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمراً بتحصيل الحاصل، وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمراً بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحاً، فيكون أمراً بالجمع بين النقيضين وهو محال، فكل ما تجعلونه جواباً عن هذا السؤال، فهو جوابنا عن كلامكم والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ ﴾ فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه، والغل العقد.
قال أهل اللغة: وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب، أي يدخل، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال: انغل في الشيء، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة، كالحب يدخل في صميم الفؤاد.
إذا عرفت هذا فنقول: لهذه الآية تأويلان: القول الأول: أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا، ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ ﴾ .
والقول الثاني: إن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة.
قال صاحب الكشاف: هذا التأويل أولى من الوجه الأول، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض، ولعن بعضهم بعضاً، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضاً مفارقة لحال أهل النار.
فإن قالوا: كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة، والدرجات العالية، ويرى نفسه محروماً عنها عاجزاً عن تحصيلها، ثم إنه لا يميل طبعه إليها، ولا يغتم بسبب الحرمان عنها، فإن عقل ذلك، فلم لا يعقل أيضاً أن يعيدهم الله تعالى، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل، والشرب والوقاع، ويغنيهم عنها؟
قلنا: الكل ممكن، والله تعالى قادر عليه، إلا أنه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس، فظهر الفرق بين البابين.
ثم إنه تعالى قال: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار ﴾ والمعنى: أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم باللَّذات العظيمة، وقوله: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار ﴾ من رحمة الله وفضله وإحسانه، وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية.
ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي هَدَانَا لهذا ﴾ وقال أصحابنا: معنى ﴿ هَدَانَا الله ﴾ أنه أعطى القدرة، وضم إليها الداعية الجازمة، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجباً لحصول تلك الفضيلة فإنه لو أعطى القدرة، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر، ولو خلق الله الداعية المعارضة أيضاً لسائر الدواعي الصارفة، لم يحصل الفعل أيضاً.
أما لما خلق القدرة، وخلق الداعية الجازمة، وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجباً للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير الله تعالى، وتخليقه وتكوينه.
وقالت المعتزلة: التحميد إنما وقع على أنه تعالى أعطى العقل ووضع الدلائل، وأزال الموانع، وعند هذا يرجع إلى مباحث الجبر والقدر على سبيل التمام والكمال.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر ما كنا بغير واو وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، والباقون بالواو، والوجه في قراءة ابن عامر أن قوله: ﴿ مَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله ﴾ جار مجرى التفسير لقوله: ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ فلما كان أحدهما عين الآخر، وجب حذف الحرف العاطف.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله ﴾ دليل على أن المهتدي من هداه الله، وإن لم يهده الله لم يهتد، بل نقول: مذهب المعتزلة أن كل ما فعله الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام، والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد، فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر، والمحق والمبطل بسعي نفسه، واختيار نفسه فكان يجب عليه أن يحمد نفسه، لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان، وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنان، وخلصها من دركات النيران، فلما لم يحمد نفسه البتة، وإنما حمد الله فقط.
علمنا أن الهادي ليس إلا الله سبحانه.
ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق ﴾ وهذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عياناً، وقالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
ثم قال تعالى: ﴿ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذلك النداء إما أن يكون من الله تعالى، أو أن يكون من الملائكة، والأولى أن يكون المنادي هو الله سبحانه.
المسألة الثانية: ذكر الزجاج في كلمة أن هاهنا وجهين: الأول: أنها مخففة من الثقيلة، والتقدير: أنه والضمير للشأن، والمعنى: نودوا بأنه تلكم الجنة أي نودوا بهذا القول.
والثاني: قال: وهو الأجود عندي أن تكون أن في معنى تفسير النداء، والمعنى: ونودوا.
أي تلكم الجنة، والمعنى: قيل لهم تلكم الجنة كقوله: ﴿ وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ ﴾ يعني أي امشوا.
قال: إنما قال: تلكم لأنهم وعدوا بها في الدنيا.
فكأنه قيل: لهم هذه تلكم التي وعدتم بها وقوله: ﴿ أُورِثْتُمُوهَا ﴾ فيه قولان: القول الأول: وهو قول أهل المعاني أن معناه: صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله، والإرث قد يستعمل في اللغة، ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال: هذا العمل يورثك الشرف، ويورثك العار أي يصيرك إليه، ومنهم من يقول: إنهم أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.
والقول الثاني: أن أهل الجنة يورثون منازل أهل النار.
قال صلى الله عليه وسلم: «ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم» وقوله: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: تعلق من قال العمل يوجب هذا الجزاء بهذه الآية فإن الباء في قوله: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ تدل على العلية، وذلك يدل على أن العمل يوجب هذا الجزاء، وجوابنا: أنه علة للجزاء لكن بسبب أن الشرع جعله علة له، لا لأجل أنه لذاته موجب لذلك الجزاء، والدليل عليه أن نعم الله على العبد لا نهاية لها، فإذا أتى العبد بشيء من الطاعات وقعت هذه الطاعات في مقابلة تلك النعم السالفة فيمتنع أن تصير موجبة للثواب المتأخر.
المسألة الثانية: طعن بعضهم فقال: هذه الآية تدل على أن العبد إنما يدخل الجنة بعمله، وقوله عليه السلام: «لن يدخل أحد الجنة بعمله وإنما يدخلها برحمة الله تعالى» وبينهما تناقض، وجواب ما ذكرنا: أن العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته، وإنما يوجه لأجل أن الله تعالى بفضله جعله علامة عليه ومعرفة له، وأيضاً لما كان الموفى للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل الله تعالى.
المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ خطاب عام في حق جميع المؤمنين، وذلك يدل على أن كل من دخل الجنة فإنما يدخلها بعمله، وإذا كان الأمر كذلك امتنع قول من يقول: إن الفساق يدخلون الجنة تفضلاً من الله تعالى.
إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يخرج الفاسق من النار لأنه لو خرج لكان إما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها.
والثاني: باطل بالإجماع، والأول: لا يخلو إما أن يدخل الجنة على سبيل التفضل أو على سبيل الاستحقاق، والأول باطل، لأنا بينا أن هذه الآية تدل على أن أحداً لا يدخل الجنة بالتفضل، والثاني: أيضاً باطل لأنه لما دخل النار وجب أن يقال: إنه كان مستحقاً للعقاب فلو أدخل الجنة على سبيل الاستحقاق لزم كونه مستحقاً للثواب، وحينئذ يلزم حصول الجمع بين استحقاق الثواب واستحقاق العقاب وهو محال لأن الثواب منفعة دائمة خالصة عن شوائب الضرر والعقاب مضرة دائمة خالصة عن شوائب المنفعة والجمع بينهما محال.
وإذا كان كذلك كان الجمع بين حصول استحقاقهما محالاً.
والجواب: هذا بناء على أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمعان.
وقد بالغنا في إبطال هذا الكلام في سورة البقرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ جملة معترضة بين المبتدإ والخبر، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيم بما هو في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل والصالح.
وقرأ الأعمش: ﴿ لا تكلف نفس ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في أنْ يَشْفَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ، ﴿ وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَإ وخَبَرِهُ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ النَّعِيمِ المُقِيمِ بِما يَسَعُهُ طاقَتُهم ويَسْهُلُ عَلَيْهِمْ.
وقُرِئَ « لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ» .
﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ أيْ نُخْرِجُ مِن قُلُوبِهِمْ أسْبابَ الغِلِّ، أوْ نُطَهِّرُها مِنهُ حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهم إلّا التَّوادُّ.
وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنهم.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ زِيادَةٌ في لَذَّتِهِمْ وسُرُورِهِمْ.
﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا ﴾ لِما جَزاؤُهُ هَذا.
﴿ وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ﴾ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ وتَوْفِيقُهُ، واللّامِ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.
وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « ما كُنّا» بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّها مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى.
﴿ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ فاهْتَدَيْنا بِإرْشادِهِمْ.
يَقُولُونَ ذَلِكَ اغْتِباطًا وتَبَجُّحًا بِأنَّ ما عَلِمُوهُ يَقِينًا في الدُّنْيا صارَ لَهم عَيْنُ اليَقِينِ في الآخِرَةِ.
﴿ وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ ﴾ إذا رَأوْها مِن بَعِيدٍ، أوْ بَعْدَ دُخُولِها والمُنادى لَهُ بِالذّاتِ.
﴿ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ أُعْطِيتُمُوها بِسَبَبِ أعْمالِكم، وهو حالٌ مِنَ الجَنَّةِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، أوْ خَبَرٌ والجَنَّةُ صِفَةُ تِلْكم وأنَّ في المَواقِعِ الخَمْسَةِ هي المُخَفَّفَةُ أوِ المُفَسِّرَةُ لِأنَّ المُناداةَ والتَّأْذِينَ مِنَ القَوْلِ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} طاقتها والتكليف إلزام مافيه كلفة أي مشقة {أولئك} مبتدأ والخبر {أصحاب الجنة} والجملة خبر الذين ولا نكلقف نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا اعتراض بين المبتدأ والخبر {هُمْ فِيهَا خالدون}
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ بِآياتِنا ولَمْ يُكَذِّبُوا بِها ﴿ وعَمِلُوا ﴾ الأعْمالَ ﴿ الصّالِحاتِ ﴾ ولَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْها ﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ أيْ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِسُهُولَةٍ دُونَ ما تَضِيقُ بِهِ ذَرْعًا والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو المَوْصُولُ والخَبَرِ الَّذِي هو جُمْلَةُ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما يُؤَدِّي إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ بِبَيانِ سُهُولَةِ مَنالِهِ وتَيَسُّرِ تَحْصِيلِهِ وقِيلَ: المَعْنى لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا ما يُثْمِرُ لَها السِّعَةَ أيْ جَنَّةً عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ لا تَخْلُو عَنْ تَرْغِيبٍ أيْضًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ وما بَعْدَهُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ( لا نُكَلِّفُ ) ..
إلَخْ.
خَبَرَ المُبْتَدَأِ بِتَقْدِيرِ العائِدِ أيْ مِنهم وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ (42) حالٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ ( الجَنَّةِ ) لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِها أيْضًا والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ أوِ اللّامُ المُقَدَّرَةُ وقِيلَ: خَبَرٌ لِأُولَئِكَ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ و( فِيها ) مُتَعَلِّقٌ بِخالِدُونَ قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بمحمد والقرآن وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها يعني: استكبروا عن قبولها.
ويقال: عن النظر فيها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ لأعمال الكفار أي: ليس لهم عمل صالح يفتح لهم أبواب السماء ويقال: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا ماتوا.
وقال بعضهم: أبواب السماء أي أبواب الجنة وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ أي لا يدخلون الجنة أبداً كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة.
وروي عن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل.
فقال: زوج الناقة.
وقال الضحاك: الجمل الذي له أربع قوائم.
وقال بعض الناس: الجمل هو أشتر بالفارسية وقال الحسن: هو ولد الناقة وروي عن ابن عباس- ما- أنه قرأ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة الغليظ.
وسئل عكرمة عن قوله: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ قيل: وما الجمل؟
قال: الحبل الذي يصعد به النخل.
قال سعيد بن جبير هو حبل السفينة الغليظ.
قرأ أبو عمرو لا تُفْتَحْ بالياء بلفظ التذكير بالتخفيف.
وقرأ الباقون بالتاء المشددة.
فمن قرأ بالتأنيث فلأنها من جماعة الأبواب.
ومن قرأ بالتذكير فلأن الفعل مقدم.
ومن قرأ بالتشديد أراد به تكثير الفتح.
ومن قرأ بالتخفيف فتفتح مرة واحدة وقرأ بعضهم في سُمِّ بضم السين وهي قراءة شاذة وهما لغتان قال أبو عبيدة: كل ثقب فهو سم.
ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي هكذا نعاقب المشركين.
ثم ذكر ما أوعدهم في النار فقال عز وجل: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي: فراش من النار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي يغشاهم النار من فوق رؤوسهم ومعناه: أن من تحتهم ناراً ومن فوقهم ناراً.
كقوله: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: 16] ويقال: لهم من جهنم مهاد أي حظهم من جهنم كالمهاد، فأخبر عن ضيق مكانهم في النار وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ نعاقب الكافرين.
قوله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وذلك أن الله تعالى لما أخبر عن حال الذين كذبوا بآياته واستكبروا عن قبولها أخبر عن حال الذين آمنوا بآياته.
فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي: صدقوا وعملوا الصالحات أي الطاعات والأعمال الصالحة لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: لا نكلف نفساً بعد الإيمان من العمل إلا بقدر طاقتها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني: دائمون.
ثم قال عز وجل: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قال بعضهم: أي في الدنيا أخرج الله تعالى الغل والحسد من قلوبهم، وألف بين قلوبهم كما قال الله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63] ويقال: هذا في الجنة يخرج الغل والحسد من قلوبهم.
قال ابن عباس- ما-: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعليّ ونحوهم من أصحاب رسول الله ومن تابعهم على سنتهم ومنهاجهم إلى يوم القيامة.
وقال علي بن أبي طالب لعمران بن طلحة بن عبيد الله: أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى فيهم: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ فأنكر عليه بعضهم.
فقال عليّ: إن لم نكن نحن فمن هم؟
يعني: إن الذين كانوا على عهد رسول الله لم يكن في قلوبهم من الغل حتى ينزع عنهم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أي من تحت غرفهم وقصورهم وأشجارهم الانهار وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي أكرمنا بهذه الكرامة.
ويقال: إن الذي وفقنا للأمر الذي أوجب لنا هذا الثواب وهو الإسلام.
ويقال: هدانا لهاتين العينين.
وذلك أن أهل الجنة لما انتهوا إلى باب الجنة، فإذا هم بشجرة تنبع من ساقها عينان، فيعمدون إلى إحداهما، فيشربون منها، فيخرج الله تعالى ما كان في أجوافهم من غل وقذر فذلك قوله تعالى: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: 21] ثم يعمدون إلى الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب الله تعالى أجسادهم من كل درن وحسد وجرت عليهم نضرة ولا تشعث رؤوسهم، ولا تغبر وجوههم، ولا تشحب أجسادهم أبداً، تتلقاهم خزنة الجنة فينادون في التقديم أي: قبل أن يدخلوها أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فقالوا بعد ما اغتسلوا من العينين الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي: وفقنا حتى اغتسلنا من هاتين العينين.
ويقال: لما دخلوا الجنة ونظروا إلى كراماتها قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا يعني: لهذا الثواب وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ أي: ما كنا لولا أن وفقنا الله.
ذلك أنهم علموا أن الله تعالى له عليهم المن والفضل فيما أعطاهم.
قرأ ابن عامر مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بغير واو على الاستئناف.
وقرأ الباقون والواو وعلى معنى العطف.
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ يعني: جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فصدقناهم وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ قال بعضهم: قبل أن يدخلوها قال لهم خزنة الجنة تلكم الجنة التي وعدتم.
ويقال بعد ما دخلوا بها يقال لهم: تلك الجنة أي: هذه الجنة التى أُورِثْتُمُوها يعني: أنزلتموها بإيمانكم واقتبستموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في دار الدنيا.
وهذا كما روي في الخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: «جُوزُوا الصِّراطَ بِعَفْوِي وَادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوها بِأَعْمَالِكُمْ» .
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله سبحانه: وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي: قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم فَذُوقُوا الْعَذابَ باجْتَرَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة.
وقيل: قوله: فَذُوقُوا هو من كلام الله عز وجل لجميعهم.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الآية، هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم.
قرأ نافع «١» وغيره: «تُفَتَّح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو: «تُفْتَح» بالتاء أيضاً وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية: لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين.
قاله ابن عباس، وغيره.
ثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور «٢» المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن عباس وغيره «٣» «الجُمّل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة «٤» والسّمّ: الثقب من الإبرة وغيرها، وكَذلِكَ أي: وعلى هذه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ المِهادُ الفِراشُ.
وَفِي المُرادِ بِالغَواشِي ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اللُّحُفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: ما يَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ مِنَ الدُّخانِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: غاشِيَةٌ فَوْقَ غاشِيَةٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والظّالِمُونَ هاهُنا الكافِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ قَدِيمِهِمْ وحَدِيثِهِمْ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "لا تُفَتَّحُ"؛ ﴾ بِضَمِّ التاءِ الأُولى؛ وتَشْدِيدِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "تُفْتَحُ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ؛ وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُفْتَحُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وتَخْفِيفِ التاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وأبُو إبْراهِيمَ "يُفَتَّحُ"؛ بِالياءِ؛ وفَتْحِ الفاءِ؛ وشَدِّ التاءِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "لا يَرْتَفِعُ لَهم عَمَلٌ؛ ولا رُوحٌ؛ ولا دُعاءٌ"؛ فَهي عامَّةٌ في نَفْيِ ما يُوجَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ؛ والكافِرِ آثارًا؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ في الآيَةِ؛ ولِلِينِ أسانِيدِها أيْضًا.
ثُمَّ نَفى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عنهم دُخُولَ الجَنَّةِ؛ وعَلَّقَ كَوْنَهُ بِكَوْنٍ مُحالٍ؛ لا يَكُونُ؛ وهو أنْ يَدْخُلَ الجَمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ؛ حَيْثُ يَدْخُلُ الخَيْطُ؛ والجَمَلُ كَما عُهِدَ؛ والسَمُّ كَما عُهِدَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ: "اَلْجَمَلُ"؛ واحِدُ الجِمالِ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو الجَمَلُ الَّذِي يَقُومُ بِالمِرْبَدِ؛ ومَرَّةً لَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قالَ: هو الأشْتَرُ ؛ وهو "اَلْجَمَلُ"؛ بِالفارِسِيَّةِ؛ ومَرَّةً قالَ: هو الجَمَلُ ولَدُ الناقَةِ؛ وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عِبارَةٌ تَدُلُّ عَلى حَرَجِ السائِلِ؛ لِارْتِيابِ السائِلِينَ لا شَكَّ بِاللَفْظَةِ؛ مِن أجْلِ القِراءاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "اَلْجَمْلُ"؛ بِسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكُ بْنُ الشِخِّيرِ؛ وأبُو رَجاءٍ: "اَلْجُمَّلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وتَشْدِيدِ المِيمِ؛ وهو حَبْلُ السَفِينَةِ؛ وقَرَأ سالِمٌ الأفْطَسُ؛ وابْنُ خَيْرٍ؛ وابْنُ عامِرٍ أيْضًا: "اَلْجُمَلُ"؛ بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ مِن "اَلْجُمَّلُ"؛ وقالُوا: هو حَبْلُ السُفُنِ؛ ورَوى الكِسائِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى تَثْقِيلَ المِيمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - كانَ أعْجَمِيًّا؛ فَشَدَّدَ المِيمَ؛ لِعُجْمَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ فِيما رُوِيَ عنهُ: "اَلْجُمْلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "اَلْجُمُلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ والمِيمِ.
و"اَلسَّمُّ": اَلثُّقْبُ مِنَ الإبْرَةِ وغَيْرِها؛ يُقالُ "سَمٌّ"؛ و"سُمٌّ"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وكَسْرِها؛ وضَمِّها؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ بِضَمِّها؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها وبِكَسْرِها؛ ورُوِيَ عنهُ الوَجْهانِ؛ و"اَلْخِياطُ"؛ و"اَلْمِخْيَطُ": اَلْإبْرَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فِي سَمِّ المِخْيَطِ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وسُكُونِ الخاءِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ: "فِي سَمِّ المَخْيَطِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ وكَذَلِكَ أُبَيٌّ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ؛ وبِمِثْلِ هَذا الحَتْمِ وغَيْرِهِ يُجْزى الكَفَرَةُ؛ وأهْلُ الجَرائِمِ عَلى اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى أنَّ جَهَنَّمَ فِراشٌ لَهُمْ؛ ومَسْكَنٌ؛ ومَضْجَعٌ يَتَمَهَّدُونَهُ؛ وهي لَهم غَواشٍ؛ جَمْعُ "غاشِيَةٌ"؛ وهي ما يُغْشِي الإنْسانَ؛ أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ مِن جِهَةِ فَوْقَ؛ قالَ الضَحّاكُ: "اَلْمِهادُ": اَلْفِراشُ؛ و"اَلْغَواشِي": اَللُّحُفُ؛ ودَخَلَ التَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنُقْصانِهِ عن بِناءِ "مَفاعِلُ"؛ فَلَمّا زالَ البِناءُ المانِعُ مِنَ الصَرْفِ بِأنْ حُذِفَتِ الياءُ حَذْفًا؛ لا لِلِالتِقاءِ؛ بَلْ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واللَيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ ؛ و ﴿ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ ﴾ ؛ ومِن قَوْلِ الشاعِرِ: ..................................
ثُمَّ لا يَفْرِ زالَ الِامْتِناعُ؛ وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "ذُلْذُلٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ وهم يُرِيدُونَ "اَلذَّلاذِلُ"؛ لَمّا زالَ البِناءُ؛ قالَ الزَجّاجُ: والتَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَنقُوصَةِ؛ ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ هَذا هو مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ ؛ ويَجُوزُ الوُقُوفُ بِياءٍ؛ وبِغَيْرِ ياءٍ؛ والِاخْتِيارُ بِغَيْرِ ياءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مُخْبِرَةٌ أنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الجَنَّةِ؛ ولَهُمُ الخُلْدُ فِيها؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ القَوْلِ بِعَقِبِ الصِفَةِ؛ الَّتِي شَرَطَها في المُؤْمِنِينَ بِاعْتِراضٍ يُخَفِّفُ الشَرْطَ ويُرَجِّي في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ ويُعْلِمُ أنَّ دِينَهُ يُسْرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الشَرِيعَةَ لا يَتَقَرَّرُ مِن تَكالِيفِها شَيْءٌ لا يُطاقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ؛ وفي وُقُوعِهِ؛ بِمُغْنٍ عَنِ الإعادَةِ.
و"اَلْوُسْعُ"؛ مَعْناهُ: اَلطّاقَةُ؛ وهو القَدْرُ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ قَدْرُ البَشَرِ.
<div class="verse-tafsir"
أُعقب الإنذار والوعيد للمكذّبين، بالبشارة والوعد للمؤمنين المصدّقين على عادة القرآن في تعقيب أحد الغرضين بالآخر.
وعُطف على: ﴿ الذين كذبوا بآياتنا ﴾ [الأعراف: 40] أي: وإنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات إلخ، لأنّ بين مضمون الجملتين مناسبة متوسّطة بين كمال الاتّصال وكمال الانقطاع، وهو التّضاد بين وصف المسندِ إليهما في الجملتين، وهو التّكذيب بالآيات والإيمانُ بها، وبين حكم المسنَدَيْن وهو العذابُ والنّعيم، وهذا من قبيل الجامع الوهمي المذكور في أحكام الفصل والوصل من عِلم المعاني.
ولم يذكر متعلِّقٌ ل ﴿ آمنوا ﴾ لأنّ الإيمان صار كاللّقب للإيمان الخاص الذي جاء به دين الإسلام وهو الإيمان بالله وحده.
واسم الإشارة مبتدأ ثان، و ﴿ أصحاب الجنّة ﴾ خبره والجملة خبر عن ﴿ الذين آمنوا ﴾ .
وجملة ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ معترضة بين المسند إليه والمسند على طريقة الإدماج.
وفائدة هذا الإدماج الارتفاق بالمؤمنين، لأنّه لمّا بشّرهم بالجنّة على فعل الصّالحات أطْمن قلوبهم بأن لا يُطلبوا من الأعمال الصّالحة بما يخرج عن الطّاقة، حتّى إذا لم يبلغوا إليه أيسوا من الجنّة، بل إنّما يُطلبون منها بما في وسعهم، فإنّ ذلك يرضي ربّهم.
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنّه قال، في هذه الآية، إلاّ يُسرها لا عُسْرها أي قاله على وجه التّفسير لا أنّه قراءة.
والوُسْع تقدّم في قوله تعالى: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ في سورة البقرة (286).
ودلّ قوله: أولئك أصحاب الجنة } على قصر ملازمة الجنّة عليهم، دون غيرهم، ففيه تأييس آخر للمشركين بحيث قويت نصيّة حرمانهم من الجنّة ونعيمها، وجملة: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ حال من اسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الأهْواءُ والبِدَعُ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والثّانِي: التَّباغُضُ والتَّحاسُدُ.
والثّالِثُ: الحِقْدُ.
والرّابِعُ: نَزَعَ مِن نُفُوسِهِمْ أنْ يَتَمَنَّوْا ما لِغَيْرِهِمْ.
وَفي نَزْعِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ نَزَعَ ذَلِكَ مِن صُدُورِهِمْ بِلُطْفِهِ.
والثّانِي: أنَّ ما هَداهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ هو الَّذِي نَزَعَهُ مِن صُدُورِهِمْ.
وَفي هَذا الغِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهم لا يَتَعادَوْنَ ولا يَتَحاقَدُونَ بَعْدَ الإيمانِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ وَقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هَدانا لِنَزْعِ الغِلِّ مِن صُدُورِنا.
والثّانِي: هَدانا لِثُبُوتِ الإيمانِ في قُلُوبِنا حَتّى نَزَعَ الغِلَّ مِن صُدُورِنا.
وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: قالَ جُوَيْبِرٌ: هَدانا لِمُجاوَزَةِ الصِّراطِ ودُخُولِ الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ قال: الفرش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ قال: اللحف.
وأخرج هناد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي.
مثله.
وأخرج أبو الحسن القطان في الطوالات وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «يكسى الكافر لوحين من نار في قبره، فذلك قوله: ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية لهم في جهنم مهاد ومن فوقهم غواش قال: هي طبقات من فوقه وطبقات من تحته لا يدري ما فوقه أكثر أو ما تحته، غير أنه ترفعه الطبقات السفلى وتضعه الطبقات العليا ويضيق فيما بينهما حتى يكون بمنزلة الزج في القدح» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ .
قال الزجاج: (معنى الوسع: ما يقدر عليه) (١) قال مجاهد: (إلا ما افترض عليها) (٢) (٣) (٤) (٥) وقد بيَّن أبو زبيد (٦) (٧) أن ما يسعه (٨) (٩) (١٠) ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ اعتراض بين الابتداء والخبر، والخبر الجملة التي هي قوله: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾ ، و (١١) (١٢) ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ ، وقال قوم من أهل المعاني: (موضعه رفع بأنه الخبر على حذف العائد كأنه قيل: لا نكلف نفسًا منهم إلا وسعها، وحذف العائد للعلم به) (١٣) (١) "معاني الزجاج" 2/ 339، وزاد فيه: (أي: عملوا الصالحات بقدر طاقتهم) اهـ.
ونحوه قال الطبري في "تفسيره" 8/ 182، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 612، والسمرقندي 1/ 541.
(٢) ذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 229.
(٣) لفظ: (الذي وسعها) ساقط من (ب).
(٤) "تفسير مقاتل" 2/ 37، وفيه: (يقول: لا نكلفها من العمل إلا ما تطيق) اهـ.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 181، والرازي 14/ 79.
(٦) في (ب): (أبو زيد)، وهو تحريف.
وهو: حَرْمَلَة بن المُنْذر بن مَعْدِ يَكرِب الطائي.
(٧) الشاهد في "ديوانه" ص 109، و"الزاهر" 1/ 94، و"الصحاح" 5/ 2075، و"اللسان" 1/ 178 (أون)، و"الخزانة" 6/ 235 - 236 وبلا نسبة في "الجمهرة" 1/ 380، و"تهذيب اللغة" 4/ 3890، و"كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 25، وأوله: حَمَّال أَثْقَال أَهْلِ الوُدَّ آوِنَةً وآونة، جمع أوان بمعنى الحين، والجهد بالفتح النهاية والغاية، وقيل: الوسع والطاقة، وَبَلْه أي دع، والوسع الطاقة والجدَة أيضًا.
وقال البغدادي في "الخزانة" 6/ 237: (المعنى: أني أعطيهم فوق الوسع فتركًا للوسع، أو فدع الوسع، أي: ذكره أو فكيف الوسع لا أعطيه) اهـ.
وفي "اللسان" 1/ 354 (بله) قال: (المعنى: أعطيهم ما لا أجده إلا بجهد ودع ما أحيط به وأقدر عليه) اهـ.
(٨) كذا في النسخ: (إن ما يسعه) والأولى: (أي ما يسعه).
(٩) انظر: (وسع) في "تهذيب اللغة" 4/ 3890، و"الصحاح" 3/ 1298، و"اللسان" 8/ 4834، وبمثل قول الواحدي، قال الرازي 14/ 79، و"الخازن" 2/ 229.
(١٠) ذكر مثله الرازي 14/ 78، و"الخازن" 2/ 229.
(١١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(١٢) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في مظانه.
(١٣) ذكره أكثرهم، والأول هو قول الزجاج في "معانيه" 2/ 339، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 612، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 79، وابن عطية 5/ 505، وانظر: "البيان" 1/ 361، و"التبيان" ص 375، و"الفريد" 2/ 301، و"الدر المصون" 5/ 323، وفي "بدائع التفسير" 2/ 212 قال ابن القيم: (اعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات، فرفع ذلك بقوله: ﴿ لَا نُكَلِّفُ ﴾ ، وهذا أحسن من قول من قال: إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد، فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا، بل هو حكم شامل لجميع الخلق معه ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط، وتقدير صفة محذوفة أي نفسًا منها، وتعطيل هذه الفائدة الجليلة) اهـ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ أي من كان صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخواناً أحباباً، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة كقوله: ﴿ ونادى أَصْحَابُ الجنة ﴾ ، ﴿ ونادى أَصْحَابُ الأعراف ﴾ ﴿ ونادى أَصْحَابُ النار ﴾ ، وغير ذلك ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ و ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ ، ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله ﴾ و ﴿ أَن سلام ﴾ : يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميراً أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾ حُذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ [يوسف: 70] أي أعلم معلم وهو ملك ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾ [الحديد: 13] ﴿ الأعراف ﴾ .
قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة ﴿ رِجَالٌ ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿ وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ جَمْعُكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي استكبارهم على النار أو استكبارهم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: ﴿ مَآ أغنى ﴾ استفهامية أو نافية ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطاباً لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطاباً لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ خطاباً لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطاباً لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء ﴾ دليل على أن الجنة فوق النار ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ من سائر الأطعمة والأشربة ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم ﴿ كَمَا نَسُواْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَمَا كَانُواْ ﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿ جئناهم بكتاب ﴾ يعني القرآن ﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ﴾ أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حتى إذا ادّاركوا ﴾ كان يعقوب: إذا وقف على "إذا" يبتدىء ﴿ تداركوا ﴾ بالتاء.
سهل: مخير، وكذلك قوله : ﴿ قلتم ﴾ ﴿ وقالوا إنا طيرنا ﴾ وافق الكسائي في ﴿ تثاقلتم ﴾ ﴿ أخراهم لأولاهم ﴾ بالإمالة الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف.
وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد ﴿ أولاهم ﴾ بالإمالة اللطيفة ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة ﴿ فآتهم ﴾ بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة.
إلا قوله: ﴿ ومن يولهم ﴾ ﴿ لا يعلمون ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد ﴿ لا تفتح لهم ﴾ بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو.
وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف.
الباقون بتاء التأنيث والتشديد.
﴿ غواشي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ ما كنا ﴾ بغير واو العطف: ابن عامر.
الآخرون بالواو.
﴿ أورثتموها ﴾ وبابه بإدغام الثاء: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.
الوقوف: ﴿ آياتي ﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ ولاهم يحزنون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ من الكتاب ﴾ ط ﴿ يتوفونهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".
﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ط ﴿ أختها ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ لا لما قلنا.
﴿ من النار ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ الخياط ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ غواش ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ وسعها ﴾ ط وجعل ﴿ أولئك ﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ معترضة ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط للعطف مع العارض.
﴿ اهدنا الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ بالحق ﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بيّن أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم ﴾ وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم.
وإنما قال: ﴿ رسل منكم ﴾ لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والآنس.
ومعنى أياتي أحكامي وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد.
ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ﴾ والأول الحكم بوجود ما لم يوجد كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة.
والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو كتاب.
ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قيل: أي العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين.
وقال الزجاج: أي أنواع البلايا المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب.
وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد.
وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار كأنه بيّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله لكي يصلحوا ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ وذلك أن "حتى" هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه ههنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك النصيب يكون مقدماً على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق.
ومحل ﴿ يتوفونهم ﴾ نصب على الحال من الرسل.
قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ.
وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون عدّتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدّتهم حتى لا ينفلت منهم أحد.
قال في الكشاف: "ما" وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أي الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد ﴿ قالوا ﴾ على سبيل الاعتراف والعود إلى الإنصاف ﴿ ضلوا عنا ﴾ أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم ﴿ وشهدوا على أنفسهم ﴾ بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: ﴿ قال ﴾ أي الله.
وعن مقاتل هو من كلام خازن النار.
وهذا مبني على أنه لا يجوز أن يكلم الكفار وإن كان كلام سخط ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ قيل: أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز.
والمعنى ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار.
وفيه دليل على أن أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ في الدين والعقيدة.
فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى ﴿ حتى إذا ادّاركوا فيها ﴾ أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضاً واستقر معه ﴿ قالت أخراهم ﴾ أي آخرتهم دخولاً في النار ﴿ لأولاهم ﴾ دخولاً فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدماً على الضال في دخول النار.
واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع الله لا معهم ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ﴾ الفاء للجزاء ﴿ عذاباً ضعفاً ﴾ أي مضاعفاً وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل.
قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه مرتين.
وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين بدليل قوله عز من قائل: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ وأقل ذلك عشرة لقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك متقن وما فوقه مشكوك ﴿ قال ﴾ أي الله أو خازن النار ﴿ لكل ﴾ من القادة والأتباع ﴿ ضعف ﴾ أما للقادة فلما قلنا، وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروّجوا أمرهم.
سئل ههنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير النهاية.
قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا يصلح للجواب.
والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية والله أعلم ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك.
﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ إذ قد حكم الله بأن لكل منا ضعفاً ﴿ فما كان ﴾ أي فما ثبت ﴿ لكم علينا من فضل ﴾ لأنكم مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله فيهم.
قال في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذباً لأنهم بنو كلامهم على حكم الله بأن لكل ضعفاً.
ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وهي الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد ﴿ واستكبروا عنها ﴾ أي ترفعوا عن قبولها ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال ابن عباس: أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله من قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ ومن قوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها كما جاء في الحديث "إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة.
ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء" وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرّق لهم إليها حتى يدخلوا الجنة.
وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله : ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾ ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ الولوج الدخول.
وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.
والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب.
والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع.
ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام المشهورة عند العرب كما قال: لا عيب بالقوم من طول ومن عظم *** جسم الجمال وأحلام العصافير وكان سم الإبرة مثلاً في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة.
وقالوا للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة قطعاً فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: "لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار".
وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن.
واختار ابن عباس هذا التفسير قائلاً: إن الله أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه.
وأهل التناسخ أوّلوا الآية بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لمّا عصت وأذنبت فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذٍ تصير مطهرة عن تلك الذنوب فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نجزي المجرمين ﴾ قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق بشرط عند التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة.
ثم لما بين أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ أي فراش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.
والتنوين في ﴿ غواش ﴾ مثله في "جوار" أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان الياء ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾ هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.
وقوله ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن.
وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعداً لمن فاتته وسحقاً لمن فارقته.
ومن جعله خبراً فالعائد محذوف أي لا نكلف نفساً منهم.
ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ وللآية تفسيران: الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف.
عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.
الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوته بحسب الكمال والنقص، فالله أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير.
ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ ونودوا أن تلكم ﴾ بأنه تلكم ﴿ الجنة ﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول.
وإنما قيل: ﴿ تلكم ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم.
ومعنى ﴿ أورثتموها ﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.
قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار.
وقيل: أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.
وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم" قالت المعتزلة قوله: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل.
وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله كان دخول الجنة بفضله.
وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله أعلم.
التأويل: ﴿ يا بني آدم أما يأتينكم رسل ﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته.
﴿ افترى على الله كذباً ﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿ أو كذب ﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿ حتى إذا جاءتهم ﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿ يتوفونهم ﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿ قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وشهدوا ﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله .
ثم قال لأهل الخذلان ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وقدم الجن لأن الله خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر.
﴿ كلما دخلت أمة ﴾ في أعمال أهل النار ﴿ لعنت أختها ﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿ حتى إذا ﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار.
﴿ عذاباً ﴾ ﴿ ضعفاً ﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿ لكل ضعف ﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿ لا تفتح لهم أبواب ﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ ولا يدخلون ﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿ لهم من جهنم ﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم.
﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ ﴾ : ليس من جنس ما ذكر من قوله: ﴿ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ لكنه صلة قوله: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ ﴾ ، يقول فيما تقدم ذكره: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
وأما عندنا: فإنه يستقيم أن يجعل صلة ما تقدم، أي: لا نكلف نفساً من الأعمال الصالحات إلا وسعها، بل نكلفها دون وسعها ودون طاقتها ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً ﴾ : إلا ما يسع ويحتمل، وهو صلة قوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا ﴾ ، يقول: لا يكلف نفساً إلا ما يسع ويحتمل، لا ما لا يسع ولا يحتمل.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ .
قال القتبي: الغل: الحسد والعداوة.
وقيل: الغل والغش واحد، وهو ما يضمر بعضهم لبعض من العداوة والحقد.
وقيل: الغل: الحقد.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ : في الدنيا، ينزع الله - عز وجل - من قلوبهم الغل، يعني: [من] قلوب المؤمنين، ويجعلهم إخواناً بالإيمان؛ كقوله: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ الآية، أخبر أنهم كانوا أعداء فألف بين قلوبهم بالإيمان الذي أكرمهم به؛ حتى صاروا إخواناً بعد ما كانوا أعداء.
قال الحسن: ليس في قلوب أهل الجنة الغل والحسد؛ إذ هما يهمان ويحزنان؛ إنما فيها الحب.
[و] قال بعضهم: هذا في الآخرة، ينزع الله - - من قلوبهم الغل الذي كان فيما بينهم في الدنيا، ويصيرون جميعاً إخواناً؛ كقوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴾ .
وروي عن علي - - قال: [إني] لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله - -: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴾ .
وعن ابن عباس - - قال: نزلت في علي وأبي بكر [وعمر] وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود وعمار وسلمان وأبي ذر - رضوان الله عليهم أجمعين - فينزع في الآخرة ما كان في قلوبهم من غش بعضهم لبعض في الدنيا من العداوة والقتل الذي كان بعد رسول الله والأمر الذي اختلفوا فيه، فيدخلون الجنة؛ هذا - والله أعلم - لأن الذي كان بينهم من الاختلاف والقتال كان دنيويّاً لم يكن؛ بسبب الدين، فذلك يرتفع في الآخرة ويزول، وأما العداوة التي هي بيننا وبين الكفرة: فهي لا تزول أبداً في الدنيا والآخرة؛ لأنها عداوة الدين والمذهب، فذلك لا يرتفع أبداً.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا ﴾ على ابتداء النزع، لا على أن كانوا فيه؛ كقوله - -: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ على ابتداء: المنع، أي: لولا إخراجه إياهم من ذلك، وإلا كانوا فيه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا ﴾ أي: لم نجعل في قلوبهم الغل رأساً، ولو تركهم على ما هم عليه لكان فيهم ذلك.
وفيه دلالة أن لله في فعل العباد صنعاً؛ لأن الغش [والغل] من فعل العباد يذمون على ذلك.
ثم أخبر أنه نزع ذلك من قلوبهم، واستأدى منهم الشكر بذلك بقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا...
﴾ الآية.
وقد ذمّ من طلب الحمد على ما [لم] يفعل؛ فدل طلب الحمد منهم على أن له فيه صنعاً؛ بذلك طلب منهم الحمد، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ .
ذكر هذا - والله أعلم - لما علم عز وجل من طباع الخلق الرغبة في هذه الأنهار الجارية في الدنيا، فيما يقع عليها الأبصار، فرغبهم في الآخرة بما كانت طباعهم وأنفسهم تميل إلى ذلك في الدنيا؛ ليرغبوا فيما أمر وينتهوا عما نهى، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القصور والخيام والجواري والغلمان والأكواب والأباريق، وغير ذلك مما ترغب طباع الخلق في ذلك في الدنيا وتميل أنفسهم إلى ذلك؛ وأعدها لهم في الآخرة ترغيباً منه لهم في ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ ﴾ ، قال الحسن وغيره: هدانا: دلنا لهذا.
﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .
وأما عندنا: ليس هو هداية الدلالة والبيان؛ ولكن الهداية التي أكرمهم الله بها بفضله ولطفه، وهي توفيقه إياهم إلى الهدى؛ لأنه خرج مخرج الامتنان والفضل، ولو كان دلالة وبياناً لكان لا معنى لتلك المنة وذلك الفضل؛ لأن عليه الدلالة والبيان.
والثاني: [أنه] لو كان على الدلالة والبيان لكان ذلك على كل أحد: على الرسل وغيرهم؛ لأن عليهم البيان والدلالة، فدل أنه ليس على الدلالة والبيان، ولكن غيره.
والثالث: أنه لا أحد عند نفسه أنه يزيغ ويضل وقت ما هداه الله ووفقه.
وقد يجوز أن يكون ذلك في الدلالة والبيان؛ دلّ أنه لم يحتمل ما قال أولئك من الدلالة والبيان، والله الموفق.
وقال بعض الناس: إن المعتزلة خالفوا الله عما أخبر، وخالفوا الرسل عما أخبروا عن الله ، وخالفوا أهل الجنة والنار، وخالفوا إبليس: أما مخالفتهم الله فقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ ونحوه.
أما مخالفتهم الرسل فقوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ ﴾ الآية، وقول أهل النار قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ وقول إبليس: ﴿ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : هو أعلم بالله من المعتزلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل جاءوا بالحق، أي: بالدين الذي هو حق، أو جاءوا بالأعمال التي من عمل بها كان صواباً ورشداً، وكل حق هو صواب ورشد، ويحتمل جاءت رسل ربنا بالحق، أي: بالصدق ونحوه.
﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : له وجهان: أحدهما: بالحق الذي استحقه الله على عباده.
والثاني: أنهم جاءوا بالذي هو حق في العقول وصواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ ﴾ .
قوله: ﴿ تِلْكُمُ ﴾ : إنما يتكلم عن غائب، وهم فيها، لكن تأويله - والله أعلم - أن تلكم الجنة التي كنتم وعدتم في الدنيا وأخبرتم عنها هذه.
﴿ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: أورثكم [أعمالكم].
وفيه دلالة أن الإيمان من جملة أعمالهم؛ حيث قال: أورثتموها بما كنتم تعملون، وإنما يورث ذلك بالإيمان وسائر الأعمال [بل] إنما يصح بالإيمان، ذكر أنهم أورثوا الجنة بما عملوا، وإن كانوا ينالونها بفضل الله جزاء وشكراً؛ لقولهم الذي قالوا: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ ﴾ .
ما وعد المؤمنين - عز وجل - [الجنة و] ما فيها من النعيم واللذات والشهوات، بقوله: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ : هذا الذي وعد للمؤمنين، ووعد الكفار النار، وما فيها من الشدائد وأنواع العذاب، فأقروا أنهم قد وجدوا ما وعدهم ربهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً ﴾ : إن المراد بالحق الذي ذكر: الوعد الذي وعدهم وتفسير الحق الصدق، وإن كان الموعود فتأويله: وجدتموه كائناً حاضراً، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
أي: وجبت لعنة الله على الظالمين الذين وعدوا في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل الملك، ويحتمل غيره، وليس يعرف ذلك إلا بالخبر، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
فإن قيل: يذكر في الآية نداء أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، ونداء بعضهم بعضاً لا يكون إلا بحيث يكون بعضهم قريباً من بعض، وقد جاء في الأخبار من وصف الجنة وسعتها ما روي أن أقل ما يكون لواحد من الجنة مثل عرض الدنيا، وما ذكر أن الحور العين لو نظرت نظرة إلى الدنيا لامتلأت الدنيا من ضوئها ونورها، وكذلك من ريحها وعطرها، وقد جاء في وصف النار أن شرارة منها لو وقعت في الدنيا لأحرقتها أو كلام نحو هذا؛ فإذا كان بعضهم من بعض بحيث يسمعون بعضهم نداء بعض، ألا يتأذى أهل الجنة بالنار، وألا ينتفع أهل النار بنعيم الجنة، وكيف يعرف ذلك؟
قيل - والله أعلم [وذلك أن الله] قادر -: أن يوقع نداء هؤلاء بمسامع أولئك ونداء أولئك بمسامع هؤلاء، مع بعد ما بينهما؛ فيسمع كل فريق نداء الفريق الآخر.
أو أن يكون الله - - ينقض بنية هذا الخلق، وينشئهم في الآخرة على غير هذه البنية، مع ارتفاع الآفاق [والحجب فيسمع بعضهم من بعض من بعد الذي ذكر، وينظر بعضهم بعضاً لأن في الدنيا الآفات]، والحجب هي التي تمنع ذلك، فإذا ارتفع ذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
أو يقرب الجنة من النار والنار من الجنة؛ بحيث يسمع بعضهم من بعض ما ذكر من النداء.
أو يجعل ذلك في مسامعهم بما شاء وكيف شاء؛ كتسبيح الجبال وخطاب النمل وجوابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
الصد: [يكون] [منع] الغير، ويكون منع نفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، قيل: دين الله.
قال الحسن: سبيل الله: دين الله الذي ارتضى لعباده، وأمرهم بذلك، وإلى ذلك دعاهم رسله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .
أي: يبغون الدين الذي فيه عوج، وهو دين الشيطان؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ ، فالعوج هو التفرق الذي ذكر في تلك الآية، وأمكن أن يكون قوله: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ، أي: طعناً في دين الله، وقد كانوا يبغون طعناً في دين الله.
<div class="verse-tafsir"
والذين آمنوا بربهم وعملوا من الأعمال الصالحة ما يستطيعون -ولا يكلف الله نفسًا فوق ما تستطيعه- أولئك أصحاب الجنة يدخلونها ماكثين فيها أبدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.z0qZ1"