الآية ٤٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٤٣ من سورة الأعراف

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 120 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال السدي في قوله : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار ) الآية : إن أهل الجنة إذا سبقوا إلى الجنة فبلغوا ، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان ، فشربوا من إحداهما ، فينزع ما في صدورهم من غل ، فهو " الشراب الطهور " ، واغتسلوا من الأخرى ، فجرت عليهم " نضرة النعيم " فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدا .

وقد روى أبو إسحاق ، عن عاصم ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوا من ذلك كما سيأتي في قوله تعالى : ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ) [ الزمر : 73 ] إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان .

وقال قتادة : قال علي ، رضي الله عنه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) رواه ابن جرير .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة ، عن إسرائيل قال : سمعت الحسن يقول : قال علي : فينا والله أهل بدر نزلت : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) .

وروى النسائي وابن مردويه - واللفظ له - من حديث أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول : لولا أن الله هداني ، فيكون له شكرا .

وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول : لو أن الله هداني ، فيكون له حسرة " ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا : ( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) أي : بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة ، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم .

وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة " قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟

قال : " ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وَصَف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة, ما فيها من حقد وغِمْرٍ وعَداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض, (43) فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سُرُر متقابلين, لا يحسد بعضهم بعضًا على شيء خصَّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه, تجري من تحتهم أنهار الجنة.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14658- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: (ونـزعنا ما في صدورهم من غل)، قال: العداوة.

14659- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن سعيد بن بشير, عن قتادة: (ونـزعنا ما في صدورهم من غل)، قال: هي الإحَن.

14660 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن ابن عيينة, عن إسرائيل أبي موسى, عن الحسن, عن علي قال: فينا والله أهلَ بدر نـزلت: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [سورة الحجر: 47].

14661- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن إسرائيل قال: سمعته يقول: قال علي عليه السلام: فينا والله أهلَ بدر نـزلت: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ 14662- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: قال علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير، من الذين قال الله تعالى فيهم: ( وَنـزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ )، رضوان الله عليهم.

14663- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( ونـزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار)، قال: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا, وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان, فشربوا من إحداهما, فينـزع ما في صدورهم من غِلّ, فهو " الشراب الطهور "، واغتسلوا من الأخرى, فجرت عليهم " نَضْرة النعيم ", فلم يشعَثُوا ولم يتَّسخوا بعدها أبدًا.

14664- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن الجريري, عن أبي نضرة قال، يحبس أهل الجنة دون الجنة حتى يقضى لبعضهم من بعض, حتى يدخلوا الجنة حين يدخلونها ولا يطلب أحدٌ منهم أحدًا بقلامة ظُفُرٍ ظلمها إياه.

ويحبس أهل النار دون النار حتى يقضى لبعضهم من بعض, فيدخلون النار حين يدخلونها ولا يطلب أحدٌ منهم أحدًا بقُلامة ظفر ظلمها إياه.

(44) * * * القول في تأويل قوله : وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، حين أدخلوا الجنة, ورأوا ما أكرمهم الله به من كرامته, وما صرف عنهم من العذاب المهين الذي ابتلي به أهل النار بكفرهم بربهم، وتكذيبهم رُسله: (الحمد لله الذي هدانا لهذا)، يقول: الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنا =(وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)، يقول: وما كنا لنرشد لذلك، لولا أن أرشدنا الله له ووفقنا بمنّه وطَوْله، كما:- 14665- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا الأعمش, عن أبي صالح, عن [أبي سعيد] قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل أهل النار يرى منـزله من الجنة, فيقولون: لَوْ هَدَانَا اللَّهُ , فتكون عليهم حسرة.

وكل أهل الجنة يرى منـزله من النار, فيقولون: " لولا أن هدانا الله "!

فهذا شكرهم.

(45) 14666- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت أبا إسحاق يحدِّث عن عاصم بن ضمرة, عن علي قال، ذكر عمر = لشيء لا أحفظه = , ثم ذكر الجنة فقال: يدخلون، فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان.

قال: فيغتسلون من إحداهما, فتجري عليهم نضرة النعيم, فلا تشعَث أشعارهم ولا تغبرُّ أبشارهم.

ويشربون من الأخرى, فيخرج كل قذًى وقذر وبأس في بطونهم.

(46) قال، ثم يفتح لهم باب الجنة, فيقال لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ، قال: فتستقبلهم الوِلدان, فيحفّون بهم كما تحفّ الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته.

(47) ثم يأتون فيبشرون أزواجهم, فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم.

فيقلن: أنت رأيته!

قال: فيستخفهنَّ الفرَح, قال: فيجئن حتى يقفن على أُسْكُفَّة الباب.

(48) قال: فيجيئون فيدخلون, فإذا أسُّ بيوتهم بِجَندل اللؤلؤ, وإذا صُرُوح صفر وخضر وحمر ومن كل لون, وسُرُر مرفوعة, وأكواب موضوعة, ونمارق مصفوفة, وزرِابيُّ مبثوثة.

فلولا أن الله قدَّرها، لالْتُمِعَتْ أبصارهم مما يرون فيها.

(49) فيعانقون الأزواج, ويقعدون على السرر, ويقولون: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق)، الآية.

(50) * * * القول في تأويل قوله : لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم يقولون عند دخولهم الجنة، ورؤيتهم كرامة الله التي أكرمهم بها, وهو أنّ أعداء الله في النار: والله لقد جاءتنا في الدنيا، وهؤلاء الذين في النار، رسل ربنا بالحق من الأخبار عن وعد الله أهلَ طاعته والإيمان به وبرسله، ووعيده أهلَ معاصيه والكفر به.

* * * وأما قوله: (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)، فإن معناه: ونادى منادٍ هؤلاء الذين وصف الله صفتهم، وأخبر عما أعدّ لهم من كرامته: أنْ يا هؤلاء، هذه تلكم الجنة التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها, أورَثكموها الله عن الذين كذبوا رسله, لتصديقكم إياهم وطاعتكم ربكم.

وذلك هو معنى قوله: (بما كنتم تعملون) .

* * * وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14667- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)، قال: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منـزل، فإذا دخل أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النارَ, ودخلوا منازلهم, رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها, فقيل لهم: " هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ", ثم يقال: " يا أهل الجنة، رِثُوهم بما كنتم تعملون "، فتُقْسم بين أهل الجنة منازلهم.

14668- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن سعد أبو داود الحفري, [عن سعيد بن بكير], عن سفيان الثوري, عن أبي إسحاق, عن الأغرّ: (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)، قال: نودوا أنْ صِحُّوا فلا تسقموا، واخلُدوا فلا تموتوا، وانعموا فلا تَبْأسوا.

(51) 14669- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن الأغر, عن أبي سعيد: (ونودوا أن تلكم الجنة)، الآية, قال: ينادي منادٍ: أن لكم أنْ تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا.

(52) * * * واختلف أهل العربية في" أنْ" التي مع " تلكم ".

فقال بعض نحويي البصرة: هي" أنّ" الثقيلة، خففت وأضمر فيها, ولا يستقيم أن تجعلها الخفيفة، لأن بعدها اسمًا, والخفيفة لا تليها الأسماء, وقد قال الشاعر: (53) فِـي فِتْيَـةٍ كَسُـيُوفِ الهِنْـد, قَدْ عَلِمُوا أنْ هَـالِكٌ كُـلُّ مَـنْ يَحْـفَى وَيَنْتَعِـلُ (54) وقال آخر: (55) أُكَاشِـــرُهُ وَأَعْلَـــمُ أَنْ كِلانَـــا عَـلَى مَـا سَـاءَ صَاحِبَـهُ حَـرِيصُ (56) قال: فمعناه: أنه كِلانا.

قال: ويكون كقوله: أَنْ قَدْ وَجَدْنَا ، في موضع " أي"؛ وقوله: أَنْ أَقِيمُوا ، [سورة الشورى: 13]، ولا تكون " أن " التي تعمل في الأفعال, لأنك تقول: " غاظني أن قام ", و " أن ذهب ", فتقع على الأفعال، وإن كانت لا تعمل فيها.

وفي كتاب الله: وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [سورة ص: 6]، أي: امشوا.

* * * وأنكر ذلك من قوله هذا بعض أهل الكوفة, فقال: غير جائز أن يكون مع " أن " في هذا الموضع " هاء " مضمرة, لأن " أن " دخلت في الكلام لتَقِيَ ما بعدها.

قال: " وأن " هذه التي مع " تلكم " هي الدائرة التي يقع فيها ما ضارع الحكاية, وليس بلفظ الحكاية, نحو: " ناديت أنك قائم," و " أنْ زيد قائم " و " أنْ قمت ", فتلي كلَّ الكلام, وجعلت " أن " وقاية, لأن النداء يقع على ما بعده, وسلم ما بعد " أن " كما سلم ما بعد " القول ".

ألا ترى أنك تقول: " قلت: زيد قائم ", و " قلت: قام ", فتليها ما شئت من الكلام؟

فلما كان النداء بمعنى " الظن " وما أشبهه من " القول " سلم ما بعد " أن ", ودخلت " أن " وقاية.

قال: وأما " أي"، فإنها لا تكون على " أن " لا يكون " أي" جواب الكلام, و " أن " تكفي من الاسم.

------------------- الهوامش : (43) (( الغمر )) ( بكسر فسكون ) و (( الغمر )) ( بفتحتين ) : الحقد الذي يغمر القلب .

(44) الأثر : 14664 - (( الجريري )) ، (( سعيد بن إياس الجريري )) ، مضى برقم : 196 .

و (( أبو نضرة )) ، هو (( المنذر بن مالك بن قطعة العبدي )) ، روى عن علي .

مضى برقم : 6337 .

(45) الأثر : 14665 - جاء هكذا في المخطوطة والمطبوعة : (( عن أبي سعيد )) ، يعني أبا سعيد الخدري .

وكأنه خطأ لا شك فيه ، فإني لم أجد الخبر في حديث أبي سعيد ، ولأن هذا الخبر معروف في حديث أبي هريرة ، وبذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 85 ، فقال : (( أخرج النسائي ، وابن أبي الدنيا ، وابن جرير في ذكر الموت ، وابن مردويه عن أبي هريرة )) ، وساق الخبر .

وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 477 ، فقال : (( روى النسائي وابن مردويه ، واللفظ له ، من حديث أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة )) ، وساق الخبر .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 : 399 فقال : (( عن أبي هريرة ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )) ، وساق الخبر بنحوه من طريقين ، ثم قال : (( رواه كله أحمد ، ورجال الرواية الولى رجال الصحيح )) ، ولم أعرف مكانه من المسند .

فهذا كله يوشك أن يقطع بأن ما في المطبوعة والمخطوطة من قوله : (( عن أبي سعيد )) ، خطأ ، صوابه : (( عن أبي هريرة )) ، ولذلك وضعته بين القوسين .

(46) في المطبوعة : (( قذى وقذر أو شيء في بطونهم )) ، وفي المخطوطة : (( أوس )) ، غير منقوطة وفوقها حرف ( ط ) دلالة على الشك والخطأ .

وأثبت الصواب من حادي الأرواح لابن القيم ، والدر المنثور .

(47) (( الحميم )) ، ذو القرابة القريب الذي تحبه وتهتم لأمره .

(48) (( أسكفة الباب )) ( بضم الهمزة ، وسكون السين ، وضم الكاف ، بعدها فاء مشددة مفتوحة ) : عتبة الباب التي يوطأ عليها .

(49) (( التمع الشيء )) اختلسه وذهب به .

و (( التمع بصره )) باليناء بالمجهول ، اختلس واختطف فلا يكاد يبصره .

ويقال مثله (( التمع لونه )) ، ذهب وتغير .

(50) الأثر : 14666 - (( عاصم بن ضمرة السلولي )) ، وثقه ابن سعد وابن المديني ، والعجلي ، وقال النسائي : (( ليس به بأس )) .

ولكن الجوزجاني وابن عدي ضعفاه ، وقال ابن أبي حاتم : (( كان رديء الحفظ ، فاحش الخطأ ، على أنه أحسن حالا - يعني الأعور )) .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 345 ، وميزان الاعتدال 2 : 3 .

وهذا الخبر ، ذكره ابن القيم في حادي الأرواح ( إعلام الموقعين ) 1 : 233 مطولا ، فقال : (( وقال عدي بن الجعد في الجعديات : أنبأنا زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي قال )) وليس فيه ذكر (( عمر )) .

ثم وجدت أبا جعفر قد رواه في تفسيره ( 24 : 24 ، بولاق ) ، من طريق مجاهد بن موسى ، عن يزيد ، عن شريك بن عبد الله ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، بنحوه .

ثم رواه بعد من طريق أبي إسحاق ، عن الحارث الأعور ، عن علي ، بنحوه .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 5 : 342 ، ونسبه إلى ابن المبارك في الزهد ، وعبد الرازق ، وابن أبي شيبة ، وابن راهويه ، وعبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة ، والبيهقي في البعث ، والضياء في المختارة ، ولم ينسبه لابن جرير .

وساقه مطولا.

وساقه ابن كثير في تفسيره 7 : 273 ، من تفسير ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي بن أبي طالب ، بنحوه .

وليس في هذه جميعًا ذكر (( عمر )) ، فقوله : (( قال ذكر عمر ، لشيء لا أحفظه )) غريب جدًا لم أعرف تأويله ، ولا ما فيه من تحريف ، إلا أن يكون : (( قال غندر ، لشيء لا أحفظه )) و (( غندر )) هو (( محمد بن جعفر )) الراوي عن شعبة ، فيكون قوله (( قال غندر )) من قول (( محمد بن المثنى )) ، والله أعلم .

(51) الأثر : 14668 - (( عمر بن سعد )) ، (( أبو داود الحفري )) ، ثقة .

مضى رقم : 863 ، وهو يروي عن (( سفيان الثوري )) ، ولكن جاء هنا (( سعيد بن بكير )) .

وأما (( سعيد بن بكير )) ، فهو في المطبوعة (( سعد بن بكر )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

ولست أدري من يكون ؟

أو عن أي شيء هو محرف .

و (( الأغر )) هو (( الأغر )) ، أبو مسلم المدني ، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد ، وكانا اشتركا في عتقه .

روى عنه أبو إسحاق السبيعي ، تابعي ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 /2 / 44 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 308 .

وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه 17 : 174 ، من طريق عبد الرازق ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن الأغر ، عن أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مطولا ، بنحوه .

وسيأتي مختصرًا في الذي يليه .

(52) الأثر : 14669 - هذا مختصر حديث مسلم ( 17 : 174 ) الذي خرجته في التعليق السالف .

(53) هو الأعشى .

(54) ديوانه : 45 ، سيبويه 1 : 282 ، 440 ، 480 /2 : 123 ، أمالي ابن الشجري 2 : 2 ، الإنصاف : 89 ، والخزانة 3 : 547 / 4 : 356 ، وشرح شواهد العيني ( بهامش الخزانة ) 2 : 287 ، وغيرها .

وهذا البيت أنشده سيبويه ، وتبعه النحاة في كتبهم ، وهو بيت ملفق من بيتين ، يقول الأعشى في قصيدته المشهورة : إمَّــا تَرَيْنَــا حُفَــاةً لا نِعَـالَ لَنَـا إِنَّــا كَــذَلِكَ مَـا تَحْـفَى ونَنْتَعِـلُ فَقَــدْ أُخَــالِسُ رَبَّ البَيْـتِ غَفْلَتُـهُ وَقَــدْ يُحَـاذِرُ مِنِّـي ثُـمَّ مَـا يَئِـلُ وَقَــدْ أَقُـودُ الصِّبَـا يَوْمًـا فَيَتْبَعُنِـي وَقَـدْ يُصَـاحِبْنِي ذُو الشِّـرَّةِ الغَـزِلُ وَقَــدْ غَـدَوْتُ إلَـى الحَـانُوتِ يَتْبَعُنِي شَـاوٍ مِشَـلٌ شَـلُولٌ شُلْشُـلٌ شَـوِلُ فِـي فِتْيَـةٍ كَسُـيُوفِ الهِنْـد، قَدْ عَلِمُوا أَنْ لَيْسَ يَـدْفَعُ عَـنْ ذِي الحِيلَة الحيَلُ نــازَعْتُهُمْ قُضُـبَ الرَّيْحَـانِ مُتَّـكِئًـا وَقَهْــوَةً مُــزَّةً رَواوُوقُهـا خَـضِلُ لا يَسْــتَفِيقُونَ مِنْهَـا وَهْـيَ رَاهِنَـةٌ إِلا بِهَــاتِ ، وَإنْ عَلُّـوا وإنْ نَهِلُـوا (55) لم أعرف قائله .

(56) سيبويه 1 : 440 ، الإنصاف لابن الأنباري : 89 ، 183 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 188 ، وغيرها وقوله : (( أكاشره )) : أضاحكه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملونذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغل من صدورهم .

والنزع : الاستخراج .

والغل : الحقد الكامن في الصدر .

والجمع غلال .

أي أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغل في الدنيا .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين .

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : ونزعنا ما في صدورهم من غل .

وقيل : نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل منازلهم .

وقد قيل : إن ذلك يكون عن شراب الجنة ، ولهذا قال : وسقاهم ربهم شرابا طهورا أي يطهر الأوضار من الصدور ; على ما يأتي بيانه في سورة " الإنسان " و " الزمر " إن شاء الله تعالى .وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا أي لهذا الثواب ; بأن أرشدنا وخلق لنا الهداية .

وهذا رد على القدرية .وما كنا قراءة ابن عامر بإسقاط الواو .

والباقون بإثباتها .لنهتدي لام كي .لولا أن هدانا الله في موضع رفع .ونودوا أصله .

نوديوا أن في موضع نصب مخففة من الثقيلة ; أي بأنهتلكم الجنة وقد تكون تفسيرا لما نودوا به ; لأن النداء قول ; فلا يكون لها موضع .

أي قيل لهم : تلكم الجنة لأنهم وعدوا بها في الدنيا ; أي قيل لهم : هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها ، أو يقال ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد .

وقيل : تلكم بمعنى هذه .أورثتموها بما كنتم تعملون أي ورثتم منازلها بعملكم ، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله .

كما قال : ذلك الفضل من الله .

وقال : فسيدخلهم في رحمة منه وفضل .

وفي [ ص: 188 ] صحيح مسلم : لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟

قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل .

وفي غير الصحيح : ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل ; فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها ، فقيل لهم : هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله .

ثم يقال : يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون ; فتقسم بين أهل الجنة منازلهم قلت : وفي صحيح مسلم : لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا .

فهذا أيضا ميراث ; نعم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء .

وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته ; فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته ، ودخلوها برحمته ; إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم .

وقرئ أورثتموها من غير إدغام .

وقرئ بإدغام التاء في الثاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ْ} وهذا من كرمه وإحسانه على أهل الجنة، أن الغل الذي كان موجودا في قلوبهم، والتنافس الذي بينهم، أن اللّه يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانا متحابين، وأخلاء متصافين.

قال تعالى: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ْ} ويخلق اللّه لهم من الكرامة ما به يحصل لكل واحد منهم الغبطة والسرور، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيم.

فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض، لأنه قد فقدت أسبابه.

وقوله: { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ْ} أي: يفجرونها تفجيرا، حيث شاءوا، وأين أرادوا، إن شاءوا في خلال القصور، أو في تلك الغرف العاليات، أو في رياض الجنات، من تحت تلك الحدائق الزاهرات.

أنهار تجري في غير أخدود، وخيرات ليس لها حد محدود { و ْ} لهذا لما رأوا ما أنعم اللّه عليهم وأكرمهم به { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ْ} بأن من علينا وأوحى إلى قلوبنا، فآمنت به، وانقادت للأعمال الموصلة إلى هذه الدار، وحفظ اللّه علينا إيماننا وأعمالنا، حتى أوصلنا بها إلى هذه الدار، فنعم الرب الكريم، الذي ابتدأنا بالنعم، وأسدى من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يحصيه المحصون، ولا يعده العادون، { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ْ} أي: ليس في نفوسنا قابلية للهدى، لولا أنه تعالى منَّ بهدايته واتباع رسله.

{ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ْ} أي: حين كانوا يتمتعون بالنعيم الذي أخبرت به الرسل، وصار حق يقين لهم بعد أن كان علم يقين لهم، قالوا لقد تحققنا، ورأينا ما وعدتنا به الرسل، وأن جميع ما جاءوا به حق اليقين، لا مرية فيه ولا إشكال، { وَنُودُوا ْ} تهنئة لهم، وإكراما، وتحية واحتراما، { أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا ْ} أي: كنتم الوارثين لها، وصارت إقطاعا لكم، إذ كان إقطاع الكفار النار، أورثتموها { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ْ} قال بعض السلف: أهل الجنة نجوا من النار بعفو اللّه، وأدخلوا الجنة برحمة اللّه، واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة وهي من رحمته، بل من أعلى أنواع رحمته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ونزعنا ) وأخرجنا ، ( ما في صدورهم من غل ) من غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم .

( تجري من تحتهم الأنهار ) روى الحسن عن علي رضي الله عنه قال : فينا والله أهل بدر نزلت : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ) .

وقال علي رضي الله عنه أيضا : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال لهم الله - عز وجل - : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يخلص المؤمنون من النار ، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا " .

وقال السدي في هذه الآية : إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة ، في أصل ساقها عينان ، فشربوا من إحداهما ، فينزع ما في صدورهم من غل ، فهو الشراب الطهور ، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلن يشعثوا ولن يسحنوا بعدها أبدا ، أي إلى هذا ، يعني طريق الجنة .

وقال سفيان الثوري : معناه هدانا لعمل هذا ثوابه ، ( وما كنا ) قرأ ابن عامر : " ما كنا " بلا واو ، ( لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا ، ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) قيل : هذا النداء إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا أن تلكم الجنة .

وقيل : هذا النداء يكون في الجنة .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الخطيب أنبأنا أبو طاهر محمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمد أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن أبي إسحاق عن الأغر عن أبي سعيد وعن أبي هريرة قالا ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا ، فذلك قوله : " ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون " ، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن بن حميد عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري بهذا الإسناد مرفوعا .

وروي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من أحد إلا وله منزله في الجنة ومنزله في النار ، فأما الكافر فإنه يرث المؤمن منزله من النار ، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونزعنا ما في صدورهم من غل» حقد كان بينهم في الدنيا «تجري من تحتهم» تحت قصورهم «الأنهار وقالوا» عند الاستقرار في منازلهم «الحمد لله الذي هدانا لهذا» العمل الذي هذا جزاؤه «وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله» حذف جواب لولا لدلالة ما قبله عليه «لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن» مخففة أي أنه أو مفسرة في المواضع الخمسة «تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأذهب الله تعالى ما في صدور أهل الجنة من حقد وضغائن، ومن كمال نعيمهم أن الأنهار تجري في الجنة من تحتهم.

وقال أهل الجنة حينما دخلوها: الحمد لله الذي وفَّقنا للعمل الصالح الذي أكسبنا ما نحن فيه من النعيم، وما كنا لنوفَّق إلى سلوك الطريق المستقيم لولا أَنْ هدانا الله سبحانه لسلوك هذا الطريق، ووفَّقنا للثبات عليه، لقد جاءت رسل ربنا بالحق من الإخبار بوعد أهل طاعته ووعيد أهل معصيته، ونُودوا تهنئة لهم وإكرامًا: أن تلكم الجنة أورثكم الله إياها برحمته، وبما قدَّمتموه من الإيمان والعمل الصالح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما هم عليه فى الجنة من صفاء نفسى ونقاء قلبى فقال - تعالى - : ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار ) أى : قلعنا ما فى قلوبهم من تحاقد وعداوات فى الدنيا ، فهم يدخلون الجنة بقلوب سليمة ، زاخرة بالتواد والتعاطف حالة كونهم تجرى من تحتهم الأنهار فيرونها وهم فى غرفات قصورهم فيزداد سرورهم وحبورهم .( وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله ) .

أى : قالوا شاكرين لله أنعمه ومننه : الحمد لله الذى هدانا فى الدنيا إلى الإيمان والعمل الصالح ، وأعطانا فى الآخرة هذا النعيم الجزيل ، وما كنا لنهتدى إلى ما نحن فيه من نعيم لولا أن هدانا الله إليه بفضله وتوفيقه .

وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير : ولولا هداية الله موجودة ما اهتدينا .وقوله : ( لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ) جملة قسمية ، أى : والله لقد جاءت رسل ربنا فى الدنيا بالحق ، لأن ما أخبرونا به قد وجدنا مصداقه فى الآخرة .( ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) أى : ونودوا من قبل الخالق - عز وجل - بأن قيل لهم : تلكم هى الجنة التى كانت الرسل تعدكم بها فى الدنيا قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتموه من عمل صالح .فالآية الكريمة صريحة فى أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم الصالحة .فإن قيل : إن هناك أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل وإنما بفضل الله ، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لن يدخل أحداً عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟

قال : ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته " .فالجواب على ذلك أنه لا تنافى فى الحقيقة ، لأن المراد أن العمل لا يوجب دخول الجنة ، بل الدخول بمحض فضل الله ، والعمل سبب عادى ظاهرى .

وتوضيحه أن الأعمال مهما عظمت فهى ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة ، فإن النعمة الأخروية سلعة غالية جداً فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصوراً شاهقة وضياعا واسعة بدرهم واحد .فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة بين العمل ونعمة الجنة ، بل لتفضله على المشترى ورحمته به ، فمن رحمته بعباده المؤمنين أن جعل بعض أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى ، ولذلك قال ابن عباس عندما قرأ قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ) نعمت الصفقة ، أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يمنحنا عليها الجنة .على أنه - سبحانه - هو المتفضل فى الحقيقة بالثمن والمثمن جميعاً .

لا جرم كان دخول الجنة بفضله - سبحانه - وهو الموفق للعمل والمعين عليه .ويمكن أن يجاب - أيضاً - بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل الله والعمل جميعا ، فقوله : ( ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) أى : مع فضل الله - تعالى - ، وإنما لم يذكر ذلك لئلا يتكلوا .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل أحدا عمله الجنة .

.

.

" أى مجردا من فضل الله ، وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا .هذا أصح الآراء فى الجمع بين الآية والحديث ، وهناك آراء أخرى لم نذكرها لضعفها .وبعد هذه الموازنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين ، بدأ القرآن يسوق لنا مشهداً آخر من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما استوفى الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد في هذه الآية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى: ﴿ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس هذا الكلام، لأنه لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب.

وقال قوم: موضعه خبر عن ذلك المبتدأ والعائد محذوف، كأنه قيل: لا نكلف نفساً منهم إلا وسعها، وإنما حذف العائد للعلم به.

المسألة الثانية: معنى الوسع ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال الضيق والشدة، والدليل عليه: أن معاذ بن جبل قال في هذه الآية إلا يسرها لا عسرها.

وأما أقصى الطاقة يسمى جهداً لا وسعاً، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود.

المسألة الثالثة: قال الجبائي: هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن الله تعالى كذبهم في ذلك، وإذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال، لأنه لو كان خالق أعمال العباد هو الله تعالى، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، لأنه تعالى أن كلفه بذلك الفعل حال ما خلقه فيه، فذلك تكليفه بما لا يطاق، لأنه أمر بتحصيل الحاصل، وذلك غير مقدور، وإن كلفه به حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه كان ذلك أيضاً تكليف ما لا يطاق، لأن على هذا التقدير: لا قدرة للعبد على تكوين ذلك الفعل وتحصيله، قالوا: وأيضاً إذا ثبت هذا الأصل ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل، والكافر لا قدرة له على الإيمان مع أنه مأمور به فكان هذا تكليف ما لا يطاق، ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق، ثبت فساد هذين الأصلين.

والجواب: أنا نقول وهذا الإشكال أيضاً وارد عليكم، لأنه تعالى يكلف العبد بإيجاد الفعل، حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر والأول باطل، لأن الإيجاد ترجيح لجانب الفعل، وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال، والثاني باطل، لأن حال حصول الرجحان كان الحصول واجباً، فإن وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمراً بتحصيل الحاصل، وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمراً بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحاً، فيكون أمراً بالجمع بين النقيضين وهو محال، فكل ما تجعلونه جواباً عن هذا السؤال، فهو جوابنا عن كلامكم والله أعلم.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ ﴾ فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه، والغل العقد.

قال أهل اللغة: وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب، أي يدخل، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال: انغل في الشيء، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة، كالحب يدخل في صميم الفؤاد.

إذا عرفت هذا فنقول: لهذه الآية تأويلان: القول الأول: أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا، ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ ﴾ .

والقول الثاني: إن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة.

قال صاحب الكشاف: هذا التأويل أولى من الوجه الأول، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض، ولعن بعضهم بعضاً، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضاً مفارقة لحال أهل النار.

فإن قالوا: كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة، والدرجات العالية، ويرى نفسه محروماً عنها عاجزاً عن تحصيلها، ثم إنه لا يميل طبعه إليها، ولا يغتم بسبب الحرمان عنها، فإن عقل ذلك، فلم لا يعقل أيضاً أن يعيدهم الله تعالى، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل، والشرب والوقاع، ويغنيهم عنها؟

قلنا: الكل ممكن، والله تعالى قادر عليه، إلا أنه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس، فظهر الفرق بين البابين.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار ﴾ والمعنى: أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم باللَّذات العظيمة، وقوله: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار ﴾ من رحمة الله وفضله وإحسانه، وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية.

ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي هَدَانَا لهذا ﴾ وقال أصحابنا: معنى ﴿ هَدَانَا الله ﴾ أنه أعطى القدرة، وضم إليها الداعية الجازمة، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجباً لحصول تلك الفضيلة فإنه لو أعطى القدرة، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر، ولو خلق الله الداعية المعارضة أيضاً لسائر الدواعي الصارفة، لم يحصل الفعل أيضاً.

أما لما خلق القدرة، وخلق الداعية الجازمة، وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجباً للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير الله تعالى، وتخليقه وتكوينه.

وقالت المعتزلة: التحميد إنما وقع على أنه تعالى أعطى العقل ووضع الدلائل، وأزال الموانع، وعند هذا يرجع إلى مباحث الجبر والقدر على سبيل التمام والكمال.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر ما كنا بغير واو وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، والباقون بالواو، والوجه في قراءة ابن عامر أن قوله: ﴿ مَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله ﴾ جار مجرى التفسير لقوله: ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ فلما كان أحدهما عين الآخر، وجب حذف الحرف العاطف.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله ﴾ دليل على أن المهتدي من هداه الله، وإن لم يهده الله لم يهتد، بل نقول: مذهب المعتزلة أن كل ما فعله الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام، والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد، فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر، والمحق والمبطل بسعي نفسه، واختيار نفسه فكان يجب عليه أن يحمد نفسه، لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان، وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنان، وخلصها من دركات النيران، فلما لم يحمد نفسه البتة، وإنما حمد الله فقط.

علمنا أن الهادي ليس إلا الله سبحانه.

ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق ﴾ وهذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عياناً، وقالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالحق.

ثم قال تعالى: ﴿ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذلك النداء إما أن يكون من الله تعالى، أو أن يكون من الملائكة، والأولى أن يكون المنادي هو الله سبحانه.

المسألة الثانية: ذكر الزجاج في كلمة أن هاهنا وجهين: الأول: أنها مخففة من الثقيلة، والتقدير: أنه والضمير للشأن، والمعنى: نودوا بأنه تلكم الجنة أي نودوا بهذا القول.

والثاني: قال: وهو الأجود عندي أن تكون أن في معنى تفسير النداء، والمعنى: ونودوا.

أي تلكم الجنة، والمعنى: قيل لهم تلكم الجنة كقوله: ﴿ وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ  ﴾ يعني أي امشوا.

قال: إنما قال: تلكم لأنهم وعدوا بها في الدنيا.

فكأنه قيل: لهم هذه تلكم التي وعدتم بها وقوله: ﴿ أُورِثْتُمُوهَا ﴾ فيه قولان: القول الأول: وهو قول أهل المعاني أن معناه: صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله، والإرث قد يستعمل في اللغة، ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال: هذا العمل يورثك الشرف، ويورثك العار أي يصيرك إليه، ومنهم من يقول: إنهم أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.

والقول الثاني: أن أهل الجنة يورثون منازل أهل النار.

قال صلى الله عليه وسلم: «ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم» وقوله: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: تعلق من قال العمل يوجب هذا الجزاء بهذه الآية فإن الباء في قوله: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ تدل على العلية، وذلك يدل على أن العمل يوجب هذا الجزاء، وجوابنا: أنه علة للجزاء لكن بسبب أن الشرع جعله علة له، لا لأجل أنه لذاته موجب لذلك الجزاء، والدليل عليه أن نعم الله على العبد لا نهاية لها، فإذا أتى العبد بشيء من الطاعات وقعت هذه الطاعات في مقابلة تلك النعم السالفة فيمتنع أن تصير موجبة للثواب المتأخر.

المسألة الثانية: طعن بعضهم فقال: هذه الآية تدل على أن العبد إنما يدخل الجنة بعمله، وقوله عليه السلام: «لن يدخل أحد الجنة بعمله وإنما يدخلها برحمة الله تعالى» وبينهما تناقض، وجواب ما ذكرنا: أن العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته، وإنما يوجه لأجل أن الله تعالى بفضله جعله علامة عليه ومعرفة له، وأيضاً لما كان الموفى للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل الله تعالى.

المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ خطاب عام في حق جميع المؤمنين، وذلك يدل على أن كل من دخل الجنة فإنما يدخلها بعمله، وإذا كان الأمر كذلك امتنع قول من يقول: إن الفساق يدخلون الجنة تفضلاً من الله تعالى.

إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يخرج الفاسق من النار لأنه لو خرج لكان إما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها.

والثاني: باطل بالإجماع، والأول: لا يخلو إما أن يدخل الجنة على سبيل التفضل أو على سبيل الاستحقاق، والأول باطل، لأنا بينا أن هذه الآية تدل على أن أحداً لا يدخل الجنة بالتفضل، والثاني: أيضاً باطل لأنه لما دخل النار وجب أن يقال: إنه كان مستحقاً للعقاب فلو أدخل الجنة على سبيل الاستحقاق لزم كونه مستحقاً للثواب، وحينئذ يلزم حصول الجمع بين استحقاق الثواب واستحقاق العقاب وهو محال لأن الثواب منفعة دائمة خالصة عن شوائب الضرر والعقاب مضرة دائمة خالصة عن شوائب المنفعة والجمع بينهما محال.

وإذا كان كذلك كان الجمع بين حصول استحقاقهما محالاً.

والجواب: هذا بناء على أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمعان.

وقد بالغنا في إبطال هذا الكلام في سورة البقرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

من كان في قلبه غلّ على أخيه في الدنيا نزع منه، فسلمت قلوبهم وطهرت ولم يكن بينهم إلاّ التوادّ والتعاطف.

وعن عليّ رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم وهو الإيمان والعمل الصالح ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ ﴾ اللام لتوكيد النفي ويعنون: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه.

وفي مصاحف أهل الشام: ما كنا لنهتدي بغير واو، على أنها جملة موضحة للأولى ﴿ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق ﴾ فكان لنا لطفاً وتنبيهاً على الاهتداء فاهتدينا يقولون ذلك سروراً واغتباطاً بما نالوا، وتلذذاً بالتكلم به لا تقرّباً وتعبداً، كما نرى من رزق خيراً في الدنيا يتكلم بنحو ذلك ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة: ﴿ ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ أن مخففة من الثقيلة تقديره: ونودوا بأنه تلكم الجنة ﴿ أُورِثْتُمُوهَا ﴾ والضمير ضمير الشأن والحديث أو تكون بمعنى أي؛ لأنّ المناداة من القول، كأنه قيل: وقيل لهم أي تلكم الجنة أورثتموها.

﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بسبب أعمالكم لا بالتفضل، كما تقول المبطلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في أنْ يَشْفَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ، ﴿ وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَإ وخَبَرِهُ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ النَّعِيمِ المُقِيمِ بِما يَسَعُهُ طاقَتُهم ويَسْهُلُ عَلَيْهِمْ.

وقُرِئَ « لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ» .

﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ أيْ نُخْرِجُ مِن قُلُوبِهِمْ أسْبابَ الغِلِّ، أوْ نُطَهِّرُها مِنهُ حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهم إلّا التَّوادُّ.

وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنهم.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ زِيادَةٌ في لَذَّتِهِمْ وسُرُورِهِمْ.

﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا ﴾ لِما جَزاؤُهُ هَذا.

﴿ وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ﴾ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ وتَوْفِيقُهُ، واللّامِ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.

وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « ما كُنّا» بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّها مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى.

﴿ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ فاهْتَدَيْنا بِإرْشادِهِمْ.

يَقُولُونَ ذَلِكَ اغْتِباطًا وتَبَجُّحًا بِأنَّ ما عَلِمُوهُ يَقِينًا في الدُّنْيا صارَ لَهم عَيْنُ اليَقِينِ في الآخِرَةِ.

﴿ وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ ﴾ إذا رَأوْها مِن بَعِيدٍ، أوْ بَعْدَ دُخُولِها والمُنادى لَهُ بِالذّاتِ.

﴿ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ أُعْطِيتُمُوها بِسَبَبِ أعْمالِكم، وهو حالٌ مِنَ الجَنَّةِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، أوْ خَبَرٌ والجَنَّةُ صِفَةُ تِلْكم وأنَّ في المَواقِعِ الخَمْسَةِ هي المُخَفَّفَةُ أوِ المُفَسِّرَةُ لِأنَّ المُناداةَ والتَّأْذِينَ مِنَ القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)

{وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ} حقد كان بينهم فى الدنيا فلي يبق بينهم إلا التواد والتعاطف وعن علي رضى الله عنه إنى لا رجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم {تجري من تحتهم الأنهار} حال من هم في

صُدُورُهُمْ والعامل فيها معنى الإضافة {وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا} لما هو وسيلة إلى هذا الفو العظسم وهو الإيمان {وَمَا كُنَّا} مَا كُنَّا بغير واوشامى على أنها جملة موضحة للأولى {لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أن هدانا الله} اللام لتوكيد النى ف أى وما كان يصح أن نكون

الأعراف ٤٢ ٤٥ مهتدين لولا هداية الله وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق} فكان لطفاً لنا وتنبيهاً على الاهتداتء فاهتجينا يقولون ذلك سرور ايمانا لولوا ظهارا لما اعتقدوا {ونودوا أن تلكم الجنة} الشأن أو بمعنى أى كأنه قيل وقيل لهم تلكم الجنة {أُورِثْتُمُوهَا} أعطيتموها وهو حال من الجنة والعامل فيها مافى تلك من معنى الاشراة {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} سماها ميراثاً لأنها لا تستحق بالعلم بل هي محض فضل الله وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة وقال الشيخ أبو منصور رحمههالله أن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبرو نوحا عليه السلام وأهل الجنة والنار وإبليس لأنه قال الله تعالى يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى من يشاء وقال نوح عليه السلام وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يريد أن يغويكم وقال أهل الجنة وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أن هدانما الله وقال أهل النار لَوْ هَدَانَا الله لهديناكم وقال ابليس فيما أغويتنى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ أيْ قَلَعْنا ما في قُلُوبِهِمْ مِن حِقْدٍ مَخْفِيٍّ فِيها وعَداوَةٍ كانَتْ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ لِأُمُورٍ جَرَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا سِيقُوا إلى الجَنَّةِ فَبَلَغُوها وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً في أصْلِ ساقِها عَيْنانِ فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما فَيُنْزَعُ ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ فَهو الشَّرابُ الطَّهُورُ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَلَنْ يَشْعَثُوا ولَنْ يَشْحُبُوا بَعْدَها أبَدًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ بَلَغَنِي «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ يُحْبَسُ أهْلُ الجَنَّةِ بَعْدَما يَجُوزُونَ الصِّراطَ حَتّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ ظِلاماتُهم في الدُّنْيا فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولَيْسَ في قُلُوبِ بَعْضٍ عَلى بَعْضٍ غِلٌّ وقِيلَ المُرادُ طَهَّرْنا قُلُوبَهم وحَفِظْناها مِنَ التَّحاسُدِ عَلى دَرَجاتِ الجَنَّةِ ومَراتِبِ القُرْبِ بِحَيْثُ لا يَحْسُدُ صاحِبُ الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ صاحِبَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وهَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِن لَعْنِ أهْلِ النّارِ بَعْضُهم بَعْضًا» وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ نَنْزِعُ لِأنَّهُ في الآخِرَةِ إلّا أنَّ صِيغَةَ الماضِي لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ.

وقِيلَ إنَّ هَذا النَّزْعَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا والمُرادُ عَدَمُ اتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الِاتِّصافِ بِهِ مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ حَسَبَ البَشَرِيَّةِ أحْيانًا بِالنَّزْعِ مَجازًا ولَعَلَّ هَذا بِالنَّظَرِ إلى كُمَّلِ المُؤْمِنِينَ كَأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  فَإنَّهم رُحَماءُ بَيْنَهم يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا كَمَحَبَّتِهِ لِنَفْسِهِ أوِ المُرادُ إزالَتُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ المَوْتِ بَعْدَ أنْ كانَ بِمُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَخْرُجَ عَلى الوَجْهَيْنِ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنهم ويُقالُ عَلى الثّانِي فِيما وقَعَ مِمّا يُنْبِئُ بِظاهِرِهِ عَنِ الغِلِّ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنِ اجْتِهادٍ إعْلاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا المَعْنى وإنْ ساعَدَهُ ظاهِرُ الصِّيغَةِ و( مِن غِلٍّ ) عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ حالٌ مِن ( ما ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ( تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ) حالٌ أيْضًا إمّا مِنَ الضَّمِيرِ ( في صُدُورِهِمْ ) لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ أوِ العامِلُ في المُضافِ وإمّا مِن ضَمِيرِ ( نَزَعْنا ) عَلى ما قِيلَ والعامِلُ الفِعْلُ واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ صِفَةِ أحْوالِهِمْ والمُرادُ تَجْرِي مِن تَحْتِ غُرَفِها مِياهُ الأنْهارِ زِيادَةً في لَذَّتِهِمْ وسُرُورِهِمْ ﴿ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا ﴾ الفَوْزِ العَظِيمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ والمُرادُ الهِدايَةُ لِما أدّى إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةُ مَجازًا وذَلِكَ بِالتَّوْفِيقِ لَها وصَرْفِ المَوانِعِ عَنِ الِاتِّصافِ بِها وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ لِما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ مُجاوَزَةُ الصِّراطِ إلى أنْ وصَلُوا إلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الإشارَةَ إلى نَزْعِ الغِلِّ مِنَ الصُّدُورِ ولا أراهُ شَيْئًا ﴿ وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ ﴾ أيْ لِهَذا أوْ لِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الَّتِي هَذا مِن جُمْلَتِها ﴿ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ﴾ وفَّقَنا لَهُ واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وهي المُسَمّاةُ بِلامِ الجُحُودِ وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ولَيْسَ إيّاهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ الجَوابِ عَلى الصَّحِيحِ ومَفْعُولُ ( نَهْتَدِي ) و( هَدانا ) الثّانِي مَحْذُوفٌ لِظُهُورِ المُرادِ أوْ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ وفي مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ( ما كُنّا ) بِدُونِ واوٍ وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فالجُمْلَةُ كالتَّفْسِيرِ لِلْأُولى وهَذا كَما تَرى مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ هَذا ولا يَتَمالَكُ أنْ لا يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ ولا لِلْقُرْبَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ لَمْ يُقْصَدْ بِها التَّقَرُّبُ أيْضًا وهي بَيانٌ لِصِدْقِ وعْدِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاهم بِالجَنَّةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الفُضَلاءِ وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِهِدايَتِهِمْ.

والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَتْ أوْ لِلْمُلابَسَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرُّسُلِ ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الرَّدِّ الواضِحِ عَلى القَدَرِيَّةِ الزّاعِمِينَ أنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ خَلَقَ لِنَفْسِهِ الهُدى ولَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ ودُونَكَ فاعْرِضْ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في الدُّنْيا المُهْتَدِي مَنِ اهْتَدى بِنَفْسِهِ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المُوَحِّدِينَ في مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴿ وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ﴾ واخْتَرْ لِنَفْسِكَ أيَّ الفَرْقَيْنِ تَقْتَدِي بِهِ ولا أراكَ أيُّها العاقِلُ تَعْدِلُ بِما نَوَّهَ اللَّهُ تَعالى بِهِ قَوْلَ ضالٍّ يَتَذَبْذَبُ مَعَ هَواهُ وتَعَصُّبَهَ ولَمّا رَأى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ كافِحَةً في وُجُوهِ قَوْمِهِ فَسَّرَ الهُدى بِاللُّطْفِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يَخْلُقُ العَبْدُ الِاهْتِداءَ لِنَفْسِهِ وهو لَعَمْرِي كَلامُ مَن حُرِمَ اللُّطْفَ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفُوَّ والعافِيَةَ ﴿ ونُودُوا ﴾ أيْ نادَتْهُمُ المَلائِكَةُ وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ احْتِمالَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ والآثارُ تُؤَيِّدُ الأوَّلَ.

﴿ أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ ﴾ أيْ أيْ تِلْكم عَلى أنَّ ( أنْ ) مُفَسِّرَةٌ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِن أنَّ وحَرْفُ الجَرِّ مُقَدَّرٌ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ أيْ بِأنَّها أوْ بِأنَّهُ تِلْكم وأوْجَبَ البَعْضُ الثّانِيَ بِناءً عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤَنَّثَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ إذا كانَ المُسْنَدُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ مُؤَنَّثًا والصَّحِيحُ عَدَمُ الوُجُوبِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ وابْنُ مالِكٍ ومَعْنى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ إمّا لِرَفْعِ مَنزِلَتِها وبُعْدِ مَرْتَبَتِها وإمّا لِأنَّهم نُودُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها مِن مَكانٍ بِعِيدٍ وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّها تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدُوها في الدُّنْيا وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ.

والظّاهِرُ أنَّ ﴿ تِلْكُمُ الجَنَّةُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُورِثْتُمُوها ﴾ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ الجَنَّةُ ﴾ نَعْتًا لِتِلْكم أوْ بَدَلًا و ﴿ أُورِثْتُمُوها ﴾ الخَبَرَ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُبْتَدَأِ ولا مِن كَمْ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ وهو ظاهِرٌ والتَزَمَ بَعْضُهم في تَوْجِيهِ البُعْدِ أنَّ ﴿ تِلْكُمُ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ تَلْكُمُ الجَنَّةُ المَوْعُودَةُ لَكم قَبْلُ أوْ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أيْ تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ عَنْها أوْ وُعِدْتُمْ بِها في الدُّنْيا هي هَذِهِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ.

والمُنادى لَهُ أوَّلًا وبِالذّاتِ كَوْنُها مَوْرُوثَةً لَهم وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ والمِيراثُ مَجازٌ عَنِ الإعْطاءِ أيْ أُعْطِيتُمُوها ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (43) في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وتَجُوزُ بِذَلِكَ عَنِ الإعْطاءِ إشارَةً إلى أنَّ السَّبَبَ فِيهِ لَيْسَ مُوجِبًا وإنْ كانَ سَبَبًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَما أنَّ الإرْثَ مُلْكٌ بِدُونِ كَسْبٍ وإنْ كانَ النَّسَبُ مَثَلًا سَبَبًا لَهُ والباءُ في قَوْلِهِ  عَلى ما في بَعْضِ الكُتُبِ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» وكَذا في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وجابِرٍ «لَنْ يَنْجُوَ أحَدٌ مِنكم بِعَمَلِهِ» لِلسَّبَبِ التّامِّ فَلا تَعارُضَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِلْعِوَضِ أيْ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكم وقِيلَ: تِلْكَ الإشارَةُ إلى مَنازِلَ في الجَنَّةِ هي لِأهْلِ النّارِ لَوْ كانُوا أطاعُوا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى إرْثًا لِلْمُؤْمِنِينَ: فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا ولَهُ في الجَنَّةِ والنّارِ مَنزِلٌ مَبَيَّنٌ فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ ودَخَلُوا مَنازِلَهم رُفِعَتِ الجَنَّةُ لِأهْلِ النّارِ فَنَظَرُوا إلى مَنازِلِهِمْ فِيها فَقِيلَ هَذِهِ مَنازِلُكم لَوْ عَمِلْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ رِثُوهم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَيَقْتَسِمُ أهْلُ الجَنَّةِ مُنازِلَهم وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِهَذا الإرْثِ الغَرِيبِ لا يَدْفَعُ الحاجَةَ إلى المَجازِ.

وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ الأعْمالِ لا بِالتَّفْضِيلِ لِهَذِهِ الآيَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ لا مَحِيصَ لِمُؤْمِنٍ عَنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ اقْتِضاءَ الأعْمالِ لِذاتِها دُخُولُ الجَنَّةِ أوِ إدْخالُ اللَّهِ تَعالى ذَوِيها فِيها مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ وقُصارى ما يُعْقَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَفَضَّلَ فَرَتَّبَ عَلَيْها دُخُولَ الجَنَّةِ فَلَوْلا فَضْلُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وأنا لا أرى أكْثَرَ جُرْأةً مِنَ المُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ كَكَثِيرٍ مِنَ الأبْوابِ فَإنَّ مَآلَ كَلامِهِمْ فِيهِ أنَّ الجَنَّةَ ونَعِيمَها الَّذِي لا يَتَناهى إقْطاعُهم بِحَقٍّ مُسْتَحِقٍّ عَلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ ولا يَتَضَرَّرُ بِشَيْءٍ لا تَفَضُّلَ لَهُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ بَلْ هو بِمَثابَةِ دَيْنٍ أدِّيَ إلى صاحِبِهِ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وتَكْذِيبٌ لِغَيْرِ ما خَبَرٍ صَحِيحٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بمحمد  والقرآن وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها يعني: استكبروا عن قبولها.

ويقال: عن النظر فيها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ لأعمال الكفار أي: ليس لهم عمل صالح يفتح لهم أبواب السماء ويقال: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا ماتوا.

وقال بعضهم: أبواب السماء أي أبواب الجنة وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ أي لا يدخلون الجنة أبداً كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة.

وروي عن ابن مسعود  أنه سئل عن الجمل.

فقال: زوج الناقة.

وقال الضحاك: الجمل الذي له أربع قوائم.

وقال بعض الناس: الجمل هو أشتر بالفارسية وقال الحسن: هو ولد الناقة وروي عن ابن عباس-  ما- أنه قرأ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة الغليظ.

وسئل عكرمة عن قوله: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ قيل: وما الجمل؟

قال: الحبل الذي يصعد به النخل.

قال سعيد بن جبير هو حبل السفينة الغليظ.

قرأ أبو عمرو لا تُفْتَحْ بالياء بلفظ التذكير بالتخفيف.

وقرأ الباقون بالتاء المشددة.

فمن قرأ بالتأنيث فلأنها من جماعة الأبواب.

ومن قرأ بالتذكير فلأن الفعل مقدم.

ومن قرأ بالتشديد أراد به تكثير الفتح.

ومن قرأ بالتخفيف فتفتح مرة واحدة وقرأ بعضهم في سُمِّ بضم السين وهي قراءة شاذة وهما لغتان قال أبو عبيدة: كل ثقب فهو سم.

ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي هكذا نعاقب المشركين.

ثم ذكر ما أوعدهم في النار فقال عز وجل: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي: فراش من النار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي يغشاهم النار من فوق رؤوسهم ومعناه: أن من تحتهم ناراً ومن فوقهم ناراً.

كقوله: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: 16] ويقال: لهم من جهنم مهاد أي حظهم من جهنم كالمهاد، فأخبر عن ضيق مكانهم في النار وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ نعاقب الكافرين.

قوله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وذلك أن الله تعالى لما أخبر عن حال الذين كذبوا بآياته واستكبروا عن قبولها أخبر عن حال الذين آمنوا بآياته.

فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي: صدقوا وعملوا الصالحات أي الطاعات والأعمال الصالحة لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: لا نكلف نفساً بعد الإيمان من العمل إلا بقدر طاقتها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني: دائمون.

ثم قال عز وجل: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قال بعضهم: أي في الدنيا أخرج الله تعالى الغل والحسد من قلوبهم، وألف بين قلوبهم كما قال الله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63] ويقال: هذا في الجنة يخرج الغل والحسد من قلوبهم.

قال ابن عباس-  ما-: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعليّ ونحوهم من أصحاب رسول الله  ومن تابعهم على سنتهم ومنهاجهم إلى يوم القيامة.

وقال علي بن أبي طالب لعمران بن طلحة بن عبيد الله: أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى فيهم: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ فأنكر عليه بعضهم.

فقال عليّ: إن لم نكن نحن فمن هم؟

يعني: إن الذين كانوا على عهد رسول الله  لم يكن في قلوبهم من الغل حتى ينزع عنهم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أي من تحت غرفهم وقصورهم وأشجارهم الانهار وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي أكرمنا بهذه الكرامة.

ويقال: إن الذي وفقنا للأمر الذي أوجب لنا هذا الثواب وهو الإسلام.

ويقال: هدانا لهاتين العينين.

وذلك أن أهل الجنة لما انتهوا إلى باب الجنة، فإذا هم بشجرة تنبع من ساقها عينان، فيعمدون إلى إحداهما، فيشربون منها، فيخرج الله تعالى ما كان في أجوافهم من غل وقذر فذلك قوله تعالى: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: 21] ثم يعمدون إلى الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب الله تعالى أجسادهم من كل درن وحسد وجرت عليهم نضرة ولا تشعث رؤوسهم، ولا تغبر وجوههم، ولا تشحب أجسادهم أبداً، تتلقاهم خزنة الجنة فينادون في التقديم أي: قبل أن يدخلوها أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فقالوا بعد ما اغتسلوا من العينين الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي: وفقنا حتى اغتسلنا من هاتين العينين.

ويقال: لما دخلوا الجنة ونظروا إلى كراماتها قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا يعني: لهذا الثواب وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ أي: ما كنا لولا أن وفقنا الله.

ذلك أنهم علموا أن الله تعالى له عليهم المن والفضل فيما أعطاهم.

قرأ ابن عامر مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بغير واو على الاستئناف.

وقرأ الباقون والواو وعلى معنى العطف.

لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ يعني: جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فصدقناهم وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ قال بعضهم: قبل أن يدخلوها قال لهم خزنة الجنة تلكم الجنة التي وعدتم.

ويقال بعد ما دخلوا بها يقال لهم: تلك الجنة أي: هذه الجنة التى أُورِثْتُمُوها يعني: أنزلتموها بإيمانكم واقتبستموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في دار الدنيا.

وهذا كما روي في الخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: «جُوزُوا الصِّراطَ بِعَفْوِي وَادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوها بِأَعْمَالِكُمْ» .

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الصفة، وبمثل هذا الحتم، وغيره نجزي الكفرة وأهل الجَرَائِمِ على اللَّه.

لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي: فراش، ومسكن، ومضجع يتمهَّدُونه، وهي لهم غَوَاشٍ جمع غاشية، وهي ما يَغْشَى الإنسان أي: يغطيه، ويستره من جهة فَوْق.

وقوله سبحانه: لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ هذه آية وعد مخبرةٌ أن جميع المؤمنين هم أصْحَابُ الجنة، ولهم الخُلْدُ فيها، ثم اعترض فيها القَوْل بعقب الصِّفَةِ التي شرطها في المؤمنين باعتراض يُخَفِّفُ الشرط، ويرجى في رحمة اللَّه، ويعلم أن دينه يُسْر، وهذه الآية نصٌّ في أن الشريعة لا يَتَقَرَّرُ من تكاليفها شَيْءٌ لا يُطَاقُ، وقد/ تقدم ذلك في «سورة البقرة» .

«والوُسْعُ» معناه: الطاقة، وهو القدر الذي يتّسع له البشر.

وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)

وقوله سبحانه: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ هذا إخبار من الله عز وجل أنه ينقي قُلُوبَ ساكني الجنة من الغِلِّ، والحِقْدِ، وذلك أن صاحب الغل مُعَذَّبٌ به، ولا عذاب في الجَنَّةِ.

وورد في الحديث: «الغلُّ على بَابِ الجنة كَمَبَارِكِ الإِبِلِ قد نَزَعَهُ اللَّه من قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ» «١» .

والغل: الحِقْدُ والإِحنة الخَفِيَّةُ في النفس.

وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا الإِشارة ب «هذا» يتجه أن تكون إلى الإيمان، والأعمال الصالحات المؤدية إلى الجنة، ويحتمل أن تكون إلى الجنة نَفْسِهَا، أي: أرشدنا إلى طرقها.

وقرأ ابن عامر «٢» وَحْدَهُ: «ما كنا لنهتدي» بسقوط الواو، وكذلك هي في مَصَاحِف أهل «الشام» ، ووجهها أن الكَلاَمَ مُتَّصِلٌ، مرتبط بما قبله.

ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن اللَّه سبحانه، وعاينوا إنجاز المواعيد قالوا:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ .

فِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أهْلُ بَدْرٍ.

رَوى الحَسَنُ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ ورَوى عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ عَنْ عَلَيٍّ أنَّهُ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الأحْقادِ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حِينَ أسْلَمُوا.

رَوى كُثَيْرُ النِّوّاءِ عَنْ أبِي جَعْفَرَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في عَلَيٍّ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرَ: فَأيُّ غِلٍّ هُوَ؟

قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، كانَ بَيْنَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ في الجاهِلِيَّةِ شَيْءٌ، فَلَمّا أسْلَمَ هَؤُلاءِ، تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلَيٌّ يُسَخِّنُ يَدَهُ ويُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهم عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيُّ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والرّابِعُ: أنَّها في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها.

رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، حَتّى إذا هُذِّبُوا ونُقَّوْا، أُذِنَ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ.

فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأحَدُهم أهْدى بِمَنزِلَةٍ في الجَنَّةِ مِنهُ بِمَنزِلِهِ كانَ في الدُّنْيا" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ ما يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، تُعْرَضُ لَهم عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْدى العَيْنَيْنِ، فَيُذْهِبُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِن غِلٍّ وغَيْرِهِ مِمّا كانَ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَدْخُلُونَ إلى العَيْنِ الأُخْرى، فَيَغْتَسِلُونَ مِنها، فَتُشْرِقُ ألْوانُهم وتَصْفُوا، وُجُوهُهم، وتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ.

فَأمّا النَّزْعُ، فَهو قَلْعُ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ.

والغِلُّ: الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدْرِ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغِلُّ: الحَسَدُ والعَداوَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: هَدانا لَمّا صَيَّرَنا إلى هَذا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ ما وصَلُوا إلَيْهِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ.

ورَوى عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ قالَ: تَسْتَقْبِلُهُمُ الوِلْدانُ كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَنثُورٌ، فَيَطُوفُونَ بِهِمْ كَإطافَتِهِمْ بِالحَمِيمِ جاءَ مِنَ الغَيْبَةِ، ويُبَشِّرُونَهم بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم، ويَذْهَبُونَ إلى أزْواجِهِمْ فَيُبَشِّرُونَهم، فَيَسْتَخِفُّهُنَّ الفَرَحُ، فَيَقُمْنَ عَلى أُسْكُفَّةِ البابِ، فَيَقُلْنَ: أنْتَ رَأيْتُهُ، أنْتَ رَأيْتُهُ؟

قالَ: فَيَجِيءُ إلى مَنزِلِهِ فَيَنْظُرُ في أساسِهِ، فَإذا صَخْرٌ مِن لُؤْلُؤٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ بَصَرَهُ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ ذَلَّلَهُ لَذَهَبَ بَصَرُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ، فَإذا هو بِالسُّرُرِ المَوْضُونَةِ، والفُرُشِ المَرْفُوعَةِ، والذَّرابِي المَبْثُوثَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ﴾ كُلُّهم قَرَأ "وَما كُنّا" بِإثْباتِ الواوِ، غَيْرَ ابْنَ عامِرٍ، فَإنْهُ قَرَأ "ما كُنّا لَنَهْتَدِيَ" بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الواوِ، أنَّ القِصَّةَ مُلْتَبِسَةٌ بِما قَبِلَها، فَأغْنى التِباسَها بِهِ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ، ومِثْلُهُ ﴿ رابِعُهم كَلْبُهُمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ هَذا قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ رَأوْا ما وعَدَهُمُ الرُّسُلُ عَيانًا.

﴿ وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ "تِلْكُمْ" لِأنَّهم وعَدُوا بِها في الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ تِلْكُمُ الَّتِي وعَدْتُمْ بِها.

وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ هَذا قِيلَ لَهم حِينَ عايَنُوها قَبْلَ دُخُولِهِمْ إلَيْها.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، "أُورِثْتُمُوها" غَيْرَ مُدْغَمَةٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "أُورِتَمُوها" مُدْغَمَةً، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في [الزُّخْرُفِ:٧٢] قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن تَرَكَ الإدْغامَ، فَلِتَبايُنِ مَخْرَجِ الحَرْفَيْنِ، ومَن أدْغَمَ فَلِأنَّ التّاءَ والثّاءَ مَهْمُوسَتانِ مُتَقارِبَتانِ.

وفي مَعْنى أُورِثْتُمُوها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: « "ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ ومَنزِلٌ في النّارِ، فَأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ يَرِثُ المُؤْمِنُ مَنزِلَهُ مِنَ النّارِ، والمُؤْمِنُ يَرِثُ الكافِرَ مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .» وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمّا سُمِّيَ الكُفّارُ أمْواتًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ ﴾ .

[النَّحْلِ:٢١] .

وسَمّى المُؤْمِنِينَ أحْياءً بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا  ﴾ أوْرَثَ الأحْياءَ المَوْتى.

والثّانِي: أنَّهم أوْرَثُوها عَنِ الأعْمالِ، لِأنَّها جُعِلَتْ جَزاءً لِأعْمالِها، وثَوابًا عَلَيْها، إذْ هي عَواقِبُها، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

.

والثّالِثُ: أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، واقْتِسامُ الدَّرَجاتِ بِالأعْمالِ.

فَلَمّا كانَ يُفَسِّرُ نِيلَها لا عَنْ عِوَضٍ، سُمِّيَتْ مِيراثًا.

والمِيراثُ: ما أخَذْتَهُ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى المِيراثِ هاهُنا: أنَّ أمْرَهم يُؤُولُ إلَيْها كَما يُؤُولُ المِيراثُ إلى الوارِثِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُنَقِّي قُلُوبَ ساكِنِي الجَنَّةِ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ؛ وذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الغِلِّ مُتَعَذِّبٌ بِهِ؛ ولا عَذابَ في الجَنَّةِ؛ ووَرَدَ في الحَدِيثِ: « "اَلْغِلُّ عَلى بابِ الجَنَّةِ كَمَبارِكِ الإبِلِ؛ قَدْ نَزَعَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - مِن قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ - إذا حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ - أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ جَوْهَرًا؛ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يُرى كَمَبارِكِ الإبِلِ؛ لِأنَّ الغِلَّ عَرَضٌ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ؛ وإنْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ؛ وعُبِّرَ [بِها] عن سُقُوطِهِ عن نُفُوسِهِمْ؛ فَهَذِهِ الألْفاظُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ؛ كَما تَقُولُ: "فُلانٌ إذا دَخَلَ عَلى الأمِيرِ تَرَكَ نَخْوَتَهُ بِالبابِ مُلْقاةً"؛ فَلَهُ وجْهٌ؛ والأوَّلُ أصْوَبَ؛ وأجْرى مَعَ الشَرْعِ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ؛ مِثْلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "يُؤْتى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ كَبْشٌ؛ فَيُذْبَحُ"؛» وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ورَوى الحَسَنُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ: "فِينا واللهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ  ﴾ " ؛ ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: "فِينا واللهِ نَزَلَتْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ "؛ وذَكَرَ قَتادَةُ أنَّ عَلِيًّا قالَ: "إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ ؛ وطَلْحَةُ ؛ والزُبَيْرُ - رَضِيَ اللهُ عنهم - مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو المَعْنى الصَحِيحُ؛ فَإنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في أهْلِ الجَنَّةِ؛ و"اَلْغِلُّ": اَلْحِقْدُ؛ والإحْنَةُ الخَفِيَّةُ في النَفْسِ؛ وجَمْعُهُ: "غِلالٌ"؛ ومِنهُ: "اَلْغُلُولُ"؛ أخْذٌ في خَفاءٍ؛ ومِنهُ: "اَلِانْغِلالُ في الشَيْءِ"؛ ومِنهُ: "اَلْمُغِلُّ بِالأمانَةِ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: سُلّاءَةً كَعَصا النَهْدِيِّ غُلَّ لَها ∗∗∗ ذُو فَيْئَةٍ مِن نَوى قُرّانَ مَعْجُومُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ ؛ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ ما كانَ لاطِئًا بِالأرْضِ فَهو تَحْتَ ما كانَ مُنْتَصِبًا آخِذًا في سَماءٍ؛ و"هَدانا"؛ بِمَعْنى: أرْشَدَنا؛ والإشارَةُ بِـ "هَذا"؛ تُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ إلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى دُخُولِ الجَنَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الجَنَّةِ نَفْسِها؛ أيْ: أرْشَدَنا إلى طُرُقِها؛ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَجْهَيْنِ أمْثِلَةٌ في القُرْآنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ"؛ بِسُقُوطِ الواوِ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَما كُنّا"؛ ﴾ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ سُقُوطِ الواوِ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ.

ولَمّا رَأوا تَصْدِيقَ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: وعايَنُوا إنْجازَ المَواعِيدِ؛ قالُوا: ﴿ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ ؛ فَقَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ قَضاهُ مَن يُحِسُّ؛ وكانُوا في الدُنْيا يَقْضُونَ بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ قَضاهُ مَن يَسْتَدِلُّ؛ و ﴿ "وَنُودُوا"؛ ﴾ أيْ: "قِيلَ لَهم بِصِياحٍ"؛ وهَذا النِداءُ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ و"أنْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمَعْنى النِداءِ؛ بِمَعْنى "أيْ"؛ وَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ؛ وفِيها ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "أنَّهُ تِلْكُمُ الجَنَّةُ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الأعْشى: في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ تَقْدِيرُهُ: "أنَّهُ هالِكٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أُكاشِرُهُ وأعْلَمُ أنْ كِلانا ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى ما ساءَ صاحِبَهُ حَرِيصُ و ﴿ تِلْكُمُ الجَنَّةُ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وصِفَةٌ؛ و"أُورِثْتُمُوها"؛ اَلْخَبَرُ؛ و"تِلْكُمُ"؛ إشارَةٌ فِيها غَيْبَةٌ؛ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُنْيا؛ فالإشارَةُ إلى تِلْكَ؛ أيْ: "تِلْكم هَذِهِ الجَنَّةُ"؛ وحُذِفَتْ "هَذِهِ"؛ وإمّا قَبْلَ الدُخُولِ؛ وإمّا بَعْدَ الدُخُولِ؛ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها؛ فَكُلٌّ غائِبٌ عن مَنزِلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ؛ لا عَلى طَرِيقِ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى ؛ لَكِنْ بِقَرِينَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى ؛ وتَغَمُّدِهِ؛ والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وطَرِيقٌ إلى قُوَّةِ الرَجاءِ؛ ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ؛ و"أُورِثْتُمْ"؛ مُشِيرَةٌ إلى الأقْسامِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "أُورِثْتُمُوها"؛ ﴾ وكَذَلِكَ في "اَلزُّخْرُفِ"؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: "أُورِتَّمُوها"؛ بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلزُّخْرُفِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتساق النّظم يقتضي أن تكون جملة: ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ حالاً من الضّمير في قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 42]، وتكونَ جملة: ﴿ ونزعنا ﴾ مُعترضة بين جملة: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 42]، وجملة: ﴿ وقالوا الحمد لله ﴾ إلخ، اعترضاً بُيِّنَ به حال نفوسهم في المعاملة في الجنّة، ليقابِل الاعتراض الذي أُدمِج في أثناءِ وصف عذاب أهل النّار، والمبيّن به حال نفوسهم في المعاملة بقوله: ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ [الأعراف: 38].

والتّعبير عن المستقبل بلفظ الماضي للتّنبيه على تحقّق وقوعه، أي: وننزع ما في صدورهم من غِل، وهو تعبير معروف في القرآن كقوله تعالى: ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1].

والنّزْع حقيقته قلع الشّيء من موضعه وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وتنزع الملك ممن تشاء ﴾ في آل عمران (26)، ونَزْع الغِل من قلوب أهل الجنّة: هو إزالة ما كان في قلوبهم في الدّنيا من الغِلّ عند تلقي ما يسوء من الغَيْر، بحيث طَهّر الله نفوسهم في حياتها الثّانية عن الانفعال بالخواطر الشرّية التي منها الغِلّ، فزال ما كان في قلوبهم من غِلّ بعضهم من بعض في الدّنيا، أي أزال ما كان حاصلاً من غلّ وأزال طباع الغلّ التي في النّفوس البشريّة بحيث لا يخطر في نفوسهم.

والغِلّ: الحقد والإحْنَة والضِغْن، التي تحصل في النّفس عند إدراك ما يسوؤها من عمل غيرها، وليس الحسد من الغِلّ بل هو إحساس باطني آخر.

وجملة: تجري من تحتهم الأنهار} في موضع الحال، أي هم في أمكنة عالية تشرف على أنهار الجنّة.

وجملة: ﴿ وقالوا الحمد لله ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 42].

والتّعبير بالماضي مراد به المستقبل أيضاً كما في قوله: ﴿ ونزعنا ﴾ وهذا القول يحتمل أن يكونوا يقولونه في خاصتهم ونفوسهم، على معنى التّقرب إلى الله بحمده، ويحتمل أن يكونوا يقولونه بينهم في مجامعهم.

والإشارة في قولهم: ﴿ لهذا ﴾ إلى جميع ما هو حاضر من النّعيم في وقت ذلك الحمد، والهداية له هي الإرشاد إلى أسبابه، وهي الإيمان والعمل الصّالح، كما دلّ عليه قوله: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [الأعراف: 42]، وقال تعالى: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ [يونس: 9] الآية، وجعل الهداية لنفس النّعيم لأنّ الدّلالة على ما يوصل إلى الشّيء إنّما هي هداية لأجل ذلك الشّيء، وتقدّم الكلام على فعل الهداية وتعديته في سورة الفاتحة (6).

والمراد بهَدْي الله تعالى إياهم إرساله محمّداً صلى الله عليه وسلم إليهم فأيقظهم من غفلتهم فاتَّبعوه، ولم يعاندوا، ولم يستكبروا، ودلّ عليه قولهم: ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ مع ما يسّر الله لهم من قبولهم الدّعوة وامتثالهم الأمر، فإنّه من تمام المنّة المحمود عليها، وهذا التّيسير هو الذي حُرّمه المكذّبون المستكبرون لأجل ابتدائهم بالتّكذيب والاستكبار، دون النّر والاعتبار.

وجملة ﴿ وما كنا لنهتدي ﴾ في موضع الحال من الضّمير المنصوب، أي هدانا في هذه الحال حال بعدنا عن الاهتداء، وذلك ممّا يؤذن بكبر منّة الله تعالى عليهم، وبتعظيم حمدهم وتجزيله، ولذلك جاءوا بجملة الحمد مشتملة على أقصى ما تشتمل عليه من الخصائص التي تقدّم بيانها في سورة الفاتحة (6).

ودلّ قوله: ﴿ وما كنا لنهتدي ﴾ على بعد حالهم السّالفة عن الاهتداء، كما أفاده نفي الكَون مع لام الجحود، حسبما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ﴾ الآية في سورة آل عمران (79)، فإنّهم كانوا منغمسين في ضلالات قديمة قد رسخت في أنفسهم، فأمّا قادتهم فقد زيّنها الشّيطان لهم حتى اعتقدوها وسنّوها لمن بعدهم، وأمّا دَهْمَاؤُهم وأخلافهم فقد رأوا قدوتهم على تلك الضّلالات.

وتأصّلت فيهم، فما كان من السّهل اهتداؤُهم، لولا أنْ هداهم الله ببعثة الرّسل وسياستهم في دعوتهم، وأن قذف في قلوبهم قبول الدّعوة.

ولذلك عقبوا تحميدهم وثناءهم على الله بقولهم: لقد جاءت رسل ربنا بالحقّ} فتلك جملة مستأنفة، استئنافاً ابتدائياً، لصدورها عن ابتهاج نفوسهم واغتباطهم بما جاءتهم به الرّسل، فجعلوا يتذكّرون أسباب هدايتهم ويعتبرون بذلك ويغتبطون.

تلذذاً بالتّكلّم به، لأن تذكّر الأمر المحبوب والحديثَ عنه ممّا تلذّ به النّفوس، مع قصد الثّناء على الرّسل.

وتأكيد الفعل بلام القسم وبقَدْ، مع أنهم غير منكرين لمجيء الرسل: إما لأنّه كناية عن الإعجاب بمطابقة ما وعدهم به الرّسل من النّعيم لما وجدوه مثل قوله تعالى: ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ [الزخرف: 71] وقول النّبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «أعددت».

وإمّا لأنّهم أرادوا بقولهم هذا الثّناء على الرّسل والشّهادة بصدقهم جمعاً مع الثّناء على الله، فأتَوا بالخبر في صورة الشّهادة المؤكّدة التي لا تردّد فيها.

وقرأ ابن عامر: ﴿ ما كنّا لنهتدي ﴾ بدون واو قبل (ما) وكذلك كتبت في المصحف الإمام الموجّه إلى الشّام، وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة مفصولة عن التي قبلها، على اعتبار كونها كالتّعليل للحمد، والتّنويه بأنّه حمد عظيم على نعمة عظيمة، كما تقدّم بيانه.

وجملة: ﴿ ونودوا ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ وقالوا ﴾ فتكون حالاً أيضاً، لأنّ هذا النّداء جواب لثنائهم، يدلّ على قبول ما أثْنَوا به، وعلى رضى الله عنهم، والنّداء من قبل الله، ولذلك بُني فعله إلى المجهول لظهور المقصود.

والنّداء إعلان الخطاب، وهو أصل حقيقته في اللّغة، ويطلق النّداء غالباً على دعاء أحد ليقبل بذاته أو بفهمه لسماع كلام، ولو لم يكن برفع صوت: ﴿ إذ نادى ربَّه نداء خفياً ﴾ [مريم: 3] ولهذا المعنى حروف خاصة تدلّ عليه في العربيّه، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وناداهما ربهما ﴾ في هذه السّورة (22).

و (أنْ) تفسير ﴿ لنودوا ﴾ ، لأنّ النّداء فيه معنى القول.

والإشارة إلى الجنّة ب ﴿ تلكم ﴾ ، الذي حقّه أن يستعمل في المشار إليه البعيد، مع أنّ الجنّة حاضرة بين يديهم، لقصد رفعة شأنها وتعظيم المنّة بها.

والإرث حقيقته مصير مال الميت إلى أقرب النّاس إليه، ويقال: أورثَ الميّت أقرباءه ماله، بمعنى جعلهم يرثونه عنه، لأنّه لما لم يصرفه عنهم بالوصيّة لغيره فقد تركه لهم، ويطلق مجازاً على مصير شيء إلى حد بدون عوض ولا غصب تشبيهاً بإرث الميّت، فمعنى قوله: ﴿ أورثتموها ﴾ أعطيتموها عطيّة هنيئة لا تعب فيها ولا منازعة.

والباء في قوله: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ سببيّة أي بسبب أعمالكم، وهي الإيمان والعمل الصّالح، وهذا الكلام ثناء عليهم بأنّ الله شكر لهم أعمالهم، فأعطاهم هذا النّعيم الخالد لأجل أعمالهم، وأنّهم لما عملوا ما عملوه من العمل ما كانوا ينوون بعملهم إلا السّلامة من غضب ربّهم وتطلبَ مرضاته شكراً له على نعمائه، وما كانوا يمُتون بأن توصلهم أعمالهم إلى ما نالوه، وذلك لا ينافي الطّمع في ثوابه والنّجاة من عقابه، وقد دلّ على ذلك الجمعُ بين ﴿ أورثتموها ﴾ وبين باء السّببيّة.

فالإيراث دلّ على أنّها عطيّة بدون قصد تعاوُضضٍ ولا تعاقُد، وأنّها فضلٌ محض من الله تعالى، لأنّ إيمان العبد بربّه وطاعته إياه لا يوجب عقلاً ولا عدْلاً إلاّ نجاتَه من العقاب الذي من شأنه أن يترتّب على الكفران والعصيان، وإلاّ حُصولَ رضى ربّه عنه، ولا يوجب جزاء ولا عطاء، لأنّ شكر المنعم واجب، فهذا الجزاء وعظمته مجرّد فضل من الرّب على عبده شكراً لإيمانه به وطاعته، ولكن لما كان سبب هذا الشّكر عند الرّب الشّاكر هو عمل عبده بما أمره به، وقد تفضّل الله به فوعد به من قبللِ حصوله.

فمن العجب قول المعتزلة بوجوب الثّواب عقلاً، ولعلّهم أوقعهم فيه اشتباه حصول الثّواب بالسّلامة من العقاب، مع أنّ الواسطة بين الحالين بيّنة لأولي الألباب.

وهذا أحسن ممّا يطيل به أصحابنا معهم في الجواب.

وباء السّببيّة اقتضت الذي أعطاهم منازل الجنّة أراد به شكر أعمالهم وثوابها من غير قصد تعاوض ولا تقابل فجعلها كالشيء الذي استحقّه العامل عوضاً عن عمله فاستعار لها باء السّببيّة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الأهْواءُ والبِدَعُ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

والثّانِي: التَّباغُضُ والتَّحاسُدُ.

والثّالِثُ: الحِقْدُ.

والرّابِعُ: نَزَعَ مِن نُفُوسِهِمْ أنْ يَتَمَنَّوْا ما لِغَيْرِهِمْ.

وَفي نَزْعِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ نَزَعَ ذَلِكَ مِن صُدُورِهِمْ بِلُطْفِهِ.

والثّانِي: أنَّ ما هَداهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ هو الَّذِي نَزَعَهُ مِن صُدُورِهِمْ.

وَفي هَذا الغِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهم لا يَتَعادَوْنَ ولا يَتَحاقَدُونَ بَعْدَ الإيمانِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ وَقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هَدانا لِنَزْعِ الغِلِّ مِن صُدُورِنا.

والثّانِي: هَدانا لِثُبُوتِ الإيمانِ في قُلُوبِنا حَتّى نَزَعَ الغِلَّ مِن صُدُورِنا.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: قالَ جُوَيْبِرٌ: هَدانا لِمُجاوَزَةِ الصِّراطِ ودُخُولِ الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدروهم من غل ﴾ قال: هي العداوة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا، فيدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فيشربون من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل، فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فلن يشعثوا ولن يشحبوا بعدها أبداً.

وأخرج ابن جرير عن أبي نضرة قال: يحبس أهل الجنة دون الجنة حتى يقتص لبعضهم من بعض حتى يدخلوا الجنة حين يدخلونها ولا يطلب أحد أحداً بقلامة ظفر ظلمها إياه، ويحبس أهل النار دون النار، حتى يقتص لبعضهم من بعض، فيدخلون النار حين يدخلونها ولا يطلب أحد منهم أحداً بقلامة ظفر ظلمها إياه.

أما قوله تعالى ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ .

أخرج النسائي وابن أبي الدنيا وابن جرير في ذكر الموت وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أهل النار يرى منزله من الجنة، يقول: لو هدانا الله فيكون حسرة عليهم، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول: لولا أن هدانا الله» فهذا شكرهم.

وأخرج سعيد بن منصور وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي هاشم قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز أن من قبلنا من أهل البصرة قد أصابهم من الخير خير حتى خفت عليهم.

فكتب إليه عمر: قد فهمت كتابك، وأن الله لما أدخل أهل الجنة رضي منهم بأن قالوا ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ فمر من قبلك أن يحمدوا الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ قال: «نودوا: أن صحوا فلا تسقموا، وأنعموا فلا تبأسوا، وشبوا فلا تهرموا، واخلدوا فلا تموتوا» .

وأخرج هناد وابن جرير وعبد بن حميد عن أبي سعيد قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، فذلك قوله: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ قال: ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل مبين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم، رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثم يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون.

فيقتسم أهل الجنة منازلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي معاذ البصري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده أنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبصارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون إلى باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قَيِّمَهَا فيفتح له، فإذا رآه خرّ له ساجداً فيقول: ارفع رأسك إنما أنا قَيِّمُكَ وُكِّلْتُ بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فيستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن.

فدخل بيتاً من رأسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة يُرَى مخ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم، هذه الأنهار من تحتهم تطرد أنهاراً من ماء غير آسن، فإن شاء أكل قائماً، وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً.

ثم تلا ﴿ ودانية عليهم ظلالها وَذُلِّلت قطوفها تذليلاً ﴾ [ الأعراف: 8-9] فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيذهب الملك فيقول: سلام عليكم ﴿ تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ﴾ ، معنى نزع الشيء: قلعه عن مكانه (١) (٢) قال أهل اللغة (٣) (٤) (٥) قال ذو الرمة: أَصَابَ خَصاَصَةً فَبَدَا كَليلًا ...

كَللا وانْغَلَّ سَائِرُهُ انْغِلالًا (٦) ومعنى نزع الغل: إبطاله بإعدامه من الصدر.

وذكر أهل التأويل هاهنا قولين محتملين: أحدهما: وهو الذي عليه المعظم (٧)  - فقال: (إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله جل ذكره: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ﴾ ) (٨) وقال الحسن في هذه الآية: (يعني: الجاهلية) (٩) والقول الثاني: أن نزع الغل إنما هو لئلا يحسد بعضهم بعضًا في تفاضل منازلهم وتفاوت مراتبهم في الجنة، واختار الزجاج هذا فقال: (وحقيقته -والله أعلم- أنه لا يحسد بعض أهل الجنة بعضًا؛ لأن الحسد غل) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ﴾ .

قال ابن عباس: (حمدوا الله على (١١) (١٢) ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ﴾ (١٣) ومعنى ﴿ هَدَانَا لِهَذَا ﴾ (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ دليل على أن المهتدي مَنْ هَدَى الله (١٨) (١٩) وقرأ ابن عامر (٢٠) ﴿ مَا كُنَّا ﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ )، [هذا من قول (٢٥) ﴿ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ ] (٢٦) وقوله: ﴿ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ ﴾ .

قال أبو إسحاق: (أن) في موضع نصب، وهي مخففة من الثقيلة، والهاء مضمرة، المعنى: ونودوا بأنه تلكم الجنة أي: نودوا بهذا القول، قال: والأجود عندي أن تكون (أن) في معنى تفسير النداء، كأن المعنى: ونودوا أي تلكم الجنة (٢٧) ﴿ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا  ﴾ يعني (٢٨) قال: وإنما قال: ﴿ تِلْكُمُ ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه تلكم التي وعدتم بها، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل دخولها إشارة إلى ما يرونه: ﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ أُورِثْتُمُوهَا ﴾ فيه قولان؛ أحدهما، وهو قول أهل المعاني (٢٩) والإرث قد يستعمل في اللغة (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (١) انظر: "العين" 1/ 357، و"الجمهرة" 2/ 817، و"تهذيب اللغة" 4/ 3552، و"الصحاح" 3/ 1289، و"المجمل" 3/ 863، و"اللسان" 7/ 4395 (نزع).

(٢) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 298، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 200، و"تفسير غريب القرآن" ص 177.

(٣) انظر: "العين" 4/ 347، و"الجمهرة" 1/ 159، و"تهذيب اللغة" 3/ 2689، و"المجمل" 3/ 679، و"المفردات" ص 610، و"اللسان" ص 3285 (غلل).

(٤) في (ب): (بلفظه)، وهو تحريف.

(٥) في (ب): (بطاقة)، وهو تحريف.

(٦) "ديوانه" ص 515 هـ.

وقال الخطيب التبريزي في "شرحه": (خصاصة فرحة، والكليل الضَّعيف، وانغل غاب ودخل، وكلا كقولك: لا) اهـ.

(٧) انظر: "معاني النحاس" 3/ 37، والسمرقندي 1/ 541، والماوردي 2/ 224.

(٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 183، وابن أبي حاتم 5/ 1478 بسند جيد عن قتادة عن علي -  - وهو مرسل، قتادة لم يسمع من علي، انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص 168، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" 3/ 113 عن إبراهيم النخعي، ومن طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال الحافظ ابن حجر في "الشاف الكاف" ص 64: (أخرجه ابن سعد والطبري عن علي، وكلاهما منقطع، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ربعي بن حراش عن علي وهو متصل) اهـ.

انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي 1/ 462، و"الفتح السماوي" للمناوي 2/ 635 - 636.

(٩) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 224؛ وأبو حيان في "البحر" 4/ 298.

(١٠) "معاني الزجاج" 2/ 339، وقال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 364: (معناه نزعنا الحسد من قلوبهم؛ لأن أهل الجنة لا يحسد بعضهم بعضًا).

والظاهر أنه لا يحسد بعضهم بعضًا في علو المرتبة في الجنة، وفيما كان بينهم في الدنيا، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 183، والنحاس في "معانيه" 3/ 37، وانظر "تفسير ابن عطية" 5/ 505، 506.

(١١) في (ب): (إلي).

(١٢) في "تنوير المقباس" 2/ 95 نحوه، ونقل ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 201 عن ابن عباس في الآية أنه قال: (يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته) اهـ.

(١٣) "تفسير مقاتل" 2/ 38، وزاد فيه: (أي للإسلام ولهذا الخير) اهـ.

(١٤) لفظ: (هدانا) ساقط من (ب).

(١٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 190 أ، والبغوي 3/ 230 بلفظ: (معناه هدانا لعمل هذا ثوابه) اهـ.

وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 612.

(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 339، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 37،وقال الطبري في "تفسيره" 8/ 184: (يقول أهل الجنة الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنا) اهـ.

وانظر "تفسير السمرقندي" 1/ 541 - 542، والماوردي 2/ 225.

(١٧) لفظ: (إلى هذا) ساقط من (أ).

(١٨) لفظ: (الله) ساقط من (ب).

(١٩) في (ب): (لم يهتدوا) ومثله ذكر الرازي في "تفسيره" 14/ 81، و"الخازن" 2/ 230، وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 208.

(٢٠) قرأ ابن عامر: ﴿ مَا كُنَّا ﴾ بغير واوٍ قبل ما، وقرأ الباقون: ﴿ وَمَا كُنَّا ﴾ بالواو.

انظر: "السبعة" ص280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.

(٢١) ذكره ابن مجاهد في "السبعة" ص 280، وابن الجزري في "النشر" 2/ 269، وقال ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" ص 45: (في إمام أهل الشام وأهل الحجاز ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ ﴾ وفي إمام أهل العراق: ﴿ وَمَا كُنَّا ﴾ ) اهـ.

(٢٢) هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 25، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 407، و"الحجة" لابن خالويه ص 156، و"الكشف" 1/ 464.

(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٤) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 81 ب؛ 82 أ (٢٥) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 185، والسمرقندي 1/ 542.

(٢٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٧) عند الزجاج في "معانيه" 2/ 340: (ونودوا أن تلكم الجنة).

(٢٨) "معاني الزجاج" 2/ 340.

وقد ذكر الوجهين أكثرهم، انظر: "تفسير الطبري" 8/ 185، 186، و"إعراب النحاس" 1/ 216، و"الكشاف" 2/ 79، و"تفسير ابن عطية" 5/ 508، و"التبيان" ص 376، و"الفريد" 2/ 302، و"البحر المحيط" 4/ 300.

وقال النحاس في "معانيه" 3/ 38: (يجوز أن يكون المعنى (بأنه تلكم الجنة)، ويجوز أن تكون أن مفسرة للنداء، والبصريون يعتبرونها بأي، والكوفيون يعتبرونها بالقول، والمعنى واحد، كأنه ونودوا قيل لهم تلكم الجنة أي هذه تلكم الجنة التي وعدتموها في الدنيا، ويجوز أن يكون لما رأوها قيل لهم قبل أن يدخلوها تلكم الجنة) اهـ.

وانظر: "الدر المصون" 5/ 324.

(٢٩) انظر: "تفسير الرازي" 14/ 81، 82 فقد ذكر مثله.

(٣٠) الإرث: إبقاء الشيء وانتقاله إلى الغير وأصل الميراث هو أن يكون الشيء لقوم، ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب.

انظر: "العين" 8/ 234، و"تهذيب اللغة" 4/ 3868، و"الصحاح" 1/ 295، و"مقاييس اللغة" 6/ 105، و"المفردات" ص 863، و"اللسان" 8/ 4808 (ورث).

(٣١) في (ب): (القار)، وهو تصحيف.

(٣٢) أخرج البخاري في كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل رقم (6463)، ومسلم في كتاب صفة الجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة رقم (2816 إلى 2818) من طرق عن عائشة وأبي هريرة -  ما- عن رسول الله  قال: "لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة".

قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة".

(٣٣) لفظ: (الصالح) ساقط من (ب).

(٣٤) لم أقف عليه عن الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وذكر مثل ذلك الرازي في "تفسيره" 14/ 82، والقرطبي 7/ 209.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ أي من كان صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخواناً أحباباً، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة كقوله: ﴿ ونادى أَصْحَابُ الجنة ﴾ ، ﴿ ونادى أَصْحَابُ الأعراف ﴾ ﴿ ونادى أَصْحَابُ النار ﴾ ، وغير ذلك ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ و ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ ، ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله ﴾ و ﴿ أَن سلام ﴾ : يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميراً أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾ حُذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ [يوسف: 70] أي أعلم معلم وهو ملك ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾ [الحديد: 13] ﴿ الأعراف ﴾ .

قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة ﴿ رِجَالٌ ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿ وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ جَمْعُكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي استكبارهم على النار أو استكبارهم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: ﴿ مَآ أغنى ﴾ استفهامية أو نافية ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطاباً لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطاباً لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ خطاباً لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطاباً لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء ﴾ دليل على أن الجنة فوق النار ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ من سائر الأطعمة والأشربة ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم ﴿ كَمَا نَسُواْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَمَا كَانُواْ ﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿ جئناهم بكتاب ﴾ يعني القرآن ﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ﴾ أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى إذا ادّاركوا ﴾ كان يعقوب: إذا وقف على "إذا" يبتدىء ﴿ تداركوا ﴾ بالتاء.

سهل: مخير، وكذلك قوله  : ﴿ قلتم ﴾ ﴿ وقالوا إنا طيرنا ﴾ وافق الكسائي في ﴿ تثاقلتم ﴾ ﴿ أخراهم لأولاهم ﴾ بالإمالة الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف.

وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد ﴿ أولاهم ﴾ بالإمالة اللطيفة ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في ﴿ أخراهم ﴾ بالإمالة الشديدة ﴿ فآتهم ﴾ بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة.

إلا قوله: ﴿ ومن يولهم  ﴾ ﴿ لا يعلمون ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد ﴿ لا تفتح لهم ﴾ بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف.

الباقون بتاء التأنيث والتشديد.

﴿ غواشي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ ما كنا ﴾ بغير واو العطف: ابن عامر.

الآخرون بالواو.

﴿ أورثتموها ﴾ وبابه بإدغام الثاء: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.

الوقوف: ﴿ آياتي ﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ ولاهم يحزنون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ من الكتاب ﴾ ط ﴿ يتوفونهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ط ﴿ أختها ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ لا لما قلنا.

﴿ من النار ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ الخياط ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ غواش ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ وسعها ﴾ ط وجعل ﴿ أولئك ﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ معترضة ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط للعطف مع العارض.

﴿ اهدنا الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ بالحق ﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بيّن أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بيّن أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم ﴾ وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة ﴿ فإما يأتينكم مني هدى  ﴾ والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم.

وإنما قال: ﴿ رسل منكم ﴾ لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والآنس.

ومعنى أياتي أحكامي وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد.

ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ﴾ والأول الحكم بوجود ما لم يوجد كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة.

والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو كتاب.

ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ قيل: أي العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين.

وقال الزجاج: أي أنواع البلايا المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب.

وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد.

وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار كأنه  بيّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله  لكي يصلحوا ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ وذلك أن "حتى" هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه ههنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك النصيب يكون مقدماً على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق.

ومحل ﴿ يتوفونهم ﴾ نصب على الحال من الرسل.

قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ.

وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون عدّتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدّتهم حتى لا ينفلت منهم أحد.

قال في الكشاف: "ما" وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أي الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد ﴿ قالوا ﴾ على سبيل الاعتراف والعود إلى الإنصاف ﴿ ضلوا عنا ﴾ أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم ﴿ وشهدوا على أنفسهم ﴾ بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: ﴿ قال ﴾ أي الله.

وعن مقاتل هو من كلام خازن النار.

وهذا مبني على أنه  لا يجوز أن يكلم الكفار وإن كان كلام سخط ﴿ ادخلوا في أمم ﴾ قيل: أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز.

والمعنى ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار.

وفيه دليل على أن أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ في الدين والعقيدة.

فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى ﴿ حتى إذا ادّاركوا فيها ﴾ أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضاً واستقر معه ﴿ قالت أخراهم ﴾ أي آخرتهم دخولاً في النار ﴿ لأولاهم ﴾ دخولاً فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدماً على الضال في دخول النار.

واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع الله لا معهم ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ﴾ الفاء للجزاء ﴿ عذاباً ضعفاً ﴾ أي مضاعفاً وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل.

قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه مرتين.

وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين بدليل قوله عز من قائل: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا  ﴾ وأقل ذلك عشرة لقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك متقن وما فوقه مشكوك ﴿ قال ﴾ أي الله أو خازن النار ﴿ لكل ﴾ من القادة والأتباع ﴿ ضعف ﴾ أما للقادة فلما قلنا، وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروّجوا أمرهم.

سئل ههنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير النهاية.

قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا يصلح للجواب.

والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية والله أعلم ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك.

﴿ وقالت أولاهم لأخراهم ﴾ إذ قد حكم الله بأن لكل منا ضعفاً ﴿ فما كان ﴾ أي فما ثبت ﴿ لكم علينا من فضل ﴾ لأنكم مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله  فيهم.

قال في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذباً لأنهم بنو كلامهم على حكم الله  بأن لكل ضعفاً.

ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وهي الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد ﴿ واستكبروا عنها ﴾ أي ترفعوا عن قبولها ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ قال ابن عباس: أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله  من قوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ومن قوله: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها كما جاء في الحديث "إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة.

ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء" وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرّق لهم إليها حتى يدخلوا الجنة.

وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله  : ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر  ﴾ ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ الولوج الدخول.

وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف.

والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب.

والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع.

ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام المشهورة عند العرب كما قال: لا عيب بالقوم من طول ومن عظم *** جسم الجمال وأحلام العصافير وكان سم الإبرة مثلاً في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة.

وقالوا للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله  دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة قطعاً فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: "لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار".

وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن.

واختار ابن عباس هذا التفسير قائلاً: إن الله  أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه.

وأهل التناسخ أوّلوا الآية بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لمّا عصت وأذنبت فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذٍ تصير مطهرة عن تلك الذنوب فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿ نجزي المجرمين ﴾ قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق بشرط عند التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة.

ثم لما بين أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ أي فراش ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.

والتنوين في ﴿ غواش ﴾ مثله في "جوار" أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان الياء ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾ هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

وقوله ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن.

وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعداً لمن فاتته وسحقاً لمن فارقته.

ومن جعله خبراً فالعائد محذوف أي لا نكلف نفساً منهم.

ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل  ﴾ وللآية تفسيران: الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف.

عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.

الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوته بحسب الكمال والنقص، فالله  أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله  من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله  ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير.

ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ ونودوا أن تلكم ﴾ بأنه تلكم ﴿ الجنة ﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول.

وإنما قيل: ﴿ تلكم ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم.

ومعنى ﴿ أورثتموها ﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.

قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار.

وقيل: أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث.

وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم" قالت المعتزلة قوله: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل.

وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله  كان دخول الجنة بفضله.

وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله  أعلم.

التأويل: ﴿ يا بني آدم أما يأتينكم رسل ﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته.

﴿ افترى على الله كذباً ﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿ أو كذب ﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم ﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿ حتى إذا جاءتهم ﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿ يتوفونهم ﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿ قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وشهدوا ﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله  .

ثم قال لأهل الخذلان ﴿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ﴾ وقدم الجن لأن الله  خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر.

﴿ كلما دخلت أمة ﴾ في أعمال أهل النار ﴿ لعنت أختها ﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿ حتى إذا ﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار.

﴿ عذاباً ﴾ ﴿ ضعفاً ﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿ لكل ضعف ﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿ لا تفتح لهم أبواب ﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ ولا يدخلون ﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿ لهم من جهنم ﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم.

﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ ﴾ : ليس من جنس ما ذكر من قوله: ﴿ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ لكنه صلة قوله: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ  ﴾ ، يقول فيما تقدم ذكره: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .

وأما عندنا: فإنه يستقيم أن يجعل صلة ما تقدم، أي: لا نكلف نفساً من الأعمال الصالحات إلا وسعها، بل نكلفها دون وسعها ودون طاقتها ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً ﴾ : إلا ما يسع ويحتمل، وهو صلة قوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا ﴾ ، يقول: لا يكلف نفساً إلا ما يسع ويحتمل، لا ما لا يسع ولا يحتمل.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ .

قال القتبي: الغل: الحسد والعداوة.

وقيل: الغل والغش واحد، وهو ما يضمر بعضهم لبعض من العداوة والحقد.

وقيل: الغل: الحقد.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ : في الدنيا، ينزع الله - عز وجل - من قلوبهم الغل، يعني: [من] قلوب المؤمنين، ويجعلهم إخواناً بالإيمان؛ كقوله: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ الآية، أخبر أنهم كانوا أعداء فألف بين قلوبهم بالإيمان الذي أكرمهم به؛ حتى صاروا إخواناً بعد ما كانوا أعداء.

قال الحسن: ليس في قلوب أهل الجنة الغل والحسد؛ إذ هما يهمان ويحزنان؛ إنما فيها الحب.

[و] قال بعضهم: هذا في الآخرة، ينزع الله -  - من قلوبهم الغل الذي كان فيما بينهم في الدنيا، ويصيرون جميعاً إخواناً؛ كقوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ  ﴾ .

وروي عن علي -  - قال: [إني] لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله -  -: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ  ﴾ .

وعن ابن عباس -  - قال: نزلت في علي وأبي بكر [وعمر] وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود وعمار وسلمان وأبي ذر - رضوان الله عليهم أجمعين - فينزع في الآخرة ما كان في قلوبهم من غش بعضهم لبعض في الدنيا من العداوة والقتل الذي كان بعد رسول الله  والأمر الذي اختلفوا فيه، فيدخلون الجنة؛ هذا - والله أعلم - لأن الذي كان بينهم من الاختلاف والقتال كان دنيويّاً لم يكن؛ بسبب الدين، فذلك يرتفع في الآخرة ويزول، وأما العداوة التي هي بيننا وبين الكفرة: فهي لا تزول أبداً في الدنيا والآخرة؛ لأنها عداوة الدين والمذهب، فذلك لا يرتفع أبداً.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا ﴾ على ابتداء النزع، لا على أن كانوا فيه؛ كقوله -  -: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ على ابتداء: المنع، أي: لولا إخراجه إياهم من ذلك، وإلا كانوا فيه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا ﴾ أي: لم نجعل في قلوبهم الغل رأساً، ولو تركهم على ما هم عليه لكان فيهم ذلك.

وفيه دلالة أن لله في فعل العباد صنعاً؛ لأن الغش [والغل] من فعل العباد يذمون على ذلك.

ثم أخبر أنه نزع ذلك من قلوبهم، واستأدى منهم الشكر بذلك بقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا...

﴾ الآية.

وقد ذمّ من طلب الحمد على ما [لم] يفعل؛ فدل طلب الحمد منهم على أن له فيه صنعاً؛ بذلك طلب منهم الحمد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - لما علم عز وجل من طباع الخلق الرغبة في هذه الأنهار الجارية في الدنيا، فيما يقع عليها الأبصار، فرغبهم في الآخرة بما كانت طباعهم وأنفسهم تميل إلى ذلك في الدنيا؛ ليرغبوا فيما أمر وينتهوا عما نهى، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القصور والخيام والجواري والغلمان والأكواب والأباريق، وغير ذلك مما ترغب طباع الخلق في ذلك في الدنيا وتميل أنفسهم إلى ذلك؛ وأعدها لهم في الآخرة ترغيباً منه لهم في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ ﴾ ، قال الحسن وغيره: هدانا: دلنا لهذا.

﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .

وأما عندنا: ليس هو هداية الدلالة والبيان؛ ولكن الهداية التي أكرمهم الله بها بفضله ولطفه، وهي توفيقه إياهم إلى الهدى؛ لأنه خرج مخرج الامتنان والفضل، ولو كان دلالة وبياناً لكان لا معنى لتلك المنة وذلك الفضل؛ لأن عليه الدلالة والبيان.

والثاني: [أنه] لو كان على الدلالة والبيان لكان ذلك على كل أحد: على الرسل وغيرهم؛ لأن عليهم البيان والدلالة، فدل أنه ليس على الدلالة والبيان، ولكن غيره.

والثالث: أنه لا أحد عند نفسه أنه يزيغ ويضل وقت ما هداه الله ووفقه.

وقد يجوز أن يكون ذلك في الدلالة والبيان؛ دلّ أنه لم يحتمل ما قال أولئك من الدلالة والبيان، والله الموفق.

وقال بعض الناس: إن المعتزلة خالفوا الله عما أخبر، وخالفوا الرسل عما أخبروا عن الله  ، وخالفوا أهل الجنة والنار، وخالفوا إبليس: أما مخالفتهم الله فقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ ونحوه.

أما مخالفتهم الرسل فقوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ  ﴾ الآية، وقول أهل النار قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ  ﴾ وقول إبليس: ﴿ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي  ﴾ : هو أعلم بالله من المعتزلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل جاءوا بالحق، أي: بالدين الذي هو حق، أو جاءوا بالأعمال التي من عمل بها كان صواباً ورشداً، وكل حق هو صواب ورشد، ويحتمل جاءت رسل ربنا بالحق، أي: بالصدق ونحوه.

﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : له وجهان: أحدهما: بالحق الذي استحقه الله على عباده.

والثاني: أنهم جاءوا بالذي هو حق في العقول وصواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ ﴾ .

قوله: ﴿ تِلْكُمُ ﴾ : إنما يتكلم عن غائب، وهم فيها، لكن تأويله - والله أعلم - أن تلكم الجنة التي كنتم وعدتم في الدنيا وأخبرتم عنها هذه.

﴿ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: أورثكم [أعمالكم].

وفيه دلالة أن الإيمان من جملة أعمالهم؛ حيث قال: أورثتموها بما كنتم تعملون، وإنما يورث ذلك بالإيمان وسائر الأعمال [بل] إنما يصح بالإيمان، ذكر أنهم أورثوا الجنة بما عملوا، وإن كانوا ينالونها بفضل الله جزاء وشكراً؛ لقولهم الذي قالوا: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ ﴾ .

ما وعد المؤمنين - عز وجل - [الجنة و] ما فيها من النعيم واللذات والشهوات، بقوله: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ  ﴾ : هذا الذي وعد للمؤمنين، ووعد الكفار النار، وما فيها من الشدائد وأنواع العذاب، فأقروا أنهم قد وجدوا ما وعدهم ربهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً ﴾ : إن المراد بالحق الذي ذكر: الوعد الذي وعدهم وتفسير الحق الصدق، وإن كان الموعود فتأويله: وجدتموه كائناً حاضراً، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ .

﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: وجبت لعنة الله على الظالمين الذين وعدوا في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل الملك، ويحتمل غيره، وليس يعرف ذلك إلا بالخبر، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

فإن قيل: يذكر في الآية نداء أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، ونداء بعضهم بعضاً لا يكون إلا بحيث يكون بعضهم قريباً من بعض، وقد جاء في الأخبار من وصف الجنة وسعتها ما روي أن أقل ما يكون لواحد من الجنة مثل عرض الدنيا، وما ذكر أن الحور العين لو نظرت نظرة إلى الدنيا لامتلأت الدنيا من ضوئها ونورها، وكذلك من ريحها وعطرها، وقد جاء في وصف النار أن شرارة منها لو وقعت في الدنيا لأحرقتها أو كلام نحو هذا؛ فإذا كان بعضهم من بعض بحيث يسمعون بعضهم نداء بعض، ألا يتأذى أهل الجنة بالنار، وألا ينتفع أهل النار بنعيم الجنة، وكيف يعرف ذلك؟

قيل - والله أعلم [وذلك أن الله] قادر -: أن يوقع نداء هؤلاء بمسامع أولئك ونداء أولئك بمسامع هؤلاء، مع بعد ما بينهما؛ فيسمع كل فريق نداء الفريق الآخر.

أو أن يكون الله -  - ينقض بنية هذا الخلق، وينشئهم في الآخرة على غير هذه البنية، مع ارتفاع الآفاق [والحجب فيسمع بعضهم من بعض من بعد الذي ذكر، وينظر بعضهم بعضاً لأن في الدنيا الآفات]، والحجب هي التي تمنع ذلك، فإذا ارتفع ذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

أو يقرب الجنة من النار والنار من الجنة؛ بحيث يسمع بعضهم من بعض ما ذكر من النداء.

أو يجعل ذلك في مسامعهم بما شاء وكيف شاء؛ كتسبيح الجبال وخطاب النمل وجوابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

الصد: [يكون] [منع] الغير، ويكون منع نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، قيل: دين الله.

قال الحسن: سبيل الله: دين الله الذي ارتضى لعباده، وأمرهم بذلك، وإلى ذلك دعاهم رسله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .

أي: يبغون الدين الذي فيه عوج، وهو دين الشيطان؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  ﴾ ، فالعوج هو التفرق الذي ذكر في تلك الآية، وأمكن أن يكون قوله: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ، أي: طعناً في دين الله، وقد كانوا يبغون طعناً في دين الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن تمام نعيمهم في الجنة أن نزع الله ما في قلوبهم من البغضاء والحقد، وأجرى الأنهار من تحتهم، وقالوا معترفين لله بإنعامه عليهم: الحمد لله الذي وفقنا لهذا العمل الصالح الذي أنالنا هذه المنزلة، وما كنا لنوفق إليه من تلقاء أنفسنا لولا أن الله وفقنا إليه، لقد جاءت رسل ربنا بالحق الذي لا مرية فيه والصدق في الوعد والوعيد، ونادى فيهم منادٍ: أن هذه هي الجنة التي أخبرَتْكم بها رسلي في الدنيا، أعقبكم الله إياها بما كنتم تعملون من الأعمال الصالحة، التي تريدون بها وجه الله.

من فوائد الآيات الموت التي كانت بين المكذبين في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة.

أرواح المؤمنين تفتح لها أبواب السماء حتى تَعْرُج إلى الله، وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه.

أرواح المكذبين المعرضين لا تفتح لها أبواب السماء، وإذا ماتوا وصعدت فهي تستأذن فلا يؤذن لها، فهي كما لم تصعد في الدنيا بالإيمان بالله ومعرفته ومحبته، فكذلك لا تصعد بعد الموت، فإن الجزاء من جنس العمل.

أهل الجنة نجوا من النار بعفو الله، وأدخلوا الجنة برحمة الله، واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة وهي من رحمته، بل من أعلى أنواع رحمته.

<div class="verse-tafsir" id="91.9jmy7"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل