الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٥ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) أي : فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم ، وأنهم حقيقون بهذا .
كما قال تعالى : ( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين ) [ الأنبياء : 11 - 15 ] .
وقال ابن جرير : في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم " ، حدثنا بذلك ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن أبي سنان ، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم " قال : قلت لعبد الملك : كيف يكون ذاك؟
قال : فقرأ هذه الآية : ( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) .
القول في تأويل قوله : فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها، إذ جاءهم بأسنا وسطوتُنا بياتًا أو هم قائلون, إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين، وبربهم آثمين، ولأمره ونهيه مخالفين.
(18) * * * وعنى بقوله جل ثناؤه: (دعواهم)، في هذا الموضع دعاءَهم.
* * * ولـ" الدعوى "، في كلام العرب، وجهان: أحدهما: الدعاء ، والآخر: الادعاء للحق.
ومن " الدعوى " التي معناها الدعاء، قول الله تبارك وتعالى: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ [سورة الأنبياء: 15]، ومنه قول الشاعر: (19) وَإِنْ مَـذِلَتْ رِجْـلِي دَعَـوْتُكِ أَشْـتَفِي بِدَعْــوَاكِ مِـنْ مَـذْلٍ بِهَـا فَيَهُـونُ (20) * * * وقد بينا فيما مضى قبل أن " البأس " و " البأساء " الشدة, بشواهد ذلك الدالة على صحته, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(21) * * * وفي هذه الآية الدلالةُ الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: " ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم ".
* * * وقد تأوّل ذلك كذلك بعضهم.
14323- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن أبي سنان, عن عبد الملك بن ميسرة الزرَّاد قال، قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله: ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم - قال قلت لعبد الملك: كيف يكون ذلك؟
قال: فقرأ هذه الآية: (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا)، الآية (22) .
* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين)؟
وكيف أمكنتهم الدعوى بذلك، وقد جاءهم بأس الله بالهلاك؟
أقالوا ذلك قبل الهلاك؟
فإن كانوا قالوه قبل الهلاك, فإنهم قالوا قبل مجيء البأس, والله يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم، لا قبل ذلك؟
أو قالوه بعد ما جاءهم، فتلك حالة قد هلكوا فيها, فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس الله، وحقيقة ما كانت الرسل تَعِدهم من سطوة الله؟.
(23) قيل: ليس كل الأمم كان هلاكها في لحظة ليس بين أوّله وآخره مَهَلٌ, بل كان منهم من غرق بالطوفان.
فكان بين أوّل ظهور السبب الذي علموا أنهم به هالكون، وبين آخره الذي عمَّ جميعهم هلاكُه، المدة التي لا خفاء بها على ذي عقل .
ومنهم من مُتِّع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أيامًا ثلاثة, كقوم صالح وأشباههم.
فحينئذ لما عاينوا أوائل بأس الله الذي كانت رسل الله تتوعدهم به، وأيقنوا حقيقة نـزول سطوة الله بهم, دعوا: يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ، فلم يك ينفعهم إيمانهم مع مجيء وعيد الله وحلول نقمته بساحتهم.
فحذّر ربنا جل ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله, ما حلَّ بمن كان قبلهم من الأمم إذ عصوا رُسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد.
------------------ الهوامش : (18) انظر بيان قول (( بربهم آثمين )) فيما سلف ص : 171 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(19) كثير عزة .
(20) ديوانه 2 : 245 ، في باب الزيادات ، نهاية الأرب 2 : 125 ، واللسان ( مذل ) .
(( مذلت رجله ( بفتح وسكون ) ومذلا ( بفتحتين ): خدرت ، كانوا يزعمون أن المرء إذا خدرت رجله ثم دعا باسم مَنْ أحب ، زال خدرها .
(21) انظر تفسير (( البأس )) فيما سلف ص : 299 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(22) الأثر : 14323 - (( عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 503 ، 504 ، 1326 ، مات في العشر الثاني من المئة الثانية .
لم يدرك ابن مسعود ولا غيره من الصحابة .
فإسناده منقطع .
وهذا الخبر ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 448 ، عن الطبري ولم يخرجه .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 67 ، ولم ينسبه إلى غير ابن أبي حاتم .
(( أعذر من نفسه )) ، إذا أمكن معاقبة بذنبه منها .
يعني : أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم ، فيعذروا من أنفسهم ، ويستوجبوا العقوبة ، ويكون لمن يعذبهم عذر في إلحاق العذاب بهم .
(23) في المخطوطة وصل الكلام هكذا : (( وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة الله وليس كل الأمم )) ، بالواو ، وليس فيها (( قيل )) ، وقد أحسن الناشر الأول فيما فعل ، وإن كنت أظن أن في الكلام سقطًا.
والدعوى الدعاء ; ومنه قول : وآخر دعواهم .
وحكى النحويون : اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك .
وقد تكون الدعوى بمعنى الادعاء .
والمعنى : أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين .و دعواهم في موضع نصب خبر كان ، واسمها : إلا أن قالوا .
نظيره فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ويجوز أن تكون الدعوى رفعا ، و أن قالوا نصبا ; كقوله تعالى : ( ليس البر أن تولوا ) برفع " البر " وقوله : ( ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا ) برفع " عاقبة " .
{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } كما قال تعالى: { وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ }
( فما كان دعواهم ) أي : قولهم ودعاؤهم وتضرعهم ، والدعوى تكون بمعنى الادعاء وبمعنى الدعاء ، قال سيبويه : تقول العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين أي في دعائهم ، ( إذ جاءهم بأسنا ) عذابنا ، ( إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) معناه لم يقدروا على رد العذاب ، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف .
«فما كان دعواهم» قولهم «إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين».
فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا الإقرار بالذنوب والإساءة، وأنهم حقيقون بالعذاب الذي نزل بهم.
ثم ساق لهم بعد ذلك على سبيل الإنذار والتخويف جانبا من العذاب الذى نزل بمن سبقوهم بسبب ظلمهم وعنادهم فقال - تعالى - :( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قالوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) .كم هنا خبرية بمعنى كثير .
وهى فى محل رفع على الابتداء والجملة بعدها خبرها ، و ( مِّن قَرْيَةٍ ) تمييز .والقرى تطلق على مكان اجتماع الناس .
وبأسنا : أى عذابنا وعقابنا .
وبياتا : أى ليلا ومنه البيت لأنه يبات فيه .
يقال : بات يبيت بيتا وبياتا .
وقائلون من القائلة وهى القيلولة وهى نوم نصف النهار .
وقيل : هى الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم .
ودعواهم ، أى : دعاؤهم واستغاثتهم بربهم أو قولهم .والمعنى : وكثيراً من القرى الظالمة أردنا إهلاكها ، فنزل على بعضها عذابنا فى وقت نوم أهلها بالليل كما حصل لقوم لوط ، ونزل على بعضها فى وقت استراحة أهلها بالنهار كما حصل لقوم شعيب ، فما كان منهم عندما باغتهم العذاب فى وقت اطمئنانهم وراحتهم إلى أن اعترفوا بذنوبهم وقالوا على سبيل التحسر والندم وطمعا فى الخلاص : إنا كنا ظالمين .فهاتان الآيتان الكريمتان توضحان بأجلى بيان أن هلاك الأمم سببه بغيها وفسادها وانحرافها عن الطريق المستقيم ، وتلك سنة الله التى لا تختلف فى أى زمان أو مكان .
وأن الظالمين عندما يفاجأون بالعقوبة يتحسرون ولا يستطيعون إنكار ما ارتكبوه من جرائم ومنكرات ولكن ذلك لن ينفعهم لأن ندمهم وتحسرهم قد فات وقته ، وكان الأجدر بهم أن يتوبموا من ذنوبهم عندما جاءتهم النذر ، وقبل حلول العذاب .ولذا قال ابن كثير : قال ابن جرير : فى هذه الآية الدالالة الواضحة فى صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " ما هلك قوم حتى يعذروا عن أنفسهم " .و ( أَوْ ) فى قوله : ( فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ) للتنويع ، أى أن بعضهم جاءهم عذابنا ليلا وبعضهم جاءهم نهاراً عند استراحتهم .
وإنما خص هذان الوقتان بنزول العذاب ، لأنهما وقتا غفلة ودعة واستراحة ، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأوجع .ومن العبر التى نأخذها من هاتين الآيتين أن العاقل هو الذى يحافظ على أداء الأوامر واجتناب النواهى ، ولا يأمن صفو الليالى ، ورخاء الأيام ، بل يعيش حياته وصلته بربه مبنية على الخوف والرجاء فإنه( فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون )
اعلم أنه تعالى لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإنذار والتبليغ، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: موضع كم رفع بالابتداء وخبره أهلكناها.
قال: وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب لأن قولك زيد ضربته أجود من قولك زيداً ضربته، والنصب جيد عربي أيضاً كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ ﴾ .
المسألة الثانية: قيل: في الآية محذوف والتقدير: وكم من أهل قرية ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله: ﴿ فَجَاءهَا بَأْسُنَا ﴾ والبأس لا يليق إلا بالأهل.
وثانيها: قوله: ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ فعاد الضمير إلى أهل القرية.
وثالثها: أن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بإهلاكهم.
ورابعها: أن معنى البيات والقائلة لا يصح إلا فيهم.
فإن قيل: فلماذا قال أهلكناها؟
أجابوا بأنه تعالى رد الكلام على اللفظ دون المعنى كقوله تعالى: ﴿ وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ ﴾ فرده على اللفظ.
ثم قال: ﴿ أَعَدَّ الله لَهُمْ ﴾ فرده على المعنى دون اللفظ، ولهذا السبب قال الزجاج: ولو قال فجاءهم بأسنا لكان صواباً، وقال بعضهم: لا محذوف في الآية والمراد إهلاك نفس القرية لأن في إهلاكها بهدم أو خسف أو غيرهما إهلاك من فيها، ولأن على هذا التقدير يكون قوله: ﴿ فَجَاءهَا بَأْسُنَا ﴾ محمولاً على ظاهره ولا حاجة فيه إلى التأويل.
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: قوله: ﴿ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا ﴾ يقتضي أن يكون الإهلاك متقدماً على مجيء البأس وليس الأمر كذلك، فإنّ مجيء البأس مقدم على الإهلاك والعلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه: الأول: المراد بقوله: ﴿ أهلكناها ﴾ أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا.
وثانيها: كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فغسلوا وجوهكم ﴾ .
وثالثها: أنه لو قال وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا لم يكن السؤال وارداً فكذا هاهنا لأنه تعالى عبر عن ذلك الإهلاك بلفظ البأس.
فإن قالوا: السؤال باق، لأن الفاء في قوله: ﴿ فَجَاءهَا بَأْسُنَا ﴾ فاء التعقيب، وهو يوجب المغايرة.
فنقول: الفاء قد تجيء بمعنى التفسير كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه» فالفاء في قوله فيغسل للتفسير، لأن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه.
فكذلك هاهنا البأس جار مجرى التفسير، لذلك الإهلاك، لأن الإهلاك، قد يكون بالموت المعتاد، وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم، فكان ذكر البأس تفسيراً لذلك الإهلاك.
الرابع: قال الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت، وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله، وإنما وقعا معاً فكذا هاهنا، وقوله: ﴿ بَيَاتًا ﴾ قال الفراء يقال: بات الرجل يبيت بيتاً، وربما قالوا بياتاً قالوا: وسمي البيت لأنه يبات فيه.
قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ بَيَاتًا ﴾ مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين وقوله: ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: أنه حال معطوفة على قوله: ﴿ بَيَاتًا ﴾ كأنه قيل: فجاءها بأسنا بائتين أو قائلين.
قال الفراء: وفيه واو مضمرة، والمعنى: أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو وهم قائلون، إلا أنهم استثقلوا الجمع بين حرفي العطف، ولو قيل: كان صواباً، وقال الزجاج: أنه ليس بصواب لأن واو الحال قريبة من واو العطف، فالجمع بينهما يوجب الجمع بين المثلين وأنه لا يجوز، ولو قلت: جاءني زيد راجلاً وهو فارس لم يحتج فيه إلى واو العطف.
البحث الثاني: كلمة أو دخلت هاهنا بمعنى أنهم جاءهم بأسنا مرة ليلاً ومرة نهاراً، وفي القيلولة قولان: قال الليث: القيلولة نومة نصف النهار.
وقال الأزهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، والدليل عليه: أن الجنة لا نوم فيها والله تعالى يقول: ﴿ أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ ومعنى الآية أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلاً وهم نائمون، أو نهاراً وهم قائلون، والمقصود: أنهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم أمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب، فكأنه قيل: للكفار لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ، فإن عذاب الله إذا وقع، وقع دفعة من غير سبق أمارة فلا تغتروا بأحوالكم.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ ﴾ قال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الادعاء، ومقام الدعاء.
حكى سيبويه: اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين، ودعوى المسلمين.
قال ابن عباس: فما كان تضرعهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فأقروا على أنفسهم بالشرك.
قال ابن الأنباري: فما كان قولهم إذ جاءهم بأسنا إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإساءة وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ الاختيار عند النحويين أن يكون موضع أن رفعاً بكان ويكون قوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ نصباً كقوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ وقوله: ﴿ فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِي النار ﴾ وقوله: ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن ﴾ قال ويجوز أن يكون أيضاً على الضد من هذا بأن يكون الدعوى رفعاً، و ﴿ أن قالوا ﴾ نصباً كقوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ ﴾ على قراءة من رفع البر، والأصل في هذا الباب أنه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فأنت بالخيار في رفع أيهما شئت، وفي نصب الآخر كقولك كان زيد أخاك وإن شئت كان زيداً أخوك.
قال الزجاج: إلا أن الاختيار إذا جعلنا قوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ في موضع رفع أن يقول: ﴿ فَمَا كَانْ دَعْوَاهُمْ ﴾ فلما قال: كان دل على أن الدعوى في موضع نصب، ويمكن أن يجاب عنه بأنه يجوز تذكير الدعوى، وإن كانت رفعاً فتقول: كان دعواه باطلاً، وباطلة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ ﴾ ما كانوا يدعونه من دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلاّ اعترافهم ببطلانه وفساده.
وقولهم: ﴿ إِنَّا كُنَّا ظالمين ﴾ فيما كنا عليه.
ويجوز: فما كان استغاثتهم إلاّ قولهم هذا، لأنه لا مستغاث من الله بغيره، ومن قولهم دعواهم: يا لكعب.
ويجوز، فما كان دعواهم ربهم إلاّ اعترافهم لعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم، وأن لات حين دعاء، فلا يزيدون على ذمّ أنفسهم وتحسرهم على ما كان منهم، و ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ نصب خبر لكان، و ﴿ أَن قَالُواْ ﴾ رفع اسم له، ويجوز العكس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ كَثِيرًا مِنَ القُرى.
﴿ أهْلَكْناها ﴾ أرَدْنا إهْلاكَ أهْلِها، أوْ أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ.
﴿ فَجاءَها ﴾ فَجاءَ أهْلُها.
﴿ بَأْسُنا ﴾ عَذابُنا.
﴿ بَياتًا ﴾ بائِتِينَ كَقَوْمِ لُوطٍ، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ.
﴿ أوْ هم قائِلُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْ: قائِلِينَ نِصْفَ النَّهارِ كَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وإنَّما حُذِفَتْ واوُ الحالِ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعٍ حَرْفَيْ عَطْفٍ، فَإنَّها واوُ عَطْفٍ اسْتُعِيرَتْ لِلْوَصْلِ لا اكْتِفاءً بِالضَّمِيرِ فَإنَّهُ غَيْرُ فَصِيحٍ.
وفي التَّعْبِيرَيْنِ مُبالَغَةٌ في غَفْلَتِهِمْ وأمْنِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولِذَلِكَ خَصَّ الوَقْتَيْنِ ولِأنَّهُما وقْتُ دَعَةٍ واسْتِراحَةٍ فَيَكُونُ مَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أفْظَعَ.
﴿ فَما كانَ دَعْواهُمْ ﴾ أيْ دُعاؤُهم واسْتِغاثَتُهم، أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ مِن دِينِهِمْ.
﴿ إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ إلّا اعْتِرافُهم بِظُلْمِهِمْ فِيما كانُوا عَلَيْهِ وبُطْلانِهِ تَحَسُّرًا عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)
{فما كان دعواهم} دعاؤهم وتضرعهم
الأعراف (١٢ - ٥)
{إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا} لما جاءهم أوائل العذاب {إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين} اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك ودعواهم اسم كان وان قالوا الخبر ويجوز العكس
﴿ فَما كانَ دَعْواهُمْ ﴾ أيْ دُعاؤُهم واسْتِغاثَتُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآخِرُ دَعْواهُمْ ﴾ وقَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ فِيما حَكاهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ أوِ ادِّعاءَهم كَما هو المَشْهُورُ في مَعْنى الدَّعْوى ﴿ إذْ جاءَهم بَأْسُنا ﴾ عَذابُنا وشاهَدُوا أماراتِهِ ﴿ إلا أنْ قالُوا ﴾ جَمِيعًا ﴿ إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ (5) أيْ إلّا اعْتِرافُهم بِظُلْمِهِمْ فِيما كانُوا عَلَيْهِ وشَهادَتُهم بِبُطْلانِهِ تَحَسُّرًا أوْ نَدامَةً وطَمَعًا في الخَلاصِ وهَيْهاتَ ولا حِينَ نَجاةٍ وفي جَعْلِ هَذا الِاعْتِرافِ عَيْنَ ذَلِكَ مُبالَغَةً عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ و ﴿ دَعْواهُمْ ﴾ يَجُوزُ فِيهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ والخَبَرُ ﴿ إلا أنْ قالُوا ﴾ وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ و ﴿ إلا أنْ قالُوا ﴾ الِاسْمَ ورَجَّحَ الثّانِي بِأنَّ جَعْلَ الأعْرَفِ اسْمًا هو المَعْرُوفُ في كَلامِهِمْ والمَصْدَرُ هُنا يُشْبِهُ المُضْمَرَ لِأنَّهُ يُوصَفُ وهو أعْرَفُ مِنَ المُضافِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الِاسْمَ والخَبَرَ إذا كانا مَعْرِفَتَيْنِ وإعْرابُهُما غَيْرَ ظاهِرٍ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ والقَرِينَةُ هُنا كَوْنُ الثّانِي أعْرَفَ وتَرْكُ التَّأْنِيثِ وأيْضًا ذاكَ إذا لَمْ يَكُنْ حَصْرٌ فَإنْ كانَ يُلاحَظُ ما يَقْتَضِيهِ ورَجَّحَ في الكَشْفِ الثّانِيَ بِأنَّهُ الوَجْهُ المُطابِقُ لِنَظائِرِهِ في القُرْآنِ.
والمَعْنى عَلَيْهِ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِأنَّ الفَرْضَ أنَّ قَوْلًا آخَرَ لَمْ يَقَعْ هَذا المَوْقِعَ فالمَقْصُودُ الحُكْمُ عَلى القَوْلِ المَخْصُوصِ بِأنَّهُ هو الدُّعاءُ وزِيدَ تَأْكِيدًا بِإدْخالِ أداةِ القَصْرِ ولَيْسَ مِنَ التَّقْدِيمِ في شَيْءٍ لِأنَّ حَقَّ المَقْصُورِ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ أبَدًا فَتَأمَّلْ وتَذَكَّرْ <div class="verse-tafsir"
وهي مائتان وست آيات مكية قوله تعالى: المص قال ابن عباس يعني: أنا الله أعلم وأفصل معناه: أعلم بأمور الخلق وأفصل الأحكام والأمور والمقادير، وليس لي شريك في تدبير الخلق: ويقال: معناه أنا الله المصور.
ويقال: أنا الله الناصر.
ويقال: أنا الله الصادق.
وروى معمر بن قتادة قال: إنه اسم من أسماء القرآن ويقال هو قسم كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: أن هذا الكتاب أُنزل إليك يا محمد فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي: فلا يقعن في قلبك شك منه من القرآن أنه من الله عز وجل.
فالخطاب للنبي والمراد به غيره.
كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] .
ويقال: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي فلا يضيقنّ صدرك بتكذيبهم إياك.
كقوله عز وجل: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 30] والحرج في اللغة هو الضيق.
ثم قال: لِتُنْذِرَ بِهِ على معنى التقديم يعني: كتاب أنزلناه إليك لتنذر به أي لتخوف بالقرآن أهل مكة وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي.
وعظة للمؤمنين الذين يتبعونك.
ثم قال: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي صدقوا، واعملُوا بما أنزل على نبيكم محمد من القرآن ويقرءوه عليكم وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي: ولا تتّخذوا من دون الله أرباباً، ولا تعبدوا غيره.
ثم أخبر عنهم فقال: قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ما: صلة في الكلام ومعناه: قليلاً تتعظون.
يعني: إنهم لا يتعظون به شَيْئاً.
قرأ ابن عامر يَتَذَكَّرُونَ على لفظ المغايبة بالياء.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة بتشديد الذال والكاف لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تذكرون بتخفيف الذال، فأسقط التشديد للتخفيف.
ثم خوفهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها معناه: وكم من أهل قرية وعظناهم فلم يتعظوا فأهلكناهم فَجاءَها بَأْسُنا أي جاءها عذابنا بعد التكذيب بَياتاً أي ليلاً.
سمي الليل بياتاً لأنه يبات فيه أَوْ هُمْ قائِلُونَ عند القيلولة.
فإن لم تتّعظوا أنتم يأتيكم العذاب ليلاً أو نهاراً كما أتاهم.
ثم أخبر عن حال من أتاهم العذاب فقال: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا أي لم يكن قولهم حين جاءهم العذاب ولم تكن لهم حيلة إلا أنهم تضرعوا قَالُواْ: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي ظلمنا أنفسنا بترك طاعة ربنا من التوحيد يعني: إن قولهم بعد ما جاءهم العذاب يعني: الهلاك لم ينفعهم فاعتبروا بهم.
فإنكم إذا جاءكم العذاب لا ينفعكم التضرع.
ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني: الأمم لنسألنهم هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم وماذا أجبتم الرسل؟
وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عن تبليغ الرسالة.
وهذا كقوله عز وجل: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب: 8] ثم قال تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فلنخبرنّهم بما عملوا في الدنيا ببيان وعلم منا وَما كُنَّا غائِبِينَ عَمّا بلغت الرسل وعما ردَّ عليهم قومهم.
ومعناه: وما كنا نسألهم لنعلم ذلك ولكن نسألهم حجةً عليهم.
قوله: <div class="verse-tafsir"
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
وقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ قالت فرقة: المراد وكم من أَهْلِ قرية.
وقالت فرقة: اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم العُقُوبَةِ، و «الفاء» في قوله سُبْحَانَهُ: فَجاءَها بَأْسُنا لترتيب القَوْلِ فقط.
وقيل: المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ وبَياتاً، نصب على المصدر في موضع الحال، وقائِلُونَ من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ «١» والسكون لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ.
قال أبو «٢» حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نهارا «٣» انتهى.
وقوله عز وجل: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى «٤» في كلام العَرَبِ تأتي لمعنين:
أحدهما: الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ [الأنبياء: ١٥] .
والثاني: الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار «٥» ، والاعتراف، أي: هذا كان بدل الدعاء،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما كانَ دَعْواهُمْ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الدَّعْوى هاهُنا بِمَعْنى الدُّعاءِ والقَوْلِ.
والمَعْنى: ما كانَ قَوْلُهم وتَداعِيهم إذْ جاءَهُمُ العَذابُ إلّا الِاعْتِرافَ بِالظُّلْمِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِلدَّعْوى في الكَلامِ مَوْضِعانِ.
أحَدُهُما: الِادِّعاءُ.
والثّانِي: القَوْلُ والدُّعاءُ.
قالَ الشّاعِرُ: ؎ إذا مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكَ أشْتَفِي بِدَعْواكَ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أو هم قائِلُونَ ﴾ ﴿ فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ ﴾ "وَكَمْ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ "أهْلَكْناها"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَجاءَها"؛ و"أهْلَكْناها"؛ صِفَةٌ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها"؛ وقُدِّرَ الفِعْلُ بَعْدَها - وهي خَبَرِيَّةٌ - تَشْبِيهًا لَها بِالِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ في أنَّ لَها - في كُلِّ حالٍ - صَدْرَ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ: "وَكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ"؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما عَبَّرَ تَعالى بِالقَرْيَةِ لِأنَّها أعْظَمُ في العُقُوبَةِ إذا أهْلَكَ البَشَرَ وقَرْيَتَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "أو هُمْ"؛ ﴾ أنَّ البَشَرَ داخِلُونَ في الهَلاكِ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - تَتَضَمَّنُ هَلاكَ القَرْيَةِ؛ وأهْلَها جَمِيعًا؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَتَضَمَّنُ هَلاكَ الأهْلِ.
والمُرادُ بِالآيَةِ التَكْثِيرُ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناهم فَجاءَهم بَأْسُنا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَجاءَها"؛ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ المَجِيءَ بَعْدَ الإهْلاكِ؛ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُعْدَلَ عن ظاهِرِ هَذا التَعْقِيبِ؛ فَقِيلَ: اَلْفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَنزِلَةِ الواوِ؛ ولا تُعْطى رُتْبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ: وقِيلَ: عَبَّرَ عن إرادَةِ الإهْلاكِ بِالإهْلاكِ؛ قالَ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ": مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن قالَ: اَلْفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَعْقِيبِ القَوْلِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ؛ وقِلَّةِ التَوْفِيقِ؛ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ - وحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ؛ ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ؛ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالَ أيُّهُما قُدِّمَ في الرُتْبَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ؛ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها؛ ثُمَّ قالَ: "فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ".
و"بَياتًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"قائِلُونَ"؛ مِن "اَلْقائِلَةُ"؛ وإنَّما خَصَّ وقْتَيِ الدَعَةِ؛ والسُكُونِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ العَذابِ فِيهِما أفْظَعُ؛ وأهْوَلُ؛ لِما فِيهِما مِنَ البَغْتِ؛ والفَجْأةِ؛ و"أو"؛ في هَذا المَوْضِعِ كَما تَقُولُ: "اَلنّاسُ في فُلانٍ صِنْفانِ؛ حامِدٌ أو ذامٌّ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "جاءَهم بَأْسُنا فِرْقَتَيْنِ؛ بائِتِينَ؛ أو قائِلِينَ"؛ وهَذا هو الَّذِي يُسَمّى اللَفُّ؛ وهو إجْمالٌ في اللَفْظِ يُفَرِّقُهُ ذِهْنُ المُخاطَبِ دُونَ كُلْفَةٍ؛ و"اَلْبَأْسُ": اَلْعَذابُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ: "أو وهم قائِلُونَ"؛ فَكُرِهَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ العَطْفِ؛ فَحُذِفَتِ الواوُ؛ وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى اللَفِّ باقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما كانَ دَعْواهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ البَيانِ أنَّ المُرادَ في الآيَةِ قَبْلَها أهْلُ القُرى؛ والدَعْوى في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: اَلدُّعاءُ؛ قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ: "اَللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أشْتَفِي ∗∗∗ بِدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ والثانِي: اَلِادِّعاءُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلِادِّعاءُ"؛ لِأنَّ مَن نالَهُ مَكْرُوهٌ؛ أو حَزَبَهُ حادِثٌ؛ فَمِن شَأْنِهِ أنْ يَدْعُوَ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في فِعْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ ومِن شَأْنِهِ أيْضًا أنْ يَدَّعِيَ مَعاذِيرَ؛ وأشْياءَ؛ تُحَسِّنُ حالَهُ؛ وتُقِيمُ حُجَّتَهُ في زَعْمِهِ؛ فَيُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ بِحالِ مَن يَدَّعِي مَعاذِيرَ؛ ونَحْوَها؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمْ تَكُنْ لَهم دَعْوى؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لَمْ يَكُنْ دُعاءٌ - أوِ ادِّعاءٌ - إلّا الإقْرارُ؛ والِاعْتِرافُ"؛ أيْ: هَذا كانَ بَدَلَ الدُعاءِ؛ أو الِادِّعاءِ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَما آلَتْ دَعْواهُمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلّا إلى اعْتِرافٍ"؛ ونَحْوٌ مِنَ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ واعْتِرافُهم وقَوْلُهُمْ: إنّا كُنّا ظالِمِينَ؛ هو في المُدَّةِ بَيْنَ ظُهُورِ العَذابِ؛ إلى إتْيانِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ مُهْلَةٌ؛ بِحَسَبِ نَوْعِ العَذابِ؛ تَتَّسِعُ لِهَذِهِ المَقالَةِ؛ وغَيْرِها؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ قالَ: « "ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ"؛» وفَسَّرَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ هَذا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ و"دَعْواهُمْ"؛ خَبَرُ "كانَ"؛ واسْمُها "إلّا أنْ قالُوا"؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِ العالَمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يَسْألُ الأُمَمَ أجْمَعَ عَمّا بُلِّغَ إلَيْهِمْ عنهُ تَعالى ؛ وعن جَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ ويَسْألُ النَبِيِّينَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - عَمّا بَلَّغُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ نُفِيَ السُؤالُ في آياتٍ؛ وذَلِكَ هو سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ؛ وقَدْ أُثْبِتَ في آياتٍ كَهَذِهِ الآيَةِ؛ وهَذا هو سُؤالُ التَقْرِيرِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ السُؤالِ؛ فَأمّا الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ والمُؤْمِنُونَ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم رَحْمَةً؛ وكَرامَةً؛ وأمّا الكُفّارُ؛ ومَن نُفِّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم عَذابًا وتَوْبِيخًا؛ فَمَن أنْكَرَ مِنهم قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِعِلْمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْنَسْألَنَّ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلُنا ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَلَنَقُصَّنَّ"؛ ﴾ أيْ: "فَلَنَسْرِدَنَّ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ؛ قِصَّةً قِصَّةً"؛ و"بِعِلْمٍ"؛ أيْ: بِحَقِيقَةٍ ويَقِينٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُوضَعُ الكِتابُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا اسْتِعارَةً؛ إذْ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مُقَيَّدٌ.
﴿ "وَما كُنّا غائِبِينَ"؛ ﴾ أيْ: "ما كُنّا مَن لا يَعْلَمُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِمْ"؛ كالغائِبِ عَنِ الشَيْءِ؛ الَّذِي لا يَعْرِفُ لَهُ حالًا.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ ولا تتّبعوا ﴾ [الأعراف: 3] وهذا الخبر مستعمل في التّهديد للمشركين الذين وجه إليهم التّعريض في الآية الأولى والذين قصدوا من العموم.
وقد ثلث هنا بتمحيض التّوجيه إليهم.
وإنّما خُصّ بالذّكر إهلاك القرى، دون ذكر الأمم كما في قوله: ﴿ فأمّا ثمود فأهلكوا بالطّاغية وأمّا عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ﴾ [الحاقة: 5، 6]، لأنّ المواجهين بالتّعريض هم أهل مكّة وهي أمّ القرى، فناسب أن يكون تهديد أهلها بما أصاب القرى وأهلها ولأنّ تعليق فعل ﴿ أهلكنا ﴾ بالقرية دون أهلها لقصد الإحاطة والشّمول، فهو مغن عن أدوات الشّمول، فالسّامع يعلم أنّ المراد من القرية أهلها لأنّ العبرة والموعظة إنّما هي بما حصل لأهل القرية، ونظيرها قوله تعالى: ﴿ واسأل القرية التي كنا فيها ﴾ [يوسف: 82] ونظيرهما معاً قوله: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون ﴾ [الأنبياء: 6]، فكلّ هذا من الإيجاز البديع، والمعنى على تقدير المضاف، وهو تقدير معنى.
وأجرى الضّميران في قوله: ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ على الإفراد والتّأنيث مراعاة للفظ قرية، ليحصل التماثل بين لفظ المعاد ولفظ ضميره في كلام متّصللِ القرب، ثمّ أجريت ضمائر القرية على صيغة الجمع في الجملة المفرعة عن الأولى في قوله: ﴿ أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم ﴾ إلخ لحصول الفصل بين الضّمير ولفظ معاده بجملة فيها ضمير معاده غير لفظ القرية، وهو ﴿ بأسنا بياتاً ﴾ لأنّ (بياتاً) متحمّل لضمير البأس، أي مبيِّتاً لهم، وانتقل منه إلى ضمير القرية باعتبار أهلها فقال: ﴿ أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم ﴾ .
و(كم) اسم حال على عدد كثير وهو هنا خبر عن الكثرة وتقدّم في أوّل سورة الأنعام.
والإهلاك: الإفناء والاستئصال.
وفعل ﴿ أهلكناها ﴾ يجوز أن يكون مستعملاً في معنى الإرادة بحصول مدلوله ويجوز أن يكون مستعملاً في ظاهر معناه.
والفاء في قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ عاطفة جملة: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ على جملة: ﴿ أهلكناها ﴾ ، وأصل العاطفة أن تفيد ترتيب حصول معطوفها بعد حصول المعطوف عليه، ولما كان مجيء البأس حاصلاً مع حصول الإهلاك أو قبلَه، إذ هو سبب الإهلاك، عسر على جمع من المسفّرين معنى موقع الفاء هنا، حتّى قال الفرّاء إنّ الفاء لا تفيد التّرتيب مطلقاً، وعنه أيضاً إذا كان معنى الفعلين واحداً أو كالواحد قدّمت أيّهما شئت مثل شتمني فأساء وأساء فشتمني.
وعن بعضهم أنّ الكلام جرى على طريقة القلب، والأصل: جاءها بأسنا فأهلكناها، وهو قلب خلي عن النّكتة فهو مردود، والذي فسّر به الجمهور: أنّ فعل (أهلكناها) مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشّيطان الرّجيم ﴾ [النحل: 98] وقوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6] الآية أي فإذا أردت القراءة، وإذا أردتم القيام إلى الصّلاة، واستعمال الفعل في معنى إرادة وقوع معناه من المجاز المرسل عند السكاكي قال: ومن أمثلة المجاز قوله تعالى: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ﴾ [النحل: 98] استعمل ﴿ قرأت ﴾ مكان أردت القراءة لكون القراءة مسبّبة عن إرادتها استعمالاً مجازياً بقرينة الفاء في ﴿ فاستعذ بالله ﴾ ، وقولُه: ﴿ وكم من قرية أهلكناها ﴾ في موضع أردنا إهلاكها بقرينة ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ والبأس الإهلاك.
والتّعبير عن إرادة الفعل بذكر الصّيغة التي تدلّ على وقوع الفعل يكون لإفادة عزم الفاعل على الفعل، عزماً لا يتأخّر عنه العمل، بحيث يستعار اللّفظ الدّال على حصول المراد، للإرادة لتشابههما، وإمّا الإتيان بحرف التّعقيب بعد ذلك فللدّلالة على عدم التّريّث، فدلّ الكلام كلّه: على أنّه تعالى يريد فيخلق أسباب الفعل المراد فيحصل الفعل، كلّ ذلك يحصل كالأشياء المتقارنة، وقد استفيد هذا التّقارن بالتّعبير عن الإرادة بصيغة تقتضي وقوع الفعل، والتّعبير عن حصول السّبب بحرف التّعقيب، والغرض من ذلك تهديد السّامعين المعاندين وتحذيرهم من أن يحلّ غضب الله عليهم فيريد إهلاكهم، فضيَّقَ عليهم المهلّة لئلا يتباطأوا في تدارك أمرهم والتّعجيل بالتّوبة.
والذي عليه المحققون أنّ التّرتيب في فاء العطف قد يكون التّرتيبَ الذكريّ، أي ترتيب الإخبار بشيء عن الإخبار بالمعطوف عليه.
ففي الآية أخبر عن كيفيّة إهلاكهم بعد الخبر بالإهلاك، وهذا التّرتيب هو في الغالب تفصيل بعد إجمال، فيكون من عطف المفصّل على المجمل، وبذلك سمّاه ابن مالك في «التّسهيل»، ومثَّل له بقوله تعالى: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً عُرباً ﴾ [الواقعة: 35، 37] الآية.
ومنه قوله تعالى: ﴿ ادخلوا أبواب جهنّم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ﴾ [الزمر: 72] أو قوله ﴿ فأزلهما الشّيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ﴾ [البقرة: 36] لأنّ الإزلال عن الجنّة فُصل بأنّه الإخراج، وقوله تعالى: ﴿ كذّبت قبلهم قوم نوح فكذّبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ﴾ [القمر: 54] وهذا من أساليب الإطناب وقَد يغفل عنه.
والبأس ما يحصل به الألم، وأكثر إطلاقه على شدّة الحساب ولذلك سمّيت الحرب البأساء، وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ والصّابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس ﴾ في سورة البقرة (177)، والمراد به هنا عذاب الدّنيا.
واستعير المجيء لحدوث الشّيء وحصوله بعد أن لم يكن تشبيهاً لحُلول الشّيء بوصول القادم من مكان إلى مكان بتنقُّل خطواته، وقد تقدّم نظير هذا في قوله تعالى: فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا في سورة الأنعام (43).
والبيات مصدر بَات، وهو هنا منصوب على الحال من البأس، أي جاءهم البأس مبَيِّتا لهم، أي جاءهم ليلاً، ويطلق البيات على ضرب من الغارة تقع ليلاً، فإذا كان المراد من البأس الاستعارة لشدّة الحرب كما المراد من البيات حالة من حال الحرب، هي أشدّ على المغزوّ، فكان ترشيحاً للاستعارة التّمثيليّة، ويجوز أن يكون بياتاً} منصوباً على النّيابة عن ظرف الزّمان أي في وقت البيات.
وجملة ﴿ هم قائلون ﴾ حال أيضاً لعطفها على ﴿ بياتاً ﴾ بأو، وقد كفى هذا الحرفُ العاطف عن ربط جملة الحال بواو الحال، ولولا العطف لكان تجرد مثل هذه الجملة عن الواو غير حسَن، كما قال في «الكشاف»، وهو متابع لعبد القاهر.
وأقول: إنّ جملة الحال، إذا كانت جملة اسميّة، فإمّا أن تكون منحلّة إلى مفردين: أحدهما وصف صاحب الحال، فهذه تَجَرّدُها عن الواو قبيح، كما صرّح به عبد القاهر وحقّقه التفتزاني في «المطوّل»، لأنّ فصيح الكلام أن يجاء بالحال مفردة إذ لا داعي للجملة، نحو جاءني زيد هو فارس، إذ يغني أن تقول: فارساً.
وأمّا إذا كانت الجملة اسميّة فيها زيادة على وصف صاحب الحال، وفيها ضمير صاحب الحال، فخلوها عن الواو حسن نحو قوله تعالى: ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض عدوّ ﴾ [طه: 123] فإنّ هذه حالة لكلا الفريقين، وهذا التّحقيق هو الذي يظهر به الفرق بين قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدوّ ﴾ [طه: 123] وقولهم، في المثال: جاءني زيد هو فارس، وهو خير ممّا أجاب به الطيبي وما ساقه من عبارة «المفتاح» وعبارة ابن الحاجب فتأمّله.
وعُلّل حذف واو الحال بدفع استثقال توالي حرفين من نوع واحد.
و (أو) لِتقسيم القُرى المهلَكة: إلى مهلكة في اللّيل، ومهلّكة في النّهار، والمقصود من هذا التّقسيم تهديد أهل مكّة حتّى يكونوا على وجل في كلّ وقت لا يدرون متى يحلّ بهم العذاب، بحيث لا يأمنون في وقت مَّا.
ومعنى: ﴿ قائلون ﴾ كائنون في وقت القيلولة، وهي القائلة، وهي اسم للوقت المبتدئ من نصف النّهار المنتهي بالعصر، وفعله: قال يقيل فهو قائل، والمقيل الرّاحة في ذلك الوقت، ويطلق المقيل على القائلة أيضاً.
وخصّ هذان الوقتان من بين أوقات اللّيل والنّهار: لأنّهما اللّذان يطلب فيهما النّاس الرّاحة والدعة، فوقوع العذاب فيهما أشدّ على النّاس، ولأنّ التّذكير بالعذاب فيهما ينغص على المكذّبين تخيَّل نعيمَ الوقتين.
والمعنى: وكم من أهللِ قرية مشركين أهلكناهم جزاء على شركهم، فكونوا يا معشر أهل مكّة على حذر أن نصيبكم مثل ما أصابهم فإنّكم وإياهم سواء.
وقوله: ﴿ فما كان دعواهم ﴾ يصحّ أن تكون الفاء فيه للترتيب الذّكري تبعاً للفاء في قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ لأنّه من بقيّة المذكور، ويصحّ أن يكون للتّرتيب المعنوي لأنّ دعواهم ترتّبت على مجيء البأس.
والدعوى اسم بمعنى الدّعاء كقوله: [يونس: 10] وهو كثير في القرآن، والدّعاء هنا لرفع العذاب أي الاستغاثة عند حلول البأس وظهور أسباب العذاب، وذلك أنّ شأن النّاس إذا حلّ بهم العذاب أن يجأروا إلى الله بالاستغاثة، ومعنى الحصر أنّهم لم يستغيثوا الله ولا توجّهوا إليه بالدّعاء ولكنّهم وضعوا الاعتراف بالظّلم موضع الاستغاثة فلذلك استثناه الله من الدّعوى.
ويجوز أن تكون الدّعوى بمعنى الادّعاء أي: انقطعت كلّ الدّعاوي التي كانوا يدعونها من تحقيق تعدّد الآلهة وأنّ دينهم حقّ، فلم تبق لهم دعوى، بل اعترفوا بأنّهم مبطلون، فيكون الاستثناء منقطعاً لأنّ اعترافهم ليس بدعوى.
واقتصارهم على قولهم: ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ إمَّا لأنّ ذلك القول مقدّمة التّوبة لأنّ التّوبة يتقدّمها الاعتراف بالذّنب، فهم اعترفوا على نيّة أن ينتقلوا من الاعتراف إلى طلب العفو، فعوجلوا بالعذاب، فكان اعترافهم آخر قولهم في الدّنيا مقدّمة لشهادةِ ألسنتهم عليهم في الحشر، وإمّا لأنّ الله أجرى ذلك على ألسنتهم وصرفهم عن الدّعاء إلى الله ليحرمهم موجبات تخفيف العذاب.
وأيّاً ما كان فإنّ جريان هذا القول على ألسنتهم كان نتيجة تفكّرهم في ظلمهم في مدّة سلامتهم، ولكنّ العنادَ والكبرياء يصدّانهم عن الإقلاع عنه، ومن شأن مَن تصيبه شدّة أن يَجري على لسانه كلام، فمن اعتاد قول الخير نطق به، ومن اعتاد ضدّه جرى على لسانه كلام التّسخّط ومُنكر القول، فلذلك جرى على لسانهم ما كثر جولانه في أفكارهم.
والمراد بقولهم: ﴿ كنا ظالمين ﴾ أنّهم ظلموا أنفسهم بالعناد، وتكذيب الرّسل، والإعراض عن الآيات، وصم الأذان عن الوعيد والوعظ، وذلك يجمعه الإشراكُ بالله، قال تعالى: ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13]، وذلك موضع الاعتبار للمخاطبين بقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ [الأعراف: 3] أي أنّ الله لم يظلمهم، وهو يحتمل أنّهم عَلموا ذلك بمشاهدة العذاب وإلهامِهم أنّ مثل ذلك العذاب لا ينزل إلاّ بالظّالمين، أو بوجدانهم إياه على الصّفة الموعود بها على ألْسنة رسلهم، فيكون الكلام إقراراً محضاً أقرّوا به في أنفسهم، فصيغة الخبرِ مستعملة في إنشاء الإقرار، ويحتمل أنّهم كانوا يعلمون أنّهم ظالمُون، من قبل نزول العذاب، وكانوا مصرين عليه ومكابرين، فلمّا رأوا العذاب ندموا وأنصفوا من أنفسهم، فيكون الكلام، إقراراً مشوباً بحسرة وندامة، فالخبر مستعمل في معناه المجازي الصّريح ومعناه الكنائي، والمعنى المجازي يجتمع مع الكناية باعتبار كونه مجازاً صريحاً.
وهذا القول يقولونه لغير مخاطَب معيَّن، كشأن الكلام الذي يجري على اللّسان عند الشّدائد، مثل الويل والثّبور، فيكون الكلام مستعملاً في معناه المجازي، أو يقوله بعضهم لبعض، بينهم، على معنى التّوبيخ، والتّوقيف على الخطأ، وإنشاء النّدامة، فيكون مستعملاً في المعنى المجازي الصّريح، والمعنى الكنائي، على نحو ما قرّرتُه آنفاً.
والتّوكيد بإنّ لتحقيق للنّفس أو للمخاطبين على الوجهين المتقدّمين أو يكون قولهم ذلك في أنفسهم، أو بين جماعتهم، جارياً مجرى التّعليل لنزول البأس بهم والاعتراف بأنّهم جديرون به، ولذلك أطلقوا على الشّرك حينئذ الاسم المشعر بمذمّته الذي لم يكونوا يطلقونه على دينهم من قبل.
واسم كان هو: ﴿ أن قالوا ﴾ المفرغ له عمل كان، و ﴿ دعواهم ﴾ خبر (كان) مقدّم، لقرينة عدم اتّصال كان بتاء التّأنيث، ولو كان: (دعوى) هو اسمها لكان اتّصالها بتاء التّأنيث أحسن، وللجري على نظائره في القرآن وكلام العرب في كلّ موضع جاء فيه المصدر المؤول من أنْ والفعل محصوراً بعد كان، نحو قوله تعالى: ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ﴾ [الأعراف: 82] ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ [آل عمران: 147] وغير ذلك، وهو استعمال ملتزم، غريب، مطّرد في كلّ ما وقع فيه جزء الإسناد ذاتين أريد حصر تحقّق أحدهما في تحقّق الآخر لأنّهما لمَّا اتّحدا في الماصْدق، واستويا في التّعريف كان المحصور أولى باعتبار التّقدّم الرّتبي، ويتعيّن تأخيره في اللّفظ، لأنّ المحصور لا يكون إلاّ في آخر الجزأين، ألا ترى إلى لزوم تأخير المبتدأ المحصورِ.
واعلم أن كون أحد الجزأين محصوراً دون الآخر في مثل هذا، ممّا الجزآن فيه متحدَا الماصْدق، إنّما هو منوط باعتبار المتكلّم أحدهما هو الأصلَ والآخر الفرع، ففي مثل هذه الآية اعتبر قولهم هو المترقّب من السّامع للقصّة ابتداء، واعتبر الدّعاء هو المترقّب ثانياً، كأنّ السّامع يسأل: ماذا قالوا لمَّا جاءهم البأس، فقيل له: كان قولهم: ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ دعاءَهم، فأفيد القول وزيد بأنّهم فرّطوا في الدّعاء، وهذه نكتة دقيقة تنفعك في نظائر هذه الآية، مثل قوله: ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم ﴾ [الأعراف: 82]، على أنّه قد قيل: إنّه لاطِّراد هذا الاعتبار مع المصدر المؤول من (أن) والفعل عِلَّة لفْظيّة: وهي كون المصدر المؤول يشبه الضّمير في أنّه لا يوصف، فكان أعرف من غيره، فلذلك كان حقيقاً بأن يكون هو الاسم، لأنّ الأصل أنّ الاعرف من الجُزأين وهو الذي يكون مسنداً إليه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ﴾ الآيَةَ، هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ حالِ مَن أهْلَكَهُ بِكُفْرٍ تَحْذِيرًا لِلْمُخاطَبِينَ بِهِ عَنْ مِثْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَكَمْ ﴾ هي كَلِمَةٌ تُوضَعُ لِلتَّكْثِيرِ، (وَرُبَّ) مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ، وذَلِكَ هو الفَرْقُ بَيْنَ كَمْ ورُبَّ.
قالَ الفَرَزْدَقُ: كَمْ عَمَّةٍ لَكَ يا جَرِيرُ وخالَةٍ فَدُعاءٌ قَدْ حَلَبَتْ عَلى عِشارِي فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَكْثِيرِ العَمّاتِ والخالاتِ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا ﴾ وإنَّما الهَلاكُ بَعْدَ مَجِيءِ البَأْسِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أهْلَكْناها حُكْمًا فَجاءَها بَأْسُنا فِعْلًا.
والثّانِي: أهْلَكْناها بِإرْسالِ المَلائِكَةِ إلَيْها بِالعَذابِ فَجاءَها بَأْسُنا بِوُقُوعِ العَذابِ لَهم.
والثّالِثُ: أهْلَكْناها بِخِذْلانِنا لَها عَنِ الطّاعَةِ فَجاءَها بَأْسُنا عُقُوبَةً عَلى المَعْصِيَةِ.
والرّابِعُ: أنَّ البَأْسَ والهَلاكَ وقَعا مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ الهَلاكَ كانَ بِوُقُوعِ البَأْسِ فَلَمْ يَفْتَرِقا، ولَيْسَ دُخُولُ الفاءِ بَيْنَهُما مُوجِبَةً لِافْتِراقِهِما بَلْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الواوِ كَما يُقالُ أعْطَيْتَ وأحْسَنْتَ، فَكانَ الإحْسانُ بِالعَطاءِ ولَمْ يَكُنْ بَعْدَ العَطاءِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ بَياتًا ﴾ يَعْنِي في نَوْمِ اللَّيْلِ.
﴿ أوْ هم قائِلُونَ ﴾ يَعْنِي في نَوْمِ النَّهارِ وقْتَ القائِلَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جاءَهم بِالعَذابِ في وقْتِ النَّوْمِ دُونَ اليَقَظَةِ؟
قِيلَ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ العَذابَ في وقْتِ الرّاحَةِ أشَدُّ وأغْلَظُ.
والثّانِي: لِئَلّا يَتَحَرَّزُوا مِنهُ ويَهْرُبُوا عَنْهُ، لِاسْتِسْلامِ النّائِمِ وتَحَرُّزِ المُسْتَيْقِظِ، والبَأْسُ: شِدَّةُ العَذابِ، والبُؤْسُ: شِدَّةُ الفَقْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عَنْ قَبُولِ الرِّسالَةِ والقِيامِ بِشُرُوطِها، ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ عَنْ أداءِ الرِّسالَةِ والأمانَةِ فِيها.
والثّانِي: لَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عَنْ حِفْظِ حِرْمانِ الرُّسُلِ، ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى الأُمَمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم، ثم قرأ ﴿ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن مسعود مرفوعاً.
مثله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ ﴾ قال أهل اللغة: (الدعوى اسم (١) (٢) (٣) وَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي ...
بِدَعْوَاكِ منْ مَذْلٍ بِهَا فَيَهُونُ (٤) ﴿ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ فأقروا على أنفسهم بالشرك) (٥) قال ابن الأنباري: (يريد: فما كان قولهم ﴿ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا ﴾ إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإساءة) (٦) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ .
الاختيار عند النحويين أن يكون موضع ﴿ أَنْ ﴾ رفعا بكان ويكون الدعوى نصبا (٧) ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ ، وقوله ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ (٨) (٩) ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾ نصبًا كقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا ﴾ على قراءة (١٠) ﴿ الْبِرَّ ﴾ والأصل في هذا الباب أنه إذا (١١) (١٢) قال الزجاج: (إلا أن الاختيار إذا كانت الدعوى في موضع رفع أن يقول: فما كانت في دعواهم، فلما قال: ﴿ كَانَ ﴾ دل أن الدعوى في موضع نصب غير أنه يجوز تذكير الدعوى، وإن كانت رفعًا فتقول: كان دعواه [باطلًا] (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قوله تعالى: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ قال عطاء عنه: (يُسأل الناس جميعًا عما أجابوا المرسلين، ويُسأل المرسلون عما بلغوا) (١٧) وقال ابن عباس: (يسأل الأمم عما جاءهم من الله، ويسأل (١٨) (١٩) وقال الضحاك: ( ﴿ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ الأمم الذين أتاهم الرسل يُسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم، ﴿ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ يعني: الأنبياء هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به وماذا أجابكم قومكم) (٢٠) وقال السدي: (نسأل (٢١) (٢٢) (١) الدعوى -بفتح الدال وسكون العين-، والادعاء -بكسر الدال وفتح العين-، والدعاء -بضم الدال وفتح العين-، انظر: "العين" 2/ 221، و"الجمهرة" 2/ 666 و 1059، و"الصحاح" 6/ 2336، و"المجمل" 2/ 326، و"المفردات" ص 316، و"اللسان" 3/ 1385 (دعا).
(٢) في (ب): (الإدغام)، وهو تحريف.
(٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1188، وفي "الكتاب" 4/ 40، قال: (الدعوى ما ادعيت، وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين) اهـ.
(٤) الشاهد لكثير عزة في "ديوانه" ص 227، وبلا نسبة في "تفسير الطبري" 8/ 120، و"تهذيب اللغة" 4/ 3367، و"تفسير الثعلبي" 187 ب، و"المخصص" 5/ 84، و"تفسير ابن عطية" 5/ 428، وابن الجوزي 3/ 169، و"اللسان" 7/ 4164 (مذل) "الدر المصون" 5/ 254، وفي "الديوان": إذا خدِرَتْ رجلي ذكرتكِ أشتفي ...
بذكركِ من مذل بها فيهونُ ومذلت رجله - بفتح الميم وكسر الذال أي: خدرت، انظر: "اللسان" 7/ 4164 (مذل).
(٥) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 21، وأبو حيان في "البحر" 4/ 269، وانظر "تنوير المقباس" 2/ 81، وفيه: (دعواهم - قولهم).
(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 157، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 168، والرازي 14/ 21.
(٧) فدعواهم: خبر مقدم و ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ اسم كان مؤخر.
وهو اختيار الفراء في "معانيه" 1/ 372، والزجاج 2/ 319، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 600، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 67، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 424، قال الهمداني في "الفريد" 2/ 270: (وهذا أحسن حملًا على ما ورد من نظائره في التنزيل) اهـ.
(٨) في النسخ: (ومكان) بالواو وهو تحريف.
(٩) هذا قول مكي في "المشكل" 1/ 282، والعكبري في "التبيان" ص 369، واختاره أبو حيان في "البحر" 4/ 269.
(١٠) قرأ حمزة وعاصم في رواية: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾ -بفتح الراء-، وقرآ الباقون ﴿ البرُ ﴾ == بالرفع فمن رفع جعل ﴿ البر ﴾ اسم ليس و ﴿ أن تولوا ﴾ الخبر، ومن نصب جعل ﴿ البر ﴾ خبر مقدم و ﴿ أن تولوا ﴾ اسم (ليس).
انظر: "السبعة" ص 176، و"الحجة" لأبي علي 2/ 270، و"المشكل" 1/ 117.
(١١) انظر "الحجة" لأبي علي 2/ 270.
(١٢) في (ب): (يرفع أحدهما وينصب) بالياء.
(١٣) لفظ: (باطلاً) ساقط من (ب).
(١٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 319، وعليه يكون تذكير الفعل قرينة مرجحة لإسناد الفعل إلى (أن قالوا) ولو كان مسندا للدعوى لكان الأرجح (كانت أفاده).
السمين في "الدر" 5/ 254.
(١٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 372.
(١٦) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 319.
(١٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 121، وابن أبي حاتم 5/ 1439 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 126.
(١٨) في (أ): (نسأل الأمم ..
ونسأل النبيين) بالنون.
(١٩) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 81، و"تفسير البغوي" 3/ 214، وابن الجوزي 3/ 169.
(٢٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 157.
(٢١) في (ب): (يسال) بالياء.
(٢٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 121، بسند جيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أهلكناها فَجَآءَهَا بَأْسُنَا ﴾ قيل: إنه من المقلوب تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها، وقيل: المعنى؛ أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، لأن مجيء البأس قبل الإهلاك فلا يصح عطفه عليه بالفاء، ويحتمل أن فجاءها بأسنا، قيل: إنه من المقلوب تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها، وقيل: المعنى؛ أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا استئنافاً على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلف، والمراد أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف بدليل أو هم قائلون ﴿ بياتا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ بياتاً مصدر في موضع الحال بمعنى: بائتين أي بالليل، وقائلون: من القائلة: أي بالنهار، وقد أصاب العذاب بعض الكفار المتقدمين بالليل، وبعضهم بالنهار، وأو هنا للتنويع ﴿ دعواهم ﴾ أي ما كان داعاؤهم واستغاثتهم إلا للاعتراف بانهم ظلمون، وقيل: املعنى أن دعواهم هنا ما كانوا يدعونه من ديهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك ﴿ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ أسند الفعل إلى الجار والمجرور، ومعنى الآية: أن الله يسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عما أجيبوا به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتذكرون ﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر.
والباقون كما مر في آخر الأنعام.
الوقوف: ﴿ المص ﴾ ه كوفي ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ قائلون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ غائبين ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ معايش ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه.
التفسير: قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم.
وعن ابن عباس معنى المص أنا الله أعلم وأفصل.
وقال السدي: معناه أنا المصوّر.
وقيل: معناه ألم نشرح لك صدرك بدليل ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ كما زاد في الرعد راء لقوله بعده ﴿ رفع السموات ﴾ ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا محل لها من الإعراب، وإن كانت اسماً للسورة جاز أن يكون ﴿ المص ﴾ مبتدأ و ﴿ كتاب ﴾ يعني به السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون ﴿ المص ﴾ خبر مبتدأ محذوف وكذا ﴿ كتاب ﴾ أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك.
والدليل على أنه منزل من الله هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتاباً ولم يخالط أهل الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق الوحي.
القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال وهذا من سمات المحدثات.
وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة.
فإن قيل: الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟
أجيب بأنه أحدث هذه الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش وحفظها ونزل فعلمها محمداً صلى الله عليه وآله.
ثم قال: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ أي شك.
وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى ﴿ منه ﴾ أي من شأن الكتاب أي لا تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك ههنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ذلك سبب رؤيته ومثله قوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ ظاهره أمر للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين.
وفي متعلق قوله ﴿ لتنذر ﴾ أقوال.
قال الفراء: إنه متعلق بـ ﴿ أنزل ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج.
وفائدة التقديم والتأخير أن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر.
وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله على ربه وثقته بعصمته.
وقال صاحب النظم: اللام بمعنى "أن" كقوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ليطفؤا ﴾ والتقدير لا يضق صدرك ولا تضعف عن أن تنذر به.
وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك وإذا علمت أنه تنزيل الله فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظاً وناصراً لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال.
ثم قال: ﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.
وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيراً، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف والجر للعطف على محل ﴿ أن تنذر ﴾ أي للإنذار وللذكرى.
وإنما لم نقل على محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً ولو صح ذلك لكان محله النصب لا الجر.
وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ والتحقيق فيه أن النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قويّ، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت معدنها وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلمتحتج إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة.
ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً.
عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.
وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض.
فإن قيل: العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ عمل بالقرآن أيضاً.
قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه ﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿ أولياء ﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ من دونه ﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون دين الله أولياء.
احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله والعمل بالقياس.
متابعة غير ما أنزل فلا يجوز.
لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره.
أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع.
وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ وبعموم قوله صلى الله عليه وآله "لا تجتمع أمتي على الضلالة" والفرع لا يكون أقوى من الأصل.
أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح.
ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية.
وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر.
ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا.
و"ما" مزيدة لتوكيد القلة.
ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: ﴿ وكم من قرية ﴾ فموضع "كم" رفع بالابتداء و"من" مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿ أهلكناها ﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل قرية لقوله ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله: ﴿ أوهم قائلون ﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم.
وإنما قال: ﴿ فجاءها ﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت.
وهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس.
والعلماء أجابوا بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ﴾ ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح.
فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟
فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه" فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا ههنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت.
وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً.
ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس.
ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله: عرضت الناقة على الحوض.
وقوله ﴿ بياتاً ﴾ قال الجوهري: بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات.
وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً.
وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين.
ثم قال: ﴿ أوهم قائلون ﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿ بياتاً ﴾ كأنه قيل: فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين.
وإنما حسن ترك الواو ههنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل.
فقولك: جائني زيد راجلاً أو هو فارس.
كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً.
وقال بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا.
أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة.
وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله : ﴿ أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ﴾ والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع.
وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.
أيا راقد الليل مسوراً بأوّله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.
ثم قرر حالهم عند مجيء البأس فقال: ﴿ فما كان دعواهم ﴾ أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم على أنفسهم.
وقال ابن عباس: فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم بالشرك.
وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء.
حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما فرط منهم وفرطوا فيه.
ومحل ﴿ دعواهم ﴾ وعلى عكسه محل ﴿ إن قالوا ﴾ يجوز أن يكون نصباً أو رفعاً كما سبق في إعراب قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيداً آجلاً فقال: ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله: ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ﴾ ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بعلم ﴾ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عنهم وعما وجد منهم.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعدما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟
فالجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير تقريعاً وتوبيخاً.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟
قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار.
فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: ﴿ فلنسئلن ﴾ وبين قوله: ﴿ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها.
أو المراد نفي سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض.
وفي الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها أنه عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك.
وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز والجهات وإلا كان غائباً من غيره.
ثم بيّن أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن الأعمال فقال: ﴿ والوزن ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ يومئذ ﴾ وقوله ﴿ الحق ﴾ صفة المبتدأ أي الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم.
وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون ﴿ الحق ﴾ خبراً و ﴿ يومئذٍ ﴾ ظرفاً للوزن ومعنى الحق أنه كائن لا محالة.
وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما جاء في الخبر "إنه ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها" .
وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصوّر أعماله بصور حسنة وأعمال الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس.
وثانيهما أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد.
"يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف" .
وعن عبد الله بن سلام أن ميزان العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : "يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في الآخرة فترجح" قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات وإلا كان إغراء على المعصية.
ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله أشرف العقائد والأعمال.
وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟
فيقول: أنا نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ قد وافتك أحوج ما تكون إليها القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا يبعد جعل الوزن مجازاً عن العدل.
ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها.
وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال فنقول: المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقراً بأنه عادل حكيم وحينئذٍ يكفيه حكم الله بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا يكون مقراً فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان.
أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه منزه عن الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد الفرح والسرور للمؤمن وبالضدّ للكافر.
واختلف العلماء أيضاً في كيفية الرجحان فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات.
وقال آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة.
واختلف أيضاً في الموازين فقيل: إنها جمع موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد.
ولئن سلم أنها جمع الميزان فالعرب قد توقع لفظاً لجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الأفراس والبغال.
قاله الزجاج.
وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ وأيضاً لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.
ثم إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب بها وهذا لا يليق إلا بالكافر.
ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياماً ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال ولا انقطاع.
قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم.
ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ أقدرناكم على التصرف فيها ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه المنافع التي تحصل بتخليق الله ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة.
وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيهاً بصحائف واستبعده النحويون البصريون.
ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي فقال: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ .
التأويل: ﴿ المص ﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿ كتاب أنزل على قلبك ﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح.
وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله.
﴿ وكم من قرية ﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿ قائلون ﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿ والوزن يومئذ ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.
روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة.
﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه.
والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله: " ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق" وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ ولقد مكناكم ﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿ وجعلنا لكم ﴾ خاصة ﴿ معايش ﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية.
فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾ .
قال أهل التأويل: [كان] يخوف أهل مكة بتكذيبهم الرسول بإهلاكه الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، بقوله: ﴿ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾ ؛ بتكذيبهم الرسل، فأنتم يأهل مكة تهلكون بتكذيبكم الرسول، [وإن كانوا لا يعرفون هم إهلاك الأمم الماضية أنه إنما أهلكوا بتكذيبهم الرسل، غير أنهم] وإن كانوا لا يعرفون هم ذلك بأنفسهم؛ لما ليس عندهم كتاب - لكن يصلون إلى علم ذلك بمن عندهم الكتب - وهم [أهل] الكتاب - فيلزمهم الحجة، كالعجم وإن كانوا لا يعرفون الكتاب الذي أنزل بلسان العرب، فإن الحجة تلزمهم بذلك؛ لما كان لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالعرب؛ فعلى ذلك هؤلاء، وإن لم يكن عندهم علم بإهلاك أولئك؛ فتلزمهم الحجة بإعلام أهل الكتاب إياهم.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد لأنه أخبر عن إهلاك الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، وهو لم ينظر في كتبهم، ولا اختلف إليهم ليعلموه عن ذلك، ثم أخبرهم بذلك، فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: البأس هو كل أمر معضل شديد من المرض والجرح وغيره، ويقول: روي عن عمر أنه لما طعن قيل له: لا بأس عليك، فقال: إن كان في القتل بأس كفى بذلك.
وأما غيره من أهل التأويل فقالوا: البأس: العذاب، "وبأسنا": عذابنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ .
البيات: بالليل، والقيلولة: بالنهار عند الظهيرة، وهما وقتا الغفلة أو وقتا الأمن.
أخبر أنه إنما يأتيهم عذابه في حال الغفلة، أو في حال الأمن؛ لئلا يكونوا غافلين عن أمره، ولا يكونوا آمنين عذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ ﴾ .
أي: ما كان دعواهم قبل نزول العذاب إلا أنهم قالوا: نحن على الحق وإن غيرهم على الباطل، فإذا جاءهم بأسنا اعترفوا بظلمهم؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: فما كان دعواهم حين نزول العذاب ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
يذكر في هذه الآية أنه يسألهم جميعاً: الرسل والمرسلين إليهم.
وقال في آية أخرى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ ، ولكن قوله: ﴿ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ ﴾ ، أي لا يسأل عما فعل وعن نفس ما ارتكب؛ كم أذنبت؟
وما فعلت؟
ولكن يسأل: لماذا فعلت؟
يسأل عن الحجة: لم أذنبت؟
ولم فعلت ذا؟
أو أن يسأل في وقت، ولا يسأل في وقت آخر.
قال بعضهم: لا يسأل عن ذنبه غيره، وإنما يسأل صاحبه وفاعله، يخبر - والله أعلم - أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يؤاخذ غيره بذنب آخر وربما يسأل إحضار قريبه، وأما في الآخرة فإنه لا يؤاخذ غيره بذنب آخر كذلك كان ما ذكرنا.
أو أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يُسْأَلُ ﴾ : عما أظهر وأبدى؛ لكن يسأل عما أسرّ وأخفى؛ لأن الملائكة قد يكتبون ما أبدوه وأظهروه؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ؛ فيقع السؤال عما أسرّوا على التقرير، ولا يسأل بعد ذلك.
وقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى الأمم، ويسأل قومهم: هل بلغ الرسل إليهم الرسالة؟
ويكون سؤالهم الرسل سؤال شهادة - كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...
﴾ الآية - أنه قد بلغ الرسالة.
وقال بعضهم: يسأل الملائكة عن تبليغ الرسالة إلى الأنبياء، ويسأل الأنبياء - عليهم السلام - عن تبليغ الملائكة إليهم، وأمكن أن يكون [السؤال] للرسل عما أجيبوا، وكان سؤال الأمم عما أجابوا الرسل؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
أو أن يكون سؤال القوم سؤال تقرير عندهم، وإقرار لما كانوا ينكرون التبليغ إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .
هذا السؤال سؤال تقرير وتعيير لا غير؛ لأنه كان يعلم أنه لم يكن قال لهم ذلك، لكنه سألهم سؤال تقرير؛ ليقروا بذلك؛ لئلا يقولوا: هو قال لهم ذلك؛ لأنهم قالوا: عيسى هو الذي قال لهم ذلك؛ فعلى ذلك الأوّل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ﴾ .
عن عملهم وصنيعهم؛ ولكن يسألون لما ذكرنا، والله أعلم.
يشبه أن يكون: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ﴾ ذكر هذا؛ لما يحتمل أن يظن به الخفاء عليه؛ لما ذكر من المسألة لهم والسؤال، وهو الاستخبار عما يسر ويضمر؛ ليظهر ذلك، هذا هو معنى السؤال في الشاهد والاستخبار؛ فأخبر - عز وجل - بقوله: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ﴾ على أن سؤاله ليس بسؤال استخبار واستظهار له؛ ولكن سؤال توبيخ وتقرير، أو سؤال شهادة؛ وعلى هذا يخرج الابتلاء منه والامتحان؛ لتقرير الأمر والنهي، لا لإظهار شيء خفي عليه، وإن كان في الشاهد يكون كذلك.
أو أن يصير ما قد خفي عليهم بادياً ظاهراً عندهم؛ فسمى ذلك الأمر منه والنهي؛ ابتلاء وامتحاناً؛ لما [هو] عند الخلق ابتلاءٌ وامتحان، وإن كان عند الله لا يحتمل ذلك؛ فسمي بالذي فيما بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ﴾ .
قال الحسن: يكون ميزاناً له كفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات؛ فمن ثقلت موازينه دخل الجنة، ومن خفت موازينه دخل النار.
وقال غيره من أهل التأويل: يريد بـ "الموازين" الحسنات والسيئات نفسها؛ فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار.
إلى هذا ذهب أكثر أهل التأويل، ولا يحتمل ما قالوا.
أما قول الحسن: ميزان له كفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات - لا يحتمل؛ لأنه قال: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
إذا ثقلت إحدى الكفتين خفت الأخرى، وإذا خفت إحداهما ثقلت الأخرى؛ فكل واحدة منهما فيمن تثقل موازينه وتخف، وقد أخبر في الآية أن من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه ﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم ﴾ .
ولا يحتمل - أيضاً - ما قال غيره من أهل التأويل: إنه أراد بـ "الموازين": الحسنات، والسيئات؛ لأن الآية في المؤمنين والكافرين؛ فلا سيئة ترجح في المؤمن مع إيمانه، ولا حسنة ترجح في الكافر مع شركه، إلا أن يقال: إن توزن حسناته وتقابل بسيئاته دون إيمان، وكذلك الكافر تقابل سيئاته بحسناته دون الشرك؛ فذهبت حسناتهم التي كانت لهم في الدنيا بما أنعم الله عليهم في الدنيا؛ فقد عجل لهم جزاء حسناتهم التي عملوا في الدنيا؛ بما أنعم عليهم في الدنيا.
وأما المؤمن فيتجاوز عن سيئاته ويتقبل عنه أحسن ما عمل؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
أو أن يكون ما ذكر من الميزان هو الكتاب الذي ذكر في آية أخرى؛ كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ الآية، [و] كما قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ ﴾ ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ ﴾ .
وقال بعضهم: الوزن هو العدل؛ كقوله: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ ﴾ لم يقل: نضع الموازين بالقسط، ولكن قال: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ ﴾ ، والقسط: هو العدل، فهو إخبار عن العدل أنه يعدل بينهم يومئذ.
وقال بعضهم: الوزن يومئذ الحق، أي: الجزاء يومئذ الحق؛ يجزي للطاعة الحسنة والثواب، وللسيئة عقاب وعذاب، فهو حق.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ﴾ \[أي\]: الطاعة حق، كل مطيع يومئذ فهو حق.
ويحتمل أن يكون الوزن الحدود، والتقدير كقوله: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ ، أي: محدود مقدر؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: الحد يومئذ الحق، لا يزاد على السيئات، ولا ينقص من الحسنات التي عملوا في الدنيا، والله أعلم بما أراد بالوزن.
ثم قال أهل التأويل في قوله: ﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم ﴾ ، أي: غبنوا؛ وذلك أنه ما من أحد من مؤمن وكافر إلا وله في الجنة والنار منزل وأهل، فيرث المؤمن المنزل الذي كان للكافر في الجنة، ويرث الكافر المنزل الذي للمؤمن في النار؛ فذلك الخسران الذي خسروا، لكن هذا لا يحتمل أن يكون الله - - يجعل للكافر في الجنة منزلاً وأهلاً مع علمه أنه لا يؤمن، ويختم على كفره، ويحتمل الخسران الذي ذكر هو أنهم خسروا في الدنيا والآخرة لما فات عنهم النعم التي كانت لهم في الدنيا ولم يصلوا إلى نعيم الآخرة، فذلك هو الخسران المبين في الدنيا والآخرة.
[و] قوله عز وجل: ﴿ بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ ﴾ قال الحسن: بـ "آياتنا": ديننا يكذبون، ولكن كذبوا حججنا.
"يظلمون" أي: يضعونها في غير موضعها، وهو ما ذكر من ظلمهم الآيات؛ لأن الظلم هو وضع الشيء [في] غير موضعه، ثم المسألة فيمن ارتكب كل ذنب وكبيرة في حال كفره عمره ثم آمن في آخره، صار ما كان ارتكب في حال كفره من الكبائر مغفوراً معفوّاً عنه غير مؤاخذ بها، ومن ارتكب ذلك في حال إيمانه، وختم على الإيمان لم يعمل الإيمان في تكفيره وكان مؤاخذاً به، وذلك والله أعلم؛ لوجهين: أحدهما: أن ليس على الكافر أنفس أفعال الطاعات وأعينها، إنما عليه قبول تلك الأعمال، فإذا أسلم، فقد قبلها ولم يكن عليه في ذلك الوقت إلا القبول؛ لذلك لم يؤاخذ بما كان منه من الأعمال.
وأما المؤمن فعليه أنفس أفعال تلك الطاعات، وتلك الأعمال، وقد كان منذ القبول [آخذاً بما كان] منه التفريط في تلك الأعمال.
والثاني: أن الكافر إذا أسلم بعد ما ارتكب من الكبائر؛ لم يجرح إيمانه، ولا أدخل فيه نقصاً؛ فلم يؤاخذ بما كان منه لما قدم على ربه بإيمان كامل.
وأما المؤمن إذا ارتكب كبائر فقد جرح الإيمان، وأدخل [فيه] النقصان بعمله الذي يخالف الإيمان، ولا يوافقه؛ لذلك افترقا.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ على التمثيل ليس على تحقيق الميزان والخفة، ولكن على الوصف بالعظم لأعمال المؤمنين وبالخفة والتلاشي لأعمال الكافرين؛ لأن الله - عز وجل - ضرب لأعمال المؤمنين المثل بالشيء الثابت والطيب، ووصف أعمالهم بالثبات والقرار فيه، وضرب لأعمال الكافرين المثل وشبهها بالشيء التافه التالف، ووصفها بالبطلان والتلاشي كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : وصف أعمالهم بالطيب والثبات والقرار، ووصف أعمال الكافرين بالخبث والتلاشي والبطلان كقوله: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ونحوه من الآيات: وصف أعمال المؤمنين بالثبات والقرار، وأعمال الكفرة بالذهاب والبطلان؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ وصف بالعظم والقرار [والثبات]، وقوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ وصف بالبطلان والتلاشي ألا يكون لهم من الخيرات: [شىء ينتفعون به] في الآخرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فما كان منهم بعد نزول العذاب إلا أن أَقرُّوا على أنفسهم بظلمهم بالكفر بالله.
<div class="verse-tafsir" id="91.xDnrZ"