الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٦ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) الآية ، كقوله تعالى ( ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ) [ القصص : 65 ] وقوله : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) [ المائدة : 109 ] فالرب تبارك وتعالى يوم القيامة يسأل الأمم عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به ، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته; ولهذا قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) قال : يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين ، ويسأل المرسلين عما بلغوا .
.
وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، حدثنا أبو سعيد الكندي ، حدثنا المحاربي ، عن ليث ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام يسأل عن الرجل والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها ، والعبد يسأل عن مال سيده " قال الليث : وحدثني ابن طاوس ، مثله ، ثم قرأ : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) .
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة .
القول في تأويل قوله : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي؟
هل عملوا بما أمرتهم به، وانتهوا عما نهيتهم عنه، وأطاعوا أمري, أم عصوني فخالفوا ذلك؟
=(ولنسألن المرسلين)، يقول: ولنسألن الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم: هل بلغتهم رسالاتي، وأدَّت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليهم, أم قصّروا في ذلك ففرَّطوا ولم يبلغوهم؟.
* * * وكذلك كان أهل التأويل يتأولونه.
* ذكر من قال ذلك: 14324- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين)، قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين, ويسأل المرسلين عما بلغوا.
14325- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم) إلى قوله: (غائبين)، قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون.
14326- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين)، يقول فلنسألن الأمم: ما عملوا فيما جاءت به الرسل؟
ولنسألن الرسل: هل بلغوا ما أرسلوا به؟
14327- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، قال مجاهد: (فلنسألن الذين أرسل إليهم)، الأمم = ولنسألن الذين أرسلنا إليهم عما ائتمناهم عليه: هل بلغوا؟
(24) ------------------- الهوامش : (24) الأثر : 14327 - (( أبو سعد المدني )) ، مضى في الأثر رقم : 14322 ، ولم أعرف من هو ، ولم أجد له ترجمة .
قوله تعالى فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلينقوله تعالى فلنسألن الذين أرسل إليهم دليل على أن الكفار يحاسبون .
وفي التنزيل ثم إن علينا حسابهم .
وفي سورة القصص ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون يعني إذا استقروا في العذاب .
والآخرة مواطن : موطن يسألون فيه للحساب .
وموطن لا يسألون فيه .
وسؤالهم تقرير وتوبيخ وإفضاح .
وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح ; أي عن جواب القوم لهم .
وهو معنى قوله : ليسأل الصادقين عن صدقهم على ما يأتي .وقيل : المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم أي الأنبياء [ ص: 149 ] ولنسألن المرسلين أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم .
واللام في فلنسألن لام القسم وحقيقتها التوكيد .
وقوله: { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } أي: لنسألن الأمم الذين أرسل اللّه إليهم المرسلين، عما أجابوا به رسلهم، { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } الآيات.
{ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } عن تبليغهم لرسالات ربهم، وعما أجابتهم به أممهم.
( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) يعني : الأمم عن إجابتهم الرسل ، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام ، يعني : لنسألهم عما عملوا فيما بلغتهم الرسل .
( ولنسألن المرسلين ) عن الإبلاغ .
«فلنسألن الذين أرسل إليهم» أي الأمم عن إجابتهم الرسل وعملهم «ولنسألن المرسلين» عن الإبلاغ.
فلنسألن الأمم الذي أرسل إليهم المرسلون: ماذا أجبتم رسلنا إليكم؟
ولنسْألَنَّ المرسلين عن تبليغهم لرسالات ربهم، وعمَّا أجابتهم به أممهم.
وبعد أن بين القرآن ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى .
عقبه ببيان ما سيحل بهم من عذاب أخروى ، فقال :( فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ) .والمراد بالذين أرسل إليهم جميع الأمم التى بلغتها دعوة الرسل ، يسأل كل فرد منها عن رسوله إليه وعن تبليغه لدعوة الله ، ويسأل المرسلون عن التبليغ منهم وعن إجابة أقوامهم لهم ، وقد ورد ذلك فى كثير من آيات القرآن .
قال - تعالى - : ( يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب ) وقال تعالى : ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين ) والمعنى : فلنسألن المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم ، ولنسألن المرسلين عما أجيبوا به من أقوامهم وعن تبليغهم لرسالات الله ، ولنقصن على الرسل والمرسل إليهم كل ما وقع منهم عن علم دقيق وإحصاء شامل ، لأننا لا يغيب عنا شىء من أحوالهم .وعطفت جملة ( فَلَنَسْأَلَنَّ ) على ما قبلها بالفاء ، لأن هذا السؤال سيكون فى الآخرة ، وما ذكر قبل ذلك من عقوبات هو آخر أمرهم فى الدنيا .
فالآية الكريمة بيان لعذابهم الأخروى إثر بيان عذابهم الدنيوى .وأكد الخبر بلام القسم ونون التوكيد ، لأن المخاطبين كانوا ينكرون البعث والجزاء .فإن قيل : قد أخبر الله عنهم قبل ذلك أنهم قالوا عند نزول العذاب بهم ( إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) فلماذا يسألون يوم القيامة مع أنهم اعترفوا بظلمهم فى الدنيا؟فالجواب : أنهم لما اعترفوا سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم ، والمقصود من هذا السؤال تقريعهم وتوبيخهم لكفرهم وعنادهم .فإن قيل : فما فائدة سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة؟فالجواب من فوائده الرد على من أنكر من المشركين أن الرسل قد بلغوهم ، فقد حكى القرآن أن بعضهم قال : ( مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ) ومن فوائده - أيضاً - مضاعفة الثواب لهؤلاء الرسل الكرام حيث إنهم قد بذلوا قصارى جهدهم فى التبشير والإنذار ، ولم يصدر عنهم تقصير قط .
فسؤال المرسل إليهم إنما هو سؤال توبيخ وإفضاح ، وسؤال المرسلين إنما هو سؤال استشهاد بهم وإفصاح .فإن قيل : هناك بعض الآيات تثبت أن المجرمين لن يسألوا يوم القيامة كما فى قوله تعالى : ( وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ) وكما فى قوله تعالى : ( فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ) فكيف نجمع بين هذه الآيات الت تنفى السؤال والآيات التى تثبته كما فى قوله : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) .فالجواب ، أن فى يوم القيامة مواقف متعددة ، فقد يسألون فى موقف الحساب ولا يسألون فى موقف العقاب .أو أن المراد بالسؤال فى قوله : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الذين ) التوبيخ والتقريع .
والمنفى فى قوله : ( فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ ) سؤال الاستعلام ، أى أن المذنب لا يسأل يوم القيامة هل أذنبت أو لا ، لأن الله لا تخفى عليه خافية ، وإنما يسأل : لم فعلت كذا؟
بعد أن يعرفه - سبحانه - بما فعله ، ويؤيد هذا القول قوله - تعالى - :
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير وجه النظم وجهان: الوجه الأول: أنه تعالى لما أمر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ، وأمر الأمة بالقبول والمتابعة، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا، أتبعه بنوع آخر من التهديد، وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة.
الوجه الثاني: أنه تعالى لما قال: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين ﴾ أتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف بل ينضاف إليه أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم، وبين أن هذا السؤل لا يختص بأهل العقاب بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب.
المسألة الثانية: ﴿ الذين أرسل إليهم ﴾ هم الأمة، والمرسلون هم الرسل، فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
ولقائل أن يقول: المقصود من السؤال أن يخبر المسؤول عن كيفية أعماله، فلما أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين، فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده؟
وأيضاً قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ﴾ فإذا كان يقصه عليهم بعلم، فما معنى هذا السؤال؟
والجواب: أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير، والمقصود منه التقريع والتوبيخ.
فإن قيل: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟
قلنا: لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة التحق التقصير بكليته بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ﴾ والمراد أنه تعالى يكرر ويبين للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم، وأن يقص الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال، ثم بين تعالى أنه إنما يصح منه أن يقص تلك الأحوال عليهم لأنه ما كان غائباً عن أحوالهم بل كان عالماً بها؟
وما خرج عن علمه شيء منها، وذلك يدل على أن الإلهية لا تكمل إلا إذا كان الإلَه عالماً بجميع الجزئيات، حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي، والمحسن عن المسيء، فظهر أن كل من أنكر كونه تعالى عالماً بالجزئيات، امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمراً ناهياً مثيباً معاقباً، ولهذا السبب فإنه تعالى أينما ذكر أحوال البعث والقيامة بين كونه عالماً بجميع المعلومات.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ﴾ يدل على أنه تعالى عالم بالعلم، وأن قول من يقول: إنه لا علم لله قول باطل.
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين ﴾ وبين قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ .
قلنا فيه وجوه: أحدها: أن القوم لا يسألون عن الأعمال، لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال، وعن الصوارف التي صرفتهم عنها.
وثانيها: أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة، كقول القائل ألم أعطك وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدمَ ﴾ قال الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا *** إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لا يسأل أحداً لأجل الاستفادة والاسترشاد، ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ﴾ ثم قال: ﴿ فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ﴾ فإن الآية الأولى تدل على أن المسألة الحاصلة بينهم إنما كانت على سبيل أن بعضهم يلوم بعضاً، والدليل عليه قول: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ﴾ معناه أنه لا يسأل بعضهم بعضاً على سبيل الشفقة واللطف، لأن النسب يوجب الميل والرحمة والإكرام.
والوجه الثالث: في الجواب: أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة، فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال، وعن بعضها بعدم السؤال.
المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده، لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رُسُلاً أو مُرْسَلاً إليهم، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار.
المسألة الخامسة: الآية تدل على كونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة، لأنه تعالى قال: ﴿ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴾ ولو كان تعالى على العرش لكان غائباً عنا.
فإن قالوا: نحمله على أنه تعالى ما كان غائباً عنهم بالعلم والإحاطة.
قلنا: هذا تأويل والأصل في الكلام حمله على الحقيقة.
فإن قالوا: فأنتم لما قلتم أنه تعالى غير مختص بشيء من الأحياز والجهات، فقد قلتم أيضاً بكونه غائباً.
قلنا: هذا باطل لأن الغائب هو الذي يعقل أن يحضر بعد غيبة، وذلك مشروط بكونه مختصاً بمكان وجهة، فأما الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة وكان ذلك محالاً في حقه، امتنع وصفه بالغيبة والحضور، فظهر الفرق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ ﴿ أُرْسِلَ ﴾ مسند إلى الجار والمجرور وهو ﴿ إِلَيْهِمْ ﴾ ومعناه: فلنسألنّ المرسل إليهم وهم الأمم، يسألهم عما أجابوا عنه رسلهم، كما قال: ﴿ وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المرسلين ﴾ [القصص: 65] ويسأل المرسلين عما أجيبوا به، كما قال: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ﴾ [المائدة: 109] ، ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم ﴾ على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بِعِلْمٍ ﴾ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ﴿ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴾ عنهم وعما وجد منهم، فإن قلت: فإذا كان عالماً بذلك وكان يقصه عليهم، فما معنى سؤالهم؟
قلت: معناه التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ﴾ عَنْ قَبُولِ الرِّسالَةِ وإجابَتِهِمُ الرُّسُلَ.
﴿ وَلَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ ﴾ عَمّا أُجِيبُوا بِهِ، والمُرادُ مِن هَذا السُّؤالِ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وتَقْرِيعُهم، والمَنفِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ سُؤالُ اسْتِعْلامٍ.
أوِ الأوَّلُ في مَوْقِفِ الحِسابِ وهَذا عِنْدَ حُصُولِهِمْ عَلى العُقُوبَةِ.
﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى الرُّسُلِ حِينَ يَقُولُونَ ﴿ لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ ، أوْ عَلى الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ.
﴿ بِعِلْمٍ ﴾ عالِمِينَ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ، أوْ بِمَعْلُومِنا مِنهم.
﴿ وَما كُنّا غائِبِينَ ﴾ عَنْهم فَيَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{فلنسألن الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} أرسل مسند إلى إليهم أي
فلنسألن المرسل إليهم وهم الأمم عما أجابوا به رسلهم {ولنسألن المرسلين} عما أجيبوا به
﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ﴾ بَيانٌ كَما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ لِعَذابِهِمُ الأُخْرَوِيِّ إثْرَ بَيانِ عَذابِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ خَلا أنَّهُ تَعَرَّضَ كَما قِيلَ لِبَيانِ مَبادِئِ أحْوالِ المُكَلَّفِينَ جَمِيعًا لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّهْوِيلِ والفاءُ عِنْدَ البَعْضِ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الدُّنْيَوِيَّةِ ذِكْرًا حَسَبَ تَرَتُّبِها عَلَيْها وجُودًا وذَكَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ عَلى مَعْنى فَما كانَ دَعْواهم في الدُّنْيا إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا فَقَطَعْنا دابِرَهم ثُمَّ لَنَحْشُرَنَّهم فَلْنَسْألَنَّهم ووُضِعَ عَلى هَذا الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّقْرِيرِ.
وقالَ في الكَشْفِ: لَعَلَّ الأوْجَهَ أنْ يُجْعَلَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ( اتَّبِعُوا.
ولا تَتَّبِعُوا ) ويُجْعَلُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ ..
إلَخْ.
مُعْتَرِضًا حَثًّا عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِ السّابِقِينَ لِيَتَشَمَّرُوا في الِاتِّباعِ.
اهـ.
والأمْرُ عِنْدَ مَن جَعَلَ الكَلامَ السّابِقَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وادَّعى أنَّ مَجِيءَ البَأْسِ في الآخِرَةِ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى أيْ لَنَسْألَنَّ الأُمَمَ قاطِبَةً أوْ هَؤُلاءِ قائِلِينَ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ﴿ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ ﴾ (6) ماذا أُجِيبُوا والمُرادُ مِن هَذا السُّؤالِ تَوْبِيخُ الكَفَرَةِ وتَقْرِيعُهم والمَنفِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ( يَوْمَ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ) سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ وجَمَعَ آخَرُونَ بَيْنَهُما بِأنَّ لِلْمُثْبَتِ مَوْقِفًا ولِلْمَنفِيِّ آخَرَ وقالَ الإمامُ: إنَّهم لا يُسْألُونَ عَنِ الأعْمالِ أيْ ما فَعَلْتُمْ ولَكِنْ يُسْألُونَ عَنِ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهم إلى الأعْمالِ والصَّوارِفِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنْها أيْ لِمَ كانَ كَذا وقِيلَ: مَعْنى ﴿ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ لا يُعاقَبُ بِذَنْبِهِ غَيْرُهُ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ ومِنَ المُرْسَلِينَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ بَلَّغُوهم رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فَرَقَدٍ وهو كَما تَرى وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّوْفِيقِ فَإنَّ المَنفِيَّ هو السُّؤالُ عَنِ الذَّنْبِ لا مُطْلَقَ السُّؤالِ ورُدَّ بِأنَّ عَدَمَ قَبُولِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِما ذَكَرْنا هو الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ الأخْبارُ وتَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ وفي القُرْآنِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ ﴾ وتَخْصِيصُ سُؤالِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ هو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ يُقالُ لِلَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ ويُقالُ: لِلْمُرْسَلِينَ ما رَدُّوا عَلَيْكم وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ القاسِمِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ أرْبَعِ خِصالٍ يَقُولُ رَبُّكَ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ جَسَدًا فَفِيمَ أبْلَيْتَهُ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ عِلْمًا فَفِيمَ عَمِلْتَ بِما عَلِمْتَ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ مالًا فَفِيمَ أنْفَقْتَهُ في طاعَتِي أمْ في مَعْصِيَتِي ألَمْ أجْعَلْ لَكَ عُمُرًا فَفِيمَ أفْنَيْتَهُ وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ فَقالَ الإمامُ: يُسْألُ عَنِ النّاسِ والرَّجُلُ يُسْألُ عَنْ أهْلِهِ والمَرْأةُ تُسْألُ عَنْ بَيْتِ زَوْجِها والعَبْدُ يُسْألُ عَنْ مالِ سَيِّدِهِ ولَعَلَّ الظّاهِرَ أنَّ سُؤالَ كُلٍّ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ والمُرْسَلِينَ هُنا عَنْ أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِهِ ولا يَأْبى هَذا أنَّ المُكَلَّفِينَ يُسْألُونَ عَنْ أُمُورٍ أُخَرَ والمَواقِفُ يَوْمَ القِيامَةِ شَتّى ويَسْألُ السَّيِّدُ ذُو الجَلالِ عِبادَهُ فِيها عَنْ مَقاصِدَ عَدِيدَةٍ فَطُوبى لِمَن أخَذَ بِعَضُدِهِ السَّعْدَ فَأجابَ بِما يُنْجِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي مائتان وست آيات مكية قوله تعالى: المص قال ابن عباس يعني: أنا الله أعلم وأفصل معناه: أعلم بأمور الخلق وأفصل الأحكام والأمور والمقادير، وليس لي شريك في تدبير الخلق: ويقال: معناه أنا الله المصور.
ويقال: أنا الله الناصر.
ويقال: أنا الله الصادق.
وروى معمر بن قتادة قال: إنه اسم من أسماء القرآن ويقال هو قسم كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: أن هذا الكتاب أُنزل إليك يا محمد فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي: فلا يقعن في قلبك شك منه من القرآن أنه من الله عز وجل.
فالخطاب للنبي والمراد به غيره.
كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] .
ويقال: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي فلا يضيقنّ صدرك بتكذيبهم إياك.
كقوله عز وجل: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 30] والحرج في اللغة هو الضيق.
ثم قال: لِتُنْذِرَ بِهِ على معنى التقديم يعني: كتاب أنزلناه إليك لتنذر به أي لتخوف بالقرآن أهل مكة وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي.
وعظة للمؤمنين الذين يتبعونك.
ثم قال: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي صدقوا، واعملُوا بما أنزل على نبيكم محمد من القرآن ويقرءوه عليكم وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي: ولا تتّخذوا من دون الله أرباباً، ولا تعبدوا غيره.
ثم أخبر عنهم فقال: قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ما: صلة في الكلام ومعناه: قليلاً تتعظون.
يعني: إنهم لا يتعظون به شَيْئاً.
قرأ ابن عامر يَتَذَكَّرُونَ على لفظ المغايبة بالياء.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة بتشديد الذال والكاف لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تذكرون بتخفيف الذال، فأسقط التشديد للتخفيف.
ثم خوفهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها معناه: وكم من أهل قرية وعظناهم فلم يتعظوا فأهلكناهم فَجاءَها بَأْسُنا أي جاءها عذابنا بعد التكذيب بَياتاً أي ليلاً.
سمي الليل بياتاً لأنه يبات فيه أَوْ هُمْ قائِلُونَ عند القيلولة.
فإن لم تتّعظوا أنتم يأتيكم العذاب ليلاً أو نهاراً كما أتاهم.
ثم أخبر عن حال من أتاهم العذاب فقال: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا أي لم يكن قولهم حين جاءهم العذاب ولم تكن لهم حيلة إلا أنهم تضرعوا قَالُواْ: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي ظلمنا أنفسنا بترك طاعة ربنا من التوحيد يعني: إن قولهم بعد ما جاءهم العذاب يعني: الهلاك لم ينفعهم فاعتبروا بهم.
فإنكم إذا جاءكم العذاب لا ينفعكم التضرع.
ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني: الأمم لنسألنهم هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم وماذا أجبتم الرسل؟
وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عن تبليغ الرسالة.
وهذا كقوله عز وجل: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب: 8] ثم قال تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فلنخبرنّهم بما عملوا في الدنيا ببيان وعلم منا وَما كُنَّا غائِبِينَ عَمّا بلغت الرسل وعما ردَّ عليهم قومهم.
ومعناه: وما كنا نسألهم لنعلم ذلك ولكن نسألهم حجةً عليهم.
قوله: <div class="verse-tafsir"
والادعاء، واعترافهم.
وقولهم: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هو في المُدَّةِ التي ما بين ظُهُورِ العَذَابِ إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مُهْلَةٌ بحسب نَوْعِ العذاب تَتَّسِعُ لهذه المَقَالَةِ، وغيرها.
وروى ابن مسعود، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يعذروا من أنفسهم» «١» .
وقوله سبحانه: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ...
الآية وعيد مِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لجميع العالم أخبر سبحانه أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم، ويسأل النَّبيين عما بَلَّغُوا، وهذا هو سُؤَالُ التقرير، فإن اللَّه سبحانه قد أَحَاطَ علماً بكل ذلك قبل السؤال، فأما الأَنْبِيَاءُ والمؤمنون، فيعقبهم جوابهم رحمة وكرامة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي: الأُمَمَ يَسْألُونَ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ، وماذا أجَبْتُمْ؟
ويَسْألُ الرُّسُلَ: هَلْ بَلَّغْتُمْ، وماذا أجَبْتُمْ؟
﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: فَلْنُخْبِرَنَّهم بِما عَمِلُوا بِعِلْمٍ مِنّا ﴿ وَما كُنّا غائِبِينَ ﴾ عَنِ الرُّسُلِ والأُمَمِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوضَعُ الكِتابُ، فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أو هم قائِلُونَ ﴾ ﴿ فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ ﴾ "وَكَمْ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ "أهْلَكْناها"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَجاءَها"؛ و"أهْلَكْناها"؛ صِفَةٌ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها"؛ وقُدِّرَ الفِعْلُ بَعْدَها - وهي خَبَرِيَّةٌ - تَشْبِيهًا لَها بِالِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ في أنَّ لَها - في كُلِّ حالٍ - صَدْرَ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ: "وَكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ"؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما عَبَّرَ تَعالى بِالقَرْيَةِ لِأنَّها أعْظَمُ في العُقُوبَةِ إذا أهْلَكَ البَشَرَ وقَرْيَتَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "أو هُمْ"؛ ﴾ أنَّ البَشَرَ داخِلُونَ في الهَلاكِ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - تَتَضَمَّنُ هَلاكَ القَرْيَةِ؛ وأهْلَها جَمِيعًا؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَتَضَمَّنُ هَلاكَ الأهْلِ.
والمُرادُ بِالآيَةِ التَكْثِيرُ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناهم فَجاءَهم بَأْسُنا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَجاءَها"؛ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ المَجِيءَ بَعْدَ الإهْلاكِ؛ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُعْدَلَ عن ظاهِرِ هَذا التَعْقِيبِ؛ فَقِيلَ: اَلْفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَنزِلَةِ الواوِ؛ ولا تُعْطى رُتْبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ: وقِيلَ: عَبَّرَ عن إرادَةِ الإهْلاكِ بِالإهْلاكِ؛ قالَ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ": مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن قالَ: اَلْفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَعْقِيبِ القَوْلِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ؛ وقِلَّةِ التَوْفِيقِ؛ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ - وحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ؛ ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ؛ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالَ أيُّهُما قُدِّمَ في الرُتْبَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ؛ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها؛ ثُمَّ قالَ: "فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ".
و"بَياتًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"قائِلُونَ"؛ مِن "اَلْقائِلَةُ"؛ وإنَّما خَصَّ وقْتَيِ الدَعَةِ؛ والسُكُونِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ العَذابِ فِيهِما أفْظَعُ؛ وأهْوَلُ؛ لِما فِيهِما مِنَ البَغْتِ؛ والفَجْأةِ؛ و"أو"؛ في هَذا المَوْضِعِ كَما تَقُولُ: "اَلنّاسُ في فُلانٍ صِنْفانِ؛ حامِدٌ أو ذامٌّ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "جاءَهم بَأْسُنا فِرْقَتَيْنِ؛ بائِتِينَ؛ أو قائِلِينَ"؛ وهَذا هو الَّذِي يُسَمّى اللَفُّ؛ وهو إجْمالٌ في اللَفْظِ يُفَرِّقُهُ ذِهْنُ المُخاطَبِ دُونَ كُلْفَةٍ؛ و"اَلْبَأْسُ": اَلْعَذابُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ: "أو وهم قائِلُونَ"؛ فَكُرِهَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ العَطْفِ؛ فَحُذِفَتِ الواوُ؛ وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى اللَفِّ باقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما كانَ دَعْواهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ البَيانِ أنَّ المُرادَ في الآيَةِ قَبْلَها أهْلُ القُرى؛ والدَعْوى في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: اَلدُّعاءُ؛ قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ: "اَللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أشْتَفِي ∗∗∗ بِدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ والثانِي: اَلِادِّعاءُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلِادِّعاءُ"؛ لِأنَّ مَن نالَهُ مَكْرُوهٌ؛ أو حَزَبَهُ حادِثٌ؛ فَمِن شَأْنِهِ أنْ يَدْعُوَ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في فِعْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ ومِن شَأْنِهِ أيْضًا أنْ يَدَّعِيَ مَعاذِيرَ؛ وأشْياءَ؛ تُحَسِّنُ حالَهُ؛ وتُقِيمُ حُجَّتَهُ في زَعْمِهِ؛ فَيُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ بِحالِ مَن يَدَّعِي مَعاذِيرَ؛ ونَحْوَها؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمْ تَكُنْ لَهم دَعْوى؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لَمْ يَكُنْ دُعاءٌ - أوِ ادِّعاءٌ - إلّا الإقْرارُ؛ والِاعْتِرافُ"؛ أيْ: هَذا كانَ بَدَلَ الدُعاءِ؛ أو الِادِّعاءِ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَما آلَتْ دَعْواهُمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلّا إلى اعْتِرافٍ"؛ ونَحْوٌ مِنَ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ واعْتِرافُهم وقَوْلُهُمْ: إنّا كُنّا ظالِمِينَ؛ هو في المُدَّةِ بَيْنَ ظُهُورِ العَذابِ؛ إلى إتْيانِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ مُهْلَةٌ؛ بِحَسَبِ نَوْعِ العَذابِ؛ تَتَّسِعُ لِهَذِهِ المَقالَةِ؛ وغَيْرِها؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ قالَ: « "ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ"؛» وفَسَّرَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ هَذا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ و"دَعْواهُمْ"؛ خَبَرُ "كانَ"؛ واسْمُها "إلّا أنْ قالُوا"؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِ العالَمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يَسْألُ الأُمَمَ أجْمَعَ عَمّا بُلِّغَ إلَيْهِمْ عنهُ تَعالى ؛ وعن جَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ ويَسْألُ النَبِيِّينَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - عَمّا بَلَّغُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ نُفِيَ السُؤالُ في آياتٍ؛ وذَلِكَ هو سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ؛ وقَدْ أُثْبِتَ في آياتٍ كَهَذِهِ الآيَةِ؛ وهَذا هو سُؤالُ التَقْرِيرِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ السُؤالِ؛ فَأمّا الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ والمُؤْمِنُونَ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم رَحْمَةً؛ وكَرامَةً؛ وأمّا الكُفّارُ؛ ومَن نُفِّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم عَذابًا وتَوْبِيخًا؛ فَمَن أنْكَرَ مِنهم قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِعِلْمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْنَسْألَنَّ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلُنا ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَلَنَقُصَّنَّ"؛ ﴾ أيْ: "فَلَنَسْرِدَنَّ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ؛ قِصَّةً قِصَّةً"؛ و"بِعِلْمٍ"؛ أيْ: بِحَقِيقَةٍ ويَقِينٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُوضَعُ الكِتابُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا اسْتِعارَةً؛ إذْ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مُقَيَّدٌ.
﴿ "وَما كُنّا غائِبِينَ"؛ ﴾ أيْ: "ما كُنّا مَن لا يَعْلَمُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِمْ"؛ كالغائِبِ عَنِ الشَيْءِ؛ الَّذِي لا يَعْرِفُ لَهُ حالًا.
<div class="verse-tafsir"
الفاء في قوله: ﴿ فلنسألن ﴾ عاطفة، لِترتيب الأخبار لأنّ وجود لام القسم علامة على أنّه كلام أنُفٌ انتقال من خبر إلى خبر، ومن قصة إلى قصة وهو انتقالٌ من الخبر عن حَالتهم الدنيوية إلى الخبر عن أحوالهم في الآخرة.
وأكّد الخبر بلام القسم ونون التّوكيد لإزالة الشكّ في ذلك.
وسؤال الذين أرسل إليهم سُؤال عن بلوغ الرّسالة.
وهو سؤال تقريع في ذلك المحشر، قال تعالى: ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ﴾ [القصص: 65].
وسؤال المرسلين عن تبليغهم الرّسالة سؤال إرهاب لأمُمِهم، لأنّهم إذا سمعوا شهادة رسلهم عليهم أيقنوا بأنّهم مسوقون إلى العذاب، وقد تقدّم ذلك في قوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ [النساء: 41] وقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ [المائدة: 109].
و ﴿ الذين أرسل إليهم ﴾ ، هم أمم الرّسل، وعبّر عنهم بالموصول لما تدُلّ عليه الصّلة من التّعليل، فإن فائدة الإرسال هي إجابة الرّسل، فلا جرم أن يسأل عن ذلك المُرسَل إليهم، ولمّا كان المقصود الأهمّ من السّؤال هو الأمم، لإقامة الحجّة عليهم في استحقاق العقاب، قُدّم ذكرهم على ذكر الرّسل، ولما تدُلّ عليه صلة (الذي) وصلة (ال) من أنّ المسؤول عنه هو ما يتعلّق بأمر الرّسالةِ، وهو سؤال الفريقين عن وقوع التّبليغ.
ولَمَّا دلّ على هذا المعنى التّعبيرُ: ب ﴿ الذين أرسل إليهم ﴾ والتّعبيرُ: ب ﴿ المرسلين ﴾ لم يحتجّ إلى ذكر جواب المسؤولين لظهور أنّه إثبات التّبليغ والبلاغ.
والفاء في قوله: ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ للتفريع والتّرتيب على قوله: ﴿ فلنسألن ﴾ ، أي لنسألنّهم ثمّ نخبرهم بتفصيل ماأجمله جوابهم، أي فلنقصّنّ عليهم تفاصيل أحوالهم، أي فعِلْمُنا غَنِي عن جوابهم ولكن السّؤال لغرض آخر.
وقد دلّ على إرادة التّفصيل تنكيرُ علم في قوله: ﴿ بعلم ﴾ أي علم عظيم، فإنّ تنوين (عِلم) للتعظيم، وكمالُ العلم إنّما يظهر في العلم بالأمور الكثيرة، وزاد ذلك بياناً قولُه: ﴿ وما كنا غائبين ﴾ الذي هو بمعنى: لا يعزب عن علمنا شيء يغيب عنّا ونغيب عنه.
والقَصّ: الاخبار، يقال: قصّ عليه، بمعنى أخبره، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ يقص الحقّ ﴾ في سورة الأنعام (57).
وجملة: ﴿ وما كنا غائبين ﴾ معطوف على ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ ، وهي في موقع التّذييل.
والغائب ضدّ الحاضر، وهو هنا كناية عن الجاهل، لأنّ الغيبة تستلزم الجهالة عرفاً، أي الجهالة بأحوال المَغيب عنه، فإنّها ولو بلغتْه بالأخبار لا تكون تامة عنده مثل المشاهد، أي: وما كنّا جاهلين بشيء من أحوالهم، لأنّنا مطّلعون عليهم، وهذا النّفي للغيبة مثل إثبات المعيَّة في قوله تعالى: ﴿ وهو معكم أينما كنتم ﴾ [الحديد: 4].
وإثباتُ سؤال الأمم هنا لا ينافي نفيه في قوله تعالى: ﴿ ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ [القصص: 78] وقوله ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ [الرحمن: 39] لأنّ المسؤول عنه هنا هو التّبليغ والمنفيَّ في الآيتين الآخريين هو السّؤال لمعرفة تفاصيل ذ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ﴾ الآيَةَ، هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ حالِ مَن أهْلَكَهُ بِكُفْرٍ تَحْذِيرًا لِلْمُخاطَبِينَ بِهِ عَنْ مِثْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَكَمْ ﴾ هي كَلِمَةٌ تُوضَعُ لِلتَّكْثِيرِ، (وَرُبَّ) مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ، وذَلِكَ هو الفَرْقُ بَيْنَ كَمْ ورُبَّ.
قالَ الفَرَزْدَقُ: كَمْ عَمَّةٍ لَكَ يا جَرِيرُ وخالَةٍ فَدُعاءٌ قَدْ حَلَبَتْ عَلى عِشارِي فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَكْثِيرِ العَمّاتِ والخالاتِ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا ﴾ وإنَّما الهَلاكُ بَعْدَ مَجِيءِ البَأْسِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أهْلَكْناها حُكْمًا فَجاءَها بَأْسُنا فِعْلًا.
والثّانِي: أهْلَكْناها بِإرْسالِ المَلائِكَةِ إلَيْها بِالعَذابِ فَجاءَها بَأْسُنا بِوُقُوعِ العَذابِ لَهم.
والثّالِثُ: أهْلَكْناها بِخِذْلانِنا لَها عَنِ الطّاعَةِ فَجاءَها بَأْسُنا عُقُوبَةً عَلى المَعْصِيَةِ.
والرّابِعُ: أنَّ البَأْسَ والهَلاكَ وقَعا مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ الهَلاكَ كانَ بِوُقُوعِ البَأْسِ فَلَمْ يَفْتَرِقا، ولَيْسَ دُخُولُ الفاءِ بَيْنَهُما مُوجِبَةً لِافْتِراقِهِما بَلْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الواوِ كَما يُقالُ أعْطَيْتَ وأحْسَنْتَ، فَكانَ الإحْسانُ بِالعَطاءِ ولَمْ يَكُنْ بَعْدَ العَطاءِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ بَياتًا ﴾ يَعْنِي في نَوْمِ اللَّيْلِ.
﴿ أوْ هم قائِلُونَ ﴾ يَعْنِي في نَوْمِ النَّهارِ وقْتَ القائِلَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جاءَهم بِالعَذابِ في وقْتِ النَّوْمِ دُونَ اليَقَظَةِ؟
قِيلَ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ العَذابَ في وقْتِ الرّاحَةِ أشَدُّ وأغْلَظُ.
والثّانِي: لِئَلّا يَتَحَرَّزُوا مِنهُ ويَهْرُبُوا عَنْهُ، لِاسْتِسْلامِ النّائِمِ وتَحَرُّزِ المُسْتَيْقِظِ، والبَأْسُ: شِدَّةُ العَذابِ، والبُؤْسُ: شِدَّةُ الفَقْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عَنْ قَبُولِ الرِّسالَةِ والقِيامِ بِشُرُوطِها، ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ عَنْ أداءِ الرِّسالَةِ والأمانَةِ فِيها.
والثّانِي: لَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عَنْ حِفْظِ حِرْمانِ الرُّسُلِ، ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى الأُمَمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ﴾ قال: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلغوا ﴿ فَلْنَقُصَّنَّ عليهم بعلم ﴾ قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون.
وأخرج عبد بن حميد عن قوله: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ﴾ قال: أحدهما الأنبياء وأحدهما الملائكة ﴿ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ﴾ قال: ذلك قول الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ﴾ يقول: الناس نسألهم عن لا إله إلا الله ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ قال: جبريل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في قوله: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ﴾ قال: هل بلغكم الرسل ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ قال: ماذا ردوا عليكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم أبي عبد الرحمن.
انه تلا هذه الآية فقال: يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال.
يقول ربك: ألم اجعل لك جسداً ففيم أبليته؟
الم اجعل لك علماً ففيم عملت بما علمت؟
ألم أجعل لك مالاً ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي؟
ألم اجعل لك عمراً ففيم أفنيته؟
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن وهيب بن الورد قال: بلغني أن أقرب الخلق إلى الله اسرافيل والعرش على كاهله، فإذا نزل الوحي دلى اللوح من نحو العرش، فيقرع جبهة اسرافيل فينظر فيه، فيرسل إلى جبريل فيدعوه فيرسله، فإذا كان يوم القيامة دعي اسرافيل فَيُؤْتَى به ترتعد فرائصه، فيقال له: ما صنعت فيما أدى إليك اللوح؟
فيقول: أي رب أديته إلى جبريل.
فَيُدْعَى جبريل فيؤتى به ترتعد فرائصه، فيقال له: ما صنعت فيما أدى إليك إسرافيل؟
فيقول: أي رب بلغت الرسل.
فيدعى بالرسل ترتعد فرائصهم، فيقال لهم: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟
فيقولون: أي رب بلغنا الناس.
قال: فهو قوله: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي سنان قال: أقرب الخلق إلى الله اللوح وهو معلق بالعرش، فإذا أراد الله أن يوحي بشيء كتب في اللوح، فيجيء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل، وإسرافيل قد غطى وجهه بجناحيه لا يرفع بصره اعظاماً لله، فينظر فيه فإن كان إلى أهل السماء دفعه إلى ميكائيل، وإن كان إلى أهل الأرض دفعه إلى جبريل، فأول من يحاسب يوم القيامة، اللوح يدعى به ترعد فرائصه، فيقال له: هل بلغت؟
فيقول: نعم.
فيقول ربنا: من يشهد لك؟
فيقول: اسرافيل.
فيدعى إسرافيل ترعد فرائصه، فيقال له: هل بلغك اللوح؟
فإذا قال نعم قال اللوح: الحمد لله الذي نجاني من سوء الحساب، ثم كذلك.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل: يا إسرافيل هات ما وكلتك به.
فيقول: نعم يا رب في الصور كذا وكذا ثقبة، وكذا روح الإِنس منها كذا وكذا، وللجن منها كذا وكذا، وللشياطين منها كذا وكذا، وللوحوش منها كذا وكذا، وللطير منها كذا كذا، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوام منها كذا وكذا، وللحيتان منها كذا وكذا، فيقول الله عز وجل: خذه من اللوح.
فإذا هو مثلاً بمثل لا يزيد ولا ينقص، ثم يقول عز وجل: هات ما وكلتك يا ميكائيل.
فيقول: نعم يا رب أنزلت من السماء كذا وكذا كيلة، وزنة كذا وكذا مثقالاً، وزنة كذا وكذا قيراطاً، وزنة كذا وكذا خردلة، وزنة كذا وكذا درة، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا، وفي شهر كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعة كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا أنزلت للزرع منه كذا وكذا، وأنزلت للشياطين منه كذا وكذا، وأنزلت للانس منه كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا، وأنزلت للوحوش كذا وكذا، وللطير كذا وكذا، وللحيتان كذا وكذا، وللهوام كذا وكذا.
فذلك كله كذا وكذا، فيقول: خذه من اللوح.
فإذا هو مثلاً بمثل لا يزيد ولا ينقص، ثم يقول: يا جبريل هات ما وكلتك به.
فيقول نعم يا رب أنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية في كذا وكذا، في جعمة كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية، وكذا وكذا سورة، فيها كذا وكذا آية، فذلك كذا وكذا آية، فذلك كذا وكذا حرفاً، وأهلكت كذا وكذا مدينة، وخسفت بكذا وكذا.
فيقول: خذه من اللوح.
فإذا هو مثلاً بمثل لا يزيد ولا ينقص.
ثم يقول هات ما وكلتك به يا عزرائيل.
فيقول: نعم يا رب قبضت روح كذا وكذا إنسي، وكذا وكذا جني، وكذا وكذا شيطان، وكذا وكذا غريق، وكذا وكذا حريق، وكذا وكذا كافر، وكذا وكذا شهيد، وكذا وكذا هديم، وكذا وكذا لديغ، وكذا وكذا في سهل، وكذا وكذا في جبل، وكذا وكذا طير، وكذا وكذا هوام، وكذا وكذا وحش، فذلك كذا وكذا جملته كذا وكذا، فيقول: خذه من اللوح.
فإذا هو مثلاً بمثل لا يزد ولا ينقص.
وأخرج أحمد عن معاوية بن حيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربي دَاعِيَّ وأنه سائلي هل بلغت عبادي، وإني قائل رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب، ثم إنكم تدعون مفدمة أفواهكم بالفدام، إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن طاوس.
أنه قرأ هذه الآية فقال الإِمام يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإِمام يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده» .
وأخرج ابن حبان وأبو نعيم عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته» .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فأعدوا للمسائل جواباً.
قالوا: وما جوابها؟
قال: أعمال البر» .
وأخرج الطبراني في الكبير عن المقدام «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يكون رجل على قوم إلا جاء يقدمهم يوم القيامة، بين يديه راية يحملها وهم يتبعونه، فيسأل عنه ويسألون عنه» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أمير يؤمر على عشرة إلا سُئِلَ عنهم يوم القيامة» .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: أن الله سائل كل ذي رعية عما استرعاه أقام أمر الله فيهم أم أضاعه، حتى أن الرجل ليسأل عن أهل بيته.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أهلكناها فَجَآءَهَا بَأْسُنَا ﴾ قيل: إنه من المقلوب تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها، وقيل: المعنى؛ أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، لأن مجيء البأس قبل الإهلاك فلا يصح عطفه عليه بالفاء، ويحتمل أن فجاءها بأسنا، قيل: إنه من المقلوب تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها، وقيل: المعنى؛ أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا استئنافاً على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلف، والمراد أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف بدليل أو هم قائلون ﴿ بياتا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ بياتاً مصدر في موضع الحال بمعنى: بائتين أي بالليل، وقائلون: من القائلة: أي بالنهار، وقد أصاب العذاب بعض الكفار المتقدمين بالليل، وبعضهم بالنهار، وأو هنا للتنويع ﴿ دعواهم ﴾ أي ما كان داعاؤهم واستغاثتهم إلا للاعتراف بانهم ظلمون، وقيل: املعنى أن دعواهم هنا ما كانوا يدعونه من ديهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك ﴿ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ أسند الفعل إلى الجار والمجرور، ومعنى الآية: أن الله يسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عما أجيبوا به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتذكرون ﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر.
والباقون كما مر في آخر الأنعام.
الوقوف: ﴿ المص ﴾ ه كوفي ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ قائلون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ غائبين ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ معايش ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه.
التفسير: قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم.
وعن ابن عباس معنى المص أنا الله أعلم وأفصل.
وقال السدي: معناه أنا المصوّر.
وقيل: معناه ألم نشرح لك صدرك بدليل ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ كما زاد في الرعد راء لقوله بعده ﴿ رفع السموات ﴾ ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا محل لها من الإعراب، وإن كانت اسماً للسورة جاز أن يكون ﴿ المص ﴾ مبتدأ و ﴿ كتاب ﴾ يعني به السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون ﴿ المص ﴾ خبر مبتدأ محذوف وكذا ﴿ كتاب ﴾ أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك.
والدليل على أنه منزل من الله هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتاباً ولم يخالط أهل الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق الوحي.
القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال وهذا من سمات المحدثات.
وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة.
فإن قيل: الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟
أجيب بأنه أحدث هذه الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش وحفظها ونزل فعلمها محمداً صلى الله عليه وآله.
ثم قال: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ أي شك.
وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى ﴿ منه ﴾ أي من شأن الكتاب أي لا تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك ههنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ذلك سبب رؤيته ومثله قوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ ظاهره أمر للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين.
وفي متعلق قوله ﴿ لتنذر ﴾ أقوال.
قال الفراء: إنه متعلق بـ ﴿ أنزل ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج.
وفائدة التقديم والتأخير أن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر.
وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله على ربه وثقته بعصمته.
وقال صاحب النظم: اللام بمعنى "أن" كقوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ليطفؤا ﴾ والتقدير لا يضق صدرك ولا تضعف عن أن تنذر به.
وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك وإذا علمت أنه تنزيل الله فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظاً وناصراً لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال.
ثم قال: ﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.
وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيراً، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف والجر للعطف على محل ﴿ أن تنذر ﴾ أي للإنذار وللذكرى.
وإنما لم نقل على محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً ولو صح ذلك لكان محله النصب لا الجر.
وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ والتحقيق فيه أن النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قويّ، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت معدنها وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلمتحتج إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة.
ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً.
عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.
وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض.
فإن قيل: العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ عمل بالقرآن أيضاً.
قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه ﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿ أولياء ﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ من دونه ﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون دين الله أولياء.
احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله والعمل بالقياس.
متابعة غير ما أنزل فلا يجوز.
لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره.
أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع.
وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ وبعموم قوله صلى الله عليه وآله "لا تجتمع أمتي على الضلالة" والفرع لا يكون أقوى من الأصل.
أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح.
ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية.
وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر.
ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا.
و"ما" مزيدة لتوكيد القلة.
ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: ﴿ وكم من قرية ﴾ فموضع "كم" رفع بالابتداء و"من" مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿ أهلكناها ﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل قرية لقوله ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله: ﴿ أوهم قائلون ﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم.
وإنما قال: ﴿ فجاءها ﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت.
وهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس.
والعلماء أجابوا بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ﴾ ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح.
فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟
فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه" فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا ههنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت.
وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً.
ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس.
ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله: عرضت الناقة على الحوض.
وقوله ﴿ بياتاً ﴾ قال الجوهري: بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات.
وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً.
وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين.
ثم قال: ﴿ أوهم قائلون ﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿ بياتاً ﴾ كأنه قيل: فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين.
وإنما حسن ترك الواو ههنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل.
فقولك: جائني زيد راجلاً أو هو فارس.
كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً.
وقال بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا.
أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة.
وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله : ﴿ أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ﴾ والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع.
وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.
أيا راقد الليل مسوراً بأوّله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.
ثم قرر حالهم عند مجيء البأس فقال: ﴿ فما كان دعواهم ﴾ أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم على أنفسهم.
وقال ابن عباس: فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم بالشرك.
وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء.
حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما فرط منهم وفرطوا فيه.
ومحل ﴿ دعواهم ﴾ وعلى عكسه محل ﴿ إن قالوا ﴾ يجوز أن يكون نصباً أو رفعاً كما سبق في إعراب قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيداً آجلاً فقال: ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله: ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ﴾ ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بعلم ﴾ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عنهم وعما وجد منهم.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعدما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟
فالجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير تقريعاً وتوبيخاً.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟
قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار.
فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: ﴿ فلنسئلن ﴾ وبين قوله: ﴿ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها.
أو المراد نفي سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض.
وفي الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها أنه عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك.
وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز والجهات وإلا كان غائباً من غيره.
ثم بيّن أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن الأعمال فقال: ﴿ والوزن ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ يومئذ ﴾ وقوله ﴿ الحق ﴾ صفة المبتدأ أي الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم.
وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون ﴿ الحق ﴾ خبراً و ﴿ يومئذٍ ﴾ ظرفاً للوزن ومعنى الحق أنه كائن لا محالة.
وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما جاء في الخبر "إنه ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها" .
وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصوّر أعماله بصور حسنة وأعمال الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس.
وثانيهما أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد.
"يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف" .
وعن عبد الله بن سلام أن ميزان العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : "يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في الآخرة فترجح" قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات وإلا كان إغراء على المعصية.
ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله أشرف العقائد والأعمال.
وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟
فيقول: أنا نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ قد وافتك أحوج ما تكون إليها القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا يبعد جعل الوزن مجازاً عن العدل.
ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها.
وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال فنقول: المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقراً بأنه عادل حكيم وحينئذٍ يكفيه حكم الله بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا يكون مقراً فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان.
أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه منزه عن الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد الفرح والسرور للمؤمن وبالضدّ للكافر.
واختلف العلماء أيضاً في كيفية الرجحان فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات.
وقال آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة.
واختلف أيضاً في الموازين فقيل: إنها جمع موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد.
ولئن سلم أنها جمع الميزان فالعرب قد توقع لفظاً لجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الأفراس والبغال.
قاله الزجاج.
وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ وأيضاً لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.
ثم إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب بها وهذا لا يليق إلا بالكافر.
ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياماً ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال ولا انقطاع.
قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم.
ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ أقدرناكم على التصرف فيها ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه المنافع التي تحصل بتخليق الله ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة.
وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيهاً بصحائف واستبعده النحويون البصريون.
ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي فقال: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ .
التأويل: ﴿ المص ﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿ كتاب أنزل على قلبك ﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح.
وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله.
﴿ وكم من قرية ﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿ قائلون ﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿ والوزن يومئذ ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.
روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة.
﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه.
والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله: " ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق" وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ ولقد مكناكم ﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿ وجعلنا لكم ﴾ خاصة ﴿ معايش ﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية.
فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾ .
قال أهل التأويل: [كان] يخوف أهل مكة بتكذيبهم الرسول بإهلاكه الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، بقوله: ﴿ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾ ؛ بتكذيبهم الرسل، فأنتم يأهل مكة تهلكون بتكذيبكم الرسول، [وإن كانوا لا يعرفون هم إهلاك الأمم الماضية أنه إنما أهلكوا بتكذيبهم الرسل، غير أنهم] وإن كانوا لا يعرفون هم ذلك بأنفسهم؛ لما ليس عندهم كتاب - لكن يصلون إلى علم ذلك بمن عندهم الكتب - وهم [أهل] الكتاب - فيلزمهم الحجة، كالعجم وإن كانوا لا يعرفون الكتاب الذي أنزل بلسان العرب، فإن الحجة تلزمهم بذلك؛ لما كان لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالعرب؛ فعلى ذلك هؤلاء، وإن لم يكن عندهم علم بإهلاك أولئك؛ فتلزمهم الحجة بإعلام أهل الكتاب إياهم.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد لأنه أخبر عن إهلاك الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، وهو لم ينظر في كتبهم، ولا اختلف إليهم ليعلموه عن ذلك، ثم أخبرهم بذلك، فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: البأس هو كل أمر معضل شديد من المرض والجرح وغيره، ويقول: روي عن عمر أنه لما طعن قيل له: لا بأس عليك، فقال: إن كان في القتل بأس كفى بذلك.
وأما غيره من أهل التأويل فقالوا: البأس: العذاب، "وبأسنا": عذابنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ .
البيات: بالليل، والقيلولة: بالنهار عند الظهيرة، وهما وقتا الغفلة أو وقتا الأمن.
أخبر أنه إنما يأتيهم عذابه في حال الغفلة، أو في حال الأمن؛ لئلا يكونوا غافلين عن أمره، ولا يكونوا آمنين عذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ ﴾ .
أي: ما كان دعواهم قبل نزول العذاب إلا أنهم قالوا: نحن على الحق وإن غيرهم على الباطل، فإذا جاءهم بأسنا اعترفوا بظلمهم؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: فما كان دعواهم حين نزول العذاب ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
يذكر في هذه الآية أنه يسألهم جميعاً: الرسل والمرسلين إليهم.
وقال في آية أخرى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ ، ولكن قوله: ﴿ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ ﴾ ، أي لا يسأل عما فعل وعن نفس ما ارتكب؛ كم أذنبت؟
وما فعلت؟
ولكن يسأل: لماذا فعلت؟
يسأل عن الحجة: لم أذنبت؟
ولم فعلت ذا؟
أو أن يسأل في وقت، ولا يسأل في وقت آخر.
قال بعضهم: لا يسأل عن ذنبه غيره، وإنما يسأل صاحبه وفاعله، يخبر - والله أعلم - أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يؤاخذ غيره بذنب آخر وربما يسأل إحضار قريبه، وأما في الآخرة فإنه لا يؤاخذ غيره بذنب آخر كذلك كان ما ذكرنا.
أو أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يُسْأَلُ ﴾ : عما أظهر وأبدى؛ لكن يسأل عما أسرّ وأخفى؛ لأن الملائكة قد يكتبون ما أبدوه وأظهروه؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ؛ فيقع السؤال عما أسرّوا على التقرير، ولا يسأل بعد ذلك.
وقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى الأمم، ويسأل قومهم: هل بلغ الرسل إليهم الرسالة؟
ويكون سؤالهم الرسل سؤال شهادة - كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...
﴾ الآية - أنه قد بلغ الرسالة.
وقال بعضهم: يسأل الملائكة عن تبليغ الرسالة إلى الأنبياء، ويسأل الأنبياء - عليهم السلام - عن تبليغ الملائكة إليهم، وأمكن أن يكون [السؤال] للرسل عما أجيبوا، وكان سؤال الأمم عما أجابوا الرسل؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
أو أن يكون سؤال القوم سؤال تقرير عندهم، وإقرار لما كانوا ينكرون التبليغ إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .
هذا السؤال سؤال تقرير وتعيير لا غير؛ لأنه كان يعلم أنه لم يكن قال لهم ذلك، لكنه سألهم سؤال تقرير؛ ليقروا بذلك؛ لئلا يقولوا: هو قال لهم ذلك؛ لأنهم قالوا: عيسى هو الذي قال لهم ذلك؛ فعلى ذلك الأوّل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ﴾ .
عن عملهم وصنيعهم؛ ولكن يسألون لما ذكرنا، والله أعلم.
يشبه أن يكون: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ﴾ ذكر هذا؛ لما يحتمل أن يظن به الخفاء عليه؛ لما ذكر من المسألة لهم والسؤال، وهو الاستخبار عما يسر ويضمر؛ ليظهر ذلك، هذا هو معنى السؤال في الشاهد والاستخبار؛ فأخبر - عز وجل - بقوله: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ﴾ على أن سؤاله ليس بسؤال استخبار واستظهار له؛ ولكن سؤال توبيخ وتقرير، أو سؤال شهادة؛ وعلى هذا يخرج الابتلاء منه والامتحان؛ لتقرير الأمر والنهي، لا لإظهار شيء خفي عليه، وإن كان في الشاهد يكون كذلك.
أو أن يصير ما قد خفي عليهم بادياً ظاهراً عندهم؛ فسمى ذلك الأمر منه والنهي؛ ابتلاء وامتحاناً؛ لما [هو] عند الخلق ابتلاءٌ وامتحان، وإن كان عند الله لا يحتمل ذلك؛ فسمي بالذي فيما بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ﴾ .
قال الحسن: يكون ميزاناً له كفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات؛ فمن ثقلت موازينه دخل الجنة، ومن خفت موازينه دخل النار.
وقال غيره من أهل التأويل: يريد بـ "الموازين" الحسنات والسيئات نفسها؛ فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار.
إلى هذا ذهب أكثر أهل التأويل، ولا يحتمل ما قالوا.
أما قول الحسن: ميزان له كفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات - لا يحتمل؛ لأنه قال: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
إذا ثقلت إحدى الكفتين خفت الأخرى، وإذا خفت إحداهما ثقلت الأخرى؛ فكل واحدة منهما فيمن تثقل موازينه وتخف، وقد أخبر في الآية أن من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه ﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم ﴾ .
ولا يحتمل - أيضاً - ما قال غيره من أهل التأويل: إنه أراد بـ "الموازين": الحسنات، والسيئات؛ لأن الآية في المؤمنين والكافرين؛ فلا سيئة ترجح في المؤمن مع إيمانه، ولا حسنة ترجح في الكافر مع شركه، إلا أن يقال: إن توزن حسناته وتقابل بسيئاته دون إيمان، وكذلك الكافر تقابل سيئاته بحسناته دون الشرك؛ فذهبت حسناتهم التي كانت لهم في الدنيا بما أنعم الله عليهم في الدنيا؛ فقد عجل لهم جزاء حسناتهم التي عملوا في الدنيا؛ بما أنعم عليهم في الدنيا.
وأما المؤمن فيتجاوز عن سيئاته ويتقبل عنه أحسن ما عمل؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
أو أن يكون ما ذكر من الميزان هو الكتاب الذي ذكر في آية أخرى؛ كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ الآية، [و] كما قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ ﴾ ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ ﴾ .
وقال بعضهم: الوزن هو العدل؛ كقوله: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ ﴾ لم يقل: نضع الموازين بالقسط، ولكن قال: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ ﴾ ، والقسط: هو العدل، فهو إخبار عن العدل أنه يعدل بينهم يومئذ.
وقال بعضهم: الوزن يومئذ الحق، أي: الجزاء يومئذ الحق؛ يجزي للطاعة الحسنة والثواب، وللسيئة عقاب وعذاب، فهو حق.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ﴾ \[أي\]: الطاعة حق، كل مطيع يومئذ فهو حق.
ويحتمل أن يكون الوزن الحدود، والتقدير كقوله: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ ، أي: محدود مقدر؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: الحد يومئذ الحق، لا يزاد على السيئات، ولا ينقص من الحسنات التي عملوا في الدنيا، والله أعلم بما أراد بالوزن.
ثم قال أهل التأويل في قوله: ﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم ﴾ ، أي: غبنوا؛ وذلك أنه ما من أحد من مؤمن وكافر إلا وله في الجنة والنار منزل وأهل، فيرث المؤمن المنزل الذي كان للكافر في الجنة، ويرث الكافر المنزل الذي للمؤمن في النار؛ فذلك الخسران الذي خسروا، لكن هذا لا يحتمل أن يكون الله - - يجعل للكافر في الجنة منزلاً وأهلاً مع علمه أنه لا يؤمن، ويختم على كفره، ويحتمل الخسران الذي ذكر هو أنهم خسروا في الدنيا والآخرة لما فات عنهم النعم التي كانت لهم في الدنيا ولم يصلوا إلى نعيم الآخرة، فذلك هو الخسران المبين في الدنيا والآخرة.
[و] قوله عز وجل: ﴿ بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ ﴾ قال الحسن: بـ "آياتنا": ديننا يكذبون، ولكن كذبوا حججنا.
"يظلمون" أي: يضعونها في غير موضعها، وهو ما ذكر من ظلمهم الآيات؛ لأن الظلم هو وضع الشيء [في] غير موضعه، ثم المسألة فيمن ارتكب كل ذنب وكبيرة في حال كفره عمره ثم آمن في آخره، صار ما كان ارتكب في حال كفره من الكبائر مغفوراً معفوّاً عنه غير مؤاخذ بها، ومن ارتكب ذلك في حال إيمانه، وختم على الإيمان لم يعمل الإيمان في تكفيره وكان مؤاخذاً به، وذلك والله أعلم؛ لوجهين: أحدهما: أن ليس على الكافر أنفس أفعال الطاعات وأعينها، إنما عليه قبول تلك الأعمال، فإذا أسلم، فقد قبلها ولم يكن عليه في ذلك الوقت إلا القبول؛ لذلك لم يؤاخذ بما كان منه من الأعمال.
وأما المؤمن فعليه أنفس أفعال تلك الطاعات، وتلك الأعمال، وقد كان منذ القبول [آخذاً بما كان] منه التفريط في تلك الأعمال.
والثاني: أن الكافر إذا أسلم بعد ما ارتكب من الكبائر؛ لم يجرح إيمانه، ولا أدخل فيه نقصاً؛ فلم يؤاخذ بما كان منه لما قدم على ربه بإيمان كامل.
وأما المؤمن إذا ارتكب كبائر فقد جرح الإيمان، وأدخل [فيه] النقصان بعمله الذي يخالف الإيمان، ولا يوافقه؛ لذلك افترقا.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ على التمثيل ليس على تحقيق الميزان والخفة، ولكن على الوصف بالعظم لأعمال المؤمنين وبالخفة والتلاشي لأعمال الكافرين؛ لأن الله - عز وجل - ضرب لأعمال المؤمنين المثل بالشيء الثابت والطيب، ووصف أعمالهم بالثبات والقرار فيه، وضرب لأعمال الكافرين المثل وشبهها بالشيء التافه التالف، ووصفها بالبطلان والتلاشي كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : وصف أعمالهم بالطيب والثبات والقرار، ووصف أعمال الكافرين بالخبث والتلاشي والبطلان كقوله: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ونحوه من الآيات: وصف أعمال المؤمنين بالثبات والقرار، وأعمال الكفرة بالذهاب والبطلان؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ وصف بالعظم والقرار [والثبات]، وقوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ وصف بالبطلان والتلاشي ألا يكون لهم من الخيرات: [شىء ينتفعون به] في الآخرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فلنسألنَّ يوم القيامة الأمم التي أرسلنا إليها رسلنا عما أجابوا به الرسل، ولنسألن الرسل عن تبليغ ما أُمِروا بتبليغه، وعما أجابتهم به أممهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.QyVKr"