الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٥٨ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 159 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) أي : والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعا حسنا ، كما قال : ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ) [ آل عمران : 37 ] .
( والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ) قال مجاهد وغيره : كالسباخ ونحوها .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في الآية : هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر .
وقال البخاري : حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا حماد بن أسامة عن بريد بن عبد الله ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكانت منها نقية قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير .
وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس ، فشربوا وسقوا وزرعوا .
وأصاب منها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا .
ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " .
رواه مسلم والنسائي من طرق ، عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، به
القول في تأويل قوله : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والبلدُ الطيبة تربته، العذبةُ مشاربه، يخرج نباته إذا أنـزل الله الغيث وأرسل عليه الحيا، بإذنه، طيبًا ثمرُه في حينه ووقته.
والذي خَبُث فردؤت تربته، وملحت مشاربه، لا يخرج نباته إلا نكدًا = = يقول: إلا عَسِرًا في شدة، كما قال الشاعر: (1) لا تُنْجِــزُ الوعْـدَ, إِنْ وَعَـدْتَ, وإن أَعْطَيْــتَ أَعْطَيْــتَ تَافِهًــا نَكِـدَا (2) يعني بـ" التافه "، القليل، وبـ" النكد " العسر.
يقال منه: " نكِد يَنْكَد نكَدًا، ونَكْدًا = فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ"، والنُّكْد، المصدر.
ومن أمثالهم: " نَكْدًا وجحدًا "،" ونُكدًا وجُحْدا ".
و " الجحد "، الشدة والضيق.
ويقال: " إذا شُفِه وسئل: (3) قد نَكَدوه ينكَدُونه نَكْدًا "، كما قال الشاعر: (4) وَأَعْـــطِ مَــا أَعْطَيْتَــهُ طَيِّبًــا لا خَــيْرَ فِــي المَنْكُــودِ والنَّـاكِدِ (5) * * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعض أهل المدينة: ( إلا نَكَدًا ) ، بفتح الكاف.
* * * وقرأه بعض الكوفيين بسكون الكاف: ( نَكْدًا ).
* * * وخالفهما بعد سائر القرأة في الأمصار، فقرؤوه: ( إلا نَكِدًا )، بكسر الكاف.
* * * كأن من قرأه: " نكَدًا " بنصب الكاف أراد المصدر.
وكأنّ من قرأه بسكون الكاف أراد كسرها، فسكنها على لغة من قال: " هذه فِخْذ وكِبْد "، وكان الذي يجب عليه إذا أراد ذلك أن يكسر " النون " من " نكد " حتى يكون قد أصاب القياس.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءةُ من قرأهُ: ( نَكِدًا )، بفتح " النون " وكسر " الكاف "، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه.
* * * وقوله: " كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون " ، يقول: كذلك: نُبين آية بعد آية، وندلي بحجة بعد حجة، ونضرب مثلا بعد مثل، (6) لقوم يشكرون الله على إنعامه عليهم بالهداية، وتبصيره إياهم سبيل أهل الضلالة، باتباعهم ما أمرَهم باتباعه، وتجنُّبهم ما أمرهم بتجنبه من سبل الضلالة.
وهذا مثل ضرَبه الله للمؤمن والكافر، فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، مثل للمؤمن = والذي خَبُث فلا يخرج نباته إلا نكدًا، مثلٌ للكافر.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14786 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا " ، فهذا مثل ضربه الله للمؤمن.
يقول: هو طيب، وعمله طيب، كما البلد الطيب ثمره طيب.
ثم ضرب مثلَ الكافر كالبلدة السَّبِخة المالحة التي يخرج منها النـز (7) فالكافر هو الخبيث، وعمله خبيث.
14787 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " والبلد الطيب " ، و " الذي خبث " قال: كل ذلك من الأرض السِّباخ وغيرها، مثل آدم وذريته، فيهم طيب وخبيث.
14788 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
14789 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا " ، قال: هذا مثل ضربه الله في الكافر والمؤمن.
14790 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد = يعني ابن المفضل = قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث " ، هي السبخة لا يخرج نباتها إلا نكدًا = و " النكد "، الشيء القليل الذي لا ينفع.
فكذلك القلوب لما نـزل القرآن، فالقلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه، والقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه، ولم يثبت فيه من الإيمان شيء إلا ما لا ينفع، كما لم يُخْرِج هذا البلد إلا ما لا ينفع من النبات.
14791 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد: " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا " ، قال: الطيب ينفعه المطر فينبت،" والذي خبث " السباخُ، لا ينفعه المطر، لا يخرج نباته إلا نكدًا.
قال: هذا مثل ضربه الله لآدم وذريته كلهم، إنما خلقوا من نفس واحدة، فمنهم من آمن بالله وكتابه، فطابَ.
ومنهم من كفر بالله وكتابه، فخَبُث.
--------------------- الهوامش : (1) م أعرف قائله.
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 217 ولسان العرب (تفه).
(3) "شفه الرجل" (بالبناء للمجهول) ، إذا كثر سؤال الناس إياه فأعطى حتى نفد ما عنده فأفنى ماله."فهو مشفوه" ومثله"منكود ، ومثمود ، ومعروك ، ومعجوز ، ومصفوف ، ومكثور عليه".
ويقال: "ماء مشفوه" ، كثير الشاربة ، وكذلك الماء والطعام.
(4) م أعرف قائله.
(5) اللسان (نكد) ، وقد ذكرت البيت آنفًا 1: 442 ، تعليق: 1 (6) انظر تفسير"التصريف" فيما سلف 3: 275 ، 276/ 11: 356 ، 433/ 12: 25 = وتفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(7) في المطبوعة: "التي تخرج منها البركة" ، زاد"لا" ، وليست في المخطوطة اتباعًا لما في الدر 3: 93.
وفي المخطوطة مثلها أنه كتب"النزله" غير المنقوطة.
وهو غير مفهوم إذا قرئ: "تخرج منها البركة".
وصفة الأرض"السبخة" أنها أرض ذات ملح ونز ، وهو الماء تتحلب عنه الأرض ، فيصير مناقع.
ومن أجل ذلك صار راجحًا عندي أن ما أثبته هو الصواب ، وأن ما في المخطوطة من فعل الناسخ.
قوله تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرونقوله تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا أي التربة الطيبة .
والخبيث الذي في تربته حجارة أو شوك ; عن الحسن .
وقيل : معناه التشبيه ، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب ، والبليد بالذي خبث ; عن النحاس .
وقيل : هذا مثل للقلوب ; فقلب يقبل الوعظ والذكرى ، وقلب فاسق ينبو عن ذلك ; قاله الحسن أيضا .
وقال قتادة : مثل للمؤمن يعمل محتسبا متطوعا ، والمنافق غير محتسب ; قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء .نكدا نصب على الحال ، وهو العسر الممتنع من إعطاء الخير .
وهذا تمثيل .
قال مجاهد : يعني أن في بني آدم الطيب والخبيث .
وقرأ طلحة ( إلا نكدا ) حذف الكسرة لثقلها .
وقرأ ابن القعقاع ( نكدا ) بفتح الكاف ، فهو مصدر بمعنى ذا نكد .
كما قال :فإنما هي إقبال وإدباروقيل : نكدا بنصب الكاف وخفضها بمعنى ; كالدنف والدنف ، لغتان .كذلك نصرف الآيات أي كما صرفنا من الآيات ، وهي الحجج والدلالات ، في إبطال الشرك ; كذلك نصرف الآيات في كل ما يحتاج إليه الناس .لقوم يشكرون وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك .
ثم ذكر تفاوت الأراضي، التي ينزل عليها المطر، فقال: { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ } أي: طيب التربة والمادة، إذا نزل عليه مطر { يَخْرُجُ نَبَاتُهُ } الذي هو مستعد له { بِإِذْنِ رَبِّهِ } أي: بإرادة اللّه ومشيئته، فليست الأسباب مستقلة بوجود الأشياء، حتى يأذن اللّه بذلك.
{ وَالَّذِي خَبُثَ } من الأراضي { لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا } أي: إلا نباتا خاسا لا نفع فيه ولا بركة.
{ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } أي: ننوعها ونبينها ونضرب فيها الأمثال ونسوقها لقوم يشكرون اللّه بالاعتراف بنعمه، والإقرار بها، وصرفها في مرضاة اللّه، فهم الذين ينتفعون بما فصل اللّه في كتابه من الأحكام والمطالب الإلهية، لأنهم يرونها من أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم، فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها، فيتدبرونها ويتأملونها، فيبين لهم من معانيها بحسب استعدادهم، وهذا مثال للقلوب حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة، كما أن الغيث مادة الحيا، فإن القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي، تقبله وتعلمه وتنبت بحسب طيب أصلها، وحسن عنصرها.
وأما القلوب الخبيثة التي لا خير فيها، فإذا جاءها الوحي لم يجد محلا قابلا، بل يجدها غافلة معرضة، أو معارضة، فيكون كالمطر الذي يمر على السباخ والرمال والصخور، فلا يؤثر فيها شيئا، وهذا كقوله تعالى: { أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا } الآيات.
قوله - عز وجل - : ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) هذا مثل ضربه الله - عز وجل - للمؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد الطيب ، يصيبه المطر فيخرج نباته بإذن ربه ، ( والذي خبث ) يريد الأرض السبخة التي ( لا يخرج ) نباتها ، ( إلا نكدا ) قرأ أبو جعفر بفتح الكاف ، وقرأ الآخرون بكسرها ، أي : عسرا قليلا بعناء ومشقة .
فالأول : مثل المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله وانتفع به ، والثاني : مثل الكافر الذي يسمع القرآن فلا يؤثر فيه ، كالبلد الخبيث الذي لا يتبين أثر المطر فيه ( كذلك نصرف الآيات ) نبينها ، ( لقوم يشكرون ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " .
«والبلد الطيب» العذب التراب «يخرج نباته» حسنا «بإذن ربه» هذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها «والذي خبث» ترابه «لا يخرج» نباته «إلا نكدا» عسرا بمشقة وهذا مثل للكافر «كذلك» كما بينا ما ذكر «نُصرِّف» نبين «الآيات لقوم يشكرون» الله يؤمنون.
والأرض النقية إذا نزل عليها المطر تُخْرج نباتًا -بإذن الله ومشيئته- طيبًا ميسرًا، وكذلك المؤمن إذا نزلت عليه آيات الله انتفع بها، وأثمرت فيه حياة صالحة، أما الأرض السَّبِخة الرديئة فإنها لا تُخرج النبات إلا عسرًا رديئا لا نفع فيه، ولا تُخرج نباتًا طيبًا، وكذلك الكافر لا ينتفع بآيات الله.
مثل ذلك التنويع البديع في البيان نُنوِّع الحجج والبراهين لإثبات الحق لأناس يشكرون نعم الله، ويطيعونه.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لاختلاف استعداد البشر للخير والشر فقال : ( والبلد الطيب .
.
) .( والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ) .أصل النكد : العسر القليل الذى لا يخرج إلا بعناء ومشقة .
يقال : نكد عيشه ينكد ، اشتد وعسر .
ونكدت البئر : قل ماؤها ، ومنه : رجل نكد ، ونكد وأنكد ، شؤم عسر .
وهم أنكاد ومناكيد .وقال فى اللسان : والنكد : قلة العطاء ، قال الشاعر :لا تنجز الوعد إن وعدت وإن ...
أعطيت ، أعطيت تافها نكداأى : عطاء قليلا لا جدوى منه .والمعنى : أن الأرض الكريمة التربة يخرج نباتها وافيا حسنا غزير النفع بمشيئة الله وتيسيره ، والذى خبث من الأرض كالسبخة منها لا يخرج نباته إلا قليلا عديم الفائدة .فالأول : مثل ضربه الله للمؤمن يقول : هو طيب وعمله طيب .والثانى : مثل للكافر ، يقول : هو خبيث وعمله خبيث ، وفيهما بيان أن القرآن يثمر فى القلوب التى تشبه الأرض الطيبة التربة ، ولا يثمر فى القلوب التى تشبه الأرض الرديئة السبخة .ونكدا منصوب على أنه حال أو على أنه نعت لمصدر محذوف والتقدير : والذى خبث لا يخرج إلا خروجا نكدا .قال صاحب الكشاف : " وهذا مثل لمن ينجح فيه الوعظ والتذكير من المكلفين ، ولمن لا يؤثر فيه شىء من ذلك .
وعن مجاهد : آدم وذريته منهم خبيث وطيب .
وعن قتادة : المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به ، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت .
والكافر بخلاف ذلك .
وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر .
وإنزاله بالبلد الميت ، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد "وقريب من معنى الآية الكريمة ما رواه الشيخان عن أبى موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به " .وقوله : ( كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) أصل التصريف : تبديل حال بحال ومنه تصريف الرياح .
والآيات : الدلائل الدالة على قدرة الله .أى : مثل ذلك التصريف البديع والتنويع الحكيم نصرف الايات الدالة على علمنا وحكمتنا ورحمتنا بالإتيان بها على أنواع جلية واضحة لقوم يشكرون نعمنا ، باستعمالها فيما خلقت له ، فيستحقون مزيدنا منها وإثابتنا عليها .وعبر هنا بالشكر لأن هذه الآية موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد ، بينما عبر فى الآية السابقة عليها بالتذكر لأن موضوعها يتعلق بالاعتبار والاستدلال على قدرة الله - تعالى - فى إحياء الموتى .وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - عن عظمة القرآن الكريم وعن وجوب اتباعه ، وعن قصة آدم وما فيها من عبر وعظات ، وعما أحله الله وحرمه ، وعما يدور بين أهل النار من مجادلات واتهامات ، وعن العاقبة الطيبة التى أعدها الله للصالحين من عباده ، وعن المحاورات التى تدور بيهم وبين أهل النار ، ثم عن مظاهر قدرة الله ، وأدلى وحدانيته .وبعد كل ذلك تبدأ السورة جولة جديدة مع الأمم الخالية ، والقرى المهلكة التى جاء ذكرها فى مطلعها .( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ) فتحدثنا السورة الكريمة عن مصارع قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، ثم حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائل .وقد تكلم الإمام الرازى عن فوائد مجىء قصص هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم فى هذه السورة بعد أن تحدثت عن أدلة توحيده وربوبيته - سبحانه - فقال : اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد :أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات .
ليس من خواص قوم النبى صلى الله عليه وسلم بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة فى جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت ، فكان ذكر قصصهم ، وحكاية إصرارهم وعنادهم ، يفيد تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم وتخفيف ذلك على قلبه .ثانيها : أنه - تعالى - يحكى فى هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن فى الدنيا ، والخسارة فى الآخرة ، وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة فى الدنيا ، والسعادة فى الآخرة ، وذلك يقوى قلوب المحقين ، ويكسر قلوب المبطلين .وثالثها : التنبيه على أنه - تعالى - وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ، ولكنه لا يهملهم ، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه .ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أمياً .
وما طالع كتاباً ولا تتلمذ على أستاذ .
فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحى من الله - تعالى - " .
اعلم أن في كيفية النظم وجهين: الأول: أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية.
وكمال العلم، والقدرة من العالم العلوي، وهو السموات والشمس والقمر والنجوم، أتبعه بذكر الدلائل من بعض أحوال العالم السفلي.
واعلم أن أحوال هذا العالم محصورة في أمور أربعة: الآثار العلوية، والمعادن، والنبات، والحيوان، ومن جملة الآثار العلوية الرياح، والسحاب، والأمطار ويترتب على نزول الأمطار أحوال النبات، وذلك هو المذكور في هذه الآية.
الوجه الثاني: في تقرير النظم أنه تعالى لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم، أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة ليحصل بمعرفة هاتين الآيتين كل ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ والمعاد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ﴿ الريح ﴾ على لفظ الواحد والباقون ﴿ الرياح ﴾ على لفظ الجمع، فمن قرأ ﴿ الرياح ﴾ بالجمع حسن وصفها بقوله: ﴿ بَشَرًا ﴾ فإنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ ﴿ الريح ﴾ واحدة قرأ ﴿ بُشرًا ﴾ جمعاً لأنه أراد بالريح الكثرة كقولهم كثير الدرهم والدينار والشاة والبعير وكقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ ثم قال: ﴿ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع وأما قوله: ﴿ نَشْراً ﴾ ففيه قراءات: إحداها: قراءة الأكثرين ﴿ نُشُراً ﴾ بضم النون والشين، وهو جمع نشور مثل رسل ورسول، والنشور بمعنى المنشر كالركوب بمعنى المركوب، فكان المعنى رياح منشرة أي مفرقة من كل جانب والنشر التفريق، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة بالمنشار.
وقال الفراء: النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب واحدها نشور وأصله من النشر، وهو الرائحة الطيبة ومنه قول امرئ القيس ونشر العطر.
والقراءة الثانية: قرأ ابن عامر ﴿ نُشْراً ﴾ بضم النون وإسكان الشين، فخفف العين كما يقال كتب ورسل.
والقراءة الثالثة: قرأ حمزة ﴿ نَشْراً ﴾ بفتح النون وإسكان الشين والنشر مصدر نشرت الثوب ضد طويته ويراد بالمصدر هاهنا المفعول والرياح كأنها كانت مطوية، فأرسلها الله تعالى منشورة بعد انطوائها، فقوله: ﴿ نَشْراً ﴾ مصدر هو حال من الرياح والتقدير: أرسل الرياح منشرات، ويجوز أيضاً أن يكون النشر هنا بمعنى الحياة من قولهم أنشر الله الميت فنشر.
قال الأعشى: يا عجباً للميت الناشر *** فإذا حملته على ذلك وهو الوجه.
كان المصدر مراداً به الفاعل كما تقول: أتاني ركضاً أي راكضاً، ويجوز أيضاً أن يقال: أن أرسل ونشر متقاربان، فكأنه قيل: وهو الذي ينشر الرياح نشراً.
والقراءة الرابعة: حكى صاحب الكشاف عن مسروق ﴿ نَشْراً ﴾ بمعنى منشورات فعل بمعنى مفعول كنقض وحسب ومنه قولهم: ضم نشره.
والقراءة الخامسة: قراءة عاصم ﴿ بشرًا ﴾ بالباء المنقطة بالمنطقة الواحدة من تحت جمع بشيراً على بشر من قوله تعالى: ﴿ يُرْسِلَ الرياح مبشرات ﴾ أي تبشر بالمطر والرحمة، وروى صاحب الكشاف ﴿ بشرًا ﴾ بضم الشين وتخفيفه و ﴿ بشرًا ﴾ بفتح الباء وسكون الشين مصدر من بشره بمعنى بشره أي باشرات وبشرى.
المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح ﴾ معطوف على قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ ثم نقول: حد الريح أنه هواء متحرك فنقول: كون هذا الهواء متحركاً ليس لذاته ولا للوازم ذاته، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته فلابد وأن يكون لتحريك الفاعل المختار وهو الله جل جلاله.
قالت الفلاسفة: هاهنا سبب آخر وهو أنه يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنه تسخيناً قوياً شديداً فبسبب تلك السخونة الشديدة ترتفع وتتصاعد، فإذا وصلت إلى القرب من الفلك كان الهواء الملتصق بمقعر الفلك متحركاً على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت لتلك الطبقة من الهواء فيمنع هذه الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها، فحينئذ ترجع تلك الأدخنة وتتفرق في الجوانب، وبسبب ذلك التفرق تحصل الرياح، ثم كلما كانت تلك الأدخنة أكثر، وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضاً أشد حركة فكانت الرياح أقوى وأشد.
هذا حاصل ما ذكروه، وهو باطل، ويدل على بطلانه وجوه: الأول: أن صعود الأجزاء الأرضية إنما يكون لأجل شدة تسخينها، ولا شك أن ذلك التسخن عرض لأن الأرض باردة يابسة بالطبع، فإذا كانت تلك الأجزاء الأرضية متصعدة جداً كانت سريعة الانفعال، فإذا تصاعدت، ووصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها بل تبرد جداً، وإذا بردت امتنع بلوغها في الصعود إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك، فبطل ما ذكروه.
الوجه الثاني: هب أن تلك الأجزاء الدخانية صعدت إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك لكنها لما رجعت، وجب أن تنزل على الاستقامة، لأن الأرض جسم ثقيل، والثقيل إنما يتحرك بالاستقامة والرياح ليست كذلك، فإنها تتحرك يمنة ويسرة.
الوجه الثالث: وهو أن حركة تلك الأجزاء الأرضية النازلة لا تكون حركة قاهرة، فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير، ثم عاد ذلك الغبار، ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها، وترى هذه الرياح تقلع الأشجاء وتهدم الجبال وتموج البحار.
والوجه الرابع: أنه لو كان الأمر على ما قالوه، لكانت الرياح كلما كانت أشد، وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر، لكنه ليس الأمر كذلك لأن الرياح قد يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البحر، مع أن الحس يشهد أنه ليس في ذلك الهواء المتحرك العاصف شيء من الغبار والكدرة فبطل.
ما قالوه، وبطل بهذا الوجه العلة التي ذكروها في حركة الرياح.
قال المنجمون: إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح وتوجب هبوبها، وذلك أيضاً بعيد لأن الموجب لهبوب الرياح إن كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام تلك الطبيعة، وإن كان الموجب هو طبيعة الكوكب بشرط حصوله في البرج المعين والدرجة المعينة وجب أن يتحرك هواء كل العالم، وليس كذلك، وأيضاً قد بينا أن الأجسام متماثلة باختصاص الكوكب المعين والبرج المعين فالطبيعة التي لأجلها اقتضت ذلك الأثر الخاص، لابد وأن تكون بتخصيص الفاعل المختار.
فثبت بهذا البرهان الذي ذكرناه أن محرك الرياح هو الله سبحانه وتعالى.
وثبت بالدليل العقلي صحة قوله: ﴿ هو الذي يُرْسِلُ الرياح ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ فيه فائدتان: إحداهما: أن قوله: ﴿ نَشْراً ﴾ أي منشرة متفرقة، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة، وجزء آخر يذهب يسرة، وكذا القول في سائر الأجزاء، فإن كل واحد منها يذهب إلى جانب آخر فنقول: لا شك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة ونسبة الأفلاك والأنجم والطبائع إلى كل واحد من الأجزاء التي لا تتجزأ من تلك الريح نسبة واحدة، فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا بتخصيص الفاعل المختار.
والفائدة الثانية: في الآية أن قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي بين يدي المطر الذي هو رحمته والسبب في حسن هذا المجاز أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز يقال: إن الفتن تحدث بين يدي الساعة، يريدون قبيلها، والسبب في حسن هذا المجاز، أن يدي الإنسان متقدماته فكل ما كان يتقدم شيئاً يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة فلما كانت الرياح تتقدم المطر، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ.
فإن قيل: فقد نجد المطر ولا تتقدمه الرياح فنقول: ليس في الآية ان هذا التقدم حاصل في كل الأحوال، فلم يتوجه السؤال، وأيضاً فيجوز أن تتقدمه هذه الرياح وإن كنا لا نشعر بها.
ثم قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً ﴾ يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله قال صاحب الكشاف: واشتقاق الإقلال من القلة، لأن من يرفع شيئاً فإنه يرى ما يرفعه قليلاً، وقوله: ﴿ سَحَابًا ثِقَالاً ﴾ أي بالماء جمع سحابة، والمعنى حتى إذا حملت هذه الرياح سحاباً ثقالاً بما فيها من الماء والمعنى أن السحاب الكثيف المستطير للمياه العظيمة إنما يبقى معلقاً في الهواء لأنه تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكاً شديداً، فلأجل الحركات الشديدة التي في تلك الرياح تحصل فوائد: إحداها: أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى البعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر.
وثانيها: أن بسبب تلك الحركات الشديدة التي في تلك الرياح يمنة ويسرة يمتنع على تلك الأجزاء المائية النزول، فلا جرم يبقى متعلقاً في الهواء.
وثالثها: أن بسبب حركات تلك الرياح ينساق السحاب من موضع إلى موضع آخر وهو الموضع الذي علم الله تعالى احتياجهم إلى نزول الأمطار وانتفاعهم بها.
ورابعها: أن حركات الرياح تارة تكون جامعة لأجزاء السحاب موجبة لانضمام بعضها إلى البعض حتى ينعقد السحاب الغليظ، وتارة تكون مفرقة لأجزاء السحاب مبطلة لها.
وخامسها: أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزروع والأشجار مكملة لما فيها من النشو والنماء وهي الرياح اللواقح، وتارة تكون مبطلة لها كما تكون في الخريف.
وسادسها: أن هذه الرياح تارة تكون طيبة لذيذة موافقة للأبدان، وتارة تكون مهلكة إما بسبب ما فيها من الحر الشديد كما في السموم أو بسبب ما فيها من البرد الشديد كما في الرياح الباردة المهلكة جداً.
وسابعها: أن هذه الرياح تارة تكون شرقية، وتارة تكون غربية وشمالية وجنوبية.
وهذا ضبط ذكره بعض الناس وإلا فالرياح تهب من كل جانب من جوانب العالم ولا ضبط لها، ولا اختصاص لجانب من جوانب العالم بها.
وثامنها: أن هذه الرياح تارة تصعد من قعر الأرض فإن من ركب البحر يشاهد أن البحر يحصل غليان شديد فيه بسبب تولد الرياح في قعر البحر إلى ما فوق البحر، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وتارة ينزل الريح من جهة فوق فاختلاف الرياح بسبب هذه المعاني أيضاً عجيب، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهو القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم، وأربعة منها رحمة: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» والجنوب من ريح الجنة، وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض، وعن السدي: أنه تعالى يرسل الرياح فيأتي بالسحاب ثم إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك، ورحمته هو المطر.
إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الرياح في الصفات المذكورة، مع أن طبيعة الهواء واحدة، وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة، يدل على أن هذه الأحوال لم تحصل إلا بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ سقناه لِبَلَدٍ مَّيّتٍ ﴾ والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميت لم ينزل فيه غيث ولم ينبت فيه خضرة.
فإن قيل: السحاب إن كان مذكراً يجب أن يقول: حتى إذا أقلت سحاباً ثقيلاً، وإن كان مؤنثاً يجب أن يقول سقناه فكيف التوفيق؟!
والجواب: أن السحاب لفظه مذكر وهو جمع سحابة فكان ورود الكناية عنه على سبيل التذكير جائزاً، نظراً إلى اللفظ، وعلى سبيل التأنيث أيضاً جائزاً، نظراً إلى كونه جمعاً، أما اللام في قوله: ﴿ سقناه لِبَلَدٍ ﴾ ففيه قولان: قال بعضهم هذه اللام بمعنى إلى يقال هديته للدين وإلى الدين.
وقال آخرون: هذه اللام بمعنى من أجل، والتقدير سقناه لأجل بلد ميت ليس فيه حياً يسقيه.
وأما البلد فكل موضع من الأرض عامر أو غير عامر، خال أو مسكون فهو بلد والطائفة منه بلدة والجميع البلاد والفلاة تسمى بلدة قال الأعشى: وبلدة مثل ظهر الترس موحشةٌ *** للجن بالليل في حافاتها زجلُ ثم قال تعالى: ﴿ فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء ﴾ اختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟
قال الزجاج وابن الأنباري: جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء، لأن السحاب آلة لإنزال الماء.
ثم قال: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ الثمرات ﴾ الكناية عائدة إلى الماء، لأن إخراج الثمرات كان بالماء.
قال الزجاج: وجائز أن يكون التقدير فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات، لأن البلد ليس يخص به هنا بلد دون بلد، وعلى القول الأول، فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء.
وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار غير متولدة من الماء، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب، وقال جمهور الحكماء: لا يمتنع أن يقال إنه تعالى أودع في الماء قوة طبيعية، ثم إن تلك القوة الطبيعية توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج الماء بالتراب وحدوث الطبائع المخصوصة.
والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول، بأن طبيعة الماء والتراب واحدة.
ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد أحوال مختلفة مثل العنب فإن قشره بارد يابس، ولحمه وماؤه حار رطب، وعجمه بارد يابس، فتولد الأجسام الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب، يدل على أنها إنما حدثت بإحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصة.
ثم قال تعالى: ﴿ كذلك نُخْرِجُ الموتى ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المراد هو أنه تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال الأمطار، فكذلك يحيي الموتى بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام الرميمة.
وروي أنه تعالى يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطراً كالمني أربعين يوماً، وإنهم ينبتون عند ذلك ويصيرون أحياء.
قال مجاهد: إذا أراد الله أن يبعثهم أمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها.
والقول الثاني: أن التشبيه إنما وقع بأصل الأحياء بعد أن كان ميتاً، والمعنى: أنه تعالى كما أحيا هذا البلد بعد خرابه، فأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر، فكذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا أمواتاً، لأن من يقدر على إحداث الجسم، وخلق الرطوبة والطعم فيه، فهو أيضاً يكون قادراً على إحداث الحياة في بدن الميت، والمقصود منه إقامة الدلالة على أن البعث والقيامة حق.
واعلم أن الذاهبين إلى القول الأول إن اعتقدوا أنه لا يمكن بعث الأجساد إلا بأن يمطر على تلك الأجساد البالية مطراً على صفة المني، فقد أبعد، ولأن الذي يقدر على أن يحدث في ماء المطر الصفات التي باعتبارها صار المني منياً ابتداء، فلم لا يقدر على خلق الحياة والجسم ابتداء؟
وأيضاً فهب أن ذلك المطر ينزل إلا أن أجزاء الأموات غير مختلطة، فبعضها يكون بالمشرق، وبعضها يكون بالمغرب، فمن أين ينفع إنزال ذلك المطر في توليد تلك الأجساد؟
فإن قالوا: إنه تعالى بقدرته وبحكمته يخرج تلك الأجزاء المتفرقة فلم لم يقولوا إنه بقدرته وحكمته يخلق الحياة في تلك الأجزاء ابتداء من غير واسطة ذلك المطر؟
وإن اعتقدوا أنه تعالى قادر على إحياء الأموات ابتداء، إلا أنه تعالى إنما يحييهم على هذا الوجه كما أنه قادر على خلق الأشخاص في الدنيا ابتداء، إلا أنه أجرى عادته بأنه لا يخلقهم إلا من الأبوين فهذا جائز.
ثم قال تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ والمعنى: أنكم لما شاهدتم أن هذه الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف بالأزهار والثمار، ثم صارت عند الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة، ثم إنه تعالى أحياها مرة أخرى، فالقادر على إحيائها بعد موتها يجب كونه أيضاً قادراً على إحياء الأجساد بعد موتها، فقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ المراد منه تذكر أنه لما لم يمتنع هذا المعنى في إحدى الصورتين وجب أن لا يمتنع في الصورة الأخرى.
ثم قال تعالى: ﴿ والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا ﴾ .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: القول الأول: وهو المشهور أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض الخيرة والأرض السبخة، وشبه نزول القرآن بنزول المطر، فشبه المؤمن بالأرض الخيرة التي نزل عليها المطر فيحصل فيها أنواع الأزهار والثمار، وأما الأرض السبخة فهي وإن نزل المطر عليها لم يحصل فيها من النبات إلا النزر القليل، فكذلك الروح الطاهرة النقية عن شوائب الجهل والأخلاق الذميمة إذا اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع من الطاعات والمعارف والأخلاق الحميدة، والروح الخبيثة الكدرة وإن اتصل به نور القرآن لم يظهر فيه من المعارف والأخلاق الحميدة إلا القليل.
والقول الثاني: أنه ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر، وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة.
فمن طلب هذا النفع اليسير بالمشقة العظيمة، فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لابد من تحملها في أداء الطاعات، كان ذلك أولى.
المسألة الثانية: هذه الآية دالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس، وذلك لأنها دلت على أن الأرواح قسمان: منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون في أصل جوهرها غليظة كدرة بطيئة القبول للمعارف الحقيقية، والأخلاق الفاضلة، كما أن الأراضي منها ما تكون سبخة فاسدة، وكما أنه لا يمكن أن يتولد في الأراضي السبخة تلك الأزهار والثمار التي تتولد في الأرض الخيرة، فكذلك لا يمكن أن يظهر في النفس البليدة والكدرة الغليطة من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة مثل ما يظهر في النفس الطاهرة الصافية، ومما يقوي هذا الكلام أنا نرى النفوس مختلفة في هذه الصفات فبعضها مجبولة على حب عالم الصفاء والإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانية كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرسول تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق ﴾ ومنها قاسية شديدة القسوة والنفرة عن قبول هذه المعاني كما قال: ﴿ فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ومنها ما تكون شديدة الميل إلى قضاء الشهوة متباعدة عن أحوال الغضب، ومنها ما تكون شديدة الميل إلى إمضاء الغضب، وتكون متباعدة عن أعمال الشهوة بل نقول: من النفوس ما تكون عظيمة الرغبة في المال دون الجاه، ومنهم من يكون بالعكس، والراغبون في طلب المال منهم من يكون عظيم الرغبة في العقار وتفضل رغبته في النقود، ومنهم من تعظم رغبته في تحصيل النقود ولا يرغب في الضياع والعقار، وإذا تأملت في هذا النوع من الاعتبار تيقنت أن أحوال النفوس مختلفة في هذه الأحوال اختلافاً جوهرياً ذاتياً لا يمكن إزالته ولا تبديله، وإذا كان كذلك امتنع من النفس الغليظة الجاهلة المائلة بالطبع إلى أفعال الفجور أن تصير نفساً مشرقة بالمعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة، ولما ثبت هذا كان تكليف هذه النفس بتلك المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة جارياً مجرى تكليف ما لا يطاق فثبت بهذا البيان: أن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه، وأن النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة بإذن ربها، والنفس الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكداً قليل الفائدة والخير، كثير الفضول والشر.
والوجه الثاني: من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِ ﴾ وذلك يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى.
المسألة الثالثة: قرئ ﴿ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ ﴾ أي يخرجه البلد وينبته.
أما قوله تعالى: ﴿ والذى خَبُثَ ﴾ قال الفراء: يقال: خبث الشيء يخبث خبثاً وخباثة.
وقوله: ﴿ إِلاَّ نَكِدًا ﴾ النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل.
وقال الليث: النكد: الشؤم واللؤم وقلة العطاء، ورجل أنكد ونكد قال: وأعط ما أعطيته طيبا *** لا خير في المنكود والناكد إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ والذى خَبُثَ ﴾ صفة للبلد ومعناه والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً، فحذف المضاف الذي هو النبات، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى ذلك البلد مقامه، إلا أنه كان مجروراً بارزاً فانقلب مرفوعاً مستكناً لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدر ونبات الذي خبث، وقرئ ﴿ نَكِدًا ﴾ بفتح الكاف على المصدر أي ذا نكد.
ثم قال تعالى: ﴿ كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ قرئ ﴿ يُصْرَفْ ﴾ أي يصرفها الله، وإنما ختم هذه الآية بقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ لأن الذي سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سبباً لنزول المطر الذي هو الرحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار سبباً لحدوث أنواع النبات النافعة اللطيفة اللذيدة، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل الدال على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، ومن الوجه الثاني تنبيه على إيصال هذه النعمة العظيمة إلى العباد، فلا جرم كانت من حيث إنها دلائل على وجود الصانع وصفاته آيات ومن حيث أنها نعم يجب شكرها، فلا جرم قال: ﴿ نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ وإنما خص كونها آيات بالقوم الشاكرين لأنهم هم المنتفعون بها، فهو كقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ نصب على الحال، أي ذوي تضرع وخفية.
وكذلك خوفاً وطمعاً.
والتضرع تفعُّل من الضراعة وهو الذل، أي تذللاً وتملقاً.
وقرئ: ﴿ وخِفْيَة ﴾ وعن الحسن رضي الله عنه: إنّ الله يعلم القلب التقي والدعاء الخفي، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ولا يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبداً.
ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلاّ همساً بينهم وبين ربهم.
وذلك أنّ الله تعالى يقول: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ وقد أثنى على زكريا فقال: ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً ﴾ [مريم: 3] وبين دعوة السرّ ودعوة العلانية سبعون ضعفاً.
﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ أي المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره.
وعن ابن جريج؛ هو رفع الصوت بالدعاء.
وعنه: الصياح في الدعاء مكروه وبدعة.
وقيل: هو الإسهاب في الدعاء.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللَّهمّ إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل» ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ .
﴿ إِنَّ رحمتالله قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ كقوله: ﴿ وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ [طه: 82] .
وإنما ذكر ﴿ قَرِيبٌ ﴾ على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف، أي شيء قريب.
أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول كما شبه ذاك به، فقيل قتلاء وأسراء، أو على أنه بزنة المصدر، الذي هو النقيض والضغيب.
أو لأنّ تأنيث الرحمة غير حقيقي، قرئ: ﴿ نشراً ﴾ وهو مصدر نشر.
وانتصابه إمّا لأن أرسل ونشر متقاربان، فكأنه قيل: نشرها نشراً: وإمّا على الحال بمعنى منتشرات.
ونشراً جمع نشور.
ونشراً تخفيف نشر، كرسل ورسل.
وقرأ مسروق: ﴿ نشرًا ﴾ ، بمعنى منشورات، فعل بمعنى مفعول، كنقض وحسب.
ومنه قولهم (ضم نشره) وبشراً جمع بشير.
وبشراً بتخفيفه.
وبشراً- بفتح الباء- مصدر من بشره بمعنى بشره، أي باشرات، وبشرى ﴿ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ أمام رحمته، وهي الغيث الذي هو من أتمّ النعم وأجلّها وأحسنها أثراً ﴿ أَقَلَّتْ ﴾ حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة، لأن الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلاً ﴿ سَحَابًا ثِقَالاً ﴾ سحائب ثقالاً بالماء جمع سحابة ﴿ سقناه ﴾ الضمير للسحاب على اللفظ، ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث، كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلاً ﴿ لِبَلَدٍ مَّيّتٍ ﴾ لأجل بلد ليس فيه حياً ولسقيه.
وقرئ: ﴿ مَيْتٍ ﴾ ﴿ فَأَنزَلْنَا بِهِ ﴾ بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق.
وكذلك ﴿ فأخرجنا به...
كذلك ﴾ مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات ﴿ نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ فيؤدّيكم التذكر إلى أنه لا فرق بين الإخراجين.
إذ كل واحد منهما إعادة للشيء بعد إنشائه ﴿ والبلد الطيب ﴾ الأرض العذاة الكريمة التربة ﴿ والذى خَبُثَ ﴾ الأرض السبخة التي لا تنبت ما ينتفع به ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِ ﴾ بتيسيره وهو في موضع الحال، كأنه قيل: يخرج نباته حسناً وافياً لأنه واقع في مقابلة ﴿ نَكِدًا ﴾ والنكد الذي لا خير فيه.
وقرئ: ﴿ يخرج نباته ﴾ أن يخرجه البلد وينبته وقوله: ﴿ والذى خَبُثَ ﴾ صفة للبلد ومعناه: والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً، فحذف المضاف الذي هو النبات، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى البلد مقامه؛ إلاّ أنه كان مجروراً بارزاً، فانقلب مرفوعاً مستكناً لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدّر: ونبات الذي خبث.
وقرئ: ﴿ نكداً ﴾ بفتح الكاف على المصدر.
أي ذا نكد.
ونكداً، بإسكانها للتخفيف، كقوله: نزه عن الريب، بمعنى نزه.
وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين، ولمن لا يؤثر شيء من ذلك.
وعن مجاهد: آدم وذرّيته منهم خبيث وطيب.
وعن قتادة: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت.
والكافر بخلاف ذلك.
وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر، وإنزاله بالبلد الميت، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التصريف ﴿ نُصَرّفُ الأيات ﴾ نردِّدها ونكرّرها ﴿ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ نعمة الله وهم المؤمنون، ليفكروا فيها ويعتبروا بها.
وقرئ: ﴿ يصرف ﴾ بالياء أي يصرفها الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ ﴾ الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ.
﴿ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ، عَبَّرَ بِهِ عَنْ كَثْرَةِ النَّباتِ وحُسْنِهِ وغَزارَةِ نَفْعِهِ لِأنَّهُ أوْقَعَهُ في مُقابَلَةٍ.
﴿ والَّذِي خَبُثَ ﴾ أيْ كالحَرَّةِ والسَّبِخَةِ.
﴿ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا ﴾ قَلِيلًا عَدِيمَ النَّفْعِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وتَقْدِيرُ الكَلامِ، والبَلَدُ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ إلّا نَكِدًا فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَصارَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا وقُرِئَ « يُخْرِجُ» أيْ يُخْرِجُهُ البَلَدُ فَيَكُونُ إلّا نَكِدًا مَفْعُولًا ونَكِدًا عَلى المَصْدَرِ أيْ ذا نَكَدٍ ونَكِدًا بِالإسْكانِ لِلتَّخْفِيفِ.
﴿ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ نُرَدِّدُها ونُكَرِّرُها.
﴿ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ نِعْمَةَ اللَّهِ فَيَتَفَكَّرُونَ فِيها ويَعْتَبِرُونَ بِها، والآيَةُ مَثَلٌ لِمَن تَدَبَّرَ الآياتِ وانْتَفَعَ بِها، ولِمَن لَمْ يَرْفَعْ إلَيْها رَأْسًا ولَمْ يَتَأثَّرْ بِها.
<div class="verse-tafsir"
{والبلد الطيب} الأرض الطيبة التراب {يخرج نباته بإذن ربّه} بتيسيره وهو موضع الحال كأنه قيل يخرج نباتة حسناً وافياً لأنه واقع في مقابلة نكدا {والّذي خبث} صفة للبلد أي والبلد الخبيث {لا يخرجُ} أي نباته فحذف للاكتفاء {إلاّ نكداً} هو الذى الكافر وهذا التمثيل واقع على أثر مثل ذلك المطر وإنزاله بالبلد الميت وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد {كذلك} مثل ذلك التصرف {نُصرّف الآيات} نرددها ونكررها {لقومٍ يشكرون} نعمة الله وهم المؤمنون ليتفكروا فيها ويعتبروا بها
﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ ﴾ أيِ الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ الَّتِي لا سَبِخَةَ ولا حَرَّةَ واسْتِعْمالُ البَلَدِ بِمَعْنى القَرْيَةِ عُرْفٌ طارَ ومِن قَبِيلِ ذَلِكَ إطْلاقُهُ عَلى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ﴿ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ والمُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا وافِيًا غَزِيرَ النَّفْعِ لِكَوْنِهِ واقِعًا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي خَبُثَ ﴾ مِنَ البِلادِ كالسَّبِخَةِ والحَرَّةِ ﴿ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا ﴾ أيْ قَلِيلًا لا خَيْرَ فِيهِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ.
لا تُنْجِزَ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدا ونُصْبُهُ عَلى الحالِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ الكَلامِ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وأُقِيمَ المُضافُ مَقامَهُ فَصارَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ ونَباتُ الَّذِي خَبُثَ والتَّعْبِيرُ أوَّلًا بِالطَّيِّبِ وثانِيًا بِالَّذِي خَبُثَ دُونَ الخَبِيثِ لِلْإيذانِ بِأنَّ أصْلَ الأرْضِ أنْ تَكُونَ طَيِّبَةً مُنْبِتَةً وخِلافُهُ طارٍ عارِضٌ وقُرِئَ ( يُخْرَجُ نَباتُهُ ) بِبِناءِ ( يُخْرَجُ ) لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعُ ( نَباتُ ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ و( يُخْرِجُ نَباتَهُ ) بِبِناءِ ( يُخْرِجُ ) لِلْفاعِلِ مِن بابِ الإخْراجِ ونَصْبُ ( نَباتَهُ ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ والفاعِلُ ضَمِيرُ البَلَدِ وقِيلَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوِ الماءِ وكَذا قُرِئَ في ( يُخْرِجُ ) المَنفِيِّ ونُصِبَ ( نَكِدًا ) حِينَئِذٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( نَكَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ ذا نَكَدٍ أوْ خُرُوجًا نَكَدًا وقَرَأ ( نَكْدًا ) بِالإسْكانِ لِلتَّخْفِيفِ كَنَزْهٍ في قَوْلِهِ.
فَقالَ لِي قَوْلَ ذِي رَأْيٍ ومَقْدِرَةٍ ∗∗∗ مُجَرِّبٍ عاقِلٍ نَزْهٍ عَنِ الرَّيْبِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ ﴿ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ أيْ نُرَدِّدُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ ونُكَرِّرُها وأصْلُ التَّصْرِيفِ تَبْدِيلُ حالٍ بِحالٍ ومِنهُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ ﴿ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ (58) نِعَمَ اللَّهِ تَعالى ومِنها تَصْرِيفُ الآياتِ وشُكْرُ ذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِيها والِاعْتِبارُ بِها وخَصَّ الشّاكِرِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: ذِكْرُ ﴿ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ بَعْدَ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ مِن بابِ التَّرَقِّي لِأنَّ مَن تَذَكَّرَ آلاءَ اللَّهِ تَعالى عَرَفَ حَقَّ النِّعْمَةِ فَشَكَرَ وهَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مَثَلٌ لِمَن يَنْجَعُ فِيهِ الوَعْظُ والتَّنْبِيهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ ولِمَن لا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ ﴾ ..
إلَخْ.
مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: هو طَيِّبٌ وعَمَلُهُ طَيِّبٌ والَّذِي خَبُثَ ..
إلَخْ.
مَثَلٌ لِلْكافِرِ يَقُولُ: هو خَبِيثٌ وعَمَلُهُ خَبِيثٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتِهِ كُلِّهِمْ إنَّما خُلِقُوا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمِنهم مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ فَطابَ ومِنهم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ فَخَبُثَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ مِنها طائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ وكانَ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ تَعالى بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها وسَقَوْا وزَرَعُوا وأصابَ مِنها أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» وإيثارُ خُصُوصِ التَّمْثِيلِ بِالأرْضِ الطَّيِّبَةِ والخَبِيثَةِ اسْتِطْرادٌ عَقِيبَ ذِكْرِ المَطَرِ وإنْزالِهِ بِالبَلَدِ ومُوازَنَةٌ بَيْنَ الرَّحْمَتَيْنِ كَما في الكَشْفِ ولِقُرْبِهِ مِنَ الِاعْتِراضِ جِيءَ بِالواوِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنى ما ورَدَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِياضٍ المُجاشَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ في خُطْبَتِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِيَ حُنَفاءَ كُلَّهم وإنَّهم أتَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ».
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويَنَصِّرانِهِ» ووَجْهُ الإشارَةِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ يعني: المكان العذب الزّكي اللين من الأرض اللينة يخرج نباته إذا أمطرت فينتفع به، كذلك المؤمن يسمع الموعظة فتدخل في قلبه فينتفع بها وينفعه القرآن كما ينفع المطر الأرض الطيبة.
وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً يعني: الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا من كد وعناء، فكذلك الكافر لا يسمع الموعظة ولا ينتفع بها، ولا يتكلم بالإيمان، ولا يعمل بالطاعة إلا كرهاً لغير وجه الله.
ثم قال: كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ أي هكذا نبيّن الآيات والعلامات والأمثال لمن آمن وشكر رب هذه النعم ووحّده.
قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ يعني: بعثنا نوحاً إلى قومه بالرسالة فأتاهم، ويقال: معناه جعلنا نوحاً رسولاً إلى قومه.
فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوا الله، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي ليس لكم رب سواه.
قرأ الكسائي إله غَيْرِه بكسر الراء.
وقرأ الباقون غَيْرُهُ بالضم.
فمن قرأ بكسر الراء فلأجل مِنْ وجعله كله كلمة واحدة والغير تابعاً له.
ومن قرأ بالضم فمعناه ما لكم إله غيره ودخلت من مؤكدة.
ثم قال: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو الغرق ف قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وهم الرؤساء والأجلة والأشراف، سموا بذلك لأنهم ملِئوا بما يحتاج إليه منهم، ويقال: لأنهم ملؤوا الناظر هيبة إذا اجتمعوا في موضع.
قالوا: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطإ بَيِّنٍ.
قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وفي الآية بيان أدب الخلق في حسن الجواب والمخاطبة.
لأنه ردّ جهلهم بأحسن الجواب، وهذا كما قال الله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: 63] يعني: السداد من القول.
ثم قال: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ أي أمنعكم من الفساد وأدعوكم إلى التوحيد وأحذركم من العذاب.
وقال أهل اللغة: أنصح لكم وأنصحكم لغتان بمعنى واحد، كما يقال: شكرت لك وشكرتك ثم قال: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني: أعلم أنكم إن لم تتوبوا يأتيكم العذاب وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك، وذلك أن سائر الأنبياء عليهم السلام خوّفوا أمتهم بعذاب الأمم السابقة، كما قال شعيب لقومه: أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: 89] وأما قوم نوح فلم يكن بلغهم هلاك أمة قبلهم.
فقال لهم نوح: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من العذاب الذي ينزل بكم.
فقالت الكبراء للضعفاء لا تتبعوه فإن هذا بشر مثلكم فأجابهم نوح فقال: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ يعني: ينزل الكتاب والرسالة على رجل منكم تعرفون حسبه ونسبه لِيُنْذِرَكُمْ بالنار ولتتقوا الشرك.
قال بعضهم: «هذه الواو صلة وهو زيادة في الكلام.
ومعناه لِيُنْذِرَكُمْ لكي تتقوا.
وقال بعضهم هذه واو العطف أي: جاءكم رسول لكي ينذركم.
وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني: لكي تنجوا من العذاب.
قرأ أبو عمرو أبلغكم بجزم الباء والتخفيف.
وقرأ الباقون أُبَلّغكم بالتشديد فيكون فيه معنى المبالغة.
قوله: فَكَذَّبُوهُ أي نوحاً فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ يعني: الذين اتبعوه من المؤمنين في السفينة، والفلك اسم لواحد والجماعة- يعني: أنجينا المؤمنين من الغرق وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ عن نزول العذاب.
ويقال عَمِينَ عن الحق يعني: جعلوا أمره باطلاً.
وقد بيّن الله قصته في سورة هود.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم.
والخبيث هو السّبَاخُ ونحوها من رَدِيء الأرض.
والنَّكدُ العَسِيرُ القليل.
كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي هكذا نبين الأمور، ويَشْكُرُونَ معناه: يؤمنون ويثنون بآلاء الله سبحانه.
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
قال الطبري «١» : أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل «٢» نوحاً، وكذا قال أبو حيان «٣» : «لقد» اللام جواب قسم محذوف.
انتهى.
و «غَيْرُهُ» بالرفع بَدَلٌ من قوله: مِنْ إِلهٍ لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتاً على الموضع لأن التقدير ما لكم إله غيره، والمَلأُ الجماعة من الأشراف.
قيل: إنهم مأخوذون من أنهم يملئون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ.
وقولهم: إِنَّا لَنَراكَ يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر.
وفِي ضَلالٍ أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك.
وقوله لهم جواب عن هذا:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ ﴾ يَعْنِي الأرْضَ الطَّيِّبَةَ التُّرْبَةَ، ﴿ يَخْرُجُ نَباتُهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ:" يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ، " نَباتَهُ" بِنَصْبِ التّاءِ، ﴿ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ ﴾ كَذَلِكَ أيْضًا.
وقَدْ رَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ:" لا يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ.
والمُرادُ بِالَّذِي خَبُثَ: الأرْضُ السَّبْخَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا نَكِدًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ:" نَكَدًا" بِفَتْحِ الكافِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "نَكَدًا" بِإسْكانِ الكافِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَلِيلًا عَسِيرًا في شِدَّةٍ، وأنْشَدَ؛ لا تُنْجِزِ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا مِثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَلْمُؤْمِنِ والكافِرِ؛ فالمُؤْمِنُ إذا سَمِعَ القُرْآَنَ وعَقَلَهُ انْتَفَعَ بِهِ وبانَ أثَرُهُ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ بِالبَلَدِ الطَّيِّبِ الَّذِي يُمْرَعُ ويُخْصَبُ ويَحْسُنُ أثَرُ المَطَرِ عَلَيْهِ؛ وعَكْسُهُ الكافِرُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ واسْتِدْلالٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "اَلرِّياحَ"؛ بِالجَمْعِ؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ واخْتَلَفَ عنهُمُ الأعْرَجُ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو يَحْيى ؛ وأبُو نَوْفَلٍ الأعْرابِيَّيْنِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّها أيْضًا؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اَلرِّياحَ"؛ جَمْعًا؛ "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ؛ وابْنِ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمَ؛ وطَلْحَةَ ؛ والأعْمَشِ ؛ ومَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ ؛ وقَرَأ ابْنُ جِنِّي قِراءَةَ مَسْرُوقٍ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ: "اَلرِّياحَ"؛ جَماعَةً؛ "بُشْرًا"؛ بِالباءِ المَضْمُومَةِ؛ والشِينِ الساكِنَةِ؛ ورُوِيَ عنهُ: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ بِهاابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ؛ وأبُو قُطَيْبٍ: "بُشْرى"؛ عَلى وزْنِ "فُعْلى"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي يَحْيى؛ وأبِي نَوْفَلٍ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَتْ هَذِهِ عن عاصِمٍ.
ومَن جَمَعَ "اَلرِّيحَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَهو أسْعَدُ؛ وذَلِكَ أنَّ "اَلرِّياحَ"؛ حَيْثُ وقَعَتْ في القُرْآنِ؛ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَحْمَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ ﴾ ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ ﴾ ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ ؛ وأكْثَرُ ذِكْرِ "اَلرِّيحَ"؛ مُفْرَدَةً إنَّما هو بِقَرِينَةِ عَذابٍ؛ كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ ﴾ ؛ وقَوْلِهِ: ﴿ وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ﴾ ؛ وقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها ﴾ ؛ نَحا هَذا المَنحى يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وعاصِمٌ ؛ وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا؛ ولا تَجْعَلْها رِيحًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ بَيِّنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ رِيحَ السُقْيا والمَطَرِ إنَّما هي مُنْتَشِرَةٌ؛ لَيِّنَةٌ؛ تَجِيءُ مِن هَهُنا ومِن هَهُنا؛ وتَتَفَرَّقُ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي مُنْفَصِلَةُ الأجْزاءِ مُتَغايِرَةُ المَهَبِّ يَسِيرًا أنْ يُقالَ لَها: "رِياحٌ"؛ وتُوصَفَ بِالكَثْرَةِ؛ وأمّا "رِيحُ الصِرِّ والعَذابِ"؛ فَهي عاصِفَةٌ صَرْصَرٌ؛ جَسَدٌ واحِدٌ؛ شَدِيدَةُ المَرِّ؛ مُهْلِكَةٌ بِقُوَّتِها؛ وبِما تَحْمِلُهُ أحْيانًا مِنَ الصِرِّ المُحْرِقِ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي شَدِيدَةُ الِاتِّصالِ أنْ تُسَمّى "رِيحًا"؛ مُفْرَدَةً؛ وكَذَلِكَ أُفْرِدَتِ الرِيحُ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ ؛ مِن حَيْثُ جَرْيُ السُفُنِ؛ إنَّما تَجْرِي بِرِيحٍ مُتَّصِلَةٍ؛ كَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ؛ فَأُفْرِدَتْ لِذَلِكَ؛ ووُصِفَتْ بِالطِيبِ؛ لِإزالَةِ الِاشْتِراكِ بَيْنَها وبَيْنَ الرِيحِ المَكْرُوهَةِ؛ وكَذَلِكَ رِيحُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إنَّما كانَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ؛ أو تَعْصِفُ في حُقُولِهِ؛ وهي مُتَّصِلَةٌ؛ وبَعْدُ..
فَمَن قَرَأ في هَذِهِ الآيَةِ: "اَلرِّيحَ"؛ بِالإفْرادِ؛ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ اسْمَ الجِنْسِ؛ وأيْضًا فَتَقْيِيدُها بِـ "بُشْرًا"؛ يُزِيلُ الِاشْتِراكَ.
والإرْسالُ في الرِيحِ هو بِمَعْنى الإجْراءِ؛ والإطْلاقِ؛ والإسالَةِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَلَرَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِيحِ المُرْسَلَةِ"؛» والرِيحُ تُجْمَعُ - في القَلِيلِ -: "أرْواحٌ"؛ وفي الكَثِيرِ: "رِياحٌ"؛ لِأنَّ العَيْنَ مِن "اَلرِّيحُ"؛ واوٌ انْقَلَبَتْ في الواحِدِ ياءً لِلْكَسْرِ الَّذِي قَبْلَها؛ وكَذَلِكَ في الجَمْعِ الكَثِيرِ؛ وصَحَّتْ في القَلِيلِ لِأنَّهُ لا شَيْءَ فِيهِ يُوجِبُ الإعْلالَ.
وأمّا "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "ناشِرٌ"؛ عَلى النَسَبِ؛ أيْ "ذاتَ نَشْرٍ"؛ مِن "اَلطَّيُّ"؛ أو "نُشُورٌ"؛ مِن "اَلْحَياةُ"؛ ويَحْتَمِلُ "نُشُرًا"؛ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "نَشُورٌ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وضَمِّ الشِينِ؛ كَـ "رَسُولٌ"؛ و"رُسُلٌ"؛ و"صَبُورٌ"؛ و"صُبُرٌ"؛ و"شَكُورٌ" و"شُكُرٌ"؛ ويَحْتَمِلُ "نُشُرًا"؛ أنْ يَكُونَ كالمَفْعُولِ بِمَعْنى "مَنشُورٌ"؛ كَـ "رَكُوبٌ"؛ بِمَعْنى "مَرْكُوبٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ السَحابَ؛ وأمّا مِثالُ الأوَّلِ في قَوْلِنا: "ناشِرٌ"؛ و"نُشُرٌ"؛ فَـ "شاهِدٌ"؛ و"شُهُدٌ"؛ و"نازِلٌ"؛ و"نُزُلٌ"؛ كَما قالَ الشاعِرُ: ...................
∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ وَ"قاتِلٌ"؛ و"قُتُلٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ..................
∗∗∗ ∗∗∗ إنّا لِأمْثالِكم يا قَوْمَنا قُتُلُ وأمّا مَن قَرَأ: "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ فَإنَّما خَفَّفَ الشِينَ مِن قَوْلِهِ: "نُشُرًا"؛ وأمّا مَن قَرَأ: "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الرِيحِ؛ ويُحْتَمَلُ في المَعْنى أنْ يُرادَ بِهِ "اَلنَّشْرُ"؛ اَلَّذِي هو خِلافُ الطَيِّ؛ وكُلُّ بَقاءِ الرِيحِ دُونَ هُبُوبٍ طَيٌّ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "اَلنَّشْرُ"؛ اَلَّذِي هو الإحْياءُ؛ كَما قالَ الأعْشى: ....................
∗∗∗ ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ وأمّا مَن قَرَأ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ - وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ -؛ فَهو اسْمٌ؛ وهو عَلى النَسَبِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيْ "ذَواتَ نَشَرٍ"؛ و"اَلنَّشَرُ": أنْ تَنْتَشِرَ الغَنَمُ بِاللَيْلِ فَتَرْعى؛ فَشَبَّهَ السَحابَ؛ في انْتِشارِهِ وعُمُومِهِ؛ بِذَلِكَ.
وأمّا: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ فَجَمْعُ "بَشِيرٌ"؛ كَـ "نَذِيرٌ"؛ و"نُذُرٌ"؛ و"بُشْرًا"؛ بِسُكُونِ الشِينِ؛ مُخَفَّفٌ مِنهُ؛ و"بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ مَصْدَرٌ؛ و"بُشْرى"؛ مَصْدَرٌ أيْضًا؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ والرَحْمَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْمَطَرُ؛ و"بَيْنَ يَدَيْ"؛ أيْ: أمامَ رَحْمَتِهِ؛ وقُدّامَها؛ وهي هُنا اسْتِعارَةٌ؛ وهي حَقِيقَةٌ فِيما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ مِنَ الأجْرامِ.
و"أقَلَّتْ"؛ مَعْناهُ: رَفَعَتْ مِنَ الأرْضِ؛ واسْتَقَلَّتْ بِها؛ ومِنهُ "اَلْقِلَّةُ"؛ وكَأنَّ المُقِلَّ يَرى ما يَرْفَعُ قَلِيلًا؛ إذا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ و"ثِقالًا"؛ مَعْناهُ: مِنَ الماءِ؛ والعَرَبُ تَصِفُ السَحابَ بِالثِقْلِ والدَلْحِ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: بِأحْسَنَ مِنها ولا مُزْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفُ أدْجانُها والرِيحُ تَسُوقُ السُحُبَ مِن ورائِها؛ فَهو سَوْقُ حَقِيقَةٍ؛ والضَمِيرُ في "سُقْناهُ"؛ عائِدٌ عَلى السَحابِ؛ واسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى ؛ مِن حَيْثُ هو إنْعامٌ؛ وصِفَةُ البَلَدِ بِالمَوْتِ اسْتِعارَةٌ بِسَبَبِ شَعَثِهِ؛ وجُدُوبَتِهِ؛ وتَصْوِيحِ نَباتِهِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ والأعْمَشُ: "لِبَلَدٍ مَيْتٍ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وشَدَّها الباقُونَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْزَلْنا بِهِ"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى السَحابِ؛ أيْ: مِنهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى البَلَدِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الماءِ؛ وهو أظْهَرُها.
وقالَ السُدِّيُّ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللهَ تَعالى يُرْسِلُ الرِياحَ فَتَأْتِي بِالسَحابِ مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ؛ طَرَفَ السَماءِ والأرْضِ؛ حَيْثُ يَلْتَقِيانِ؛ فَتُخْرِجُهُ مِن ثَمَّ؛ ثُمَّ تَنْشُرُهُ؛ فَتَبْسُطُهُ في السَماءِ؛ ثُمَّ تَفْتَحُ أبْوابَ السَماءِ؛ فَيَسِيلُ الماءُ عَلى السَحابِ؛ ثُمَّ تُمْطِرُ السَحابُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَفْصِيلُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَقْصِدَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ: كَهَذِهِ القُدْرَةِ العَظِيمَةِ في إنْزالِ الماءِ؛ وإخْراجِ الثَمَراتِ بِهِ مِنَ الأرْضِ المُجْدِبَةِ؛ هي القُدْرَةُ عَلى إحْياءِ المَوْتى مِنَ الأجْداثِ؛ وهَذا مِثالٌ لَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ هَكَذا يُصْنَعُ بِالأمْواتِ؛ مِن نُزُولِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ؛ حَتّى يَحْيَوْا بِهِ؛ فَيَكُونَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لا مَثَلًا؛ وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَنِدُ إلى الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - « "أنَّ الناسَ إذا ماتُوا في النَفْخَةِ الأُولى مُطِرَ عَلَيْهِمْ مَطَرٌ مِن ماءٍ تَحْتَ العَرْشِ؛ يُقالُ لَهُ: "ماءُ الحَيَوانِ"؛ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الزَرْعُ؛ فَإذا كَمُلَتْ أجْسادُهم نُفِخَ فِيهِمُ الرُوحُ؛ ثُمَّ تُلْقى عَلَيْهِمْ نَوْمَةٌ فَيَنامُونَ؛ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ الثانِيَةَ قامُوا وهم يَجِدُونَ طَعْمَ النَوْمِ؛ فَيَقُولُونَ: يا ويْلَنا؛ مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا؟
فَيُنادِيهِمُ المُنادِي: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ .» وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ ﴾ ؛ آيَةٌ مُتَمِّمَةٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها؛ مُعَرِّفَةٌ بِعادَةِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - في إنْباتِ الأرْضِينَ؛ فَمَن أرادَ أنْ يَجْعَلَها مِثالًا لَقَلْبِ المُؤْمِنِ؛ وقَلْبِ الكافِرِ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ مُرَتَّبٌ؛ لَكِنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لا تَقْتَضِي أنَّ المِثالَ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ؛ والتَمْثِيلُ بِذَلِكَ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُدِّيِّ ؛ وقالَ النُحّاسُ: هو مِثالٌ لِلْفَهِيمِ؛ ولِلْبَلِيدِ؛ و"اَلطَّيِّبُ"؛ هو الجَيِّدُ التُرابِ؛ الكَرِيمُ الأرْضِ؛ وخُصَّ بِإذْنِ رَبِّهِ مَدْحًا؛ وتَشْرِيفًا؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَغُضُّ عنهُ: "أنْتَ كَما شاءَ اللهُ"؛ فَهي عِبارَةٌ تُعْطِي مُبالَغَةً في مَدْحٍ؛ أو ذَمٍّ؛ ومِن هَذا قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ ﴾ ؛ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ؛ و"اَلْخَبِيثُ"؛ هو السِباخُ؛ ونَحْوُها مِن رَدِيءِ الأرْضِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُخْرِجُ نَباتَهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ ونَصْبِ التاءِ؛ و"اَلنَّكِدُ": اَلْعَسِيرُ القَلِيلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا تُنْجِزُ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ ∗∗∗ ∗∗∗ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا و"نَكِدَ الرَجُلُ"؛ إذا سَألَ إلْحافًا وأُخْجِلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ∗∗∗ ∗∗∗ لا خَيْرَ في المَنكُودِ والناكِدِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ؛ وجَمِيعُ السَبْعَةِ: "نَكِدًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وكَسْرِ الكافِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَكْدًا"؛ بِتَخْفِيفِ الكافِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "نَكَدا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والكافِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
﴿ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ ؛ أيْ: هَكَذا نُبَيِّنُ الأُمُورَ؛ و"يَشْكُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤْمِنُونَ بِآلاءِ اللهِ تَعالى ؛ ويُثْنُونَ.
<div class="verse-tafsir"
جملة معترضة بين جملة: ﴿ كذلك نخرج الموتى ﴾ [الأعراف: 57] وبين جملة: ﴿ لقد أرسلنا نوحاً ﴾ [الأعراف: 59] تتضمّن تفصيلاً لمضمون جملة: ﴿ فأخرجنا به من كل الثمرات ﴾ [الأعراف: 57] إذ قد بيّن فيها اختلاف حال البلد الذي يصيبه ماء السّحاب، دعا إلى هذا التّفصيل أنّه لما مُثِّل إخراج ثمرات الأرض بإخراج المَوتى منها يوم البعث تذكيراً بذلك للمؤمنين، وإبطالاً لإحالة البعث عند المشركين، مُثل هنا باختلاف حال إخراج النّبات من الأرض اختلافُ حال النّاس الأحياءِ في الانتفاع برحمة هُدى الله، فموقع قوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ﴾ كموقع قوله: ﴿ كذلك نخرج الموتى ﴾ [الأعراف: 57] ولذلك ذُيل هذا بقوله: ﴿ كذلك نصرف الأيات لقوم يشكرون ﴾ كما ذيل ما قبله بقوله: ﴿ كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ﴾ [الأعراف: 57].
والمعنى: كذلك نخرج الموتى وكذلك ينتفع برحمة الهَدْي من خُلقت فطرته طيّبة قابلة للهُدى كالبلد الطّيّب ينتفع بالمطر، ويحرم من الانتفاع بالهدى من خلقت فطرته خبيثة كالأرض الخبيثة لا تنتفع بالمطر فلا تنبت نباتاً نافعاً، فالمقصود من هذه الآية التّمثيل، وليسَ المقصود مجرّد تفصيل أحوال الأرض بعد نزول المطر، لأنّ الغرض المسوق له الكلام يجمع أمرين: العبرةَ بصنع الله، والموعظَة بما يماثل أحواله.
فالمعنى: كما أنّ البلد الطّيّب يَخرج نباته سريعاً بَهِجاً عند نزول المطر، والبلد الخبيثَ لا يكاد ينبت فإن أنبت أخرج نبْتاً خبيثاً لا خير فيه.
والطيب وصف على وزن فَيْعِل وهي صيغة تدلّ على قوّة الوصف في الموصوف مثل: قيّم، وهو المتّصف بالطِّيببِ، وقد تقدّم تفسير الطيب عند قوله تعالى: ﴿ قل أحلّ لكم الطّيّباتُ ﴾ في سورة المائدة (4)، وعند قوله: ﴿ يأيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيِّباً ﴾ في سورة البقرة (168).
والبلد الطّيب الأرضُ الموصوفة بالطِّيببِ، وطيبها زكاء تربتها وملاءمتها لإخراج النّبات الصّالح وللزّرع والغرس النّافع وهي الأرض النّقيّه.
والذي خبث ضدّ الطَّيب.
وقوله: ﴿ بإذن ربه ﴾ في موضع الحال من ﴿ نباته ﴾ والإذن: الأمر، والمراد به أمر العناية به كقوله: ﴿ لِمَا خلقتُ بيَدَيّ ﴾ [ص: 75] ليدلّ على تشريف ذلك النّبات، فهو في معنى الوصف بالزّكاء، والمعنى: البلد الطَّيب يخرج نباته طيّباً زكياً مثلَه، وقد أشار إلى طيب نباته بأنّ خروجه بإذن ربّه، فأريد بهذا الإذن إذنٌ خاص هو إذن عناية وتكريم، وليس المراد إذن التّقدير والتّكوين فإنّ ذلك إذن معروف لا يتعلّق الغرض ببَيانه في مثل هذا المقام.
﴿ والذي خبث ﴾ حملهُ جميع المفسّرين على أنّه وصف للبلد، أي البلد الذي خبث وهو مقابل البلد الطّيب، وفسّروه بالأرض التي لا تنبت إلاّ نباتاً لا ينفع، ولا يسرع إنباتها، مثل السّباخ، وحملوا ضمير يَخْرج على أنّه عائد للنّبات، وجعلوا تقدير الكلام: والذي خبث لا (يخرج) نباتُه إلاّ نَكِداً، فحُذف المضاف في التّقدير، وهو نبات، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو ضمير البلد الذي خبث، المستترُ في فعل يخرج.
والذي يظهر لي: أن يكون ﴿ الذي ﴾ صادقاً على نبات الأرض، والمعنى: والنّبت الذي خبث لا يخرج إلاّ نَكِداً، ويكون في الكلام احتباك إذ لم يذكر وصف الطّيب بعد نبات البلد الطّيب، ولم تذكر الأرض الخبيثة قبل ذكر النّبات الخبيث، لدلالة كِلا الضدّين على الآخر.
والتّقدير: والبلد الطّيب يخرج نباته طيّباً بإذْن ربّه، والنّبات الذي خبث يخرج نكداً من البلد الخبيث، وهذا صنع دقيق لا يهمل في الكلام البليغ.
وقرأ الجميع ﴿ لا يَخْرُج ﴾ بفتح التّحتيّة وضمّ الراء إلاّ ابنَ وردان عن أبي جعفر قرأ بضمّ التّحتيّة وكسر الرّاء على خلاف المشهور عنه، وقيل إنّ نسبة هذا لابن وردان توهم.
والنّكد وصف من النكَد بفتح الكاف وهو مصدر نَكِدَ الشّيءُ إذا كان غير صالح يَجُرّ على مستعمله شراً.
وقرأ أبو جعفر ﴿ إلا نكداً ﴾ ، بفتح الكاف.
وفي تفصيل معنى الآية جاء الحديث الصّحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «مثَلُ ما بَعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقِيَّةٌ قبِلَتْ الماءَ فأنبتت الكلأ والعُشْب الكثيرَ، وكانت منها أجَادِبُ أمسكت الماء فنفع بها الله النّاسَ فشربوا وسَقَوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنّما هي قِيعَانٌ لا تُمْسك ماء ولا تنبتُ كَلأ فذلك مثَل مَن فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني اللَّهُ به فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، ومَثَل من لم يَرْفَعْ لِذلك رأساً ولم يَقْبَل هُدَى اللَّهِ الذي أُرْسِلْتُ به».
والإشارة بقوله: ﴿ كذلك نصرف الأيات ﴾ إلى تفنّن الاستدلال بالدّلائل الدّالة على عظيم القدرة المقتضية الوحدانيّة، والدّالة أيضاً على وقوع البعث بعد الموت، والدّالة على اختلاف قابليّة النّاس للهدى والانتفاع به بالاستدلال الواضححِ البيّن المقِرّب في جميع ذلك، فذلك تصريف أي تنويع وتفنين للآيات أي الدّلائل.
والمراد بالقوم الذين يشكرون: المؤمنون: تنبيهاً على أنّهم مورد التّمثيل بالبلد الطّيب، وأنّ غيرهم مورد التّمثيل بالبلد الخبيث، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إلاّ العالِمُون ﴾ [العنكبوت: 43].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ ﴾ يَعْنِي طَيِّبَ التُّرْبَةِ.
﴿ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ يَعْنِي يَخْرُجُ نَباتُهُ حَسَنًا جَيِّدًا.
﴿ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّكِدَ القَلِيلُ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ العُسْرُ بِشِدَّتِهِ المانِعُ مِن خَيْرِهِ، قالَ الشّاعِرُ: وأعْطِ ما أعَطَيْتَهُ طَيِّبًا لا خَيْرَ في المَنكُودِ والنّاكِدِ وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَجُعِلَ المُؤْمِنُ كالأرْضِ الطَّيِّبَةِ والكافِرُ كالأرْضِ الخَبِيثَةِ السَّبْخَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والبلد الطيب...
﴾ الآية.
قال: هذا مثل ضربه الله للمؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمرها طيب، والذي خبث ضرب مثلاً للكافر كالبلد السبخة المالحة التي لا يخرج منها البركة، والكافر هو الخبيث وعمله خبيث.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ والبلد الطيب...
والذي خبث ﴾ قال: كل ذلك في الأرض السباخ وغيرها، مثل آدم وذريته فيهم طيب وخبيث.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ والبلد الطيب ﴾ قال: هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فوعاه وأخذ به، وعمل به، وانتفع به، كمثل هذه الأرض أصابها الغيث فأنبتت وأمرعت ﴿ والذي خبث ﴾ قال: هذا مثل الكافر لم يعقل القرآن، ولم يعمل به، ولم يأخذ به، ولم ينتفع به، فهو كمثل الأرض الخبيثة أصابها الغيث فلم تنبت شيئاً ولم تمرع.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: هذا مثل ضربه للقلوب يقول: ينزل الماء فيخرج البلد الطيب نباته بإذن الله ﴿ والذي خبث ﴾ هي السبخة لا يخرج نباتها إلا نكداً، فكذلك القلوب لما نزل القرآن بقلب المؤمن آمن به وثبت الإِيمان في قلبه، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه، ولم يثبت فيه من الإِيمان شيء إلا ما لا ينفعه، كما لم يخرج هذا البلد إلا ما لم ينفع من النبات والنكد: الشيء القليل الذي لا ينفع.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته ﴾ بنصب الياء ورفع الراء.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ والبلد الطيب...
﴾ الآية.
قال الطيب ينفعه المطر فينبت ﴿ والذي خبث ﴾ السباخ لا ينفعه المطر ﴿ لا يخرج نباته إلا نكداً ﴾ هذا مثل ضربه الله لآدم وذريته كلهم، إنما خلقوا من نفس واحدة فمنهم من آمن بالله وكتابه فطاب، ومنهم من كفر بالله وكتابه فخبث.
وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ والبلد الطيب ﴾ الآية.
قال: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكانت منها بقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ الآية.
قال المفسرون: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة وبالأرض السبخة الملحة)، وهو قول ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) قال أبو بكر: (فشبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن فوعاه وعقله وانتفع به فبان أثره عليه بالبلد الطيب؛ إذ كان البلد الطيب يُمرع ويُخصب ويحسن أثر المطر فيه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن ولا يؤثر فيه أثرًا محمودًا بالبلد الخبيث؛ إذ كان لا يمرع ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه) (٥) وقال الحسين بن الفضل: (شبه الله المؤمن والكافر بالأرض، وشبه نزول القرآن بالمطر، وعلى قدر طيبة (٦) (٧) (٨) (٩) وقال الكلبي: (هذا مثل للمؤمن والكافر، المؤمن يعمل عمله طوعًا لله بإذن ربه من غير كد ولا عناء، والكافر لا يعمل عمله إلا في شدة وكدّ لغير الله) (١٠) ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ دليل على أن ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون ذلك إلا بتوفيق من (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﴾ .
قال الكلبي: ( ﴿ وَالَّذِي خَبُثَ ﴾ السبخة من الأرض) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا نَكِدًا ﴾ النكد العسر الممتنع (١٤) وقال الفراء: (النَّكَد المصدر يقال: نَكِد نَكَدًا فهو نَكِدٌ) (١٥) وقال الليث: (النكد الشؤم واللؤم وقلة العطاء وألا يهنأه من يعطاه، ورجل أنَكَد ونَكِد) (١٦) وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ...
لاَ خَيرْ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ (١٧) الأزهري: (المنكود: العطاء النزر القليل) (١٨) وقال أبو بكر: (النكد معناه في اللغة: العسر المبطي البعيد الخير، وهو في صفة البلد) (١٩) (٢٠) فقوله: نكدًا نُصب على الحال، وكذلك في الآية كما تقول: لا يخرج فلان إلا راكبًا (٢١) قال قتادة وأبو روق (٢٢) ﴿ إِلَّا نَكِدًا ﴾ إلا عسرًا).
وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ﴾ مضى معنى تصريف الآيات في مواضع.
وقوله تعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ .
قال عطاء: (يريد لنعم الله، ويوحدونه، ويطيعون أمره) (٢٣) وقال بعض أهل النظر: (ذكر الشكر في آخر الآية، إشارة إلى نعمتين مذكورتين في الآية للمؤمن، وهو أن الله تعالى لم يجعله كالبلد الخبيث، والثاني: أنه أذن له في الإيمان والطاعات كما أذن للبلد الطيب في إخراج النبات) (٢٤) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 212، وابن أبي حاتم 5/ 1503 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والسدي.
(٢) "تفسير مجاهد" 1/ 239، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 173.
(٣) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 25، والقرطبي 4/ 231، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، والماوردي 2/ 232، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 320، والطبري 8/ 212 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 173.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وابن الجوزي 3/ 220 عن المفسرين.
(٦) في (ب): (طيب).
(٧) لم أقف عليه، وانظر: "الأمثال" للحسين بن الفضل البجلي ص 44.
(٨) في (أ): (وهو).
(٩) سبق تخريجه.
(١٠) "تنوير المقباس" 2/ 101، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 25.
(١١) لفظ: (من) ساقط من (ب).
(١٢) "تنوير المقباس" 2/ 101، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 198.
(١٣) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 145، عن الفراء ولم أقف عليه في "معانيه"، والخَبيث والخُبْث، الرِديء خلاف الطيب، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 973، عن الليث قال: (خَبُث الشيء يخبث خبْثًا فهو خبيث، وبه خُبْث وخباثة، وأخبث فهو مُخْبِث إذا صار ذا خُبْث وشر) اهـ.
وانظر: "العين" 4/ 248 - 249، و"الجمهرة" == 1/ 258، و"الزاهر" 2/ 139، و"الصحاح" 1/ 281، و"مقاييس اللغة" 2/ 238، و"المفردات" ص 272، و"اللسان" 2/ 1088 (خبث).
(١٤) انظر: "الجمهرة" 2/ 680، و"الصحاح" 2/ 545، و"المجمل" 3/ 884، و"مقاييس اللغة" 5/ 475 - 476، و"المفردات" ص 833 (نكد).
(١٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 382.
(١٦) "تهذيب اللغة" 4/ 3660، وانظر: "العين" 5/ 331 (نكد) وقوله (من يعطاه) الأولى ما يعطاه.
(١٧) لم أعرف قائله، وهو في "العين" 5/ 331، و"تفسير الطبري" 8/ 211، و"تهذيب اللغة" 4/ 3660، و"تفسير الماوردي" 2/ 232، وابن عطية 5/ 542، والرازي 14/ 145، و"اللسان" 8/ 4538 (نكد)، و"البحر المحيط" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 352.
(١٨) "تهذيب اللغة" 4/ 3660، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 46: (النَكِد في اللغة: النزر القليل) اهـ.
ونحوه في "مجاز القرآن" 1/ 217، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"نزهة القلوب" ص 445، و"تفسير المشكل" ص 85.
(١٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 198 مع إنشاد الشاهد.
(٢٠) لم أعرف قائله.
وهو في "مجاز القرآن" 1/ 217، و"تفسير الطبري" 8/ 211، وابن عطية 5/ 542، وابن الجوزي 3/ 220، و"اللسان" 1/ 436 (تفه)، و"تفسير الخازن" 2/ 244، و"البحر المحيط" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 352.
(٢١) النصب على الحال هو قول الأكثر، ويجوز نصبه على المصدر على معنى ذا نكد.
انظر: "إعراب النحاس" 1/ 620، و"المشكل" 1/ 295، و"البيان" 1/ 366، و"التبيان" ص 380، و"الفريد" 2/ 319، و"الدر المصون" 5/ 352.
(٢٢) لم أقف عليه عنهما.
(٢٣) لم أقف عليه.
(٢٤) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 212، والسمرقندي 1/ 548، والرازي 14/ 145.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الرياح بُشْراً ﴾ قرئ الرياح بالجمع لأنها رياح المطر، وقد اضطرد في القرآن جمعها إذا كانت للرحمة، وإفرادها إذا كانت للعذاب، ومنه ورد في الحديث: «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» وقرئ بالإفراد، والمراد الجنس قرئ ﴿ نَشْراً ﴾ بفتح النون وإسكان الشين، وهو على هذا مصدر في موضع الحال، وقرئ بضمها وهو جمع نُشُر، وقيل: جمع منشور، وقرئ بضم النون وإسكان الشين نُشْر وهو تخفيف من الضم: كرسل ورسل، وقرئ بالباء في موضع النون وهو من البشارة ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي قبل المطر ﴿ أَقَلَّتْ ﴾ حملت ﴿ سَحَاباً ثِقَالاً ﴾ لأنها تحمل الماء فتثقل به ﴿ سقناه ﴾ الضمير للسحاب ﴿ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ ﴾ يعني: لا نبات فيه من شدة القحط، وكذلك معناه حيث وقع ﴿ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء ﴾ الضمير للسحاب أو البلد، على أن تكون الباء ظرفية ﴿ كذلك نُخْرِجُ الموتى ﴾ تمثيل لإخراج الموتى من القبور، وبإخراج الزرع من الأرض، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها: كذلك النشور، وكذلك الخروج ﴿ والبلد الطيب ﴾ هو الكريم من الأرض الجيد التراب ﴿ والذي خَبُثَ ﴾ بخلاف ذلك كالسبخة ونحوها ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ عبارة عن السهولة والطيب، والنكد بخلاف ذلك، فيحتمل أن يكون المراد ما يقتضيه ظاهر اللفظ؛ فتكون متممة للمعنى الذي قبلها في المطر، أو تكون تمثيلاً للقلوب، فقيل: على هذا الطيب: قلب المؤمن، والخبيث: قلب الكافر.
وقيل: هما للفهيم والبليد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغشي ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد وسهل ويعقوب غير روح.
﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها بالرفع: ابن عامر.
الآخرون بالنصب.
﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلى خلف ﴿ نشرا ﴾ بالنون وسكون الشين: ابن عامر.
وبفتح النون وسكون الشين: حمزة وعلي وخلف وأبو زيد عن المفضل.
وبضم الباء الموحدة والشين الساكنة: عاصم غير أبي زيد الباقون بضم النون والشين.
﴿ ميت ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وحفص والمفضل ﴿ نكداً ﴾ بفتح الكاف: يزيد.
الآخرون بكسرها.
الوقوف: ﴿ حثيثاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده مرفوعات ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ والأمر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه للعطف مع الآية.
﴿ وطمعاً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ بإذن ربه ﴾ ج للابتداء مع العطف ﴿ نكداً ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير أمر المعاد عاد على عادته إلى بيان المبدإ وهو ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القدرة والعلم تأكيداً للمعاد.
والمعنى إن الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكاره هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأجسام الجسام وأودع فيها أنواع المنافع وأصناف الفوائد، فكيف يليق أن يرجع إلى غيره في طلب الخيرات ويعوّل على غيره في تحصيل السعادات؟
قال علماء الأدب: أصل ست سدس بدليل سديس وأسداس.
ثم إن العرب كانوا يخاطبون اليهود فالظاهر أنهم سمعوا بعض أوصاف الخالق منهم فكأنه يقول: لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتهما في ستة أيام.
قيل: إنه كان قادراً على إيجادهما دفعة واحدة فما الفائدة في ذكر أنه خلقهما في ستة أيام في أثناء ذكر ما يدل على وجود الصانع؟
وأجيب بأنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور والصبر فيها كيلا يحمل المكلف تأخير الثواب والعقاب على التعطيل.
ومن العلماء من قال: إن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع الإحداث فلعله يخطر ببال بعضهم أن ذلك إنما وقع على سبيل الاتفاق، أما إذا أحدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للحكمة والمصلحة كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث حكيم عليم قادر رحيم.
وأيضاً ثبت بالدليل أنه يخلق العاقل أوّلاً ثم يخلق السموات والأرض بعده لأن خلق ما لا ينتفع به في الحال يجر إلى العبث.
ثم إن ذلك العاقل - ملكاً كان أو جنياً - إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على سبيل التعاقب والتوالي كان ذلك أقوى في إفادة اليقين لأنه يتكرر على عقله ظهور هذه الدلائل لحظة فلحظة.
وأما تقدير المدة بستة أيام فلا يرد عليه إشكال لأن السؤال يعود على أي مقدار فرض، وقيل: إن لعدد السبعة شرفاً عظيماً ولهذا خصت ليلة القدر بالسابع والعشرين.
فالأيام الستة لتخليق العالم والسابع لتحصيل كمال الملك والملكوت.
فإن قيل: كيف يعقل حصول الأيام قبل خلق الشمس التي نيط تقدير الأزمنة بطلوعها وغروبها؟
فالجواب أن المراد خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام كقوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ والمراد مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا صباح عند الله ولا مساء.
وعن ابن عباس أن هذه الأيام أيام الآخرة كل يوم ألف سنة مما تعدون.
والأكثرون على أنها أيام الدنيا لأن التعريف بها يقع.
والظاهر أنها الأيام بلياليها لا النهار.
ونقول: يمكن أن تحمل الأيام الستة على الأطوار الستة التي للأجسام الهيولي والصورة والجسم البسيط ثم المركب المعدني والنباتي والحيواني والله أعلم بمراده.
أما قوله : ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ فحمل بعضهم الاستواء على الاستقرار وزيف بوجوه عقلية ونقلية منها: أن استقراره على العرش يستلزم تناهيه من الجانب الذي يلي العرش، وكل ما هو متناهٍ فاختصاصه بذلك الحد المعين يستند لا محالة إلى محدث مخصص فلا يكون واجباً.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الإله نوراً غير متناهٍ ويراد باستقراره على العرش بلا تناهيه إحاطته به من الجوانب ونفوذه في الكل لا كإحاطة الفلك الحاوي بالمحوى.
ولا كنفوذ النور المحسوس في الشرف، بل على نحو آخر تعوزه العبارة.
ومنها أنه لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناهٍ من كل الجهات أو متناهياً من بعضها دون بعض.
وعلى الأول يلزم اختلاطه بجميع الأجسام حتى للقاذورات ومع ذلك فالشيء الذي هو محل السموات، إما أن يكون عين الشيء الذي هو محل الأرض أو غيره، وعلى الأول يلزم أن يكون السماء والأرض حالين في محل واحد فهما شيء واحد لا شيئان.
وعلى الثاني يلزم التركيب والتجزئة في ذاته .
وأما إن كان متناهياً من الجهات فلو حصل في جميع الأحياز فهو محال بالبديهة، وإن حصل في حيز واحد فلو كان جوهراً فرداً لزم أن يكون واجب الوجود أحقر الأشياء وإلا لزم التبعيض لأن جهة الفوق منه تكون مغايرة لمقابلتها.
وكذا الكلام فيه إن كان متناهياً من بعض الجهات، ولو جاز أن يكون الشيء المحدود من جانب أو جوانب قديماً أزلياً فاعلاً للعالم فلم لا يجوز أن يقال فاعل العالم هو الشمس والقمر أو كوكب آخر؟
وأيضاً يصح على الشق المتناهي أن يكون غير متناهٍ وعلى غير المتناهي أن يكون متناهياً، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي فيصح النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفريق والتمزق على ذاته فيكون ممكناً محدثاً لا واجباً قديماً.
ولقائل أن يقول: إنه غير متناهٍ ولا يلزم من ذلك أن يكون محلاً للعالم ولا حالاً فيه، واستصحاب الشيء للمحل غير كونه نفس المحل أو مفتقراً إلى المحل.
وحديث اختلاطه بالقاذورات تخييل لا أصل له عند الرجل البرهاني.
ومنها أنه لو كان الباري يتعالى حاصلاً في المكان والجهة لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجوداً مشاراً إليه أو لا يكون.
فإن كان موجوداً كان له بعد وامتداد وللحاصل فيه أيضاً بعد وامتداد فيلزم تداخل البعدين ومع ذلك يلزم كون الجهة والحيز أزليين ضرورة كون الباري أزلياً ومحال أن يكون ما سوى الواجب أزلياً، وإن لم يكن موجوداً لزم كون العدم المحض ظرفاً لغيره ومشاراً إليه بالحس وذلك باطل.
واعترض بأن ذلك أيضاً وارد عليكم في قولكم: "الجسم حاصل في الحيز والجهة".
وأجيب بأن مكان الجسم عندنا عبارة عن السطح الظاهر من الجسم المحوي وهذا المعنى بالاتفاق في حق الله محال فسقط الاعتراض.
ولقائل أن يقول: الجهة مقطع الإشارة الحسية وهذا في حقه محال لعدم تناهيه.
ولم لا يجوز أن يكون المكان خلاء فلا يلزم تداخل البعدين ولو لزم هناك لزم في الأجسام أيضاً بل لا بعد هناك ولا امتداد، ولو فرض فلن يلزم منه الانقسام في الخارج، ومنها أنه لو امتنع وجود الباري بحيث لا يكون مختصاً بالحيز والجهة لكانت ذاته مفتقرة في تحققها ووجودها إلى غيره فيكون ممكناً.
والجواب ما مر من أن استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إليه.
ومنها أن الحيز والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض، ولأن هذا المفهوم واحد فالأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية.
فلو اختص ذاته بحيز معين لكان اختصاصه به لمخصص مختار، وكل ما كان فعل الفاعل المختار فهو محدث، فحصوله في الحيز محدث وكل ما لا يخلو عن الحادث فهو أولى بالحدوث فالواجب محدث هذا خلف.
ولقائل أن يقول: ما لا يتناهى لا يعقل له حيز معين ولو فرض لا تناهي الأحياز أيضاً فافتقاره إليها ممنوع، وكيف يفتقر الشيء إلى ما تأخر وجوده عن وجود ذلك الشيء والمعية بعد ذلك لا تضر؟
ومنها لو كان في الحيز والجهة لكان مشاراً إليه بالحسن، ثم إن كان قابلاً للقسمة لزم التجزي وإلا لكان نقطة أو جوهراً فرداً فلا يبعد أن يقال: إن إله العام جزء من ألف جزء من رأس إبرة ملتصقة بذنب قملة أو نملة.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن كونه مع الحيز من جميع الجهات المفروضة يستلزم كونه مشاراً إليه حساً فإن العقل يعجز عن إدراكه فضلاً عن الحس وباقي الكلام لا يستحق الجواب.
ومنها كل ذات قائمة بالنفس يشار إليها بحسب الحس فلا بد أن يكون جانب يمينه مغايراً لجانب شماله فيكون منقسماً وكل منقسم مفتقر ممكن.
قالوا: هذا الدليل مبني على نفي الجوهر الفرد.
ومنها لو كان في حيز لكان إما أعظم من العرش أو مساوياً له أو أصغر منه والثالث باطل بالإجماع والأولان يستلزمان الانقسام لأن المساوي للمنقسم منقسم وكذا الزائد عليه، لأن القدر الذي فضل به عليه مغاير لما سواه.
ولقائل أن يقول: لا نسبة بين الجسم وبين نور الأنوار وتستحيل هذه التقادير.
ومنها أنه لو فرض كونه غير متناهٍ من جميع الجهات كما يزعم الخصم لزم لا تناهي الأبعاد وإنه محال لبرهان تناهي الأبعاد.
ولقائل أن يقول: إن برهان تناهي الأبعاد لا يسلم ولو سلم فلا بعد فيما وراء العالم الجسماني ولا امتداد.
ومنها أنه لو كان حاصلاً في الحيز لكان كونه هناك أما أن يمنع من حصول جسم آخر فيه أو لا يمنع.
وعلى الأول كان تعالى مساوياً لجميع الأجسام في هذا المعنى، ثم إنه إن لم تحصل بينه وبينها ومخالفة بوجه آخر صح عليه ما يصح عليها من التغيرات وإنه محال، وإن حصل بينه وبينها مخالفة من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايراً لما به المخالفة فيكون الواجب مركبا بل ممكناً.
وأيضاً إن ما به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد إما أن يكون محلاً لما به المخالفة أو حالاً فيه أو لا هذا ولا ذاك.
فإن كان محلاً له كان البعد جوهراً قائماً بنفسه والأمور التي بها حصلت المخالفة أعراضاً وصفات، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما يصح على بعضها يصح على البواقي، وكل ما يصح على بعض الأجسام من التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد يصح على ذاته .
وإن كان ما به المخالفة محلاً وذوات وما به المشاركة حالاً وصفة فذلك المحل إن كان له أيضاً اختصاص بحيز وجهة فيجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية وإلا كان موجوداً مجرداً فلا يكون بعداً وامتداداً هذا خلف.
وإن لم يكن حالاً ولا محلاً كان أجنبياً مبايناً فتكون ذات الله مساوية لتمام الأجسام في الماهية ويصح عليه ما يصح عليها هذا محال، وعلى التقدير الثاني - وهو أن ذاته لا تمنع من حصول جسم آخر في حيزه - لزم سريانه في ذلك الجسم وتداخل البعدين كما مر والكل محال، فالمقدم وهو كونه في حيز محال.ولقائل أن يقول: كون البارىء مع الحيز مغاير لكون الجسم في الحيز فأين الاشتراك؟
ولو سلم فالاشتراك في اللوازم لا يوجب الاشتراك في الملزومات فمن أين يلزم التركيب؟
قوله: "فإن كان محلاً له كان البعد جوهراً قائماً بنفسه" قلنا: كون البعد جوهراً قائماً بنفسه حق، ولكن الملازمة ممنوعة، وكذا قوله: "الأمور التي بها حصلت المخالفة" أعراض وصفات لجواز قيام العرض بالعرض كالبطء والسرعة القائمين بالحركة، قوله: "وإلا كان موجوداً مجرداً فلا يكون بعداً" ممنوع لما قلنا من احتمال وجود بعد مجرد بلا وجوبه، والكلام في سريانه في الموجودات قد مر.
ومنها أنه لو كان في حيز فإن أمكنه التحرك منه بعد سكونه فيه كان المؤثر في حركته وسكونه فاعلاً مختاراً، وكل فعل لفاعل مختار فهو محدث وما لا يخلو عن المحدث أولى بأن يكون محدثاً وإن لم يمكنه التحرك منه كان كالزمن المعقد العاجز وذلك محال.
وأيضاً لا يبعد فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع خروجها عنها فلا يمكن إثبات حدوث الأجسام بدليل الحركة والسكون والكرامية يساعدون على أنه كفر.
ولقائل أن يقول: إن الحركة والسكون من خواص الأجسام المفتقرة إلى أحياز، فأما النور المجرد فلا يوصف بالحركة والسكون وإن كان مع الحيز والمتحيز.
سلمنا وجوب اتصافه بأحدهما فلم لا يجوز أن لا يمكنه التحرك لا لكونه زمناً مقعداً ولكن لأنه نور غير متناهٍ لا يصح وصفة بالتخلخل والتكاثف ونحو ذلك، فتستحيل عليه الحركة لأنها موقوفة على شغل حيز وتفريغ حيز آخر، ولأن العالم النوراني الذي لا نهاية له مملوء منه فكيف يتصور خلو حيز عنه؟
ومنها أنه لو كان مختصاً بحيز فإن كان لطيفاً كالماء والهواء كان قابلاً للتفرق والتمزق، وإن كان صلباً كان إله العالم جبلاً واقفاً في الحيز العالي، وإن كان نوراً محضاً جاز أن تفرض هذه الأنوار التي تشرق على الجدران إلهاً.
وأيضاً إن كان له طرف وحدّ فإن كان ذا عمق وثخن كان باطنه غير ظاهره وإلا كان سطحاً في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منها ألف ألف مرة.
قلت: إن أمثال هذه الكلمات لا تصدر إلا عمن لا يفرق بين النور المعقول والنور المحسوس، والجوهر المجرد والجوهر المادي، والشيء القائم بذاته والمفتقر إلى غيره.
ومن العجب العجاب أن هذا المستدل قد سمع من جمهور العقلاء أن الأجرام الفلكية لا تطلق عليها الصلابة واللين، وإذا جاز أن يكون في أنواع الأجسام نوع لا يمكن أن يتصف بهذين المتقابلين لأن ذلك الموضع أجل وأشرف من أن يتصف بأحدهما، فلم لا يجوز أن يكون فيما هو أشرف من ذلك النوع شيء لا يتصف بهما؟!
ومنها لو كان إله العالم فوق العرش لكان مماساً للعرش أو مبايناً له ببعد متناهٍ أو غير متناهٍ.
وعلى الأول فإن لم يكن له ثخن كان سطحاً رقيقاً كما مر، وإن كان له ثخن فالمماس مغاير لغير المماس ويلزم تركيبه، وإن كان مبايناً ببعد متناهٍ فلا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى أن يماسه ويعدو الإلزام المذكور، وإن كان مبايناً ببعد غير متناهٍ لزم أن يكون غير المتناهي محصوراً بين الحاصرين، ولقائل أن يقول: المباينة والمماسة من خواص الأجسام وإنه نور مجرد محض فلا يصلح عليه الاتصال والانفصال والتماس والتباين والتداخل وأشباه ذلك.
ومنها أن الاستقراء قد دل على أن الجرمية كلما كانت أقوى كانت الفاعلية والتأثير أضعف وبالعكس، ولهذا كان تأثير الأرض أقل من تأثير الماء، وتأثير الماء من تأثير الهواء، وتأثير الهواء من تأثير النار بالإحراق والطبخ، وتأثير النار من تأثير الأفلاك المؤثرة في العنصريات.
ثم إنه لا قدرة ولا قوة أشد من قدرة الواجب لذاته فيكون بريئاً من الحجم والجرم والكثافة والرزانة.
قلت: في الاستقراء نزاع إنه صحيح تام أولاً، ولكن لا نزاع في أن واجب الوجود شأنه بريء عن الحجمية والكثافة وعن كل شيء يقدح في قيوميته.
وههنا حجج قد أوردت في أوائل سورة الأنعام في تفسير قوله : ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وقد عرفت ما عليها فهذه حجج عقلية عول عليها الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، وقد أوردنا عليها ما كانت ترد من المنوع والاعتراضات لا اعتقاداً للتشبيه والتجسم أو تقليداً لأولئك الأقوام بل تشحيذاً للذهن وتقريباً إلى المعارف والحقائق وجذباً بضبع المتأمل في المضايق والمزالق فليختر المنصف ما أراد والله الموفق للرشاد.
ولعل هذا المقام مما لا يكشف المقال عنه غير الخيال والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم قال : وأما الدلائل السمعية فكثيرة منها قوله : ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والأحد مبالغة في كونه واحداً والذي يمتلىء منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركباً من أجزاء فوق أجزاء العرش وذلك ينافي كونه أحداً.
وأجيب بأنه ذات واحدة حصلت في كل الأحياز دفعة واحدة، وزيف بأن هذا معلوم الفساد بالضرورة لو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال جميع العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة الأحياز فظن أنه أشياء كثيرة.
قلت: وهذه مغالطة فإن هذا الجزء الذي لا يتجزأ لصغره غير الشيء الذي لا يقبل التجزئة والأنقسام لذاته.
وأيضاً المتحيز الذي مقداره ذراع في ذراع لا يشغل بالبديهة حيزين كل منهما ذراع في ذراع فلزم منه أن لا يشغل ذينك الحيزين متحيز مقداره.
ضعف ذلك على أن الحق ما عرفت مراراً أن نور الأنوار قيوم في ذاته حاصل في جميع الأشياء لا منفصل عنها انفصال المحيط عن المحاط، ولا متصل بها اتصال العرض الساري في الأجسام، ولهذا لا يلزمه بانقسامها الانقسام.
ومنها قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية ﴾ ويلزم منه أن يكون حامل العرش حاملاً للإله.
والجواب أنك إن سميت المعية حملاً فلا نزاع.
ومنها قوله: ﴿ والله الغني ﴾ فوجب أن يكون غير مفتقر إلى المكان والجهة، والجواب أن الاستصحاب غير الافتقار.
ومنها أن فرعون طلب حقيقة الإله في قوله: ﴿ وما رب العالمين ﴾ ولم يزد موسى على ذكر الأوصاف.
وأما فرعون فقد طلب الإله في السماء في قوله ﴿ فأطلع إلى إله موسى ﴾ فعلمنا أن التنزية دين موسى ووصفه بالمكان والحيز دين فرعون.
والجواب لا نزاع في أن حقيقة ذاته كما هي لا يعلمها إلا هو والبسائط المحضة لا تعرف إلا بلوازم، وطلب فرعون إنما كان مذموماً لأنه تصور أن يكون الإله شخصاً مثله على تقدير وجوده لقوله: ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ .
ومنها هذه الآية لأنها تدل على أنه استقر على العرش بعد تخليق السموات والأرض وكان قبل ذلك مضطرباً.
والجوب المراد بالاستقرار أنه كان ولم يكن معه شيء فإذا خلق ما خلق من عالم الأجسام والأختلاط بقي ما وراءه نوراً محضاً.
ومنها قصة إبراهيم وتبرئه من الآفلين ولو كان جسماً لكان آفلاً في أفق الإمكان.
والجواب أن نور الأنوار أجل من ذلك ولا يلزم من كونه مع جميع الأحياز ومع ما سواها أن يكون في مرتبة الأجسام بل النفوس والعقول.
ومنها أن أول الآية أعني قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ﴾ يدل على قدرته وحكمته وكذا قوله ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ إلى آخر الآية.
فلو كان المراد من الاستواء هو الاستقرار كان أجنبياً عما قبله وعما بعده لأنه ليس من صفات المدح إذ لو استقر عليه بق وبعوض صدق عليه أنه استقر على العرش.
فإذن المراد بالاستواء كمال قدرته في تدبير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها.
والجواب أن الاستقرار بالتفسير الذي ذكرناه أدل شيء على المدح والثناء، وحديث البق والبعوض خراف وهل هو إلا كقول القائل: لو كان واجب الوجود بقاً أو بعوضاً صدق عليه أنه إله فلا يكون الإله دالاً على المدح.
ومنها أنه حكم في آيات كثيرة بأنه خالق السموات فلو كان فوق العرش كان سماء لساكني العرش لأن السماء عبارة عن كل ما علا وسما، ومن هنا قد يسمى السحاب سماء فيلزم أن يكون خالقاً لنفسه.
والجواب بعد تسليم أن كل ما سما وارتفع فهو سماء من غير اعتبار أنه نور أو جسم، أن ذاته مخصوصة بدليل منفصل كقوله: ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ هذا ولغير الموسومين بالمجسمة والمشبهة في الآية قولان: الأول القطع بكونه متعالياً عن المكان والجهة ثم الوقوف عن تأويل الآية وتفويض علمها إلى الله، والثاني الخوض في التأويل وذلك من وجوه: أحدها تفسير العرش بالملك والاستواء بالاستعلاء أي استعلى على الملك.
وثانيها: أن "استوى" بمعنى "استولى" كقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق وثالثها ذكر القفال أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك.
يقال: استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه إذا استقام له أمره واطرد.
وفي ضدّه خلا عرشه أي انتقض ملكه وفسد.
فالله دلّ على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم بالوجه الذي ألفوه من ملوكهم ورؤسائهم لتستقر عظمة الله تعالى في قلوبهم إلا أن ذلك مشروط بنفي التشبيه، فإذا قال: إنه عالم فهموا منه أنه لا يخفى عليه شيء، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة أو روية ولا باستعمال حاسة وإذا قال: قادر.
علموا منه أنه متمكن من إيجاد الكائنات وتكوين الممكنات ثم عرفوا أنه غني في ذلك الإيجاد والتكوين عن الآلات والأدوات وسبق المادة والمدّة والفكرة والروية، وكذا القول في كل من صفاته.
وإذا أخبر أن له بيتاً يجب على عباده حجه فهموا منه أنه نصب موضعاً يقصدونه لمآربهم وحوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه ولم ينتفع به لدفع الحر والبرد.
وإذا أمرهم بتحميده وتمجيده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ثم علموا أنه لا يفرح بذلك التحميد والتمجيد ولا يحزن بتركه والإعراض عنه.
وإذا أخبر أنه خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش فهموا منه أنه بعد أن خلقهما استوى على عرش الملك والجلال.
ومعنى التراخي أنه يظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلقها لأن تأثير الفاعل لا يظهر إلا في القابل.
وقال أبو مسلم: العرش لغة هو البناء والعارش الباني قال : ﴿ ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ فالمراد أنه بعد أن خلقها قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها.
قوله : ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ قال صاحب الكشاف: يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل يحتملهما اللفظ جميعاً.
وقال القفال: لما أخبر بالاستواء على العرش وأن أمر المخلوقات منوط بتدبيره ومشيئته أراهم ذلك عياناً فيما يشاهدونه لينضم العيان إلى الخبر.
وقدم ذكر الليل والنهار لما في تعاقبهما من المنافع الجليلة فبهما تتم أمور الحياة، ثم وصف الحركة التي يحصلان منها بالسرعة والشدةّ فقال ﴿ يطلبه حثيثاً ﴾ قال الليث: الحث الإعجال وذلك أن حركة الفلك الأعظم أشدّ الحركات سرعة حتى إنها في مقدار ما تقول واحد واحد واحد يتحرك ألفاً وسبعمائة واثنين وثلاثين فرسخاً من مقعر فلكه والله أعلم بتحرك محدبه.
فإن قيل: ما محل الجملتين؟
قلت: أما الأولى فمستأنفة كأنه قيل: فماذا يفعل بعد خلق السموات والأرض؟
فأجيب يغشي الليل النهار.
وعلى قول من يفسر الاستواء بالتدبير والتصرف يحتمل أن تكون هذه الجملة مبينة.
وأما الثانية ففي محل النصب على الحال من الملحق كما أن ﴿ حثيثاً ﴾ منصوب على الحال من الطالب وهو الملحق بعينه.
ثم قال: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخّرات ﴾ من قرأهن منصوبات فمعناه وخلق هذه الأجرام حال كونهن تحت تسخيره، ومن قرأها مرفوعات فعلى الابتداء والخبر، وكلتا القراءتين حسنة لأنك إذا قلت: ضربت زيداً استقام أن يقال زيد مضروب.
وقوله: ﴿ بأمره ﴾ متعلق بمسخرات أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره.
قال في الكشاف: سمي ذلك أمراً على التشبيه كأنهن مأمورات بذلك.
ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الذي هو الكلام، وعلى هذا لا يبعد أن يكون ﴿ بأمره ﴾ متعلقاً بـ ﴿ خلق ﴾ .
بدأ بالشمس لأنه سلطان الكواكب، وثنى بالقمر لأنه كالنائب، وثلث بسائر النجوم لأنها كالخدم.
فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، والشمس تأثيرها بالتسخين، والقمر تأثيره بالترطيب، وتوليد المواليد الثلاثة المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة.
ثم إنه وتعالى خص كل كوكب بخاصية عجيبة وتأثير غريب لا يعلمه بتمامه إلا مبدعه وخالقه، واعلم أن الأجسام متماثلة في الجسمية؛ فاختصاص جرم الشمس بالنور الباهر والتسخين الشديد والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي والسفلي وكذا تخصيص كل واحد من سائر السيارات والثوابت بقوّة أخرى لا بد أن يستند إلى فاعل حكيم قدير عليم فلهذا قال: ﴿ مسخرات بأمره ﴾ .
وأيضاً إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب سيراً خاصاً من المغرب إلى المشرق، وسيراً آخر سريعاً بسبب حركة الفلك الأعظم، فقوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ تنبيه على أن حدوث الليل والنهار إنما هو بحركة الفلك الأعظم المسمى بالعرش، وقوله: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ إشارة إلى أن العرش يحرك جميع الأفلاك والكواكب وأنه أودع في جرمه قوّة قاهرة قاسرة باعتبارها قويت على تحريك من دونه على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب.
وأيضاً أن أقسام الأجسام ثلاثة: متحرك إلى الوسط وهما العنصران الثقيلان، ومتحرك عن الوسط وهما الخفيفان، ومتحرك على الوسط وهي الأجرام الفلكية، فيكون الأفلاك والكواكب متحركة بالاستدارة لا إلى المركز ولا عن المركز لا يكون إلا بتسخير الله ، ولأمر ما أكثر الله في كتابه الكريم من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية تبدل الضياء بالظلام وبالعكس، وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وأمر بالنظر في ملكوت السماء والغبراء وبالتفكر فيهما قائلاً: ﴿ أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ ﴿ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ﴾ ﴿ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وإن من صنف كتاباً شريفاً مشتملاً على دقائق العلوم العقلية والنقلية فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان: منهم من اعتقد كونه كذلك على الإجمال، ومنهم من وقف على دقائقها على سبيل التفصيل والكمال، ولا ريب أن اعتقاد الفريق الثاني يكون أكمل وأقوى إذا ثبت هذا فنقول: من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث فله محدث حصل له بهذا الطريق إثبات الصانع، أما الذي ضم إلى هذه المعرفة البحث عن أحوال هذا العالم العلوي والعالم السفلي على التفصيل الممكن لا يزال ينتقل من برهان إلى برهان ومن دليل إلى دليل فإن يقينه يتزايد وبصيرته تتكامل إلى أن يصير علماً معقولاً مضاهياً لما عليه الموجود، ولمثل هذه الفوائد والأغراض والغايات أنزل هذا الكتاب الكريم لا لتكثير وجوه الإعراب والاشتقاقات المؤدية إلى الإطناب والإسهاب، وأما قوله عز من قائل ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ فالخلق عبارة عن التقدير ويختص بكل ما هو جسم وجسماني لأنه خص بمقدار معين، فكل ما كان بريئاً عن الحجم والمقدار فهو من عالم الأرواح وعالم الأمر لأنه أوجد بأمر "كن" من غير سبق مادّة ومدّة، فعالم الخلق في تسخيره وعالم الأمر في تدبيره واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره.
وههنا مسائل ذكرها العلماء: الأولى أنه متكلم آمر ناهٍ مخبر مستخبر لأن قوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ دل على أن له الأمر فوجب أن يكون له النهي وسائر أنواع الكلام ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
الثانية لا خالق إلا هو لأن قوله: ﴿ ألا له الخلق ﴾ بتقديم الخبر يفيد الحصر.
ولو سلم أنه لا يفيده فلا أقل من إفادة أنه خالق بعض الأشياء، وحينئذٍ يثبت المطلوب لأن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه والإمكان مفهوم واحد في الممكنات وإنه علة للحاجة إلى موجود معين، فجميع الممكنات محتاجة إلى ذلك المعين فالذي يكون مؤثراً في وجود شيء واحد يجب أن يكون هو المؤثر في جميع الممكنات ولا يحتاج إلى الممكنات.
الثالثة قالت الأشاعرة: كل أثر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي فخالق ذلك الأثر في الحقيقة هو الله لقوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ ويتفرع على هذا أنه لا إله إلا الله وإلا كان الثاني مدبراً وخالقاً، وأنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم، وأن القول بالطبائع والعقول والنفوس على ما يزعم الفلاسفة وأصحاب الطلسمات باطل، وأن خالق أعمال العباد هو الله والقول بأن العلم يوجب العالمية والقدرة توجب القادرية باطل، كل ذلك لئلا يلزم خالق ومؤثر غير الله .
الرابعة كلام الله قديم لأنه ميز بين الخلق وبين الأمر ولو كان أمر الله مخلوقاً لما صح هذا التمييز.
أجاب الجبائي بأنه لا يلزم من إفراد الأمر بالذكر عقيب الخلق أن لا يكون الأمر داخلاً في الخلق كقوله: ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ {البقرة: 98] وعارض الكعبي بقوله: ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ فإنه لو وجب مغايرة المعطوف للمعطوف عليه لزم أن تكون الكلمات غير الله ، وكل ما كان غير الله فإنه محدث ومخلوق فكلمات الله مخلوقة.
وقال القاضي: اتفق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام الله بل المراد به نفاذ إرادته وإظهار قدرته، وقال قوم: لا يبعد أن يقال الأمر داخل في الخلق ولكنه من حيث كونه أمراً يدل على نوع آخر من الكمال والجلال.
والمعنى له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى.
ثم بعد الإيجاد والتكوين له الأمر والتكليف في المرتبة الثانية.
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ ألا له الخلق ﴾ أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق، فقوله: ﴿ والأمر ﴾ يجب أن يكون معناه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر، ويلزم منه أن يكون الأمر محدثاً مخلوقاً لأنه لو كان قديماً لم يكن ذلك الأمر بحسب مشيئته بل كان من لوازم ذاته فلا يصدق أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر هذا خلف.
وأجيب بأنه لو كان الأمر داخلاً تحت الخلق لزم التكرار والأصل عدمه فلا يصار إليه إلا للضرورة ولا ضرورة ههنا.
الخامسة في الآية دلالة على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئاً إلا الله، ففعل الطاعة لا يوجب الثواب، وفعل المعصية لا يوجب العقاب، وإيصال الألم لا يوجب العوض.
السادسة دلت الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه عائد إليه، وأن الحسن لا يحسن لأمر عائد إليه وإلا لم يأمر إلا بما حصل فيه وجه الحسن ولم ينه إلا عما حصل فيه وجه القبح، فلا يكون متمكناً من الأمر والنهي كيف شاء وأراد هذا خلف.
السابعة أطلق الخلق والأمر فيعلم أنه لو أراد خلق ألف عالم بما فيه من العرش والكرسي والكواكب في أقل من لحظة لقدر عليه، لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل الممكنات.
الثامنة قال قوم: الخلق صفة من صفات الله وهو غير المخلوق لأن أهل السنة يقولون: معنى قوله: ﴿ الأمر لله ﴾ أنه صفة له فكذا الخلق صفة قائمة بذاته فلا يكون مخلوقاً، وأجيب بأن الخلق لو كان غير المخلوق فإما أن يكون قديماً ويلزم من قدمه قدم المخلوق، وإما أن يكون حادثاً فيفتقر إلى خلق آخر ويتسلسل، ويمكن أن يقال: الصفة قديمة والتعلق حادث.
التاسعة له الأمر يقتضي أن لا أمر لله.
وقول النبي صلّى الله عليه وآله: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" لا ينافي ذلك لأن الموجب لأمره في الحقيقة هو أمر الله ، العاشرة في الآية دلالة على أن الله أمراً ونهياً على عباده والخلاف مع نفاة التكليف.
قالوا: إن كان التكليف معلوم الوقوع كان واجب الوقوع فكان الأمر به تحصيلاً للحاصل، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع فكان الأمر به أمراً بما يمتنع وقوعه وهو محال.
وأيضاً إنه إن خلق الداعي إلى فعله كان واجب الوقوع وإلا فلا فائدة في الأمر به.
وأيضاً الكافر أو الفاسق لا يستفيد بالتكليف، إلا الضرر المحض لأنه يعلم أنه لا يؤمن ولا يطيع وخلاف علم الله محال فلا يحصل من الأمر إلا مجرد استحقاق العذاب وهذا لا يليق بالرحيم الحليم.
وأيضاً التكليف إن لم يكن لفائدة في الأمر فهو عبث، وإن كان لفائدة فلا بد أن تعود إلى المكلف لأنه غني فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل نفع أو دفع ضر والله قادر على تحصيلهما للمكلف من غير واسطة التكليف فكان توسيط التكليف إضراراً محضاً.
والجواب أن أوّل الآية دل على أنه هو الخالق لكل العبيد، وإذا كان خالقاً لهم كان مالكاً لهم، وتصرف المالك في ملك نفسه كيف شاء مستحسن، ويحسن منه أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقاً لا كما يقول المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحاً أو من كونه موجب عوض أو ثواب.
ولما بين أن له الأمر والنهي والحكم والتكليف ذكر أنه يستحق الثناء والتقديس فقال: ﴿ تبارك الله رب العالمين ﴾ وللبركة تفسيران: أحدهما الثبات والدوام ولا ريب أنه الواجب لذاته القائم بذاته الدائم الغني بذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه.
وثانيهما كثرة الآثام الفاضلة.
ولا شك أن كل الخيرات والكمالات فائضة من جوده وإحسانه بل جميع الممكنات رشحة من بحار فضله وامتنانه.
ثم لما بيّن كمال قدرته وحكمته وأرشد إلى التكليف الموصل إلى سعادة الدارين أتبعه ذكر ما يستعان به على تحصيل المطالب والمآرب الدينية والدنيوية فقال: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ قال في الكشاف: نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية وكذلك ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ قلت: ويحتمل الانتصاب على المصدر مثل: رجع القهقرى.
والتضرع التذلل وهو إظهار ذل النفس والخفية بالضم أو الكسر ضد العلانية.
قال بعض العلماء: الدعاء ههنا بمعنى العبادة لئلا يلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه في قوله: ﴿ وادعوه خوفاً وطمعاً ﴾ والأظهر أنه على الأصل.
ومن الناس من أنكر الدعاء قال: لأن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع أو كان مراداً في الأزل أو كان على وفق الحكمة والمصلحة وقع لا محالة وإلا فلا فائدة فيه.
وأيضاً إنه نوع من سوء الأدب وعدم الرضا بالقضاء وقد يطب ما ليس بنافع له.
وفيه من الاشتغال بغير الله وعدم التوكل عليه ما لا يخفى.
والحق أن الدعاء نوع من أنواع العبادة ورفضه يستدعي رفض كثير من السوائل والوسائط والروابط، ولو لم يكن فيه إلاّ معرفة ذلة العبودية وعزة الربوبية لكفى بذلك فائدة، ولهذا روي عنه وآله: "ما من شيء أكرم على الله من الدّعاء" إلا أنه لا بد فيه من الإخلاص والصون عن الرياء والسمعة، وإليهما أشار بقوله: ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ ونحن قد أطنبنا في تحقيق الدعاء وشرائطه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ وللمسلمين اتفاق على أنه ليس معنى المحبة عند إطلاقها على الله شهوة النفس وميل الطبع ولكنها عبارة عن إيصاله الثواب والخير إلى العبد، وهذا مبني على قول الكعبي وأبي الحسين أنه غير موصوف بالإرادة، وأن كونه مريداً لأفعال نفسه عبارة عن إيجادها وفعلها، وكونه مريداً لأفعال غيره هو كونه آمراً بها.
وأما الأشاعرة ومعتزلة البصرة القائلون بصفة الإرادة فإنهم فسروا المحبة بإرادة إيصال الثواب.
وقال بعض العلماء: إنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخيرات إلى ذلك الابن وكانت هذه الإرادة أثراً من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها.
غاية ما في الباب أن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة في النفس وذلك في حقه محال.
إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال أن محبة الله صفة أخرى يترتب عليها إيصال الثواب أو إرادة الإيصال؟
لكنا لا نعرف تلك المحبة ما هي وكيف هي لأن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء.
نظير ذلك أن أهل السنة يثبتون كونه مرئياً ثم يقولون إن تلك الرؤية لا كرؤية الأجسام والألوان.
ويعني بالمعتدين المجاوزين ما أمروا به فيشمل كل من خالف أمر الله ونهيه.
وقال الكلبي وابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء ويؤيده أنه أمر بالدعاء مقروناً بالإخفاء وظاهره الوجوب إذ قد أثنى على زكريا فقال: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ وعن النبي : "دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية" وعنه "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي" وعنه صلى الله عليه وآله: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ قوله إنه لا يحب المعتدين" .
ومن هنا اختلف أرباب الطريقة أن الأولى في العبادات الإخفاء أم الإظهار فقيل: الأولى الإخفاء صوناً لها عن الرياء.
وقيل: الأولى الإظهار ليرغب غيره فيالاقتداء.
وتوسط الشيخ محمد بن علي الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفاً على نفسه من الرياء فالأولى في حقه الإخفاء، وإن بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمناً من شائبة الرياء فالأولى في حقه الإظهار ليحصل فائدة الاقتداء.
قال الشافعي: إظهار التأمين أفضل.
وقال أبو حنيفة: الإخفاء أفضل لأنه إن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ وإن كان اسماً من أسماء الله على ما قيل فكذلك لقوله : ﴿ واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ﴾ فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية، ثم نهى عن مجامع المفاسد والمضار بقوله: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ فيدخل فيه خمسة أشياء: المنع من إفساد النفوس بالقتل، ومن إفساد الأموال بقطع الطريق والسرقة، وإفساد الأنساب بالزنا واللواط والقذف، وإفساد العقول بشرب المسكرات، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وذلك أن قوله: ﴿ لا تفسدوا ﴾ منع عن إدخال ماهية الفساد في الوجود والمنع من الماهية يقتضي المنع من جميع أنواعه.
ومعنى: ﴿ بعد إصلاحها ﴾ بعد أن أصلح خلق الأرض على الوجه المطابق لمنافع الخلق الموافق لمصالح المكلفين، أو المراد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع، فإن الإقدام على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع يقتضي وقوع الهرج والمرج وحدوث الفتن في الأرض.
وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار الحرمة فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديماً للخاص على العام.
وفيها أيضاً دلالة على أن كل عقد وقع التراضي به بين الخصمين فإنه منعقد صحيح لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفساداً بعد الإصلاح، فإن وجدنا نصاً يدل على عدم صحة بعض تلك العقود قضينا فيه بالبطلان عملاً بالأخص.
فجميع أحكام الله داخلة تحت عموم هذه الآية الدالة على أن الأصل في المضار والآلام الحرمة كما كانت داخلة تحت عموم قوله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ بأنها كانت تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، فكل واحدة من الآيتين مطابقة ومؤكدة للأخرى، ثم لما بين أن الدعاء لا بد أن يكون مقروناً بالتضرع والإخفاء وبعدم المنافي وهو الإفساد بالوجوه الخمسة، ذكر أن فائدة الدعاء والباعث عليه أحد الأمرين الخوف من العقاب والطمع في الثواب.
واعترض عليه بأن أهل السنة يقولون: التكاليف إنما وردت بمقتضى الإلهية والعبودية أي كونه إلهاً لنا، وكوننا عبيداً له اقتضى أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ولا يعتبر فيه كونه في نفسه صلاحاً وحسناً.
والمعتزلة يقولون: إنها وردت لأنها في نفسها مصالح.
فعلى القولين من أتى بها للخوف من العقاب والطمع في الثواب لم يأت بها لوجه وجوبها فوجب أن لا يصح.
وأجيب بأن المراد من الآية ادعوه مع الخوف من وقوع التقصير في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها أي كونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في جميع أعمالكم ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم قد أديتم حق ربكم كقوله: ﴿ والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة ﴾ \[المؤمنون: 6\].
والجواب الصحيح عندي أن غاية التكليف من الآمر غير غايته من المأمور إذاً فهب أن الغاية الأولى هي المصلحة أو الإلهية والعبودية فلم لا يجوز أن تكون الغاية الثانية الخلاص من العذاب والوصول إلى الثواب؟
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ ظاهره أن يقال قريبة.
وذكروا في حذف علامة التأنيث وجوهاً: فقيل: لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي.
وقال الزجاج: لأن الرحمة غير حقيقي.
وقال الزجاج: لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد، أو لأن المراد بالرحمة الترحم أو الرحم.
وقيل: إنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب، أو شبه بفعيل الذي بمعنى مفعول كما شبه ذاك به فقيل: قتلاء وأسراء، وقيل: لأنه بزنة المصدر كالنقيض صوت العقبان أو الدجاجة والضغيب صوت الأرنب.
وقيل: المراد ذات مكان قريب كلابن وتامر، وروى الواحدي بإسناده عن ابن السكيت تقول العرب: هو قريب مني وهما قريب مني وهي قريب لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني.
قال بعض المفسرين: معنى هذا القرب أن الإنسان يزداد بعداً عن الماضي وقرباً من المستقبل أي الآخرة التي هي مقام رحمة الله.
ويمكن أن يقال: المراد به قرب الحصول سواء كان في الدنيا أو في الآخرة كقوله: ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ قالت المعتزلة: إن ماهية الرحمة لما كانت حصة المحسنين وجب أن لا يحصل للكافر والفاسق منها شيء، والغرض أن صاحب الكبيرة لا يكون له نصيب من العفو.
وأجيب بأن المحسن من صدر عنه الإحسان ولو من بعض الوجوه، فكل من آمن بالله تعالى وأقر بالتوحيد والنبوة فقد أحسن والدليل عليه الإجماع.
على أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فإنه يسمى مؤمناً محسناً، على أن قوله ماهية الرحمة نصيب المحسنين ممنوع لأن الكافر أيضاً في رحمة الله ونعمته في الدنيا بدليل قوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه ﴾ ثم إنه لما ذكر دلائل الآلهية وكمال العلم والقدرة من العالم العلوي أتبعه ذكر الدلائل من أحوال هذا العالم وهي الآثار العلوية من المعادن والنبات والحيوان ومن جملتها أحوال الرياح والسحب والأمطار.
وأيضاً لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادر العليم الحكيم الرحيم أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر ليتم بالآيتين تقرير المبدأ والمعاد فقال: ﴿ وهو الذي يرسل الرياح ﴾ الريح هواء متحرك، وتحركه ليس لذاته ولا للوازم ذاته وإلا دام بدوام الذات، فهو بتحريك الفاعل المختار.
قالت الحكماء: من أسباب الريح أن يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنت تسخيناً شديداً، فبسبب تلك السخونة ترتفع وتتصاعد، فإذا وصلت إلى قريب من الفلك فإن الهواء الملتصق بمقعر الفلك يمنع هذه الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها لتحرك تلك الطبقة على الاستدارة تشيعاً للفلك، فحينئذٍ ترجع الأدخنة وتتفرق في الجوانب وبسبب تفرقها تحصل الرياح.
وكلما كانت تلك الأدخنة أكثر وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضاً أشد فكانت الرياح أقوى، وزيف بأن صعود تلك الأجزاء الأرضية إنما يكون لأجل شدة تسخينها بالعرض، فإذا تصاعدت ووصلت إلى الطبقة الباردة بردت فامتنع صعودها إلى الطبقة العليا المتحركة بحركة الفلك.
سلمنا أنها تصعد إلى الطبقة المتحركة بالاستدارة لكن رجوعها يجب أن يكون على الاستقامة كما هو مقتضى طبيعة الأرض لكنها تتحرك يمنة ويسرة.
وأيضاً إن حركة تلك الأجزاء لا تكون قاهرة فإن الرياح إذا أصعدت الغبار الكثير ثم عاد ذلك الغبار ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها، ونحن نرى هذه الرياح تقلع الأشجار وتهدم الجبال وتموج البحار، وأيضاً لو كان الأمر على ما قالوا لكانت الرياح كلما كانت أشد وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر وليس كذلك، لأنه قد توجد الرياح العاصفة في وجه البحر وليس فيها شيء من الغبار.
ويمكن أن يجاب بأن الحكم بامتناع الصعود استبعاد محض وحديث الرجوع على الاستقامة مبني على أن الريح هي تلك الأجزاء الراجعة فقط وليس كذلك، فإن الراجع إذا خرق الهواء حدث فيما يجاوره من الهواء تحرك واضطراب وتموج شبه ما يحدث في الماء إذا ألقي فيه حجر، وكذا الكلام في الوجهين الباقيين.
وقال المنجمون: قد يحدث بسبب وصول كوكب معين إلى موضع معين من البروج ريح عاصفة، وزيف بأنه لو كان كذلك لزم تحرك كل الهواء.
والجواب أن وصول الكوكب إلى الموضع الفلاني إنما يوجب تحرك الهواء بتسخين أو تلطيف أو تكثيف يحدث في بعض المواد المستعدة لذلك فيطلب ذلك القابل مكاناً أكثر أو أقل مما كان عليه، فيلزم من ذلك تحرك الهواء المجاور له لاستحالة التداخل والخلاء لا يتدافع إلى أن يتحرك جميع كرة الهواء بل يتموج بعض أجزاء الهواء ثم يستقر كل في موضعه، ويختلف مقدار ذلك بحسب المؤثر والمتأثر والكل يستند إلى تدبير الله وتقديره، وإنما قال في هذه السورة ﴿ يرسل الرياح ﴾ بلفظ المستقبل وكذا في "الروم" لأن ما قبله ههنا ذكر الخوف والطمع وأنهما يناسبان المستقبل، وأما في "الروم" فليناسب ما قبل ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ﴾ وقال في الفرقان: ﴿ أرسل الرياح ﴾ بلفظ الماضي ليناسب ما قبله: ﴿ كيف مد الظل ﴾ وما بعده ﴿ وهو الذي جعل ﴾ وكذا في "فاطر" مبني على أول السورة ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة ﴾ وهما بمعنى الماضي والله أعلم.
أما قوله: ﴿ نشراً ﴾ بنون مفتوحة وشين ساكنة فإنه مصدر نشر.
وانتصابه إما على الحال بمعنى منتشرات وإما لأن أرسل ونشر متقاربان كأنه قيل: نشرها نشراً.
ومن قرأ ﴿ نشراً ﴾ بضمتين فلأنه جمع نشور كرسول ورسل، وقد تخفف كرسل، ومن قرأ ﴿ بشراً ﴾ بضم الباء الموحدة وسكون الشين فلأنه مخفف بشر جمع بشير.
ومعنى: ﴿ بين يدي رحمته ﴾ أمام نعمته وهي الغيث الذي هو من أجلِّ النعم وأحسنها وهذا بحسب الأغلب، فإن المطر قلما لا يتقدمه رياح يسلطها الله على السحاب والعرب تستعمل اليدين بدل قدام وأمام مجازاً لأن اليدين من الحيوان متقدمان على الرجلين.
﴿ حتى إذا أقلت ﴾ حملت ورفعت واشتقاقه من القلة لأن الرافع الذي يقدر على حمل الثقيل يزعم أن ما يرفعه قليل ﴿ سحاباً ﴾ جمع سحابة ولهذا قال: ﴿ ثقالاً ﴾ على الجمع جمع ثقيلة والضمير في ﴿ سقناه ﴾ يعود إلى السحاب على لفظه، وضمير المتكلم في ﴿ سقناه ﴾ على أصله.
وأما الذي في قوله: ﴿ وهو الذي ﴾ فعلى طريقة الالتفات وإلا فالظاهر أن يقال: نحن أرسلنا.
واعلم أن السحاب المستمطر للمياه العظيمة إنما يبقى معلقاً في الهواء لأنه دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكاً شديداً.
ولتلك الحركات فوائد منها: أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر ثم تصير متفرقة.
ومنها أن تتحرك الرياح يمنة ويسرة فتمنع الأجزاء المائية الرشية عن النزول فيبقى معلقاً في الهواء.
ومنها أن ينساق السحاب إلى موضع علم الله احتياجهم إلى نزول الأمطار، ومن الرياح مقوية للزروع والأشجار ومكملة لما فيها من النشوء والنماء وهي اللواقح.
ومنها مبطلة لها كما في الخريف.
ومنها طيبة لذيذة وموافقة للأبدان.
ومنها مهلكة للحر الشديد كالسموم أو البرد الشديد.
ومنها مشرقية ومغربية وشمالية وجنوبية، وبالحقيقة تهب الرياح من كل جانب ولكنها ضبطت كذلك، وقد يصعد الريح من قعر الأرض فقد يشاهد غليان شديد في البحر بسبب تولد الرياح في قعره ثم لا يزال يتزايد ذلك الغليان إلى أن ينفصل الريح إلى ما فوق البحر، وحينئذٍ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وعن ابن عمر: الرياح ثمان: أربع منها عذاب وهو العاصف والقاصف والصرصر والعقيم، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وعن النبي صلى الله عليه وآله: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من ريح الجنة" وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض، وعن السدي أنه يرسل الرياح فتأتي بالسحاب، ثم إنه يبسطه في السماء كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فينزل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك برحمته وهي المطر.
ومعنى ﴿ لبلد ميت ﴾ أي لأجل بلد ميت ليس فيه نبات ولا زرع، والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خالٍ أو مسكون.
﴿ فأنزلنا به الماء ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: أي بالبلد.
وجائز أن يراد بالسحاب أو بالسوق فالباء للسببية.
﴿ فأخرجنا به ﴾ قال الزجاج: أي بالبلد.
﴿ من كل الثمرات ﴾ ويجوز أن يراد أي بالماء.
قال جمهور الحكماء: إنه أودع في الماء قوّة وطبيعة توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج الماء بالتراب.
وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار ليست متولدة من الماء وإنما أجرى الله عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الأخراج وهو إخراج الثمرات.
﴿ نخرج الموتى ﴾ فالتشبيه إنما وقع في أصل الإحياء أي كما أحيا هذا البلد وأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر كذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا تراباً لأن من قدر على إحداث الجسم وخلق الرطوبة والطعم فيه كان قادراً على إحداث الحياة في بدن الميت.
وقال كثر من المفسرين: المراد أنه كما يخلق النبات بواسطة إنزال الماء كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال مطر على الأجساد الرميمة.
يروى أنه يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطر كالمني أربعين يوماً فينبتون عند ذلك أحياء.
وعن مجاهد: تمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها.
قال العلماء: إن هؤلاء المفسرين ذهبوا إلى هذا بناء على النقل وعلى إجراء العادة وإلا فإنه تعالى قادر على خلق الحياة في الجسم ابتداء من غير واسطة المطر كما أنه يجمع بقدرته الأجزاء المتفرقة والمتمزقة غاية التفرق والتمزق ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ والمعنى أنكم شاهدتم أن الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف والخريف بالأزهار والثمار والأشجار ثم صارت وقت الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة، ثم أحياها مرة أخرى، فالقادر على إحيائها قادر على إحياء الأجساد بعد موتها، ثم ضرب الله مثلاً للمؤمن والكافر وشبه القرآن بالمطر، وذلك أن الأرض الحرة إذا نزل بها المطر حصل فيها أنواع الأزهار والثمار والأرض السبخة بعد نزول المطر لا يخرج منها إلا النزر القليل من النبات، فكذلك النفس الطاهرة النقية من شوائب الأخلاق الذميمة إذا اتصل بها أنوار القرآن ظهرتعليها أنواع المعارف والأخلاق الفاضلة، والنفس الخبيثة لا ترجع من ذلك إلا بخفي حنين.
وقيل: ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة.
فمن يطلب هذا النفع اليسير فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لابد منها ومن تحملها في أداء الطاعات كان أولى.
وفي الآية دلالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس، لأنها دلت على أن الأرواح قسمان: منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون بالضد لا تقبل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة كالأرض السبخة التي لا يتولد فيها الأشجار والأنهار والثمار.
ومما يقوّي هذا الكلام أن النفوس نراها مختلفة في الصفات؛ فمنها مجبولة على حب الإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانيات كقوله : ﴿ ترى أعينهم تفيض من الدمع ﴾ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ ومنها قاسية قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ومنها مائلة إلى الشهوة دون الغضب، ومنها على العكس، ومنها راغبة في المال دون الجاه، ومنها بالخلاف ومن الراغبين في المال من يرغب في العقار دون الأثمان والنقود، ومنهم من هو بالعكس.
ومما يؤكد هذه المعاني قوله وتعالى : ﴿ بإذن ربه ﴾ أي بتيسيره وهو في موضع الحال كأنه قيل: يخرج نباته حسناً كاملاً لوقوعه في طباق ﴿ نكداً ﴾ والنكد الذي لا خير فيه.
وتقدير الآية ونبات البلد الخبيث لا يخرج، أو البلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً فحذف المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه وهو الضمير الراجع إلى البلد مقامه فانقلب مرفوعاً مستكناً بعد أن كان مجروراً بارزاً.
من قرأ ﴿ نكداً ﴾ بفتح الكاف فعلى المصدر أي ذا نكد ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التصريف نردّد الآيات ونكررها ﴿ لقوم يشكرون ﴾ نعمة الله لأن فائدة التصريف تعود عليهم وإنما ختم الآية بالحث على الشكر لأن الذي سبق ذكره هو أن الله يرسل الرياح النافعة فيجعلها سبباً للمطر الذي هو سبب الملاذ والطيبات فهذا يدل من أحد الوجهين على وجود الصانع وقدرته، ومن الوجه الثاني على عظيم نعمته وقدرته فوجب من هذا الوجه مقابتلها بالشكر والله أعلم.
التأويل: عرّف ذاته للخلق بصفات الهوية والألوهية والقادرية والخالقية والمدبرية والحكيمية والاستوائية فقال: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الآية وإنما خص ستة أيام لأن أنواع المخلوقات ستة: الأوّل الأرواح الإنسانية (ب) الملكوتيات منها الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات والأرض ومنها العقول المفردة والمركبة.
(ج) النفوس السماوية الأرضية.
(د) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار.
(هـ) الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه.
وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القبلة للفيض الرحماني.
والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين.
ومن أسرار الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالماً صغيراً، فبدنه كالأرض.
ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسي، والقلب يقسم فيض الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات ﴿ يغشى ﴾ أي يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس.
﴿ ألا له الخلق ﴾ بواسطة ﴿ الأمر ﴾ بلا واسطة ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً ﴾ بالجوارح ﴿ وخفية ﴾ بالقلوب.
أو تضرعاً بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ الذين يطلبون منه سواه ﴿ ولا تفسدوا ﴾ في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط.
﴿ وادعوه خوفاً ﴾ من الانقطاع ﴿ وطمعاً ﴾ في الاصطناع، أو خوفاً من الاثنينية وطمعاً في الوحدة، أو خوفاً من الانفصال وطمعاً في الوصال.
﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية سحاباً ثقالاً بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس وحياض الأنس.
والبلد الطيب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة ﴿ كذلك نصرف الآيات ﴾ أي النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
وذكر ما بينهما في مواضع، ولم يذكر في مواضع، وذلك داخل في ذلك بقوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، الذي صنع ذلك ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ﴾ ثم جمع اليومين الأولين مع هذا الذي ذكر فيه وقال: ﴿ فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ، ليعلم أن ذا خلق في يومين، ثم قال: ﴿ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، فتصير ستة الأيام التي أبهمها في غير ذلك، والله أعلم.
ثم قد بين - عز وجل - فساد قول كل من عبد غيره، وعجز كل ذلك عما له يُعبد وجهله بمعنى العبادة، وخروجه عن الاستحقاق بما فيه من آثار التدبير، وعليه من دلالة التقدير واستحقاق جميع معاني الخلقة، ودخوله تحت الصنعة، وحاجته إلى من احتاج إليه كل مما هي التي تبعث على العبادة وتوجب إظهار الذلة والخضوع لمن هو كذلك في الخلقة والجوهر، فألزمهم الفزع إلى من يدلهم إلى الرب الحق، ويدعوهم إلى المعبود المتعالي عن الأشباه والأضداد بما يوجب الشبه والمشاكلة، وفي وجوب ذلك دليل جاعل أخذ له شكلا، وذلك آية الصنعة ودلالة الحدث، وفي تحقيق الضد خوف ذهاب وفساد فتضمحل الألوهية وتستوجب حق الدخول تحت التقدير، والقيام على ما شاء من له التدبير؛ جل الله عن توهم ذلك، فأكرم من بعثته الحاجة إلى معرفته ورفعته الخلقة إلى العلم بمن أنعم عليه واختصه من بين كثير من خلقه بما ركب فيه ما به يدبر أمر غيره، وبه يعرف قدر النعم عليه لمن أكرمه به؛ ليشكر له فيما أولاه ويحمده على ما أعطاه، فمن بإظهار ذلك على لسان رسوله الذي عرف خلقه بما نصب من أدلة صدقه، وأبان من حجج عصمته عن الكذب فيما ينبئ، وإصابته فيما يخبر، فقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ﴾ \[أي\] الذي لا ربّ لكم سواه ولا لأحد من الخلائق، هو الله الذي لا إله غيره؛ ليوجهوا إليه العبادة في الحقيقة، وليؤدوا إليه شكر ما أنعم عليهم، وإن كانت نعمه أعظم من أن يجزيها العباد، وحقه أجل من أن يقوم به العباد، [و] لولا أن الله - - لم يورد من البيان على ربوبيته، والدليل على ألوهيته سوى ما أنطق به [على] لسان رسوله بعد الإيضاح أنه لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق لكان ذلك بياناً شافياً، لكنه بفضل رحمته بين الأدلة التي تحقق ذلك وتعلم أنه كما جاء به رسوله، إلا أن يعانَد الحق ويكابَر العقل، فقال عز وجل: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ إلى آخر ما ذكر دلالة خلق ما ذكر من آثار التدبير وعجيب التقدير الذي به قوام كل ممن يحتمل المنافع والمضار واتصال ما بين السماء والأرض على تباعد بعض من بعض في المنافع مع جميع الأضداد التي من طبعها التنافر في أصل ما ذكر حتى صارت كالأشكال، بعد أن كانت السماوات والأرض مشبهة لا تشعر بما فيها من الحكمة، ولا بالذي فيه من أنه من أي وجه يقضي الحاجة؛ ليدل أن مدبّر الكل واحد، وأنه عليم حكيم وضع كل شيء موضعه ودل كل ذي عقل على الوجه الذي يظفر بحاجته، ويقيم به أوده، ويصل إلى بغيته، وسخر الذي ذكر، فصير كلا من ذلك جارياً دائباً بما لا ينتفع هو به، ولا مضرة عليه فيه؛ ليعلم أنه لغيره قدر ولحاجة غيره سير، وكذلك الذي جبل على القرار وأمسك عن الزوال من غير أن كان له في حقيقة أحد الوجهين نفع أو ضرر؛ ليعلم أن تدبير ذلك جرى لا له، ولكن لأهل الممتحنين الذين بهم يظهر العز والشرف ونيل الجود والكرم، ويعظم الملك والسلطان؛ إذ عندهم تمييز الأحوال، وتفريق الأمور، وتوجيه إلى حقه وإعطاء كل ذي فضل فضله.
فيعلم من هذا وصفه أنه لم ينشأ عبثاً، ولا خلق باطلاً؛ إذ به يعظم قدر كل خلق، ويشرف جلالة كل جليل، لم يجز إمهال مثله، فيكون خلق الجميع لغير شيء مما في ذلك من فنائه وتبدّده الذي في الحكمة قصد مثله في العقل يوجب العبث ثبت أنه خلق للمحنة ولدار البقاء، لكن جعل البقاء جزاء، والفناء محنة؛ ليكون البقاء هو المنتهى، فيعظم القصد في الابتداء؛ إذ فاسد أن يجعل المحنة للبقاء، فيدل على حاجة الممتحن مع ما في ذلك زوال الجزاء؛ إذ محال تقديمه على ما له الجزاء، والله الموفق.
ثم الأصل أن الله جعل العقل جزءاً من عالمه، وجعله دليلاً لأهله في معرفة المساوئ والمحاسن، وعلماً للتمييز بين الحكمة والسفه، وبين الإتقان والعبث، وجعله بالذي يعرف المحمود من المذموم، والمرغوب فيه من المزجور عنه، فلم يجز أن يكون إنشاء كل العالم على غير الحكمة؛ لأنه سفه، وهو بالذي جزء من العالم يعلم به الذميم من الحميد ثبت أنه أنشئ للحكمة.
وعلى ذلك تقدير كل عاقل على احتمال ما يضره وينفعه بحق الجزاء والمحنة، فثبت أن ذلك للمحنة، وأن المحنة ثم الهلاك بلا جزاء ولا نفع للممتحن عبث - أيضاً - وسفه، فلزم به القول بالبعث وإثبات دارين مما كان لكل شاهد دليل غائب يحمد عليه أو يذم، وكذا فعل كل ذي عقل إنما هو لعاقبة يحمد عليها، أو بفعل عبث فيذم عليه.
فعلى ذلك أمر تدبير هذه الدار من أخرى، فلا يجوز أن يخلي الجملة عن الدلالة، ولا يخلو كل جزء منها؛ إذ جملة الأفعال عن العواقب، والواحد منها إذا خرج يصير عبثاً وسفهاً، فثبت بالذي ذكرت القول بالتوحيد، وبالدارين، وبالرسالة؛ إذ بها تعرف العواقب بما هي غائبة، وحقائق كل غائب تعرف بالإخبار عنها والدلالة عليها، ثم لا دلالة على ماهية الجزاء ولا بالشكر ولا العبادة، إنما الدلالة من حيث التدبير على العلم بها جملة، فلزم القول بالرسل، ولا قوة إلا بالله.
ثم قوله: ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ يحتمل وجهين.
أحدهما: خلق أصول الأشياء التي يكون غيرها بحق التولد عن ذلك والانقلاب.
ويحتمل أن يكون على خلق كليّة كل شيء، مما عليه تركيب هذا العالم إلى أن يبدل بعالم آخر، لا يبيد ولا يفنى؛ فإن كان على الأول فهو ستة من السبعة التي عليها مدار المدد والأزمنة؛ إذ جعل - جل ثناؤه - جميع ما ذكر من الخلائق تحت الأزمنة والأوقات، ويزول بزوال مدارها، وكذلك عندنا كل الحوادث؛ إذ لكل منها بدء يصير ذلك وقت ابتدائه، وذلك ينقض على الباطنية قولهم: المبدع الأول لا يقع عن الزمان والمكان، وأنه لا يبيد ولا يفنى، ولو كان كذلك لم يكن مبدعاً، ولكن كان قديماً لا يقع عليه الإبداع، فلمّا وقت ثبت له البدء؛ فيجب وصفه بالوقت من حيث الابتداء، وهو - أيضاً - معلول عندهم، وعلته فيه وهو الإبداع، مما لو زالت علته لباد، وإذا ثبت أنه معلول ثبت أن علة أوجبته وأحدثته بعد أن لم يكن، فوجب له وقت به كان أو كان فيه، والله أعلم.
ثم على هذا كان إنشاء من ذكر في الأيام الستة، ولم يذكر في ذلك ممتحناً؛ فيشبه أن يكون وقت كون الممتحنين يوم السابع، وبهم تم ظهور الملك، واستوى على العرش، وهو الملك إذا لم يكن قبل ذلك من له التمييز، ومعرفة الملك والسلطان، وقدر العلم بالمحامد والمعالي، وأضداد ذلك إنما يكون بأولئك الذين ركب فيهم العقول، وأكرموا بالتمييز، ومما لهم يجعل العالم وهم المقصودون من الإنشاء؛ لذلك جعل كل من سواهم مسخراً لمنافعهم، داخلاً تحت أفهامهم، مما يحتمل أكثر ذلك تدبير ليعلم أنهم قصدوا لأنفسهم، أو لمعرفة ما عليهم من شكر النعم والعبادة، فكان بهم ظهور تمام الملك، وبلوغه النهاية، فأخبر بالاستواء إذ هو وصف العلو والرفعة، ووصف التمام في الرتبة والقدر؛ كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ وذلك في معنى الاستواء على العرش؛ من حيث ظهور الملك، وبيان الحجة والربوبية للمستدلِّين والمعبرين.
وإن كان التأويل هو الثاني يخرج على وجهين.
أحدهما: ما قال بعض أهل التفسير: إن كل يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، لم يبين لنا مقدار ذلك؛ فجائز أن يكون منتهى تدبير هذا العالم إلى ذلك ستة أيام، بمعنى ستة آلاف سنة على القدر الذي قدره الله، ثم يكون اليوم السابع هو يوم القيامة، لا يبيد أبداً، ولا ينقضي، فيه يبدل العالم، ويُقر كل ممتحن له بالملك والجلال، وإن كان كذلك في الأزل ففي ذلك اتفاق القول من طريق الاختيار، والعلم بذلك من كل جبار وغيره.
وعلى نحو ما قيل: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ وقيل: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ وقيل: ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ونحو ذلك.
على أن له الملك أبداً، وكذلك لم يكن يخفى عليه شيء، لكن ذلك مما يعلم كلٌ أنه كذلك، فبذلك يتم ظهور كل معنى من ذلك، وإن كانت حقيقته موجودة قبل ذلك.
وعلى ذلك القول: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ ونحو ذلك.
إنه إذ ذلك يظهر لكل معلومه: فأضيف إليه بحرف الابتداء، وهو عن ذلك متعال؛ فعلى هذا جميع ما بيّنا، وبذلك ظهور تمام شرائط الملك، والاعتراف من الكل بذلك، والله أعلم.
والثاني: أن تكون تلك الأيام الستة على ما في علم الله تقديرها، لا يعلمه أحد سواه إلا من طريق الجملة التي أدى، وقد بيّن يوماً كخمسين ألف سنة، ويوماً كألف سنة حده لا يعلمه غيره، ثم كان يوم السابع يوم تبلى السائر وتقع العقوبة والمثوبة، وهو المقصود من خلق العالم الأول؛ فيكون ما ذكرت من تمام الظهور، والله الموفق.
وعلى هذا لو قيل لما قيل يحملون العرش، ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ - قيل: ليس أن المراد من هذا العرش الأوّل، وجائز أن يكون هذا هو السرير المعروف، منشأه من النور، ومما شاء؛ ليكرم به أولياءه يوم القيامة، والأول هو الملك الذي ظهر تمامه وعلوه على ما بينا.
ثم لو كان العرش الذي قال - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ هو ما فهمه أهل التشبيه من مكان، لم يكن ليجب أن يفهم من الاستواء عليه الاستقراء.
وأن يكون لله مكان يوصف بالكون فيه وعليه؛ لأنه ليس في كون أحد في مكان - وإن جل قدره، وعظم خطره - رفعة ولا نباهة فيما يتعارف من أمر الملوك والأجلة، بل كل منسوب إلى مكان من جهة التمكين فيه والقرار، منسوب إلى استعانة وحاجة منه إليه، جل الله عن ذلك، وعلى أنه إما أن يكون مثله أو أعظم منه، لكان له عديلاً بالعظمة أو دونه، ومن السخف الجلوس على مكان لا يطمئن به أو يقصر عنه، إذ قد يجوز أن يزاد فيه؛ فيكون أعظم منه، جل الله عن هذا الوصف وتعالى.
"بل كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الاستحالة والتغير": إذ هو أثر الحدث، وأمارة الكون، بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا بالله.
ثم الأصل أنه لو كان فهو بإضافة الله إلى العلو عليه تعظيماً له، وعلى ذلك في كل [شيء] يضاف إلى الله أو لله إليه من جهة الخضوع فهو على تعظيم ذلك، لا على أن يفهم منه ما يفهم مثله من الخلائق؛ نحو القول بأن المساجد لله، وناقة الله وزينة الله، وحدود الله، ونحو ذلك.
فما بال المشبهة فهمت من إضافة الاستواء على العرش المعنى المكروه على احتمال الاستواء معاني سوى الذي ذكر، أو أن يقال: استوى: ثم واستوى: قصد، واستوى: علا، واستوى: استقر، واستوى: استولى؛ فإذا [كان] معناه يتوجَّه إلى هذه الوجوه، لم يحتمل أن يكون أحد يقدر من ذلك؛ إذ هو ما يتوجه إليه، ويعتمد عليه لولا الجهل به.
ثم الأصل أن الإضافات إلى الأشياء يفترق المقصود بها، وإن كان في ظاهر المخرج واحداً باختلاف مَنْ إليه القصد بالإضافة، والإضافة جميعاً.
يقال: جاء الحق، وجاء فلان، وبيت فلان، وبيت الله.
وقيل في الملائكة: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ ، وقال في الفسقة: ﴿ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ﴾ ، ونحو ذلك لا على الجمع في المعنى، فالاستواء الذي يتوجّه إلى وجوه أحق بذلك، والله الموفق.
ثم قد قيل في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ بوجوه.
أحدها: ما قال أبو بكر الأصم: هو [على] التقديم والتأخير، كأنه قال: إن ربكم الله الذي استوى على العرش ثم خلق ما ذكر؛ فيكون معناه: خلق كذا، وقد استوى على العرش؛ كقوله ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ بمعنى: وقد جعل منها زوجها، وعلى هذا ليس في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ...
﴾ ﴿ ...ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ الشبهة التي في الأول كما لم يكن في قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ إذا صرف إلى "عند" شبهة؛ فيكون: وقد استوى: خلق العرش؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ بمعنى: ثم خلق السماء أو قصد خلقها، ونحو ذلك.
وقال الحسن: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: استوى عليه أمره، وصنعه، أي: لم يختلف عليه صنع العرش، وأمره، - وإن جل - أمر غيره وصنعه، كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ على استواء الأمر في التدبير والصنع.
وقال الحسن: معناه: استولى على العرش، كما يقال: استوى فلان على بغداد، بمعنى: استولى.
وقال قوم: معناه: استوى عليه، وهو فوق كل شيء في القدرة والعظمة، تعظيماً له على غير اختلاف عليه في التحقيق بينه وبين غيره؛ كالذي ذكر بأن الأمر كله يوم القيامة له، والمساجد له، على التفصيل دون تخصيص له في ذاته من حيث ذلك.
وقال قوم: إذ كان العرش فوق كل شيء في تقدير المعارف، فقال: هو علاه بمعنى لا يوصف في الخلق، ولكن على ما كان، ولا خلق.
ونحن نقول - وبالله التوفيق -: قد ثبت من طريق التنزيل بأنه استوى على العرش، وقد لزم القول بأنه ليس كمثله شيء، وعلى ذلك اتفاق القول ألاَّ يقدر كلامه بما عرف من كلام الخلق، ولا فعله به، وما يوجبه، ولا علمه، ولا ما قيل: هو ربّ كذا، أو مالك كذا، لا يراد به المفهوم من الخلق، لكن الوجه الذي يليق به، وما يوجبه حق الربوبية؛ فمثله في الأوّل.
ثم يلزم تسليم المراد لما عنده إذ لم يبينه لنا، وقد ثبت نفي ما يفهم من غيره.
وبعد؛ فإن القول فيه بالمكان يفسد بالذي به يحتج بوجوه.
أحدها: إن قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ إخبار عن فعله الذي في التحقيق، يضاف إليه في خلق [الخلق] على اختلاف المخرج في القول؛ نحو: أن ذكر مرة أبدع، ومرة ﴿ فَطَرَ ﴾ ، ﴿ وَجَعَلَ ﴾ ، ﴿ وَأَنزَلَ ﴾ وأثبت، وكتب، ﴿ وَأَعْطَىٰ ﴾ ، وأنشأ، وغير ذلك من الألفاظ.
حقيقة ذلك: أنه خلق إذ ذلك معنى فعله في الحقيقة، وعلى ذلك كون وفعل وأمر في بعض المواضع، ثم يجب توجيه كل من ذلك إلى الوجه الذي يليق فيه القول بخلق، وكذا في ﴿ هُدًى ﴾ ﴿ وَأَضَلُّ ﴾ ﴿ وَزَيَّنَ ﴾ وأتقن وأحكم، ونحو ذلك.
فكذلك في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ يجب أن يقابل ذلك بخلق؛ إذ هو إضافة إلى فعله.
ثم يخرج على وجهين.
أحدهما: ثم خلق العرش، ورفعه، وأعلاه، بعد أن كان العرش على الماء؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، وليس ثم تَنَقُّلٌ من حال إلى حال؛ إذ لو كان كذلك لكان يصير حيث ثم ينتقل من خلق إلى خلق فيما يخلق، فيكون في الوقت الذي يصير إلى العرش صائراً إلى الثرى، وفي الوقت الذي يحدث خلق ما في الأرض؛ وما في السماء، متنقلاً من ذا إلى ذا، وذلك تناقض فاسد، وفي ذلك بطلان معنى القول بالاستواء على العرش، بل يكون أبداً غير مستوٍ عليه حتى يفرغ من خلق جميع ما يكون أبداً، وذلك متناقض فاسد، جل الله عن هذا التوهم، وبالله التوفيق.
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: إلى العرش في خلقه، ورفعه، وإتمامه، دليل احتماله على ذلك أن [على] من حروف الخفض [و] قد يوضع بعض موضع بعض؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ بمعنى: عن الناس، وقوله: ﴿ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ بمعنى: عند ربهم، مع ما قال الله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ بمعنى إليه، وعلى ذلك: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ \[أي\]: إلى العرش وهو على الماء كما ذكر ما فرفعه وأتمه؛ كما قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، فخلق ما ذكر، والله أعلم.
[والوجه الثاني: المذكور في الآية من اسم الرب وخلق ما ذكر وتسخير الذي وصفه ثم لم يتوهم في شيء من ذلك المعنى الذي يضاف إلى الخلق أنه رب كذا أو سخر كذا أو صنع كذا ملحد ولا موحد فكيف احتمل قلبي المشبهي في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ لولا جهله به وتقديره بالذي عليه أمر نفسه، والله الموفق].
والثالث: أن الناس في خلق الله الخلق مختلفون.
فمنهم من جعله الخلق نفسه، دون أن يكون الله بذاته يلحقه وصف سوى إضافة الخلق إليه في أن كان به، فعلى ذلك قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ إنما هو ما ذكر من غير أن كان يلحقه وصف لم يكن له.
ومنهم مَنْ يراه خالقاً بذاته؛ ليكون جميع الخلائق إلى الأبد بتكوينه الذي يعبر عنه بقوله: كن من غير أن كان ثَمَّ كاف أو نون على كون كل شيء عليه به من غير تغيير عليه، ولا زوال عما كان عليه إذ لا شيء غيره، فكل معنى لو حقق أوجب تغيراً أو زوالاً أو قراراً أو نحو ذلك، فالله يجل عنه ويتعالى؛ إذ ذلك علم الحدث، وأمارة الغيرية، ولا قوة إلا بالله.
والرابع: هو الذي يرى فعله على ما عليه فعل الخلق من التحرك والزوال والسكون والقرار، إضافة من ذلك وصفه إلى مكان دون مكان، وحال دون حال، محال فاسد؛ لذلك بطل القول بالمكان في جميع الأقاويل، وأيّد الذي ذكرت ما ختم به الآية من قوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وصف ذاته بالربوبية [و] بالتعالي عن جميع معاني المربوبين؛ إذ من حيث التشاكل يوجب خروجه من أن يكون ربّاً، والآخر [من أن يكون] مربوباً، فإذا ثبت أن كل شيء من كل جهة مربوب ثبتت سبحانيته من ذلك الوجه، والله الموفق.
ثم قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ هو على وجهين: أحدهما: إضمار ما بينهما على ما جرى الذكر به في غيره.
والثاني: أن ذكر من وقت ابتداء الكون إلى الانتهاء لا على تحقيق ذلك في كل وقت كما يقال: كان كذا [في شهر كذا] لا على إحاطة كلية أجزاء الشهر به؛ فمثله معنى ﴿ سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ومعنى التوقيت ليس على حاجة إلى ذلك؛ إذ الوقت داخل فيما خلق، لكن على وجوه، وإن كان الله وتعالى قادراً على إنشاء جميع ما ذكر بدفعة واحدة: أحدها: ما ذكرت من معنى أن الأيام لمدار مدد الخلق وأطول ما عليه تفنى الأعمار.
والثاني: على بيان منتهى العالم.
والثالث: على إدخال كل ذلك مع علو درجات كثير منها وجلالة أقدارها في الأعين، حتى لا أحد ينظر إليها إلا [بعين] التعظيم، وحتى بكثير منها قام تدبير العالم و [حتى عبد] دون الله تعظيماً، وإن كان في ذلك دلالة خروجه عن الاستحقاق، فصيرها الله داخلة تحت الأزمنة والمدد مقهورة بها، حتى لو أريد بكل جهد وحيل إخراج شيء من ذلك أو تخليص الجبابرة من ذلك، لما تهيأ لهم ليعلم ذلة الخلق وأمارات الحدث، وعلامة الحاجة، ثم كانت الأوقات مترادفة متتابعة، لو أسقطت عنها الأولية لبطل الكل، ولما جاوز الحساب بالواحد، ولما انتهى إلى ما هو بعد لما مضى ليعلم به أوليّة كل شيء من العالم، وحدثه مع ما جعلت الأيام تدور على [أمر] واحد بها بجميع المحتاجين ممن ذكرت، فثبت لذلك بأسماء معروفة أمكن قصد كل منها على الإشارة إليه باسمه المعروف يحفظ فيه المواعيد، ويعلم به ما يجب من الحقوق، ويبطل، والله أعلم.
ثم الأصل إذ جعلت هذه الدار دار المحنة، والمحنة إنما كونها تختلف الأحوال جعلت الأحوال مختلفة، نحو: موت وحياة، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وجمع الخلق على حالة منها بأضدادها، وفي ذلك الجهل باللذات والآلام، فيجب بذلك اختلاف الأحوال، وعلى ذلك جرى أمر خلق الخلائق، وعلى هذا أمر الأرزاق وغير ذلك، فعلى ذلك أمر خلق ما ذكر في أيام مختلفة ثم يجمع في البعث بمرة، وفي حال من حال اللذات، والبعث بمرة مع ما كان اختلاف الأحوال أقرب إلى الدلالة، وأوضح للحجة؛ فلذلك جعل في هذا الدار إلزام الحجة وإظهار المحنة والكلفة، والله الموفق.
والأصل أن العقول إنشاءات متناهية تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء، والأفهام متناقصة عن بلوغ غاية الأمور؛ إذ هن من أجزاء العالم الذي هو بكليته متناهٍ، وأسباب الإدراك التي يدرك بها بأداء المشاعر التي تعجز عن كنه ما يقع عليها من الظواهر، فضلاً عما استتر منها، وإذا كان هذا وصف ما يدرك به مبلغ الحكمة، فهو قاصر عن الإحاطة بالحكمة الموضوعة من البشر، فمن رام الإحاطة بها أو بلوغ حكمة الربوبية من غير إشارة منه، فهو يظلم العقل، ويحمل عليه ما يعلم عجزه عنه، ومعلوم أن المذكور من الأيام في خلق ما ذكر حكمة بالغة، وإن قصرت العقول عن الإحاطة [بها]؛ إذ الذي قدّرها هو الذي حمد الحكمة، وأوجب لأهل العقل [في] ذمّ السفه وأهله، فأوجب ذلك تحقيق الحكمة لذلك، وإن لم يبلغها إلا مقدار ما يكرم به، والله الموفق.
وقوله: و ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ ما ذكره، فكذلك سخرهن بالسير فيما يرجع إلى منافع الخلق، وجعل فيهن آية لولا العيان لم يكن يصدق به أحد ممن يجحد البعث والرسل ونحوهم، إذ الخبر عن سير جوهر واحد في اليوم الواحد مسيرة أكثر من ألف سنة، وتولد جواهر بمعونة من يبعد عنه مقدار خمسمائة [عام] ونضج كل شيء وصلاحه به أبعد عن احتمال القبول من إعادة شيء بعد الفناء أو إرسال الرسل بإعلام ما خفي من المصالح والأمور، إذ ذلك أمر متعالم في صنع الخلق معاني ذلك فيما به تقلّب الزمان من الليل والنهار، ولكن الله أظهر لهم من قدرته، وعظيم حكمته بما بسط لهم [الأرض] بغلظها وسعتها، ورفع عليها السماء بغير عمد ترى، فأقر كلاً من ذلك لحاجة أهلها إلى إقرارها، وسيّر فيها بالتسخير ما ذكر؛ لحاجة الأهل في تسيير ذلك؛ ليعلم ألا يعجزه شيء ولا يخفى عليه أمر، ولا يدخل في تدبيره عوج، ولا في خلقه تفاوت، وأن الذي أظهر إذا قوبل بالذي وعد يضاعف عليه بوجوه له مع ما كان الذي أظهر هو إبداع على غير احتذاء، وإنشاء الإعادة، والله الموفق.
ثم من عجيب قدرته في قوله: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ أن الله يظهر النور في ابتداء النهار من طرف [من أطراف] السماء، والظلمة في أوّل الليل، ثم ينشر ذلك ويبسطه في جميع أطراف السماء والأرض، وما بينهما من جميع الأقطار والجوانب، في قدر لحظة بصر، وطرفة العين، ما لو أريد تقدير ذلك بالهندسة، وبجميع ما في الخلق من المقادير لما أحيط بالذي انبسط ذلك النور والظلام؛ ليعلم أن الله على ما يشاء قدير، وأنه لو أراد لخلق جميع ما ذكر في أدق مدة وألطف وقت، وأنه القادر على البعث، وجميع ما جاءت به الرسل، على أنه بالذي ذكرت يلبس وجوه كلية الأشياء السنن، ويجليها بطرف عين بالتدبير، والعلم الذي [له] يوجب ذلك مما يعجز عن توهم مثله جميع الحكماء، فضلاً عن إدراكه؛ ليعلم أنه عليم لا يجهل، عزيز لا يعجزه شيء، حكيم لا يتفاوت صنعه، ولا يتناقض تدبيره، ولا قوة إلا بالله.
وقريباً من ذلك ما جعل في جوهر الإنسان من البصر الذي يبصر بأول أحوال الفتح قدر خمسمائة سنة، والفكر الذي يبلغ به من غير أن يزول عن مكانه، منتهى مرجع الخلق من الجنة والنار، ويبصر به المعاد والمعاش، والعقل الذي يعرف حقائق من غاب عنه وحضر، مما له صورة وطينة أو إحداهما وما ليس له واحد من الأمرين على قصور الحواس عن إدراك صورة شيء لا طينة له؛ ليعلم أن الذي قدر على تقدير مثله في جوهر واحد وعلم كيف يصنع فيه؛ ليعلم ذلك العلم، قادر على كل شيء، حكيم، عليم.
وهذا معنى ما قيل إن الإنسان هو العالم الصغير، بمعنى أنه يوجد فيه لكل أمر من الأمور للعالم الكبير فيه مثالاً، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ .
قال أبو بكر: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أمره كما يقال: أتاه أمر الله، أي: الموت، والعذاب، ونحو ذلك على إرادة ذلك [الذي نزل به].
والثاني: أن يطلعن ويغربن بأمر توحيد الله والإيمان به بما هو فيهن من عجيب الحكمة، ورفع التقدير.
وقال الحسن: بأمره الذي به كون الأشياء من "كن".
فالقول الأول هو قول من لا يرى خلق الخلق غير الخلق.
والثاني: قول من يرى "كن" عبارة عن التكوين الذي يكون [به الخلق] [أبد الآبدين] من غير أن كان ثَم في الحقيقة كاف أو نون.
لكنه جاء ما يفهم به المراد من الكلام يراد في ذلك نفي الصعوبة عنه، وتيسير الأمر عليه، [وذلك] يكون في الحقيقة غير الخلق إذ أخبر في الخلق أنه كان به، وكل شيء يكون بشيء في المتعارف من القول يكون غيره.
وكذلك قوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الإخبار عن تكوين الخلق الذي هو له.
والثاني: عن الأمر في خلقه بما شاء ولا يُرَدُّ شيء من أمره عن الوجه الذي أمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ﴾ يذهب بضوء النهار ظلمة الليل، وضوء النهار بظلمة الليل، إذا جاء هذا ذهب سلطان الآخر.
﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ قيل: سريعاً، وهو أن الله - عز وجل - يظهر النور في ابتداء النهار في طرف من أطراف السماء، والظلمة في أول الليل، ثم ينشر ذلك في جميع أطراف السماء والأرض وما بينهما من جميع الآفاق والجوانب في قدر لحظة بصر وطرفة عين، ما لو أريد تقدير ذلك بجميع ما في الخلق من المقادير ما قدروا عليه؛ ليعلم أن الله على ما يشاء قدير، وأنه لو أراد أن يخلق جميع ما ذكر أنه خلق في ستة أيام لقادر أن يخلقه في طرفة عين، لكنه خلقه في ستة أيام لحكمة في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ لا يكون مما ذكر طلب حقيقة، لكن ذكر الطلب؛ لأن ما كان من كل واحد منهما للآخر لو كان ممن يكون له الطلب كان طلباً وهرباً من غلبة كل واحد منهما صاحبه، وهو ما ذكرنا في قوله : ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ أنها أنشئت على هيئة وجهة لو كان ذلك ممن يكون منه التغرير كان غروراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بتكوينه، أي أنشأها، وكَوَّنَها مسخرات لهم.
[و] قال بعضهم بأمره ينفعن البشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ .
قال بعضهم: الأمر ها هنا هو التكوين.
وقيل: ألا له الخلق والتدبير في الخلق.
وقيل: له الأمر في الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : الله عما فهمت المشبهة من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: ادعوا، أي: اعبدوا ربكم؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ ذكر في الابتداء الدعاء وفي آخر العبادة، فكان الأمر بالدعاء أمراً بالعبادة.
وقال بعضهم: الدعاء ها هنا هو الدعاء، وقد جاء "أن الدعاء مخ العبادة"؛ لأن العبادة قد تكون بالتقليد، والدعاء لا يحتمل التقليد، ولكن إنما يكون عند الحاجة لما رأى في نفسه من الحاجة والعجز عن القيام بذلك؛ فعند ذلك يفزع إلى ربه، فهو مخ العبادة من هذا الوجه.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: وحِّدوا ربكم تضرعاً وخفية.
قيل: ﴿ تَضَرُّعاً ﴾ خضوعاً، ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ إخلاصاً.
وقيل: ﴿ تَضَرُّعاً ﴾ : ظاهراً.
﴿ وَخُفْيَةً ﴾ : سراً.
وأصله: أن اعبدوا ربكم في كل وقت وكل ساعة، أو ادعوا خاضعين مخلصين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ : قيل: المتجاوزين الحد بالإشراك بالله.
وقيل: لا يجب الاعتداء في الدعاء؛ نحو أن يقول: اللهم اجعلني نبياً أو ملكاً أو أنزلني في الجنة منزل كذا، وموضع كذا.
وروي عن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك الفردوس؛ وأسألك كذا، فقال له عبد الله: سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت النبي يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور" ويحتمل الاعتداء في الدعاء: هو أن يسأل ربه ما ليس [هو] بأهل له؛ نحو: أن يسأل كرامة الأخيار والرسل.
وأصل الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له.
وعن الحسن، قال في قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ : علمكم كيف تدعون ربكم، وقال للعبد الصالح [حيث] رضي دعاءه: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ .
وقال أنس، قال رسول الله : "عمل البر كله نصف العبادة، والدعاء نصف العبادة" ومنهم من صرف قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ إلى الدعاء، وقال: يكره للرجل أن يرفع صوته في الدعاء، ويروون على ذلك حديثاً عن النبي أنه سمع قوماً يرفعون أصواتهم في الدعاء، فقال: "أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، ولكن..." وقوله: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ بعد ما بعث الرسل بإصلاحها من الدعاء إلى عبادة الله، والطاعة، ويأمرون بالحلال، وينهون عن الحرام.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ : بعد ما خلقها طاهرة عن جميع أنواع المعاصي، والفواحش، وسفك الدماء، وغير ذلك.
ويقال: ﴿ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ بعد ما أعطاكم أسباباً تقدرون [بها] على الإصلاح، وما به تملكون إصلاحها.
وجائز أن يكون المراد بإصلاح الأرض: أهلها، أي: لا تفسدوا أهلها؛ وهو كقوله: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ والقرية لا توصف بالعتوِّ، ولكن أهلها.
وقوله - عز وجلّ - ﴿ وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .
قال بعضهم: خوفاً: لما كان في العبادة من التقصير، وطمعاً في التجاوز والقبول؛ لأنه لا أحد يقدر أن يعبد ربه حق عبادة لا تقصير فيها.
وعلى ذلك روي عن رسول الله أنه قال: "لا يدخل الجنة أحد إلا برحمته، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟:!
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وعلى ذلك ما روي: "أن الملائكة يقولون يوم القيامة: ما عبدناك حق عبادتك" ويجب على كل مؤمن أن يكون في كل فعل الخير خائفاً، راجياً الخوف للتقصير، والرجاء للقبول.
وقال بعضهم: خوفاً من عذابه ونقمته، وطمعاً في جنته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
قال أهل التأويل إن الجنة قريب من المحسنين، ويقولون: أراد بالقريب: الوقوع فيها، والنزول، ويحتمل أن يكون المراد بالرحمة صفته، فيكون تأويله: إن منفعة رحمة الله قريب من المحسنين.
وقال الحسن: إن رحمة الله - وهي الجنة - قريب من الخائفين.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ أي: إجابة الله قريب إلى من استجاب دعاءه، ويحتمل ما ذكرنا من منفعة رحمة الله قريب إلى من ذكر.
ثم المحسنين يحتمل المحسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى خلقه، أو المحسنين إلى نعم الله، أي: أحسنوا صحبة نعمه، والقيام لشكرها، واجتناب الكفران بها.
أو يريد الموحدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ .
يذكرهم عز وجل في هذا حكمته وقدرته ونعمه؛ ليحتج بها عليهم بالبعث، أما حكمته فبما يرسل الرياح والأمطار، ويسوقها إلى المكان الذي يريد أن يمطر فيه ما لم يعاينوا ذلك وشاهدوه ما عرفوا، أنْ كيف يرسل المطر من السماء، وكيف يرسل الريح، ويسوق السحاب، ففي ذلك تذكير حكمته إياهم.
وأما نعمه: فهو ما يسوق السحاب بالريح إلى المكان الذي فيه حاجة إلى المطر، فيرسل على ذلك المكان المطر، وذلك من عظيم نعمه؛ ليعلم أن ذلك كان برحمته، لا أنهم كانوا مستوجبين لذلك.
وأما ما ذكرهم من قدرته: فهو ما ذكر من إحياء الأرض بعد ما كان ميتة؛ ليعلم أن الذي قدر على إحياء الأرض، وإخراج النبات والثمر بعدما كان ميتاً، لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد موتهم، على ما قدر على إحياء الأرض بالنبات وإحياء النخل بالثمار بعدما كان علم كلٌّ أن لا نبات فيها ولا ثمار فيه؛ فإذا خرج النبات منها والثمار من النخيل على ما خرج في العام الأول، دل ذلك على وحدانيته وقدرته على إحياء الموتى وبعثهم بعدما ماتوا وصاروا تراباً على قدر ما ذكرنا، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ دلالة ألا تفهم من اليدين الجارحتين على ما يفهم من الخلق، كما لم يفهم أحد بذكر اليد في المطر الجارحة؛ لأنه لا جارحة له؛ فعلى ذلك لا يفهم من ذكر اليد له الجارحة من قوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ لم يفهم من قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ الجارحة للقرآن، فعلى ذلك لا يفهم [مما ذكر] من يديه الجارحة، ومن فهم ذلك فإنما يفهم لفساد في اعتقاده.
وكذلك ما ذكر من الاستواء على العرش، والاستواء إلى السماء، لا يفهم [منه ما يفهم] من استواء الخلق؛ لأنه بريء عن جميع مشابه الخلق، ومعانيهم، وهو ما وصف حيث قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: يرسل الرياح - نَشْراً - نَشَراً - بُشْرى - والنشر: هو من جمع نشور، وهو من الإحياء، ونشراً من التفريق، وبشْرى بالباء -: من البشارة، ثم قيل في قوله: "نشراً" الله عز وجل هو الذي يفرق ويسوق ذلك السحاب.
وقيل: الريح هو الذي يرسل، ويسوق ذلك السحاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً ﴾ قيل: أقلت: حملت.
وقيل: رفعت الماء، وهو واحد، ثقالاً مما فيه من الماء ﴿ سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ ﴾ إلى بلد ميت، فأنزلنا به الماء؛ أي: البلد.
﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
[قال بعضهم: من كل الثمرات ما يشاهدون من الثمرات].
كذلك يخرج الموتى بعد ما ماتوا وذهب أثرهم كما أخرج النبات والثمار من الأرض والنخل من بعد ما ماتوا وذهب أثر ذلك النبات وذلك الثمار، فعلى ذلك يخرج الموتى بعد ما ذهب أثرهم حتى لم يبق شيء.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ : وتتفكرون وتعرفون قدرته وسلطانه على الإحياء بعد الموت، أو تذكرون، أي: تتعظون.
وبعد، فإن إعادة الشيء في عقول الخلق أهون وأيسر من ابتداء الإنشاء.
ألا ترى أن الدهرية والثنوية وهؤلاء قد أنكروا الإنشاء لا من شيء، ورأوا وجود الأشياء وخروجها وإعادتها عن أصل وكيان وهو ما ذكر.
"وهو أهون عليه"، أي: في عقولكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ﴾ .
ذكر المثل ولم يذكر المضروب، وأهل التأويل قالوا: ضرب المثل للمؤمن والكافر، ثم يحتمل ضرب المثل وجوهاً.
أحدها: أنه وصف الأرض التي يخرج منها النبات بالطيب، ووصف الأرض التي لا يخرج منها النبات بالخبث، فعلى ذلك المؤمن لما كان منه من الأعمال من الطاعة لربه، والائتمار لأمره موصوف هو بالطيب، وجعله من جوهر الطيب، والكافر لما يكون منه من الأعمال الخبيثة، ولا يكون له من الأعمال الصالحة من الطاعة لربه خبيث، كما أن الأرض التي يخرج منها النبات الذي ينتفع به موصوفة بطيب الأصل والجوهر، والتي لا يخرج منها النبات ولا ينتفع به موصوفة بخبث الأصل.
وأمكن أن يكون من وجه آخر، وهو أن الله - عز وجل - جعل هذا القرآن مباركاً، شفاء للخلق على ما وصفه الله في غير موضع من الكتاب، ووصف الماء الذي ينزل من السماء بالبركة والرحمة، فإذا نزل ذلك الماء المبارك في الأرض الطيبة الجوهر، خرج منها النبات، والأنزال ينتفع بها، وإذا نزل في الأرض السبخة الخبيثة، لم يخرج لخبث أصلها، فعلى ذلك هذا القرآن هو مبارك شفاء، فيسمعه المؤمن، فيتبعه، ويعمل به، والكافر يسمعه ولا يتبعه، ولا يعمل به، فصار مثل المؤمن الذي يسمع هذا القرآن ويتبعه ويعمل بما فيه، كمثل الماء الذي يدخل في الأرض فيخرج منه النبات؛ لطيب جوهرها وأصلها، والكافر مثل الأرض التي لا يخرج منها النبات لخبث أصلها وجوهرها، وأصله: أنه ضرب مثل الذي هو مستحسن بالعقل بالذي هو مستحسن بالطبع؛ لأن ما حسن في الطبع فإنما معرفته حسن، وما حسن في العقل فإنما يعرف حسنه بالدلائل وهو غائب، فضرب مثل الذي معرفة حسنه بالعقل [وهو غائب بالذي معرفة حسنه حس ومشاهدة فالإيمان حسن وغائب ضرب مثله بالذي طريق معرفة حسنه بالحس] والمشاهدة، وهو ما ذكر من النبات الذي يخرج من الأرض، وذلك يدلّ على طيب أصلها وجوهرها، والتي لا تخرج شيئاً [هو] لخبث جوهرها وأصلها، فعلى ذلك المؤمن والكافر، ثم حسن عمل هذا وطيبه وقبح عمل الآخر وخبثه إنما يظهر في الآخرة وذلك يوجب البعث لأنهما جميعاً استويا في هذه الدنيا، فدل أن هنالك داراً أخرى فيها يظهر الطيب من الخبيث طاب عمل المؤمن، وجميع ما يكون منه حسناً لطيب أصله، وخبث عمل الكافر وقبح ما يكون منه لخبث أصله، كالأرض التي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ يحتمل بعلمه وتكوينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ نَكِداً ﴾ .
قال الحسن: خبيثاً، أي: لا يخرج إلا خبيثاً.
وقال أبو بكر: نكداً، أي: لا منفعة فيه.
وقيل: إلا عسيراً.
وقيل: إلا قليلاً وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ .
أي: لقوم ينتفعون بالآيات.
<div class="verse-tafsir"
والأرض الطيبة تُخْرِج نباتها بإذن الله إخراجًا حسنًا تامًّا، وهكذا المؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها، فتنتج عملًا صالحًا، والأرض السَّبْخة المالحة لا تُخْرِج نباتها إلا عسرًا لا خير فيه، وهكذا الكافر لا ينتفع بالمواعظ، فلا تنتج عنده عملًا صالحًا ينتفع به، مثل هذا التنويع البديع ننوع البراهين والحجج لإثبات الحق لقوم يشكرون نعم الله، فلا يكفرونها، ويطيعون ربهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.g1OgN"