الآية ٥٩ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٥٩ من سورة الأعراف

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة ، وما يتعلق بذلك وما يتصل به ، وفرغ منه ، شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء ، عليهم السلام ، الأول فالأول ، فابتدأ بذكر نوح ، عليه السلام ، فإنه أول رسول إلى أهل الأرض بعد آدم ، عليه السلام ، وهو : نوح بن لامك بن متوشلح بن خنوخ - وهو إدريس [ النبي ] عليه السلام - فيما ، يزعمون ، وهو أول من خط بالقلم - ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم ، عليه السلام .

هكذا نسبه محمد بن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب ، قال محمد بن إسحاق : ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل .

وقال يزيد الرقاشي : إنما سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه .

وقد كان بين آدم إلى زمن نوح ، عليهما السلام ، عشرة قرون ، كلهم على الإسلام قاله عبد الله بن عباس قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير : وكان أول ما عبدت الأصنام ، أن قوما صالحين ماتوا ، فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صور أولئك فيها ، ليتذكروا حالهم وعبادتهم ، فيتشبهوا بهم .

فلما طال الزمان ، جعلوا تلك الصور أجسادا على تلك الصور .

فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين " ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا " .

فلما تفاقم الأمر بعث الله ، سبحانه وتعالى - وله الحمد والمنة - رسوله نوحا يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له ، فقال : ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) أي : من عذاب يوم القيامة إن لقيتم الله وأنتم مشركون به

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قال أبو جعفر: أقسم ربنا جل ثناؤه للمخاطبين بهذه الآية: أنه أرسل نوحًا إلى قومه، منذرَهم بأسَه، ومخوِّفَهم سَخَطه، على عبادتهم غيره، فقال لمن كفر منهم: يا قوم، اعبدوا الله الذي له العبادة، وذِلُّوا له بالطاعة، واخضعوا له بالاستكانة، ودعوا عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، فإنه ليس لكم معبودٌ يستوجب عليكم العبادةَ غيرُه، فإني أخاف عليكم إن لم تفعلوا ذلك " عذابَ يوم عظيم " ، يعني: عذابَ يوم يعظم فيه بلاؤكم بمجيئه إياكم بسخط ربِّكم.

* * * وقد اختلفت القَرَأة في قراءة قوله: " غيره ".

فقرأ ذلك بعض أهل المدينة والكوفة: ( مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِهِ )، بخفض " غير " على النعت لـ" إله ".

* * * وقرأه جماعة من أهل المدينة والبصرة والكوفة: ( مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه )، برفع " غير "، ردًّا لها على موضع " من "، لأن موضعها رفع، لو نـزعت من الكلام لكان الكلام رفعًا، وقيل: " ما لكم إله غيرُ الله ".

(8) فالعرب [ لما وصفت من أن المعلوم بالكلام ] (9) أدخلت " من " فيه أو أخرجت، وأنها تدخلها أحيانًا في مثل هذا من الكلام، وتخرجها منه أحيانًا، تردّ ما نعتت به الاسم الذي عملت فيه على لفظه، فإذا خفضت، فعلى كلام واحد، لأنها نعت لـ" الإله ".

وأما إذا رفعت، فعلى كلامين: " ما لكم غيره من إله "، وهذا قول يستضعفه أهل العربية.

------------------ الهوامش : (8) انظر معاني القرآن للفراء 1: 382 ، 383.

(9) هكذا جاءت العبارة في المطبوعة والمخطوطة ، وفي الكلام سقط لا شك فيه ، لم أستطع أن أرده إلى أصله ، ولذلك وضعت هذه العبارة بين القوسين.

والظاهر أن السقط طويل ، لأن أبا جعفر خالف هنا في هذا السياق ما درج عليه من ذكر أولي القراءتين بالصواب عنده.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيمقوله تعالى لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله لما بين أنه الخالق القادر على الكمال ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار .

واللام في لقد للتأكيد المنبه على القسم .

والفاء دالة على أن الثاني بعد الأول .

يا قوم نداء مضاف .

ويجوز يا قومي على الأصل .

ونوح أول الرسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات .

قال النحاس : وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف .

وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح ; وقد تقدم في " آل عمران " هذا المعنى وغيره فأغنى عن إعادته قال ابن العربي : ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم .

والدليل على صحة وهمه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم آدم وإدريس فقال له آدم : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح .

وقال له إدريس : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح .

فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح .

فلما قال له والأخ الصالح دل ذلك على أنه يجتمع معه في نوح ، صلوات الله عليهم أجمعين .

ولا كلام لمنصف بعد هذا .قال القاضي عياض : وجاء جواب الآباء ههنا كنوح وإبراهيم وآدم مرحبا بالابن الصالح .

وقال عن إدريس بالأخ الصالح كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس بأب - باتفاق - للنبي صلى الله عليه وسلم .

وقال المازري : قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام .

فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضا لم يصح قول النسابين إنه قبل نوح ; لما أخبر عليه السلام من قول آدم إن نوحا أول رسول بعث ، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوا وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل .

قال القاضي عياض : قد يجمع بين هذا بأن يقال : اختص بعث نوح لأهل الأرض - كما قال في الحديث - كافة كنبينا عليه السلام .

ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم .

وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى : وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون .

وقد قيل : إن إلياس هو إدريس .

وقد قرئ ( سلام على إدراسين ) .

قال القاضي عياض : وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ; ليسلم من هذا الاعتراض .

وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس [ ص: 210 ] رسولان .

قال ابن عطية : ويجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان ; فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة .

والله أعلم .

وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة .

قال الكلبي : بعد آدم بثمانمائة سنة .

وقال ابن عباس : وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما ; كما أخبر التنزيل .

ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة .

حتى كثر الناس وفشوا .

وقال وهب : بعث نوح وهو ابن خمسين سنة .

وقال عون بن شداد : بعث نوح وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة .

وفي كثير من كتب الحديث : الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام .

وذكر النقاش عن سليمان بن أرقم عن الزهري : أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن نوح .

والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة ، وكل جلد أسود من ولد حام بن نوح .

والترك وبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يافث بن نوح .

والخلق كلهم ذرية نوح .ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم برفع غيره قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة .

أي ما لكم إله غيره .

نعت على الموضع .

وقيل : " غير " بمعنى إلا ; أي ما لكم من إله إلا الله .

قال أبو عمرو : ما أعرف الجر ولا النصب .

وقرأ الكسائي بالخفض على الموضع .

ويجوز النصب على الاستثناء ، وليس بكثير ; غير أن الكسائي والفراء أجازا نصب " غير " في كل موضع يحسن فيه " إلا " تم الكلام أو لم يتم .

فأجازا : ما جاءني غيرك .

قال الفراء : هي لغة بعض بني أسد وقضاعة .

وأنشد :لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت حمامة في سحوق ذات أوقالقال الكسائي : ولا يجوز جاءني غيرك ، في الإيجاب ; لأن " إلا " لا تقع هاهنا .

قال النحاس : لا يجوز عند البصريين نصب " غير " إذا لم يتم الكلام .

وذلك عندهم من أقبح اللحن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جملة صالحة، أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده مع أممهم المنكرين لذلك، وكيف أيد اللّه أهل التوحيد، وأهلك من عاندهم ولم يَنْقَدْ لهم، وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد ومعتقد واحد، فقال عن نوح - أول المرسلين -: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده، حين كانوا يعبدون الأوثان { فَقَالَ } لهم: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: وحده { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } لأنه الخالق الرازق المدبِّر لجميع الأمور، وما سواه مخلوق مدبَّر، ليس له من الأمر شيء، ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب اللّه، فقال: { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام وشفقته عليهم، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي، كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم، فلما قال لهم هذه المقالة،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس ، وهو أول نبي بعث بعد إدريس ، وكان نجارا بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة .

وقال ابن عباس : ابن أربعين سنة .

وقيل : بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة .

وقال مقاتل : ابن مائة سنة .

وقال ابن عباس : سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه .

واختلفوا في سبب نوحه فقال بعضهم : لدعوته على قومه بالهلاك ، وقيل : لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان .

وقيل : لأنه مر بكلب مجذوم ، فقال : اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه : أعبتني أم عبت الكلب؟

( فقال ) لقومه ، ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) قرأ أبو جعفر والكسائي ( من إله غيره ) بكسر الراء حيث كان ، على نعت الإله ، وافق حمزة في سورة فاطر : ( هل من خالق غير الله ) ( فاطر - 3 ) ، وقرأ الآخرون برفع الراء على التقديم ، تقديره : ما لكم غيره من إله ، ( إني أخاف عليكم ) إن لم تؤمنوا ، ( عذاب يوم عظيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد» جواب قسم محذوف «أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غَيْرُِهُ» بالجر صفة لإله والرفع بدل من محله «إني أخاف عليكم» إن عبدتم غيره «عذاب يوم عظيم» هو يوم القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد بعثنا نوحًا إلى قومه؛ ليدعوهم إلى توحيد الله سبحانه وإخلاص العبادة له، فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده، ليس لكم من إله يستحق العبادة غيره جل وعلا فأخلصوا له العبادة فإن لم تفعلوا وبقيتم على عبادة أوثانكم، فإنني أخاف أن يحلَّ عليكم عذاب يوم يعظم فيه بلاؤكم، وهو يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والآن فلنستمع بتدبر واعتبار إلى السورة الكريمة وهى تحدثنا عن قصة نوح مع قومه فتقول : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا .

.

) .تلك هى قصة نوح مع قومه كماوردت فى هذه السورة ، وقد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سورة هود ، والمؤمنون ، ونوح وغيرها .وقوله : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ ) جواب قسم محذوف ، أى : والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه والدليل على هذا القسم وجود لامه فى بدء الجملة .قال الآلوسى : " واطرد استعال هذه اللام مع قد فى الماضى - على ما قال الزمخشرى - وقل الاكتفاء بها وحدها .

والسر فى ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التى هي جوابها ، فكانت مظنة لتوقع المخاطب حصول المقسم عليه ، لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد " .وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاث وأربعين موضعا .وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد واحد .

وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة .وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد .

قال ابن كثير : قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا ، فبنى قومهم عليهم مساجد ، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم ، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور ، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين : وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله - تعالى - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له " .وقوله : ( فَقَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ ) حكاية لما وجهه نوح لقومه من إرشادات ، أى : قال لهم بتلطف وأدب تلك الكلمة التى وجهها كل رسول لمن أرسل إليهم : اعبدوا الله وحده لا شريك له ، فإنه هو المستحق للعبادة ، أما سواه فلا يملك نفعا أو ضرا .وكلمة ( غَيْرُهُ ) قرئت بالحركات الثلاث ، بالرفع على أنها صفة لإله باعتبار محله الذى هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية .

وقرأ الكسائى بالجر باعتبار اللفظ ، وقرىء بالنصب على الاستثناء بمعنى ، ما لكم من إله إلا إياه .ثم حكى القرآن أن نوحا حذر قومه من سوء عاقبة التكذيب ، وأظهر لهم شفقته بهم وخوفه عليهم فقال : ( إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) أى : إنى أخاف عليكم إذا ما سرتم فى طريق الكفر والضلال وتركتم عبادة الله وحده عذاب يوم عظيم ، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه ولتكميل الإنذار .قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما موقع الجملتين بع قوله : ( اعبدوا الله ) قلت : الأولى - وهى ما لكم من إله غيره - بيان لوجه اختصاصه بالعبادة ، والثانية وهى - إنى أخاف ..

.

إلخ - بيان الداعى إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله .

واليوم العظيم : يوم القيامة ، أو يوم نزول العذاب بهم وهو الطوفان " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة، وبينات قاهرة، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام، وفيه فوائد: أحدها: التنبيه على أن إعراض الناس عن قَبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم محمد عليه الصلاة والسلام بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت.

فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم على الجهل والعناد يفيد تسلية الرسول عليه السلام وتخفيف ذلك على قلبه.

وثانيها: أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى الكفر واللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة في الدنيا والسعادة في الآخرة، وذلك يقوي قلوب المحقين ويكسر قلوب المبطلين.

وثالثها: التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ولكنه لا يهملهم بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه.

ورابعها: بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه عليه السلام كان أمياً وما طالع كتاباً ولا تلمذ أستاذاً، فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله، وذلك يدل على صحة نبوته.

ولقائل أن يقول: الأخبار عن الغيوب الماضية لا يدل على المعجز، لاحتمال أن يقال إن إبليس شاهد هذه الوقائع فألقاها إليه، أما الأخبار عن الغيوب المستقبلة فإنه معجز لأن علم الغيب ليس إلا لله سبحانه وتعالى.

واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام، وقد سبق ذكرها.

والقصة الثانية: قصة نوح عليه السلام وهي المذكورة في هذه الآية وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ ﴾ جواب قسم محذوف.

فإن قالوا: ما السبب في أنهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد، وذكر هذه اللام بدون قد نادر كقوله: حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا *** قلنا: إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم.

المسألة الثانية: قرأ الكسائي ﴿ غَيْرُهُ ﴾ بكسر الراء على أنه نعت للإله على اللفظ والباقون بالرفع على أنه صفة للإله على الموضع لأن تقدير الكلام ما لكم إله غيره، وقال أبو علي: وجه من قرأ بالرفع قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله  ﴾ فكما أن قوله: ﴿ إِلاَّ الله ﴾ بدل من قوله: ﴿ مَّا مِن إِلَهٍ ﴾ كذلك قوله: ﴿ غَيْرُهُ ﴾ يكون بدلاً من قوله: ﴿ مِنْ إِلَهٍ ﴾ فيكون (غَيْرِ) رفعاً بالاستثناء، وقال صاحب الكشاف: قرئ (غَيْرِ) الحركات الثلاث، وذكر وجه الرفع والجر كما تقدم، قال وأما النصب فعلى الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا زيداً وغير زيد.

المسألة الثالثة: قال الواحديُّ: في الكلام حذف، وهو خبر ﴿ مَا ﴾ لأنك إذا جعلت ﴿ غَيْرُهُ ﴾ صفة لقوله: ﴿ إِلَهٍ ﴾ لم يبق لهذا المنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف، لأنك إذا قلت زيد العاقل وسكت، لم يفد ما لم تذكر خبره.

ويكون التقدير ما لكم من إله غيره في الوجود، أقول: اتفق النحويون على أن قولنا لا إله إلا الله لابد فيه من إضمار، والتقدير: لا إله في الوجود أو لا إله لنا إلا الله ولم يذكروا على هذا الكلام حجة، فإنا نقول لم لا يجوز أن يقال دخل حرف النفي على هذه الحقيقة؟

وعلى هذه الماهية، فيكون المعنى أنه لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حق الله، وإذا حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الإضمار الذي ذكروه.

فإن قالوا: صرف النفي إلى الماهية لا يمكن لأن الحقائق لا يمكن نفيها، فلا يمكن أن يقال لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهية، وإنما الممكن أن يقال إن تلك الحقائق غير موجودة ولا حاصلة، وحينئذ يجب إضمار الخبر.

فنقول: هذا الكلام بناء على أن الماهية لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها، وذلك باطل قطعاً.

إذ لو كان الأمر كذلك لوجب امتناع ارتفاع الوجود لأن الوجود أيضاً حقيقة من الحقائق وماهية فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات؟

فإن قالوا: إذا قلنا لا رجل، وعنينا به نفي كونه موجوداً، فهذا النفي لم ينصرف إلى ماهية الوجود، وإنما انصرف إلى كون ماهية الرجل موصوفة بالوجود.

فنقول: تلك الموصوفية يستحيل أن تكون أمراً زائداً على الماهية وعلى الوجود، إذ لو كانت الموصوفية ماهية، والوجود ماهية أخرى، لكانت تلك الماهية موصوفة أيضاً بالوجود، والكلام فيه كما فيما قبله، فيلزم التسلسل، ويلزم أن لا يكون الموجود الواحد موجوداً واحداً، بل موجودات غير متناهية وهو محال.

ثم نقول موصوفية الماهية بالوجود إما أن يكون أمراً مغايراً للماهية والوجود، وإما أن لا يكون كذلك.

فإن لم يكن أمراً مغايراً لها فحينئذ يكون لذلك المغاير ماهية ووجود، وماهيته لا تقبل الارتفاع، وحينئذ يعود السؤال المذكور.

فثبت بما ذكرنا أن الماهية أن لم تقبل النفي والرفع، امتنع صرف حرف النفي إلى شيء من المفهومات، فإن كانت الماهية قابلة للنفي والرفع، فحينئذ يمكن صرف كلمة لا في قولنا لا إله إلا الله إلى هذه الحقيقة، وحينئذ لا يحتاج إلى التزام الحذف والإضمار الذي يذكره النحويون، فهذا كلام عقلي صرف، وقع في هذا البحث الذي ذكره النحويون.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا ﴾ فيه قولان: قال ابن عباس: بعثنا.

وقال آخرون: معنى الإرسال أنه تعالى حمله رسالة يؤديها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث، فيكون البعث كالتابع لا أنه الأصل، وهذا البحث بناء على مسألة أصولية، وهي أنه هل من شرط إرسال الرسول إلى قوم، أن يعرفهم على لسانه أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أوليس ذلك بشرط؟

بل يكون الغرض من بعثة الرسل مجرد تأكيد ما في العقول، وهذا الخلاف إنما يليق بتفاريع المعتزلة، ولا يليق بتفاريع مذاهبنا وأصولنا.

المسألة الخامسة: في الآية فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى حكى عن نوح في هذه الآية ثلاثة أشياء: أحدها: أنه عليه السلام أمرهم بعبادة الله تعالى.

والثاني: أنه حكم أن لا إله غيرُ الله، والمقصود من الكلام الأول إثبات التكليف، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد.

ثم قال عقيبه: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ولا شكَّ أن المراد منه إما عذاب يوم القيامة، وعلى هذا التقدير: فهو قد خوفهم بيوم القيامة، وهذا هو الدعوى الثالثة، أو عذاب يوم الطوفان، وعلى هذا التقدير: فقد ادعى الوحي والنبوة من عند الله، والحاصل أنه تعالى حكى عنه أنه ذكر هذه الدعاوى الثلاثة، ولم يذكر على صحة واحد منها دليلاً ولا حجة، فإن كان قد أمرهم بالإنذار بها على سبيل التقليد، فهذا باطل، لما أن القول بالتقليد باطل.

وأيضاً فالله تعالى قد ملأ القرآن من ذم التقليد، فكيف يليق بالرسول المعصوم الدعوة إلى التقليد؟

وإن كان قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدليل، فهذا الدليل غير مذكور.

واعلم أنه تعالى ذكر في أول سورة البقرة دلائل التوحيد والنبوة، وصحة المعاد، وذلك تنبيه منه تعالى على أن أحداً من الأنبياء لا يدعو أحداً إلى هذه الأصول إلا بذكر الحجة والدليل.

أقصى ما في الباب أنه تعالى ما حكى عن نوح تلك الدلائل في هذا المقام إلا أن تلك الدلائل لما كانت معلومة لم يكن إلى ذكرها حاجة في هذا المقام، فترك الله تعالى ذكر الدلائل لهذا السبب.

الفائدة الثانية: أنه عليه السلام ذكر أولاً قوله: ﴿ اعبدوا الله ﴾ وثانياً قوله: ﴿ مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ ﴾ والثاني كالعلة للأول، لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً من الله، ونهاية الإنعام توجب نهاية التعظيم، فإنما وجبت عبادة الله لأجل العلم بأنه لا إله إلا الله، ويتفرع على هذا البحث مسألة وهي: أنا قبل العلم بأن لا إله واحد أو أكثر من واحد لا نعلم أن المنعم علينا بوجوه النعم الحاصلة عندنا هو هذا أم ذاك؟

وإذا جهلنا ذلك فقد جهلنا من كان هو المنعم في حقنا.

وحينئذ لا يحسن عبادته، فعلى هذا القول كان العلم بالتوحيد شرطاً للعلم بحسن العبادة.

الفائدة الثالثة: في هذه الآية أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه الإله هو الذي يستحق العبادة لأن قوله: ﴿ اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ ﴾ إثبات ونفي، فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام، فكان المعنى أعبدوا الله ما لكم من معبود غيره، حتى يتطابق النفي والإثبات، ثم ثبت بالدليل أن الإله ليس هو المعبود وإلا لوجب كون الأصنام آلهة، وأن لا يكون الإله إلهاً في الأزل لأجل أنه في الأزل غير معبود، فوجب حمل لفظ الإله على أنه المستحق للعبادة.

واعلم أنهم اختلفوا في معنى قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ هل هو اليقين، أو الخوف بمعنى الظن والشك.

قال قوم: المراد منه الجزم واليقين، لأنه كان جازماً بأن العذاب ينزل بهم إما في الدنيا وإما في الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين.

وقال آخرون: بل المراد منه الشك وتقريره من وجوه: الأول: إنه إنما قال: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ لأنه جوز أن يؤمنوا كما جوز أن يستمروا على كفرهم، ومع هذا التجويز لا يكون قاطعاً بنزول العذاب، فوجب أن يذكره بلفظ الخوف.

والثاني: أن حصول العقاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا بالسمع ولعل الله تعالى ما بين له كيفية هذه المسألة فلا جرم بقي متوقفاً مجوزاً أنه تعالى هل يعاقبهم على ذلك الكفر أم لا؟

والثالث: يحتمل أن يكون المراد من الخوف الحذر كما قال في الملائكة: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ  ﴾ أي يحذرون المعاصي خوفاً من العقاب.

الرابع: إنه بتقدير أن يكون قاطعاً بنزول أصل العذاب لكنه ما كان عارفاً بمقدار ذلك العذاب، وهو أنه عظيم جداً أو متوسط، فكان هذا الشك راجعاً إلى وصف العقاب، وهو كونه عظيماً أم لا، لا في أصل حصوله.

ثم إنه تعالى حكى ما ذكره في قومه، فقال: ﴿ قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وقال المفسرون: ﴿ الملأ ﴾ الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء، والدليل عليه أن قوله: ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ يقتضي أن ذلك الملأ بعض قومه، وذلك البعض لابد وأن يكونوا موصوفين بصفة لأجلها استحقوا هذا الوصف، وذلك بأن يكونوا هم الذين يملؤن صدور المجالس، وتمتلئ القلوب من هيبتهم، وتمتلئ الأبصار من رؤيتهم، وتتوجه العيون في المحافل إليهم، وهذه الصفات لا تحصل إلا في الرؤساء، وذلك يدل على أن المراد من الملأ الرؤساء والأكابر.

وقوله: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ ﴾ هذه الرؤية لابد وأن تكون بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والرؤية.

وقوله: ﴿ فِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ أي في خطأ ظاهر وضلال بين، ولا بد وأن يكون مرادهم نسبة نوح إلى الضلال في المسائل الأربع التي بينا أن نوحاً عليه السلام ذكرها، وهي التكليف والتوحيد والنبوة والمعاد، ولما ذكروا هذا الكلام.

أجاب نوح عليه السلام بقوله: ﴿ ياقوم لَيْسَ بِى ضلالة ﴾ .

فإن قالوا: إن القوم قالوا: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ .

فجوابه أن يقال: ليس بي ضلال، فلم ترك هذا الكلام، وقال: ليس بي ضلالة؟

قلت: لأن قوله: ﴿ لَيْسَ بِى ضلالة ﴾ أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة، فكان هذا أبلغ في عموم السلب، ثم إنه عليه السلام لما نفى عن نفسه العيب الذي وصفوه به، ووصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها، وهو كونه رسولاً إلى الخلق من رب العالمين.

ذكر ما هو المقصود من الرسالة، وهو أمران: الأول: تبليغ الرسالة.

والثاني: تقرير النصيحة.

فقال: ﴿ أُبَلِغُكُمْ رسالات رَبّى وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو ﴿ أُبَلّغُكُمْ ﴾ بالتخفيف، من أبلغ، والباقون بالتشديد.

قال الواحدي: وكلا الوجهين جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ  ﴾ والتشديد ﴿ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

المسألة الثانية: الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة معناه: أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه، وأما النصيحة: فهو أنه يرغبه في الطاعة، ويحذره عن المعصية، ويسعى في تقرير ذلك الترغيب والترهيب لأبلغ وجوه، وقوله: ﴿ رسالات رَبّى ﴾ يدل على أنه تعالى حمله أنواعاً كثيرة من الرسالة.

وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا، وقوله: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ قال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نصحتك، إنما تقول: نصحت لك، ويجوز أيضاً نصحتك.

قال النابغة: نصحت بني عوف فلم يتقبلوا *** رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي وحقيقة النصح الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى: أني أبلغ إليكم تكاليف الله، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح، وأدعوكم إلى ما دعاني، وأحب إليكم ما أحبه لنفسي.

ثم قال: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: واعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان.

الثاني: واعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقاباً شديداً خارجاً عما تتصوره عقولكم.

الثالث: يجوز أن يكون المراد: واعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام: حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا ﴾ جواب قسم محذوف.

فإن قلت: ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام، إلاّ مع (قد) وقلّ عنهم، نحو قوله: حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حِلْفَةَ فَاجِر ** لَنَامُوا............

قلت: إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلاّ تأكيداً للجملة المقسم عليها، التي هي جوابها، فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى (قد) عند استماع المخاطب كلمة القسم.

قيل: أرسل نوحاً عليه السلام وهو ابن خمسين سنة، وكان نجاراً وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام.

وقرئ: ﴿ غيره ﴾ بالحركات الثلاث، فالرفع على المحل، كأنه قيل: ما لكم إله غيره.

والجرّ على اللفظ والنصب على الاستثناء بمعنى: ما لكم من إله إلاّ إياه، كقولك: ما في الدار من أحد إلاّ زيد أو غير زيد.

فإن قلت: فما موقع الجملتين بعد قوله: ﴿ اعبدوا الله ﴾ ؟

قلت: الأولى بيان لوجه اختصاصه بالعبادة.

والثانية: بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله واليوم العظيم يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولا تَكادُ تُطْلَقُ هَذِهِ اللّامُ إلّا مَعَ قَدْ لِأنَّها مَظِنَّةُ التَّوَقُّعِ، فَإنَّ المُخاطَبَ إذا سَمِعَها تَوَقَّعَ وُقُوعَ ما صَدَرَ بِها.

ونُوحُ بْنُ لَمَّكَ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ إدْرِيسَ أوَّلُ نَبِيٍّ بَعْدَهُ، بُعِثَ وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً أوْ أرْبَعِينَ.

﴿ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ « غَيْرِهِ» بِالكَسْرِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا عَلى اللَّفْظِ حَيْثُ وقَعَ إذا كانَ قَبْلَ إلَهٍ مِنَ الَّتِي تَخْفِضُ.

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ.

﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وهو وعِيدٌ وبَيانٌ لِلدّاعِي إلى عِبادَتِهِ.

واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ نُزُولِ الطُّوفانِ.

﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ ﴾ أيِ الأشْرافُ فَإنَّهم يَمْلُؤُونَ العُيُونَ رَواءً.

﴿ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ ﴾ زَوالٍ عَنِ الحَقِّ.

﴿ مُبِينٍ ﴾ بَيِّنٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لقد أرسلنا} جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا {نوحاً

إلى قومه} أرسل وهو ابن خسمين سنة وكان نجارا وهو نوح بن لك بن توشلخ بن أخنوخ وهواسم إدريس عليه السلام {فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} غيره علي فالرفع على المحل كأنه قيل مالكم إله غيره فلا تعيدوا معه غيره والجر على اللفظ {إنى أخاف عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ} يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُحَقِّقُهُ ويُقَرِّرُهُ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الخالِيَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا ..

إلَخْ.

واطَّرَدَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ اللّامِ مَعَ قَدْ في الماضِي عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَلَّ الِاكْتِفاءُ بِها وحْدَها نَحْوَ قَوْلِهِ.

حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فَما أنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِي والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها فَكانَتْ مَظِنَّةً لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ حُصُولَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ دَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ فَناسَبَ ذَلِكَ إدْخالَ قَدْ ونُقِلَ عَنِ النُّحاةِ أنَّهم قالُوا: إذا كانَ جَوابُ القَسَمِ ماضِيًا مُثْبَتًا مُتَصَرِّفًا فِإمّا أنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الحالِ فَيُؤْتى بِقَدْ وإلّا أُثْبِتَ بِاللّامِ وحْدَها فَجَوَّزُوا الوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ ولَمْ يُؤْتَ هُنا بِعاطِفٍ وأُتِيَ بِهِ في هُودٍ والمُؤْمِنِينَ عَلى ما قالَ الكَرْمانِيُّ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ نُوحٍ صَرِيحًا في هُودٍ وضِمْنًا في المُؤْمِنِينَ حَيْثُ ذَكَرَ فِيها قَبْلُ ﴿ وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها بِخِلافِ ما هُنا ونُوحُ بْنُ لَمَكَ بِفَتْحَتَيْنِ وقِيلَ: بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وقِيلَ: مَلْكانَ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ ونُونٍ آخِرِهِ وقِيلَ: لامَكَ كَهاجَرَ بْنِ مُتَوَشْلِخَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والواوِ وسُكُونِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ المُفَعْوِلِ كَما ضَبَطَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقِيلَ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ المُشَدَّدَةِ وسُكُونِ الواوِ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ ابْنِ أخْنُوخَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلَهُ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ ونُونٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ أيْضًا ومَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ عَلى ما قِيلَ القُرّاءُ وقِيلَ: خُنُوخَ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: بُعِثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في الألْفِ الثّانِي وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمُتْ حَتّى وُلِدَ لَهُ نُوحٌ في آخِرِ الألْفِ الأوَّلِ وأخْرَجا عَنْ مُقاتِلٍ وجُوَيْبِرٍ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كَبُرَ ودَقَّ عَظْمُهُ قالَ: يا رَبِّ إلى مَتى أكِدُّ وأسْعى قالَ يا آدَمُ حَتّى يُولَدَ لَكَ ولَدٌ مَخْتُونٌ فَوُلِدَ لَهُ نُوحٌ بَعْدَ عَشْرَةِ أبْطُنٍ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ألْفِ سِنَةٍ إلّا سِتِّينَ عامًا وبُعِثَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى رَأْسِ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وقالَ مُقاتِلٌ: وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وقِيلَ: وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً وقِيلَ: وهو ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ فَكانَ عُمْرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.

وبُعِثَ كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ قَتادَةَ مِنَ الجَزِيرَةِ وهو أوَّلُ نَبِيٍّ عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى قَوْمَهُ وقَدْ لَقِيَ مِنهم ما لَمْ يَلْقَهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

واخْتُلِفَ في عُمُومِ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتِداءً مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى عُمُومِها انْتِهاءً حَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِوى مَن كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ ولا يَقْدَحُ القَوْلُ بِالعُمُومِ في كَوْنِ ذَلِكَ مِن خَواصِّ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ ما هو مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عُمُومُ البَعْثَةِ لِكافَّةِ الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ وذَلِكَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ بَلْ وكَذا المَلائِكَةُ كَما رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كالسُّبْكِيِّ ومَن تَبِعَهُ ورَدُّوا عَلى مَن خالَفَ ذَلِكَ وصَرِيحَ آيَةٍ ﴿ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ إذِ العالَمُ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وخَبَرُ مُسْلِمٍ «وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً» يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ قالَ البارِزِيُّ: إنَّهُ  أُرْسِلَ حَتّى لِلْجَماداتِ بَعْدَ جَعْلِها مُدْرِكَةً.

وفائِدَةُ الإرْسالِ لِلْمَعْصُومِ وغَيْرِ المُكَلَّفِ طَلَبُ إذْعانِهِما لِشَرَفِهِ ودُخُولِهِما تَحْتَ دَعْوَتِهِ واتِّباعِهِ تَشْرِيفًا عَلى سائِرِ المُرْسَلِينَ ولا كَذَلِكَ بَعْثَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والفَرْقُ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ وهو كَما قالَ القامُوسُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ صُرِفَ لِخِفَّتِهِ وجاءَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وجُوَيْبِرٌ ومُقاتِلٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ واخْتُلِفَ في سَبَبِ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو دَعْوَتُهُ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ وقِيلَ مُراجَعَتُهُ رَبَّهُ في شَأْنِ ابْنِهِ كَنْعانَ وقِيلَ: إنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ فَقالَ لَهُ اخْسَأْ يا قَبِيحُ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أعِبْتَنِي أمْ عِبْتَ الكَلْبَ وقِيلَ: هو إصْرارُ قَوْمِهِ عَلى الكُفْرِ فَكانَ كُلَّما دَعاهم وأعْرَضُوا بَكى وناحَ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وكانَ اسْمُهُ قَبْلُ السَّكَنَ لِسُكُونِ النّاسِ إلَيْهِ بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: عَبْدُ الجَبّارِ وأنا لا أُعَوِّلُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّهُ اسْمٌ وُضِعَ لَهُ حِينَ وُلِدَ ولَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ النِّياحَةِ وأنَّهُ كَما قالَ صاحِبُ القامُوسِ ﴿ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أيْ وحْدَهُ وتَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّها العِبادَةُ حَقِيقَةً وأمّا العِبادَةُ مَعَ الإشْراكِ فَكَلا عِبادَةَ ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ما لَكم مِن إلَهٍ ﴾ أيْ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ ﴿ غَيْرُهُ ﴾ عَلَيْهِ وهو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ العِبادَةِ المَذْكُورَةِ أوِ الأمْرِ بِها و( مِن ) صِلَةٌ و( غَيْرُ ) بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ صِفَةُ ( إلَهٍ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وقُرِئَ شاذًّا بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ وحُكْمُ غَيْرُ كَما في المُفَصَّلِ حُكْمُ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ إلّا وهو المَشْهُورُ أيْ ما لَكم إلَهٌ إلّا إيّاهُ كَقَوْلِكَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا زَيْدًا وغَيْرَ زَيْدٍ و( إلَهٍ ) إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً فَلَكم خَبَرُهُ أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ و( لَكم ) لِلتَّخْصِيصِ والتَّبْيِينِ أيْ ما لَكم في الوُجُودِ أوْ في العالَمِ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ ﴾ إنْ لَمْ تَعْبُدُوا حَسْبَما أُمِرْتُ بِهِ وتَقْدِيرُ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِما أنَّ عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِهِ وهو أهَمُّ أنْواعِها وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( أخافُ ) ولَمْ يَقْطَعْ حُنُوًّا عَلَيْهِمْ واسْتِجْلابًا لَهم بِلُطْفٍ.

﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ (59) هو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ يَوْمُ الطُّوفانِ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِوُقُوعِهِ إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا والجُمْلَةُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَعْلِيلٌ لِلْعِبادَةِ بِبَيانِ الصّارِفِ عَنْ تَرْكِها إثْرَ تَعْلِيلِها بِبَيانِ الدّاعِي إلَيْها ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعِظَمِ لِبَيانِ عِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ وتَكْمِيلِ الإنْذارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ يعني: المكان العذب الزّكي اللين من الأرض اللينة يخرج نباته إذا أمطرت فينتفع به، كذلك المؤمن يسمع الموعظة فتدخل في قلبه فينتفع بها وينفعه القرآن كما ينفع المطر الأرض الطيبة.

وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً يعني: الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا من كد وعناء، فكذلك الكافر لا يسمع الموعظة ولا ينتفع بها، ولا يتكلم بالإيمان، ولا يعمل بالطاعة إلا كرهاً لغير وجه الله.

ثم قال: كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ أي هكذا نبيّن الآيات والعلامات والأمثال لمن آمن وشكر رب هذه النعم ووحّده.

قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ يعني: بعثنا نوحاً إلى قومه بالرسالة فأتاهم، ويقال: معناه جعلنا نوحاً رسولاً إلى قومه.

فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوا الله، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي ليس لكم رب سواه.

قرأ الكسائي إله غَيْرِه بكسر الراء.

وقرأ الباقون غَيْرُهُ بالضم.

فمن قرأ بكسر الراء فلأجل مِنْ وجعله كله كلمة واحدة والغير تابعاً له.

ومن قرأ بالضم فمعناه ما لكم إله غيره ودخلت من مؤكدة.

ثم قال: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو الغرق ف قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وهم الرؤساء والأجلة والأشراف، سموا بذلك لأنهم ملِئوا بما يحتاج إليه منهم، ويقال: لأنهم ملؤوا الناظر هيبة إذا اجتمعوا في موضع.

قالوا: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطإ بَيِّنٍ.

قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وفي الآية بيان أدب الخلق في حسن الجواب والمخاطبة.

لأنه ردّ جهلهم بأحسن الجواب، وهذا كما قال الله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: 63] يعني: السداد من القول.

ثم قال: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ أي أمنعكم من الفساد وأدعوكم إلى التوحيد وأحذركم من العذاب.

وقال أهل اللغة: أنصح لكم وأنصحكم لغتان بمعنى واحد، كما يقال: شكرت لك وشكرتك ثم قال: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني: أعلم أنكم إن لم تتوبوا يأتيكم العذاب وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك، وذلك أن سائر الأنبياء عليهم السلام خوّفوا أمتهم بعذاب الأمم السابقة، كما قال شعيب لقومه: أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: 89] وأما قوم نوح فلم يكن بلغهم هلاك أمة قبلهم.

فقال لهم نوح: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من العذاب الذي ينزل بكم.

فقالت الكبراء للضعفاء لا تتبعوه فإن هذا بشر مثلكم فأجابهم نوح فقال: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ يعني: ينزل الكتاب والرسالة على رجل منكم تعرفون حسبه ونسبه لِيُنْذِرَكُمْ بالنار ولتتقوا الشرك.

قال بعضهم: «هذه الواو صلة وهو زيادة في الكلام.

ومعناه لِيُنْذِرَكُمْ لكي تتقوا.

وقال بعضهم هذه واو العطف أي: جاءكم رسول لكي ينذركم.

وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني: لكي تنجوا من العذاب.

قرأ أبو عمرو أبلغكم بجزم الباء والتخفيف.

وقرأ الباقون أُبَلّغكم بالتشديد فيكون فيه معنى المبالغة.

قوله: فَكَذَّبُوهُ أي نوحاً فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ يعني: الذين اتبعوه من المؤمنين في السفينة، والفلك اسم لواحد والجماعة- يعني: أنجينا المؤمنين من الغرق وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ عن نزول العذاب.

ويقال عَمِينَ عن الحق يعني: جعلوا أمره باطلاً.

وقد بيّن الله قصته في سورة هود.

قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم.

والخبيث هو السّبَاخُ ونحوها من رَدِيء الأرض.

والنَّكدُ العَسِيرُ القليل.

كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي هكذا نبين الأمور، ويَشْكُرُونَ معناه: يؤمنون ويثنون بآلاء الله سبحانه.

لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)

قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

قال الطبري «١» : أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل «٢» نوحاً، وكذا قال أبو حيان «٣» : «لقد» اللام جواب قسم محذوف.

انتهى.

و «غَيْرُهُ» بالرفع بَدَلٌ من قوله: مِنْ إِلهٍ لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتاً على الموضع لأن التقدير ما لكم إله غيره، والمَلأُ الجماعة من الأشراف.

قيل: إنهم مأخوذون من أنهم يملئون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ.

وقولهم: إِنَّا لَنَراكَ يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر.

وفِي ضَلالٍ أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك.

وقوله لهم جواب عن هذا:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وحِّدُوهُ؛ وكَذَلِكَ في سائِرِ القَصَصِ بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: "غَيْرُهُ" بِالخَفْضِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَ غَيْرَ صِفَةً ل "إلَهٍ" عَلى اللَّفْظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "أُبَلِّغُكُمْ" قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أُبْلِغُكُمْ" ساكِنَةَ الباءِ خَفِيفَةَ اللّامِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "أبَلَّغَكُمْ" مَفْتُوحَةَ الباءِ مُشَدَّدَةَ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْصَحُ لَكُمْ ﴾ يُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ، وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: مِن مَغْفِرَتِهِ لِمَن تابَ، وعُقُوبَتِهِ لِمَن أصَرَّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: أعْلَمُ مِن نُزُولِ العَذابِ ما لا تَعْلَمُونَهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمْ يَسْمَعُوا بِقَوْمٍ عُذِّبُوا قَبْلَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.

وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشامِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لَنَراكَ"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ و"فِي ضَلالٍ"؛ أيْ: في إتْلافٍ؛ وجَهالَةٍ بِما تَسْلُكُ.

وقَوْلُهُ لَهم - جَوابًا عن هَذا -: ﴿ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ﴾ ؛ مُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الجَفاءِ مِنهُمْ؛ وتَناوُلٌ رَفِيقٌ؛ وسَعَةُ صَدْرٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُلُقُ النُبُوَّةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنِّي رَسُولٌ ﴾ ؛ تَعَرُّضٌ لِمَن يُرِيدُ النَظَرَ؛ والبَحْثَ؛ والتَأمُّلَ في المُعْجِزَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونُقَدِّرُ - ولا بُدَّ - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُلَّ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ إلى الخَلْقِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ تَخْرِقُ العادَةَ؛ فَمِنهم مَن عَرَفْنا بِمُعْجِزَتِهِ؛ ومِنهم مَن لَمْ نَعْرِفْ.

وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى أبِي عَمْرٍو -: ﴿ "أُبَلِّغُكُمْ"؛ ﴾ بِشَدِّ اللامِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ وإنْ كانَ لَفْظًا عامًّا في كُلِّ ما عَلِمَهُ؛ فالمَقْصُودُ مِنهُ هُنا: اَلْمَعْلُوماتُ المَخُوفاتُ عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما وهم لَمْ يَسْمَعُوا قَطُّ بِأُمَّةٍ عُذِّبَتْ؛ فاللَفْظُ مُضَمَّنٌ الوَعِيدَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف انتقل به الغرض من إقامة الحجّة والمنّةِ (المبتدئة بقوله تعالى: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ [الأعراف: 10]، وتنبيه أهل الضّلالة أنّهم غارقون في كيد الشّيطان، الذي هو عدوّ نوعهم، من قوله: ﴿ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صِراطك المستقيم إلى قوله: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ [الأعراف: 16 33]، ثمّ بالتّهديد بوصف عذاب الآخرة وأحوال النّاس فيه، وما تخلّل ذلك من الأمثال والتّعريض)؛ إلى غرض الاعتبار والموعظة بما حلّ بالأمم الماضية.

فهذا الاستئناف له مزيد اتّصال بقوله في أوائل السّورة [4]: ﴿ وكم من قرية أهلكناها ﴾ الآية، وقد أفيض القول فيه في معظم السّورة وتَتْبَعُ هذا الاعتبار أغراضٌ أخرى: وهي تسلية الرّسول، وتعليم أمّته بتاريخ الأمم التي قبلها من الأمم المرسل إليهم، ليعلم المكذّبون من العرب أنّ لا غضاضة على محمّد ولا على رسالته من تكذيبهم، ولا يجعله ذلك دون غيره من الرّسل، بله أن يؤيّد زعمهم أنّه لو كان صادقاً في رسالته لأيَّده الله بعقاب مكذّيبه (لما قالوا على سبيل التّهكّم أو الحجاج: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم).

وليعلَمَ أهل الكتاب وغيرهم أنّ ما لقيه محمّد من قومه هو شنشنة أهل الشّقاوة تلقاء دعوة رسل الله.

وأكّد هذا الخبر بلام القسم وحرف التّحقيق لأنّ الغرض من هذه الأخبار تنظير أحوال الأمم المكذّبة رسلَها بحال مشركي العرب في تكذيبهم رسالة محمّد.

وكثُر في الكلام اقترانُ جملة جواب القسم: بقَدْ} لأنّ القسم يُهيئ نفس السّامع لتوقع خبر مهم فيؤتى بقَد لأنّها تدلّ على تحقيق أمر متوقّع، كما أثبته الخليل والزّمخشري، والتّوقّع قد يكون توقعاً للمخبَر به، وقد يكون توقعاً للخبر كما هنا.

وتقدّم التّعريف بنوح عند قوله تعالى ﴿ إنّ الله اصطفى آدم ونوحا ﴾ في سورة [آل عمران: 33].

وكان قوم نوح يسكنون الجزيرة والعراق، حسب ظن المؤرّخين.

وعبر عنهم القرآن بطريق القومية المضافة إلى نوح إذ لم يكن لهم اسْم خاص من أسماء الأمم يعرفون به، فالتّعريف بالإضافة هنا لأنّها أخصر طريق.

وعطف جملة فقال يا قوم } على جملة ﴿ أرسلنا ﴾ بالفاء إشعاراً بأنّ ذلك القول صدر منه بفور إرساله، فهي مضمون ما أرسل به.

وخاطب نوح قومه كلّهم لأنّ الدّعوة لا تكون إلاّ عامة لهم، وعبّر في ندائهم بوصف القوم لتذكيرهم بآصرة القرابة، ليتحقّقوا أنّه ناصح ومريد خيرهم ومشفق عليهم، وأضاف (القوم) إلى ضميره للتحبيب والتّرقيق لاستجلاب اهتدائهم.

وقوله لهم: ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ إبطال للحالة التي كانوا عليها، وهي تحتمل أن تكون حالة شرك كحالة العرب، وتحتمل أن تكون حالة وثنيّة باقتصارهم على عبادة لأصنام دون الله تعالى، كحالة الصّابئه وقدماء اليونان، وآيات القرآن صالحة للحالين، والمنقول في القصص: أنّ قوم نوح كانوا مشركين، وهو الذي يقتضيه ما في «صحيح البخاري» عن ابن عبّاس أنّ آلهة قوم نوح أسماء جماعة من صالحيهم فلمّا ماتُوا قال قومهم: لو اتَّخذنا في مجالسهم أنصاباً فاتّخَذوها وسمَّوْها بأسمائهم حتّى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت.

وظاهر ما في سورة نوح أنّهم كانوا لا يعبدون الله لقوله: ﴿ أن اعبدوا الله واتَّقُوه ﴾ [نوح: 3] وظاهر ما في سورة فُصِّلت أنّهم يعترفون بالله لقولهم: ﴿ لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة ﴾ [فصلت: 14] مع احتمال أنّه خرج مخرج التّسليم الجدلي فإن كانوا مشركين كان أمرُه إياهم بعبادة الله مقيَّداً بمدلول قوله: ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ أي أفردوه بالعبادة ولا تشركوا معه الأصنام، وإن كانوا مقتصرين على عبادة الأوثان كان قوله: ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ تعليلاً للاقبال على عبادة الله، أي هو الإله لا أوثانُكم.

وجملة: ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ على الوجه الأوّل بيان للعبادة التي أمَرَهم بها، أي أفردوه بالعبادة دون غيره، إذ ليس غيره لكم بالإله.

وعلى الوجه الثّاني يكون استئنافاً بيانياً للأمر بالإقلاع عن عبادة غيره.

وقرأ الجمهور ﴿ غيرهُ ﴾ بالرّفع على الصّفة (لإله) باعتبار محلّه لأنّه في محلّ رفع إذ هو مبتدأ وإنّما جرّ لدخول حرف الجرّ الزائد ولا يُعتد بجرّه، وقرأه الكسائي، وأبو جعفر: بجرّ ﴿ غير ﴾ على النّعت للّفظ (إلاه) نظراً لحرف الجر الزّائد.

وجملة: ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم ﴾ يجوز أن تكون في موقع التّعليل، كما في «الكشاف»: أي لمضمون قوله: ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ كأنّه قيل: اتركوا عبادة غير الله خوفاً من عذاب يوم عظيم، وبُني نظم الكلام على خوففِ المتكلّم عليهم، دلالة على إمحاضه النّصح لهم وحرصه على سلامتهم، حتّى جعل ما يُضر بهم كأنّه يُضِرّ به، فهو يخافه كما يخافون على أنفسهم، وذلك لأنّ قوله هذا كان في مبدأ خطابهم بما أرسل به، ويحتمل أنّه قاله بعد أن ظَهر منهم التّكذيب: أي إن كنتم لا تخافون عذاباً فإنّي أخافه عليكم، وهذا من رحمة الرّسل بقومهم.

وفعل الخوف يتعدّى بنفسه إلى الشّيء المخوف منه، ويتعدّى إلى مفعول ثان بحرف (على) إذا كان الخوف من ضر يلحقُ غيرَ الخائف، كما قال الأحوص: فإذا تزول تزول على مُتَخَمِّطٍ *** تُخْشَى بوادِرُهُ على الأقران ويجوز أن تكون مستأنفة ثانية بعد جملة ﴿ اعبدوا الله ﴾ لقصد الإرهاب والإنذار، ونكتة بناءِ نظم الكلام على خوف المتكلّم عليهم هي هي.

والعذاب المخوف ويومه يحتمل أنّهما في الآخرة أو في الدّنيا، والأظهر الأوّل لأنّ جوابهم بأنّه في ضلال مبين يشعر بأنّهم أحالوا الوحدانية وأحالوا البعث كما يدلّ عليه قوله في سورة [نوح: 17، 18]: ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتا ثمّ يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ﴾ فحالهم كحال مشركي العرب لأنّ عبادة الأصنام تمحّض أهلها للاقتصار على أغراض الدّنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: بَسْطُ البَدَنِ وطُولُ الجَسَدِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ أقْصَرَهم طُولًا اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.

﴿ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ﴾ مَعْناهُ نِعَمُ اللَّهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا يَقْطَعُ رَحِمًا ولا يَخُونُ إلى <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول نبي أرسل نوح» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم وابن عساكر عن يزيد الرقاشي قال: إنما سمي نوح عليه السلام نوحاً لطول ما ناح على نفسه.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: إنما سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن مقاتل وجويبر.

أن آدم حين كبر ورقَّ عظمه قال: يا رب إلى متى أكد وأسعى؟

قال: يا آدم حتى يولد لك ولد مختون.

فولد له نوح بعد عشرة أبطن، وهو يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاماً، فكان نوح بن لامك بن متوشلخ بن إدريس، وهو اخنوخ بن يرد بن مهلايبل ابن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، وكان اسم نوح السكن، وإنما سمي نوح السكن لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه فهو أبوهم، وإنما سمي نوحاً لأنه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسن عاماً يدعوهم إلى الله، فإذا كفروا بكى وناح عليهم.

وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان بين نوح وآدم عشرة آباء، وكان بين إبراهيم ونوح عشرة آباء.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق.

وأخرج ابن عساكر عن نوف الشامي قال: خمسة من الأنبياء من العرب: محمد، ونوح، وهود، وصالح، وشعيب، عليهم الصلاة والسلام.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس.

أن نوحاً بعث في الألف الثاني، وأن آدم لم يمت حتى ولد له نوح في آخر الألف الأول، وكان قد فشت فيهم المعاصي، وكثرت الجبابرة، وعتوا عتوّاً كبيراً، وكان نوح يدعوهم ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، صبوراً حليماً ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح، فكانوا يدخولن عليه فيخنقونه ويضرب في المجالس ويطرد، وكان لا يدع على ما يصنع به أن يدعوهم، ويقول: يا رب اغفر لقومي فانهم لا يعلمون، فكان لا يزيدهم ذلك إلا فراراً منه، حتى إنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ويجعل أصابعه في أذنيه لكيلا يسمع شيئاً من كلامه، فذلك قوله الله ﴿ جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ﴾ [ نوح: 7] ثم قاموا من المجلس فاسرعوا المشي، وقالوا: امضوا فإنه كذاب.

واشتد عليه البلاء، وكان ينتظر القرن بعد القرن، والجيل بعد الجيل، فلا يأتي قرن إلا وهو أخبث من الأول وأعتى من الأول، ويقول الرجل منهم: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا، فلم يزل هكذا مجنوناً، وكان الرجل منهم إذا أوصى عند الوفاة يقول لأولاده: احذروا هذا المجنون فإنه قد حدثني آبائي: إن هلاك الناس على يدي هذا.

فكانوا كذلك يتوارثون الوصية بينهم، حتى إن كان الرجل ليحمل ولده على عاتقه، ثم يقف به وعليه فيقول: يا بني ان عشت ومت أنا فاحذروا هذا الشيخ، فلما طال ذلك به وبهم ﴿ قالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ﴾ [ هود: 32] .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة.

أن نوحاً بعث من الجزيرة، وهوداً من أرض الشحر أرض مهرة، وصالحاً من الحجر، ولوطاً من سدوم، وشعيباً من مدين، ومات إبراهيم وآدم وإسحق ويوسف بأرض فلسطين، وقتل يحيى بن زكريا بدمشق.

وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كانوا يضربون نوحاً حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير قال: إن كان نوح ليضربه قومه حتى يغمى عليه، ثم يفيق فيقول: اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وقال شقيق: قال عبد الله: لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم «وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يحكي نبياً من الأنبياء وهو يقول: اللهمَّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون» .

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم من وجه آخر عن عبيد بن عمير الليثي.

نحوه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان قوم نوح يخنقونه حتى تترقى عيناه، فإذا تركوه قال: اللهمَّ اغفر لقومي فإنهم جهلة.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن مسعود قال: «كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء قد ضربه قومه وهو يمسح الدم عن جبينه ويقول: اللهمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مهاجر الرقي قال: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً في بيت من شعر، فيقال له: يا نبي الله ابن بيتا.

فيقول: أموت اليوم أموت غداً.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن وهيب بن الورد قال: بنى نوح بيتاً من قصب فقيل له: لو بنيت غير هذا؟

فقال: هذا كثير لمن يموت.

وأخرج ابن أبي الدنيا والعقيلي وابن عساكر والديلمي عن عائشة مرفوعاً: «نوح كبير الأنبياء، لم يخرج من خلاء فقط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني طعمه وأبقى في منفعته، وأخرج مني أذاه.

وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن مسعود قال: بعث الله نوحاً فما أهلك أمته إلا الزنادقة، ثم نبي فنبي والله لا يهلك هذه الأمة إلا الزنادقة» .

وأخرج أبو الشيخ عن سعد بن حسن قال: كان قوم نوح عليه السلام يزرعون في الشهر مرتين، وكانت المرأة تلد أول النهار فيتبعها ولدها في آخره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ما عذب قوم نوح، حتى ما كان في الأرض سهل ولا جبل إلا له عامر يعمره وحائز يحوزه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم.

أن أهل السهل كان قد ضاق بهم وأهل الجبل، حتى ما يقدر أهل السهل أن يرتقوا إلى الجبل ولا أهل الجبل أن ينزلوا إلى أهل السهل في زمان نوح.

قال: حسوا.

وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: كان نوح أجمل أهل زمانه، وكان يلبس البرقع، فاصابتهم مجاعة في السفينة، فكان نوح إذا تجلى بوجهه لهم شبعوا.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن ابن عباس قال: «لما حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي عسفان فقال: لقد مر بهذا الوادي هود وصالح ونوح على بكرات حمر خطمها الليف، أُزُرُهُمْ العباء وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمرو «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر صام الدهر وأفطر الدهر» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد والبزار والحاكم وابن مردويه والبيهقي والصفات عن عبد الله بن عمرو «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاصر عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء وأنهاك عن الشرك الأكبر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمكم ما علم نوح ابنه؟

قالو: بلى، قال: آمرك أن تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فإن السموات لو كانت في كفة لرجحت بها، ولو كانت حلقة قصمتها، وآمرك بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [قرئ: ﴿ غَيْرُهُ ﴾ (١) (٢) ﴿ إِلَهٍ ﴾ ، ألا ترى أن الإله لو نزعت منه (مِن) (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ ما ﴾ ؛ لأنك إذا جعلت (غير) من صفة الإله، لم يكن للنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف كقولك: (زيد العاقل)، وتسكت حتى تذكر خبره، ويكون التقدير: ما لكم من إله غيره في الوجود، ونحو ذلك لا بد من هذا الإضمار (٧) وقال أبو علي: (وجه من قرأ بالرفع قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ  ﴾ ، فكما أن قوله: ﴿ إِلَّا اللَّهُ ﴾ بدل من قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ ﴾ ، كذلك قوله: ﴿ غَيْرُ اللهِ ﴾ (٨) ﴿ مِنْ إِلَهٍ ﴾ و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد إلا).

وعلى ما ذكره أبو علي (غير) يكون رفعًا بالاستثناء، ولا يحتاج إلى إضمار الخبر، قال: (وهذا الذي ذكرنا أولى أن يُحمل عليه من أن يجعل غير صفةً لإله على الموضع (٩) (١) في (ب): (قرئ غير).

(٢) قرأ الكسائي ﴿ غيرِه ﴾ بكسر الراء، وقرأ الباقون برفعها.

انظر: "السبعة" ص 284، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 420، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 270.

(٣) لفظ: (من) ساقط من (ب).

(٤) "معاني الفراء" 1/ 382.

(٥) "معاني الزجاج" 2/ 348.

(٦) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 621، و"المشكل" 1/ 295، و"البيان" 1/ 367 ، و"التبيان" ص 380، و"الفريد" 2/ 320.

(٧) هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 40، وقال السمين في "الدر" 5/ 354: (في الخبر وجهان: أظهرهما أنه ﴿ لَكُمْ ﴾ ، الثاني: أنه محذوف أي: ما لكم من إله في الوجود أو في العالم غير الله و ﴿ لَكُمْ ﴾ على هذا تخصيص وتبيين) اهـ.

(٨) كذا في "النسخ"، و"الحجة" لأبي علي (4/ 40) والأولى: كذلك قوله: ﴿ غَيْرُهُ ﴾ وجاء في سورهِ الأعراف الآية (3) قوله تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ ؛ قرأ حمزة والكسائي ﴿ غَيْرِ ﴾ خفضًا، وقرأ الباقون رفعًا.

انظر: "السبعة" ص 284.

(٩) "الحجة" لأبي علي 4/ 40، وقال: (لأن كون (إلا) استثناء أعرف وأكثر من كونها صفة، وإنما جعلت صفة على التشبيه بغير) اهـ.

وانظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 285، و"معاني القراءات" 1/ 410، و"إعراب القراءات" 1/ 189، و"الحجة" لابن خالويه ص 157، ولابن زنجلة ص 286، و"الكشف" 1/ 467.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِّنْ إله غَيْرُهُ ﴾ قرأ الكسائي غيره بالخفض حيث وقع على اللفظ، وقرأ غيره بالرفع على الموضع ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يعني يوم القيامة أو يوم هلاكهم ﴿ الملأ ﴾ أشراف الناس ﴿ لَيْسَ بِي ضلالة ﴾ إنما قال ضلالة ولم يقل ضلال، لأن الضلالة أخص من الضلال، كما إذا قيل لك عندك تمر، فتقول ما عندي تمرة فتعم بالنفي ﴿ أُبَلِّغُكُمْ ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد، وهو في وضع رفع صفة لرسول أو استئناف ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي من صفاته ورحمته وعذابه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إله غيره ﴾ بالجر على الوصف حيث كان: يزيد وعلي الباقون بالرفع حملاً على محل ﴿ من إله ﴾ ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ أبلغكم ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو عمرو.

والباقون: بالتشديد.

عباس: بالاختلاس ﴿ بصطة ﴾ بالصاد: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل وعاصم وعلي وسهل وشجاع وابن الأخزم عن ابن ذكوان الحلواني عن قالون مخيراً.

الوقوف: ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ عمين ﴾ ه ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ لينذركم ﴾ ط لتناهى الاستفهام ﴿ بسطة ﴾ ج تنبيهاً على الإنعام العام بعد ذكر إنعام خاص مع اتفاق الجملتين ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ آباؤنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ وغضب ﴾ ط ﴿ من سلطان ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى أمر التهديد ﴿ المنتظرين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل قاهرة وبينات باهرة شرع في قصص الأنبياء وفي ذلك فوائد منها، التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول الدلائل عادة معتادة فيكون فيه تسلية لرسول الله  .

ومنها بيان سوء عاقبة المستكبرين وحسن عقبى المطيعين وفي ذلك تقوية قلوب المحقين وكسر قلوب المبطلين.

ومنها التنبيه على أن الله  لا يهمل المبطلين وإن كان يمهلهم.

ومنها العظة والاعتبار ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ ومنها الدلالة على نبوّة محمد  من حيث إنه إخبار بالغيب لأنه أمي لم يقرأ الكتب فيكون قد عرف ذلك بالوحي لا محالة.

فمن القصص أولاها قصة آدم وقد مرت في أوّل السورة.

الثانية قصة نوح وهو نوح بن لمك بن مثوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ اسم إدريس.

قيل: كان اسمه يشكر فسمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه فأهلكوا فندم، أو حين راجع ربه في شأن ابنه، أو حين مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك.

قال الله له: أعبتني إذ خلقته أم عبت الكلب؟

وهذه الوجوه متكلفة فإن الإعلام لا تفيد صفة في المسمى.

والصحيح أنه اسم أعجمي.

قال ابن عباس: معنى أرسلنا بعثنا.

وقال آخرون: معناه أنه  حمله رسالة يؤدّيها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث فيكون البعث كالتابع لا أنه أصل.

قال في التفسير الكبير: وهذا البحث مبني على مسألة أصولية هي أن الرسول أرسل إلى قوم ليعرّفهم أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أو الغرض من بعثته مجرد تأكيد ما في العقول.

وهذا الاختلاف بتفاريع المعتزلة أليق، أمرهم نوح بعبادة الله ثم حكم بأنه لا إله إلا الله ثم حذرهم عذاب يوم عظيم هو القيامة أو الطوفان، ولم يذكر دليلاً على هذه الدعاوى الثلاث لأن قول النبي  بعد ظهور المعجزة حجة، أو لعله قد ذكر الحجج وما حكاها الله تعالى لأنه قد علم من القرآن ذم التقليد في مواضع كثيرة فيعلم أن نبي الله لا يأمر قومه بالتقليد المحض، وأيضاً قد مر دلائل التوحيد والنبوّة وصحة القرآن من أول سورة البقرة إلى ههنا غير مرة، فوقع التعويل على ذلك هذا مع أن الحكم الثاني كالعلة للأوّل لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً منه، ونهاية الإنعام توجب غاية التعظيم ومن هنا قال بعض العلماء: لا يحسن منا عبادة الله تعالى قبل العلم بأنه واحد لأنا إذا جوّزنا التعدد لم يتعين المنعم فتقع العبادة ضائعة، والإله معناه المستحق للعبادة وإلا فهو في الأزل غير معبود.

ومعنى الخوف في الآية قال بعضهم: الجزم واليقين فإنه كان جازماً بنزول العذاب بهم عاجلاً وآجلاً.

وقال آخرون: الشك لأنه كان يجوّز إيمانهم ومع هذا التجويز كيف يجزم بالعذاب، أو لعل السمع لم يرد بعد فلهذا كان متوقفاً، أو لعله وصف العذاب بالعظم ولكنه جر على الجوار.

ثم إنه تردد في وصف العذاب بالعظم لا في نفس العذاب.

وقيل: المراد من الخوف التحذير.

وجملة قوله: ﴿ إني أخاف ﴾ بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون الأصنام ﴿ فقال الملأ من قومه ﴾ أي الأشراف وصدور المجالس الذين هم بعض قومه في جواب نوح ﴿ إنا لنراك في ضلال ﴾ في ذهاب عن طريق الحق.

والصواب مبين بين والرؤية رؤية القلب بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والبديهة.

نسبوه إلى الضلال فيما ادعاه من التكليف والتوحيد والنبوّة والمعاد ﴿ قال يا قوم ليس بي ضلالة ﴾ لم يقل ضلال ليكون أبلغ في عموم السلب كأنه قال: ليس بي نوع من أنواع الضلال، ثم لما نفى عن نفسه العيب الذي نسب إليه وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها فاستدرك قائلا: ﴿ ولكني رسول من رب العالمين ﴾ وهذا الاستدراك يسمى في علم البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وفي ذلك بيان فرط جهالتهم وعتوّهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال الظاهر الذي لا ضلال بعده، وفيه أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز.

ثم ذكر ما هو المقصود من البعثة وهو أمران: الأول تبليغ الرسالة، والثاني تقرير النصيحة فقال ﴿ أبلغكم ﴾ الآية.

والجملة استئناف بيان لكونه رسولاً من رب العالمين، أو صفة لرسول.

وإنما جاز أن تكون صفة ولفظ الرسول غائب نظراً إلى المعنى كقوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره ﴿ رسالات ربي ﴾ ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو ما أوحي إليّ في المعاني المختلفة في الأوامر والنواهي.

وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا.

ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة ﴿ وأنصح لكم ﴾ قال الفراء: العرب لا تكاد تقول نصحتك وإن كان جائزاً ولكن تقول نصحت لك.

قال في الكشاف: وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة.

وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر.

ومعنى الآية: وأبلغكم تكاليف الله ثم أرشدكم إلى الأصلح الأصوب وأدعوكم إلى ما دعاني الله  وأحب لكم ما أحب لنفسي ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ أي أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان، وذلك أنهم لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم أو أعلم أن الله يعاقبكم في الآخرة عقاباً، أو أعلم من توحيد الله من صفات جلاله ما لا تعلمون، ويكون المقصود حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.

﴿ أو عجبتم ﴾ الهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف والتقدير: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم.

قال الحسن: يعني الوحي الذي جاءهم به.

وقال آخرون: الذكر المعجز كتاباً أو غير كتاب.

وقيل: هو الموعظة ﴿ على رجل ﴾ أي على لسانه قاله ابن قتيبة ونظيره ﴿ آتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ وقال الفراء "على" معنى "مع" تقول: جاءنا الخبر على وجهك ومع وجهك كلاهما جائز.

وقيل: أي منزل على رجل.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ من بني نوعكم كأنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه لاعتقادهم أن المقصود من الإرسال التكليف، وأن التكليف لا منفعة فيه للمعبود لتعاليه ولا للعابد لتضرره في الحال، وأما في المآل فالله  قادر على تحصيلة بدون واسطة التكليف.

وأيضاً إن العقل كافٍ في معرفة الحسن والقبيح، وما لا يعلم حسنه ولا قبحه فإن كان المكلف مضطراً إليه فعل لأنه  لا يكلف ما لا يطاق، وإن لم يكن مضطراً إليه ترك حذراً عن الخطر وبتقدير أنه لا بد من الرسول فإن إرسال الملائكة أولى لشدة بطشهم ووفور عصمتهم وطهارتهم واستغنائهم عن الأكل والشرب والنكاح، وبتقدير جواز كون النبي من البشر فلعلهم اعتقدوا أن من كان فقيراً خاملاً لا يصلح للنبوّة فأنكر نوح  كل هذه الأشياء لأنه  خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عباده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء المنافي للتكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول ملكاً لأن الجنس إلى الجنس أسكن وقد مر في أوّل "الأنعام".

ثم بين ما لأجله يبعث الرسول فقال ﴿ لينذركم ﴾ الآية.

وإنه ترتيب أنيق لأن المقصود من البعثة الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن التقوى الفوز برحمة الله.

قال الجبائي والكعبي: في الآية دلالة على أنه  لم يرد من المبعوث إليهم إلا التقوى والفوز بالجنة دون الكفر والعذاب، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً ﴿ فكذبوه ﴾ في ادعاء النبوّة وتبليغ التكاليف وأصروا قال بعض العلماء: ما في حق العقلاء من التكذيب فبغير الباء نحو كذبوا رسلي وكذبوه، وما في حق غيرهم فبالباء نحو كذبوا بآياتنا.

والتحقيق أن المراد كذبوا رسلنا برد آياتنا ﴿ فأنجيناه والذين ﴾ استقروا ﴿ معه في الفلك ﴾ وأنجيناهم في السفينة من الطوفان.

قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة.

وقيل: كانوا تسعة وهم بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به.

وإنما قال في سورة يونس ﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك  ﴾ لأن التشديد للتكثير ولفظة من أدل على العموم ولهذا يقع على الواحد والتثنية والجمع والذكر والمؤنث بخلاف الذين ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوّة والمعاد.

وقال أهل اللغة: يقال رجل عمٍ في البصيرة وأعمى في البصر.

فالعمى يدل على عمّى ثابت والعامي على عمّى حادث.

القصة الثالثة قصة هود وذلك قوله  ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ والتقدير لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً.

واتفقوا على أن هوداً ما كان أخاهم في الدين.

ثم قال الزجاج: معناه أنه كان من آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة والجن.

وقيل: أراد واحداً منهم قاله الكلبي، وهو من قولك يا أخا العرب لواحد منهم، وقيل: خص واحداً منهم بالإرسال إليهم ليكونوا أعرف بحاله في صدقه وأمانته.

وقيل: معناه صاحبهم.

والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم قال  "إن أخاكم أذن وإنما يقيم من أذن" يريد صاحبهم.

ونسبه هود بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ﴿ وهوداً ﴾ عطف بيان لأخاهم.

وأما عاد فهم كانوا باليمين بالأحقاف.

قال ابن إسحق: والأحقاف الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت.

واعلم أن ألفاظ هذه القصة بعضها يوافق الألفاظ المذكورة في قصة نوح وبعضها يخالفها فلنبين أسرارها فمنها قوله هناك ﴿ فقال يا قوم اعبدوا الله ﴾ وههنا ﴿ قال يا قوم ﴾ والفرق أن نوحاً  كان مواظباً على دعوتهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هود فما كان جدّه إلى هذا الحد فلا جرم جاء بالتعقيب في قصة نوح دون قصة هود.

ويمكن أن يقال: لما أضمر ﴿ أرسلنا ﴾ أضمر الفاء لأن الداعي إلى الفاء ﴿ أرسلنا ﴾ وفي الكشاف أن هذا وارد على سبيل الاستئناف.

ومنها قوله: ﴿ ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ وفي قصة هود ﴿ ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ﴾ لأن واقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح فوقع الاقتصار على ذلك أي لعلكم تحذرون مثل ذلك العذاب العظيم الذي اشتهر خبره في الدنيا.

ومنها ﴿ قال الملأ من قومه ﴾ وفي قصة هود ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ إما أن هذا وصف وارد للذم لا غير، وإما أنه لم يكن في أشراف قوم نوح من يؤمن وكان في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فأريد التفرقة بالوصف.

ومنها أن قوم نوح ﴿ قالوا إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ وقوم هود ﴿ قالوا إنا لنراك في سفاهة ﴾ أي متمكناً منها تمكن المظروف من الظرف.

وذلك أن نوحاً كان يخوّفهم بالطوفان العام وكان يشتغل بإعداد السفينة مدّة طويلة فوصفوه بضعف الرأي والبعد عن السداد.

وأما هو فما ذكر شيئاً إلا أنه زيف معتقدهم في عبادة الأصنام وطعن فيها فقابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة وخفة العقل حيث فارق دين قومه.

ثم قالوا ﴿ وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ في ادعاء الرسالة.

قيل: الظن بمعنى الجزم واليقين كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  ﴾ قال الحسن والزجاج: كانوا شاكين فيعلم أن الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر.

ومنها قول نوح ﴿ وأنصح لكم ﴾ وقال هود ﴿ وأنا لكم ناصح ﴾ وذلك لأنه كان من عادة نوح  العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، وصيغة الفعل دلت على التجدد المستمر ولهذا ﴿ قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً  ﴾ إلى آخر الآيات.

وأما هود فكان ثابتاً على النصح غير مجدد إياه لحظة فلحظة كما كان يفعل نوح.

ثم إن نوحاً  قال ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ لأنه كان يعلم من أسرار الله  ما لم يصل إليه هود فلا جرم أمسك هود لسانه واقتصر على وصف نفسه بكونه أميناً ثقة أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فليس من حقي أن آتي بالكذب والغش.

أو المراد تقرير الرسالة فإنها تدور على الأمانة أي أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه.

وفي هذين الجوابين عن مثل ذينك الشخصين مع جلالة قدرهما دليل على أن الحكيم يجب أن لا يقابل السفهاء إلا بالكلام المبني على الحلم والإغضاء.

ومنها أن هوداً اقتصر على قوله ﴿ لينذركم ﴾ لما مر في قصة نوح أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة فلم يكن حاجة إلى الإعادة ولكنه ضم إلى ذلك شيئاً آخر يختص بهم فقال ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً قد استخلفكم فيها بعدهم وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأملاكهم وما يتصل بها من المنافع، "وإذا" مفعول به لا ظرف أي اذكروا وقت جعلكم خلفاء ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ فالخلق التقدير وقلما يطلق إلا على الشيء الذي له مقدار وحجمية.

والمراد حصول الزيادة في أجسامهم زيادة خارقة للعادة وإلا لم تذكر في معرض الامتنان.

قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً.

وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يد الإنسان إذا رفعها كانوا يفضلون على أهل زمانهم بهذا القدر.

ومنهم من حمل اللفظ على الزيادة في القوة، ومنهم من قال: الخلق الخليقة وبسطتهم فيهم كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدّة والجلادة متناصرين متوادّين ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ في استخلافكم وبسطة أجرامكم وفيما سواهما من عطاياه وآلاء الله نعمه واحدها إلى ونحوه أني وآناء كعنب وأعناب.

قال الجوهري: واحدها إني بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء.

استدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرية بالآية قالوا: إنه  رتب حصول الفلاح على مجرد التذكر.

وأجيب بأن الآيات بالدالة على وجوب العمل مخصصة أو مقيدة والتقدير: فاذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلكم تفلحون.

ذكرهم نبيهم نعم الله عليهم ليرجعوا إلى عقولهم فيعلموا أن العبادة نهاية التعظيم ولا تلق إلا بمن صدر عنه نهاية الإنعام وليس للأصنام على الخلق شيء من النعم لأنها جماد والجماد لا قدرة له أصلا فلم يكن للقوم جواب عن هذه الحجة إلا التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم ﴿ أجئتنا لنعبد الله وحده ﴾ الهمزة لإنكار اختصاص الله وحده بالعبادة.

وفي المجيء أوجه منها: أن يكون لهود معتزل يتحنث فيه أي يتعبد كما كان يفعل رسول الله  بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم.

ومنها الاستهزاء اعتقاداً منهم أن الله لا يرسل إلا ملكاً فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك؟

ومنها أن يراد به القصد كما يقال: ذهب يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب كأنهم قالوا: أتعرضت لنا بتكليف عبادة الله وحده أي منفرداً عن الأصنام وهو من المعارف التي وقعت حالاً بتأويل.

ولا يمكن أن يكون وحده ههنا اعترافاً كما يقول الموحد لا إله إلا الله وقال الله وحده لأن الفرض أنهم مشركون.

ثم إن قول هود فيما قبل ﴿ أفلا تتقون ﴾ كان مشعراً بالتهديد والوعيد فلهذا استعجلوا العذاب زعماً منهم أنه كاذب وذلك قولهم ﴿ فأتنا بما تعدنا ﴾ فأجابهم هود بقوله ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ ولا بد أن يحملا على معنييين متغايرين لمكان العطف.

أما الغضب في حقه  فإرادة إيقاع السوء كما سبق مراراً، وأما الرجس فقيل: العذاب.

اعترض عليه بلزوم التكرار.

وقيل: العقائد المذمومة والصفات القبيحة.

وذلك أن الرجس ضد التطهير كما قال  في صفة أهل البيت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً  ﴾ وقال القفال: الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كما قال ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وهذا التفسير أخص.

أما قوله ﴿ قد وقع ﴾ ولم يقع العذاب بعد ففيه وجوه: قال بعض من يقول بأن إرادة الله  حادثة: معناه أنه  أحدث إرادة في ذلك الوقت.

وقيل: أراد هود أنه أخبر بنزول العذاب.

وقيل: جعل المتوقع الذي لا شك فيه بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب منك حاجة قد كان ذلك.

تريد أنها ستكون ألبتة.

وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء أباه يبكي فقال له: يا بني ما لك؟

فقال: لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة فضمه إلى صدره وقال: يا بني قد قلت الشعر.

ثم أنكر عليهم قبيح فعالهم فقال ﴿ أتجادلونني في أسماء ﴾ تناظرونني في شأن آلهة أشياء ما هي إلا أسماء ﴿ سميتموها ﴾ أحدثتموها ﴿ أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ﴾ أي لا حجة على حقيقتها فتنزل.

والحاصل أنها أسماء بلا مسميات لأنكم تسمونها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم محال.

سموا واحداً بالعزي مشتقاً من العز وما أعطاه الله  عزاً أصلاً.

وسموا آخر منها باللات من الإلهية وماله من الإلهية أثر.

وإنما قال في هذه السورة نزل وفي غيرها مما سيجيء ﴿ أنزل ﴾ لأن "نزل" للتكثير فيكون للمبالغة ويجري ما بعده مجرى التفصيل للجملة، أو أنواع للجنس والله أعلم.

ثم إنه ذكرهم وعيداً محدوداً فقال ﴿ فانتظروا ﴾ سوء عاقبة هذه الأصنام ﴿ إني معكم من المنتظرين ﴾ عاقبة السوء أو عاقبة الحسنى وذلك قوله ﴿ فأنجيناه والذين معه برحمة ﴾ بسبب رحمة كانوا يستحقونها ﴿ منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي استأصلناهم ودمرناهم عن آخرهم وقد مر مثله في الأنعام.

وفائدة نفي الإيمان عنهم في قوله ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ مع إثبات التكذيب بآيات ربهم أن يكون تعريضاً بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد وغيره كأنه قيل: ولقد قطعنا دابر الذين كذبوا ولم يكونوا مثل من آمن منهم، أو معنى ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ في علم الله  أي لم يكونوا من المكذبين الذي لو بقوا لآمنوا.

قال في الكشاف: وإن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها.

صداء وصمود والهباء فبعث الله هوداً نبياً وكان من أوسطهم وأشرفهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عتواً وتجبراً، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا.

وإن الناس كانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج من ذلك عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان كانتا لمعاوية إحداهما وردة والأخرى جرادة ولما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا لأجله أهمه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وما يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا أنه ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل قولاً نغينهم به لا يدرون من قاله فقال معاوية: ألا ياقيل ويحك قم فهينم *** لعل الله يسقينا غماماً ويسقي أوض عاد إن عاداً *** قد آمسوا ما يبينون الكلاما الهينمة إخفاء الكلام في الدعاء وغيره، ومعنى يسقينا يجعله ساقياً لنا.

وقوله ما يبينون الكلام أي لا يكادون يفقهون قولاً من ضعفهم وسوء حالهم.

فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم.

فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا يسقون بدعائكم ولكم إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم وأظهر إسلامه.

فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثداً لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء ياقيل اختر لنفسك ولقومك.

فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا.

فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فتعبدوا الله فيها حتى ماتوا.

التأويل: لقد أرسلنا نوح الروح إلى قومه ببلاد القوالب وهم القلب وصفاته والنفس وصفاتها، ومن صفة الروح العبودية والطاعة دعوة القلب والنفس وصفاتها إلى الله وعبوديته، ومن صفات النفس تكذيب الروح ومخالفته والإباء عن نصحه والتعجب ﴿ فكذبوا ﴾ يعني النفس وصفاتها نوح والروح ﴿ فأنجيناه والذين معه ﴾ في الفلك الشريعة ﴿ وأغرقنا ﴾ النفس وصفاتها في البحر الدنيا وشهواتها ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ عن رؤية الله والوصول إليه ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ كما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني ﴿ قد رفع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ أي مقالتكم تدل على حالتكم أنه أصابكم سطوات العذاب.

فمن أمارات الإعراض رد العبد إلى شهود الأغيار وتغريقه إياه في بحار الظنون والأوهام والجدال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ كما أرسلناك إلى قومك ولست أنت بأول رسول؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

وفيه دلالة أن الإيمان يصح بالأنبياء والرسل، وإن لم تعرف أنسابهم؛ لأن الله - عز وجل - ذكر الأنبياء والرسل بأساميهم، ولم يذكر أنسابهم، دل ذلك أن الإيمان يكون بهم [إيماناً] وإن لم تعرف أنسابهم؛ وكذلك يصح الإيمان وإن لم تعرف أسماؤهم؛ لأن من الأنبياء من لا يعرف اسمه، فيصح الإيمان بجملة الأنبياء، وإن لم تعرف أسماؤهم، وفي ذلك دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر عن رسالة نوح، فدل أنه بالله عرف ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ .، أي: وحدوا الله، سموا التوحيد عبادة لأن العبادة، لا تكون ولا تصح إلا بالتوحيد فيها لله خالصاً سمي بذلك مجازاً [إذ يجوز] أن يكون عبادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

أي: ما لكم من الإله الحق الذي ثبتت ألوهيته وربوبيته بالدلائل [والبراهين] من إله غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ ، أي: إني أعلم أن ينزل عليكم عذاب يوم عظيم إن متم على هذا.

أو قال بعضهم: الخوف هو الخوف، وهو خوف إشفاق، وذلك يحتمل أن يكون في الوقت الذي كان يطمع في إيمان قومه، ثم آيسه الله عن إيمان قومه بقوله: ﴿ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

هو يوم عظيم للخلق؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ .

﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وهو عظيم للخلق على ما وصف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ﴾ .

هم أشراف قومه وسادتهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا...

 ﴾ الآية، وكانوا هم أضداد الأنبياء والرسل؛ لأنهم كانوا يدعون الناس إلى ما يوحي إليهم الشياطين، والرسل كانوا يدعون إلى ما يوحي إليهم الله، وينزل عليهم؛ لذلك قالوا: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ؛ لأنهم ظنوا أن ما أوحى إليهم الشيطان هو الحق، وأن ما يدعو إليه الرسل هو ضلال وباطل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ ﴾ .

أي: لست أنا بضال؛ لأنه إذا نفى الضلال عنه، نفى أن يكون ضالاً، وهو حرف رفق ولين، وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل أن يعاملوا قومهم؛ لأن ذلك أنجع في القلوب، وإلى القبول أقرب.

﴿ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ ، والعالم هو جوهر الكل.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: لفي خطأٍ مبين، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: نسبوه إلى الخطأ؛ لما رأوه خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم القتل لمن خالفهم.

والثاني: نسبوه إلى الخطأ؛ لأنه [ترك] دين آبائه وأجداده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ﴾ .

رسالته التي أمرني بتبليغها إليكم، قبلتم أو رددتم؛ [أُوعدتم أوْ وعدتم] لأني أبلغها على أي حال استقبلتموني، أو يقول: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ﴾ رسالته التي أرسلها إليّ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ : أي: أدعوكم وآمركم إلى ما فيه صلاحكم، وأنهاكم عما فيه فسادكم، والنصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد، وتكون النصيحة لهم، ولجميع المؤمنين.

روي عن رسول الله  ، قال: "ألا إن الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟

قال: لله ولرسوله [ولجميع المؤمنين]" قال الشيخ أبو الفدا الحكيم - رحمة الله عليه -: النصيحة: هي النهاية من صدق العناية، ثم أخبر أنه يبلغهم رسالات به، ولم يبين فيم ذا؟!

في كتاب أنزله عليه، أو بوحي في غير كتاب يوحى إليه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى التصديق له فيما يبلغ إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قد أتاه من الله العلم بأشياء ما لم يأت أولئك مثله، وهو كقول إبراهيم -  - لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ  ﴾ ، ويحتمل قوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ من العذاب أنه ينزل بكم ﴿ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنتم إذا دمتم على ما أنتم عليه.

وقوله: ﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أي: تعجبون بما جاءكم ذكر من الله على يدي رجل منكم ما لا أقدر أنا ولا تقدرون أنتم على مثله، كانوا يعجبون وينكرون أن يكون رسل الله من البشر بقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\]، ﴿ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ \[المؤمنون: 24\]، ونحو ذلك كانوا ينكرون رسالة البشر وما ينبغي لهم أن ينكروا ذلك؛ لأنهم قد كانوا رأوا تفضيل بعض البشر على بعض، وفي وضع الرسالة فيهم - أعني في الرسل - تفضيلهم، وذلك قد رأوا فيما بينهم، ولله تفضيل بعضهم على بعض؛ إذ له الخلق والأمر، [ولكل] ذي ملك وسلطان أن يصنع في ملكه ما شاء من تفضيل بعض على بعض وغيره.

أو يقول: ﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : على يدي رجل منكم، ولو كان جاء الذكر على من هو من غير جوهركم، كان في ذلك لبس واشتباه عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُنذِرَكُمْ ﴾ عذاب الله: ولتتقوا معاصيه ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ : إن اتقيتم ما نهاكم [عنه]، أو كان في قومه من يجوز أن يرحم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ .

يعني نوحاً [فيما] دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، ونهاهم عن عبادة غير الله، أو كذبوه فيما آتاهم من آيات نبوته ورسالته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ .

يعني نوحاً [فيما] دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، ونهاهم عن عبادة غير الله، أو كذبوه فيما آتاهم من آيات نبوته ورسالته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ ﴾ .

يعني نوحاً، والذين آمنوا في الفلك.

﴿ وَأَغْرَقْنَا ﴾ .

الذين كذبوا بآياتنا، إذا كان إهلاك القوم إهلاك تعذيب وعقوبة، ينجي أولياءه ويبقيهم إلى الآجال التي قدر لهم، ويكون ذلك نجاة لهم من ذلك العذاب الذي حل بالأعداء.

وقوله - عز وجل - ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ ﴾ : [أي: بآياتنا] التي جعلناها لإثبات رسالته ونبوته، ويحتمل: كذبوا بآياتنا التي أعطيناه لوحدانية الله وألوهيته.

﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ ﴾ .

عموا عن الحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد بعثنا نوحًا رسولًا إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله، وترك عبادة غيره، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود بحق غيره، إني أخاف عليكم -يا قوم- عذابَ يوم عطيم في حال إصراركم على الكفر.

<div class="verse-tafsir" id="91.VL0WV"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد