الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٦٠ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قال الملأ من قومه ) أي : الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم : ( إنا لنراك في ضلال مبين ) أي : في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا .
وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة ، كما قال تعالى : ( وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ) [ المطففين : 32 ] ، ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) [ الأحقاف : 11 ] إلى غير ذلك من الآيات .
القول في تأويل قوله : قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه، عن جواب مشركي قوم نوح لنوح، وهم " الملأ " = و " الملأ "، الجماعة من الرجال، لا امرأة فيهم (10) = أنهم قالوا له حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له: " إنا لنراك " ، يا نوح =" في ضلال مبين " ، (11) يعنون في أمر زائل عن الحق، مبين زوالهُ عن قصد الحقّ لمن تأمله.
(12) ------------------ الهوامش : (10) انظر تفسير"الملأ" فيما سلف 5: 291 ، وقد فسره هناك بما فسرته كتب اللغة ، أنهم وجوه القوم ورؤساؤهم وأشرافهم.
وأما التفسير الذي هنا ، فلم يرد فيها ، وهو شيء ينبغي أن يقيد.
وهذا نص الفراء في معاني القرآن 1: 383.
(11) انظر تفسير"الضلال" و"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) و (بين).
(12) في المطبوعة: "عن قصد الحد" ، وهو لا معنى له ، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة ، وهذا صواب قراءتها.
وانظر تفسير الآية التالية.
قوله تعالى قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبينالملأ أشراف القوم ورؤساؤهم .
وقد تقدم في " البقرة "
فلما قال لهم هذه المقالة ردوا عليه أقبح رد.{ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ } أي: الرؤساء الأغنياء المتبوعون الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق، وعدم انقيادهم للرسل، { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } فلم يكفهم - قبحهم اللّه - أنهم لم ينقادوا له، بل استكبروا عن الانقياد له، وقدحوا فيه أعظم قدح، ونسبوه إلى الضلال، ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ضلالا مبينا واضحا لكل أحد.وهذا من أعظم أنواع المكابرة، التي لا تروج على أضعف الناس عقلا وإنما هذا الوصف منطبق على قوم نوح، الذين جاءوا إلى أصنام قد صوروها ونحتوها بأيديهم، من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عنهم شيئا، فنزلوها منزلة فاطر السماوات، وصرفوا لها ما أمكنهم من أنواع القربات، فلولا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة الله عليهم لحكم عليهم بأن المجانين أهدى منهم، بل هم أهدى منهم وأعقل.
( قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال ) خطأ وزوال عن الحق ، ( مبين ) بين .
«قال الملأ» الأشراف «من قومه إنا لنراك في ضلالٍ مبين» بيَّن.
قال له سادتهم وكبراؤهم: إنا لنعتقد -يا نوح- أنك في ضلال بيِّن عن طريق الصواب.
بهذا الأسلوب المقنع المهذب دعا نوح قومه إلى وحدانية الله .
فكيف كان ردهم عليه؟
لقد ردوا عليه ردا سقيما حكاه القرآن فى قوله : ( قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .الملأ : الأشراف والسادة من القوم .
سموا بذلك لأنهم يملأون العيون مهابة .
وقيل : هم الرجال ليس فيهم نساء .
والملأ : اسم جمع لا واحد له من لفظه : كرهط .والجملة الكريمة مستأنفة ، كأنه قيل فماذا قالوا له؟
فقيل : قال الملأ .
.
.
إلخ والرؤية هنا قلبية ومفعولاها الضمير والظرف ، وقيل : بصرية فيكون الظرف فى موضع الحال .
أى : قال الأشراف من قوم نوح له عندما دعاهم إلى وحدانية الله : إنا لنراك بأمرك لنا بعبادة الله وحده وترك آلهتنا فى انحراف بين عن طريق الحق والرشاد .يقال : ضل الطريق يضل وضل عنه ضلالا وضلالة ، أى زل عنه فلم يهتدوا إليه ، وجعلوا الضلال ظرفا له ( فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) مبالغة فى وصفهم له وزادوا فى المبالغة بأن أكدوا ذلك بالجملة المصدرة بإن ولام التأكيد .ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية .
وهكذا حال الفجار ، إنما يرون الأبرار فى ضلالة ، كقوله - تعالى - : ( وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ ) ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ) إلى غير ذلك من الآيات .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة، وبينات قاهرة، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام، وفيه فوائد: أحدها: التنبيه على أن إعراض الناس عن قَبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم محمد عليه الصلاة والسلام بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت.
فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم على الجهل والعناد يفيد تسلية الرسول عليه السلام وتخفيف ذلك على قلبه.
وثانيها: أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى الكفر واللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة في الدنيا والسعادة في الآخرة، وذلك يقوي قلوب المحقين ويكسر قلوب المبطلين.
وثالثها: التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ولكنه لا يهملهم بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه.
ورابعها: بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه عليه السلام كان أمياً وما طالع كتاباً ولا تلمذ أستاذاً، فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله، وذلك يدل على صحة نبوته.
ولقائل أن يقول: الأخبار عن الغيوب الماضية لا يدل على المعجز، لاحتمال أن يقال إن إبليس شاهد هذه الوقائع فألقاها إليه، أما الأخبار عن الغيوب المستقبلة فإنه معجز لأن علم الغيب ليس إلا لله سبحانه وتعالى.
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام، وقد سبق ذكرها.
والقصة الثانية: قصة نوح عليه السلام وهي المذكورة في هذه الآية وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ ﴾ جواب قسم محذوف.
فإن قالوا: ما السبب في أنهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد، وذكر هذه اللام بدون قد نادر كقوله: حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا *** قلنا: إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم.
المسألة الثانية: قرأ الكسائي ﴿ غَيْرُهُ ﴾ بكسر الراء على أنه نعت للإله على اللفظ والباقون بالرفع على أنه صفة للإله على الموضع لأن تقدير الكلام ما لكم إله غيره، وقال أبو علي: وجه من قرأ بالرفع قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله ﴾ فكما أن قوله: ﴿ إِلاَّ الله ﴾ بدل من قوله: ﴿ مَّا مِن إِلَهٍ ﴾ كذلك قوله: ﴿ غَيْرُهُ ﴾ يكون بدلاً من قوله: ﴿ مِنْ إِلَهٍ ﴾ فيكون (غَيْرِ) رفعاً بالاستثناء، وقال صاحب الكشاف: قرئ (غَيْرِ) الحركات الثلاث، وذكر وجه الرفع والجر كما تقدم، قال وأما النصب فعلى الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا زيداً وغير زيد.
المسألة الثالثة: قال الواحديُّ: في الكلام حذف، وهو خبر ﴿ مَا ﴾ لأنك إذا جعلت ﴿ غَيْرُهُ ﴾ صفة لقوله: ﴿ إِلَهٍ ﴾ لم يبق لهذا المنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف، لأنك إذا قلت زيد العاقل وسكت، لم يفد ما لم تذكر خبره.
ويكون التقدير ما لكم من إله غيره في الوجود، أقول: اتفق النحويون على أن قولنا لا إله إلا الله لابد فيه من إضمار، والتقدير: لا إله في الوجود أو لا إله لنا إلا الله ولم يذكروا على هذا الكلام حجة، فإنا نقول لم لا يجوز أن يقال دخل حرف النفي على هذه الحقيقة؟
وعلى هذه الماهية، فيكون المعنى أنه لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حق الله، وإذا حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الإضمار الذي ذكروه.
فإن قالوا: صرف النفي إلى الماهية لا يمكن لأن الحقائق لا يمكن نفيها، فلا يمكن أن يقال لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهية، وإنما الممكن أن يقال إن تلك الحقائق غير موجودة ولا حاصلة، وحينئذ يجب إضمار الخبر.
فنقول: هذا الكلام بناء على أن الماهية لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها، وذلك باطل قطعاً.
إذ لو كان الأمر كذلك لوجب امتناع ارتفاع الوجود لأن الوجود أيضاً حقيقة من الحقائق وماهية فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات؟
فإن قالوا: إذا قلنا لا رجل، وعنينا به نفي كونه موجوداً، فهذا النفي لم ينصرف إلى ماهية الوجود، وإنما انصرف إلى كون ماهية الرجل موصوفة بالوجود.
فنقول: تلك الموصوفية يستحيل أن تكون أمراً زائداً على الماهية وعلى الوجود، إذ لو كانت الموصوفية ماهية، والوجود ماهية أخرى، لكانت تلك الماهية موصوفة أيضاً بالوجود، والكلام فيه كما فيما قبله، فيلزم التسلسل، ويلزم أن لا يكون الموجود الواحد موجوداً واحداً، بل موجودات غير متناهية وهو محال.
ثم نقول موصوفية الماهية بالوجود إما أن يكون أمراً مغايراً للماهية والوجود، وإما أن لا يكون كذلك.
فإن لم يكن أمراً مغايراً لها فحينئذ يكون لذلك المغاير ماهية ووجود، وماهيته لا تقبل الارتفاع، وحينئذ يعود السؤال المذكور.
فثبت بما ذكرنا أن الماهية أن لم تقبل النفي والرفع، امتنع صرف حرف النفي إلى شيء من المفهومات، فإن كانت الماهية قابلة للنفي والرفع، فحينئذ يمكن صرف كلمة لا في قولنا لا إله إلا الله إلى هذه الحقيقة، وحينئذ لا يحتاج إلى التزام الحذف والإضمار الذي يذكره النحويون، فهذا كلام عقلي صرف، وقع في هذا البحث الذي ذكره النحويون.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا ﴾ فيه قولان: قال ابن عباس: بعثنا.
وقال آخرون: معنى الإرسال أنه تعالى حمله رسالة يؤديها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث، فيكون البعث كالتابع لا أنه الأصل، وهذا البحث بناء على مسألة أصولية، وهي أنه هل من شرط إرسال الرسول إلى قوم، أن يعرفهم على لسانه أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أوليس ذلك بشرط؟
بل يكون الغرض من بعثة الرسل مجرد تأكيد ما في العقول، وهذا الخلاف إنما يليق بتفاريع المعتزلة، ولا يليق بتفاريع مذاهبنا وأصولنا.
المسألة الخامسة: في الآية فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى حكى عن نوح في هذه الآية ثلاثة أشياء: أحدها: أنه عليه السلام أمرهم بعبادة الله تعالى.
والثاني: أنه حكم أن لا إله غيرُ الله، والمقصود من الكلام الأول إثبات التكليف، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد.
ثم قال عقيبه: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ولا شكَّ أن المراد منه إما عذاب يوم القيامة، وعلى هذا التقدير: فهو قد خوفهم بيوم القيامة، وهذا هو الدعوى الثالثة، أو عذاب يوم الطوفان، وعلى هذا التقدير: فقد ادعى الوحي والنبوة من عند الله، والحاصل أنه تعالى حكى عنه أنه ذكر هذه الدعاوى الثلاثة، ولم يذكر على صحة واحد منها دليلاً ولا حجة، فإن كان قد أمرهم بالإنذار بها على سبيل التقليد، فهذا باطل، لما أن القول بالتقليد باطل.
وأيضاً فالله تعالى قد ملأ القرآن من ذم التقليد، فكيف يليق بالرسول المعصوم الدعوة إلى التقليد؟
وإن كان قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدليل، فهذا الدليل غير مذكور.
واعلم أنه تعالى ذكر في أول سورة البقرة دلائل التوحيد والنبوة، وصحة المعاد، وذلك تنبيه منه تعالى على أن أحداً من الأنبياء لا يدعو أحداً إلى هذه الأصول إلا بذكر الحجة والدليل.
أقصى ما في الباب أنه تعالى ما حكى عن نوح تلك الدلائل في هذا المقام إلا أن تلك الدلائل لما كانت معلومة لم يكن إلى ذكرها حاجة في هذا المقام، فترك الله تعالى ذكر الدلائل لهذا السبب.
الفائدة الثانية: أنه عليه السلام ذكر أولاً قوله: ﴿ اعبدوا الله ﴾ وثانياً قوله: ﴿ مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ ﴾ والثاني كالعلة للأول، لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً من الله، ونهاية الإنعام توجب نهاية التعظيم، فإنما وجبت عبادة الله لأجل العلم بأنه لا إله إلا الله، ويتفرع على هذا البحث مسألة وهي: أنا قبل العلم بأن لا إله واحد أو أكثر من واحد لا نعلم أن المنعم علينا بوجوه النعم الحاصلة عندنا هو هذا أم ذاك؟
وإذا جهلنا ذلك فقد جهلنا من كان هو المنعم في حقنا.
وحينئذ لا يحسن عبادته، فعلى هذا القول كان العلم بالتوحيد شرطاً للعلم بحسن العبادة.
الفائدة الثالثة: في هذه الآية أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه الإله هو الذي يستحق العبادة لأن قوله: ﴿ اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ ﴾ إثبات ونفي، فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام، فكان المعنى أعبدوا الله ما لكم من معبود غيره، حتى يتطابق النفي والإثبات، ثم ثبت بالدليل أن الإله ليس هو المعبود وإلا لوجب كون الأصنام آلهة، وأن لا يكون الإله إلهاً في الأزل لأجل أنه في الأزل غير معبود، فوجب حمل لفظ الإله على أنه المستحق للعبادة.
واعلم أنهم اختلفوا في معنى قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ هل هو اليقين، أو الخوف بمعنى الظن والشك.
قال قوم: المراد منه الجزم واليقين، لأنه كان جازماً بأن العذاب ينزل بهم إما في الدنيا وإما في الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين.
وقال آخرون: بل المراد منه الشك وتقريره من وجوه: الأول: إنه إنما قال: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ لأنه جوز أن يؤمنوا كما جوز أن يستمروا على كفرهم، ومع هذا التجويز لا يكون قاطعاً بنزول العذاب، فوجب أن يذكره بلفظ الخوف.
والثاني: أن حصول العقاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا بالسمع ولعل الله تعالى ما بين له كيفية هذه المسألة فلا جرم بقي متوقفاً مجوزاً أنه تعالى هل يعاقبهم على ذلك الكفر أم لا؟
والثالث: يحتمل أن يكون المراد من الخوف الحذر كما قال في الملائكة: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ ﴾ أي يحذرون المعاصي خوفاً من العقاب.
الرابع: إنه بتقدير أن يكون قاطعاً بنزول أصل العذاب لكنه ما كان عارفاً بمقدار ذلك العذاب، وهو أنه عظيم جداً أو متوسط، فكان هذا الشك راجعاً إلى وصف العقاب، وهو كونه عظيماً أم لا، لا في أصل حصوله.
ثم إنه تعالى حكى ما ذكره في قومه، فقال: ﴿ قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وقال المفسرون: ﴿ الملأ ﴾ الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء، والدليل عليه أن قوله: ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ يقتضي أن ذلك الملأ بعض قومه، وذلك البعض لابد وأن يكونوا موصوفين بصفة لأجلها استحقوا هذا الوصف، وذلك بأن يكونوا هم الذين يملؤن صدور المجالس، وتمتلئ القلوب من هيبتهم، وتمتلئ الأبصار من رؤيتهم، وتتوجه العيون في المحافل إليهم، وهذه الصفات لا تحصل إلا في الرؤساء، وذلك يدل على أن المراد من الملأ الرؤساء والأكابر.
وقوله: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ ﴾ هذه الرؤية لابد وأن تكون بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والرؤية.
وقوله: ﴿ فِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ أي في خطأ ظاهر وضلال بين، ولا بد وأن يكون مرادهم نسبة نوح إلى الضلال في المسائل الأربع التي بينا أن نوحاً عليه السلام ذكرها، وهي التكليف والتوحيد والنبوة والمعاد، ولما ذكروا هذا الكلام.
أجاب نوح عليه السلام بقوله: ﴿ ياقوم لَيْسَ بِى ضلالة ﴾ .
فإن قالوا: إن القوم قالوا: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ .
فجوابه أن يقال: ليس بي ضلال، فلم ترك هذا الكلام، وقال: ليس بي ضلالة؟
قلت: لأن قوله: ﴿ لَيْسَ بِى ضلالة ﴾ أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة، فكان هذا أبلغ في عموم السلب، ثم إنه عليه السلام لما نفى عن نفسه العيب الذي وصفوه به، ووصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها، وهو كونه رسولاً إلى الخلق من رب العالمين.
ذكر ما هو المقصود من الرسالة، وهو أمران: الأول: تبليغ الرسالة.
والثاني: تقرير النصيحة.
فقال: ﴿ أُبَلِغُكُمْ رسالات رَبّى وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو ﴿ أُبَلّغُكُمْ ﴾ بالتخفيف، من أبلغ، والباقون بالتشديد.
قال الواحدي: وكلا الوجهين جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ﴾ والتشديد ﴿ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .
المسألة الثانية: الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة معناه: أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه، وأما النصيحة: فهو أنه يرغبه في الطاعة، ويحذره عن المعصية، ويسعى في تقرير ذلك الترغيب والترهيب لأبلغ وجوه، وقوله: ﴿ رسالات رَبّى ﴾ يدل على أنه تعالى حمله أنواعاً كثيرة من الرسالة.
وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا، وقوله: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ قال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نصحتك، إنما تقول: نصحت لك، ويجوز أيضاً نصحتك.
قال النابغة: نصحت بني عوف فلم يتقبلوا *** رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي وحقيقة النصح الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى: أني أبلغ إليكم تكاليف الله، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح، وأدعوكم إلى ما دعاني، وأحب إليكم ما أحبه لنفسي.
ثم قال: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: واعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان.
الثاني: واعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقاباً شديداً خارجاً عما تتصوره عقولكم.
الثالث: يجوز أن يكون المراد: واعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام: حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الملأ ﴾ الأشراف والسادة: وقيل: الرجال ليس معهم النساء ﴿ فِى ضلال ﴾ في ذهاب عن طريق الصواب والحق.
ومعنى الرؤية: رؤية القلب.
فإن قلت: لم قال: ﴿ لَيْسَ بِى ضلالة ﴾ ولم يقل ضلال كما قالوا؟
قلت: الضلالة أخصّ من الضلال، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال: ليس بي شيء من الضلال، كما لو قيل لك: ألك تمر، فقلت: ما لي تمرة فإن قلت: كيف وقع قوله: ﴿ وَلَكِنّي رَسُولٌ ﴾ استدراكاً للانتفاء عن الضلالة؟
قلت: كونه رسولاً من الله مبلغاً رسالاته ناصحاً، في معنى كونه على الصراط المستقيم، فصحّ لذلك أن يكون استدراكاً للانتفاء عن الضلالة.
وقرئ: ﴿ أبلغكم ﴾ بالتخفيف.
فإن قلت: كيف موقع قوله: ﴿ أُبَلّغُكُمْ ﴾ ؟
قلت: فيه وجهان.
أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً بياناً لكونه رسول رب العالمين.
والثاني: أن يكون صفة لرسول.
فإن قلت: كيف جاز أن يكون صفة والرسول لفظه لفظ الغائب؟
قلت: جاز ذلك لأن الرسول وقع خبراً عن ضمير المخاطب وكان معناه، كما قال: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنيِ أُمِّي حَيْدَرَهْ ﴿ رسالات رَبّى ﴾ ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر.
ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جدّه إدريس، وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ يقال نصحته ونصحت له.
وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصوداً بها جانبه لا غير، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعاً ولا نصحية أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله عليهم السلام ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي من صفات الله وأحواله، يعني قدرته الباهرة وشدّة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين.
وقيل: لم يسمعوا بقوم حلّ بهم العذاب قبلهم فكانوا آمنين لا يعلمون ما علمه نوح بوحي الله إليه، أو أراد: وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها قد أوحى إليّ بها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولا تَكادُ تُطْلَقُ هَذِهِ اللّامُ إلّا مَعَ قَدْ لِأنَّها مَظِنَّةُ التَّوَقُّعِ، فَإنَّ المُخاطَبَ إذا سَمِعَها تَوَقَّعَ وُقُوعَ ما صَدَرَ بِها.
ونُوحُ بْنُ لَمَّكَ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ إدْرِيسَ أوَّلُ نَبِيٍّ بَعْدَهُ، بُعِثَ وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً أوْ أرْبَعِينَ.
﴿ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ « غَيْرِهِ» بِالكَسْرِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا عَلى اللَّفْظِ حَيْثُ وقَعَ إذا كانَ قَبْلَ إلَهٍ مِنَ الَّتِي تَخْفِضُ.
وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وهو وعِيدٌ وبَيانٌ لِلدّاعِي إلى عِبادَتِهِ.
واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ نُزُولِ الطُّوفانِ.
﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ ﴾ أيِ الأشْرافُ فَإنَّهم يَمْلُؤُونَ العُيُونَ رَواءً.
﴿ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ ﴾ زَوالٍ عَنِ الحَقِّ.
﴿ مُبِينٍ ﴾ بَيِّنٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)
{قال الملأ} أي الأشراف والسادة {من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} أى ذهاب عن طريق الصواب بين والرؤية رؤية القلب
﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُصْحِهِ لِقَوْمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ ما قِيلَ لَهم ذَلِكَ فَقِيلَ: قالَ ..
إلَخْ.
والمَلَأُ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ الجَماعَةُ مِنَ الرِّجالِ خاصَّةً وفَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِالأشْرافِ الَّذِينَ يَمْلَؤُونَ القُلُوبَ بِجَلالِهِمْ والأبْصارَ بِجِمالِهِمْ والمَجالِسَ بِأتْباعِهِمْ وقِيلَ: سُمُّوا مَلَأً لِأنَّهم مَلِيُّونَ قادِرُونَ عَلى ما يُرادُ مِنهم مِن كِفايَةِ الأُمُورِ ﴿ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ ﴾ أيْ ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ ومَفْعُولاها الضَّمِيرُ والظَّرْفُ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ فَيَكُونُ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿ مُبِينٍ ﴾ (60) أيْ بَيِّنٍ كَوْنُهُ ضَلالًا ( قالَ ) اسْتِئْنافٌ عَلى طُرُزِ سابِقِهِ: <div class="verse-tafsir"
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ يعني: المكان العذب الزّكي اللين من الأرض اللينة يخرج نباته إذا أمطرت فينتفع به، كذلك المؤمن يسمع الموعظة فتدخل في قلبه فينتفع بها وينفعه القرآن كما ينفع المطر الأرض الطيبة.
وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً يعني: الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا من كد وعناء، فكذلك الكافر لا يسمع الموعظة ولا ينتفع بها، ولا يتكلم بالإيمان، ولا يعمل بالطاعة إلا كرهاً لغير وجه الله.
ثم قال: كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ أي هكذا نبيّن الآيات والعلامات والأمثال لمن آمن وشكر رب هذه النعم ووحّده.
قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ يعني: بعثنا نوحاً إلى قومه بالرسالة فأتاهم، ويقال: معناه جعلنا نوحاً رسولاً إلى قومه.
فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوا الله، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي ليس لكم رب سواه.
قرأ الكسائي إله غَيْرِه بكسر الراء.
وقرأ الباقون غَيْرُهُ بالضم.
فمن قرأ بكسر الراء فلأجل مِنْ وجعله كله كلمة واحدة والغير تابعاً له.
ومن قرأ بالضم فمعناه ما لكم إله غيره ودخلت من مؤكدة.
ثم قال: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو الغرق ف قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وهم الرؤساء والأجلة والأشراف، سموا بذلك لأنهم ملِئوا بما يحتاج إليه منهم، ويقال: لأنهم ملؤوا الناظر هيبة إذا اجتمعوا في موضع.
قالوا: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطإ بَيِّنٍ.
قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وفي الآية بيان أدب الخلق في حسن الجواب والمخاطبة.
لأنه ردّ جهلهم بأحسن الجواب، وهذا كما قال الله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: 63] يعني: السداد من القول.
ثم قال: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ أي أمنعكم من الفساد وأدعوكم إلى التوحيد وأحذركم من العذاب.
وقال أهل اللغة: أنصح لكم وأنصحكم لغتان بمعنى واحد، كما يقال: شكرت لك وشكرتك ثم قال: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني: أعلم أنكم إن لم تتوبوا يأتيكم العذاب وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك، وذلك أن سائر الأنبياء عليهم السلام خوّفوا أمتهم بعذاب الأمم السابقة، كما قال شعيب لقومه: أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: 89] وأما قوم نوح فلم يكن بلغهم هلاك أمة قبلهم.
فقال لهم نوح: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من العذاب الذي ينزل بكم.
فقالت الكبراء للضعفاء لا تتبعوه فإن هذا بشر مثلكم فأجابهم نوح فقال: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ يعني: ينزل الكتاب والرسالة على رجل منكم تعرفون حسبه ونسبه لِيُنْذِرَكُمْ بالنار ولتتقوا الشرك.
قال بعضهم: «هذه الواو صلة وهو زيادة في الكلام.
ومعناه لِيُنْذِرَكُمْ لكي تتقوا.
وقال بعضهم هذه واو العطف أي: جاءكم رسول لكي ينذركم.
وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني: لكي تنجوا من العذاب.
قرأ أبو عمرو أبلغكم بجزم الباء والتخفيف.
وقرأ الباقون أُبَلّغكم بالتشديد فيكون فيه معنى المبالغة.
قوله: فَكَذَّبُوهُ أي نوحاً فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ يعني: الذين اتبعوه من المؤمنين في السفينة، والفلك اسم لواحد والجماعة- يعني: أنجينا المؤمنين من الغرق وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ عن نزول العذاب.
ويقال عَمِينَ عن الحق يعني: جعلوا أمره باطلاً.
وقد بيّن الله قصته في سورة هود.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم.
والخبيث هو السّبَاخُ ونحوها من رَدِيء الأرض.
والنَّكدُ العَسِيرُ القليل.
كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي هكذا نبين الأمور، ويَشْكُرُونَ معناه: يؤمنون ويثنون بآلاء الله سبحانه.
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
قال الطبري «١» : أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل «٢» نوحاً، وكذا قال أبو حيان «٣» : «لقد» اللام جواب قسم محذوف.
انتهى.
و «غَيْرُهُ» بالرفع بَدَلٌ من قوله: مِنْ إِلهٍ لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتاً على الموضع لأن التقدير ما لكم إله غيره، والمَلأُ الجماعة من الأشراف.
قيل: إنهم مأخوذون من أنهم يملئون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ.
وقولهم: إِنَّا لَنَراكَ يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر.
وفِي ضَلالٍ أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك.
وقوله لهم جواب عن هذا:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وحِّدُوهُ؛ وكَذَلِكَ في سائِرِ القَصَصِ بَعْدَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: "غَيْرُهُ" بِالخَفْضِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَ غَيْرَ صِفَةً ل "إلَهٍ" عَلى اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "أُبَلِّغُكُمْ" قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أُبْلِغُكُمْ" ساكِنَةَ الباءِ خَفِيفَةَ اللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ: "أبَلَّغَكُمْ" مَفْتُوحَةَ الباءِ مُشَدَّدَةَ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْصَحُ لَكُمْ ﴾ يُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ، وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: مِن مَغْفِرَتِهِ لِمَن تابَ، وعُقُوبَتِهِ لِمَن أصَرَّ.
وقالَ مُقاتِلٌ: أعْلَمُ مِن نُزُولِ العَذابِ ما لا تَعْلَمُونَهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمْ يَسْمَعُوا بِقَوْمٍ عُذِّبُوا قَبْلَهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.
وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشامِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لَنَراكَ"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ و"فِي ضَلالٍ"؛ أيْ: في إتْلافٍ؛ وجَهالَةٍ بِما تَسْلُكُ.
وقَوْلُهُ لَهم - جَوابًا عن هَذا -: ﴿ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ﴾ ؛ مُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الجَفاءِ مِنهُمْ؛ وتَناوُلٌ رَفِيقٌ؛ وسَعَةُ صَدْرٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُلُقُ النُبُوَّةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنِّي رَسُولٌ ﴾ ؛ تَعَرُّضٌ لِمَن يُرِيدُ النَظَرَ؛ والبَحْثَ؛ والتَأمُّلَ في المُعْجِزَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونُقَدِّرُ - ولا بُدَّ - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُلَّ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ إلى الخَلْقِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ تَخْرِقُ العادَةَ؛ فَمِنهم مَن عَرَفْنا بِمُعْجِزَتِهِ؛ ومِنهم مَن لَمْ نَعْرِفْ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى أبِي عَمْرٍو -: ﴿ "أُبَلِّغُكُمْ"؛ ﴾ بِشَدِّ اللامِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ وإنْ كانَ لَفْظًا عامًّا في كُلِّ ما عَلِمَهُ؛ فالمَقْصُودُ مِنهُ هُنا: اَلْمَعْلُوماتُ المَخُوفاتُ عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما وهم لَمْ يَسْمَعُوا قَطُّ بِأُمَّةٍ عُذِّبَتْ؛ فاللَفْظُ مُضَمَّنٌ الوَعِيدَ.
<div class="verse-tafsir"
فُصلت جملة ﴿ قال ﴾ على طريقة الفصل في المحاورات، واقترن جوابهم بحرف التّأكيد للدّلالة على أنّهم حقّقوا وأكّدوا اعتقادهم أنّ نوحاً منغمس في الضّلالة.
﴿ الملأ ﴾ مهموز بغير مدّ: الجماعةُ الذين أمْرُهم واحد ورأيهم واحد لأنّهم يُمالئ بعضهم بعضاً، أي يعاونه ويوافقه، ويطلق الملأ على أشراف القوم وقَادتهم لأنّ شأنهم أن يكون رأيهم واحداً عن تشاور، وهذا المعنى هو المناسب في هذه الآية بقرينة (مِن) الدّالة على التّبعيض أي أنّ قادة القوم هم الذين تَصدّوا لمجادلة نوح والمناضلةِ عن دينهم بمسمع من القوم الذين خاطبَ جميعَهم، والرّؤية قلبيّة بمعنى العلم، أي أنّا لنوقن أنّك في ضلال مبين ولم يوصف الملأ هنا بالذين كفروا، أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصّة هود بالذين كفروا استغناء بدلالة المقام على أنّهم كذّبوا وكفروا.
وظرفية ﴿ في ضلال ﴾ مجازية تعبيراً عن تمكّن وصف الضّلال منه حتّى كأنّه محيط به من جوانبه إحاطة الظرف بالمظروف.
«والضّلال» اسم مصدر ضَلّ إذا أخطأ الطّريق الموصّل، «والمبين» اسم فاعل من أبان المرادففِ بَان، وذلك هو الضّلال البالغ الغاية في البعد عن طريق الحقّ، وهذه شبهة منهم فإنّهم توهّموا أنّ الحقّ هو ما هم عليه، فلا عجب إذا جعلوا ما بَعُد عنه بعدا عظيماً ضلالاً بيّناً لأنّه خالفهم، وجاء بما يعُدّونه من المحال، إذْ نفَى الإلهيةَ عن آلهتهم، فهذه مخالفة، وأثبتها لله وحده، فإن كانوا وثنيين فهذه مخالفة أخرى، وتوعدهم بعذاب على ذلك وهذه مخالفة أيضاً، وإن كان العذاب الذي توعدهم به عذاب الآخرة فقد أخبرهم بأمر محال عندهم وهو البعث، فهي مخالفة أخرى، فضلاله عندهم مبينٌ، وقد يتفاوت ظهوره، وادّعى أنّ الله أرسله وهذا في زعمهم تعمد كذب وسفاهةُ عقل وادعاءُ محال كما حكي عنهم في قوله تعالى: ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنّا لنراك في سفاهة وإنّا لنظنّك من الكاذبين ﴾ [الأعراف: 66] وقوله هنا ﴿ أَوَ عجبتم أن جاءكم ذكر من ربّكم ﴾ [الأعراف: 63] الآية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: بَسْطُ البَدَنِ وطُولُ الجَسَدِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ أقْصَرَهم طُولًا اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
﴿ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ﴾ مَعْناهُ نِعَمُ اللَّهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا يَقْطَعُ رَحِمًا ولا يَخُونُ إلى <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ قال الملأ ﴾ يعني الاشراف من قومه.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ أَوَ عجبتم أَن جاءكم ذكر ربكم ﴾ قال: بيان من ربكم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحَّاك عن ابن عباس ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال: كفاراً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال: عن الحق.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِّنْ إله غَيْرُهُ ﴾ قرأ الكسائي غيره بالخفض حيث وقع على اللفظ، وقرأ غيره بالرفع على الموضع ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يعني يوم القيامة أو يوم هلاكهم ﴿ الملأ ﴾ أشراف الناس ﴿ لَيْسَ بِي ضلالة ﴾ إنما قال ضلالة ولم يقل ضلال، لأن الضلالة أخص من الضلال، كما إذا قيل لك عندك تمر، فتقول ما عندي تمرة فتعم بالنفي ﴿ أُبَلِّغُكُمْ ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد، وهو في وضع رفع صفة لرسول أو استئناف ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي من صفاته ورحمته وعذابه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إله غيره ﴾ بالجر على الوصف حيث كان: يزيد وعلي الباقون بالرفع حملاً على محل ﴿ من إله ﴾ ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ أبلغكم ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو عمرو.
والباقون: بالتشديد.
عباس: بالاختلاس ﴿ بصطة ﴾ بالصاد: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل وعاصم وعلي وسهل وشجاع وابن الأخزم عن ابن ذكوان الحلواني عن قالون مخيراً.
الوقوف: ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ عمين ﴾ ه ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ لينذركم ﴾ ط لتناهى الاستفهام ﴿ بسطة ﴾ ج تنبيهاً على الإنعام العام بعد ذكر إنعام خاص مع اتفاق الجملتين ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ آباؤنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ وغضب ﴾ ط ﴿ من سلطان ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى أمر التهديد ﴿ المنتظرين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل قاهرة وبينات باهرة شرع في قصص الأنبياء وفي ذلك فوائد منها، التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول الدلائل عادة معتادة فيكون فيه تسلية لرسول الله .
ومنها بيان سوء عاقبة المستكبرين وحسن عقبى المطيعين وفي ذلك تقوية قلوب المحقين وكسر قلوب المبطلين.
ومنها التنبيه على أن الله لا يهمل المبطلين وإن كان يمهلهم.
ومنها العظة والاعتبار ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ ومنها الدلالة على نبوّة محمد من حيث إنه إخبار بالغيب لأنه أمي لم يقرأ الكتب فيكون قد عرف ذلك بالوحي لا محالة.
فمن القصص أولاها قصة آدم وقد مرت في أوّل السورة.
الثانية قصة نوح وهو نوح بن لمك بن مثوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ اسم إدريس.
قيل: كان اسمه يشكر فسمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه فأهلكوا فندم، أو حين راجع ربه في شأن ابنه، أو حين مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك.
قال الله له: أعبتني إذ خلقته أم عبت الكلب؟
وهذه الوجوه متكلفة فإن الإعلام لا تفيد صفة في المسمى.
والصحيح أنه اسم أعجمي.
قال ابن عباس: معنى أرسلنا بعثنا.
وقال آخرون: معناه أنه حمله رسالة يؤدّيها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث فيكون البعث كالتابع لا أنه أصل.
قال في التفسير الكبير: وهذا البحث مبني على مسألة أصولية هي أن الرسول أرسل إلى قوم ليعرّفهم أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أو الغرض من بعثته مجرد تأكيد ما في العقول.
وهذا الاختلاف بتفاريع المعتزلة أليق، أمرهم نوح بعبادة الله ثم حكم بأنه لا إله إلا الله ثم حذرهم عذاب يوم عظيم هو القيامة أو الطوفان، ولم يذكر دليلاً على هذه الدعاوى الثلاث لأن قول النبي بعد ظهور المعجزة حجة، أو لعله قد ذكر الحجج وما حكاها الله تعالى لأنه قد علم من القرآن ذم التقليد في مواضع كثيرة فيعلم أن نبي الله لا يأمر قومه بالتقليد المحض، وأيضاً قد مر دلائل التوحيد والنبوّة وصحة القرآن من أول سورة البقرة إلى ههنا غير مرة، فوقع التعويل على ذلك هذا مع أن الحكم الثاني كالعلة للأوّل لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً منه، ونهاية الإنعام توجب غاية التعظيم ومن هنا قال بعض العلماء: لا يحسن منا عبادة الله تعالى قبل العلم بأنه واحد لأنا إذا جوّزنا التعدد لم يتعين المنعم فتقع العبادة ضائعة، والإله معناه المستحق للعبادة وإلا فهو في الأزل غير معبود.
ومعنى الخوف في الآية قال بعضهم: الجزم واليقين فإنه كان جازماً بنزول العذاب بهم عاجلاً وآجلاً.
وقال آخرون: الشك لأنه كان يجوّز إيمانهم ومع هذا التجويز كيف يجزم بالعذاب، أو لعل السمع لم يرد بعد فلهذا كان متوقفاً، أو لعله وصف العذاب بالعظم ولكنه جر على الجوار.
ثم إنه تردد في وصف العذاب بالعظم لا في نفس العذاب.
وقيل: المراد من الخوف التحذير.
وجملة قوله: ﴿ إني أخاف ﴾ بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون الأصنام ﴿ فقال الملأ من قومه ﴾ أي الأشراف وصدور المجالس الذين هم بعض قومه في جواب نوح ﴿ إنا لنراك في ضلال ﴾ في ذهاب عن طريق الحق.
والصواب مبين بين والرؤية رؤية القلب بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والبديهة.
نسبوه إلى الضلال فيما ادعاه من التكليف والتوحيد والنبوّة والمعاد ﴿ قال يا قوم ليس بي ضلالة ﴾ لم يقل ضلال ليكون أبلغ في عموم السلب كأنه قال: ليس بي نوع من أنواع الضلال، ثم لما نفى عن نفسه العيب الذي نسب إليه وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها فاستدرك قائلا: ﴿ ولكني رسول من رب العالمين ﴾ وهذا الاستدراك يسمى في علم البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم.
وفي ذلك بيان فرط جهالتهم وعتوّهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال الظاهر الذي لا ضلال بعده، وفيه أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز.
ثم ذكر ما هو المقصود من البعثة وهو أمران: الأول تبليغ الرسالة، والثاني تقرير النصيحة فقال ﴿ أبلغكم ﴾ الآية.
والجملة استئناف بيان لكونه رسولاً من رب العالمين، أو صفة لرسول.
وإنما جاز أن تكون صفة ولفظ الرسول غائب نظراً إلى المعنى كقوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره ﴿ رسالات ربي ﴾ ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو ما أوحي إليّ في المعاني المختلفة في الأوامر والنواهي.
وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا.
ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة ﴿ وأنصح لكم ﴾ قال الفراء: العرب لا تكاد تقول نصحتك وإن كان جائزاً ولكن تقول نصحت لك.
قال في الكشاف: وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة.
وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر.
ومعنى الآية: وأبلغكم تكاليف الله ثم أرشدكم إلى الأصلح الأصوب وأدعوكم إلى ما دعاني الله وأحب لكم ما أحب لنفسي ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ أي أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان، وذلك أنهم لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم أو أعلم أن الله يعاقبكم في الآخرة عقاباً، أو أعلم من توحيد الله من صفات جلاله ما لا تعلمون، ويكون المقصود حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.
﴿ أو عجبتم ﴾ الهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف والتقدير: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم.
قال الحسن: يعني الوحي الذي جاءهم به.
وقال آخرون: الذكر المعجز كتاباً أو غير كتاب.
وقيل: هو الموعظة ﴿ على رجل ﴾ أي على لسانه قاله ابن قتيبة ونظيره ﴿ آتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ وقال الفراء "على" معنى "مع" تقول: جاءنا الخبر على وجهك ومع وجهك كلاهما جائز.
وقيل: أي منزل على رجل.
ومعنى ﴿ منكم ﴾ من بني نوعكم كأنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه لاعتقادهم أن المقصود من الإرسال التكليف، وأن التكليف لا منفعة فيه للمعبود لتعاليه ولا للعابد لتضرره في الحال، وأما في المآل فالله قادر على تحصيلة بدون واسطة التكليف.
وأيضاً إن العقل كافٍ في معرفة الحسن والقبيح، وما لا يعلم حسنه ولا قبحه فإن كان المكلف مضطراً إليه فعل لأنه لا يكلف ما لا يطاق، وإن لم يكن مضطراً إليه ترك حذراً عن الخطر وبتقدير أنه لا بد من الرسول فإن إرسال الملائكة أولى لشدة بطشهم ووفور عصمتهم وطهارتهم واستغنائهم عن الأكل والشرب والنكاح، وبتقدير جواز كون النبي من البشر فلعلهم اعتقدوا أن من كان فقيراً خاملاً لا يصلح للنبوّة فأنكر نوح كل هذه الأشياء لأنه خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عباده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء المنافي للتكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول ملكاً لأن الجنس إلى الجنس أسكن وقد مر في أوّل "الأنعام".
ثم بين ما لأجله يبعث الرسول فقال ﴿ لينذركم ﴾ الآية.
وإنه ترتيب أنيق لأن المقصود من البعثة الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن التقوى الفوز برحمة الله.
قال الجبائي والكعبي: في الآية دلالة على أنه لم يرد من المبعوث إليهم إلا التقوى والفوز بالجنة دون الكفر والعذاب، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً ﴿ فكذبوه ﴾ في ادعاء النبوّة وتبليغ التكاليف وأصروا قال بعض العلماء: ما في حق العقلاء من التكذيب فبغير الباء نحو كذبوا رسلي وكذبوه، وما في حق غيرهم فبالباء نحو كذبوا بآياتنا.
والتحقيق أن المراد كذبوا رسلنا برد آياتنا ﴿ فأنجيناه والذين ﴾ استقروا ﴿ معه في الفلك ﴾ وأنجيناهم في السفينة من الطوفان.
قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة.
وقيل: كانوا تسعة وهم بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به.
وإنما قال في سورة يونس ﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ لأن التشديد للتكثير ولفظة من أدل على العموم ولهذا يقع على الواحد والتثنية والجمع والذكر والمؤنث بخلاف الذين ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوّة والمعاد.
وقال أهل اللغة: يقال رجل عمٍ في البصيرة وأعمى في البصر.
فالعمى يدل على عمّى ثابت والعامي على عمّى حادث.
القصة الثالثة قصة هود وذلك قوله ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ والتقدير لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً.
واتفقوا على أن هوداً ما كان أخاهم في الدين.
ثم قال الزجاج: معناه أنه كان من آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة والجن.
وقيل: أراد واحداً منهم قاله الكلبي، وهو من قولك يا أخا العرب لواحد منهم، وقيل: خص واحداً منهم بالإرسال إليهم ليكونوا أعرف بحاله في صدقه وأمانته.
وقيل: معناه صاحبهم.
والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم قال "إن أخاكم أذن وإنما يقيم من أذن" يريد صاحبهم.
ونسبه هود بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ﴿ وهوداً ﴾ عطف بيان لأخاهم.
وأما عاد فهم كانوا باليمين بالأحقاف.
قال ابن إسحق: والأحقاف الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت.
واعلم أن ألفاظ هذه القصة بعضها يوافق الألفاظ المذكورة في قصة نوح وبعضها يخالفها فلنبين أسرارها فمنها قوله هناك ﴿ فقال يا قوم اعبدوا الله ﴾ وههنا ﴿ قال يا قوم ﴾ والفرق أن نوحاً كان مواظباً على دعوتهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هود فما كان جدّه إلى هذا الحد فلا جرم جاء بالتعقيب في قصة نوح دون قصة هود.
ويمكن أن يقال: لما أضمر ﴿ أرسلنا ﴾ أضمر الفاء لأن الداعي إلى الفاء ﴿ أرسلنا ﴾ وفي الكشاف أن هذا وارد على سبيل الاستئناف.
ومنها قوله: ﴿ ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ وفي قصة هود ﴿ ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ﴾ لأن واقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح فوقع الاقتصار على ذلك أي لعلكم تحذرون مثل ذلك العذاب العظيم الذي اشتهر خبره في الدنيا.
ومنها ﴿ قال الملأ من قومه ﴾ وفي قصة هود ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ إما أن هذا وصف وارد للذم لا غير، وإما أنه لم يكن في أشراف قوم نوح من يؤمن وكان في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فأريد التفرقة بالوصف.
ومنها أن قوم نوح ﴿ قالوا إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ وقوم هود ﴿ قالوا إنا لنراك في سفاهة ﴾ أي متمكناً منها تمكن المظروف من الظرف.
وذلك أن نوحاً كان يخوّفهم بالطوفان العام وكان يشتغل بإعداد السفينة مدّة طويلة فوصفوه بضعف الرأي والبعد عن السداد.
وأما هو فما ذكر شيئاً إلا أنه زيف معتقدهم في عبادة الأصنام وطعن فيها فقابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة وخفة العقل حيث فارق دين قومه.
ثم قالوا ﴿ وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ في ادعاء الرسالة.
قيل: الظن بمعنى الجزم واليقين كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ قال الحسن والزجاج: كانوا شاكين فيعلم أن الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر.
ومنها قول نوح ﴿ وأنصح لكم ﴾ وقال هود ﴿ وأنا لكم ناصح ﴾ وذلك لأنه كان من عادة نوح العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، وصيغة الفعل دلت على التجدد المستمر ولهذا ﴿ قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ﴾ إلى آخر الآيات.
وأما هود فكان ثابتاً على النصح غير مجدد إياه لحظة فلحظة كما كان يفعل نوح.
ثم إن نوحاً قال ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ لأنه كان يعلم من أسرار الله ما لم يصل إليه هود فلا جرم أمسك هود لسانه واقتصر على وصف نفسه بكونه أميناً ثقة أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فليس من حقي أن آتي بالكذب والغش.
أو المراد تقرير الرسالة فإنها تدور على الأمانة أي أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه.
وفي هذين الجوابين عن مثل ذينك الشخصين مع جلالة قدرهما دليل على أن الحكيم يجب أن لا يقابل السفهاء إلا بالكلام المبني على الحلم والإغضاء.
ومنها أن هوداً اقتصر على قوله ﴿ لينذركم ﴾ لما مر في قصة نوح أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة فلم يكن حاجة إلى الإعادة ولكنه ضم إلى ذلك شيئاً آخر يختص بهم فقال ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً قد استخلفكم فيها بعدهم وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأملاكهم وما يتصل بها من المنافع، "وإذا" مفعول به لا ظرف أي اذكروا وقت جعلكم خلفاء ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ فالخلق التقدير وقلما يطلق إلا على الشيء الذي له مقدار وحجمية.
والمراد حصول الزيادة في أجسامهم زيادة خارقة للعادة وإلا لم تذكر في معرض الامتنان.
قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً.
وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يد الإنسان إذا رفعها كانوا يفضلون على أهل زمانهم بهذا القدر.
ومنهم من حمل اللفظ على الزيادة في القوة، ومنهم من قال: الخلق الخليقة وبسطتهم فيهم كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدّة والجلادة متناصرين متوادّين ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ في استخلافكم وبسطة أجرامكم وفيما سواهما من عطاياه وآلاء الله نعمه واحدها إلى ونحوه أني وآناء كعنب وأعناب.
قال الجوهري: واحدها إني بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء.
استدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرية بالآية قالوا: إنه رتب حصول الفلاح على مجرد التذكر.
وأجيب بأن الآيات بالدالة على وجوب العمل مخصصة أو مقيدة والتقدير: فاذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلكم تفلحون.
ذكرهم نبيهم نعم الله عليهم ليرجعوا إلى عقولهم فيعلموا أن العبادة نهاية التعظيم ولا تلق إلا بمن صدر عنه نهاية الإنعام وليس للأصنام على الخلق شيء من النعم لأنها جماد والجماد لا قدرة له أصلا فلم يكن للقوم جواب عن هذه الحجة إلا التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم ﴿ أجئتنا لنعبد الله وحده ﴾ الهمزة لإنكار اختصاص الله وحده بالعبادة.
وفي المجيء أوجه منها: أن يكون لهود معتزل يتحنث فيه أي يتعبد كما كان يفعل رسول الله بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم.
ومنها الاستهزاء اعتقاداً منهم أن الله لا يرسل إلا ملكاً فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك؟
ومنها أن يراد به القصد كما يقال: ذهب يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب كأنهم قالوا: أتعرضت لنا بتكليف عبادة الله وحده أي منفرداً عن الأصنام وهو من المعارف التي وقعت حالاً بتأويل.
ولا يمكن أن يكون وحده ههنا اعترافاً كما يقول الموحد لا إله إلا الله وقال الله وحده لأن الفرض أنهم مشركون.
ثم إن قول هود فيما قبل ﴿ أفلا تتقون ﴾ كان مشعراً بالتهديد والوعيد فلهذا استعجلوا العذاب زعماً منهم أنه كاذب وذلك قولهم ﴿ فأتنا بما تعدنا ﴾ فأجابهم هود بقوله ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ ولا بد أن يحملا على معنييين متغايرين لمكان العطف.
أما الغضب في حقه فإرادة إيقاع السوء كما سبق مراراً، وأما الرجس فقيل: العذاب.
اعترض عليه بلزوم التكرار.
وقيل: العقائد المذمومة والصفات القبيحة.
وذلك أن الرجس ضد التطهير كما قال في صفة أهل البيت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ وقال القفال: الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كما قال ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وهذا التفسير أخص.
أما قوله ﴿ قد وقع ﴾ ولم يقع العذاب بعد ففيه وجوه: قال بعض من يقول بأن إرادة الله حادثة: معناه أنه أحدث إرادة في ذلك الوقت.
وقيل: أراد هود أنه أخبر بنزول العذاب.
وقيل: جعل المتوقع الذي لا شك فيه بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب منك حاجة قد كان ذلك.
تريد أنها ستكون ألبتة.
وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء أباه يبكي فقال له: يا بني ما لك؟
فقال: لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة فضمه إلى صدره وقال: يا بني قد قلت الشعر.
ثم أنكر عليهم قبيح فعالهم فقال ﴿ أتجادلونني في أسماء ﴾ تناظرونني في شأن آلهة أشياء ما هي إلا أسماء ﴿ سميتموها ﴾ أحدثتموها ﴿ أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ﴾ أي لا حجة على حقيقتها فتنزل.
والحاصل أنها أسماء بلا مسميات لأنكم تسمونها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم محال.
سموا واحداً بالعزي مشتقاً من العز وما أعطاه الله عزاً أصلاً.
وسموا آخر منها باللات من الإلهية وماله من الإلهية أثر.
وإنما قال في هذه السورة نزل وفي غيرها مما سيجيء ﴿ أنزل ﴾ لأن "نزل" للتكثير فيكون للمبالغة ويجري ما بعده مجرى التفصيل للجملة، أو أنواع للجنس والله أعلم.
ثم إنه ذكرهم وعيداً محدوداً فقال ﴿ فانتظروا ﴾ سوء عاقبة هذه الأصنام ﴿ إني معكم من المنتظرين ﴾ عاقبة السوء أو عاقبة الحسنى وذلك قوله ﴿ فأنجيناه والذين معه برحمة ﴾ بسبب رحمة كانوا يستحقونها ﴿ منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي استأصلناهم ودمرناهم عن آخرهم وقد مر مثله في الأنعام.
وفائدة نفي الإيمان عنهم في قوله ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ مع إثبات التكذيب بآيات ربهم أن يكون تعريضاً بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد وغيره كأنه قيل: ولقد قطعنا دابر الذين كذبوا ولم يكونوا مثل من آمن منهم، أو معنى ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ في علم الله أي لم يكونوا من المكذبين الذي لو بقوا لآمنوا.
قال في الكشاف: وإن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها.
صداء وصمود والهباء فبعث الله هوداً نبياً وكان من أوسطهم وأشرفهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عتواً وتجبراً، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا.
وإن الناس كانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج من ذلك عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان كانتا لمعاوية إحداهما وردة والأخرى جرادة ولما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا لأجله أهمه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وما يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا أنه ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل قولاً نغينهم به لا يدرون من قاله فقال معاوية: ألا ياقيل ويحك قم فهينم *** لعل الله يسقينا غماماً ويسقي أوض عاد إن عاداً *** قد آمسوا ما يبينون الكلاما الهينمة إخفاء الكلام في الدعاء وغيره، ومعنى يسقينا يجعله ساقياً لنا.
وقوله ما يبينون الكلام أي لا يكادون يفقهون قولاً من ضعفهم وسوء حالهم.
فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم.
فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا يسقون بدعائكم ولكم إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم وأظهر إسلامه.
فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثداً لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء ياقيل اختر لنفسك ولقومك.
فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا.
فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فتعبدوا الله فيها حتى ماتوا.
التأويل: لقد أرسلنا نوح الروح إلى قومه ببلاد القوالب وهم القلب وصفاته والنفس وصفاتها، ومن صفة الروح العبودية والطاعة دعوة القلب والنفس وصفاتها إلى الله وعبوديته، ومن صفات النفس تكذيب الروح ومخالفته والإباء عن نصحه والتعجب ﴿ فكذبوا ﴾ يعني النفس وصفاتها نوح والروح ﴿ فأنجيناه والذين معه ﴾ في الفلك الشريعة ﴿ وأغرقنا ﴾ النفس وصفاتها في البحر الدنيا وشهواتها ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ عن رؤية الله والوصول إليه ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ كما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني ﴿ قد رفع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ أي مقالتكم تدل على حالتكم أنه أصابكم سطوات العذاب.
فمن أمارات الإعراض رد العبد إلى شهود الأغيار وتغريقه إياه في بحار الظنون والأوهام والجدال.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ كما أرسلناك إلى قومك ولست أنت بأول رسول؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
وفيه دلالة أن الإيمان يصح بالأنبياء والرسل، وإن لم تعرف أنسابهم؛ لأن الله - عز وجل - ذكر الأنبياء والرسل بأساميهم، ولم يذكر أنسابهم، دل ذلك أن الإيمان يكون بهم [إيماناً] وإن لم تعرف أنسابهم؛ وكذلك يصح الإيمان وإن لم تعرف أسماؤهم؛ لأن من الأنبياء من لا يعرف اسمه، فيصح الإيمان بجملة الأنبياء، وإن لم تعرف أسماؤهم، وفي ذلك دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر عن رسالة نوح، فدل أنه بالله عرف ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ .، أي: وحدوا الله، سموا التوحيد عبادة لأن العبادة، لا تكون ولا تصح إلا بالتوحيد فيها لله خالصاً سمي بذلك مجازاً [إذ يجوز] أن يكون عبادة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
أي: ما لكم من الإله الحق الذي ثبتت ألوهيته وربوبيته بالدلائل [والبراهين] من إله غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ ، أي: إني أعلم أن ينزل عليكم عذاب يوم عظيم إن متم على هذا.
أو قال بعضهم: الخوف هو الخوف، وهو خوف إشفاق، وذلك يحتمل أن يكون في الوقت الذي كان يطمع في إيمان قومه، ثم آيسه الله عن إيمان قومه بقوله: ﴿ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
هو يوم عظيم للخلق؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وهو عظيم للخلق على ما وصف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ﴾ .
هم أشراف قومه وسادتهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا...
﴾ الآية، وكانوا هم أضداد الأنبياء والرسل؛ لأنهم كانوا يدعون الناس إلى ما يوحي إليهم الشياطين، والرسل كانوا يدعون إلى ما يوحي إليهم الله، وينزل عليهم؛ لذلك قالوا: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ؛ لأنهم ظنوا أن ما أوحى إليهم الشيطان هو الحق، وأن ما يدعو إليه الرسل هو ضلال وباطل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ ﴾ .
أي: لست أنا بضال؛ لأنه إذا نفى الضلال عنه، نفى أن يكون ضالاً، وهو حرف رفق ولين، وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل أن يعاملوا قومهم؛ لأن ذلك أنجع في القلوب، وإلى القبول أقرب.
﴿ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ ، والعالم هو جوهر الكل.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: لفي خطأٍ مبين، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: نسبوه إلى الخطأ؛ لما رأوه خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم القتل لمن خالفهم.
والثاني: نسبوه إلى الخطأ؛ لأنه [ترك] دين آبائه وأجداده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ﴾ .
رسالته التي أمرني بتبليغها إليكم، قبلتم أو رددتم؛ [أُوعدتم أوْ وعدتم] لأني أبلغها على أي حال استقبلتموني، أو يقول: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ﴾ رسالته التي أرسلها إليّ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ : أي: أدعوكم وآمركم إلى ما فيه صلاحكم، وأنهاكم عما فيه فسادكم، والنصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد، وتكون النصيحة لهم، ولجميع المؤمنين.
روي عن رسول الله ، قال: "ألا إن الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟
قال: لله ولرسوله [ولجميع المؤمنين]" قال الشيخ أبو الفدا الحكيم - رحمة الله عليه -: النصيحة: هي النهاية من صدق العناية، ثم أخبر أنه يبلغهم رسالات به، ولم يبين فيم ذا؟!
في كتاب أنزله عليه، أو بوحي في غير كتاب يوحى إليه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى التصديق له فيما يبلغ إليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قد أتاه من الله العلم بأشياء ما لم يأت أولئك مثله، وهو كقول إبراهيم - - لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ ﴾ ، ويحتمل قوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ من العذاب أنه ينزل بكم ﴿ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنتم إذا دمتم على ما أنتم عليه.
وقوله: ﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
أي: تعجبون بما جاءكم ذكر من الله على يدي رجل منكم ما لا أقدر أنا ولا تقدرون أنتم على مثله، كانوا يعجبون وينكرون أن يكون رسل الله من البشر بقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\]، ﴿ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ \[المؤمنون: 24\]، ونحو ذلك كانوا ينكرون رسالة البشر وما ينبغي لهم أن ينكروا ذلك؛ لأنهم قد كانوا رأوا تفضيل بعض البشر على بعض، وفي وضع الرسالة فيهم - أعني في الرسل - تفضيلهم، وذلك قد رأوا فيما بينهم، ولله تفضيل بعضهم على بعض؛ إذ له الخلق والأمر، [ولكل] ذي ملك وسلطان أن يصنع في ملكه ما شاء من تفضيل بعض على بعض وغيره.
أو يقول: ﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : على يدي رجل منكم، ولو كان جاء الذكر على من هو من غير جوهركم، كان في ذلك لبس واشتباه عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُنذِرَكُمْ ﴾ عذاب الله: ولتتقوا معاصيه ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ : إن اتقيتم ما نهاكم [عنه]، أو كان في قومه من يجوز أن يرحم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ .
يعني نوحاً [فيما] دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، ونهاهم عن عبادة غير الله، أو كذبوه فيما آتاهم من آيات نبوته ورسالته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ .
يعني نوحاً [فيما] دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، ونهاهم عن عبادة غير الله، أو كذبوه فيما آتاهم من آيات نبوته ورسالته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ ﴾ .
يعني نوحاً، والذين آمنوا في الفلك.
﴿ وَأَغْرَقْنَا ﴾ .
الذين كذبوا بآياتنا، إذا كان إهلاك القوم إهلاك تعذيب وعقوبة، ينجي أولياءه ويبقيهم إلى الآجال التي قدر لهم، ويكون ذلك نجاة لهم من ذلك العذاب الذي حل بالأعداء.
وقوله - عز وجل - ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ ﴾ : [أي: بآياتنا] التي جعلناها لإثبات رسالته ونبوته، ويحتمل: كذبوا بآياتنا التي أعطيناه لوحدانية الله وألوهيته.
﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ ﴾ .
عموا عن الحق.
<div class="verse-tafsir"
قال له سادة قومه وكبراؤهم: إنا لنراك -يا نوح - في بعد عن الصواب واضح.
<div class="verse-tafsir" id="91.rwV40"