الإسلام > القرآن > سور > سورة 72 الجن > الآية ٦ من سورة الجن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة الجن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) أي : كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس ; لأنهم كانوا يعوذون بنا ، أي : إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها ، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان ، أن يصيبهم بشيء يسوؤهم كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته ، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم ، ( فزادوهم رهقا ) أي : خوفا وإرهابا وذعرا ، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم ، كما قال قتادة : ( فزادوهم رهقا ) أي : إثما ، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة .
وقال الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم : ( فزادوهم رهقا ) أي : ازدادت الجن عليهم جرأة .
وقال السدي : كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول : أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي ، قال : فإذا عاذ بهم من دون الله ، رهقتهم الجن الأذى عند ذلك .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، حدثنا الزبير بن الخريت ، عن عكرمة قال : كان الجن يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد ، وكان الإنس إذا نزلوا واديا هرب الجن ، فيقول سيد القوم : نعوذ بسيد أهل هذا الوادي .
فقال الجن : نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم ، فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون ، فذلك قول الله : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) وقال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم : ( رهقا ) أي : خوفا .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( فزادوهم رهقا ) أي : إثما .
وكذا قال قتادة .
وقال مجاهد : زاد الكفار طغيانا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا فروة بن المغراء الكندي ، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المزني - عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه ، عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال : خرجت مع أبي من المدينة في حاجة ، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فآوانا المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم ، فوثب الراعي فقال : يا عامر الوادي ، جارك ، فنادى مناد لا نراه ، يقول : يا سرحان ، أرسله ، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة .
وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) ثم قال : وروي عن عبيد بن عمير ومجاهد وأبي العالية والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي نحوه .
وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل - وهو ولد الشاة - وكان جنيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه ، ثم رده عليه لما استجار به ، ليضله ويهينه ، ويخرجه عن دينه ، والله أعلم .
وقوله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء النفر: وأنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن في أسفارهم إذا نـزلوا منازلهم.
وكان ذلك من فعلهم فيما ذكر لنا، كالذي حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فزادهم ذلك إثما.
حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، في قوله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) قال: كان الرجل منهم إذا نـزل الوادي فبات به، قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) كانوا إذا نـزلوا الوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ ما فيه، فتقول الجنّ: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضرّا ولا نفعا.
قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) قال: كانوا في الجاهلية إذا نـزلوا بالوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي، فيقول الجنيون: تتعوّذون بنا ولا نملك لأنفسنا ضرّا ولا نفعا!
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) قال: كانوا يقولون إذا هبطوا واديا: نعوذ بعظماء هذا الوادي.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) ذُكر لنا أن هذا الحيّ من العرب كانوا إذا نـزلوا بواد قالوا: نعوذ بأعز أهل هذا المكان؛ قال الله: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) : أي إثما، وازدادت الجنّ عليهم بذلك جراءة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) كانوا في الجاهلية إذا نـزلوا منـزلا يقولون: نعوذ بأعزّ أهل هذا المكان.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) قال: كانوا يقولون: فلان من الجنّ ربّ هذا الوادي، فكان أحدهم إذا دخل الوادي يعوذ بربّ الوادي من دون الله، قال: فيزيده بذلك رهقا، وهو الفرَق.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) قال كان الرجل في الجاهلية إذا نـزل بواد قبل الإسلام قال: إن أعوذ بكبير هذا الوادي، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم.
وقوله: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فزاد الإنس بالجن باستعاذتهم بعزيزهم، جراءة عليهم، وازدادوا بذلك إثما.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) فزادهم ذلك إثما.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال، قال الله: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) : أي إثما، وازدادت الجنّ عليهم بذلك جراءة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) يقول: خطيئة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) قال: فيزدادون عليهم جراءة.
قال ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) قال ازدادوا عليهم جراءة.
وقال آخرون: بل عني بذلك أن الكفار زادوا بذلك طغيانا.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد، قوله: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) قال: زاد الكفار طغيانا.
وقال آخرون: بل عني بذلك فزادوهم فَرَقا.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) قال: فيزيدهم ذلك رهقا، وهو الفرق.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) قال: زادهم الجنّ خوفا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فزاد الإنس الجنّ بفعلهم ذلك إثما، وذلك زادوهم به استحلالا لمحارم الله.
والرهق في كلام العرب: الإثم وغِشيان المحارم؛ ومنه قول الأعشى: لا شَـيْءَ يَنْفَعُنِـي مِـنْ دُونِ رُؤْيَتِهـا هـلْ يَشْـتَفِي وَامِقٌ ما لم يُصِبْ رَهَقا (6) يقول: ما لم يغش محرما.
-------------------- الهوامش : (6) البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة 365 من القصيدة المرقومة80 ) .
وفي اللسان: (رهق) قال : والرهق: غشيان المحارم من شرب الخمر ونحوه.
قال ابن بري: وكذلك فسر الرهق في شعر الأعشى: بأنه غشيان المحارم، وما لا خير فيه قوله: "لا شيء ينفعني.." البيت قلت: وتفسير ابن برى لا يعجبني، لأن الأعشى لم يكن يعرف المحرمات، وإنما يحسن تفسيره كما قال شارح الديوان: إن الرهق: الدنو من المحبوب والقرب منه، والتمنع بما ينوله، فأما إذا كان بعيدا عنه فلا شفاء ولا قرار.
وفي (اللسان: رهق) عن الزجاج، فزادهم رهقا: أي ذلة وضعفا.
وقيل: سفها وطغيانا.
وقيل في تفسيره: الظلم.
وقيل: الفساد..
إلخ
وقيل : انقطع الإخبار عن الجن هاهنا فقال الله تعالى : وأنه كان رجال من الإنس فمن فتح وجعله من قول الجن ردها إلى قوله : أنه استمع ، ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى .
والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بواد : أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه ; فيبيت في جواره حتى يصبح ; قاله الحسن وابن زيد وغيرهما .قال مقاتل : كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ، ثم من بني حنيفة ، ثم فشا ذلك في العرب ، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم .
وقال كردم بن أبي السائب : خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فآوانا المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حملا من الغنم ، فقال الراعي : يا عامر الوادي ، [ أنا ] جارك .
فنادى مناد يا سرحان أرسله ، فأتى الحمل يشتد .
وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا أي زاد الجن الإنس رهقا أي خطيئة وإثما ; قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة .
والرهق : الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم ; ورجل رهق إذا كان كذلك ; ومنه قوله تعالى : وترهقهم ذلة وقال الأعشى :لا شيء ينفعني من دون رؤيتها هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا[ ص: 12 ] يعني إثما .
وأضيفت الزيادة إلى الجن إذ كانوا سببا لها .
وقال مجاهد أيضا : فزادوهم أي إن الإنس زادوا الجن طغيانا بهذا التعوذ ، حتى قالت الجن : سدنا الإنس والجن .
وقال قتادة أيضا وأبو العالية والربيع وابن زيد : ازداد الإنس بهذا فرقا وخوفا من الجن .وقال سعيد بن جبير : كفرا .
ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك .
وقيل : لا يطلق لفظ الرجال على الجن ; فالمعنى : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من الإنس ، وكان الرجل من الإنس يقول مثلا : أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي .
قال القشيري : وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجال على الجن .
{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } أي: كان الإنس يعبدون الجن ويستعيذون بهم عند المخاوف والأفزاع ، فزاد الإنس الجن رهقا أي: طغيانا وتكبرا لما رأوا الإنس يعبدونهم، ويستعيذون بهم، ويحتمل أن الضمير في زادوهم يرجع إلى الجن ضمير الواو أي: زاد الجن الإنس ذعرا وتخويفا لما رأوهم يستعيذون بهم ليلجئوهم إلى الاستعاذة بهم، فكان الإنسي إذا نزل بواد مخوف، قال: \" أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه \".
( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ) وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في أرض قفر ، قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه ، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا ابن فنجويه ، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك ، حدثنا أبو القاسم [ عبد الرحمن ] بن محمد بن إسحاق المروزي حدثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرسوس ، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي ، حدثنا القاسم بن مالك ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن أبيه ، عن كردم بن أبي سائب الأنصاري قال : خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، فآوانا المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم ، فوثب الراعي [ فقال ] يا عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه ، يقول : يا سرحان أرسله ، فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمة فأنزل الله - عز وجل - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) يعني زاد الإنس الجن باستعاذتهم بقادتهم رهقا .
قال ابن عباس : إثما .
قال مجاهد : طغيانا .
قال مقاتل : غيا .
قال الحسن : شرا قال إبراهيم : عظمة وذلك أنهم كانوا يزدادون بهذا التعوذ طغيانا يقولون : سدنا الجن والإنس ، و " الرهق " في كلام العرب : الإثم وغشيان المحارم .
«وأنه كان رجال من الإنس يعوذون» يستعيذون «برجال من الجن» حين ينزلون في سفرهم بمخوف فيقول كل رجل أعوذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه «فزادوهم» بعوذهم بهم «رهقا» فقالوا سدنا الجن والإنس.
وأنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن، فزاد رجالُ الجنِّ الإنسَ باستعاذتهم بهم خوفًا وإرهابًا ورعبًا.
وهذه الاستعاذة بغير الله، التي نعاها الله على أهل الجاهلية، من الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة النصوح منه.
وفي الآية تحذير شديد من اللجوء إلى السحرة والمشعوذين وأشباههم.
ثم - حكى - سبحانه - عنهم تكذيبهم لما كان متعارفا عليه فى الجاهلية من أن الجن سلطانا على الناس ، وأن لهم قدرة على النفع والضر .
.
فقال - تعالى - : ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً .
.
) .وقوله : ( يَعُوذُونَ ) من العَوْذ بمعنى الاستجارة بالشئ والالتجاء إليه طلبا للنجاة .والرهق : الإِثم وغشيان المحارم .قال صاحب الكشاف : والرهق : غشيان المحارم ، والمعنى : أن الإِنس باستعاذتهم بهم - أى بالجن - زادوهم كفرا وتكبرا .
وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى فى واد قفر فى بعض مسايره ، وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادى من سفهاء قومه ، يريد الجن وكبيرهم ، فإذا سمعوا ذلك استكبروا وقالوا : سدنا الجن والإِنس ، فذلك رهقهم ، أو : فزاد الجنُّ والإِنسَ رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم .
.فالمقصود به من الآية الكريمة بيان فساد ما كان شائعا فى الجاهلية - بل وفى بعض البيئات حتى الآن - من أن الجن لهم القدرة على النفع والضر وأن بعض الناس كانوا يلجأون إليهم طلبا لمنفعتهم وعونهم على قضاء مصالحهم .وإطلاق اسم الرجال على الجن ، من باب التشبيه والمشاكلة لوقوعه من رجال من الإِنس ، فإن الرجل اسم للمذكر البالغ من بنى آدم .
فيه قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين أن الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح، وقال آخرون: كان أهل الجاهلية إذا قحطوا بعثوا رائدهم، فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فيناديهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي من أن يصيبنا آفة يعنون الجن، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا، وربما تفزعهم الجن فيهربون القول الثاني: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً، لكن من شر الجن، مثل أن يقول الرجل: أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادي، وأصحاب هذا التأويل إنما ذهبوا إليه، لأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وهذا ضعيف، فإنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً، أما قوله: ﴿ فَزَادوهُمْ رَهَقاً ﴾ قال المفسرون: معناه زادوهم إثماً وجرأة وطغياناً وخطيئة وغياً وشراً، كل هذا من ألفاظهم، قال الواحدي: الرهق غشيان الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ ﴾ وقوله: ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ ورجل مرهق أي يغشاه السائلون.
ويقال رهقتنا الشمس إذا قربت، والمعنى أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفاً من أن يغشاهم الجن، ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان، فإنهم لما تعوذوا بهم، ولم يتعوذوا بالله استذلوهم واجترؤا عليهم فزادوهم ظلماً، وهذا معنى قول عطاء خبطوهم وخنقوهم، وعلى هذا القول زادوا من فعل الجن وفي الآية قول آخر وهو أن زادوا من فعل الإنس وذلك لأن الإنس لما استعاذوا بالجن فالجن يزدادون بسبب ذلك التعوذ طغياناً فيقولون: سدنا الجن والإنس، والقول الأول هو اللائق بمساق الآية والموافق لنظمها.
النوع السادس: قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
الرهق: غشيان المحارم.
والمعنى: أنّ الإنس بإستعاذتهم بهم زادوهم كبراً وكفراً؛ وذلك أنّ الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم؛ فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس؛ فذلك رهقهم.
أو فزاد الجن الإنس رهقاً بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم ﴿ وَأَنَّهُمْ ﴾ وأنّ الإنس ﴿ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ ﴾ وهو من كلام الجن، يقوله بعضهم لبعض.
وقيل الآيتان من جملة الوحي.
والضمير في (وأنهم ظنوا) للجنّ، والخطاب في ﴿ ظَنَنتُمْ ﴾ لكفار قريش.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ فَإنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أمْسى بِقَفْرٍ قالَ أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ.
﴿ فَزادُوهُمْ ﴾ فَزادُوا الجِنَّ بِاسْتِعاذَتِهِمْ بِهِمْ.
﴿ رَهَقًا ﴾ كِبْرًا وعُتُوًّا، أوْ فَزادَ الجِنُّ الإنْسَ غَيًّا بِأنْ أضَلُّوهم حَتّى اسْتَعاذُوا بِهِمْ، والرَّهَقُ في الأصْلِ غِشْيانُ الشَّيْءِ.
﴿ وَأنَّهُمْ ﴾ وأنَّ الإنْسَ.
﴿ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ ﴾ أيُّها الجِنُّ أوْ بِالعَكْسِ، والآيَتانِ مِن كَلامِ الجِنِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوِ اسْتِئْنافُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَن فَتَحَ أنَّ فِيهِما جَعَلَهُما مِنَ المُوحى بِهِ.
﴿ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنُّوا.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن فَزَادوهُمْ} أي زاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم {رَهَقاً} طغياناً وسفهاً وكبراً بأن قالوا سدنا الجن والإنس أو فزادا الجن والإنس
رهقا إنما لاستعاذتهم بهم وأصل الرهق غشيان المحظور
﴿ وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ إذا أمْسى في وادٍ قَفْرٍ وخافَ عَلى نَفْسِهِ نادى بِأعْلى صَوْتِهِ يا عَزِيزُ هَذا الوادِي أعُوذُ بِكَ مِنَ السُّفَهاءِ الَّذِينَ في طاعَتِكَ يُرِيدُ الجِنَّ وكَبِيرَهم فَإذا سَمِعُوا بِذَلِكَ اسْتَكْبَرُوا وقالُوا سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَزادُوهُمْ ﴾ أيْ زادَ الرِّجالُ العائِذُونَ الجِنَّ ﴿ رَهَقًا ﴾ أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِرِجالِ الإنْسِ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَنصُوبُ لِرِجالِ الجِنِّ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والنَّخْعِيِّ وعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ وجَماعَةٍ إلّا أنَّ مِنهم مَن فَسَّرَ الرَّهَقَ بِالإثْمِ وأنْشَدَ الطَّبَرَيُّ لِذَلِكَ قَوْلَ الأعْشى: لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها لا يَشْتَكِي وامِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقًا فَإنَّهُ أرادَ ما لَمْ يَغْشَ مُحَرَّمًا فالمَعْنى هُنا فَزادَتِ الإنْسَ والجِنَّ مَأْثَمًا لِأنَّهم عَظَّمُوهم فَزادُوهُمُ اسْتِحْلالًا لِمَحارِمِ اللَّهِ تَعالى أوْ فَزادَ الجِنُّ العائِذِينَ ( غَيًّا ) بِأنْ أضَلُّوهم حَتّى اسْتَعاذُوا بِهِمْ فالضَّمِيرانِ عَلى عَكْسِ ما تَقَدَّمَ وهو قَوْلُ قَتادَةَ وأبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ والفاءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْقِيبِ وعَلى هَذا قِيلَ لِلتَّرْتِيبِ الإخْبارِيِّ.
وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ قَدْ يَتَقَدَّمُ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا ﴾ وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى خِلافِهِ وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فاتَّبَعُوهم فَزادُوهم.
والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ لَفْظَ الرِّجالِ يُطْلَقُ عَلى ذُكُورِ الجِنِّ كَما يُطْلَقُ عَلى ذُكُورِ الإنْسِ.
وقِيلَ لا يُطْلَقُ عَلى ذُكُورِ الجِنِّ ( ومِنَ الجِنِّ ) في الآيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ ( يَعُوذُونَ ) ومَعْناها أنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ مِن شَرِّ الجِنِّ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ وكانَ الرَّجُلُ يَقُولُ مَثَلًا أعُوذُ بِحُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ مِن جِنِّ هَذا الوادِي وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ المُؤَيَّدُ بِالآثارِ، ولَعَلَّ تَعَلُّقَ الإيمانِ بِهَذا بِاعْتِبارِ ما يُشْعِرُ بِهِ مِن كَوْنِ ذَلِكَ ضَلالًا مُوجِبًا لِزِيادَةِ الرَّهَقِ.
وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يُقالُ بَدَلَ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ فَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ أبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ في الإبانَةِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ غَرِيبٌ جِدًّا أنَّهُ قالَ: ««إذا أصابَ أحَدًا مِنكم وحْشَةٌ أوْ نَزَلَ بِأرْضِ مَجَنَّةٍ فَلْيَقُلْ أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ الَّتِي لا يُجاوِزُها بَرٌّ ولا فاجِرٌ مِن شَرِّ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ومِن فِتَنِ النَّهارِ ومِن طَوارِقِ اللَّيْلِ إلّا طارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ»» .
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَأَنَّا ظَنَنَّا يعني: حسبنا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: نتوهم أن أحداً لا يكذب على الله، وإلى هاهنا حكاية كلام الجن.
يقول الله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يعني: في الجاهلية يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ، وذلك أن الرجل إذا نزل في فضاء من الأرض، كان يقول أعوذ بسيد هذا الوادي، فيكون في أمانهم تلك الليلة.
فَزادُوهُمْ رَهَقاً يعني: زادوا للجن عظمة وتكبروا، ويقولن: بلغ من سُؤُدُدنا أن الجن والإنس يطلبون منا الأمان، وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يعني: كفار الجن حسبوا كما حسبتم يا أهل مكة، أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً يعني: بعد الموت، يعني: إنهم كانوا غير مؤمنين، كما أنكم لا تؤمنون.
ويقال: إنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً يعني: رسولاً.
فقد أرسل محمدا .
ثم رجع إلى كلام الجن، فقال: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ يعني: صعدنا وأتينا السماء لاستراق السمع.
فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً يعني: حفاظاً أقوياء من الملائكة.
وَشُهُباً يعني: رُمينا نجماً متوقداً.
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ يعني: كنا نقعد فيما مضى للاستماع من الملائكة، ما يقولون فيما بينهم من الكوائن.
فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً يعني: نجماً مضيئاً.
والرصد: الذي أرصد للرجم يعني: النجم.
وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟
قال: نعم.
قلت: أفرأيت قوله: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قال: غلظ وشدد أمرها حين بُعث النبيّ .
قال الجن بعضهم لبعض: وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ؟
يعني: يبعثه فلم يؤمنوا فيهلكوا أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً؟
يعني: خيراً وصواباً، فيؤمنوا ويهتدوا.
ويقال: لا ندري أخيراً أريد بأهل الأرض أو الشرحين حرست السماء، ورُمينا بالنجوم، وَمُنعنا السمع؟
ويقال: أريد عذاباً بمن في الأرض، بإرسال الرسول بالتكذيب له، أو أراد بهم ربهم خيراً ببيان الرسول لهم هدى وبياناً.
ثم قال عز وجل: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ يعني: الموحدين والمسلمين.
وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ يعني: ليسوا بموحدين.
كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً يعني: فينا أهواء مختلفة وملل شتى.
وقال القتبي: يعني: فرقاً مختلفة، وكل فرقة قدة مثل القطعة في التقدير، والطرائق: جمع الطريق.
قوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا يعني: علمنا وأيقنا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يعني: لا يفوت أحد من الله تعالى.
وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً، لا يقدر الهرب منه.
قال الله عزّ وجلّ: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى يعني: القرآن يقرؤه محمد ، آمَنَّا بِهِ يعني: صدقنا بالقرآن ويقال: بالنبي ويقال: صدقنا بالله تعالى فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ قال بعضهم هذا من كلام الله تعالى للنبي فمن يصدق بوحدانية الله تعالى، فَلا يَخافُ بَخْساً يعني: نقصاناً من ثواب عمله، وَلا رَهَقاً يعني: ذهاب عمله.
وهذا كقوله تعالى فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً.
[طه: 112] ويقال: هذا كلام الجن بعضهم لبعض، فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً.
والرهق: الظلم أن يجعل ثواب عمله لغيره.
والبخس النقصان من ثواب عمله.
قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ يعني: المصدقين بوحدانية الله تعالى، وَمِنَّا الْقاسِطُونَ يعني: العادلين عن طريق الهدى ويقال: الْقاسِطُونَ يعني: الجائرين.
يقال: قسط الرجل، إذا جار.
وأقسط، إذا عدل.
كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
ثم قال: فَمَنْ أَسْلَمَ يعني: أقر بوحدانية الله تعالى وأخلص بالتوحيد له، فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً يعني: نوراً وتمنوا وقصدوا ثواباً.
ثم قال عز وجل: أَمَّا الْقاسِطُونَ يعني: العادلين عن الطريق، الجائزين، كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً يعني: وقوداً- قال الله تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ.
قال مقاتل: لو استقاموا على طريقة الهدى، يعني: أهل مكة، لَأَسْقَيْناهُمْ مَّاء غَدَقاً يعني: كثيراً من السماء، كقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 96] ثم قال عز وجل: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ يعني: لنبتليهم به، كقوله: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [الزخرف: 33] الآية.
وقال قتادة: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ، يعني: آمنوا لوسّع الله عليهم الرزق وقال القتبي: هذا مثل ضربه الله تعالى للزيادة في أموالهم ومواشيهم، كقوله: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ ثم قال: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يعني: توحيد ربه ويقال: يكفر بمحمد والقرآن، يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً يعني: يكلفه الصعود على جبل أملس.
وقال مقاتل: عَذاباً صَعَداً أي: شدة العذاب.
وقال القتبي: يعني: شاقاً وقال قتادة: صعوداً من عذاب الله تعالى، لا راحة فيه.
<div class="verse-tafsir"
بَعْدُ سَمْعٌ إنَّما الإحراقُ عِنْدَ الاِستماعِ] «١» ، وهذا يقتضي أنَّ الرَّجْمَ كَانَ في الجاهليةِ، ولكنَّه لم يكنْ بمُسْتأصِلٍ، فَلَمَّا جاءَ الإسْلاَمُ، اشْتَدَّ الأَمْرُ حتى لم يكُنْ فِيه وَلاَ/ يَسِيرُ سماحة، ورَصَداً: نعتٌ ل «شِهَاب» ووصفَه بالمصْدَرِ، وقولهم: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ...
الآية، معناه: لاَ نَدْرِي أَيُؤْمِنُ الناسُ بهذا النبيِّ فَيَرْشُدُوا، أمْ يَكْفُرُونَ بهِ فَيَنْزِلَ بهِمُ الشَّرُّ، وعبارة الثعلبي: «وأَنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض» حينَ حُرِسَتِ السماءُ ومُنِعْنَا السَّمْعَ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً، انتهى.
وقولهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ إلى آخرِ قولهم: وَمِنَّا الْقاسِطُونَ هُوَ من قولِ الجِنّ، وقولهم: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي: غَيْرُ صالحين، - ص-: دُونَ ذلِكَ قِيل:
بمعنى غَيْرُ ذلك، وقيلَ: دُونَ ذلكَ في الصلاحِ، ف «دون» في موضِع الصِّفَةِ لمحذوفٍ، أي: ومنَّا قومٌ دونَ ذلك، انتهى، والطرائقُ: السِّيَرُ المختلفَة، والقِدَدُ كذلكَ هي الأشْياء المختلفة كأنه قَدْ قُدَّ بعضُها من بعضٍ وفُصِلَ، قال ابن عباس وغيره: طَرائِقَ قِدَداً أهواء مختلفةً «٢» .
وقولهم: وَأَنَّا ظَنَنَّا أي: تَيَقَّنَّا، فالظِّنّ هنا بمعنى الْعِلْمِ أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ ...
الآية، وهذا إخبارٌ منهم عَنْ حَالِهِمْ بَعْدِ إيمانِهم بما سمعوا من نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والْهُدى يريدونَ به القرآنَ، والبَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ تَحْمِيلُ مَا لاَ يطاقُ، وما يَثْقُل، قال ابن عباس: البَخْسُ نَقْصُ الحسناتِ «٣» ، والرَّهَقُ الزيادةُ في السيئات.
وقوله تعالى: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً الوجْهُ فيه أنْ يكونَ مخاطَبَةً من الله تعالى لنبيه محمّد ع ويؤيّده ما بعده من الآيات، وتَحَرَّوْا معناه: طلبوا باجتهادهم.
سُورَةُ الجِنِّ كُلُّها مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ هَمْزَةً في هَذِهِ السُّورَةِ، وهِيَ: "وَأنَّهُ تَعالى"، "وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ"، "وَأنّا ظَنَنّا"، "وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ"، "وَأنَّهم ظَنُّوا"، " وأنّا لَمَسْنا"، "وَأنّا كُنّا"، " وأنّا لا نَدْرِي"، "وَأنّا مِنّا"، " وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ"، "وَأنّا لَمّا سَمِعْنا"، "وَأنّا مِنّا"، فَفَتَحَ الهَمْزَةَ في هَذِهِ المَواضِعِ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ "وَأنَّهُ تَعالى"، "وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ"، "وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ"، وكَسَرَ الباقِياتِ.
وَقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِنَّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي يَخْتارُهُ النَّحْوِيُّونَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ ما كانَ مِنَ الوَحْيِ قِيلَ فِيهِ: "أنَّ" بِالفَتْحِ، وما كانَ مِن قَوْلِ الجِنِّ قِيلَ: "إنَّ" بِالكَسْرِ.
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: وقالُوا: إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، وقالُوا: إنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا.
فَأمّا مَن فَتَحَ، فَذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: يَعْنِي الفَرّاءَ، أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الهاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنّا بِهِ ﴾ وبِأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا.
وكَذَلِكَ ما بَعْدَ هَذا.
وهَذا رَدِيءٌ في القِياسِ، لا يُعْطَفُ عَلى الهاءِ المُتَمَكِّنَةِ المَخْفُوضَةِ إلّا بِإظْهارِ الخافِضِ.
ولَكِنَّ وجْهَهُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى مَعْنى آمَنّا بِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "تَعالى جَدُّ رَبِّنا" سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُدْرَةُ رَبِّنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: غِنى رَبِّنا، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: جَلالُ رَبِّنا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: عَظَمَةُ رَبِّنا، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أمْرُ رَبِّنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والسّادِسُ: ارْتِفاعُ ذِكْرِهِ وعَظَمَتِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّابِعُ: مُلْكُ رَبِّنا وثَناؤُهُ وسُلْطانُهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ "وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كُفّارُهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
و"الشَّطَطُ" الجَوْرَ، والكَذِبُ، وهُوَ: وصْفُهُ بِالشَّرِيكِ، والوَلَدِ.
ثُمَّ قالَتِ الجِنُّ: " ﴿ وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا" ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: "أنْ لَنْ تَقَوَّلَ" بِفَتْحِ القافِ، وتَشْدِيدِ الواوِ.
والمَعْنى: ظَنَنّاهم صادِقِينَ في قَوْلِهِمْ: لِلَّهِ صاحِبَةٌ ووَلَدٌ، وما ظَنَنّاهم يَكْذِبُونَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ إذا سافَرَ فَأمْسى في قَفْرٍ مِنَ الأرْضِ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ في جِوارٍ مِنهم حَتّى يُصْبِحَ.
ومِنهُ حَدِيثُ كَرَدْمِ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ، قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلَ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ، فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَنادى: يا عامِرَ الوادِي جارُكَ، فَنادى مُنادٍ لا نَراهُ: يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ.
فَإذا الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ لَمْ تُصِبْهُ كَدْمَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ.
.
.
﴾ الآيَةُ.» وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَزادُوهم رَهَقًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الإنْسَ زادُوا الجِنَّ رَهَقًا لِتَعَوُّذِهِمْ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والمَعْنى: أنَّهم لَمّا اسْتَعاذُوا بِسادَتِهِمْ قالَتِ السّادَةُ: قَدْ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
والثّانِي: أنَّ الجِنَّ زادُوا الإنْسَ رَهَقًا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زادُوهم سَفَهًا وطُغْيانًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زادُوهم ضَلالًا.
وأصْلُ الرَّهَقِ: العَيْبُ.
ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يَرْهَقُ في دِينِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأنَّهم ظَنُّوا ﴾ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ظَنَّ الجِنُّ "كَما ظَنَنْتُمْ" أيُّها الإنْسُ المُشْرِكُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقالَتِ الجِنُّ: " ﴿ وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ" ﴾ أيْ: أتَيْناها ﴿ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْرُسُونَها مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ ﴿ وَشُهُبًا ﴾ جَمْعُ شِهابٍ، وهو النَّجْمُ المُضِيءُ: ﴿ وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ" ﴾ أيْ: كُنّا نَسْتَمِعُ، فالآنَ حِينَ حاوَلْنا الِاسْتِماعَ بَعْدَ بَعْثِ مُحَمَّدٍ رُمِينا بِالشُّهُبِ.
ومَعْنى "رَصَدًا" قَدْ أرْصَدَ لَهُ المَرْمى بِهِ " ﴿ وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ" ﴾ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ إلَيْهِمْ، فَيُكَذِّبُونَهُ، فَيَهْلَكُونَ ﴿ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا ﴾ وهو أنْ يُؤْمِنُوا فَيَهْتَدُوا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ كَفَرَةِ الجِنِّ، والمَعْنى: لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ بِحُدُوثِ الرَّجْمِ بِالكَواكِبِ، أمْ صَلاحٌ؟
قالَهُ الفَرّاءُ.
ثُمَّ أخْبَرُوا عَنْ حالِهِمْ، فَقالُوا: ﴿ وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ﴿ وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الشَّرِّ دُونَ الشِّرْكِ ﴿ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِرَقًا مُخْتَلِفَةً أهْواؤُنا.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الطَّرائِقِ: طَرِيقَةٌ، وواحِدُ القِدَدُ: قِدَةٌ، أيْ: ضُرُوبًا وأجْناسًا ومِلَلًا.
قالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ: الجِنُّ مِثْلُكُمْ، فَمِنهم قَدَرِيَّةٌ، ومُرْجِئَةٌ، ورافِضَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنّا ظَنَنّا ﴾ أيْ: أيْقَنّا ﴿ أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: لَنْ نَفُوتَهُ إذا أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴾ أيْ: أنَّهُ يُدْرِكُنا حَيْثُ كُنّا ﴿ وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى ﴾ وهو القُرْآنُ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﴿ آمَنّا بِهِ ﴾ أيْ: صَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ﴾ أيْ: نَقْصًا مِنَ الثَّوابِ ﴿ وَلا رَهَقًا ﴾ أيْ: ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ ﴿ وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: المُخْلِصُونَ لِلَّهِ ﴿ وَمِنّا القاسِطُونَ ﴾ وهُمُ المَرَدَةُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاسِطُونَ: الجائِرُونَ.
يُقالُ: قَسَطَ: إذا جارَ، وأقْسَطَ: إذا عَدَلَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الكافِرُونَ ﴿ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾ أيْ: تَوَخَّوْهُ، وأمُّوهُ.
ثُمَّ انْقَطَعَ كَلامُ الجِنِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: ثُمَّ رَجَعَ إلى كُفّارِ مَكَّةَ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ ﴾ يَعْنِي: طَرِيقَةَ الهُدى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ: لِأنَّ الطَّرِيقَةَ ها هُنا بِالألِفِ واللّامِ مَعْرِفَةٌ، فالأوْجَبُ أنْ تَكُونَ طَرِيقَةَ الهُدى.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِها: طَرِيقَةُ الكُفْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والرَّبِيعُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ كَيْسانَ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَوْ آمَنُوا لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمْ "لِنَفْتِنَهُمْ" أيْ: لِنَخْتَبِرَهم "فِيهِ" فَنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُهُمْ؟، والماءُ الغَدَقُ: الكَثِيرُ.
وإنَّما ذَكَرَ الماءَ مَثَلًا، لِأنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ يَكُونُ بِالمَطَرِ، فَأُقِيمَ مَقامَهُ إذْ كانَ سَبَبَهُ.
وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَعْنى: لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الكُفْرِ فَكانُوا كُفّارًا كُلُّهُمْ، لَأكْثَرْنا لَهُمُ المالَ لِنَفْتِنَهم فِيهِ عُقُوبَةً واسْتِدْراجًا، ثُمَّ نُعَذِّبُهم عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: لَأكْثَرْنا لَهُمُ الماءَ فَأغْرَقْناهُمْ، كَقَوْمِ نُوحٍ ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "نَسْلُكْهُ" بِالنُّونِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ.
﴿ عَذابًا صَعَدًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَذابًا شاقًّا.
يُقالُ: تَصَعَّدَنِي الأمْرُ: إذا شَقَّ عَلَيَّ.
ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ: ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ ما تَصَعَّدَتْنِي خِطْبَةُ النِّكاحِ.
وَنَرى أصْلَ هَذا كُلِّهِ مِنَ الصُّعُودِ، لِأنَّهُ شاقٌّ، فَكُنِّيَ بِهِ عَنِ المَشَقّاتِ.
وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ جَبَلٌ في النّارِ يُكَلَّفُ صُعُودُهُ، وسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا ﴾ ﴿ وَأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أحَدًا ﴾ ﴿ وَأنّا لَمَسْنا السَماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا ﴾ ﴿ وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا ﴾ ﴿ وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا ﴾ هَذِهِ الألِفُ مِن "أنَّهُ" اخْتَلَفَ في فَتْحِها وكَسْرِها والكَسْرُ أوجَهُ، والمَعْنى في الآيَةِ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ في أسْفارِها وتُغْرِبُها في الرَعْيِ وغَيْرِهِ، فَإنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ رَوَوْا أنَّ الرَجُلَ كانَ إذا أرادَ المَبِيتَ والحُلُولَ في وادٍ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا عَزِيزُ هَذا الوادِي إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ السُفَهاءِ الَّذِينَ في طاعَتِكَ، فَيَعْتَقِدُ بِذَلِكَ أنَّ الجِنِّيَّ الَّذِي بِالوادِي يَمْنَعُهُ ويَحْمِيهِ، فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ما نَمْلِكُ لَكم ولِأنْفُسِنا مِنَ اللهِ شَيْئًا، قالَ مُقاتِلٌ: أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ ثُمَّ بَنُو حَنِيفَةَ ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ لِذَلِكَ تَحْتَقِرُ بَنِي آدَمَ وتَزْدَرِيهِمْ لِما يُرْوى مِن جَهْلِهِمْ، فَكانُوا يَزِيدُونَهم مَخافَةً، ويَتَعَرَّضُونَ لِلتَّخَيُّلِ لَهم بِمُنْتَهى طاقاتِهِمْ، ويُغْوُونَهم في إرادَتِهِمْ لَمّا رَأوا رِقَّةَ أحْلامِهِمْ، فَهَذا هو الرَهَقُ الَّذِي زادَتْهُ الجِنُّ بِبَنِي آدَمَ، وقالَ مُجاهِدٌ، والنَخْعِيُّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَنُو آدَمَ زادُوا الجِنَّ رَهَقًا وهي الجُرْأةُ والِانْتِخاءُ عَلَيْهِمْ والطُغْيانُ وغَشَيانُ المَحارِمِ والإعْجابُ لِأنَّهم قالُوا: سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ، وقَدْ فَسَّرَ قَوْمٌ الرَهَقَ بِالإثْمِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى: لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي وامِقُ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا؟
وقالَ مَعْناهُ: ما لَمْ يَغُشْ مُحْرَّمًا، فالمَعْنى: زادَتِ الجِنُّ الإنْسَ إثْمًا لِأنَّهم عَظَّمُوهم فَزادُوهُمُ اسْتِحْلالًا لِمَحارِمِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنَّهم ظَنُّوا" يُرِيدُ بَنِي آدَمَ الكُفّارَ، "كَما ظَنَنْتُمْ" مُخاطَبَةً لِقَوْمِهِمْ مِنَ الجِنِّ، وقَوْلُهُمْ: "أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أحَدًا" يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما بَعْثُ الحَشْرِ مِنَ القُبُورِ، والآخَرُ بَعْثُ آدَمِيٍّ رَسُولًا، وً"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ لَنْ يَبْعَثَ ﴾ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، وهي تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ تَأْوِيلًا أنَّ المَعْنى: وأنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ، فَهي مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُمْ: "أنّا لَمَسْنا السَماءَ" مَعْناهُ: التَمَسْنا، ويَظْهَرُ بِمُقْتَضى كَلامِ العَرَبِ أنَّها اسْتِعارَةٌ لِتَجْرِيبِهِمْ أمْرَها وتَعَرُّضِهِمْ لَها، فَسُمِّيَ ذَلِكَ لَمْسًا إذْ كانَ اللَمْسُ غايَةَ غَرَضِهِمْ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُالمُتَنَبِّي: تَعَدَّ القُرى والمِسْ بِنا الجَيْشَ لَمْسَةً ∗∗∗ ∗∗∗ نُبادِرْ إلى ما تَشْتَهِي يَدُكَ اليُمْنى فَعَبَّرَ عن صَدْمِ الجَيْشِ بِالجَيْشِ وحَرْبِهِ بِاللَمْسِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "المِسْ فُلانًا في أمْرِ كَذا" أيْ: جَرِّبْ مَذْهَبَهُ فِيهِ، و"مُلِئَتْ" إمّا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لِـ "وَجَدْنا"، وإمّا أنْ يَقْصُرَ الفِعْلُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ويَكُونُ "مُلِئَتْ" في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ الأعْرَجُ يَقْرَأُ "مُلِيتَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الشُهُبُ" كَواكِبُ الرَجْمِ، و"الحَرَسُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرَمْيَ بِالشُهُبِ وكَرَّرَ المَعْنى بِلَفْظٍ مُخْتَلِفٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلائِكَةَ.
و"مَقاعِدَ" جَمْعُ مُقْعَدٍ، وقَدْ «فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ صُورَةَ قُعُودِ الجِنِّ أنَّهم كانُوا واحِدًا فَوْقَ واحِدٍ، فَمَتى أحْرَقَ الأعْلى طَلَعَ الَّذِي تَحْتَهُ مَكانَهُ، فَكانُوا يَسْتَرِقُونَ الكَلِمَةَ فَيُبَلِّغُونَها إلى الكُهّانِ ويَزِيدُونَ مَعَها، ويَزِيدُ الكُهّانُ لِلْكَلِمَةِ مِائَةَ كِذْبَةٍ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ ﴾ الآيَةُ...
قَطَعَ عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَمَعَ الآنَ أحْرَقَهُ شِهابٌ، فَلَيْسَ هُنا بَعْدَ سَمْعٍ، إنَّما الإحْراقُ عِنْدَ الِاسْتِماعِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرَجْمَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَأْصِلٍ، وكانَ الحَرَسُ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَدِيدًا، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ اشْتَدَّ الأمْرُ حَتّى لَمْ يَكُنْ فِيهِ يَسِيرٌ ولا سَماحَةٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ لِأصْحابِهِ وقَدْ رَأوا كَوْكَبًا راجِمًا: "ماذا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذا في الجاهِلِيَّةِ؟" قالُوا: كُنّا نَقُولُ: ولَدُ مَلَكٍ ماتَ مَلَكٌ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ"، ثُمَّ وصَفَ صُعُودَ الجِنِّ.» وَقَدْ قالَ عَوْفُ بْنُ الخَرْعِ -وَهُوَ جاهِلِيٌّ-: فانْقَضَّ كالدُرِّيِّ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طَنْبًا وهَذا في أشْعارِهِمْ كَثِيرٌ.
و"رَصَدًا" نَعْتٌ لِلشِّهابِ، ووَصَفَهُ بِالمَصْدَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ ﴾ الآيَةُ...
مَعْناهُ: لا نَدْرِي، أيُؤْمِنُ الناسُ بِهَذا النَبِيِّ فَيُرْشِدُوا أمْ يَكْفُرُونَ بِهِ فَيَنْزِلُ بِهِمُ الشَرُّ؟
<div class="verse-tafsir"
قرأ الجمهور همزة ﴿ وإنه ﴾ بالكسر.
وقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة عطفاً على المجرور بالباء، والمقصود منه هو قوله: ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ وأما قوله: ﴿ كان رجال من الإِنس ﴾ الخ، فهو تمهيد لما بعده.
وإطلاق الرجال على الجن على طريق التشبيه والمشاكلة لوقوعه مع رجال من الإِنس فإن الرجل اسم للذكر البالغ من بني آدم.
والتأكيد ب (إن) مكسورة أو مفتوحة راجع إلى ما تفرع على خبرها من قولهم {فزادوهم رَهَقاً.
والعوذ: الالتجاء إلى ما ينجي من شيء يضر، قال تعالى: ﴿ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ [المؤمنون: 97]، فإذا حمل العوذ على حقيقته كان المعنى أنه كان رجال يلتجئون إلى الجن ليدفع الجن عنهم بعض الأضرار فوقع تفسير ذلك بما كان يفعله المشركون في الجاهلية إذا سار أحدهم في مكان قفر ووحش أو تعَزب في الرعي كانوا يتوهمون أن الجن تسكن القفر ويخافون تعرض الجن والغيلان لهم وعبثَها بهم في الليل فكان الخائف يصيح بأعلى صوته: يا عَزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، فيخال أن الجني الذي بالوادي يمنعه، قالوا: وأول من سن ذلك لهم قوم من أهل اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا ذلك في العرب وهي أوهام وتخيلات.
وزعم أهل هذا التفسير أن معنى ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ أن الجن كانوا يحتقرون الإِنس بهذا الخوف فكانوا يكثرون من التعرض لهم والتخيل إليهم فيزدادون بذلك مخافة.
والرهق: الذل.
والذي أختاره في معنى الآية أن العوذ هنا هو الالتجاء إلى الشيء والالتفاف حوله.
وأن المراد أنه كان قوم من المشركين يعبدون الجن اتقاء شرها.
ومعنى ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ فزادتهم عبادتهم إياهم ضلالاً.
والرهق: يطلق على الإثم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الجِنِّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ حُضُورِ النَّفَرِ مِنَ الجِنِّ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِسَماعِ القُرْآنِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والضَّحّاكُ وطائِفَةٌ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ لِلْجِنِّ مَقاعِدُ في السَّماءِ الدُّنْيا يَسْتَمِعُونَ مِنها ما يَحْدُثُ فِيها مِن أُمُورِ الدُّنْيا، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا حُرِسَتِ السَّماءُ الدُّنْيا مِنَ الجِنِّ ورُجِمُوا بِالشُّهُبِ، قالَ السُّدِّيُّ: ولَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ إلّا أنْ يَكُونَ في الأرْضِ نَبِيٌّ أوْ أثَرٌ لَهُ ظاهِرٌ، قالَ: فَلَمّا رَأى أهْلُ الطّائِفِ اخْتِلافَ الشُّهُبِ في السَّماءِ قالُوا: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ فَجَعَلُوا يُعْتِقُونَ أرِقّاءَهم ويُسَيِّبُونَ مَواشِيَهم، فَقالَ لَهم عَبْدُ يالِيلَ بْنُ عَمْرٍو: وَيَحْكُمُ أمْسِكُوا عَنْ أمْوالِكم وانْظُرُوا إلى مَعالِمَ النُّجُومِ، فَإنْ رَأيْتُمُوها مُسْتَقِرَّةً في أمْكِنَتِها لَمْ يَهْلَكْ أهْلُ السَّماءِ، وإنَّما هَذا مِن أجْلِ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ يَعْنِي مُحَمَّدًا فَلَمّا رَأوْها مُسْتَقِرَّةً كَفُّوا.
وَفَزِعَتِ الجِنُّ والشَّياطِينُ، فَفي رِوايَةِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ أتَوْا إبْلِيسَ فَأخْبَرُوهُ بِما كانَ مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: ائْتُونِي مِن كُلِّ أرْضٍ بِقَبْضَةٍ مِن تُرابٍ أشُمُّها فَأتَوْها فَشَمَّها فَقالَ: صاحِبُكم بِمَكَّةَ فَبَعَثَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ.
.
وفي رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا: ما حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ السَّماءِ إلّا أمْرٌ حَدَثَ في الأرْضِ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، فَفَعَلُوا حَتّى أتَوْا تِهامَةَ، فَوَجَدُوا مُحَمَّدًا يَقْرَأُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا لِاخْتِلافِهِمْ في السَّبَبِ، هَلْ شاهَدَ رَسُولُ اللَّهِ الجِنَّ أمْ لا؟
فَمَن قالَ إنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ قالَ إنَّهُ رَآهم وقَرَأ عَلَيْهِمْ ودَعاهم، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ قالَ « (قَدْ أُمِرْتُ أنْ أتْلُوَ القُرْآنَ عَلى الجِنِّ فَمَن يَذْهَبُ مَعِي؟
فَسَكَتُوا، ثُمَّ الثّانِيَةَ فَسَكَتُوا، ثُمَّ الثّالِثَةَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنا أذْهَبُ مَعَكَ، فانْطَلَقَ حَتّى جاءَ الحَجُونَ عِنْدَ شِعْبِ أبِي دُبٍّ، فَخَطَّ عَلَيَّ خَطًّا ثُمَّ قالَ: لا تُجاوِزْهُ، ثُمَّ مَضى إلى الحَجُونِ فانْحَدَرُوا عَلَيْهِ أمْثالَ الحَجَلِ حَتّى غَشُوهُ فَلَمْ أرَهُ)،» قالَ عِكْرِمَةُ: وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن جَزِيرَةِ المَوْصِلِ.
وَمَن قالَ إنَّهم صُرِفُوا في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها لِاسْتِعْلامِ ما حَدَثَ فِيها، قالَ إنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَرَها.
رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ عَلى الجِنِّ ولا رَآهم، وإنَّما انْطَلَقَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ إلى سُوقِ عُكاظَ، فَأتَوْهُ وهو بِنَخْلَةٍ عامِدًا، إلى سُوقِ عُكاظَ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ قالُوا: هَذا الَّذِي حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ» .
قالَ عِكْرِمَةُ: السُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ في عَدَدِهِمْ، فَرَوى عاصِمٌ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ أنَّهم كانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، أتَوْهُ في بَطْنِ نَخْلَةَ.
وَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً، ثَلاثَةٌ مِن أهْلِ حَرّانَ، وأرْبَعَةٌ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، وكانَتْ أسْماؤُهم: حَسّى ومَسّى وماصِرٌ وشاصِرٌ والأرْدُ وأتَيانُ والأحْقَمُ.
وَحَكى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهم كانُوا تِسْعَةً مِن أهْلِ نَصِيبِينَ قَرْيَةٍ بِاليَمَنِ غَيْرِ الَّتِي بِالعِراقِ، وهم سَلِيطٌ وشاصِرٌ وماصِرٌ وحِسًّا ومَنَشًّا ولَحْقَمُ والأرْقَمُ والأرْدُ وأتَيانُ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا، وكانُوا قَدْ أدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ في صَلاةِ الصُّبْحِ فَصَلَّوْا مَعَهُ: ﴿ فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ قالُوا ﴿ يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ ﴾ وقِيلَ إنَّ الجِنَّ تَعْرِفُ الإنْسَ كُلَّها فَلِذَلِكَ تُوَسْوِسُ إلى كَلامِهِمْ.
واخْتُلِفَ في أصْلِ الجِنِّ، فَرَوى إسْماعِيلُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ الجِنَّ ولَدُ إبْلِيسَ، والإنْسَ ولَدُ آدَمَ، ومِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ وهم شُرَكاءُ في الثَّوابِ والعِقابِ فَمَن كانَ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مَؤْمِنًا فَهو ولِيُّ اللَّهِ، ومَن كانَ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ كافِرًا فَهو شَيْطانٌ.
وَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الجِنَّ هم ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ وهم يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ، والشَّياطِينُ هم ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ أصْلِهِمْ، فَمَن زَعَمَ أنَّهم مِنَ الجانِّ لا مِن ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ قالَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِإيمانِهِمْ، ومَن قالَ هم مِن ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ فَلَهم فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَدْخُلُونَها وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
الثّانِي: وهو رِوايَةُ مُجاهِدٍ، لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَجَبًا في فَصاحَةِ كَلامِهِ.
الثّانِي: عَجَبًا في بَلاغَةِ مَواعِظِهِ.
الثّالِثُ: عَجَبًا في عِظَمِ بَرَكَتِهِ.
﴿ يَهْدِي إلى الرُّشْدِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَراشِدُ الأُمُورِ.
الثّانِي: إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ.
﴿ وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أمْرُ رَبِّنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: فِعْلُ رَبِّنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: ذِكْرُ رَبِّنا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الرّابِعُ: غِنى رَبِّنا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الخامِسُ: بَلاءُ رَبِّنا، قالَهُ الحَسَنُ.
السّادِسُ: مُلْكُ رَبِّنا وسُلْطانُهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
السّابِعُ: جَلالُ رَبِّنا وعَظْمَتُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّامِنُ: نِعَمُ رَبِّنا عَلى خَلْقِهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ.
التّاسِعُ: تَعالى جَدُّ رَبِّنا أيْ تَعالى رَبُّنا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
العاشِرُ: أنَّهم عَنَوْا بِذَلِكَ الجِدِّ الَّذِي هو أبُو الأبِ، ويَكُونُ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ عَنْ [جَهالَةٍ] .
﴿ وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جاهِلُنا وهُمُ العُصاةُ مِنّا، قالَ قَتادَةُ: عَصاهُ سَفِيهُ الجِنِّ كَما عَصاهُ سَفِيهُ الإنْسِ.
الثّانِي: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ ورَواهُ أبُو بُرْدَةَ بْنُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ .
ومِن قَوْلِهِ: (شَطَطًا) وجْهانِ: أحَدُهُما: جَوْرًا، وهو قَوْلُ أبِي مالِكٍ.
الثّانِي: كَذِبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وأصْلُ الشَّطَطِ البُعْدُ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنِ الجَوْرِ لِبُعْدِهِ مِنَ العَدْلِ، وعَنِ الكَذِبِ لِبُعْدِهِ عَنِ الصِّدْقِ.
﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ إذا نَزَلَ بِوادٍ قالَ: إنِّي أعُوذُ بِكَبِيرِ هَذا الوادِي - يَعْنِي مِنَ الجِنِّ - مِن سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاَللَّهِ وتَرَكُوهم، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ ﴾ .
وفي قَوْلِهِ: ﴿ فَزادُوهم رَهَقًا ﴾ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: طُغْيانًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: إثْمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، قالَ الأعْشى لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقًا.
يَعْنِي إثْمًا.
الثّالِثُ: خَوْفًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: كُفْرًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الخامِسُ: أذًى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّادِسُ: غَيًّا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
السّابِعُ: عَظَمَةً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّامِنُ: سَفَهًا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر والحاكم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟
فقالوا: أحيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما الذي حال بينكم وبين خبر السماء؟
فانصرف أولئك الذين ذهبوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا ﴿ إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً ﴾ فأنزل الله على نبيه ﴿ قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ وإنما أوحى إليه قول الجن.
وأخرج ابن المنذر عن عبد الملك قال: لم تحرس الجن في الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حرست السماء الدنيا ورميت الجن بالشهب فاجتمعت إلى إبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث فتعرفوا فأخبرونا ما هذا الحدث؟
فبعث هؤلاء النفر إلى تهامة وإلى جانب اليمن وهم أشراف الجن وسادتهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة بنخلة، فسمعوه يتلوا القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا، فلما قضى يعني بذلك أنه فرغ من صلاة الصبح ولوا إلى قومهم منذرين مؤمنين لم يشعر بهم حتى نزل ﴿ قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ يقال: سبعة من أهل نصيبين.
وأخرج ابن الجوزي في كتاب صفوة الصفوة بسنده عن سهل بن عبد الله قال: كنت في ناحية ديار عاد إذ رأيت مدينة من حجر منقورة في وسطها قصر من حجارة تأويه الجن، فدخلت فإذا شيخ عظيم الخلق يصلي نحو الكعبة وعليه جبة صوف فيها طراوة، فلم أتعجب من عظم خلقته كتعجبي من طراوة جبته، فسلمت عليه فرد عليّ السلام، وقال: يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب، وإنما يخلقها روائح الذنوب ومطاعم السحت، وإن هذه الجبة عليَّ منذ سبعمائة سنة لقيت بها عيسى ومحمداً عليهما السلام، فآمنت بهما فقلت له: ومن أنت؟
قال: أنا من الذين نزلت فيهم ﴿ قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ قال: كانوا من جن نصيبين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ تعالى جد ربنا ﴾ قال: الأمر وعظمته.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وأنه تعالى جد ربنا ﴾ قال: أمره وقدرته.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ تعالى جد ربنا ﴾ قال: عظمته.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت الشاعر وهو يقول: لك الحمد والنعماء والملك ربنا ** ولا شيء أعلى منك جداً وأمجدا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: لو علمت الجن أية يكون في الإِنس ما قالوا ﴿ تعالى جد ربنا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ تعالى جد ربنا ﴾ قال: غنى ربنا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ تعالى جد ربنا ﴾ قال: تعالت عظمته.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ تعالى جد ربنا ﴾ قال: جلال ربنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ وأنه تعالى جد ربنا ﴾ قال: ذكره، وفي قوله: ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ قال: هو إبليس.
وأخرج ابن مردويه والديلمي بسند واه عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ قال: إبليس.
وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن حاضر مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً ﴾ قال: عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإِنس.
وأخرج عبد بن حميد عن علقمة أنه كان يقرأ التي في الجن والتي في النجم وأن وأنه بالنصب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن كردم بن أبي السائب الأنصاري رضي الله عنه قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم، فوثب الراعي، فقال: يا عامر الوادي أنا جار دارك، فنادى منادٍ لا تراه يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن ﴾ الآية.
وأخرج ابن سعد عن أبي رجاء العطاردي من بني تميم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رعيت على أهلي وكفيت مهنتهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خرجنا هراباً فأتينا على فلاة من الأرض، وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا: إنا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة، فقلنا ذاك، فقيل لنا: إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمن أقرّ بها أمن على دمه وماله، فرجعنا فدخلنا في الإِسلام قال أبو رجاء: إني لأرى هذه الآية نزلت فيّ وفي أصحابي ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ﴾ .
وأخرج أبو نصر السجزي في الإِبانة من طريق مجاهد عن ابن عباس أن رجلاً من بني تميم كان جريئاً على الليل والرجال، وأنه سار ليلة فنزل في أرض مجنة، فاستوحش، فعقل راحلته، ثم توسد ذراعيها وقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر أهله، فأجاره شيخ منهم، وكان منهم شاب وكان سيداً في الجن، فغضب الشاب لما أجاره الشيخ، فأخذ حربة له قد سقاها السم لينحر ناقة الرجل بها فتلقاه الشيخ دون الناقة فقال: يا مالك بن مهلهل ** مهلاً فذلك محجري وإزاري عن ناقة الإِنسان لا تعرض لها ** واختر إذا ورد المها أثواري إني ضمنت له سلامة رحله ** فاكفف يمينك راشداً عن جاري ولقد أتيت إلى ما لم أحتسب ** إلا رعيت قرابتي وجواري تسعى إليه بحربة مسمومة ** أفّ لقربك يا أبا اليقطاري لولا الحياء وان أهلك جيرة ** لتمزقتك بقوة أظفاري فقال له الفتى: أتريد أن تعلوا وتخفض ذكرنا ** في غير مزرية أبا العيزار متنحلاً أمراً لغيرك فضله ** فارحل فإن المجد للمرار من كان منكم سيداً فيما مضى ** إن الخيار هم بنو الأخيار فاقصد لقصدك يا معيكر إنما ** كان المجير مهلهل بن وبار فقال الشيخ: صدقت كان أبوك سيدنا وأفضلنا، دع هذا الرجل لا أنازعك بعده أحداً، فتركه، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه القصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحداً منكم وحشة، أو نزل بأرض مجنة فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن فتن الليل، ومن طوارق النهار إلا طارقاً يطرق بخير» فأنزل الله في ذلك ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ﴾ قال أبو نصر: غريب جداً لم نكتبه إلا من هذا الوجه.
وأخرج الخرائطي في كتاب الهواتف عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن رجلاً من بني تميم يقال له: رافع بن عمير حدث عن بدء إسلامه قال: إني لأسير برمل عالج ذات ليلة إذا غلبني النوم فنزلت عن راحلتي وأنختها ونمت وقد تعوذت قبل نومي فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن فرأيت رجلاً في منامي بيده حربة يريد أن يضعها في نحر ناقتي، فانتبهت فزعاً فنظرت يميناً وشمالاً فلم أر شيئاً، فقلت: هذا حلم.
ثم عدت فغفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئاً، فإذا ناقتي ترعد.
ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب، والتفتّ فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيته في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها فبينما هما يتنازعان، إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى: قم فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الإِنسي.
فقام الفتى فأخذ منها ثوراً عظيماً وانصرف، ثم التفت إلى الشيخ وقال: يا هذا إذا نزلت وادياً من الأودية فخفت هوله فقل: أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي، ولا تعذ بأحد من الجن، فقد بطل أمرها.
فقلت له: ومن محمد هذا؟
قال: نبي عربي لا شرقي ولا غربي بعث يوم الأثنين.
قلت: فأين مسكنه؟
قال: يثرب ذات النخل.
فركبت راحلتي حين برق الصبح وجددت السير حتى أتيت المدينة، فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئاً ودعاني إلى الإِسلام فأسلمت.
قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: وكنا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن ﴾ قال: كان رجال من الإِنس يبيت أحدهم في الجاهلية بالوادي فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ قال: إثماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن ﴾ قال: كان أحدهم إذا نزل الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيأمن في نفسه ليلته أو يومه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن ﴾ قال: كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظيم هذا الوادي ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ قال: زادوا الكفار طغياناً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن ﴾ قال: كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلاً قالوا: نعوذ بعزيز هذا المكان ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ يقول: خطيئة وإثماً.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ﴾ قال: كان القوم إذا نزلوا وادياً قالوا: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي فقالوا: نحن لا نملك لنا ولا لكم ضراً ولا نفعاً، وهؤلاء يخافونا فاحتووا عليهم.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس ﴿ وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ﴾ قال: كانوا يقولون: فلان رب هذا الوادي من الجن، فكان أحدهم إذا دخل ذلك الوادي يعوذ برب الوادي من دون الله، فيزيده بذلك ﴿ رهقاً ﴾ أي خوفاً.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إن ناساً في الجاهلية كانوا إذا أتو وادياً للجن ناد منادي الإِنس إلى خيار الجن أن احبسوا عنا سفهاءكم فلم يغنهم ما وعظوا به ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه فلا يكونون بشيء أشد ولعاً منهم بهم، فذلك قوله: ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق معاوية بن قرة عن أبيه قال: ذهبت لأسلم حين بعث الله محمداً مع رجلين أو ثلاثة في الإِسلام، فأتيت الماء حيث يجتمع الناس، فإذا الناس براعي القرية الذي يرعى لهم أغنامهم، فقال: لا أرعى لكم أغنامكم.
قالوا: لم؟
قال: يجيء الذئب كل ليلة يأخذ شاة وصنمكم هذا راقد لا يضر ولا ينفع ولا يقر ولا ينكر، فذهبوا وأنا أرجو أن يسلموا، فلما أصبحنا جاء الراعي يشتد يقول: البشرى البشرى قد جيء بالذئب وهو مقموط بين يدي الصنم بغير قماط، فذهبوا وذهبت معهم فقتلوه وسجدوا له، وقالوا: هكذا فاصنع، فدخلت على محمد صلى الله عليه وسلم، فحدثته هذا الحديث فقال: لعب بهم الشيطان.
أخرج عبد بن حميد في قوله: ﴿ وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً ﴾ قال: كانت الجن تسمع سمع السماء فلما بعث الله محمداً حرست السماء ومنعوا ذلك، فتفقدت الجن ذلك من أنفسها.
قال: وذكر لنا أن أشراف الجن كانوا بنصيبين من أرض الموصل فطلبوا وصوبوا النظر حتى سقطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي بأصحابه عامداً إلى عطاظ.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في دلائل النبوة عن ابن عباس قال: كان الشياطين لهم مقاعد في السماء يستمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زادوا فيكون باطلاً، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإِبليس، ولم تكن النجوم يرمي بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا الأمر إلا لأمر حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان للجن مقاعد في السماء يستمعون الوحي، فبينما هم كذلك إذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فدحرت الشياطين من السماء ورموا بالكواكب، فجعل لا يصعد أحد منهم إلا احترق، وفزع أهل الأرض لما رأوا من الكواكب ولم يكن قبل ذلك، وقال إبليس: حدث في الأرض حدث فأتى من كل أرض بتربة فشمها، فقال لتربة تهامة: هنا حدث الحدث فصرف إليه نفراً من الجن فهم الذين استمعوا القرآن.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حرست السماء شديداً ورجمت الشياطين، فانكروا ذلك، فقالوا: ﴿ لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً ﴾ فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث، فاجتمعت إليه الجن، فقال: تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الحدث الذي حدث في السماء؟
وكان أول بعث بعث ركب من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتى بلغوا الوادي وادي نخلة فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة، ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه، وهو يقرأ القرآن، فلما قضى يقول: لما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين يقول: مؤمنين.
وأخرج الواقدي وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عمرو قال: لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من السماء ورموا بالشهب.
وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن أبيّ بن كعب قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بها.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن الزهري قال: إن الله حجب الشياطين عن السمع بهذه النجوم، انقطعت الكهنة فلا كهانة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ﴾ قال: حرست به السماء حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم لكيلا يسترق السمع، فأنكرت الجن ذلك، فكان كل من استمع منهم قذف.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت الجن قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون من السماء، فلما بعث حرست فلم يستطيعوا فجاؤوا إلى قومهم يقولون للذين لم يستمعوا فقالوا: ﴿ إنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً ﴾ وهم الملائكة ﴿ وشهباً ﴾ وهي الكواكب ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً ﴾ يقول: نجماً قد أوصد له يرمي به.
قال: فلما رموا بالنجم قالوا لقومهم: ﴿ أنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يجد له شهاباً ﴾ قال: من النجوم ﴿ رصداً ﴾ قال: من الملائكة وفي قوله: ﴿ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ﴾ قالوا: لا ندري لم بعث هذا النبي لأن يؤمنوا به ويتبعوه فيرشدوا أو لأن يكفروا به ويكذبوه فيهلكوا كما هلك من قبلهم من الأمم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن ﴾ تفسير هذا ما روي أن العرب كانوا إذا حل أحد منهم بواد صاح بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، ويعتقد أن ذلك الجن الذي بالوادي يحميه ﴿ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾ ضمير الفاعل للجن، وضمير المفعول للإنس، والمعنى: أن الجن زادوا الإنس ضلالاً وإثماً لما عاذوا بهم، أو زادوهم تخويفاً لما رأوا ضعف عقولهم، وقيل: ضمير الفاعل للإنس، وضمير المفعول للجن: والمعنى إن الإنس زادوا الجن تكبراً وطغياناً لما عاذوا بهم، حتى كان الجن يقول: أنا سيد الجن والإنس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات {وأنه } إلى قوله ﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ بالفتح: يزيد وابن عامر وحمزة وعلي وخلف وحفص.
والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع ﴿ أنه ﴾ ﴿ وأنه ﴾ في خمسة مواضع، واثنين في قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ وهما بالفتح لا غير بالإتفاق.
﴿ تقول الإنس ﴾ بالتشديد من التفعل: يعقوب ﴿ يسلكه ﴾ على الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب الباقون: بالنون ﴿ وإنه لما قام ﴾ بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ لبداً ﴾ بالضم: هشام.
﴿ قل إنما أدعو ﴾ على الأمر: عاصم وحمزة ويزيد الآخرون ﴿ قال ﴾ على صيغة الماضي والضمير لعبد الله ﴿ ربي أمداً ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ليعلم ﴾ مبنياً للمفعول: يعقوب.
الوقوف: ﴿ عجباً ﴾ ه لا ﴿ فآمنا به ﴾ ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما.
ثم الوقف على الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ولا ولداً ﴾ ه ﴿ شططاً ﴾ ه لا ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ وشهباً ﴾ ه ﴿ للسمع ﴾ ط ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ قدداً ﴾ ه ﴿ هرباً ﴾ ه ﴿ آمنا به ﴾ ط ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ ومنا القاسطون ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ حطباً ﴾ ه لا ﴿ غدقاً ﴾ ه لا ﴿ فيه ﴾ ج ﴿ صعداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وأنه ﴾ بالفتح ﴿ لبداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ ورسالاته ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ه لا لأن حتى للابتداء بما بعدها ﴿ عدداً ﴾ ه لا ﴿ أمداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لا ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ عدداً ﴾ ه.
التفسير: روى يونس وهارون عن أبي عمرو ﴿ وحي ﴾ بضم الواو من غير ألف.
والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مراراً.
وقرىء ﴿ أحي ﴾ بقلب الواو همزة.
والكلام في الجنِّ اسماً وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة " حم الأحقاف ".
والذي أزيده ههنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن أرواحاً مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيوني في القلب، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت بالضد.
أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ليست شرطاً في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كان أجزاؤهم صغاراً أو كباراً.
ثم الأمر بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم.
والله أوحى في هذه السورة.
ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة.
ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضراً والشرائط حاصلة والموانع مرتفعة، ثم أنا لا نراه.
وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس أنه ما رأة الجن.
وعن ابن مسعود أنه رآهم.
فالجمع بين القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولاً فأوحى الله إليه في هذه السورة أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية ﴿ أنا سمعنا قرآناً عجباً ﴾ إلى آخره كقوله في " الأحقاف " ﴿ فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ أوحى الله إلى نبيه محمد ما جري بينهم وبين قومهم.
والفائدة فيه أن يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان.
وأجمع القراء على فتح ﴿ أنه استمع ﴾ لأنه فاعل ﴿ أوحي ﴾ وكذا على فتح ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على ﴿ أنه استمع ﴾ وأجمعوا على كسر ﴿ إنا ﴾ في قوله ﴿ إنا سمعنا ﴾ لأنه وقع بعد القول.
وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل ﴿ أوحى ﴾ ولا بد من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه جد ربنا إلى آخره إلا في قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ فإنه كاللذين تقدماه يصح وقوعه فاعل ﴿ أوحي ﴾ من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في قوله {وأنه جد ربنا} ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ وكذلك البواقي أن يكون معنا صدقنا.
قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به.
وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله.قوله ﴿ عجباً ﴾ مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآناً عجباً بديعاً خارجاً عن حد أشكاله بحسن مبانيه وصحة معانية ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ أي الصواب أو التوحيد والإيمان ﴿ فآمنا به ﴾ لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز أن يكون الضمير لله لأن قوله ﴿ ولن نشرك بربنا ﴾ يدل عليه بعد دلالة الحال ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك.
ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوساً ومشركين.
قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله {وأنه جد ربنا} أي عظمته مكن قولهم " جد فلان في عيني " أي عظم.
وفي حديث عمر كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا.
ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء المجودون.
وفي الحديث " "لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ " قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه.
وفي حديث آخر " قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون " يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم.
فقوله ﴿ ما اتخذ ﴾ بيان للأول.
وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير.
النوع الثالث مما ذكره الجن قوله ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً ﴾ السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولاً هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة.
والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد.
الرابع ﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً ﴾ أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون.
وقال جار الله ﴿ كذباً ﴾ صفة أي قولاً مكذوباً فيه، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول.
ومن قرأ بالتشديد وضع ﴿ كذباً ﴾ موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذباً.
قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر.
الخامس ﴿ وأنه كان رجال من الإنس ﴾ الآية.
قال جمهور المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.
وقال آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا.
وقيل: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً لكن من شر الجن كأن يقول مثلاً: أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادي.
وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظناً منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وضعف بأنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً.
أما قوله ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ فمعناه أن الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثماً وجراءة وطغياناً وكبراً لأنهم إذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس.
وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفاً وغشيان شر بإغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استولوا واجترؤا عليهم.
السادس ﴿ وأنهم ﴾ أي الإنس ﴿ ظنوا كما ظننتم ﴾ أيها الجن قاله بعضهم لبعض.
وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير الحكاية.
والضمير في ﴿ وأنهم ﴾ للجن، والخطاب في ﴿ ظننتم ﴾ لأهل مكة.
والأولى أن يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين.
السابع ﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها.
والحرس إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد.
الثامن ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ شهاباً رصداً ﴾ وجوه: قال مقاتل: يعني رمياً بالشهب ورصداً من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس.
فقوله ﴿ رصداً ﴾ كالخبر بعد الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهاباً قد رصد ليرجم به.
وقيل: بمعنى فاعل أي شهاباً راصداً لأجله.
واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا وقد جاء ذكرها في الجاهلية وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة.
وفي قوله ﴿ كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إشارة إلى أن الجنّ كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد كلها.
التاسع ﴿ وأنا لا ندري ﴾ الآية.
وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود من منع الإستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح.
وثانيهما لا نعلم أن المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الإستراق لأجله هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق.
العاشر ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ أي قوم أدون حالاً في الصلاح من المذكورين حذف الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله ﴿ وما منا الإله مقام معلوم ﴾ وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين.
وقوله ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ بيان للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أوعلى حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة.
الحادي عشر ﴿ وأنا ظننا ﴾ أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ إن أراد بنا أمر ﴿ ولن نعجزه هرباً ﴾ أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء.
الثاني عشر ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ الآية.
عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به.
وقوله ﴿ فلا يخاف ﴾ في تقدير مبتدأ أو خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف.
وقوله ﴿ بخساً ولا رهقاً ﴾ على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالماً.
ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ترهقه ذلة.
الثالث عشر ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ أي الجائرون عن طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحاً وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب.
قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك أحرى وأحق وأقرب.
وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا.
وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مراراً أن المجاز أبلغ من الحقيقة.
قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ معطوف على ﴿ إنه استمع ﴾ كما مر ومعناه أوحى إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريق المثلى.
وجوز جمع من المفسرين أن يعود الضمير في ﴿ استقاموا ﴾ إلى الأنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين.
وزعم القاضي أن الثقلين.
يدخلون في الآية لأنه أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم العلة.
وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم.
وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم ﴾ وثانيهما لو استقام الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الإستماع ولو ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم في الحياة الفانية ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ﴾ إلى آخره.
وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه بعينهما.
وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الجنة.
واحتجاج الأشاعرة بقوله ﴿ لنفتنهم ﴾ على أنه هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن.
والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله ﴿ ليبلوكم ﴾ ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه.
وانتصب ﴿ عذاباً صعداً ﴾ على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ أو على تضمين معنى الإدخال.
الصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن ﴿ صعداً ﴾ جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسلفها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبداً ومن جملة الوحي قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ ذهب الخليل أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة ﴿ فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي مسجداً وهو مناسب لمدح النبي في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر.
وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضاً.
قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد وعن الحسن أيضاً أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدراً بمعنى السجود.
وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان.
وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها.
قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول " لا إله إلا الله " لأن قوله ﴿ لا تدعوا مع الله أحداً ﴾ في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه.
قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ هو النبي باتفاق المفسرين.
ثم قال الواحدي: هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة.
ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الإفتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات.
يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال " فعلت كذا ".
وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه.
فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ أيضاً من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن.
ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا اعتراض على هذا الاعتراض.
وفي قوله ﴿ كادوا ﴾ ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه.
والثاني بأن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه.
والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره.
و ﴿ لبداً ﴾ جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد.
والتركيب يدور على الإجتماع ومنه اللبد.
ومن قرأ ﴿ قل إنما أدعو ﴾ فظاهر وهو أمر من الله لنبيه بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله .
ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح.
والرشد بمعنى النفع، والضر بمعن الغي، وكل منها إمارة على ضده.
ثم من ههنا إلى قوله ﴿ إلا بلاغاً ﴾ اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذاً ينحرف إليه.
والمقصود أني لا أملك شيئاً إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى بـ " عن " قال " بلغوا عني ولو آية " قال الزجاج: انتصب ﴿ بلاغاً ﴾ على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.
قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعاً.
وقيل: أن لا أبلغ بلاغاً لم أجد ملتحداً كقولك " أن لا قياماً فقعوداً ".
استدل جمهور المعتزلة بقوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ الآية.
على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله ﴿ أبداً ﴾ وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟
أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ ﴿ أبداً ﴾ فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبيلغ أعظم الذنوب.
وقد يجاب أيضاً بأن قوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي.
فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصاً بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص اله بالكفر.
وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع.
قال جار الله: ﴿ حتى إذا ﴾ متعلق بقوله ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقيناً أن الكافر أضعف الفريقين.
وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا.
ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب ﴿ ومن رسول ﴾ بيان ﴿ لمن ارتضى ﴾ وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علوم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس.
وههنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ فإنه يسلكه ﴾ الأكثرون على أن الضمير لله .
وسلك بمعنى أسلك.
﴿ رصداً ﴾ مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى ووزائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك.
وفي الكلام إضمار التقدير.
إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك.
وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة ﴿ ورصداً ﴾ حال.
قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال ﴿ ليعلم ﴾ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مراراً.
قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير.
وقوله ﴿ من بين يديه ﴾ مع قوله ﴿ أن قد أبلغوا ﴾ كقوله ﴿ فإن له نار جهنم خالدين ﴾ من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى.
ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به.
ثم عمم العلم فقال ﴿ وأحصى كل شيء ﴾ من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار.
و ﴿ عدداً ﴾ مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدوداً محصوراً أو تمييز والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ، اختلف في السبب الذي كان به مجيء الجن إلى رسول الله ، فمنهم من ذكر أن إبليس صعد إلى السماء، فوجدها قد ملئت حرسا شديدا وشهبا؛ فتيقن أنه قد حدث في الأرض حادث، ففرق جنوده؛ ليعلم ذلك.
ومنهم من يقول بأن الأصنام خرت لوجوهها حين بعث [رسول الله] ؛ فعلم إبليس أنه قد حدث في الأرض حادث حتى خرت له الأصنام، ففرق جنوده؛ ليصل إلى علم ذلك.
ثم من الناس من يزعم أن قصة هذه السورة وقصة قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ - واحدة.
وقال بعضهم بأن هؤلاء النفر الذين ذكروا في هذه السورة كانوا من مشركي الجن، والذين ذكروا في سورة الأحقاف كانوا من يهود الجن؛ دليله: أنه قال في هذه السورة فيما حكي عن الجن: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ ، واليهود يقرون بالبعث، ولا ينكرونه؛ فثبت أنهم كانوا من جنس المشركين، وقال في سورة الأحقاف: ﴿ قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ؛ فثبت أنه قد كان عندهم علم بالكتاب [المنزل] على رسول الله [موسى] ، وكانوا به مقرين، واليهود هم الذين يؤمنون بكتاب موسى - - لا غير.
ثم فيما حكى الله عن الجن من تصديقهم هذا الكتاب واستماعهم ما جرى من المخاطبات فيما بينهم - فوائد: إحداها: أن رسول الله كان مبعوثا إلى الجن والإنس حتى صرف الجن إلى الاستماع إليه.
وفيه أنهم لما أخذوا القرآن من لسانه قاموا فيما بين القوم بإنذارهم، وأعانوه في التبليغ على ما أخبر - عز وجل - ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ .
وفيه أن أولئك النفر تسارعوا إلى الإجابة لرسول الله ؛ فيكون فيه تسفيه قوم رسول الله الذين نشأ بين أظهرهم؛ لأنهم عرفوا رسول الله [فيما بينهم] بالصيانة والعدالة، ولم يقفوا منه على كذب قط، وحق من يعرف بالصدق إن لم يصدق ألا يتسارع إلى تكذيبه فيما يأتي [به] من الأنباء، بل يوقف في حاله إلى أن يتبين منه ما يظهر كذبه، وقومه استقبلوه بالتكذيب، ولم يعاملوه معاملة من كان معروفا بالصدق والصيانة، والجن الذين صدقوه، لم يكونوا عارفين بأحواله فيما قبل أنه صدوق، أو ممن يرتاب في خبره، ثم تسارعوا إلى تصديقه؛ لما لاحت لهم الحجة وثبتت عندهم آية الرسالة وعاملوه معاملة من قد عرف بالصدق؛ فدل أنهم كانوا في غاية من السفه، وفيه - أيضاً - دلالة رسالته ؛ لأن قوله : ﴿ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ...
﴾ إلى آخر القصة فيما بينهم - إخبار عن علم الغيب وهذا لا يعرف إلا بمن عنده علم الغيب؛ فثبت أنه بالله علم.
ثم يجوز أن يكون الذي حملهم على الإيمان به ما عرفوا أنه أتى بالمعجز الذي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله، وبما وقوفوا على إحكام معانيه وحسن تأليفه ونظمه.
وفيه أن رسول الله لم يشعر بمجيئهم حتى أُوحي إليه أنه قد أتاه نفر من الجن، واستمعوا إلى ما أوحي إليه؛ فيكون فيه دلالة على فساد قول الباطنية؛ حيث يزعمون أن [رسول الله] قبل الوحي بالجسد الروحاني؛ لأنه لو كان كما وصفوا، لرأى الجن عندما حضروا إليه؛ إذ الجسد الروحاني مما يبصر الجن، ولم يكن يُوحَى إليه، فيعرف أن قد حضره نفر من الجن.
"وروي عن رسول الله أنه سأل جبريل - - أن يراه على صورته، فقال [له] جبريل: إنك لا تطيقه؛ لأن الأرض لا تسعني، ولكن انظر إلى أفق السماء" ، ولو كان يأخذ الوحي بالجسد الروحاني، لكان قد رأى جبريل - - على صورته فيبطل فائدة هذا السؤال؛ فثبت أن الأمر ليس كما زعموا، بل كان يقبله بالصورة الجسدانية، وأنه كما وصفه الله بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ...
﴾ .
وقال القتبي: النفر: ما بين الثلاثة إلى التسعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾ .
قال بعضهم: العجب: الغريب، وإنما استغربوا ذلك منه؛ لأنهم سمعوه من أميّ لا يعرف الكتابة ولا يقرأ الكتب.
ومنهم من قال بأن حسن تأليفه ونظمه ووصفه هو الذي حملهم على التعجب.
ومنهم من قال: إنما تعجبوا من آياته وحججه؛ لأنه جاء في تثبيت التوحيد، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث، ولم يكن لهم معرفة بالوحدانية؛ بل كانوا أهل شرك، ولم يكونوا أهل معرفة بالبعث ولا الرسالة؛ فكانت الآيات عجيبة؛ حيث قررت عندهم هذه الأوجه، والله أعلم.
ثم في هذه السورة وفي قوله : ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ إخبار أن رسول الله لم يكن يشعر بمجيئهم.
وروي في الخبر عن رسول الله "أنه لما تلى على أصحابه سورة الرحمن، قال لأصحابه: إن الجن كانوا أحسن إجابة منكم، إني تلوت عليهم هذه السورة، فكانوا يقولون: ما بشيء من آلائك نكذب ربنا، فلك الحمد" .
ففي هذا الخبر دلالة أنه قد رآهم وشعر بمجيئهم؛ فيكون فيه إثبات الوجهين جميعا: أن قد شعر مرة، ولم يشعر أخرى.
ثم يجوز أن يكون رآهم بما قوى الله - عز وجل - بصره حتى احتمل إدراك الجن، وضعفت أبصار غيره عن رؤيتهم؛ ألا ترى أن أهل الجنة يرون الملائكة عندما تأتيهم بالتحف من ربهم، فيقوي الله - عز وجل - بصرهم حتى رأوا الملائكة بجوهرهم، وإن ضعفت أبصارهم عن الرؤية في الدنيا، ففي ذلك تجويز أن يكون الله - - قوى بصر نبيه حتى رأى الجن على صورتهم.
وجائز أن يكون الله صور الجن على صورة الإنس حتى رآهم، وشعر بمجيئهم، والله أعلم.
ثم ما ذكرنا من السببين في أمر مجيء الجن إلى رسول الله في أول السورة من قول أهل التأويل لا نقطع القول بذلك، وإن كان في حد الإمكان والجواز؛ لأنهم تكلفوا استخراج ذلك بالتدبر والاجتهاد، وما كان سبيل معرفته الاجتهاد، لم يجز أن نقطع القول فيه بالشهادة.
وقد يجوز أن يكون الذي حملهم على المجيء غير ذينك الوجهين، وهو أن يكون النفر من منذري الجن؛ لأنه ذكر أن من الجن نذراً، وأن الرسل من الإنس دون الجن، فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا برسول الله فيتلقفوا منه ما يقومون به بالنذارة فيما بين قومهم إذ كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الأخبار، وينذرون قومهم بها، ثم انقطع علم ذلك عنهم حيث لم يجدوا مسلكا إلى الصعود؛ لأنها قد ملئت حرسا، وعلموا أن الله - عز وجل - لا يبقيهم حيارى ويقطع عنهم وجه المعرفة، فتفرقوا في الأرض رجاء أن يظفروا بمن يزيل عنهم الشبه، ويوضح لهم الحجج والبراهين، فوصلوا إلى مقصودهم من جهة نبينا محمد .
ويجوز أن يكون عندهم أن لا أحد في الأرض من جني أو إنسي يكذب على الله؛ كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، فلما تحقق عندهم الكذب خافوا على أنفسهم أن يبتلوا به، وأن يشتبه عليهم الصراط السوي؛ فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا بمن يدلهم على الطريقة المثلى، حتى وجدوا رسول الله .
ويجوز أن يكونوا لما صعدوا إلى السماء، فرأوها مملوءة من الحرس والشهب، أيقنوا أن ذلك لحادث خبر أو خافوا حلول نقمة بأهل الأرض؛ فتفرقوا في البلاد لما لعلهم يصلون إلى علم ذلك.
ثم الذي تحقق كون هذا الخبر وهو أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في حق الكفرة - انقطاع الكهنة بعد ذلك، ولو كان الأمر على خلاف هذا، لكانوا لا ينقطعون؛ لأن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيأتون الكهنة بما يستمعون من الأخبار، ويلقونها إليهم؛ فيضلون بها الخلق، فلو لم يمنعوا عن السماء لكانوا لا ينقطعون، ومن ادعى الكهانة اليوم فلا تجد عنده خبرا حادثا سوى ما تلقفوه من ألسن الرسل عليهم السلام، وكان أمر الشهاب أمرا ظاهرا، عرفته الكفرة فيما بينهم؛ فكانت هذه حجة سماوية لرسول الله صلى الله عليه سلم مقررة عند الكفرة رسالته؛ إذ لم يدع أحد منهم بكون الشهاب قبل أن يبعث النبي ، فصار انقطاع الكهنة دليلا على صدقه في مقالته، والله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ﴾ .
أي: إلى الحق، على ما ذكرنا بيانه في سورة الأحقاف في قوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: إنهم كانوا من مشركي العرب، فتبرءوا من الشرك لما استمعوا وسمعوا [من] القرآن بقولهم: ﴿ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً ﴾ ، وقد يحتمل هذا الذي قالوا.
ويحتمل أنه لم يسبق منهم الإشراك؛ بل كانوا من جملة الموحدين، ولكنهم أحدثوا إيمانا بما سمعوا من القرآن، وأحدثوا تبرءاً من الشرك، وقد يتبرأ المرء من الشرك عندما يحدث له زيادة إيقان وإن لم يسبق منه الإشراك؛ كما قال موسى - -: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ .
اختلف في تأويل الجد: فمنهم من يقول بأن هذه الكلمة يتكلم بها فيمن يظفر بكل ما يريده، فيوصف بأنه ذو جد، [فجائز] أن يكونوا أرادوا بهذا أن ربنا هو الظافر بكل ما يريده، فلا يستقبله خلاف، ولا تمسه حاجة، وعلى هذا التأويل قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" أي: من كان له الجد في الدنيا، فإذا كان في تقدير الله على خلاف ذلك، لم يغنه ذلك من عذاب الله شيئا.
فإن كان هذا هو المراد، فمعناه: أن من هذا وصفه يتعالى عن أن يكون له شريك، أو يحتاج إلى صاحبة، أو إلى اتخاذ ولد؛ لأن هذه الأشياء كلها أمارات الحاجة، ومن ظفر بكل ما يريده لم تقع [له] حاجة.
وجائز أن يكون الجد صلة، ومعناه: ربنا.
وجائز أن يكون الجد عبارة عن العظمة والرفعة؛ يقال: "فلان جد في قومه": إذا عظم وشرف فيهم.
وقال الحسن: ﴿ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ ، أي: غِنَى ربنا؛ ألا ترى كيف ذكر الله عندما نزه نفسه عن اتخاذ الأولاد بقوله: ﴿ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ ، وقد ذكر اتخاذ الولد هاهنا على أثر قوله - عز وجل -: ﴿ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ .
ومنهم من يقول تأويله: ملك ربنا.
وجائز أن يكون أريد به: قوة بنا، فتعالى ربنا عن كل ما لو نسب إليه كان فيه [نسبته] إلى فعل الرذالة والتسفل.
ثم الحق ألا يتكلف تفسير قوله: ﴿ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ هاهنا؛ لأنه حكاية عن مقالة الجن، فمراد هذه الكلمة إنما يعرف بإخبار الجن.
ثم الشرك فيما جرى به الكتاب على أوجه أربعة: مرة على العبادة بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ﴾ .
وشرك في الخلق بقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وشرك في الحكم بقوله : ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ .
وشرك في الملك بقوله: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ ﴾ فثبت أن الشرك يقع مرة في العبادة، ومرة في الخلق، ومرة في الملك، ومرة في الحكم؛ فهو بقولهم: ﴿ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً ﴾ تبرءوا عن الشرك من هذه الأوجه الأربعة.
ثم إذا كان الجد عبارة عن الذي يظفر بكل ما يريده، ففيه ما ينقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يزعمون أن الله أراد من كل كافر الإيمان، فإذا لم يؤمنوا، فهو غير ظافر بما يريد على قولهم.
ويدخل عليهم النقض من وجه آخر، وهو أنا قد بينا أن الشرك قد يقع مرة في الخلق، وهم ينفون خلق الأفعال عن الله ، وإذا نفوا ذلك، فقد جعلوا له في الخلق شركاء، وقد أخبر - عز وجل - أنه هو المتفرد بخلق الخلائق؛ فثبت أن الأفعال من حيث الخلق والإنشاء من الله ، ومن جهة الكسب والفعل للخلق؛ فمن الوجه الذي تضاف إلى الله لا يجوز أن تضاف من ذلك الوجه إلى الخلق عندنا؛ فلا يقع في الخلق تشابه؛ لأنه لا يتحقق من العباد الفعل من الوجه الذي تحقق من الله ؛ ألا ترى أنه يضاف الملك إلى الله ، وإلى الخلق، ثم لا يقع في ذلك إشراك؛ لأنه من الوجه الذي يضاف إلى الله لا يتحقق ذلك الوجه في الخلق؛ لأن الإضافة إلى الخلق على جهة المجاز والإضافة إلى الله على جهة التحقيق؛ فكذلك إضافة الأفعال إلى الله وإلى الخلق، لا توجب الشرك؛ لاختلاف الجهتين، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً ﴾ ؛ لأن اتخاذ الصاحبة من الخلق؛ لغلبة الشهوة، وهو منشئ الشهوات؛ فلا يجوز أن يغلبه ما هو خلقه، فيبعثه ذلك على اتخاذ الصاحبة، وبهذا يرد على من زعم أن الملائكة بنات الله ، والبنات يحدثن من الصاحبة، وهو لم يتخذ صاحبة؛ فأنى يكون له بنات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ وَلَداً ﴾ فالأصل أن الأولاد يرغب فيهم المرء؛ لإحدى خصال: إما لما يناله من الوحشة؛ فيطلب الولد؛ ليستأنس بهم.
أو يرغب فيهم؛ لما حل به من الضعف، فيريد أن يستنصر بهم.
أو لما يخاف زوال ملكه؛ فيطلب الولد؛ ليأمن من زواله.
وجل الله وتعالى عن أن تلحقه وحشة، أو يصيبه ضعف، أو يخاف زوال الملك؛ فإذا كانت الطرق التي بها يرغب [في اكتساب الأولاد] منقطعة في حقه، لزم تنزيهه عن اتخاذ الأولاد؛ ولهذا ما ذكر عندما نسبته الملاحدة إلى اتخاذ الأولاد - غناه بقوله ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ ، أي: غني عن كل الوجوه التي تتوجه إلى اتخاذ الأولاد، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً ﴾ .
فمنهم من ذكر أن سفيههم إبليس، وليس هذا براجع إلى الواحد على الإشارة إليه، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه فعل السفه؛ ألا ترى أنه إذا قيل: "كان يقول مسيئنا كذا"، و "كان يقول فاسقنا كذا"، لم يعن به فاسق ولا مسيء واحد على الإشارة؛ بل يراد به كل معروف بالإساءة والفسق؛ فعلى ذلك قوله ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا ﴾ ليس بمقتصر على الواحد، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه ذلك.
ثم في هذه الآية دلالة أن النفر الذين استمعوا كانوا مؤمنين، ولم يكونوا من أهل الكفر؛ لأنهم لو كانوا أهل شرك، لكانوا لا يضيفون فعل السفه إلى غيرهم، ويخرجون أنفسهم منه، وقد وجد منهم فعل السفه.
ولو كانوا مشركين - أيضا - لكانوا يقولون مكان هذه الكلمة: "وإنا كنا نقول على الله شططا"؛ ليكون ذلك منهم توبة ورجوعا عما كانوا فيه من الشرك والكفر؛ شكرا بما أنعم الله عليهم من عظيم النعمة بأن هداهم للإيمان، لا أن يضيفوا ذلك إلى سفهائهم؛ فثبت أنهم كانوا مؤمنين.
والشطط: الجور.
وقال بعضهم: هو الكذب.
وقال بعضهم: الظلم.
والشطط هاهنا الجور، والجور ما أتوا به من القول الفاحش، وهو الشرك بالله ، وهذا يبين أن الجور قبيح في كل الألسن وفيما بين أهل الأديان؛ ألا ترى كيف سفهوا من يقول على الله بالجور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ .
ذكر أبو بكر الأصم أنهم كانوا اعتقدوا أن لله صاحبة وولدا؛ بما سمعوا [الجن والإنس] يقولون ذلك، وكان عندهم أنهم في ذلك صادقون؛ فذلك المعنى هو الذي حملهم على القول بأن لله ولدا وصاحبة؛ فلما ظهر عندهم كذب من يدعي اتخاذ الولد والصاحبة تبرءوا عمن يقول ذلك؛ فثبت بهذا أنهم كانوا أهل شرك إلى ذلك الوقت؛ فلما استمعوا إلى قراءة الرسول ، ولاحت لهم الحجج، وارتفعت عنهم الشبه، آمنوا به، وتبرءوا عن مقالتهم المتقدمة.
وقد يحتمل غير ما ذكره عنهم أبو بكر من التأويل، وهو أن القوم كانوا أنشئوا على الهدى والإيمان؛ فكانوا يظنون أن الجن والإنس على الهدى، وأنهم لا يكذبون على الله حتى ظهر عندهم كذب [الإنس والجن] بقولهم: إن لله ولدا وصاحبة.
وجائز أن يكون معناه: إنا كنا نظن ألا تسخو نفس أحد من الممتحنين بالكذب على الله بما أراهم الله قبح الكذب، وقرر عندهم بالحجج والأدلة تنزيهه عن اتخاذ الأولاد والصاحبة؛ حتى ظهر عندهم ذلك بما أظهروه بألسنتهم.
ثم الذي يدل على أن التأويل الذي ذكره أبو بكر ليس بمحكم: أنه قد كان في الجن والإنس مصدق يصف الله بالتنزيه، وقد كان فيهم من يقول بالولد والصاحبة؛ ألا ترى إلى قوله حكاية عنهم: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ ﴾ ، وإلى قوله: ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ ، ولا يحتمل أن يقع عندهم أن الفريقين جميعا على الصواب، ولكن كان في ظنونهم أن القوم جميعا على الهدى على ما هم عليه، فلما تبين عندهم الكذب من أولئك قالوا هذا القول والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾ .
[ذكر أن الإنس]، هم قوم من العرب كانت إذا نزلت بواد استجارت بسيد الوادي، وقالت: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
ثم اختلف بعد هذا: فمنهم من ذكر أنهم [كانوا] يجيرونهم.
ومنهم من زعم أنهم كانوا لا يجيرونهم، وكان ذلك يزيد في رهق الإنس من الجن.
وقالوا: الرهق: هو الخوف، والفرق؛ كذلك روي عن أبي رءوف.
ومنهم من يقول: هو الذلة والضعف، [فكانوا يزدادون الضعف] والذلة والخوف [والفرق] بامتناعهم عن الإعاذة.
ومنهم من يقول بأنهم كانوا يجيرون من استجارهم، ولكن مع هذا كانوا يفرقون منهم، ومن كيدهم في الأماكن التي [لم] يستجيروا فيها إليهم، وفي غير الأوقات التي وقعت فيها الإجارة.
وعلى اختلافهم اتفقوا أن الجن هي التي كانت تزيد الإنس رهقا.
وقيل بأن هذا الفعل من الإنس - وهو الاستجارة بهم - شرك؛ لأن الله هو المجير؛ فكان الحق عليهم أن يستجيروا بالله ؛ ليدفع عنهم مكايد الجن، وألا يروا لأنفسهم ناصرا غير الله ، فإذا فزعوا في الاستجارة إلى الجن، فقد رأوا غير الله يقوم عنهم بالذب والنصر؛ فكان ذلك منهم شركا.
ولأن الجن أضعف من الإنس؛ ألا ترى أنها تختفي من الإنس وتتصور بغير صورتها؛ فرقا؛ لئلا يشعر بها الإنس، وبلغ في ضعفها: أنها لا تقدر على إتلاف أحد من البشر، ولا تقدر على سلب أموالهم، ولا إفساد طعامهم وشرابهم، واستنصار القوي بالضعيف أداة الذلة؛ فيخرج تأويل [من قال] بأن الرهق هو الذلة والضعف على هذا.
ومنهم من يقول بأن الإنس هي التي كانت تزيد الجن رهقا، وقال: الرهق: التجبر، والتكبر.
وقيل: هو السفه والجهل.
وقيل: هي المآثم.
وقال القتبي: هو العبث والظلم؛ يقال: فلان مرهق في دينه؛ إذا كان مفسدا.
ووجه زيادة الرهق: هو أن الرؤساء من الجن كانوا يرون لأنفسهم الفضل على أتباعهم من الجن وعلى الإنس جميعا بما رأوا من افتقار الإنس إليهم حتى احتاجوا إلى الاستعاذة بهم؛ فكان يتداخلهم الكبر من ذلك، ويزدادون به تجبرا وتعظما؛ فكان ذلك يمنعهم عن النظر في حجج الرسل، وكذلك أكابر الكفرة من الإنس كانوا يمتنعون عن الإجابة لرسول الله بما يرون لأنفسهم من الفضل على من سواهم؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا...
﴾ الآية [الأنعام: 123].
فمن زعم أن الرهق: هو الإثم، أو السفه، أو الجور والظلم، أو العبث - يرجع كله إلى هذا المعنى الذي ذكرنا؛ لأن سفههم هو الذي كان يحملهم على التجبر والتكبر؛ لأنه كان لا يستعيذ بهم إلا الجاهل السفيه، وليس في إعاذة الجاهل السفيه منقبة ما يتكبر لأجلها، وهم بتكبرهم ازدادوا إثما وبعدا من رحمة الله ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً ﴾ .
فجائز أن يكونوا نفوا القدرة عن الله بالبعث؛ لما لم يشاهدوا البعث، ورأوه أمرا خارجا عن طوقهم وقواهم؛ فظنوا أن القدرة لا تنتهي إلى هذا، لا أن يكونوا أرادوا به خروج البعث عن حد الحكمة؛ لأنهم لو أرادوا به نفي البعث، لكانوا يقتصرون على قولهم: [ ﴿ لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ ﴾ ]؛ فلما وصلوا به الكلام الذي يتكلم به للتأكيد، وهو قوله: ﴿ أَحَداً ﴾ ، دل أنهم نفوا القدرة.
وجائز أن يكونوا ظنوا أن [لا بعث]؛ لأنه أمر خارج من الحكمة؛ إذ [ليس] من الحكمة أن يهلك ثم يعاد، بل إذا أريد الإبقاء لن يفنى؛ حتى لا يحوج إلى الإعادة.
ثم هذا الكلام ليس بحكاية عن الجن؛ بل الله أخبر أن الجن ظنت أن لا بعث كما ظننتم أنتم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ظَنَنتُمْ ﴾ في الظاهر إشارة إلى الإنس جملة، مسلمهم وكافرهم، ومعلوم بأن المسلمين لم يكونوا يظنون ذلك، بل قد أيقنوا بالبعث، ولكن معناه: أن الكفرة من الجن ظنت أن لا بعث كما ظنت الكفرة منكم أيها الإنس.
ثم في هذه الآية إبانة أنهم كانوا يقولون: لا بعث بالظن، ليس بالعلم، والذي حملهم على الظن إعراضهم عن السبب الذي يوجب القول بالبعث، وكل يأنف بطبعه أن يلزم الظنون، ففيه دعاء وترغيب إلى النظر في حجج البعث وترك الاعتماد على الظنون.
ثم ذكر النحويون أن ما كان ابتداؤه بالكسر في هذه السورة - أعني: حرف "إن"، فهو حكاية عن الجن؛ نحو قوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ﴾ ، وما كان فيه من الحكاية لا عن الجن، فحقه أن يقرأ بالنصب؛ فاختاروا النصب في قوله - عز وجل - ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ ﴾ ؛ لما ليس هو بحكاية عن قول الجن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾ .
جائز أن يكون لمسهم السماء: ليجدوا أبوابها؛ فيدخلوا فيها للاستماع؛ إذ أخبارها ليست في جملة آفاق السماء، ولا أبوابها محيطة بجملة السماء، فكانوا يلمسونها؛ ليظفروا بأبوابها فيدخلوا فيها.
وجائز أن يكون أريد من لمس السماء: لمس أبوابها؛ فكانوا يلمسون أبوابها؛ ليفتحوها؛ فيدخلوا فيها؛ [فيستمعوا إلى] الأخبار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾ جائز أن يكون بعض الأبواب ملئت من الحرس، وبعضها من الشهب؛ فإن أتوا [إلى الأبواب] التي ملئت من الحرس دفعتهم الحرس، وطردتهم، وإن أتوا إلى الأبواب التي فيها الشهب، تبعتهم الشهب؛ كما قال - عز وجل -: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً ﴾ .
وجائز أن تكون الأبواب كلها مملوءة من الحرس والشهب جميعا؛ لأن الحرس لم يمتحنوا بالحراسة خاصة؛ بل امتحنوا بها وبغيرها من الأعمال؛ فجائز أن يكون اشتغالهم بتلك الأعمال يمنعهم عن الحرس؛ فإذا رأوا استراق السمع في وقت شغلهم، تبعهم الشهاب الثاقب، وقذفهم عن مرادهم.
وجائز أن يصعد الجن إلى المكان الذي لا يراهم الملائكة، ويسمع الجن كلامهم؛ لأن المرء قد يتكلم بكلام فينتهي صوته إلى حيث لا يراه البصر، فتكون الشهب تحت الحرس؛ فيقذفون عنها بالشهب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ .
قيل: الشهاب من الكواكب، والرصد من الملائكة.
الأصل في ذلك أن الجن قد حبسوا وقت مبعث رسول الله عن خبر السماء، وكانوا يسترقون السمع قبل ذلك حتى انقطع أمر الكهنة؛ إذ لا يجوز أن يأتوا بخبر السماء وقت مبعث النبي حتى كان يختلط أمر الكهنة بأمره ؛ فحبسوا عن الصعود إلى السماء وإتيان الخبر عنها؛ حتى انقطع أمر الكهنة، فجاءهم الرسول بعد ذلك؛ ليعلموا أن ذلك ليس بكهانة، وإنما هو وحي يأتيه من السماء؛ إذ لو كان كهانة كان غيره لا يمنع عن مثله، كما في سالف الزمان؛ فهذه الآية كأنها حكاية عن قول الجن لما رجعوا إلى قومهم منذرين قالوا هذا كله لقومهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا ندري بما قطعت بالحرس والشهب أخبار السماء عن أهل الأرض، وحبس الذين يصعدون السماء عن أخبار السماء، ويقذفون من كل جانب، أريد بأهل الأرض الشر، وهو إنزال العذاب عليهم، أو أريد بهم أن يرسل إليهم رسول يرشدهم.
وجائز أن يكونوا أيقنوا أن أخبار السماء إنما انقطعت عن أهل الأرض بما يرسل إليهم من الرسول؛ فيكون الرسول هو الذي يخبرهم بما لهم إليه من حاجة، ولكنهم لم يدروا أنه أريد بهم الرشد بإرسال الرسول أو الشر؛ لأنهم كانوا علموا أن من آمن بالرسول المبعوث، ونظر إليه بعين الاستهداء والإرشاد فقد رشد، ومن نظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء استؤصل؛ فلم يدروا أيكذبون الرسول؛ فيحل بهم الهلاك في العاقبة، أو يصدقونه فيرشدوا به؟
وهذا يبين أن العواقب في الأشياء هي المقصودة، وأن الحكيم ما يفعل من الأمر يفعله للعواقب؛ وفي هذا إبانة أن الجن من المسلمين لم يكونوا معتزلة؛ إذ من قول المعتزلة: أن الله لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين والدنيا في حقهم، والجن قد أيقنوا أن الله قد يريد الشر بمن يعلم أنه يؤثر فعل الشر على فعل الخير، ويريد الخير بمن يعلم أنه يؤثره على فعل الشر.
<div class="verse-tafsir"
وأنه كان في الجاهلية رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن عندما ينزلون بمكان مَخُوف، فيقول أحدهم: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فازداد رجال الإنس خوفًا ورعبًا من رجال الجنّ.
<div class="verse-tafsir" id="91.mwoJ9"