الإسلام > القرآن > سور > سورة 73 المزمل > الآية ٢٠ من سورة المزمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 173 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠ من سورة المزمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ) أي : تارة هكذا ، وتارة هكذا ، وذلك كله من غير قصد منكم ، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل ; لأنه يشق عليكم ; ولهذا قال : ( والله يقدر الليل والنهار ) أي : تارة يعتدلان ، وتارة يأخذ هذا من هذا ، أو هذا من هذا .
( علم أن لن تحصوه ) أي : الفرض الذي أوجبه عليكم ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) أي : من غير تحديد بوقت ، أي : ولكن قوموا من الليل ما تيسر .
وعبر عن الصلاة بالقراءة ، كما قال في سورة سبحان : ( ولا تجهر بصلاتك ) أي : بقراءتك ، ( ولا تخافت بها ) وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله ، بهذه الآية ، وهي قوله : ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ، ولو بآية ، أجزأه ; واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين : " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " .
وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت وهو في الصحيحين أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج ، فهي خداج ، فهي خداج ، غير تمام " .
وفي صحيح ابن خزيمة ، عن أبي هريرة مرفوعا : " لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن " .
وقوله : ( علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) أي : علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل ، من مرضى لا يستطيعون ذلك ، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر ، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله ، وهذه الآية - بل السورة كلها - مكية ، ولم يكن القتال شرع بعد ، فهي من أكبر دلائل النبوة ، لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة ؛ ولهذا قال : ( فاقرءوا ما تيسر منه ) أي : قوموا بما تيسر عليكم منه .
قال ابن جرير : حدثنا يعقوب ، حدثنا ابن علية عن أبي رجاء محمد ، قال : قلت للحسن : يا أبا سعيد ، ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه ، ولا يقوم به ، إنما يصلي المكتوبة ؟
قال : يتوسد القرآن ، لعن الله ذاك ، قال الله تعالى للعبد الصالح : ( وإنه لذو علم لما علمناه ) [ يوسف : 68 ] ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم [ الأنعام : 91 ] ) قلت : يا أبا سعيد ، قال الله : ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) ؟
قال : نعم ، ولو خمس آيات .
وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري : أنه كان يرى حقا واجبا على حملة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل ; ولهذا جاء في الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل نام حتى أصبح ، فقال : " ذاك رجل بال الشيطان في أذنه " .
فقيل معناه : نام عن المكتوبة .
وقيل : عن قيام الليل .
وفي السنن : " أوتروا يا أهل القرآن " .
وفي الحديث الآخر : " من لم يوتر فليس منا " .
وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر عبد العزيز من الحنابلة ، من إيجابه قيام شهر رمضان ، فالله أعلم .
وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن سعيد بن فرقد الجدي ، حدثنا أبو [ حمة ] محمد بن يوسف الزبيدي ، حدثنا عبد الرحمن [ عن محمد بن عبد الله ] بن طاوس - من ولد طاوس - عن أبيه ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فاقرءوا ما تيسر منه ) قال : " مائة آية " .
وهذا حديث غريب جدا لم أره إلا في معجم الطبراني ، رحمه الله .
وقوله : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أي : أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم ، وآتوا الزكاة المفروضة .
وهذا يدل لمن قال : إن فرض الزكاة نزل بمكة ، لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة .
والله أعلم .
وقد قال ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، وغير واحد من السلف : إن هذه الآية نسخت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولا من قيام الليل ، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم .
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل : " خمس صلوات في اليوم والليلة " .
قال : هل علي غيرها ؟
قال : " لا ، إلا أن تطوع " .
وقوله تعالى : ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) يعني : من الصدقات ، فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره ، كما قال : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) [ البقرة : 245 ] .
وقوله : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ) أي : جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو [ خير ] لكم حاصل ، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الحارث بن سويد قال : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟
" .
قالوا : يا رسول الله ، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه .
قال : " اعلموا ما تقولون " .
قالوا : ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله ؟
قال : " إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر " .
ورواه البخاري من حديث حفص بن غياث والنسائي من حديث أبي معاوية ، كلاهما عن الأعمش به .
ثم قال تعالى : ( واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) أي : أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها ; فإنه غفور رحيم لمن استغفره .
آخر تفسير سورة " المزمل " ولله الحمد .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) يعني تعالى ذكره بقوله: إن هذه الآيات التي ذكر فيها أمر القيامة وأهوالها، وما هو فاعل فيها بأهل الكفر تَذْكِرَةً يقول: عبرة وعظة لمن اعتبر بها واتعظ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا يقول: فمن شاء من الخلق اتخذ إلى ربه طريقًا بالإيمان به، والعمل بطاعته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: القرآن فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا بطاعة الله.
وقوله: ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ) يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم أقرب من ثلثي الليل مصليا، ونصفه وثلثه.
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك: فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بالخفض؛ ونصفه وثلثه بمعنى: وأدنى من نصفه وثلثه، إنكم لم تطيقوا العمل بما افترض عليكم من قيام الليل، فقوموا أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه.
وقرأ ذلك بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء الكوفة بالنصب، بمعنى: إنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: ( وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) يعني: من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا مؤمنين بالله حين فرض عليهم قيام الليل.
وقوله: ( وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) بالساعات والأوقات.
وقوله: ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) يقول: علم ربكم أيها القوم الذين فرض عليهم قيام الليل أن لن تطيقوا قيامه ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) إذ عجزتم وضعفتم عنه، ورجع بكم إلى التخفيف عنكم.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن الحسن ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) أن لن تطيقوه.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرني به عباد بن راشد، قال: سمعت الحسن يقول في قوله: ( أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) قال: لن تطيقوه.
حدثنا عن ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) يقول: أن لن تطيقوه.
قال ثنا مهران، عن سفيان ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) قال: أن لن تطيقوه.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خَلتانِ لا يُحْصِيهُما رَجلٌ مُسْلمٌ إلا أدْخَلَتاهُ الجَنةَ، وَهُما يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلْ بِهما قَلِيلٌ، يُسَبِّحُ الله فِي دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ عَشْرا، ويَحْمَدُهُ عَشرا، ويُكَبّرُهُ عَشْرا " قال: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدها بيده، قال: " فَتِلكَ خَمْسُونَ وَمِئَةٍ باللِّسانِ، وألْفٌ وخَمْس مِئَةٍ فِي المِيزَانِ، وَإذَا أوَى إلى فِراشِهِ سَبحَ وحَمَد وكَبر مِئَة؛ قال: فَتِلكَ مِئَةٌ باللِّسانِ، وألْفٌ فِي المِيزَانِ، فأيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ أَلْفَينِ وخَمْسَ مِئَةِ سَيِّئَةٍ ؟" قالوا: فكيف لا نحصيهما؟
قال: " يأتي أحَدَكُمُ الشيْطانُ وَهُوَ فِي صَلاتِهِ فَيَقُولُ: اذْكرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا حتى يَنْفَتلَ، وَلَعَلهُ لا يَعْقِل، ويأْتِيهِ وَهُوَ فِي مَضْجَعِهِ فَلا يَزَالُ يُنَوّمهُ حتى يَنامَ".
حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) قيام الليل كتب عليكم ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ).
وقوله: ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) يقول: فاقرءوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم؛ وهذا تخفيف من الله عزّ وجلّ عن عباده فرضه الذي كان فرض عليهم بقوله: قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا .
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء محمد، قال.
قلت للحسن: يا أبا سعيد ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه، فلا يقوم به، إنما يصلي المكتوبة، قال: يتوسد القرآن، لعن الله ذاك؛ قال الله للعبد الصالح: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قلت: يا أبا سعيد قال الله: ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) قال: نعم، ولو خمسين آية.
حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن عشمان الهمداني، عن السديّ، في قوله: ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) قال: مئة آية.
قال: ثنا وكيع، عن ربيع، عن الحسن، قال: من قرأ مئة آية في ليلة لم يحاجه القرآن.
قال ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب، قال: من قرأ في ليلة مئة آية كُتب من العابدين.
وقوله: ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: علم ربكم أيها المؤمنون أن سيكون منكم أهل مرض قد أضعفه المرض عن قيام الليل ( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ ) في سفر ( يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) في تجارة قد سافروا لطلب المعاش فأعجزهم، فأضعفهم أيضا عن قيام الليل ( وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يقول: وآخرون أيضا منكم يجاهدون العدوّ فيقاتلونهم في نُصرة دين الله، فرحمكم الله فخفف عنكم، ووضع عنكم فرض قيام الليل ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) يقول: فاقرءوا الآن إذ خفف ذلك عنكم من الليل في صلاتكم ما تيسَّر من القرآن.
والهاء قي قوله " منه " من ذكر القرآن.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثم أنبأ بخصال المؤمنين، فقال: ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) قال: افترض الله القيام في أوّل هذه السورة، فقام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، ثم أنـزل التخفيف في آخرها فصار قيام الليل تطوّعا بعد فريضة ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) يقول: وأقيموا المفروضة وهي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) يقول: وأعطوا الزكاة المفروضة في أموالكم أهلها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) فهما فريضتان واجبتان، لا رخصة لأحد فيهما، فأدّوهما إلى الله تعالى ذكره.
وقوله: ( وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) يقول: وأنفقوا في سبيل الله من أموالكم.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) قال: القرض: النوافل سوى الزكاة.
وقوله: ( وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ) يقول: وما تقدّموا أيها المؤمنون لأنفسكم في دار الدنيا من صدقة أو نفقة تنفقونها في سبيل الله، أو غير ذلك من نفقة في وجوه الخير، أو عمل بطاعة الله من صلاة أو صيام أو حجّ، أو غير ذلك من أعمال الخير في طلب ما عند الله، تجدوه عند الله يوم القيامة في معادكم، هو خيرا لكم مما قدمتم في الدنيا، وأعظم منه ثوابا: أي ثوابه أعظم من ذلك الذي قدّمتموه لو لم تكونوا قدّمتموه ( وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ) يقول تعالى ذكره: وسلوا الله غفران ذنوبكم يصفح لكم عنها( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول: إن الله ذو مغفرة لذنوب من تاب من عباده من ذنوبه، وذو رحمة أن يعاقبهم عليها من بعد توبتهم منها.
قوله تعالى : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيمفيه ثلاثة عشر مسألة :الأولى : قوله تعالى : إن ربك يعلم أنك تقوم هذه الآية تفسير لقوله تعالى : قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه كما تقدم ، وهي الناسخة لفرضية قيام الليل كما تقدم .( تقوم ) معناه تصلي و ( أدنى ) أي أقل .
وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة وهشام عن أهل الشام ( ثلثي ) بإسكان اللام .ونصفه وثلثه بالخفض قراءة العامة عطفا على ( ثلثي ) ; المعنى : تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه .
واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; [ ص: 49 ] كقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فكيف يقومون نصفه أو ثلثه وهم لا يحصونه .
وقرأ ابن كثير والكوفيون ونصفه وثلثه بالنصب عطفا على ( أدنى ) التقدير : تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه .
قال الفراء : وهو أشبه بالصواب ; لأنه قال أقل من الثلثين ، ثم ذكر نفس القلة لا أقل من القلة .القشيري : وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف ; لخفة القيام عليهم بذلك القدر ، وكانوا يزيدون ، وفي الزيادة إصابة المقصود ، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه ، وينقصون منه .
ويحتمل أنهم أمروا بقيام نصف الليل ، ورخص لهم في الزيادة والنقصان ، فكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين ، وفي النصف إلى الثلث .
ويحتمل أنهم قدر لهم النصف وأنقص إلى الثلث ، والزيادة إلى الثلثين ، وكان فيهم من يفي بذلك ، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نسخ عنهم .
وقال قوم : إنما افترض الله عليهم الربع ، وكانوا ينقصون من الربع .
وهذا القول تحكم .الثانية : قوله تعالى : والله يقدر الليل والنهار أي يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها ، وأنتم تعلمون بالتحري والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ .
علم أن لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام به .
وقيل : أي لن تطيقوا قيام الليل .
والأول أصح ; فإن قيام الليل ما فرض كله قط .قال مقاتل وغيره : لما نزلت : قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه شق ذلك عليهم ، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه ، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ ، فانتفخت أقدامهم ، وانتقعت ألوانهم ، فرحمهم الله وخفف عنهم ; فقال تعالى : علم أن لن تحصوه و " أن " مخففة من الثقيلة ; أي علم أنكم لن تحصوه ; لأنكم إن زدتم ثقل عليكم ، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضا ، وإن نقصتم شق ذلك عليكم .الثالثة : قوله تعالى : فتاب عليكم أي فعاد عليكم بالعفو ، وهذا يدل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به .
وقيل : أي فتاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم .
وأصل التوبة الرجوع كما تقدم ; فالمعنى رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف ، ومن عسر إلى يسر .
وإنما أمروا بحفظ الأوقات على طريق التحري ، فخفف عنهم ذلك التحري .
وقيل : معنى والله يقدر الليل والنهار يخلقهما مقدرين ; كقوله تعالى : وخلق كل شيء فقدره تقديرا .
ابن العربي : تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم ، وإنما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف .الرابعة : قوله تعالى : فاقرؤوا ما تيسر من القرآن فيه قولان :أحدهما : أن المراد نفس [ ص: 50 ] القراءة ; أي فاقرؤوا فيما تصلونه بالليل ما خف عليكم .
قال السدي : مائة آية .
الحسن : من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن .
وقال كعب : من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين .
وقال سعيد : خمسون آية .قلت : قول كعب أصح ; لقوله - عليه السلام - : " من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين " خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو .
وقد ذكرناه في مقدمة الكتاب والحمد لله .القول الثاني : فاقرؤوا ما تيسر منه أي فصلوا ما تيسر عليكم ، والصلاة تسمى قرآنا ; كقوله تعالى : وقرآن الفجر أي صلاة الفجر .
ابن العربي : وهو الأصح ; لأنه عن الصلاة أخبر ، وإليها يرجع القول .قلت : الأول أصح حملا للخطاب على ظاهر اللفظ ، والقول الثاني مجاز ; فإنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله .الخامسة : قال بعض العلماء : قوله تعالى : فاقرؤوا ما تيسر منه نسخ قيام الليل ونصفه ، والنقصان من النصف والزيادة عليه .
ثم احتمل قول الله - عز وجل - : فاقرؤوا ما تيسر منه معنيين : أحدهما أن يكون فرضا ثانيا ; لأنه أزيل به فرض غيره .
والآخر أن يكون فرضا منسوخا أزيل بغيره كما أزيل به غيره ; وذلك لقوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فاحتمل قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك أي يتهجد بغير الذي فرض عليه مما تيسر منه .
قال الشافعي : فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين ، فوجدنا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس .السادسة : قال القشيري أبو نصر : والمشهور أن نسخ قيام الليل كان في حق الأمة ، وبقيت الفريضة في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقيل : نسخ التقدير بمقدار ، وبقي أصل الوجوب ; كقوله تعالى : فما استيسر من الهدي فالهدي لا بد منه ، كذلك لم يكن بد من صلاة الليل ، ولكن فوض قدره إلى اختيار المصلي ، وعلى هذا فقد قال قوم : فرض قيام الليل بالقليل باق ; [ ص: 51 ] وهو مذهب الحسن .وقال قوم : نسخ بالكلية ، فلا تجب صلاة الليل أصلا ; وهو مذهب الشافعي .
ولعل الفريضة التي بقيت في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - هي هذا ، وهو قيامه ، ومقداره مفوض إلى خيرته .
وإذا ثبت أن القيام ليس فرضا فقوله تعالى : فاقرؤوا ما تيسر منه معناه اقرؤوا إن تيسر عليكم ذلك ، وصلوا إن شئتم .
وصار قوم إلى أن النسخ بالكلية تقرر في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا ، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه .
وقوله : نافلة لك محمول على حقيقة النفل .
ومن قال : نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل ثم نسخ ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة ; كقوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس ، وقوله : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع .
وقيل : وقع النسخ بقوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللأمة ، كما أن فرضية الصلاة وإن خوطب بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى : يا أيها المزمل قم الليل كانت عامة له ولغيره .وقد قيل : إن فريضة الله امتدت إلى ما بعد الهجرة ، ونسخت بالمدينة ; لقوله تعالى : علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ، وإنما فرض القتال بالمدينة ; فعلى هذا بيان المواقيت جرى بمكة ، فقيام الليل نسخ بقوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك .وقال ابن عباس : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسخ قول الله تعالى : إن ربك يعلم أنك تقوم وجوب صلاة الليل .السابعة : قوله تعالى : علم أن سيكون منكم مرضى الآية ; بين سبحانه علة تخفيف قيام الليل ، فإن الخلق منهم المريض ، ويشق عليهم قيام الليل ، ويشق عليهم أن تفوتهم الصلاة ، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل ، والمجاهد كذلك ، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء .
و ( أن ) في أن سيكون مخففة من الثقيلة ; أي علم أنه سيكون .الثامنة : سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله ، والإحسان والإفضال ، فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد ; لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله .
وروى إبراهيم عن علقمة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء " ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله وقال ابن مسعود : أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة [ ص: 52 ] من مدائن المسلمين صابرا محتسبا ، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء .
وقرأ وآخرون يضربون في الأرض الآية .وقال ابن عمر : ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إلي من الموت بين شعبتي رحلي ، أبتغي من فضل الله ضاربا في الأرض .
وقال طاوس : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله .
وعن بعض السلف أنه كان بواسط ، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة ، وكتب إلى وكيله : بع الطعام يوم تدخل البصرة ، ولا تؤخره إلى غد ، فوافق سعة في السعر ; فقال التجار للوكيل : إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه ، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله ، فكتب إلى صاحبه بذلك ، فكتب إليه صاحب الطعام : يا هذا !
إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا ، وقد جنيت علينا جناية ، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة ، وليتني أنجو من الاحتكار كفافا لا علي ولا لي .
ويروى أن غلاما من أهل مكة كان ملازما للمسجد ، فافتقده ابن عمر ، فمشى إلى بيته ، فقالت أمه : هو على طعام له يبيعه ; فلقيه فقال له : يا بني !
ما لك وللطعام ؟
فهلا إبلا ، فهلا بقرا ، فهلا غنما !
إن صاحب الطعام يحب المحل ، وصاحب الماشية يحب الغيث .التاسعة : قوله تعالى : فاقرؤوا ما تيسر منه أي صلوا ما أمكن ; فأوجب الله من صلاة الليل ما تيسر ، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم .قال ابن العربي وقد قال قوم : إن فرض قيام الليل سن في ركعتين من هذه الآية ; قاله البخاري وغيره ، وعقد بابا ذكر فيه حديث يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب على كل عقدة مكانها : عليك ليل طويل فارقد .
فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة ، فإن توضأ انحلت عقدة ، فإن صلى انحلت عقده كلها ، فأصبح نشيطا طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان وذكر حديث سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا قال : أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه ، وينام عن الصلاة المكتوبة .
وحديث عبد الله بن [ ص: 53 ] مسعود قال : ذكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل ينام الليل كله فقال : " ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه " فقال ابن العربي : فهذه أحاديث مقتضية حمل مطلق الصلاة على المكتوبة ; فيحمل المطلق على المقيد لاحتماله له ، وتسقط الدعوى ممن عينه لقيام الليل .وفي الصحيح واللفظ للبخاري : قال عبد الله بن عمرو : وقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عبد الله لا تكن مثل فلان ، كان يقوم الليل فترك قيام الليل " ولو كان فرضا ما أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه ، ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه ، بل كان يذمه غاية الذم ، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر قال : كان الرجل في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى رؤيا قصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكنت غلاما شابا عزبا ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية كطي البئر ، وإذا لها قرنان ، وإذا فيها ناس قد عرفتهم ، فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار .
قال : ولقينا ملك آخر ، فقال لي : لم ترع .
فقصصتها على حفصة ، فقصتها حفصة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل " فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا ; فلو كان ترك القيام معصية لما قال له الملك : لم ترع .
والله أعلم .[ ص: 54 ] العاشرة : إذا ثبت أن قيام الليل ليس بفرض ، وأن قوله : فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ، فاقرؤوا ما تيسر منه محمول على ظاهره من القراءة في الصلاة فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة ; فقال مالك والشافعي : فاتحة الكتاب لا يجزئ العدول عنها ، ولا الاقتصار على بعضها ، وقدره أبو حنيفة بآية واحدة ، من أي القرآن كانت .
وعنه ثلاث آيات ; لأنها أقل سورة .
ذكر القول الأول الماوردي والثاني ابن العربي .
ولصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي ، على ما بيناه في سورة ( الفاتحة ) أول الكتاب والحمد لله .وقيل : إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة ; قال الماوردي : فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولا على الوجوب ، أو على الاستحباب دون الوجوب .
وهذا قول الأكثرين ; لأنه لو وجب عليه أن يقرأ لوجب عليه أن يحفظه .
الثاني أنه محمول على الوجوب ; ليقف بقراءته على إعجازه ، وما فيه من دلائل التوحيد وبعث الرسل ، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه ; لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة .وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقوال : أحدها : جميع القرآن ; لأن الله تعالى يسره على عباده ; قاله الضحاك .
الثاني : ثلث القرآن ; حكاه جويبر .
الثالث : مائتا آية ; قاله السدي .
الرابع : مائة آية ; قاله ابن عباس .
الخامس : ثلاث آيات كأقصر سورة ; قاله أبو خالد الكناني .الحادية عشرة : قوله تعالى : وأقيموا الصلاة يعني المفروضة وهي الخمس لوقتها .
وآتوا الزكاة الواجبة في أموالكم ; قاله عكرمة وقتادة .
وقال الحارث العكلي : صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك .
وقيل : صدقة التطوع .
وقيل : كل أفعال الخير .
وقال ابن عباس : طاعة الله والإخلاص له .الثانية عشرة : قوله تعالى : وأقرضوا الله قرضا حسنا القرض الحسن ما قصد به وجه الله تعالى خالصا من المال الطيب .
وقد مضى في سورة ( الحديد ) بيانه .
وقال زيد بن أسلم : القرض الحسن النفقة على الأهل .
وقال عمر بن الخطاب : هو النفقة في سبيل الله .الثالثة عشرة : قوله تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وروي عن عمر بن الخطاب أنه اتخذ حيسا - يعني تمرا بلبن - فجاءه مسكين فأخذه ودفعه إليه .
فقال بعضهم : ما يدري هذا المسكين ما هذا ؟
فقال عمر : لكن رب المسكين يدري ما هو وكأنه تأول : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا أي مما تركتم وخلفتم ، ومن الشح والتقصير .
وأعظم أجرا قال أبو هريرة : الجنة ; ويحتمل أن يكون أعظم أجرا ; لإعطائه بالحسنة عشرا .
ونصب خيرا وأعظم على [ ص: 55 ] المفعول الثاني ل ( تجدوه ) و ( هو ) : فصل عند البصريين ، وعماد في قول الكوفيين ، لا محل له من الإعراب .
و ( أجرا ) تمييز .واستغفروا الله أي سلوه المغفرة لذنوبكم إن الله غفور لما كان قبل التوبة ( رحيم ) لكم بعدها ; قاله سعيد بن جبير .
ختمت السورة .
ذكر الله في أول هذه السورة أنه أمر رسوله بقيام نصف الليل أو ثلثه أو ثلثيه، والأصل أن أمته أسوة له في الأحكام، وذكر في هذا الموضع، أنه امتثل ذلك هو وطائفة معه من المؤمنين.
ولما كان تحرير الوقت المأمور به مشقة على الناس، أخبر أنه سهل عليهم في ذلك غاية التسهيل فقال: { وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } أي: يعلم مقاديرهما وما يمضي منهما ويبقى.{ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ } أي: [لن] تعرفوا مقداره من غير زيادة ولا نقص، لكون ذلك يستدعي انتباها وعناء زائدا أي: فخفف عنكم، وأمركم بما تيسر عليكم، سواء زاد على المقدر أو نقص، { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } أي: مما تعرفون ومما لا يشق عليكم، ولهذا كان المصلي بالليل مأمورا بالصلاة ما دام نشيطا، فإذا فتر أو كسل أو نعس، فليسترح، ليأتي الصلاة بطمأنينة وراحة.ثم ذكر بعض الأسباب المناسبة للتخفيف، فقال: { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى } يشق عليهم صلاة ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه، فليصل المريض المتسهل عليه ، ولا يكون أيضا مأمورا بالصلاة قائما عند مشقة ذلك، بل لو شقت عليه الصلاة النافلة، فله تركها [وله أجر ما كان يعمل صحيحا].
{ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } أي: وعلم أن منكم مسافرين يسافرون للتجارة، ليستغنوا عن الخلق، ويتكففوا عن الناس أي: فالمسافر، حاله تناسب التخفيف، ولهذا خفف عنه في صلاة الفرض، فأبيح له جمع الصلاتين في وقت واحد، وقصر الصلاة الرباعية.وكذلك { آخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } فذكر تعالى تخفيفين، تخفيفا للصحيح المقيم، يراعي فيه نشاطه، من غير أن يكلف عليه تحرير الوقت، بل يتحرى الصلاة الفاضلة، وهي ثلث الليل بعد نصفه الأول.وتخفيفا للمريض أو المسافر، سواء كان سفره للتجارة، أو لعبادة، من قتال أو جهاد، أو حج، أو عمرة، ونحو ذلك ، فإنه أيضا يراعي ما لا يكلفه، فلله الحمد والثناء، الذي ما جعل على الأمة في الدين من حرج، بل سهل شرعه، وراعى أحوال عباده ومصالح دينهم وأبدانهم ودنياهم.ثم أمر العباد بعبادتين، هما أم العبادات وعمادها: إقامة الصلاة، التي لا يستقيم الدين إلا بها، وإيتاء الزكاة التي هي برهان الإيمان، وبها تحصل المواساة للفقراء والمساكين، ولهذا قال:{ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } بأركانها، وشروطها، ومكملاتها، { وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } أي: خالصا لوجه الله، من نية صادقة، وتثبيت من النفس، ومال طيب، ويدخل في هذا، الصدقة الواجبة ؟
والمستحبة، ثم حث على عموم الخير وأفعاله فقال: { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا } الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.وليعلم أن مثقال ذرة من الخير في هذه الدار، يقابله أضعاف أضعاف الدنيا، وما عليها في دار النعيم المقيم، من اللذات والشهوات، وأن الخير والبر في هذه الدنيا، مادة الخير والبر في دار القرار، وبذره وأصله وأساسه، فواأسفاه على أوقات مضت في الغفلات، وواحسرتاه على أزمان تقضت بغير الأعمال الصالحات، وواغوثاه من قلوب لم يؤثر فيها وعظ بارئها، ولم ينجع فيها تشويق من هو أرحم بها منها ، فلك اللهم الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك.{ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وفي الأمر بالاستغفار بعد الحث على أفعال الطاعة والخير، فائدة كبيرة، وذلك أن العبد ما يخلو من التقصير فيما أمر به، إما أن لا يفعله أصلا أو يفعله على وجه ناقص، فأمر بترقيع ذلك بالاستغفار، فإن العبد يذنب آناء الليل والنهار، فمتى لم يتغمده الله برحمته ومغفرته، فإنه هالك.تم تفسير سورة المزمل
( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ) أقل من ( ثلثي الليل ونصفه وثلثه ) قرأ أهل مكة والكوفة : " نصفه وثلثه " بنصب الفاء والثاء وإشباع الهاءين ضما أي : وتقوم نصفه وثلثه وقرأ الآخرون بجر الفاء والثاء وإشباع الهاءين كسرا عطفا على ثلثي ( وطائفة من الذين معك ) يعني المؤمنين وكانوا يقومون معه ( والله يقدر الليل والنهار ) قال عطاء : يريد لا يفوته علم ما تفعلون ، أي أنه يعلم مقادير الليل والنهار فيعلم القدر الذي تقومون من الليل ( علم أن لن تحصوه ) قال الحسن : قاموا حتى انتفخت أقدامهم ، فنزل : " علم أن لن تحصوه " لن تطيقوا معرفة ذلك .
وقال مقاتل : كان الرجل يصلي الليل كله ، مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام ، فقال : علم أن لن تحصوه لن تطيقوا معرفة ذلك .
( فتاب عليكم ) فعاد عليكم بالعفو والتخفيف ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) يعني في الصلاة ، قال الحسن : يعني في صلاة المغرب والعشاء .
قال قيس بن أبي حازم : صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة [ ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة ] ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا فقال : إن الله - عز وجل - يقول : فاقرءوا ما تيسر [ منه ] أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، حدثنا أبو جعفر الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا عثمان بن أبي صالح ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني حميد بن مخراق ، عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من قرأ خمسين آية في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة ، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني القاسم بن زكريا حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان ، عن يحيى [ بن كثير ] عن محمد [ عبد الله ] بن عبد الرحمن مولى بني زهرة عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اقرأ القرآن في كل شهر " قال قلت : إني أجد قوة ، قال : " فاقرأه في [ كل ] عشرين ليلة " قال قلت : إني أجد قوة ، قال : " فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك " .
قوله - عز وجل - : ( علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) يعني المسافرين للتجارة يطلبون من رزق الله ( وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) لا يطيقون قيام الليل .
روى إبراهيم عن ابن مسعود قال : أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ عبد الله : " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " [ يعني المسافرين للتجارة يطلبون رزق الله ] " وآخرون يقاتلون في سبيل الله " .
( فاقرءوا ما تيسر منه ) أي [ ما تيسر عليكم ] من القرآن .
[ قال أهل التفسير ] كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بالصلوات الخمس ، وذلك قوله : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا ) قال ابن عباس : يريد ما سوى الزكاة من صلة الرحم ، وقرى الضيف .
( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا ) تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم ( وأعظم أجرا ) من الذي أخرتم ولم تقدموه ، ونصب " خيرا وأعظم " على المفعول الثاني ، فإن الوجود إذا كان بمعنى الرؤية يتعدى إلى مفعولين ، وهو فصل في قول البصريين وعماد في قول الكوفيين لا محل لها في الإعراب .
أخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشميهني ، أخبرنا أبو نصر أحمد بن علي البخاري بالكوفة ، أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد الفقيه بالموصل ، حدثنا أبو يعلى الموصلي ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد قال : قال عبد الله : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه " ؟
قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه .
قال : " اعلموا ما تقولون " قالوا : ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله ، قال [ : " ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله " قالوا : كيف يا رسول الله ؟
قال ] " إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر " .
( واستغفروا الله ) لذنوبكم ( إن الله غفور رحيم ) .
«إن ربك يعلم أنك تقوم أَدنى» أقل «من ثلثي الليل ونصفِه وثلثِه» بالجر عطف على ثلثي وبالنصب على أدنى وقيامه كذلك نحو ما أمر به أول السورة «وطائفة من الذين معك» عطف على ضمير تقوم وجاز من غير تأكيد للفصل وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسي به ومنهم من كان لا يدري كم صلّى من الليل وكم بقي منه فكان يقوم الليل كله احتياطا فقاموا حتى انتفخت أقدامهم سنة أو أكثر فخفف عنهم قال تعالى: «والله يقدر» يحصي «الليل والنهار علم أن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي أنه «لن تحصوه» أي الليل لتقوموا فيما يجب القيام فيه إلا بقيام جميعه وذلك يشق عليكم «فتاب عليكم» رجع بكم إلى التخفيف «فاقرؤوا ما تيسر من القرآن» في الصلاة بأن تصلوا ما تيسر «علم أن» مخففة من الثقيلة، أي أنه «سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض» يسافرون «يبتغون من فضل الله» يطلبون من رزقه بالتجارة وغيرها «وآخرون يقاتلون في سبيل الله» وكل من الفرق الثلاثة يشق عليهم ما ذكر في قيام الليل فخفف عنهم بقيام ما تيسر منه ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس «فاقرؤوا ما تيسر منه» كما تقدم «وأقيموا الصلاة» المفروضة «وآتوا الزكاة وأقرضوا الله» بأن تنفقوا ما سوى المفروض من المال في سبيل الخير «قرضا حسنا» عن طيب قلب «وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا» مما خلفتم وهو فصل وما بعده وإن لم يكن معرفة يشبهها لامتناعه من التعريف «وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم» للمؤمنين.
إن ربك -أيها النبي- يعلم أنك تقوم للتهجد من الليل أقل من ثلثيه حينًا، وتقوم نصفه حينًا، وتقوم ثلثه حينًا آخر، ويقوم معك طائفة من أصحابك.
والله وحده هو الذي يقدِّر الليل والنهار، ويعلم مقاديرهما، وما يمضي ويبقى منهما، علم الله أنه لا يمكنكم قيام الليل كله، فخفَّف عليكم، فاقرؤوا في الصلاة بالليل ما تيسر لكم قراءته من القرآن، علم الله أنه سيوجد فيكم مَن يُعجزه المرض عن قيام الليل، ويوجد قوم آخرون يتنقَّلون في الأرض للتجارة والعمل يطلبون من رزق الله الحلال، وقوم آخرون يجاهدون في سبيل الله؛ لإعلاء كلمته ونشر دينه، فاقرؤوا في صلاتكم ما تيسَّر لكم من القرآن، وواظبوا على فرائض الصلاة، وأعطوا الزكاة الواجبة عليكم، وتصدَّقوا في وجوه البر والإحسان مِن أموالكم؛ ابتغاء وجه الله، وما تفعلوا مِن وجوه البر والخير وعمل الطاعات، تلقَوا أجره وثوابه عند الله يوم القيامة خيرًا مما قدَّمتم في الدنيا، وأعظم منه ثوابًا، واطلبوا مغفرة الله في جميع أحوالكم، إن الله غفور لكم رحيم بكم.
وبعد هذه الإِنذارات المتعددة للمكذبين ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن قيام الليل لعبادة الله - تعالى - وطاعته .
.
فقال - سبحانه - :( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن .
.
.
) .المراد بالقيام فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ .
.
.
) التهجد بالليل عن طريق الصلاة تقربا إلى الله - تعالى - .وقوله : ( أدنى ) بمعنى أقرب ، من الدنو بمعنى القرب ، تقول : رأيت فلانا أدنى إلى فعل الخير من فلان .
أى : أقرب ، واستعير هنا للأقل ، لأن المسافة التى بين الشئ والشئ إذا قربت كانت قليلة ، وهو منصوب على الظرفية بالفعل " تقوم " .وقوله : ( وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ) قرأه بعض القراء السبعة بالجر عطفا على ( ثُلُثَيِ الليل ) وقرأه الجمهور بالنصب عطفا على أدنى .والمعنى على قراءة الجمهور : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يعلم أنك تقوم من الليل ، مدة قد تصل تارة إلى ثلثى الليل ، وقد تصل تارة أخرى إلى نصفه أو إلى ثلثه .
.
على حسب ما يتيسر لك ، وعلى حسب أحوال الليل فى الطول والقصر .والمعنى على قراءة غير الجمهور : إن ربك يعلم أنك تقوم تارة أقل من ثلثى الليل وتارة أقل من نصفه ، وتارة أقل من ثلثه .
.
وذلك لأنك لم تستطع ضبط المقدار الذى تقومه من الليل ضبطا دقيقا ، ولأن النوم تارة يزيد وقته وتارة ينقص ، والله - تعالى - قد رفع عنك المؤاخذة بسبب عدم تعمدك القيام أقل من ثلث الليل .
.فالآية الكريمة المقصود منها بيان رحمة الله - تعالى - بنبيه صلى الله عليه وسلم حيث قبل منه قيامه بالليل متهجدا ، حتى ولو كان هذا القيام أقل من ثلث الليل .
.وافتتاح الآية الكريمة بقوله - سبحانه - ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ .
.
.
) يشعر بالثناء علريه صلى الله عليه وسلم .
وبالتلطف معه فى الخطاب ، حيث إنه صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على قيام الليل .
على قدر استطاعته ، بدون تقصير أو فتور .وفى الحديث الشريف : أنه صلى الله عليه وسلم قام الليل حتى تورمت قدماه .والتعبير بقوله - تعالى - : ( أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ) يدل على أن قيامه صلى الله عليه وسلم ، وعلى حسب طول الليل وقصره .وقوله - سبحانه - : ( وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ ) معطوف على الضمير المستتر فى قوله : ( تقوم )أى : أنت أيها الرسول الكريم - تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه ، وتقوم طائفة من أصحابك للصلاة معك ، أما بقية أصحابك فقد يقومون للتهجد فى منازلهم .روى البخارى فى صحيحه عن عائشة ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة فى المسجد ، فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم اجتمعوا فى الليلة الثالثة أو الرابعة ، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال : " قد رأيت الذى صنعتم ، ولم يمنعنى من الخروج إليكم ، إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم " " .قال بعض العلماء : قوله : ( وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ ) معطوف على الضمير المستكن فى ( تقوم )وهو - وإن كان ضمير رفع متصل - ، قد سوغ العطف عليه الفصل بينه وبين المعطوف .والمعنى : أن الله يعلم أنه كان يقوم كذلك جماعة من الذين آمنوا بك ، واتبعوا هداك .
.وقد يقال : إن هذا يدل على أن قيام الليل لم يكن فرضا على جميع الأمة ، وهو خلاف ما تقرر تفسيره فى أول السورة ، ويخالف - أيضا - ما دلت عليه الآثار المتقدمة هناك .
.والجواب : أنه ليس فى الآية ما يفيد أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا جميعا يصلون مع النبى صلى الله عليه وسلم صلاة التهجد فى جماعة واحدة ، فلعل بعضهم كان يقيمها فى بيته ، فلا ينافى ذلك فريضة القيام على الجميع .
.وقوله - سبحانه - : ( والله يُقَدِّرُ الليل والنهار ) بيان لشمول علمه - تعالى - ولنفاذ إرادته .
أى : والله - تعالى - وحده ، هو الذى يعلم مقادير ساعات الليل والنهار ، وهو الذى يحدد زمانهما - طولا وقصرا - على حسب ما تقتضيه مشيئته وحكمته .والآية الكريمة تفيد الحصر والاختصاص ، عن طريق سياق الكلام ، ودلالة المقام .وقوله - تعالى - : ( عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) مؤكد لما قبله ، وإحصاء الأشياء ، عدها والإِحاطة بها .والضمير المنصوب فى قوله : ( تُحْصُوهُ ) يعود على المصدر المفهوم من قوله : ( يقدر ) فى الجملة السابقة .والتوبة فى قوله - سبحانه - : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) يصح أن تكون بمعنى المغفرة ، وعدم المؤاخذة ، أو بمعنى قبولها منهم ، والتيسير عليهم فى الأحكام ، وتخفيفها عنهم .أى : والله - تعالى - هو الذى يقدر أجزاء الليل والنهار ، وهو الذى يعلم - دون غيره - أنكم لن تستطيعوا تقدير ساعاته تقديرا دقيقا .
.
ولذلك خفف الله عنكم فى أمر القيام ، ورفع عنكم المقدار المحدد ، وغفر لكم ما فرط منكم من تقصير غير مقصود ، ورخص لكم أن تقوموا المقدار الذى تستطيعون قيامه من الليل ، مصلين ومتهجدين .
.فالجملة الكريمة تقرر جانبا من فضل الله - تعالى - على عباده ، ومن رحمته بهم .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ) للإِفصاح ، والمراد بالقراءة الصلاة ، وعبر عنها بالقراءة ، لأنها من أركانها .
.
أى : إذا كان الأمر كما وضحت لكم ، فصلوا ما تيسر لكم من الليل .قال الآلوسى : قوله : ( فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ) أى : فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل ، وعبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها ، وقيل : الكلام على حقيقته ، من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق .ومن ذهب إلى الأول قال : إن الله - تعالى - افترض قيام مقدار معين من الليل ، لقوله :( قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً .
نِّصْفَهُ .
.
.
) الخ .
ثم نسخ بقيام مقدار ما منه ، فى قوله : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن .
.
.
) فالأمر فى الموضعين للوجوب ، إلا أن الواجب أولا كان معينا من معينات ، وثانيا كان بعضا مطلقا ، ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقا بالصلوات الخمس .ومن قال بالثانى : ذهب إلى أن الله - تعالى - رخص لهم فى ترك جميع القيام بالصلاة ، وأمر بقراءة شئ من القرآن ليلا ، فكأنه قيل : فتاب عليكم ورخص لكم من الترك ، فاقرءوا ما تيسر من القرآن ، إن شق عليكم القيام .
.وقال الإِمام ابن كثير : وقوله : ( فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ) أى : من غير تحديد بوقت ، أى : لكن قوموا من الليل ما تيسر ، وعبر عن الصلاة بالقراءة ، كما قال فى آية أخرى : ( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ) أى : بقراءتك ( وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ) وقد استدل الأحناف بهذه الآية على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة فى الصلاة ، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ، ولو بآية .
أجزأه واعتضدوا بحديث المسئ صلاته الذى فى الصحيحين ، وفيه : " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " .وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت ، وهو فى الصحيحين - أيضا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج .
.
غير تمام " وفى صحيح ابن خزيمة عن أبى هريرة مرفوعا : " لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب " .وقوله - سبحانه - بعد ذلك : ( عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ .
.
) بدل اشتمال من جملة : ( عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ .
.
) ، أو هو كلام مستأنف لبيان الحكمة التى من أجلها خفف الله على المسلمين قيام الليل .أى : صلوا من الليل على قدر استطاعتكم من غير تحديد بوقت ، فالله - تعالى - يعلم أنكم لا تستطيعون ضبط ساعات الليل ولا أجزائه ، فخفف عليكم لذلك ، ولعلمه - أيضا - أن منكم المرضى الذين يعجزون عن قيام ثلثى الليل أو نصفه أو أقل من ذلك بقليل .ومنكم - أيضا - الذين ( يَضْرِبُونَ فِي الأرض ) أى : يسافرون فيها للتجارة وللحصول على مطالب الحياة ، وهم فى كل ذلك يبتغون ويطلبون الرزق من فضله - تعالى - .
ومنكم - أيضا - الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله ، ويجاهدون من أجل نشر دينه وما دام الأمر كذلك ، فقد أبحت لكم - بفضلى وإحسانى - أن تصلوا من الليل ما تيسر لكم .وقد جمع - سبحانه - بين السعى فى الأرض لطلب الرزق ، وبين الجهاد فى سبيله ، للإِشعار بأن الأول لا يقل فى فضله عن الثانى ، متى توفرت فيه النية الطيبة ، وعدم الانشغال به عن ذكر الله - تعالى - .قال الإِمام القرطبى : سوى الله - تعالى - فى هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال والحلال ، للنفقة على النفس والعيال .
.
فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد فى سبيل الله .وفى الحديث الشريف : " ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد ، فيبيعه بسعر يومه ، إلا كانت منزلته عند الله كمنزلة الشهداء ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية .
.
" .وأعيدت جملة ( فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) لتأكيد التيسير والتخفيف وتقريره ، وليعطف عليه ما بعده من بقية الأوامر ، وهى قوله - تعالى - : ( وَأَقِيمُواْ الصلاة ) أى : وأدوها كاملة الأركان والخشوع والسنن .
.
فى وقتها بدون تأخير .( وَآتُواْ الزكاة ) أى : قدموها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهما .قال ابن كثير : أى : أقيموا الصلاة الواجبة عليكم ، وآتوا الزكاة المفروضة ، وهذا يدل لمن قال : إن فرض الزكاة نزل بمكة ، لكن مقادير النصاب لم تبين إلا بالمدينة .
.وقوله : ( وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً ) .
والقرض : ما قدمته لغيرك من مال ، على أن يرده إليك بعد ذلك .
والمراد من إقراض الله - تعالى - : إعطاء الفقراء والمساكين ما يحتاجونه على سبيل المعاونة والمساعدة .وشبه - سبحانه - إعطاء الصدقة للمحتاج ، بقرض يقدم له - تعالى - ، للإِشعار بأن ما سيعطى لهذا المحتاج ، سعود إضعافه على المعطى .
لأن الله - تعالى - قد وعد أن يكافئ على الصدقة بعشر أمثالها ، وهو - سبحانه - بعد ذلك يضاعف لمن يشاء الثواب والعطاء .ووصف القرض بالحسن ، لحض النفوس على الإخلاص وعلى البعد عن الرياء والأذى .
.ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ( وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ ) أى : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأقرضوا الله قرضا حسنا ، وافعلوا ما تستطيعونه - بعد ذلك - من وجوه الخير ، وما تقدموا لأنفسكم من هذا الخير الذى يحبه - سبحانه - ( تَجِدُوهُ عِندَ الله ) أى : تجدوا ثوابه وجزاءه عند الله - تعالى - ، ففى الكلام إيجاز بالحذف ، وقد استغنى عن المحذوف بذكر الجزاء عليه .
والهاء فى قوله ( تَجِدُوهُ ) هو المفعول الأول .والضمير المنفصل فى قوله : ( هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ) هو ضمير الفصل .
.
.
( خَيْراً ) هو المفعول الثانى .
أى : كل فعل موصوف بأنه خير ، تقدمونه عن إخلاص لغيركم ، لن يضيع عند الله - تعالى - ثوابه ، بل ستجدون جزاءه وثوابه مضاعفا عند الله - تعالى - .( واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أى : وواظبوا على الاستغفار وعلى التوبة النصوح ، وعلى التضرع إلى الله - تعالى - أن يغفر لكم ما فرط منكم ، فإنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة ، لمن تاب إليه وأناب .
.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد من قوله: ﴿ أدنى من ثلثي الليل ﴾ أقل منهما، وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز وإذا بعدت كثر ذلك.
المسألة الثانية: قرئ ﴿ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ بالنصب والمعنى أنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف (والثلث) وقرئ ﴿ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ بالجر أي تقوم أقل من الثلثين والنصف والثلث، لكنا بينا في تفسير قوله: ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أنه لا يلزم من هذا أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام كان تاركاً للواجب وقوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ ﴾ وهم أصحابك يقومون من الليل هذا المقدار المذكور.
قوله تعالى: ﴿ والله يُقَدّرُ اليل والنهار ﴾ يعني أن العالم بمقادير أجزاء الليل والنهار ليس إلا الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: الضمير في ﴿ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ عائد إلى مصدر مقدر أي علم أنه لا يمكنكم إحصاء مقدار كل واحد من أجزاء الليل والنهار على الحقيقة، ولا يمكنكم أيضاً تحصيل تلك المقادير على سبيل الطعن والاحتياط إلا مع المشقة التامة، قال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر به من قيام ما فرض عليه.
المسألة الثانية: احتج بعضهم على تكليف مالا يطاق بأنه تعالى قال: ﴿ لَّن تُحْصُوهُ ﴾ أي لن تطيقوه، ثم إنه كان قد كلفهم به، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد صعوبته لا أنهم لا يقدرون عليه كقول القائل: ما أطيق أن أنظر إلى فلان إذا استثقل النظر إليه.
وقوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ هو عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر كقوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالن باشروهن ﴾ والمعنى أنه رفع التبعة عنكم في ترك هذا العمل كما رفع التبعة عن التائب.
قوله تعالى: ﴿ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المراد من هذه القراءة الصلاة لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، أي فصلوا ما تيسر عليكم، ثم هاهنا قولان: الأول: قال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء، وقال آخرون: بل نسخ وجوب ذلك التهجد واكتفى بما تيسر منه، ثم نسخ ذلك أيضاً بالصلوات الخمس القول الثاني: أن المراد من قوله: ﴿ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان ﴾ قراءة القرآن بعينها والغرض منه دراسة القرآن ليحصل الأمن من النسيان قيل: يقرأ مائة آية، وقيل: من قرأ مائة آية كتب من القانتين، وقيل: خمسين آية ومنهم من قال: بل السورة القصيرة كافية، لأن إسقاط التهجد إنما كان دفعاً للحرج، وفي القراءة الكثيرة حرج فلا يمكن اعتبارها.
وههنا بحث آخر وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال: سقط عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل وصارت تطوعاً وبقي ذلك فرضاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إنه تعالى ذكر الحكمة في هذا النسخ فقال تعالى: ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة ﴾ .
واعلم أن تقدير هذه الآية كأنه قيل: لم نسخ الله ذلك؟
فقال: لأنه علم كذا وكذا والمعنى لتعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض للتجارة والمجاهدين في سبيل الله، أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم، وهذا السبب ما كان موجوداً في حق النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً ﴾ فلا جرم ما صار وجوب التهجد منسوخاً في حقه.
ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال وعن ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء ثم أعاد مرة أخرى قوله: ﴿ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾ وذلك للتأكيد ثم قال: ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ يعني المفروضة ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ أي الواجبة وقيل: زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنياً.
قوله تعالى: ﴿ وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يريد سائر الصدقات.
وثانيها: يريد أداء الزكاة على أحسن وجه، وهو إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعاً للفقراء ومراعاة النية وابتغاء وجه الله والصرف إلى المستحق.
وثالثها: يريد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق بالنفس والمال.
ثم ذكر تعالى الحكمة في إعطاء المال فقال: ﴿ وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: تجدوه عند الله خيراً وأعظم أجراً من الذي تؤخره إلى وصيتك عند الموت، وقال الزجاج: وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً لكم من متاع الدنيا، والقول ما قاله ابن عباس.
المسألة الثانية: معنى الآية: وما تقدموا لأنفسكم من خير فإنكم تجدوه عند الله خيراً وأعظم أجراً إلا أنه قال: هو خيراً للتأكيد والمبالغة، وقرأ أبو السمال هو خير وأعظم أجراً بالرفع على الابتداء والخبر، ثم قال: ﴿ واستغفروا الله ﴾ لذنوبكم والتقصيرات الصادرة منكم خاصة في قيام الليل ﴿ أَنَّ الله غَفُورٌ ﴾ لذنوب المؤمنين ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ بهم، وفي الغفور قولان: أحدهما: أنه غفور لجميع الذنوب، وهو قول مقاتل والثاني: أنه غفور لمن يصر على الذنب، احتج مقاتل على قوله بوجهين: الأول: أن قوله: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يتناول التائب والمصر، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده عنه وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل والثاني: أن غفران التائب واجب عند الخصم ولا يحصل المدح بأداء الواجب، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل تحقيقاً للمدح، والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.
﴿ أدنى من ثُلُثَىِ الَّيْلِ ﴾ أقل منهما؛ وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل؛ لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت: قل ما بينهما من الأحياز؛ وإذا بعدت كثر ذلك.
وقرئ ﴿ ونصفه وثلثه ﴾ بالنصب على أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث: وهو مطابق لما مرّ في أوّل السورة: من التخيير بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه- وهو الثلث- وبين قيام الزائد عليه- وهو الأدنى من الثلثين.
وقرئ ﴿ ونصفه ﴾ ، وثلثه: بالجرّ، أي: تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين النصف: وهو أدنى من الثلثين والثلث: وهو أدنى من النصف.
والربع: وهو أدنى من الثلث، وهو الوجه الأخير ﴿ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ ﴾ ويقوم ذلك جماعة من أصحابك ﴿ والله يُقَدّرُ اليل والنهار ﴾ ولا يقدر على تقدير الليل والنهار ومعرفة مقادير ساعاتهما إلا الله وحده؛ وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنياً عليه ﴿ يقدّر ﴾ ، هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير؛ والمعنى: إنكم لا تقدرون عليه، والضمير في ﴿ لَّن تُحْصُوهُ ﴾ لمصدر يقدّر، أي علم أنه لا يصح منكم ضبط الأوقات ولا يتأتى حسابها بالتعديل والتسوية، إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط: وذلك شاق عليكم بالغ منكم ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدّر.
كقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالن باشروهن ﴾ [البقرة: 187] والمعنى: أنه رفع التبعة في تركه عنكم، كما يرفع التبعة عن التائب.
وعبر عن الصلاة بالقراءة؛ لأنها بعض أركانها، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود يريد: فصلوا ما تيسر عليكم، ولم يتعذر من صلاة الليل؛ وهذا ناسخ للأوّل، ثم نسخا جميعاً بالصلوات الخمس.
وقيل: هي قراءة القرآن بعينها؛ قيل: يقرأ مائة آية ومن قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن، وقيل: من قرأ مائة آية كتب من القانتين.
وقيل: خمسين آية.
وقد بين الحكمة في النسخ.
وهي تعذر القيام على المرضى، والضاربين في الأرض للتجارة، والمجاهدين في سبيل الله.
وقيل: سوّى الله بين المجاهدين والمسافرين لكسب الحلال.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه: كان عند الله من الشهداء.
وعن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رجل: أضرب في الأرض أبتغى من فضل الله.
و ﴿ عَلِمَ ﴾ استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ ﴿ وَأَقِيمُواْ الصلاة ﴾ يعني المفروضة والزكاة الواجبة وقيل: زكاة الفطر؛ لأنه لم يكن بمكة زكاة.
وإنما وجبت بعد ذلك.
ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيا ﴿ وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ يجوز أن يريد: سائر الصدقات وأن يريد: أداء الزكاة على أحسن وجه: من إخراج أطيب المال وأعوده على الفقراء، ومراعاة النية وابتغاء وجه الله، والصرف إلى المستحق، وأن يريد: كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق بالنفس والمال ﴿ خَيْرًا ﴾ ثاني مفعولي وجد.
وهو فصل.
وجاز وإن لم يقع بين معرفتين.
لأنّ أفعل من أشبه في امتناعه من حرف التعريف المعرفة.
وقرأ أبو السمال ﴿ هو خير وأعظم أجراً ﴾ بالرفع على الابتداء والخبر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة المزمّل دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة» .
﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ ﴾ اسْتَعارَ الأدْنى لِلْأقَلِّ لِأنَّ الأقْرَبَ إلى الشَّيْءِ أقَلُّ بُعْدًا مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكُوفِيُّونَ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى أدْنى.
﴿ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ ويَقُومُ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِكَ.
﴿ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ لا يَعْلَمُ مَقادِيرَ ساعاتِهِما كَما هي إلّا اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ تَقْدِيمَ اسْمِهِ مُبْتَدَأٌ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ يُقَدِّرُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ أيْ لَنْ تُحْصُوا تَقْدِيرَ الأوْقاتِ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا ضَبْطَ السّاعاتِ.
﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ بِالتَّرَخُّصِ في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ ورَفَعَ التَّبِعَةَ فِيهِ كَما رَفَعَ التَّبِعَةَ عَنِ التّائِبِ.
﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ عَلَيْكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ، عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالقُرْآنِ كَما عَبَّرَ عَنْها بِسائِرِ أرْكانِها، قِيلَ: كانَ التَّهَجُّدُ واجِبًا عَلى التَّخْيِيرِ المَذْكُورِ فَعَسُرَ عَلَيْهِمُ القِيامُ بِهِ فَنُسِخَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، أوْ فاقْرَؤُوا القُرْآنَ بِعَيْنِهِ كَيْفَما تَيَسَّرَ عَلَيْكم.
﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ حِكْمَةً أُخْرى مُقْتَضِيَةً لِلتَّرْخِيصِ والتَّخْفِيفِ ولِذَلِكَ كَرَّرَ الحُكْمَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ وقالَ: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ والضَّرْبُ في الأرْضِ ابْتِغاءً لِلْفَضْلِ المُسافَرَةُ لِلتِّجارَةِ وتَحْصِيلِ العِلْمِ ﴿ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ المَفْرُوضَةَ.
﴿ وَآتُوا الزَّكاةَ ﴾ الواجِبَةَ.
﴿ وَأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ الأمْرَ في سائِرِ الإنْفاقاتِ في سُبُلِ الخَيْراتِ، أوْ بِأداءِ الزَّكاةِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، والتَّرْغِيبُ فِيهِ بِوَعْدِ العِوَضِ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا ﴾ مِنَ الَّذِي تُؤَخِّرُونَهُ إلى الوَصِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ أوْ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، وخَيْرًا ثانِي مَفْعُولَيْ تَجِدُوهُ وهو تَأْكِيدٌ أوْ فَصْلٌ، لِأنَّ أفْعَلَ مِن كالمَعْرِفَةِ ولِذَلِكَ يَمْتَنِعُ مِن حَرْفِ التَّعْرِيفِ، وقُرِئَ «هُوَ خَيْرٌ» عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
﴿ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ في مَجامِعِ أحْوالِكم فَإنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو مِن تَفْرِيطٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ المُزَّمِّلِ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ العُسْرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ».»
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى} أقل فاستعير الادنى وهو الأقرب لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز وإذا بعدت كثر ذلك {من ثلثي الليل} بضم اللام سوى هشام {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} منصوبان عطف على أدنى مكي وكوفي ومن جرهما عطف على ثُلُثَىِ {وَطَائِفَةٌ} عطف على الضمير في تَقُومُ وجاز بلا توكيد لوجود الفاصل {مِّنَ الذين مَعَكَ} أي ويقوم ذلك المقدار جماعة من أصحابك {والله يقدر الليل والنهار} أي لا يقدر على تقدير الليل والنهار ولا يعلم مقادير ساعاتهما إلا الله وحده وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنياً عليه يقدر هو الدال على أنه مختص بالتقدير ثم إنهم قاموا حتى انتفخت أقدامهم فنزل {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} لن تطيقوا قيامه على هذه المقادير إلا بشدة ومشقة وفي ذلك حرج {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} فخفف عليكم وأسقط عنكم فرض قيام الليل {فاقرؤوا} في الصلاة والأمر للوجوب أي وفي غيرها والأمر للندب {مَا تَيَسَّرَ} عليكم {مِنَ القرآن} روى أبو حنيفة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال
من قرأ مائة آية في ليلة لم يكتب من الغافلين ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين وقيل أراد بالقرآن الصلاة لأنه بعض أركانها أي فصلوا ما تيسر عليكم ولم يتعذر من صلاة الليل وهذا ناسخ للأول ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس ثم بين الحكمة في
النسخ وهي تعذر القيام على المرضى والمسافرين والمجاهدين فقال {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ} أي أنه مخففة من الثقيلة والسين بدل من تخفيفها وحذف اسمها {مرضى} فيشق عليهم قيام الليل {وآخرون يَضْرِبُونَ فِى الأرض} يسافرون {يَبْتَغُونَ} حال من ضمير يَضْرِبُونَ {مِن فَضْلِ الله} رزقه بالتجارة أو طلب العلم {وآخرون يقاتلون فِى سَبِيلِ الله} سوّى بين المجاهد والمكتسب لأن كسب الحلال جهاد قال ابن مسعود رضي الله عنه ايما رجل جلب شيئا إلى المدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء وقال ابن عمر رضي الله عنهما ماخلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله {فاقرؤوا ما تيسر من} كرر الأمر بالتيسير لشدة احتياطهم {وأقيموا الصلاة} المفروضة {وآتوا الزكاة} الواجبة {وَأَقْرِضُواُ الله} بالنوافل والقرض لغة القطع فالمقرض بقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره وكذا المتصدق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله الله تعالى وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما يتصدق به عليه وهذا لأن الفقير معاون له في تلك القربة فلا يكون له عليه منه بل المة للفقير عليه {قَرْضًا حَسَنًا} من الحلال بالاخلاص {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ} أي ثوابه وهو جواب الشرط {عِندَ الله هُوَ خَيْراً} مما خلفتم وتركتم فالمفعول الثاني لتجدوه خيرا وهو فصل وجاز وإن لم يقع بين معرفتين لأن أفعل ما أشبه المعرفة لامتناعه من حرف التعريف وَأَعْظَمَ أجرا وأجزل ثوابا واستغفروا من السيآت والتقصير في الحسنات {إِنَّ الله غَفُورٌ} يستر على أهل الذنب والتقصير {رَّحِيمٌ} يخفف عن أهل الجهد والتوفير وهو على ما يشاء قدير والله أعلم
سورة المدثر صلى الله عليه وسلم مكية وهي ست وخمسون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ﴾ أيْ زَمانا أقَلَّ مِنهُما اسْتُعْمِلَ فِيهِ الأدْنى وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مِن دَنا إذا قَرُبَ لِما أنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الأحْيازِ فَهو فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ القُرْبَ يَقْتَضِي قِلَّةَ الأحْيازِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فاسْتُعْمِلَ في لازِمِهِ أوْ في مُطْلَقِ القِلَّةِ وجَوَّزَ اعْتِبارَ التَّشْبِيهِ بَيْنَ القُرْبِ والقِلَّةِ لِيَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ والإرْسالُ أقْرَبُ وقَرَأ الحَسَنُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ السَّمَيْفِعِ وهِشامٌ وابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ الكامِلِ «ثُلْثَيِ» بِإسْكانِ اللّامِ وجاءَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ.
﴿ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ أدْنى ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ أقَلَّ مِن ثُلْثَيْهِ وتَقُومُ نِصْفَهُ وتَقُومُ ثُلْثَهُ وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ ونِصْفِهِ وثُلْثِهِ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ﴾ أيْ تَقُومُ أقَلَّ مِنَ الثُّلْثَيْنِ وأقَلَّ مِنَ النِّصْفِ وأقَلَّ مِنَ الثُّلْثِ والأوَّلُ مُطابِقٌ لِكَوْنِ التَّخْيِيرِ فِيما مَرَّ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ بِتَمامِهِ وبَيْنَ قِيامِ النّاقِصِ مِنهُ وهو الثُّلْثُ وبَيْنَ قِيامِ الزّائِدِ عَلَيْهِ وهو الأدْنى مِنَ الثُّلْثَيْنِ والثّانِي مُطابِقٌ لِكَوْنِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ النِّصْفِ وهو أدْنى مِنَ الثُّلْثَيْنِ وبَيْنَ الثُّلْثِ وهو أدْنى مِنَ النِّصْفِ وبَيْنَ الرُّبْعِ وهو أدْنى مِنَ الثُّلْثِ كَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ فَلا تَغْفُلْ واسْتُشْكِلَ الأمْرُ بِأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ظاهِرٌ فَكَيْفَ وجَّهَ صِحَّةَ عَلِمِ اللَّهِ تَعالى لِمَدْلُولِها وهُما لا يَجْتَمِعانِ وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الأوْقاتِ فَوَقَعَ كُلٌّ في وقْتٍ فَكانا مَعْلُومَيْنِ لَهُ تَعالى واسْتُشْكِلَ أيْضًا هَذا المَقامُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الأمْرِ وارِدًا بِالأكْثَرِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ إمّا مُخالَفَةُ النَّبِيِّ لِما أُمِرَ بِهِ أوِ اجْتِهادُهُ والخَطَأُ فِي مُوافَقَةِ الأمْرِ وكَلاهُما غَيْرُ صَحِيحٍ.
أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ لا سِيَّما عَلى كَوْنِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ مَن جَوَّزَ اجْتِهادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والخَطَأ فِيهِ يَقُولُ إنَّهُ لا يُقِرُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الخَطَأِ وأُجِيبُ بِالتِزامِ أنَّ الأمْرَ وارِدٌ بِالأقَلِّ لَكِنَّهم زادُوا حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ في المُخالَفَةِ وكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وعِلْمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ لَمْ يَأْخُذُوا بِالأشَقِّ وقَعُوا في المُخالَفَةِ فَنَسَخَ سُبْحانَهُ الأمْرَ كَذا قِيلَ فَتَأمَّلْ فالمَقامُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ «وثُلْثَهُ» بِإسْكانِ اللّامِ ﴿ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ﴿ تَقُومُ ﴾ وحَسَّنَهُ الفَصْلُ بَيْنَهُما أيْ وتَقُومُ مَعَكَ طائِفَةٌ مِن أصْحابِكَ ﴿ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ لا يَعْلَمُ مَقادِيرَ ساعاتِهِما كَما هي ( إلّا ) اللَّهُ تَعالى.
فَإنَّ تَقْدِيمَ اسْمِهِ تَعالى مُبْتَدَأً مَبْنِيًّا عَلَيْهِ يُقَدِّرُ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِمَصْدَرٍ يُقَدَّرُ لا لِلْقِيامِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ والمَعْنى عَلِمَ أنَّ الشَّأْنَ لَنْ تَقْدِرُوا عَلى تَقْدِيرِ الأوْقاتِ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا ضَبْطَ السّاعاتِ ولا يَتَأتّى لَكم حِسابُها بِالتَّعْدِيلِ والتَّسْوِيَةِ ( إلّا ) أنْ تَأْخُذُوا بِالأوْسَعِ لِلِاحْتِياطِ وذَلِكَ شاقٌّ عَلَيْكم بالِغٌ مِنكم ﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ بِالتَّرْخِيصِ في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ ورَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْكم في تَرْكِهِ فالكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ حَيْثُ شَبَّهَ التَّرْخِيصَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في رَفْعِ التَّبِعَةِ واسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ الشّائِعُ في المُشَبَّهِ بِهِ في المُشَبَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ ﴾ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ فَقالَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن تَرَكَ بَعْضَ ما أُمِرَ بِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ أيْ فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ لَكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالقِراءَةِ كَما عَبَّرَ عَنْها بِسائِرِ أرْكانِها.
وقِيلَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن طَلَبِ قِراءَةِ القُرْآنِ بِعَيْنِها وفِيهِ بُعْدٌ عَنْ مُقْتَضى السِّياقِ ومَن ذَهَبَ أيِ الأوَّلُ قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَرَضَ قِيامَ مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ اللَّيْلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ ﴾ إلَخِ ثُمَّ نَسَخَ بِقِيامِ مِقْدارٍ ما مِنهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ﴾ الآيَةَ فالأمْرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْوُجُوبِ ( إلّا ) أنَّ الواجِبَ أوَّلًا كانَ مُعَيَّنًا مِن مُعَيَّناتٍ وثانِيًا كانَ بَعْضًا مُطْلَقًا ثُمَّ نَسَخَ وُجُوبَ القِيامِ عَلى الأُمَّةِ مُطْلَقًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ ومَن ذَهَبَ إلى الثّانِي قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَخَّصَ لَهم في تَرْكِ جَمِيعِ القِيامِ وأمَرَ بِقِراءَةِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ لَيْلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ فَتابَ عَلَيْكم ورَخَّصَ في التَّرْكِ ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ إنْ شَقَّ عَلَيْكُمِ القِيامُ فَإنَّ هَذا لا يَشُقُّ وتَنالُونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ ثَوابَ القِيامِ وصَرَّحَ جَمْعٌ أنَّ ﴿ فاقْرَءُوا ﴾ عَلى هَذا أمْرٌ نُدِبَ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ هَذا.
واعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أمْرِ التَّهَجُّدِ فَعَنْ مُقاتِلٍ وابْنِ كِيسانَ أنَّهُ كانَ فَرْضًا بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ ثُمَّ نُسِخَ بِهِنَّ ( إلّا ) ما تَطَوَّعُوا بِهِ ورَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في حَدِيثِ جابِرٍ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَّةَ والنِّسائِيُّ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ قُلْتُ لِعائِشَةَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟
قُلْتُ: بَلى قالَتْ: فَإنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى القُرْآنُ قالَ: فَهَمَمْتُ أنْ أقُومَ ولا أسْألَ أحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتّى أمُوتَ ثُمَّ بَدا لِي فَقُلْتُ أنْبِئِينِي عَنْ قِيامِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ يا أيُّها المُزَّمِّلُ؟
قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَرَضَ قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقامَ نَبِيُّ اللَّهِ وأصْحابُهُ حَوْلًا وأمْسَكَ اللَّهُ تَعالى خاتِمَتَها اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا في السَّماءِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ وصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا.
وفِي رِوايَةٍ عَنْها أنَّهُ دامَ ذَلِكَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ» وعَنْ قَتادَةَ دامَ عامًا أوْ عامَيْنِ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ كانَ واجِبًا وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في المِقْدارِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ وكانَ الرَّجُلُ كَما قالَ الكَلْبِيُّ يَقُومُ حَتّى يُصْبِحَ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ ما بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلُثِ والثُّلْثَيْنِ وقِيلَ كانَ نَفْلًا بِدَلِيلِ التَّخْيِيرِ في المِقْدارِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ﴾ حَكاهُ غَيْرُ واحِدٍ وبَحَثُوا فِيهِ لَكِنْ قالَ الإمامُ صاحِبُ الكَشْفِ لَمْ يَرِدْ هَذا القائِلُ إنَّ التَّخْيِيرَ يُنافِي الوُجُوبَ بَلِ اسْتَدَلَّ بِالِاسْتِقْراءِ وإنَّ الفَرائِضَ لَها أوْقاتٌ مَحْدُودَةٌ مُتَّسِعَةً كانَتْ أوْ ضَيِّقَةً لَمْ يُفَوِّضِ التَّحْدِيدَ إلى رَأْيِ الفاعِلِ وهو دَلِيلٌ حَسَنٌ.
وأمّا القائِلُ بِالفَرْضِيَّةِ فَقَدْ نَظَرَ إلى اللَّفْظِ دُونَ الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ ولِكُلٍّ وجْهٌ وأمّا قَوْلُهُ ولِقَوْلِهِ تَعالى ( ومِنَ اللَّيْلِ )إلَخِ فالِاسْتِدْلالُ بِأنَّهُ فَسَرَّ ﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ أنَّ مَعْناهُ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ لَكَ خاصَّةً دُونَ غَيْرِكَ لِأنَّها تَطَوُّعُ لَهم وهَذا القائِلُ لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما يَمْنَعُهُ في حَقِّ غَيْرِهِ والآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ فَلا نَظَرَ فِيهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في تِلْكَ السُّورَةِ ( ومِنَ اللَّيْلِ ) أيْ خَصَّ بَعْضَ اللَّيْلِ دُونَ تَوْقِيتٍ وهاهُنا وقَّتَ جَلَّ وعَلا ودَلَّ عَلى مُشارَكَةِ الأُمَّةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ نَزَلَ ما ثَمَّ عَلى الوُجُوبِ عَلَيْهِ خاصَّةً.
وهاهُنا عَلى التَّنَفُّلِ في حَقِّهِ وحَقِّ الأُمَّةِ وهَذا قَوْلٌ سَدِيدٌ ( إلّا ) أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ انْتَهى وعَنى بِالأوَّلِ القَوْلَ بِالفَرْضِيَّةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى الأُمَّةِ وظَواهِرُ الآثارِ الكَثِيرَةُ تَشْهَدُ لَهُ لَكِنْ في البَحْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ إذْ لَوْ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ لَكانَ التَّرْكِيبُ ( ( واَلَّذِينَ مَعَكَ) ( إلّا ) أنْ أعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ مِنهم مَن يَقُومُ في بَيْتِهِ ومِنهم مَن يَقُومُ مَعَهُ فَيُمْكِنُ إذْ ذاكَ الفَرْضِيَّةُ في حَقِّ الجَمِيعِ انْتَهى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ ﴿ مِن ﴾ تَبْعِيضِيَّةً بَلْ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً ومَن يَقُولُ بِالفَرْضِيَّةِ عَلى الكُلِّ صَدَرَ الإسْلامُ بِحَمْلِها عَلى ذَلِكَ دُونَ البَعْضِيَّةِ بِاعْتِبارِ المَعِيَّةِ فَإنَّها لَيْسَتْ بِذاكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وأفادَتِ الآيَةُ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فاقْرَءُوا ﴾ إلَخِ نَدْبَ قِراءَةِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ لَيْلًا وفي بَعْضِ الآثارِ «مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ في لَيْلَةٍ لَمْ يُحاجَّهُ القُرْآنُ» وفي بَعْضِها «مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ» وفي بَعْضٍ خمْسِنَ آيَةً والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلَيْنِ فِيهِ القَوْلُ الأوَّلُ وقَدْ سَمِعْتَ أنَّ الأمْرَ عَلَيْهِ لِلْإيجابِ وأنَّهُ كانَ يَجِبُ قِيامُ شَيْءٍ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهُ عَنِ الأُمَّةِ بِوُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَهو اليَوْمَ في حَقِّ الأُمَّةِ سُنَّةٌ وفي البَحْرِ بَعْدَ تَفْسِيرِ ﴿ فاقْرَءُوا ﴾ يُصَلُّوا وحِكايَةُ ما قِيلَ مِنَ النَّسْخِ وهَذا الأمْرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أمْرُ إباحَةٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضٌ ولَوْ قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ ولَوْ بِمِقْدارِ خَمْسِينَ آيَةً انْتَهى.
وظاهِرُ سِياقِهِ أنَّ هَؤُلاءِ قائِلُونَ بِوُجُوبِهِ اليَوْمَ وأنَّهُ لَمْ يَنْسَخِ الوُجُوبَ مُطْلَقًا وإنَّما نَسَخَ وُجُوبَ مُعَيَّنٍ وهَذا خِلافُ المَعْرُوفِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَقَطَ قِيامُ اللَّيْلِ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ وصارَ تَطَوُّعًا وبَقِيَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأظُنُّ الأمْرَ غَنِيًّا عَنِ الِاسْتِدْلالِ فَلْنَطْوِ بِساطَ القِيلَ والقالَ نَعَمْ كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يُثابِرُونَ عَلى القِيامِ مُثابَرَتَهم عَلى فَرائِضِ الإسْلامِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الخَلْوَةِ بِالحَبِيبِ والأُنْسِ بِهِ وهو القَرِيبُ مِن غَيْرِ رَقِيبٍ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا كَما وفَّقَهم ويَمُنَّ عَلَيْنا كَما ( مَنَّ ) عَلَيْهِمْ.
بَقِيَ هُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ عَلى أنَّ الفَرْضَ في الصَّلاةِ مُطْلَقُ القِراءَةِ لا الفاتِحَةُ بِخُصُوصِها وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عَبَّرَ فِيهِ عَنِ الصَّلاةِ بِرُكْنِها وهو القِراءَةُ كَما عَبَّرَ عَنْها بِالسُّجُودِ والقِيامِ والرُّكُوعِ في مَواضِعَ وقَدَّرَ ما تَيَسَّرَ بِآيَةٍ عَلى ما حَكاهُ عَنْهُ الماوَرْدِيُّ وبِثُلْثٍ عَلى ما حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ العَرَبِيِّ والمَسْألَةُ مُقَرَّرَةٌ في الفُرُوعِ وخَصَّ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ ما تَيَسَّرَ بِالفاتِحَةِ واحْتَجُّوا عَلى وُجُوبِ قِراءَتِها في الصَّلاةِ بِحُجَجٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما نَقَلَ أبُو حامِدٍ الأسْفَرايِنِيُّ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا تَجْزِي صَلاةٌ لا يُقْرَأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ» .
ومِنها ما رُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ : «كُلُّ صَلاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَهي خِداجٌ فَهي خِداجٌ» .
أيْ نُقْصانٌ لِلْمُبالَغَةِ أوْ ذُو نُقْصانٍ واعْتَرَضَ بِأنَّ النُّقْصانَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الجَوازِ وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَدُلُّ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالصَّلاةِ قائِمٌ والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ خالَفْناهُ عِنْدَ الإتْيانِ بِها عَلى صِفَةِ الكَمالِ فَعِنْدَ النُّقْصانِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الأصْلِ ولا يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ وأكَّدَ بِقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ بِعَدَمِ جَوازِ صَوْمِ يَوْمِ العِيدِ قَضاءً عَنْ رَمَضانَ مَعَ صِحَّةِ الصَّوْمِ فِيهِ عِنْدَهُ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ الكامِلُ والصَّوْمُ في هَذا اليَوْمِ ناقِصٌ فَلا يُفِيدُ الخُرُوجَ عَنِ العُهْدَةِ ومِنها: قَوْلُهُ : «لا صَلاةَ ( إلّا ) بِفاتِحَةِ الكِتابِ» .
وهُوَ ظاهِرٌ في المَقْصُودِ إذِ التَّقْدِيرُ لا صَلاةَ صَحِيحَةً ( إلّا ) بِها واعْتَرَضَ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا صَلاةَ كامِلَةً فَإنَّهُ لَمّا امْتَنَعَ نَفْيُ مُسَمّى الصَّلاةِ لِثُبُوتِهِ دُونَ الفاتِحَةِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن صَرْفِهِ إلى حُكْمٍ مِن أحْكامِها ولَيْسَ الصَّرْفُ إلى الصِّحَّةِ أوْلى مِنَ الصَّرْفِ إلى الكَمالِ وأُجِيبُ ( بِأنّا ) لا نُسَلِّمُ امْتِناعَ دُخُولِ النَّفْيِ عَلى مُسَمّاها لِأنَّ الفاتِحَةَ إذا كانَتْ جُزْءًا مِن ماهِيَّةِ الصَّلاةِ تَنْفِي الماهِيَّةَ عِنْدَ عَدَمِ قِراءَتِها فَيَصِحُّ دُخُولُهُ عَلى مُسَمّاها وإنَّما يَمْتَنِعُ لَوْ ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ جُزْءًا مِنها وهو أوَّلُ المَسْألَةِ سَلَّمْناهُ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ صَرْفَهُ إلى الصِّحَّةِ لَيْسَ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الكَمالِ بَلْ هو أوْلى لِأنَّ الحَمْلَ عَلى المَجازِ الأقْرَبِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى بَلْ واجِبٌ بِالإجْماعِ ولا شَكَّ أنَّ المَوْجُودَ الَّذِي لا يَكُونُ صَحِيحًا أقْرَبَ إلى المَعْدُومِ مِنَ المَوْجُودِ الَّذِي يَكُونُ كامِلًا ولِأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كانَ وهو التَّكْلِيفُ عَلى ما كانَ ولِأنَّ جانِبَ الحُرْمَةِ أرْجَحُ لِأنَّهُ أحْوَطُ ومِنها أنَّ الصَّلاةَ بِدُونِ الفاتِحَةِ تُوجِبُ فَواتَ الفَضِيلَةِ الزّائِدَةِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ مَعَها أفْضَلُ فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ لِأنَّهُ قَبِيحٌ عُرْفًا فَيَكُونُ قَبِيحًا شَرْعًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ.
وما رَآهُ المُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ» .
ومِنها أنَّ قِراءَتَها تُوجِبُ الخُرُوجَ عَنِ العُهْدَةِ بِيَقِينٍ فَتَكُونُ أحْوَطَ فَوَجَبَ القَوْلُ بِوُجُوبِها لِنَصِّ: «دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ» .
ولِلْمَعْقُولِ وهو دَفْعُ ضَرَرِ الخَوْفِ عَنِ النَّفْسِ فَإنَّهُ واجِبٌ.
وكَوْنُ اعْتِقادِ الوُجُوبِ يُورِثُ الخَوْفَ لِجَوازِ كَوْنَنا مُخْطِئِينَ مَعارَضٌ بِاعْتِقادِ عَدَمِهِ فَيَتَقابَلانِ وأمّا في العَمَلِ فالقِراءَةُ لا تُوجِبُ الخَوْفَ وتَرْكُها يُوجِبُهُ فالأحْوَطُ القِراءَةُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وأجابَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ بِما أجابُوا.
واسْتَدَلُّوا عَلى أنَّ الواجِبَ ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ لا الفاتِحَةُ بِخُصُوصِها بِأُمُورٍ مِنها ما رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أنْ أخْرُجَ وأُنادِيَ لا صَلاةَ ( إلّا ) بِقِراءَةٍ ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» .
ودُفِعَ بِأنَّهُ مُعارَضٌ بِما نُقِلَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أنْ أخْرُجَ وأُنادِيَ لا صَلاةَ ( إلّا ) بِفاتِحَةِ الكِتابِ» .
وبِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ هو أنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى الفاتِحَةِ لَكَفى ويَجِبُ الحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ وفِيهِ تَعَسُّفٌ ولَعَلَّ الأوَّلَ في الجَوابِ جَوازُ كَوْنِ المُرادِ ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ ما هو السّابِقُ إلى الفَهْمِ مِن قَوْلِ القائِلِ لا حَياةَ ( إلّا ) بِقُوتٍ ولَوِ الخُبْزِ كُلَّ يَوْمٍ أُوقِيَّةً وهو أنَّ هَذا القَدْرَ لا بُدَّ مِنهُ وعَلَيْهِ يَصِيرُ الحَدِيثُ مِن أدِلَّةِ الوُجُوبِ ومِنها أنَّهُ لَوْ وجَبَتِ الفاتِحَةُ لَصَدَقَ قَوْلُنا كُلَّما وجَبَتِ القِراءَةُ وجَبَتِ الفاتِحَةُ ومَعْناهُ مُقَدِّمَةٌ صادِقَةٌ وهي أنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتِ القِراءَةُ لِوُجُوبِ مُطْلَقِ القِراءَةِ بِالإجْماعِ فَتَنْتِجُ المُقْدِمَتانِ لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتِ الفاتِحَةُ وهو باطِلٌ.
وأُجِيبُ بِمَنعِ الصُّغْرى أيْ لا نُسَلِّمُ صِدْقَ قَوْلِنا لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتِ القِراءَةُ لِأنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الفاتِحَةِ مُحالٌ والمَحالُ جازَ أنْ يَسْتَلْزِمَ المُحالَ وهو رَفْعُ وُجُوبِ مُطْلَقِ القِراءَةِ الثّابِتِ بِالإجْماعِ سَلَّمْناها لَكِنْ لا نُسَلِّمُ اسْتِحالَةَ قَوْلِنا لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتِ الفاتِحَةُ لِما ذَكَرَ آنِفًا وجَعَلَ بَعْضٌ القِياسَ حُجَّةً عَلى الحَنَفِيَّةِ لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَلْزَمَ عَدَمُهُ وُجُودَهُ ثَبَتَ وُجُودُهُ ضَرُورَةً ورُدَّ بِأنَّ هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَتِ المُلازِمَةُ وهي قَوْلُنا لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتْ ثابِتَةً في نَفْسِ الأمْرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هي ثابِتَةٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُوبِ قِراءَةِ الفاتِحَةِ فَلِهَذا لا يَصِيرُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وتَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى القَوْلِ الثّانِي في الآيَةِ لا يَظْهَرُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى فَرْضِيَّةِ مُطْلَقِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ إذْ لَيْسَ فِيها عَلَيْهِ أكْثَرُ مِنَ الأمْرِ بِقِراءَةِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ قَلَّ أوْ أكْثَرَ بَدَلَ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن صَلاةِ اللَّيْلِ فَلْيَتُنَبَّهْ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَةٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ مِن عُسْرَةِ إحْصاءِ تَقْدِيرِ الأوْقاتِ مُقْتَضِيَةٍ لِلتَّرْخِيصِ والتَّخْفِيفِ أيْ عَلِمَ أنَّ الشَّأْنَ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى ﴿ وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ﴾ يُسافِرُونَ فِيها لِلتِّجارَةِ ﴿ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ وهو الرِّبْحُ وقَدْ عَمَّمَ ابْتِغاءَ الفَضْلِ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي المُجاهِدِينَ وفي قَرْنِ المُسافِرِينَ لِابْتِغاءِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ إشارَةٌ إلى أنَّهم نَحْوَهم في الأجْرِ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهُما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما مِن حالٍ يَأْتِينِي عَلَيْهِ المَوْتُ بَعْدَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنَّ يَأْتِيَنِي وأنا بَيْنَ شُعْبَتِي جَبَلٍ ألْتَمِسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ ﴾ إلَخِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «ما مِن جالِبٍ يَجْلِبُ طَعامًا إلى بَلَدٍ مِن بُلْدانِ المُسْلِمِينَ فَيَبِيعُهُ لِسِعْرِ يَوْمِهِ ( إلّا ) كانَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَ اللهِ» ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ « ﴿ وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ »» .
والمُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن يَشُقُّ عَلَيْهِ القِيامُ كَما عَلِمَ سُبْحانَهُ عُسْرَ إحْصاءِ تَقْدِيرِ الأوْقاتِ وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ وتَعاضَدَتْ مُقْتَضَياتُ التَّرْخِيصِ ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ مِن غَيْرِ تَحَمُّلِ المَشاقِّ ﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ أيِ المَفْرُوضَةَ ﴿ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ كَذَلِكَ وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ والظّاهِرُ أنَّهم عَنَوْا بِالصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ الصَّلَواتِ الخَمْسَ وبِالزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ أُخْتَها المَعْرُوفَةَ.
واسْتَشْكَلَ بِأنَّ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ ولَمْ تُفْرَضِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ إلّا بَعْدَ الإسْراءِ والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ وأُجِيبُ بِأنَّ الذّاهِبَ إلى ذَلِكَ يَجْعَلُ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةً وقِيلَ إنِ الزَّكاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْأنْصِباءِ واَلَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ تَعْيِينُ الأنْصِباءِ فَيُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ في الجُمْلَةِ فَلا مانِعَ عَنْ كَوْنِ الآياتِ مَكِّيَّةً لَكِنْ يَلْتَزِمُ لِكَوْنِها نَزَلَتْ بَعْدَ الإسْراءِ وحُكْمِها عَلى صَلاةِ اللَّيْلِ السّابِقَةِ حَيْثُ كانَتْ مَفْرُوضَةً تُنافِي التَّرْخِيصَ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِمّا تَأخَّرَ حُكْمُهُ عَنْ نُزُولِهِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ أُرِيدَ بِهِ الإنْفاقاتُ في سَبِيلِ الخَيْراتِ أوْ أداءُ الزَّكاةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأنْفَعِها لِلْفُقَراءِ.
﴿ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ ﴾ أيْ خَيْرٍ كانَ مِمّا ذَكَرَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرْ ﴿ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا ﴾ أيْ مِنَ الَّذِي تُؤَخِّرُونَهُ إلى الوَصِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ ( وخَيْرًا ) ثانِي مَفْعُولَيْ ﴿ تَجِدُوهُ ﴾ وهو تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ ﴿ تَجِدُوهُ ﴾ وإنْ كانَ بِصُورَةِ المَرْفُوعِ والمُؤَكَّدُ مَنصُوبٌ لِأنَّ هو يُسْتَعارُ لِتَأْكِيدِ المَجْرُورِ والمَنصُوبِ كَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ أوْ ضَمِيرُ فَصْلٍ وإنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ فَإنَّ أفْعَلَ مِن حُكْمِ المُعَرَّفَةِ ولِذا يَمْتَنِعُ مِن حَرْفِ التَّعْرِيفِ كالعِلْمِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ البَدَلِيَّةَ مِن ضَمِيرِ ﴿ تَجِدُوهُ ﴾ ووَهِمَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّ الواجِبَ عَلَيْها إيّاهُ وقَرَأ أبُو =السَّمالِ بِاللّامِ، العَدُوِّيُّ وأبُو السَّماكِ بِالكافِ، الغَنَوِيُّ وأبُو السَّمَيْفِعِ هو «خَيْرٌ وأعْظَمُ» بِرَفْعِهِما عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ وجَعَلَ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي قالَ أبُو زَيْدٍ هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ ما بَعْدَ الفاصِلَةِ يَقُولُونَ كانَ زَيْدٌ هو الفاعِلُ بِالرَّفْعِ وعَلَيْهِ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذَرِيحٍ: تَحِنُّ إلى لُبْنى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ فَقَدْ قالَ أبُو عَمْرٍو الجِرْمِيُّ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ شاهِدًا لِلرَّفْعِ والقَوافِي مَرْفُوعٌ ويُرْوى أقْدَرا ﴿ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ في كافَّةِ أحْوالِكم فَإنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَخْلُو مِمّا يُعَدُّ تَفْرِيطًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وعَدَّ مِن ذَلِكَ الصُّوفِيَّةُ رُؤْيَةَ العابِدِ عِبادَتَهُ قِيلَ ولِهَذا الإشارَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ بَعْدَ الأوامِرِ السّابِقَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْراضِ الحَسَنِ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فَيَغْفِرُ سُبْحانَهُ ذَنْبَ مَنِ اسْتَغْفَرَهُ ويَرْحَمُهُ عَزَّ وجَلَّ وفي حَذْفِ المَعْمُولِ دَلالَةٌ عَلى العُمُومِ وتَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِ مَعْلُومٌ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى عَظِيمَ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ لَنا ولِوالِدِينا ولِكافَّةِ مُؤْمِنِي بَرِّيَّتِهِ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ خَلِيقَتِهِ وسَنَدِ أهْلِ صَفْوَتِهِ وصَحِبِهِ وشِيعَتِهِ.
ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وعاصم ونصفه وثلثه كلاهما بالنصب والباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب فهو على تفسير الأدنى كما قال: أدنى من ثلثي الليل وكان نصفه وثلثه تفسير لذلك الأدنى ومن قرأ بالكسر فمعناه: أدنى من نصفه وثلثه وقال الحسن لما نزل قوله قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا فكان قيام الليل فريضة فقام بها المؤمنون حولاً فأجهدهم ذلك وما كلهم قام بها فأنزل الله تعالى رخصة إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى إلى قوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فصار تطوعاً ولا بد من قيام الليل.
فذلك قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ يعني: وجماعة من المؤمنين معك تقومون نصف الليل وثلثه وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعني: يعلم ساعات الليل والنهار عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ يعني: أن لن تطيعوه ولم تقدروا أن تحفظوا ما فرض الله عليكم على الدوام ويقال: معناه: لن تطيقوا حفظ ساعات الليل فَتابَ عَلَيْكُمْ يعني: تجاوز عنكم ورفع عنكم وجوب القيام فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ في صلاة الليل ويقال: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ في جميع الصلوات عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى علم الله تعالى أن منكم مرضى لا يقدرون على قيام الليل وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يعني: يسافرون في الأرض يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يعني: في طلب المعيشة يطلبون الرزق من الله تعالى وفي الآية دليل أن الكسب الحلال بمنزلة الجهاد لأنه جمع مع الجهاد في سبيل الله، وروى إبراهيم عن علقمة قال- قال رسول الله : «مَا مِنْ جَالِبٍ يَجْلِبُ طَعَامَاً مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَيَبِيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ إلاَّ كَانَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ الله تَعَالَى مَنْزِلَةَ الشَّهِيدِ» ثم قرأ رسول الله : وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ يعني: من القرآن وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: الصلوات الخمس وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: الزكاة المفروضة وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: تصدقوا من أموالكم بنية خالصة من المال الحلال وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ يعني: ما تعملون من عمل من الأعمال الصالحة يعني: تتصدقون بنية خالصة تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: تجدوا ثوابه في الآخرة.
هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً يعني: الصدقة خير من الإمساك وأعظم ثواباً من معاملتكم وتجارتكم في الدنيا، وروي عن عمر بن الخطاب- - أنه اتخذ له حيساً- يعني: تمراً بلبن فجاءه مسكين فأخذه، ودفعه إليه فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا فقال عمر: لكن رب المسكين يدري ما هو فكأنه تأول قوله تعالى: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ثم قال عز وجل: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يعني: اطلبوا المغفرة لذنوبكم بالرجوع إلى الله تعالى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: لمن تاب رحيماً بعد التوبة والله أعلم بالصواب.
وقوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أي ذاتُ انْفِطارٍ، والانفطارُ التَّصَدُّعُ والانْشِقَاقُ، والضميرُ في بِهِ قال منذر وغيره: عائِدُ على اليومِ وكذا قَال- ص-: إن ضمير بِهِ يعودُ على اليومِ والباء سببيةٌ/ أو ظرفيةٌ، انتهى، وفي «صحيح مسلم» من رواية عبد الله بن عمرو: وذكر صلّى الله عليه وسلّم: بَعْثُ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إلَى الجَنَّةِ، قَالَ: فَذَلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً، وذلك يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: ٤٢] الحديث «١» ، انتهى، وقيل: عائدٌ على اللَّه، أي مُنْفَطِرٌ بأمْرِه وقُدْرَتهِ، والضميرُ في قوله: وَعْدُهُ الظاهر أنَّه يعود على اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ ...
الآية، الإشَارَةُ ب «هذه» تحتملُ: إلى ما ذُكِرَ من الأَنْكَالِ والجحيمِ، والأَخْذِ الوبيل، وتحتملُ: أنْ تَكُونَ إلى السورةِ بجُمْلَتِها، وتحتملُ: أنْ تَكُونَ إلى آياتِ القرآن بجُمْلَتِها.
وقوله سبحانه: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا لَيْسَ معناه إبَاحَةُ الأمْرِ وضِدِّه، بل الكلامُ يتضمَّنُ الوَعْدَ والوعيدَ، والسبيلُ هنا سبيلُ الخيرِ والطاعة.
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ...
الآية، المعنى أنَّ اللَّهَ تعالى يعلمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغيرك من أُمَّتِك قياماً مختلفاً مَرَّةً يكْثُرُ ومرَّةً يَقلّ، ومرة أدْنَى من الثلثين،
ومرة أدنى من النصفِ، ومرة أدْنَى من الثلث، وذلك لِعَدَمِ تَحْصِيل البَشَرِ لِمَقَادِيرِ الزمان، مع عُذْرِ النَّوْمِ، وتقديرُ الزمان حقيقةٌ إنما هو للَّهِ تعالى، وأما البشَرُ فلا يُحْصِي ذلك، فتابَ اللَّه عليهمْ، أي: رَجَعَ بهم من الثِّقَلِ إلى الخِفَّةِ وأمرهم بقراءةِ ما تيسَّر، ونحوَ هذَا تُعْطِي عِبَارةُ الفراء، ومنذر فإنهما قالا: تُحْصُوه تَحْفَظُوه، وهذا التأويلُ هو على قراءة الخفضِ عَطْفاً على الثلثين وهي قراءة أبي عمرٍو ونافعٍ وابن عامر، وأمَّا مَنْ قَرأَ: «ونصفَه وثلثَه» بالنَّصْبِ عَطْفاً على أدْنَى وهي قراءة باقي السبعةِ «١» ، فالمعنى عندَهم أنَّ اللَّه تعالى قَدْ عَلِمَ أنهم يَقْدِرُونَ الزمانَ على نحو مَا أَمَرَ بهِ تعالى، في قوله: نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: ٣- ٤] فلم يبقَ إلا قوله: أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فمعناه لَنْ يُطِيقُوا قيامَه/ لِكَثْرَتِهِ وشدتهِ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عنهم فَضْلاً منه لا لِعِلَّةِ جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقاتِ، ونَحوَ هذا تُعْطي عبارةُ الحسن وابن جبير فإنهما قالا: تحصُوه: تُطِيقُوه «٢» ، وعبارةُ الثعلبيِّ: ومَنْ قَرَأَ بالنَّصْبِ فالمعنى: وتَقُومُ نصْفَه وثلثَه، قال الفراء: وهو الأشْبَه بالصَّوَابِ لأنه قَالَ أَقَلَّ مِنَ الثلثينِ، ثم ذكر تفسيرَ القلةِ لا تَفْسِيرَ أَقَلِّ مِنَ القلةِ، انتهى، ولو عَبَّر الفَرَّاءُ بالأَرْجَحِ، لكانَ أحْسَنَ أدَباً، وعَنْ عُبَادَةَ بن الصامت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال:
«مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لا إله لا اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحانه اللَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» ثم قال: «اللَّهُمَّ، اغفر لي، أوْ دَعَا، استجيب لَهُ، فإنْ تَوَضَّأَ، ثمَّ صلى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ» ، رواه الجماعة إلا مسلماً، وَتَعَارَّ- بتشديدِ الرَّاءِ- مَعْنَاه: اسْتَيْقَظَ، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال الثعلبيُّ أي: مَا خَفَّ وَسَهُلَ بغير مِقْدَارٍ مِنَ القِرَاءَةِ، والمُدَّةِ، وقيل: المعنى فَصَلُّوا ما تيسَّر فَعَبَّر بالقراءةِ عنها.
ت:
وهذا هو الأصَحُّ عند ابن العربي، انتهى، قال ع «٤» : قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
هو أمْرُ نَدْبٍ في قولِ الجمهور، وقال جماعة: هو فَرْضٌ لاَ بُدَّ منه ولو خَمْسِينَ آيةً، وقال الحسنُ وابن سيرين: قيامُ الليل فَرْضٌ «١» وَلَوْ قَدْرُ حَلْبِ شَاةٍ، إلا أنَّ الحسنَ قال: مَنْ قَرأَ مِائَة آيةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ القرآن «٢» واسْتَحْسَنَ هذا جماعةٌ من العلماء قال بعضهم:
والركعتانِ بَعْدَ العشاءِ مَعَ الوِتْرِ دَاخِلَتَانِ في امتثالِ هذا الأَمْرِ ومن زَادَ زَادَهُ اللَّه ثواباً، ت: ينبغي للعاقِل المبَادَرَةُ إلى تَحْصِيلِ الخَيْرَاتِ قَبْلَ هُجُومِ صَوْلَةِ المَمَاتِ، قَالَ البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» له: قَالَتْ بنت الربيعِ بْنِ خُثَيْمٍ لأبيها: يا أبَتِ/ ما لِي أَرَى النَّاسَ يَنَامُونَ وأنْتَ لاَ تَنَامُ، قال: إنَّ أَبَاكِ يَخَافُ البَيَاتَ، قال الباجيُّ- رحمه اللَّه تعالى-:
ولي في هذا المعنى: [من الرجز]
قَدْ أَفْلَحَ القَانِتُ في جُنْحِ الدجى ...
يَتْلُو الْكِتَابَ العَرَبِيَّ النَّيِّرَا
[فَقَائِماً وَرَاكِعاً وَسَاجِدا ...
مُبْتَهِلاً مُسْتَعْبِراً مُسْتَغْفِرَا] «٣»
لَهُ حَنِينٌ وَشَهِيقٌ وَبُكَا ...
يَبُلُّ مِنْ أَدْمُعِهِ تُرْبَ الثرى
إنَّا لَسَفْرٌ نَبْتَغِي نَيْلَ الهدى ...
فَفِي السرى بُغْيَتُنَا لاَ في الْكَرَا
مَنْ يَنْصَبِ اللَّيْلَ يَنَلْ رَاحَتَهُ ...
عِنْد الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السرى
انتهى، والضربُ في الأرضِ هو السَّفَرُ للتجارةِ ابتغاءَ فضلِ اللَّهِ سبحانه، فذكرَ اللَّه سبحانه أعْذَارَ بني آدمَ التي هي حائلةٌ بينَهم وبيْنَ قيامِ الليل، ثم كرَّر سبحانَه الأَمْرَ بقراءةِ ما تَيَسَّر منه تأكِيداً، والصلاةُ والزكاة هنا هما المفروضَتَانِ، فمن قال: إن القِيَامَ من الليلِ غَيْرُ واجبٍ قال: معنى الآية خُذُوا من هذا النَّفْلِ بما تَيَسَّر وحَافِظُوا على فَرَائِضِكم، ومَنْ قال:
إن شَيْئاً من القيامِ واجبٌ قال: قَدْ قَرَنَه اللَّهُ بالفرائِضِ لأنه فَرْضٌ وإقْراضُ اللَّه تعالى هو إسْلاَفُ العملِ الصالحِ عنده، وقرأ جمهورُ الناس «٤» «هو خيراً» على أن يكونَ «هو» فَصْلاً، قال بعضُ العلماءِ: الاستِغفارُ بَعْدَ الصلاة مُسْتَنْبَطٌ من هذه الآيةِ، ومن قوله تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: ١٧- ١٨] قال
ع «١» : وَعَهَدْتُ أبي- رحمه اللَّه- يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إثْرَ كل مكتُوبةٍ ثَلاَثَاً بِعَقِبِ السلام، ويأثر في ذلك حديثاً، فكان هذا الاستغفارُ من التقصيرِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْنَاء الصلاة، وكان السلفُ الصالحُ يُصَلُّونَ إلى طلوع الفجر ثم يجلسُون للاسْتِغْفَارِ.
ت: وما ذكره ع: رحمه اللَّه- عَنْ أبيه رَوَاهُ مسلم وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائي وابنُ ماجَه عن ثوبان قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا انصرف/ مِنْ صَلاَتِهِ، استغفر ثَلاَثاً وقَالَ: «اللهمّ، أنت السّلام ومنك السّلام تباركت ذَا الجَلاَلِ والاكرام» «٢» ، قال الوليدُ: فقلتُ للأوزاعيِّ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟
قال: تَقُولُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وفي روايةٍ لمسلم من حديثِ عائشةَ: «يَا ذَا الجَلاَلِ والإكْرَامِ» ، انتهى من «سلاح المؤمن» .
"إنَّ هَذِهِ" يَعْنِي: آياتَ القُرْآنِ "تَذْكِرَةٌ" أيْ: تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ "فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا" بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى ﴾ أيْ: أقَلَّ ﴿ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ بِفَتْحِ الفاءِ والثّاءِ.
والباقُونَ: بِكَسْرِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ ﴿ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يَعْلَمُ مَقادِيرَهُما، فَيَعْلَمُ القَدْرَ الَّذِي تَقُومُونَ بِهِ مِنَ اللَّيْلِ ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَنْ تُطِيقُوا قِيامَ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، ولا ثُلُثَ اللَّيْلِ، ولا نِصْفَ اللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: لَنْ تَحْفَظُوا مَواقِيتَ اللَّيْلِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: عادَ عَلَيْكم بِالمَغْفِرَةِ والتَّخْفِيفِ ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ ﴾ عَلَيْكم ﴿ مِنَ القُرْآنِ ﴾ يَعْنِي: في الصَّلاةِ، مِن غَيْرِ أنْ يُوَقِّتَ وقْتًا.
وقالَ الحَسَنُ: هو ما يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أعْذارَهم فَقالَ تَعالى: ﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى ﴾ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ﴾ وهُمُ المُسافِرُونَ لِلتِّجارَةِ ﴿ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ ﴿ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهُمُ المُجاهِدُونَ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ وذَكَرُوا أنَّ هَذا نُسِخَ عَنِ المُسْلِمِينَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ أيِ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ في أوْقاتِها ﴿ وَأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الحَدِيدِ: ١٨] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ سِوى الزَّكاةِ في صِلَةِ الرَّحِمِ، وقِرى الضَّيْفِ ﴿ وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: تَجِدُوا ثَوابَهُ في الآخِرَةِ.
﴿ هُوَ خَيْرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: تَجِدُوهُ خَيْرًا.
قالَ الزَّجّاجُ: ودَخَلَتْ "هُوَ" فَصْلًا.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنًى "خَيْرًا" أيْ: أفْضَلَ مِمّا أعْطَيْتُمْ ﴿ وَأعْظَمَ أجْرًا ﴾ مِنَ الَّذِي تُؤَخِّرُونَهُ إلى وقْتِ الوَصِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِن الَّذِينَ مَعَكَ واللهُ يُقَدِّرُ اللَيْلِ والنَهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِن القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأقْرِضُوا اللهِ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِما ذَكَرَ مِنَ الأنْكالِ والجَحِيمِ والأخْذِ الوَبِيلِ وَنَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى السُورَةِ بِأجْمَعِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ بِمَعْنى أنَّ الأقْوالَ المَنصُوبَةَ فِيهِ تَذْكِرَةٌ، والتَذْكِرَةُ مَصْدَرٌ كالذِكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَن شاءَ" الآيَةُ لَيْسَ مَعْناهُ إباحَةُ الأمْرِ وضِدُّهُ، بَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ والوَعْدِ، و"السَبِيلُ" هُنا سَبِيلُ الخَيْرِ والطاعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ تَخْفِيفًا لِما كانَ اسْتَمِرَّ اسْتِعْمالُهُ مِن أمْرِ قِيامِ اللَيْلِ إمّا عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغَيْرُكُ مَن أُمِّتِكَ قِيامًا مُخْتَلِفًا، مَرَّةً يُكْثِرُ ومَرَّةً يَقِلُّ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثَيْنِ ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثِ، وذَلِكَ لِعَدَمِ تَحْصِيلِ البَشَرِ لِمَقادِيرِ الزَمانِ مَعَ عُزْرِ النَوْمِ، وتَقْدِيرُ الزَمانِ حَقِيقَةٌ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، وأمّا البَشَرُ فَلا يُحْصِي ذَلِكَ، فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: رَجَعَ بِهِمْ مِنَ الثِقَلِ إلى الخِفَّةِ، وأمَرَهم بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ، ونَحْوُ هَذا يُعْطِي عِبارَةَ الفَرّاءِ ومُنْذِرٍ فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ": تَحْفَظُوهُ، وهَذا التَأْوِيلُ هو عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "وَنِصْفِهِ وثُلُثِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الثُلُثَيْنِ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأمّا مَن قَرَأ "وَنِصْفَهُ وثُلُثَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أدْنى"، وهي قِراءَةُ باقِي السَبْعَةِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ قَدَّرَ أنَّهم يُقَدِّرُونَ الزَمانَ عَلى نَحْوِ ما أمَرَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ ﴿ أو زِدْ عَلَيْهِ ﴾ ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ ﴾ "بِمَعْنى": لَنْ تُطِيقُوا قِيامَهُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، فَخَفَّفَ اللهُ عنهم فَضْلًا مِنهُ لا لِعِلَّةِ جَهْلِهِمْ بِالتَقْدِيرِ وإحْصاءِ الأوقاتِ، ونَحْوُ هَذا تُعْطِي عِبارَةُ الحَسَنِ وابْنُ جُبَيْرٍ، فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ" تُطِيعُوهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ "وَثُلُثُهُ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "وَثُلْثُهُ" بِسُكُونِ اللامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ إباحَةٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ ولَوْ خَمْسِينَ آيَةً، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: قِيامُ اللَيْلِ فَرْضٌ، ولَوْ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ قالَ: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحاجِّهِ القُرْآنُ، واسْتَحْسَنَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، قالَ بَعْضُهُمْ: والرَكْعَتانِ بَعْدَ العَتَمَةِ مَعَ الوِتْرِ تَدْخُلانِ في حُكْمِ هَذا الأمْرِ وامْتِثالِهِ، ومَن زادَ زادَهُ اللهُ تَعالى ثَوابًا.
و"إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلِمَ أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، والتَقْدِيرُ أنَّهُ يَكُونُ، فَجاءَتِ السِينُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وكَذَلِكَ جاءَتْ لا في قَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ: ولا تَدْفِنُنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مُتُّ أنْ لا أذُوقَها و"الضَرْبُ في الأرْضِ" هو السَفَرُ لِلتِّجارَةِ، وضَرْبُ الأرْضِ هو المَشْيُ لِلتَّبَرُّزِ والغائِطِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أعْذارَ بَنِي آدَمَ الَّتِي هي حائِلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ قِيامِ اللَيْلِ، وهي المَرَضُ والسَفَرُ في تِجارَةٍ أو غَزْوٍ، فَخَفَّفَ عنهُمُ القِيامَ لِهَذا، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةُ الضَرْبِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وسُوقِ لَها مَعَ سَفَرِ الجِهادِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أحَبُّ المَوْتِ إلَيَّ بَعْدَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ أنْ أمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي أضْرِبُ في الأرْضِ أبْتَغِي مِن فَضْلِ اللهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ اللهُ تَعالى الأمْرَ بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ تَأْكِيدًا، والصَلاةُ والزَكاة هُنا المَفْرُوضَتانِ، فَمَن قالَ إنَّ القِيامَ بِاللَيْلِ غَيْرُ واجِبٍ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: خُذُوا مِن هَذا النَفْلِ بِما تَيَسَّرَ وحافِظُوا عَلى فَرائِضِكُمْ، ومَن قالَ إنَّ شَيْئًا مِنَ القِيامِ واجِبٌ قالَ: قَرَنَهُ اللهُ بِالفَرائِضِ لِأنَّهُ فَرْضٌ.
وإقْراضُ اللهِ تَعالى هو اسْتِلافُ العَمَلِ الصالِحِ عِنْدَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "هُوَ خَيْرًا" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" فَصْلًا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ، وأبُو السَمالِ: "هُوَ خَيْرٌ" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" ابْتِداءٌ، و"خَيْرٌ" خَبَرُهُ والجُمْلَةُ تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثانِي لـ "تَجِدُوهُ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ، وأوجَبَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ الغُفْرانِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: فالِاسْتِغْفارُ بَعْدَ الصَلاةِ مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَهِدْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَسْتَغْفِرُ إثْرَ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ ثَلاثًا بِعَقِبِ السَلامِ ويَأْثِرُ في ذَلِكَ حَدِيثًا، فَكَأنَّ هَذا الِاسْتِغْفارَ مِنَ النَقْصِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْناءَ الصَلاةِ، وكانَ السَلَفُ الصالِحُ يُصَلُّونَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ يَجْلِسُونَ لِلِاسْتِغْفارِ إلى صَلاةِ الصُبْحِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
من هنا يبتدئ ما نزل من هذه السورة بالمدينة كما تقدم ذكره في أول السورة.
وصريح هذه الآية ينادي على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل قبل نزول الآية وأن طائفة من أصحابه كانوا يقومون عملاً بالأمر الذي في أول السورة من قوله: ﴿ قم الليل إلاّ قليلاً ﴾ الآية [المزمل: 2]، فتعين أن هذه الآية نزلت للتخفيف عنهم جميعاً لقوله فيها: ﴿ فتاب عليكم ﴾ فهي ناسخة للأمر الذي في أول السورة.
واختلف السلف في وقت نزولها ومكانه وفي نسْبة مقتضاها من مقتضى الآية التي قبلها.
والمشهور الموثوق به أن صدر السورة نزل بمكة.
ولا يغتر بما رواه الطبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن عائشة مما يوهم أن صدر السورة نزل بالمدينة.
ومثلُه ما روي عن النخعي في التزمل بمرط لعائشة.
ولا ينبغي أن يطال القول في أنَّ القيام الذي شُرع في صدر السورة كان قياماً واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وأن قيام من قام من المسلمين معه بمكة إنما كان تأسياً به وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه ولكن رأت عائشة أن فرض الصلوات الخمس نسَخ وجوب قيام الليل، وهي تريد أن قيام الليل كان فرضاً على المسلمين، وهو تأويل، كما لا ينبغي أن يختلف في أن أول ما أوجب الله على الأمة هو الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج وأنها لم يكن قبلها وجوب صلاة على الأمة ولو كان لجَرى ذكر تعويضه بالصلوات الخمس في حديث المعراج، وأن جوب الخمس على النبي صلى الله عليه وسلم مثل وجوبها على المسلمين.
وهذا قول ابن عباس لأنه قال: إن قيام الليل لم ينسخه إلاّ آية: ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ الآية، ولا أن يختلف في أن فرض الصلوات الخمس لم ينسخ فرض القيام على النبي صلى الله عليه وسلم سوى أنه نسخ استيعاب نصف الليل أو دونه بقليل فنسخه ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن ﴾ .
وقد بين ذلك حديث ابن عباس ليلةَ بات في بيت خالته ميمونة أم المؤمنين قال فيه: «نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله حتى إذا كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعدَه بقليل استيقظ رسول الله» ثم وصف وُضوءه وأنه صلى ثلاث عشرة ركعة ثم نام حتى جاءه المنادي لصلاة الصبح.
وابن عباس يومئذٍ غلام فيكون ذلك في حدود سنة سبع أو ثمان من الهجرة.
ولم ينقل أن المسلمين كانوا يقومون معه إلاّ حين احتجز موضعاً من المسجد لقيامه في ليالي رمضان فتسامع أصحابه به فجعلوا يَنْسِلون إلى المسجد ليصلّوا بصلاة نبيئهم صلى الله عليه وسلم حتى احتبس عنهم في إحدى الليالي وقال لهم: " لقد خشيت أن تفرض عليكم " وذلك بالمدينة وعائشة عنده كما تقدم في أول السورة.
وهو صريح في أن القيام الذي قاموه مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن فرضاً عليهم وأنهم لم يدوموا عليه وفي أنه ليس شيء من قيام الليل بواجب على عموم المسلمين وإلاّ لما كان لخشية أن يفرض عليهم موقع لأنه لو قُدر أن بعض قيام الليل كان مفروضاً لكان قيامهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أداء لذلك المفروض، وقد عضد ذلك حديث ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحفصة وقد قصَّت عليه رؤيا رآها عبد الله بن عمر أن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم في الليل».
وافتتاح الكلام ب ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم ﴾ يشعر بالثناء عليه لوفائه بحق القيام الذي أُمر به وأنه كان يبسط إليه ويهتم به ثم يقتصر على القدرِ المعين فيه النصففِ أو أنقصَ منه قليلاً أو زائدٍ عليه بل أخذ بالأقصى وذلك ما يقرب من ثُلثي الليل كما هو شأن أولي العزم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ فلما قضى موسى الأجل ﴾ [القصص: 29] أنه قضى أقصَى الأجلين وهو العشر السنون.
وقد جاء في الحديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تورمت قدماه " وتأكيد الخبر ب ﴿ إِنَّ ﴾ للاهتمام به، وهو كناية عن أنه أرضى ربّه بذلك وتوطئة للتخفيف الذي سيذكر في قوله: ﴿ فتاب عليكم ﴾ ليعلم أنه تخفيف رحمة وكرامة ولإفراغ بعض الوقت من النهار للعمل والجهاد.
ولم تزل تكثر بعد الهجرة أشغال النبي صلى الله عليه وسلم بتدبير مصالح المسلمين وحماية المدينة وتجهيز الجيوش ونحو ذلك، فلم تبق في نهاره من السعة ما كان له فيه أيامَ مقامه بمكة، فظهرت حكمة الله في التخفيف عن رسوله صلى الله عليه وسلم من قيام الليل الواجِب منه والرغيبةِ.
وفي حديث علي بن أبي طالب " أنه سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى منزله فقال: كان إذا أوَى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جُزءاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزَّأ جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم شيئاً فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمةَ من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم " وإيثار المضارع في قوله: ﴿ يعلم ﴾ للدلالة على استمرار ذلك العلم وتجدده وذلك إيذان بأنه بمحل الرضى منه.
وفي ضده قوله: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم ﴾ [الأحزاب: 18] لأنه في معرض التوبيخ، أي لم يزل عالماً بذلك حيناً فحيناً لا يخفى عليه منه حصة.
و ﴿ أدْنى ﴾ أصله أقرب، من الدنُوّ، استعير للأَقَلّ لأن المسافة التي بين الشيء والأدنى منه قليلة، وكذلك يستعار الأبعد للأكثر.
وهو منصوب على الظرفيّة لفعل ﴿ تقوم ﴾ ، أي تقوم في زمان يقدر أقل من ثلثي الليل وذلك ما يزيد على نصف الليل وهو ما اقتضاه قوله تعالى: ﴿ أو زد عليه ﴾ [المزمل: 4].
وقرأ الجمهور: ﴿ ثُلثي ﴾ بضم اللام على الأصل.
وقرأه هشام عن ابن عامر بسكون اللام على التخفيف لأنه عرض له بعض الثقل بسبب التثنية.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ﴿ ونصفَه وثلثَه ﴾ بخفضهما عطفاً على ﴿ ثلثي الليل ﴾ ، أي أدنى من نصفه وأدنى من ثلثه.
وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بنصب ﴿ ونصفه وثلثه ﴾ على أنهما منصوبان على المفعول ل ﴿ تقومُ ﴾ ، أي تقوم ثلثي الليل، وتقوم نصف الليل، وتقوم ثلثَ الليل، بحيث لا ينقص عن النصف وعن الثلث.
وهذه أحوال مختلفة في قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل تابعة لاختلاف أحوال الليالي والأيام في طول بعضها وقصر بعض وكلها داخلة تحت التخيير الذي خيره الله في قوله ﴿ قم الليل إلاّ قليلاً ﴾ [المزمل: 2] إلى قوله: ﴿ أو زد عليه ﴾ [المزمل: 4].
وبه تظهر مناسبة تعقيب هذه الجملة بالجملة المعترضة، وهي جملة ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ أي قد علمها الله كلها وأنبأه بها.
فلا يختلف المقصود باختلاف القراءات.
فمن العجاب قول الفرّاء أن النصب أشبه بالصواب.
و ﴿ طائفة ﴾ عطف على اسم ﴿ إنَّ ﴾ بالرفع وهو وجه جائز إذا كان بعدَ ذكرِ خبرِ ﴿ إنّ ﴾ لأنه يقدر رفعه حينئذٍ على الاستئناف كما في قوله تعالى: ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ [التوبة: 3].
وهو من اللطائف إذا كان اتصاف الاسم والمعطوف بالخبر مختلفاً فإن بين قيام النبي صلى الله عليه وسلم وقيام الطائفة التي معه تفاوتاً في الحكم والمقدار، وكذلك براءة الله من المشركين وبراءة رسوله.
فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويقرأ عليهم القرآن ويعاملهم، وأما الله فغاضب عليهم ولاَعنُهم.
وهذا وجه العدول عن أن يقول: إنَّ الله يعلم أنكم تقومون.
إلى قوله: ﴿ أنك تقوم ﴾ ثم قوله: ﴿ وطائفة ﴾ الخ.
ووُصف ﴿ طائفة ﴾ بأنهم (من الذين معه)، فإن كان المراد بالمعية المعية الحقيقية، أي المصاحبة في عمل مما سيق له الكلام.
أي المصاحبين لك في قيام الليل، لم يكن في تفسيره تعيين لناس بأعيانهم، ففي حديث عائشة في «صحيح البخاري» «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال: قد رأيتُ الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني خشِيت أن تُفرض عليكم، وذلك في رمضان».
وإن كانت المعية معية مجازية وهي الانتساب والصحبة والموافقة فقد عَدَدْنا منهم: عبدَ الله بن مسعود، وعبد الله بن عَمْرو، وسلمان الفارسي وأبا الدرداء، وزينبَ بنتَ جحش، وعبدَ الله بن عُمَرَ، والحَولاء بنتَ تُوَيْت الأسدية، فهؤلاء ورد ذكرهم مفرقاً في أحاديث التهجد من «صحيح البخاري».
واعلم أن صدر هذه الآية إيماء إلى الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم في وفائه بقيام الليل حق الوفاء وعلى الطائفة الذين تابعوه في ذلك.
فالخبر بأن الله يعلم أنك تقوم مراد به الكناية عن الرضى عنهم فيما فعلوا.
والمقصود: التمهيد لقوله: ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ إلى آخر الآية.
ولأجل هذا الاعتبار أعيد فعل ﴿ عَلِم ﴾ في جملة ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ﴾ الخ ولم يقل: وأن سيكون منكم مرضى بالعطف.
وجملة ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ معترضة بين جملتي ﴿ إن ربّك يعلم أنك تقوم ﴾ وجملة ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ وقد علمت مناسبة اعتراضها آنفاً.
وجملة ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ يجوز أن تكون خبراً ثانياً عن ﴿ إنَّ ﴾ بعد الخبر في قوله: ﴿ يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ الخ.
ويجوز أن تكون استئنافاً بيانياً لما ينشأ عن جملة ﴿ إن ربّك يعلم أنك تقوم ﴾ من ترقب السامع لمعرفة ما مُهّد له بتلك الجملة، فبعد أن شكرهم على عملهم خفف عنهم منه.
والضمير المنصوب في ﴿ تحصوه ﴾ عائد إلى القيام المستفاد من والإِحصاء حقيقته: معرفة عدد شيء معدود مشتق من اسم الحصى جمع حصاة لأنهم كانوا إذا عدّوا شيئاً كثيراً جعلوا لكل واحد حصاة وهو هنا مستعار للإِطاقة.
شُبهت الأفعال الكثيرة من ركوع وسجود وقراءة في قيام الليل، بالأشياء المعدودة، وبهذا فسر الحسن وسفيان، ومنه قوله في الحديث استقيموا ولن تُحصوا أي ولن تطيقوا تمام الاستقامة، أي فخذوا منها بقدر الطاقة.
وأنْ } مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف وخبره الجملة، وقد وقع الفصل بين ﴿ أنْ ﴾ وخبرها بحرف النفي لكون الخبر فعلاً غير دعاء ولا جامد حسب المتبع في الاستعمال الفصيح.
و ﴿ أنْ ﴾ وجملتها سادة مسد مفعولي ﴿ علم ﴾ إذ تقديره علم عَدَم إحصائِكُمُوه واقعاً.
وفرع على ذلك ﴿ فتاب عليكم ﴾ وفعل ﴿ تاب ﴾ مستعار لعدم المؤاخذة قبل حصول التقصير لأن التقصير متوقع فشابه الحاصل فعبر عن عدم التكليف بما يتوقع التقصير فيه، بفعل ﴿ تاب ﴾ المفيد رفع المؤاخذة بالذنب بعد حصوله.
والوجه أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ تحصوه ﴾ وما بعده موجهاً إلى المسلمين الذين كانوا يقومون الليل: إِما على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب بعد قوله: ﴿ وطائفة من الذين معك، ﴾ وإِما على طريقة العام المراد به الخصوص بقرينة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُظن تعذر الإِحصاء عليه، وبقرينة قوله: ﴿ أن سيكونُ منكم مرضى ﴾ الخ.
ومعنى ﴿ فاقرأوا ما تيسر من القرآن ﴾ فصلُّوا ما تيسر لكم، ولما كانت الصلاة لا تخلو عن قراءة القرآن أُتبع ذلك بقوله هنا: ﴿ فاقرأوا ما تيسر من القرآن ﴾ ، أي صلوا كقوله تعالى: ﴿ وقرآنَ الفجر ﴾ [الإسراء: 78] أي صلاة الفجر وفي الكناية عن الصلاة بالقرآن جمع بين الترغيب في القيام والترغيب في تلاوة القرآن فيه بطريقة الإِيجاز.
والمراد القرآن الذي كان نزل قبل هذه الآية المدنيّة وهو شيء كثير من القرآن المكيُّ كله وشيء من المدني، وليس مثل قوله في صدر السورة ﴿ ورتل القرءان ترتيلاً ﴾ [المزمل: 4] كما علمت هنالك.
وقوله: ﴿ ما تيسر من القرءان ﴾ أي ما تيسر لكم من صلاة الليل فلا دلالة في هذه الآية على مقدار ما يجزئ من القراءة في الصلاة إذ ليس سياقها في هذا المهيع، ولئن سلمنا، فإن ما تيسر مجمل وقد بينه قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صَلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "، وأما السورة مع الفاتحة فإنه لم يرو عنه أنه قرأ في الصلاة أقلَّ من سورة، وهو الواجب عند جمهور الفقهاء، فيكره أن يَقرأ المصلي بعضَ سورة في الفريضة.
ويجوز في القيام بالقرآن في الليل وفي قيام رمضان، وعند الضرورة، ففي «الصحيح» «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فأخذته بُحَّة فركع»، أي في أثناء السّورة.
وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه: تجزئ قراءة آية من القرآن ولو كانت قصيرة ومثَّله الحنفية بقوله تعالى: ﴿ مُدْهامَّتَان ﴾ [الرحمن: 64] ولا تتعين فاتحة الكتاب وخالفه صاحباه في الأمرين.
وتعيين من تجب عليه القراءة من منفرد وإمام ومأموم مُبين في كتب الفقه.
وفعلُ (تاب) إذا أريد به قبول توبة التائب عدي بحرف (على) لتضمينه معنى مَنَّ وإذا كان بمعنى الرجوع عن الذنب والندم منه عدي بما يناسب.
وقد نسخت هذه الآية تحديدَ مدة قيام الليل بنصفه أو أزيد أو أقل من ثلثه، وأصحاب التحديد بالمقدار المتيسر من غير ضبط، أما حكم ذلك القيام فهو على ما تقدم شرحه.
هذه الجملة بدل اشتمال من جملة ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحصوه، ﴾ وهذا تخفيف آخر لأجل أحوال أخرى اقتضت التخفيف.
وهذه حكمة أخرى لنسخ تحديد الوقت في قيام الليل وهي مراعاة أحوال طرأت على المسلمين من ضروب ما تدعو إليه حالة الجماعة الإِسلامية.
وذكر من ذلك ثلاثة أضرب هي أصول الأعذار: الضرب الأول: أعذار اختلال الصحة وقد شملها قوله: {أن سيكون منكم مرضى.
الضرب الثاني } : الأشغال التي تدعو إليها ضرورة العيش من تجارة وصناعة وحراثة وغير ذلك، وقد أشار إليها قوله: ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾ وفضل الله هو الرزق.
الضرب الثالث: أعمال لمصالح الأمة وأشار إليها قوله: ﴿ وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ ودخل في ذلك حراسة الثغور والرِباط بها، وتدبير الجيوش، وما يرجع إلى نشر دعوة الإِسلام من إيفاد الوفود وبعث السفراء.
وهذا كله من شؤون الأمة على الإِجمال فيدخل في بعضها النبي صلى الله عليه وسلم كما في القتال في سبيل الله، والمرض ففي الحديث: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين.
وإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى استقلال وقترة على أعدائهم فيقاتلون في سبيل الله وإن كانت مدنية فهو عذر لهم بما ابتدأوا فيه من السرايا والغزوات.
وقد كان بعض الصحابة يتأول من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتجر حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال، يعني أن الله ما ذكر هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلاّ تنويهاً بهما لأن في غيرهما من الأعذار ما هو أشبه بالمرض، ودقائق القرآن ولطائفه لا تنحصر.
روي عن ابن مسعود أنه قال «أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين محتسباً فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ .
وعن ابن عمر: «ما خلق الله موتة بعد الموت في سبيل الله أحب إليَّ من أن أموت بين شُعْبَتَي رَحْلي أبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض».
فإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى قترة على عدوهم وإن كانت مدنية فهي عذر لهم بما عرض لهم.
ومعنى ﴿ يضربون في الأرض ﴾ يسيرون في الأرض.
وحقيقة الضرب: قرع جسم بجسم آخر، وسُمّي السير في الأرض ضرباً في الأرض لتضمين فعل ﴿ يضربون ﴾ معنى يسيرون فإن السير ضرب للأرض بالرجلين لكنه تنوسي منه معنى الضرب وأريد المشي فلذلك عدي بحرف ﴿ في ﴾ لأن الأرض ظرف للسير كما قال تعالى: ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ [آل عمران: 137] وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ في سورة النساء (101).
والابتغاء من فضل الله طلب الرزق قال تعالى: ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربّكم ﴾ [البقرة: 198] أي التجارة في مدة الحج، فقوله تعالى: ﴿ يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾ مراد بالضرب في الأرض فيه السفر للتجارة لأن السير في الأسفار يكون في الليل كثيراً ويكون في النهار فيحتاج المسافر للنوم في النهار.
وفُرع عليه مثل ما فرع على الذي قبله فقال: ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ أي من القرآن.
وقد نيط مقدار القيام بالتيسير على جميع المسلمين وإن اختلفت الأعذار.
وهذه الآية اقتضت رفع وجوب قيام الليل عن المسلمين إن كان قد وجب عليهم من قبل على أحد الاحتمالين، أو بيانَ لم يوجب عليهم وكانوا قد التزموه فبين لهم أن ما التزموه من التأسّي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك غير لازم لهم.
وعلل عدم وجوبه عليهم بأن الأمة يكثر فيها أصحاب الأعذار التي يشق معها قيام الليل فلم يجعله الله واجباً عليهم أو رفَع وجوبه.
ولولا اعتبار المظنة العامة لأبقِيَ حكمُ القيام ورُخص لأصحاب العذر في مدة العذر فقط فتبين أن هذا تعليل الحكم الشرعي بالمظنة والحكم هنا عدمي، أي عدم الإِيجاب فهو نظير قصر الصلاة في السفر على قول عائشة أم المؤمنين: «إن الصلاة فرضت ركعتين ثم زيد في ثلاث من الصلوات في الحضر وأبقيت صلاة السفر»، وعلة بقاء الركعتين هو مظنة المشقة في السفر.
وأوجب الترخص في قيام الليل أنه لم يكن ركناً من أركان الإِسلام فلم تكن المصلحة الدينية قوية فيه.
وأما حكم القيام فهو ما دلّ عليه قوله: ﴿ قم الليل إلاّ قليلاً ﴾ [المزمل: 2] وما دلت عليه أدلة التحريض عليه من السنة.
وقد مضى ذلك كله.
فهذه الآية صالحة لأن تكون أصلاً للتعليل بالمظنة وصالحة لأن تكون أصلاً تقاس عليه الرخص العامة التي تراعى فيها مشقة غالب الْأمة مثل رخصة بيع السلم دون الأحوال الفردية والجزئية.
وقوله: ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ تذكير بأن الصلوات الواجبة هي التي تحرصون على إقامتها وعدم التفريط فيها كما قال تعالى: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ [النساء: 103].
وفي هذا التعقيب بعطف الأمر بإقامة الصلاة إيماء إلى أن في الصلوات الخمس ما يرفع التبعة عن المؤمنين وأن قيام الليل نافلة لهم وفيه خير كثير وقد تضافرت الآثار على هذا ما هو في كتب السنة.
وعطف ﴿ وءاتوا الزكاة ﴾ تتميم لأن الغالب أنه لم يَخلُ ذكر الصلاة من قرن الزكاة معها حتى استنبط أبو بكر رضي الله عنه من ذلك أن مانع الزكاة يقاتل عليها، فقال لعمر رضي الله عنه «لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة».
وإقراض الله هو الصدقات غير الواجبة، شبه إعطاء الصدقة للفقير بقرض يُقرضه الله لأن الله وعد على الصدقة بالثواب الجزيل فشابه حالُ معطي الصدقة مستجيباً رغبة الله فيه بحال من أقرض مستقرضاً في أنه حقيق بأن يُرجع إليه ما أقرضه، وذلك في الثواب الذي يُعطاه يوم الجزاء.
ووصف القرض بالحسن يفيد الصدقة المراد بها وجه الله تعالى والسالمة من المنّ والأذى، والحُسن متفاوت.
والحَسن في كل نوع هو ما فيه الصفات المحمودة في ذلك النوع في بابه، ويعرف المحمود من الصدقة من طريق الشرع بما وصفه القرآن في حسن الصدقات وما ورد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك.
وقد تقدم في سورة البقرة (245) قوله: ﴿ من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له ضعافاً كثيرة ﴾ وفي سورة التغابن (17) ﴿ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفْه لكم ﴾ وَمَا تُقَدِّمُواْ لاَِنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً}.
تذييل لما سبق من الأمر في قوله: ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً ﴾ ، فإن قوله: ﴿ من خير ﴾ يعم جميع فعل الخير.
وفي الكلام إيجازُ حَذْف.
تقدير المحذوف: وافعلوا الخير وما تقدموا لأنفسكم منه تجدوه عند الله، فاستغني عن المحذوف بذكر الجزاء على الخير.
و ﴿ ما ﴾ شرطية.
ومعنى تقديم الخير: فعله في الحياة، شُبِّه فعل الخير في مدة الحياة لرجاء الانتفاع بثوابه في الحياة الآخرة بتقديم العازم على السفر ثَقَلَه وأدوَاتِه وبعضَ أهله إلى المحل الذي يروم الانتهاء إليه ليجد ما ينتفع به وقت وصوله.
و ﴿ من خير ﴾ بيان لإِبهام ﴿ ما ﴾ الشرطية.
والخير: هو ما وصفه الدين بالحُسْن ووعد على فعله بالثواب.
ومعنى ﴿ تجدوه ﴾ تجدوا جزاءه وثوابه، وهو الذي قصده فاعله، فكأنه وجد نفس الذي قدَّمه، وهذا استعمال كثير في القرآن والسنة أن يعبر عن عوض الشيء وجزائِه باسم المعوض عنه والمجازَى به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يَكنز المال ولا يؤدي حقه «مُثِّل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعَ يأخذ بلِهْزِمَتَيْه يقول: أنا مالك أنا كنزك».
وضمير الغائب في ﴿ تجدوه ﴾ هو المفعول الأول ل (تجدوا) ومفعوله الثاني ﴿ خيراً ﴾ .
والضمير المنفصل الذي بينهما ضمير فعل، وجاز وقوعه بين معرفة ونكرة خلافاً للمعروف في حقيقة ضمير الفصل من وجوب وقوعه بين معرفتين لأنَّ أفْعَلَ مِن كَذا، أشبه المعرفة في أنه لا يجوز دخول حرف التعريف عليه.
و ﴿ خيراً ﴾ : اسم تفضيل، أي خيراً مما تقدمونه إذ ليس المراد أنكم تجدونه من جنس الخير، بل المراد مضاعفة الجزاء، لما دل عليه قوله تعالى: ﴿ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يُضاعفه لكم ﴾ [التغابن: 17] وغير ذلك من كثير من الآيات.
وأفاد ضمير الفصل هنا مجرد التأكيد لتحقيقه.
وعُطف ﴿ وأعظمَ أجراً ﴾ على ﴿ خيراً ﴾ أو هو منسحب عليه تأكيد ضمير الفصل.
وانتصب ﴿ أجراً ﴾ على أنه تمييز نسبة ل ﴿ أعظمَ ﴾ لأنه في معنى الفعل.
فالتقدير: وأعظم أجره، كما تقول: وجدته مُنبسطاً كفاً، والمعنى: أن أجره خيرٌ وأعظمُ ممّا قدمتوه.
يجوز أن تكون الواو للعطف فيكون معطوفاً على جملة ﴿ وما تقدموا لأنفسكم ﴾ الخ، فيكون لها حكم التذييل إرشاداً لتدارك ما عسى أن يعرض من التفريط في بعض ما أمره الله بتقديمه من خير فإن ذلك يشمل الفرائض التي يقتضي التفريط في بعضها توبةً منه.
ويجوز أن تكون الواو للاستئناف وتكون الجملة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الترخيص في ترك بعض القيام إرشاداً من الله لما يسُدّ مسدّ قيام الليل الذي يعرض تركه بأن يستغفر المسلم ربّه إذا انتبه من أجزاء الليل، وهو مشمول لقوله تعالى: ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ [الذاريات: 18]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «ينزل ربّنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعْطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له».
وقال: «من تَعَارَّ من الليل فقال: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ثم قال اللهم اغفر لي أوْ دعا استجيب له».
وجملة ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ تعليل للأمر بالاستغفار، أي لأن الله كثير المغفرة شديد الرحمة.
والمقصود من هذا التعليل الترغيبُ والتحريض على الاستغفار بأنه مرجوّ الإِجابة.
وفي الإِتيان بالوصفين الدّالين على المبالغة في الصفة إيماء إلى الوعد بالإِجابة.
﴿ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يَعْنِي يُقَدِّرُ ساعَتَهُما، فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَقْدِيرُهُما لِأعْمالِ عِبادِهِ.
الثّانِي: لِقَضائِهِ في خَلْقِهِ.
﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنْ تُطِيقُوا قِيامَ اللَّيْلِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يُرِيدُ تَقْدِيرَ نِصْفِ اللَّيْلِ وثُلُثِهِ ورُبُعِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَتابَ عَلَيْكم مِن تَقْصِيرِكم فِيما مَضى، فاقْرَؤُوا في المُسْتَقْبَلِ ما تَيَسَّرَ.
الثّانِي: فَخَفَّفَ عَنْكم.
﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ مِنَ الصَّلاةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالقُرْآنِ لِما يَتَضَمَّنُها مِنَ القُرْآنِ.
فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ في المُرادِ بِما تَيَسَّرَ مِنَ الصَّلاةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يُتَطَوَّعُ بِهِ مِن نَوافِلِهِ لِأنَّ الفَرْضَ المُقَدَّرَ لا يُؤْمَرُ فِيهِ بِما تَيَسَّرَ.
الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى فُرُوضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ لِانْتِقالِ النّاسِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ إلَيْها، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ ما تَيَسَّرَ ﴾ مَحْمُولًا عَلى صِفَةِ الأداءِ في القُوَّةِ والضَّعْفِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ، ولا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى العَدَدِ المُقَدَّرِ شَرْعًا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ قِراءَةُ ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ حَمْلًا لِلْخِطابِ عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ.
فَعَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ قِراءَةُ القُرْآنِ في الصَّلاةِ فَيَكُونُ الأمْرُ بِهِ واجِبًا لِوُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ.
واخْتُلِفَ في قَدْرِ ما يَلْزَمُهُ أنْ يُقْرَأ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ، فَقَدَّرَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِفاتِحَةِ الكِتابِ، لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْها ولا الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِها، وقَدَّرَها أبُو حَنِيفَةَ بِآيَةٍ واحِدَةٍ مِن أيِّ القُرْآنِ كانَتْ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ قِراءَةُ القُرْآنِ مِن غَيْرِ الصَّلاةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مُطْلَقُ هَذا الأمْرِ مَحْمُولًا عَلى الوُجُوبِ أوْ عَلى الِاسْتِحْبابِ؟
عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الوُجُوبِ لِيَقِفَ بِقِراءَتِهِ عَلى إعْجازِهِ، ودَلائِلِ التَّوْحِيدِ فِيهِ وبَعْثِ الرُّسُلِ، ولا يَلْزَمُهُ إذا قَرَأهُ وعَرَفَ إعْجازَهُ ودَلائِلَ التَّوْحِيدِ مِنهُ أنْ يَحْفَظَهُ، لِأنَّ حِفْظَ القُرْآنِ مِنَ القُرَبِ المُسْتَحَبَّةِ دُونَ الواجِبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ دُونَ الوُجُوبِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأهُ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَحْفَظَهُ.
وَفي قَدْرِ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الأمْرُ مِنَ القِراءَةِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جَمِيعُ القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَسَّرَهُ عَلى عِبادِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: ثُلُثُ القُرْآنِ، حَكاهُ جُوَيْبِرٌ.
الثّالِثُ: مِائَتا آيَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: مِائَةُ آيَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: ثَلاثُ آياتٍ كَأقْصَرِ سُورَةٍ، قالَهُ أبُو خالِدٍ الكِنانِيُّ.
﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ أسْبابَ التَّخْفِيفِ، فَذَكَرَ مِنها المَرَضَ لِأنَّهُ يُعْجِزُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسافِرُونَ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ الثّانِي: أنَّهُ التَّقَلُّبُ لِلتِّجارَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي في طاعَتِهِ، وهُمُ المُجاهِدُونَ.
﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ ﴾ نَسَخَ ما فَرَضَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وجَعَلَ ما تَيَسَّرَ مِنهُ تَطَوُّعًا ونَفْلًا، لِأنَّ الفَرْضَ لا يُؤْمَرُ فِيهِ بِفِعْلٍ ما تَيَسَّرَ مِنهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ الأقاوِيلَ في مُدَّةِ الفَرْضِ.
﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ يَعْنِي المَفْرُوضَةَ، وهي الخَمْسُ لِوَقْتِها.
﴿ وَآتُوا الزَّكاةَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها ها هُنا طاعَةُ اللَّهِ والإخْلاصُ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها صَدَقَةُ الفِطْرِ، قالَهُ الحارِثُ العُكْلِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها، قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ.
﴿ وَأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّوافِلُ بَعْدَ الفُرُوضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.
الثّالِثُ: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: النَّفَقَةُ مِن سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ أمَرَ بِفِعْلِ جَمِيعِ الطّاعاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الثَّوابَ.
﴿ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي تَجِدُوا ثَوابَهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ هُوَ خَيْرًا ﴾ يَعْنِي مِمّا أعْطَيْتُمْ وفَعَلْتُمْ.
﴿ وَأعْظَمَ أجْرًا ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: الجَنَّةُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ " أعْظَمَ أجْرًا " الإعْطاءُ بِالحَسَنَةِ عَشْرًا.
﴿ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ يَعْنِي مِن ذُنُوبِكم.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِما كانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ.
﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِكم بَعْدَها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: تتقون ذلك اليوم إن كفرتم قال: «والله ما أتقى ذلك اليوم قوم كفروا بالله وعصوا رسوله» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً ﴾ قال: بأي صلاة تتقون؟
بأي صيام تتقون؟.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن خيثمة في قوله: ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: ينادي مناد يوم القيامة يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فمن ذلك يشيب الولدان.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة فإن ربنا يدعو آدم، فيقول: يا آدم أخرج بعث النار، فيقول: أي رب لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين يساقون إلى النار سوقاً مقرنين زرقاً كالحين، فإذا خرج بعث النار شاب كل وليد.
وأخرج الطبراني وابن مردويه «عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: من كم يا رب؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وينجو واحد، فاشتد ذلك على المسلمين، فقال: حين أبصر ذلك في وجوههم: إن بني آدم كثير وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جند لكم» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بيوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة به.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ السماء منفطر ﴾ قال: ممتلئة به بلسان الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة موقرة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ منفطر به ﴾ قال: يعني تشقق السماء.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ منفطر به ﴾ قال: منصدع من خوف يوم القيامة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: طباهن حتى أعرض الليل دونها ** أفاطير وسمى رواء جذورها وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بالله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بذلك اليوم من شدته وهوله، وفي قوله: ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم ﴾ الآية، قال: أدنى من ثلثي الليل، وأدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن وسعيد بن جبير ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ قال: لن تطيقوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ قال: أرخص عليهم في القيام ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ قال: أن لن تحصوا قيام الليل ﴿ فتاب عليكم ﴾ قال: ثم أنبأنا الله عن خصال المؤمنين فقال: ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن قتادة قال: فرض قيام الليل في أول هذه السورة فقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها حولاً، ثم أنزل التخفيف في آخرها، فقال: ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ﴾ إلى قوله: ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ فنسخ ما كان قبلها، فقال: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فريضتان واجبتان ليس فيهما رخصة.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً ﴾ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام المسلمون معه حولاً كاملاً حتى تورمت أقدامهم، فأنزل الله بعد الحول ﴿ إن ربك يعلم ﴾ إلى قوله: ﴿ ما تيسر منه ﴾ قال: الحسن: فالحمد لله الذي جعله تطوعاً بعد فرضة، ولا بد من قيام الليل.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ يا أيها المزمل قم الليل ﴾ الآية، قال: لبثوا بذلك سنة فشق عليهم وتورمت أقدامهم، ثم نسخها آخر السورة ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ قال: مائة آية» .
وأخرج الدارقطني والبيهقي في السنن وحسناه عن قيس بن أبي حازم قال: صليت خلف ابن عباس فقرأ في أول ركعة بالحمد لله وأول آية من البقرة، ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا فقال: إن الله يقول: ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ .
وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إليّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي ألتمس من فضل الله، ثم تلا هذه الآية ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من جالب يجلب طعاماً إلى بلد من بلاد المسلمين فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهيد» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل ﴾ هذه الآية نزلت ناسخة لما أمر به في أول السورة من قيام الليل، ومعناه أن الله يعلم أنك ومن معك من المسلمين تقومون قياماً مختلفاً، مرة يكثر ومرة يقل، لأنكم لا تقدرون على إحصاء أوقات الليل وضبطها، فإنه لا يقدر على ذلك إلا الله فخفف عنكم وأمركم أن تقرأوا ما تيسر من القرآن ﴿ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ من قرأها بالخفض فهو عطف على ثلثي الليل، أي تقوم أقل من ثلثي الليل واقل من نصفه وثلثه، ومن قرأ بالنصب فهو عطف على أدنى أي تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه تارة وثلثه تارة ﴿ وَطَآئِفَةٌ ﴾ يعني المسلمين وهو معطوف على الضمير الفاعل في تقوم ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ الضمير يعود على ما يفهم من سياق الكلام، أي لن تحصوا تقدير الليل، وقيل: معناه لن تطيقوه أي: لن تطيقوا قيام الليل كله ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ عبارة عن التخفيف كقوله: ﴿ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ [المجادلة: 13] ﴿ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ﴾ أي إذا لم تقدروا على قيام الليل كله، فقوموا بعضه، واقرأوا في صلاتكم بالليل ما تيسر من القرآن، وهذا الأمر للندب، وقال ابن عطية: هو للإباحة عند الجمهور.
وقال قوم منهم الحسن وابن سيرين: هو فرض لابد منه ولو أقل ما يمكن، حتى قال بعضهم: من صلى الوتر فقد امتثل هذا الأمر، وقيل: كان فرضاً ثم نسخ بالصلوات الخمس، وقال بعضهم: هو فرض على أهل القرآن دون غيرهم ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى ﴾ ذكر الله في هذه الآية الأعذار التي تكون لبني آدم تمنعهم من قيام الليل، فمنها المرض ومنها السفر للتجارة وهي الضرب في الأرض لابتغاء فضل الله ومنها الجهاد، ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر، تأكيداً للأمر به أو تأكيداً للتخفيف وهذا أظهر لأنه ذكره بأثر الأعذار ﴿ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة ﴾ يعني المكتوبتين ﴿ وَأَقْرِضُواُ الله ﴾ معناه تصدقوا، وقد ذكر في [البقرة: 45] ﴿ هُوَ خَيْراً ﴾ نصب خيراً لأنه مفعول ثان لتجدوه والضمير فصل ﴿ واستغفروا الله ﴾ قال بعض العلماء إن الاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثاً» .
القراءات: ﴿ أو انقص ﴾ بكسر الواو للساكنين: حمزة وعاصم وسهل.
الآخرون: بضمها للإتباع ﴿ ناشية ﴾ بالياء: يزيد والشموني والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون.
بالهمزة ﴿ وطأ ﴾ بكسر الواو وسكون الطاء: ابن عامر وأبو عمرو.
الآخرون: بالمد مصدر واطأت مواطأة ووطاء ﴿ رب المشرق ﴾ بالخفض على البدل ﴿ من ربك ﴾ ابن عامر ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: بالرفع على المدح أي هورب.
﴿ ونصفه وثلثه ﴾ بالنصب فيهما: عاصم وحمزة وعلى وابن كثير وخلف.
الوقوف ﴿ المزمل ﴾ ه لا ﴿ إلا قليلاً ﴾ ه لا ﴿ قليلاً ﴾ ه لا ﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ قيلاً ﴾ ه ط ﴿ طويلاً ﴾ ه ط ﴿ تبتيلاً ﴾ ه ط بالخفض لا يقف ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه م ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وجحيماً ﴾ ه لا ﴿ أليماً ﴾ ه وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ترون ما ترون.
﴿ مهيلاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبيلا ﴾ ه ﴿ شيباً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة يوماً ﴿ به ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ والنهار ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ط ﴿ مرضى ﴾ لا للعطف ﴿ من فضل الله ﴾ لا لذلك ﴿ في سبيل الله ﴾ ج لطول الكلام والوصل أولى للتكرار ﴿ فاقرؤا ﴾ ه ﴿ منة ﴾ لا للعطف ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ أجرأ ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير ﴿ المزمل ﴾ أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه.
فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل خافه فظن أن به مساً من الجن فرجع من الجبل مرتعداً وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه ﴿ يا أيها المزمل ﴾ فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن قال الكلبي: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.
ومثله عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقال: إنه كان تزمل مرطاً سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي.
وقيل: أنه كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر أن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة، وقال عكرمة: إشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يأيها الذي احتمل أمراً عظيماً يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل.
قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ.
وقيل: كان واجباً عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله ﴿ نصفه ﴾ بدل من الليل و ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلاً أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه.
وإن شئت جعلت ﴿ نصفه ﴾ بدلاً من ﴿ قليلاً ﴾ لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة لا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفاً فشيئاً فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييراً بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في ﴿ منه ﴾ و ﴿ عليه ﴾ راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص القليل أو أزيد منه قليلاً فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلاً، وإن شئت على تقدير إبدال النصف من ﴿ قليلاً ﴾ جعلت ﴿ قليلاً ﴾ الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلاً نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلاً نصفه وهو الثمن فيكون تخييراً بين النصف وحده والرابع والثمن معاً والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع بعض الإيضاح.
وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله ﴿ قليلاً ﴾ الثلث لقوله في السورة ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ﴾ ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين إلا أن النبي ربما يتفق له خطأ بالإجتهاد أو النوم فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض.
وليس هذا مما يقدح في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ فيصير تقدير الآية.
قم الثلثين ثم نصف الليل.
أو انقص من النصف، أو زد عليه.
والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة.
عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين.
ثم علم أدب القراءة فقال ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات ومنه " ثغر مرتل " إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور الأقحوان.
سئلت عائشة عن قراءة النبي فقالت: لا كسر دكم.
هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها.
وفي قوله ﴿ ترتيلاً ﴾ زيادة تأكيد في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور.
حين أمره بقيام الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ كأنه قال: صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعداً لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر.
وقيل: ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقاً.
ومنه قيل " برحاء الوحي ".
وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم وقال الفراء: كلام له وزن وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به.
وقيل: باقٍ على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه.
وقيل: يثقل إدراك معانيه وإحضارها.
والفرق بين أقسامها من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل.
ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ فيها قولان: أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير والضحاك والكسائي وذلك أنها مباديء نشوء الليل.
والثاني أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في الليل.
وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت.
ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل.
ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟
قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد النوم.
وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية والإنفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية التي تكون بالنهار.
الوطاء والمواطأة الموافقة.
قال الحسن: يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو القيام.
ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله " اللهم أشدد وطأتك على مضر " ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ وأشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش.
قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و "أصوب قيلاً " فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي ﴿ أقوم ﴾ فقال: إنهما واحد.
قال ابن جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو الألفاظ.
قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ القرآن جائز.
ثم أكد أمر قيام الليل بقوله ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ قال المبرد: أي تصرفاً وتقلباً في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه السابح لتقلبه بيديه ورجليه.
وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.
وقيل: أن لك في النهار مجالاً للنوم والإستراحة وللتصرف في الحوائج.
ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام الليل ما هو فصله في شيئين ذكر إسم الرب والتبتل إليه وهو الإنقطاع إلى الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد.
فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلاً لأن المقصود بالذات هو التبتل فبين أولاً ما هو المقصود ثم أشار أخيراً إلى سببه تأكيداً مع رعاية الفاصلة.
ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال ﴿ رب المشرق والمغرب ﴾ لأن التكميل والأحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وهو إشارة إلى كماله في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه مراد المحبوب الحق جل ذكره.
وقوله ﴿ فاتخذه وكيلاً ﴾ كالنتيجة لما قبله، وفيه إن من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضياً بإلهيته معترفاً بربوبيته، وفيه تسلية للنبي أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين.
ثم أمره بالصبر عند الإختلاط بالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم.
والهجر الجميل أن يخالفهم بقلبه ويداريهم بالإغضاء وترك المكافآت ومن المفسرين من قال: إنه منسوخ بآية القتال وقد عرفت مراراً أنه لا ضرورة إلى التزام النسخ.
في أمثال هذه الآية.
ثم أمره بأن يخلي بينه وبين المكذبين أصحاب الترفه.
والنعمة بالفتح التنعم وهم صناديد قريش ولم يكن هناك منع ولكنه أجرى الكلام على عادة المحاورات، والغرض أنه يكفي في رفع شرور الكفرة ودفع إيذائهم ثم فصل ما سيعذب به أهل التكذيب مما يضاد تنعمهم.
والإنكال جمع نكل بالكسر أو نكل بالضم وهي القيود الثقال.
عن الشعبي: إذا ارتفعوا استلفت بهم.
والطعام ذو الغصة هو الذي ينشب في الحلق كالزقوم والضريع فلا ينساغ، وقد يمكن حمل هذه الأمور على العقوبات الروحانية فالإنكال عبارة عن بقاء النفس في قيود العلائق الحسية والملكات الوهمية، والجحيم نيران الحسرة والحيرة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق الجلال والبقاء في ظلمة الضلال والتنوين في هذه الألفاظ للتعظيم أو النوع.
ثم وصف اليوم فيه هذه الأحوال والأهوال فقال ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ الرجفة الزلزلة والكثيب الرمل المجتمع " فعلي" " بمعنى " " مفعول " من كثب الشيء جمعه.
وقال الليث: الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به.
وسمي الكثيب كثيباً لأن ترابه دقاق كأنه نثر بعضه على بعض لرخاوته، والمهيل السائل تراب مهيل ومهيول أي مصبوب وإنما لم يقل كثيبة مهيلة لأنها باسرها تجتمع فتصير واحداً، أو المراد كل واحد منها، وحين خوف المكذبين بأهوال الآخرة خوفهم بأهوال الدنيا مثل ما جرى على الأمم السابقة لا سيما فرعون وجنوده.
وإنما خصص قصة موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم الباقية ومعجزاته أبهر فكان تشبيه نبينا بحال أنسب.
ومعنى ﴿ شاهدا عليكم ﴾ كما مر في قوله ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ إنما عرّف الرسول ثانياً لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر والأخذ الوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم.
قال أبو زيد: هو الذي لا يستمر ألو خامته ومنه كلأ مستوبل.
ثم عاد إلى توبيخهم مرة بعد أخرة قائلاً ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً ﴾ وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به ﴿ لتتقون ﴾ أي كيف تحذرون ذلك اليوم لو كفرتم أي إن جحدتم يوم الجزاء فكيف تدعون تقوى الله وخوف عقابه؟
ويجوز أن يكون ظرفاً ﴿ لتتقون ﴾ أي فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟
ثم ذكر من هول ذلك اليوم شيئين: الأول أنه يجعل الولدان شيئاً جمع أشيب نحو بيض جمع أبيض فقيل: إنه وصفه بالطول بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب.
والأكثرون على أنه مثل في الشدة كما قيل " يوم يشيب نواصي الأطفال " والأصل فيه قول الحكماء إن الهموم والأحزاب تسرع الشيب لإقتضائهما احتباس الروح إلى داخل القلب المستتبع لانطفاء الحرارة الغريزية المستعقب لفجاجة الأخلاط واستيلاء البلغم المتكرج.
وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز.
وجوزه بعضهم بناء على أن ذلك اليوم أمر غير داخل تحت التكليف وقد حكي أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية فقال: أرأيت القيامة والنار في المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك وأصبحت كما ترون.
الثاني قوله ﴿ السماء منفطر به ﴾ وإنما ذكر السماء لأن تأنيثه غير حقيقي، أو بتأويل السقف، أو بتأويل الشيء المنفطر أو ذات انفطار.
والباء في ﴿ به ﴾ بمعنى " في " عند الفراء، أو للآلة نحو فطرت العود بالقدوم أي أنها تنفطر بسبب هول ذلك اليوم، أو تثقل به إثقالاً يؤدي إلى إنفطارها كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ ﴿ كان وعده ﴾ أي وعد الله وقيل وعد اليوم فيكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول ﴿ إن هذه ﴾ الآيات المشتملة على التكاليف والتخاويف ﴿ تذكرة ﴾ موعظة شافية ﴿ فمن شاء إتخذ إلى ﴾ قرب ﴿ ربه سبيلاً ﴾ بالإتعاظ والإدكار والتوسل بالطاعة والتجنب عن المعصية.
قال المفسرون: إن النبي وأصحابه شمروا بعد نزول أوائل السورة عن ساق الجد في شأن قيام الليل، وتركوا الرقاد حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فلا جرم رحمهم ربهم وخفف عنهم قائلاً ﴿ إن ربك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ أقل منهما.
قال أهل المعاني والبيان: إنما استعير الأدنى للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز ﴿ و ﴾ تقوم ﴿ نصفة وثلثه ﴾ وهذا مطابق لما مر أو لأن التخيير بين النصف والناقص منه إلى الثلث وبين الزائد على النصف إلى الثلثين.
ومن قرأ بالجر فمعناه يقوم أقل من الثلثين وهو النصف، وأقل من النصف وهو ثلثه، وأقل من الثلث وهو الربع وهو مطابق للوجه الآخر.و قوله ﴿ وطائفة ﴾ عطف على المستتر في ﴿ يقوم ﴾ وجاز من غير تأكيد للفصل ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ فلا يعرف ما مضى من كل منهما أي آن يفرض إلا هو.
وهذا الحصر ينبيء عنه بناء الكلام على الإسم دون الفعل.
ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ أي لا يصح منكم ضبط أوقات الليل كما هي إلا أن تأخذوا بالأوسع الأحوط وذلك شاق عليكم ﴿ فتاب عليكم ﴾ ما فرط منكم في مساهلة حصر الأوقات ورفع تبعته عنكم ﴿ فاقرؤا ما تيسر من القرآن ﴾ الأكثرون على أن القراءة ههنا عبارة عن الصلاة كما يعبر عنها بالقيام والركوع والسجود، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم بالليل فيكون هذا ناسخاً للأول.
ثم إنهما نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس، أو نسخ هذا وحده بهن.
وعن بعضهم أنها القراءة حقييقة.
وروي " "من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ومن قرأ مائة آية أو خمسين كتب من القانتين " ثم بيّن الحكمة في النسخ فقال ﴿ علم ﴾ وهو استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ.
و" أن " في قوله ﴿ أن سيكون ﴾ مخففة من الثقيلة اسمها الشأن و " كان " تامة أي سيوجد ﴿ منكم مرضى ﴾ هي جمع مريض ﴿ وآخرون ﴾ عطف عليه في الموضعين سوى الله بين المسافرين للكسب الحلال والمجاهدين في سبيله فما أنصف من جانبه من العلماء مستنكفاً عنه إلى طلب ما لم يجوز أخذ الأجرة عليه كالإمامة والقضاء والتدريس يرى أنه منصب من المناصب الدينية فيضع دينه للذة خيالية لا اعتداد بها عند العقلاء.
عن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، وعن عبد الله ابن مسعود مرفوع ظناً.
أيما رجل جلب شيئاًً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء.
وظاهر أن المرضى لا يمكنهم الإشتغال بالتجهد لمرضهم.
وأما المسافرون والمجاهدون فمشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو اشتغلوا بالعبادة في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم قوله ﴿ فاقرؤا ما تيسر منه ﴾ من إعادة الأوّل تأكيداً للرخصة، عن ابن عباس: سقط عن أصحاب النبي قيام الليل وصار تطوعاً وبقي ذلك فريضاً على النبي .ثم أمر بإقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهذا أيضاً مما يغلب على الظن أن الآية مدنية.
وقيل: هي زكاة الفطر.
ثم أشار إلى صدقة التطوع بقوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ ويحتمل أني عود هذا أيضاً إلى الزكاة أي أقرضوا الله بإيتاء الزكاة، وفيه أن إخراج الزكاة ينبغي أن يكون على أحسن وجه من مراعاة النية الخالصة والصرف إلى المستحقين وكونها من أطيب الأموال لا أقل من الوسط.
ثم حث على الإنفاق مطلقاً بقوله ﴿ وما تقدموا ﴾ الآية وقوله ﴿ هو ﴾ صيغة الفصل.
وقوله ﴿ خيراً ﴾ ثاني مفعولي ﴿ تجدوه ﴾ ثم حرض على الإستغفار في جميع الأحوال وإن كان طاعات لما عسى أن يقع فيها تفريط وإليه المرجع والمآب.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ : قال أبو عبيد: الصواب أن يقرأ: ﴿ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ بالخفض؛ على معنى إضافة ﴿ أَدْنَىٰ ﴾ إليها، فكأنه يقول: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل، وأدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه، و ﴿ أَدْنَىٰ ﴾ يكون على الزيادة والنقصان جميعا؛ لأن فضل ما بين الثلث، إلى النصف هو السدس؛ فإذا زاد على الثلث أقل من نصف السدس، فهو إلى الثلث أدنى، وكذلك إذا نقص من الثلث شيئا قليلا، فهو إلى الثلث قريب؛ فيكون إليه أدنى، وكذلك الفضل فيما بين النصف إلى الثلثين هو السدس، فإذا زاد على النصف أكثر من نصف السدس، فهو إلى الثلثين أدنى، وإذا نقص من نصف السدس فهو إلى النصف أدنى وأقرب.
ومنهم من اختار النصب فيهما، والوجهان جميعا محتملان؛ لأن قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ ﴾ ليس فيه إيجاب حكم مبتدأ؛ وإنما فيه إخبار عن القيام الذي وجد من رسول الله ؛ فجائز أن يكون وجد منه [ذلك كله، وهو أن يكون قريباً من الثلثين، وقريباً من النصف، وأدنى من الثلث؛ على ما ذكره أهل المقالة الأولى، ويكون قد قام] أدنى من ثلثي الليل، وقام نصفه وثلثه، وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه، فذكر في الثلثين الأدنى؛ لما وجد منه الأدنى من جهة الزيادة والنقصان، ولم يوجد موافقة الثلثين، وأخبر بالنصف والثلث بالأمرين جميعا؛ لوجود الموافقة، وهو أن يكون قام نصف الليل، وقام ثلثه، وقام أدنى من النصف، وأدنى من الثلث، وإذا كان هذا كله محتملا، لم يجز أن يدفع أحد الوجهين، ويتمسك بالوجه الآخر؛ وهذا كقوله : ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، فقرئ برفع التاء ونصبه جميعا؛ لما وجد الأمران جميعا، وهو أن يكون موسى - - وفرعون عَلِما بها أي: بالآيات جميعا.
وكذلك قال في سورة سبأ: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ ، وقرئ: ﴿ رَبُّنَا بَاعَدَ بين أسفارنا ﴾ ؛ لوجود الأمرين جميعا وهو الدعاء والإجابة؛ فقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ ﴾ دعاء، وقوله: ﴿ رَبُّنَا بَاعَدَ ﴾ على الإجابة، ففرق بينهما بالإعراب؛ فكذلك هاهنا لما استقام وجود الوجهين من رسول الله ، استقام أن يقرأ بالنصب والخفض جميعا، ويفرق بينهما بالإعراب، والله أعلم.
ثم يجوز أن يكون المفروض من القيام قدر ثلث الليل، ويكون الزيادة بحكم النافلة.
ويجوز أن يكون مفروضا، وإن طال، وزاد على الثلث والنصف والثلثين، وإن كان يجوز له الاقتصار على ثلث الليل؛ ألا ترى أن فرض الركوع والسجود يقضى بإدراك جزء منه، وكذلك فرض القيام [يقضى] بالجزء منه، ثم إن الركوع وإن طال فهو من أوله إلى آخره فرض حتى لو أن داخلا شاركه في أول الركوع، ثم رفع رأسه، وشاركه ثالث في آخر ركوعه، ثم رفع رأسه مع الإمام، صار كل واحد منهم مدركا لفرض الركوع، وإن كان الإمام لو اقتصر على جزء منه، كفاه ذلك عن فرضه؛ فكذلك الفرض لما انصرف إلى قيام الليل فصار جميع ما يؤتى من القيام في الليل وإن طال فرضا، وإن كان قد يجوز الاجتزاء ببعضه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ﴾ : في هذه الآية، وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ - دليل على أن فرض القيام كان على النبي ، وعلى من تبعه من المؤمنين، وإن كان رسول الله هو المخصوص بالخطاب بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن الفرض شاملا لهم، لم يكن لقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ معنى؛ ألا ترى أنه إذا لم يفرض علينا قيام الليل في يومنا هذا، لم نحتج في ترك القيام إلى أن يتوب الله علينا.
ثم إن الله ذكر في التوبة وفيما فيه التبع خطابا يجمع الجميع بقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوة ﴾ وذكر فيما فيه الأمر خطابا يقتضى الآحاد، وهو قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ﴾ ؛ ففي هذا أنه قد يجوز أن يخاطب النبي على إدخال غيره فيه تبعاً له، ولا يجوز أن يخاطب غير النبي ويراد به إشراك النبي في ذكر الخطاب؛ لأن رسول الله هوالمتبوع؛ فجاز إلحاق غيره به، وغيره لا يكون متبوعا حتى يلحق به رسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ ﴾ : فيه أن الليل والنهار ليسا يمضيان على الجزاف؛ ولكن بتقدير سبق من الله - عز وجل - وآية ذلك ظاهرة؛ لأنهما يجريان مذ خلقهما على تقدير واحد، لم يتقدما، ولم يتأخرا، ولم ينتقصا ولم يزادا؛ فيكون فيه إبانة أن مدبرهما واحد، وأن الذي قدرهما هكذا ممن لا يبيد ملكه، ولا ينفذ سلطانه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ : قال بعضهم: علم أن لن تطيقوه.
قال أبو بكر الأصم: هذا لا يستقيم؛ لأنه لا جائز أن يكلفهم الله ما لا يطيقونه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
وليس فيما ذكره أبو بكر ما يدفع هذا التأويل؛ لأنه يقال للأمر إذا اشتد وتعسر: لا يطاق هذا الأمر، وإن لم يكن ذلك خارجا من الوسع؛ ألا ترى إلى [قوله ]: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ ، وتأويله: لا تحملنا أمرا يشتد علينا عمله، ليس أنهم خافوا أن يحملهم أمرا لا يحتمله وسعهم؛ فيكون قوله: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ - إن كان تأويله: أن لن تطيقوه - على ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ أي: لا تحملنا أمرا تهلك فيه طاقتنا، لا أن تحملوا أمرا لا يطيقونه؛ ألا ترى الإنسان يحتمل القتل، ولكن قتله يهلك طاقته.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ ، أي: اعصمنا من الشهوات واللذات؛ لئلا نؤثرها؛ فنكون مضيعين بارتكابها قوة الفعل الذي تعبدنا به؛ فلا نصل إلى فعله، وهذه هي القوة التي لا تزايل الفعل، بل تطابقه، وأما الفعل الذي هو خارج عن احتمال الوسع والطاقة، فذلك هو الذي لا يقع بمثله التكليف.
وجائز أن يكون تأويل قوله : ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ ، أي: لن تحصوا حد ما أمركم به، لو أخذ عليكم في أمر بتقدير الثلث والنصف، لم يمكنكم ذلك إلا بعد جهد؛ ففرض عليكم قيام الثلث من الليل، وجعل لكم الإمكان في أن تزيدوا عليه فيحيط عملكم بقيام الثلث، ولو كان على حد واحد، لم يمكنكم حفظه إلا بعد شدة وجهد، وفي ذلك كلفة عسيرة.
ويؤيد هذا تأويل من قال: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ ، أي: لن تطيقوه، وتكون الطاقة عبارة عن التعسير، واشتداد الأمر.
ثم في هذه الآية دلالة على إباحة تعليق الحكم بالاستحسان؛ لأنه قد فرض عليهم قيام ثلث الليل، ولا يمكنهم تدارك الثلث بتقدير الإحاطة، وإنما يمكنهم بالتقدير الذي يغلب على القلب؛ فثبت أنه قد يجوز أن يكون الحكم معتبرا بما يقع في القلوب، ويغلب على الظنون، والاستحسان ليس إلا تعليق الحكم بما يغلب على القلوب.
والذي يدل على أن الحكم لازم بما ذكرنا: أن الله ألزم الحد على القاذف وعلى الزاني، ولم يبين مبلغ قوع الضرب فيه، ولا ما يضرب به، فقدر ذلك بما يقع في القلوب أن مثل هذا الضرب يصلح لمثل هذه الجناية، وكذلك قيم الأشياء، والأروش، والنفقات، وتسوية المكاييل، والموازين يعتبر ذلك كله بغلبة الظنون من غير أن كان في شيء من ذلك أصل تقدر النوازل به وتنتزع منه؛ فثبت أنه يجوز أن يحكم بالذي يغلب على القلوب، وأن المجتهد يرجع إلى وجهين: مرة ينظر غيره فيتمثل بها؛ فيسمى ذلك: قياسا، ومرة يحكم فيها بما يغلب على الظنون؛ فيسمى ذلك: استحسانا.
وفي هذه الآية دلالة أن سؤال من يسأل أبا حنيفة - رحمه الله - أن الوتر لو كان له مشابه في الفرض، لكان لا يختلف لعدده - سؤال غير مستقيم؛ لأنه قد فرض على القوم أن يقوموا ثلث الليل، وقد أخبر - عز وجل - أنه لا يحصون حد ما أمرهم به، وإذا لم يحصوا فلا بد أن يقع هناك زيادة ونقصان؛ فكذلك الوتر وإن كان حد عدده غير معروف فهو لا يخرجه عن حكم الفرائض، والله أعلم.
ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ أن الله وقتما فرض عليهم علم أنهم لا يحصونه؛ ولكن بيّن هذا؛ ليعلموا أن لله أن يكلفهم إقامة العبادة إلى وقت لا يتهيأ لهم إحاطة مبلغ ذلك الوقت إلا بعد جهد؛ ليعرفوا منة الله عليهم إذا أسقط عنهم ذلك التكليف، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ ، ولكن ذكر هذا؛ ليعلموا أنهم يكلفون القيام للعشرة وإن كان بهم ضعف، لكن إذا خفف عنهم، عرفوا ما لله عليهم من عظيم المنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ يحتمل أن تكون طائفة منهم امتنعوا عن القيام؛ فتكون التوبة راجعة إليهم؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ﴾ ، فهذا يبين أنهم جميعاً لم يقوموا معه؛ وإنما قامت معه طائفة؛ فتكون التوبة راجعة إلى الطائفة التي امتنعت عن القيام.
وجائز أن تكون راجعة إليهم، وإلى الذين قاموا معه؛ فيكون الذين قاموا معه قصروا [في] القيام عن الحد الذي شرط عليهم؛ فافتقروا إلى التوبة - أيضا - كما افتقر إليها من تخلف عن القيام؛ فتاب الله عليهم جميعا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ ﴾ : فمنهم من ذكر أن قيام الليل صار منسوخا بهذه الآية.
ومنهم من يقول بأن النسخ وقع بقوله : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، وهي الصلاة المفروضة، وليس بينهما فرق عندنا؛ وإنما نسخ بهما جميعا.
ووجه النسخ: هو أن فرض القيام لو كان باقيا، لكان لا يجوز لهم أن يكتفوا من القراءة بما تيسر عليهم؛ لأنهم إذا قاموا إلى ثلث الليل لزمهم تبليغ القراءة إلى حدٍّ يتعسَّر عليهم ويشتد، فإذا أذن بالاقتصار على القدر الذي تيسَّر، عُلِمَ أنه قد سقط عنهم أن يقوموا ثلث الليل.
ثم هو إذا قام صلاة المغرب والعشاء قد قرأ من القرآن ما تيسر عليه؛ فصار قاضيا لما اقتضاه قوله: ﴿ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ ﴾ ، فمن هذا الوجه استدلوا بهذه الآية على نسخ حكم القيام بالليل، ثم هذه القراءة يقيمها في الصلاة؛ فيكون النسخ واقعا بهما.
ثم من الناس من يزعم أن فرض القيام سقط عن رسول الله وعن أمته؛ واستدل بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ ؛ فإن كان الفرض عليه قائما، لم يكن التهجد به نافلة.
ومنهم من زعم أنه لم يسقط عنه فرض القيام؛ بل دام عليه إلى أن قبض - -.
واحتج بما روي عن النبي أنه قال: "كتب عليّ قيام الليل، ولم يكتب عليكم" ، ومعناه: بقي عليّ مكتوبا، ورفع عنكم؛ إذ قد دللنا [أن] القيام في الابتداء كان [واجباً] عليه وعليهم جميعا.
وقد قال بعض الناس: إن صلاة الليل، لم تكن فرضا على أمته بهذا الحديث، وما ذكرناه عليهم.
ثم الجواب عن التعلق [أن قوله:] ﴿ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ معناه: غنيمة لك، لا أن يكون القيام منه تطوعا.
ووجه صرفه إلى الغنيمة: هو أن العبادة من رسول الله تخرج مخرج الشكر لله ؛ فيصير بها مكتسبا للفضيلة، وليس يقع ذلك موقع التكفير للسيئات؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فلم يكن يحتاج إلى إتيان الحسنات؛ ليكفر عنه السيئات، فثبت أن الفعل منه يقع موقع اكتساب الفضيلة؛ فتدوم له بذلك الفضيلة ويستوجب بها جزيل الثواب، وذلك من أعظم الغنائم.
والذي يدل على أن فعله يخرج مخرج الشكر: ما روي عن رسول الله [أنه قام] حتى تورمت قدماه؛ فقيل له: يا رسول الله، ألم يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
فقال - -: "أفلا أكون عبدا شكورا؟"، وأما غيره فإن الحسنات منهم مكفرة لسيئاتهم، ومطهرة لزلاتهم؛ قال الله : ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ ؛ فهم بحسناتهم لم يصيروا مكتسبين الفضيلة في مستأنف الأوقات، فيصيروا بها مغتنمين، بل رفعوا زلاتهم، وطهروا أنفسهم من المآثم؛ فلم تصر القربة منهم، والله أعلم.
فلهذا ما سمى تهجده: نافلة، لا أن يكون قيامه نفلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
فمنهم من زعم أن هذه السورة كلها مكية، ومنهم من زعم أن أولها مكية، وآخرها مدنية، ويحتج هؤلاء بقوله : ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وبقوله: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ وذلك لأن الجهاد فرض على المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة، ولم يوجد منهم الضرب في الأرض في حال كونهم بمكة، وفي هذا إخبار عن جهاد طائفة، وعن ضرب بعض في الأرض؛ فثبت أن نزول هذه الآيات كانت بالمدينة.
واحتجوا - أيضا - بقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ ، قالوا: إن الزكاة إنما فرضت عليهم بعدما هاجروا إلى المدينة، وفي هذا أمر بإيتاء الزكاة؛ فثبت أن نزولها كان بالمدينة، وأما أول السورة فهي في موضع المحاجة على أهل الشرك، ولم يكن بالمدينة مشرك؛ بل كانوا أهل كتاب.
ومن ذكر أنها كلها مكية، فهو يحمل قوله: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ على الوعد والبشارة، ليس على الإيجاب والوجوب؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ ﴾ ، فأخبر أنه سيكون منكم مرضى، لا أن كانوا مرضى في ذلك الوقت؛ فلم يكن فيما ذكر دلالة كونها مدنية.
ثم الآية إن كانت على الوعد؛ ففيه أنهم كانوا في ضيق من العيش، وكانوا من القوم في خوف؛ فيكون فيه بشارة أنه يرفع عنهم الضيق بما يضربون في الأرض، ويوسع عليهم العيش، وأنه يفتح لهم الفتوح، ويكثر أنصارهم حتى يقهروا العدو، ويقع لهم من ناحيتهم الأمن، وقد آل الأمر إلى ما بشروا به، فيه] آية رسالته - - إذا أخبرهم عن علم الغيب، وكان الأمر على ما أخبر.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ ﴾ في موضع الاعتلال، أنه إنما خفف عليهم الأمر بما ذكر من الأعذار من المرض، والضرب في الأرض، والمجاهدة في سبيل الله ، والتخفيف إذا وجب لعذر مما لم يلاق العذر حالة الفعل، لم يخفف؛ فكيف خفف عنهم قبل وقوع الأعذار، ولكن هذه الأعذار وإن تحققت [هي لا تلاقي الفعل]؛ بل تتقدمه؛ لأن المجاهدة تكون بالنهار، لا بالليل، وكذلك الضرب في الأرض وقت النهار لا الليل، والقيام كان بالليل ليس بالنهار، ثم قد وضع عنهم قيام الليل وإن لم يكن العذر ملاقيا للقيام؛ فعلى ذلك جائز أن يرفع عنهم القيام بالليل وإن لم يأت بعد وقت المجاهدة، ولا كان الضرب موجودا؛ إذ ليس في ذلك كله إلا عدم ملاقاة العذر حالة القيام.
ثم وجه رفع قيام الليل عنهم بالمجاهدة والضرب في الأرض وإن كانا يحصلان في النهار لا في الليل: هو أن المجاهدة بالنهار تضعفهم، وتوهن قواهم؛ فيتعذر عليهم قيام الليل، وكذلك الضرب في الأرض؛ فمن الله عليهم بأن رفع عنهم قيام الليل، وإن لم يوجد منهم الاشتغال بالجهاد بالليالي، والله أعلم.
ثم الضرب في الأرض يكون للتجارة، ولغيرها من الوجوه: لطلب العلم، وغيره من الأسباب؛ فلا يحصل أمر الضرب على التجارة خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .
قال أبو بكر في قوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ دلالة أن هذه الآية مدنية؛ لأن الزكاة إنما فرضت عليهم بالمدينة، فإن كان الأمر على ما ذكر: أن فرضها نزل بالمدينة فذلك عندنا مصروف إلى زكاة المواشي خاصة؛ لأن أصحاب رسول الله ، لم يكن لهم بمكة سوائم؛ لأنه كانوا يخافون العدو؛ فلم يتهيأ لهم إسامة المواشي، وأما ما رجع من الزكوات إلى غيرها من الأموال، فيشبه أن تكون واجبة عليهم في حال كونهم بمكة، وبعد مفارقتهم منها، ولا يكون في الأمر بإيتاء الزكاة دلالة نزولها بالمدينة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ : فالقرض - في لغة العرب -: القطع، يقال: قرض الفأر الجراب، أي: قطعه؛ فسمي القرض: قرضا لهذا؛ لأنه يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذلك هو بالتصدق يقطع ذلك القدر؛ فيجعله لله خالصا؛ فسمي: إقراضا لهذا.
ويجوز أن يكون أضاف إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما يتصدق عليه؛ إذ الإقراض حصل فيما بينه وبين ربه؛ فيصير الفقير معاونا له في تلك القربة.
ولأن المرء في الشاهد إنما يقرض ما يفضل عن حاجته، فيدفعه إلى من يثق به، ليسترده منه عند حاجته إليه؛ فكذلك الصدقة أُوجبت في المال الذي يفضل عن حاجاته، فيقرضها الله فيجدها مهيأة عندما تمسه الحاجة.
ثم المال الذي يدفعه إلى الفقير على جهة التصدق هو مال الله ، ثم جعل الله ذلك منه إقراضا له وأضافه إلى نفسه؛ فتكون الفائدة في الإضافة إلى نفسه هي تفضيل عمله؛ ليرغبه في مثل ذلك الفعل على جهة التكرم منه، وهو كما سمى الثواب الذي يتفضل [به] على عباده أجرا بقوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ ﴾ ، ومن عمل لنفسه لم يستوجب الأجر على غيره، وسمى الذي يقتل: شهيدا بائعا نفسه لله ؛ على تفضيل وترغيب للعباد في مثله؛ لقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ معناه: تجدوه حاصلاً لكم، وإلا فكل شيء تقدمونه من خير أو شر تجدونه حاضراً في ذلك اليوم، ولكن الشر يكون عليهم، قال الله : ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ ، وفي حق الكلام أن يقول: "هو خير"؛ لأن "هو" يرفع ما بعده، ولكن "هو" كالفصل هاهنا، وحقه الحذف، وإذا حذف انتصب الكلام؛ لأن معناه: تجدونه عند الله خيرا لكم مما خلفتم، فيكون "خيرا" مفعولا.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أنه خير لكم، وأعظم أجرا مما خلفتم لورثتكم، فيكون فيه أن الذي يخلفه لورثته له فيه خير، ولكن ما يقدم لآخرته خير له، والذي يدل على أن له فيما يخلفه لورثته خيرا قوله - -: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس" والثاني: أن المرء في الشاهد قد تسخو نفسه ببذل [الأموال] للآجلة الآجلة لما يأمل منهم من المال الثواب العاجل، فيكون في قوله: ﴿ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ ترغيب للعباد في تقديم الأموال لوجه الله ؛ لأنهم إذا رغبت أنفسهم في بذل الأموال للآجلة؛ طمعا للمنافع التي تحصل لهم؛ فكان بذلك المال لوجه الله أعظم في الأجر، وأولى أن يقع فيه الرغبة.
ولأن النفس قد تتحمل المكروه في الشاهد لمنافع تأملها في ثاني الحال، فإذا طمعت لما تبذل لوجه الله الثواب الجزيل والأجر العظيم خف عليها تحمل المكروه، والذي يناله بالبذل.
ويجوز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْظَمَ ﴾ بمعنى: عظيم؛ إذ قد يستعمل حرف "أفعل" في موضع "فعيل"؛ كما يقال "أكبر" بمعنى: "كبير"، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ ﴾ فالاستغفار: هو طلب المغفرة، وذلك يكون باللسان مرة، وبالأفعال ثانيا.
فطلب المغفرة من جهة الفعل: أن ينتهي عن الفعل الذي يستحق عليه العقاب ويجيب إلى ما [دعا الله إليه]؛ قال الله - -: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ فجعل انتهاءهم عن الكفر ودخولهم في الإسلام سبب مغفرتهم، وقال الله : ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ ، وليس استغفارهم [أن يقولوا باللسان: "اللهم اغفر لنا"، ولكن معناه: أن انتهوا عما أنتم فيه من الكفر، وأجيبوا ربكم فيما دعاكم إليه، فهذا هو الاستغفار] من جهة الأفعال.
وأما الاستغفار باللسان وهو طلب المغفرة، يكون على وجهين: أحدهما: أن تسأل ربك التجاوز عن سيئاتك.
والثاني: أن يسأل حتى يوفقه للسبب الذي إذا جاء به استوجب المغفرة، وعلى هذا التأويل يخرج استغفار إبراهيم لأبيه، وهو أنه طلب من ربه أن يوفقه لما فيه نجاته، وهو الإسلام، لا أن يسأل ربه أن يغفر له مع دوامه على الكفر؛ ألا ترى أنه امتنع عن الاستغفار له حيث تقررت عنده عداوته لله ، وعلم أنه لم يوفق للسبب الذي يستوجب به المغفرة؛ قال الله : ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ ، فثبت أنه لم يطلب منه المغفرة مع دوامه على الكفر، ولكن للوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.
إن ربك -أيها الرسول- يعلم أنك تصلّي أقلّ من ثلثي الليل تارة، وتقوم نصفه تارة، وثلثه تارة، وتقوم طائفة من المؤمنين معك، والله يقدر الليل والنهار، ويحصي ساعاتهما، علم سبحانه أنكم لا تقدرون على إحصاء وضبط ساعاته، فيشقّ عليكم قيام أكثره تحرّيًا للمطلوب، فلذلك تاب عليكم، فصلّوا من الليل ما تيسّر، علم الله أن سيكون منكم -أيها المؤمنون- مرضى أجهدهم المرض، وآخرون يسافرون يطلبون رزق الله، وآخرون يقاتلون الكفار ابتغاء مرضاة الله ولتكون كلمة الله هي العليا، فهؤلاء يشقّ عليهم قيام الليل، فصلّوا ما تيسر لكم من الليل، وائتوا بالصلاة المفروضة على أكمل وجه، وأعطوا زكاة أموالكم، وأنفقوا من أموالكم في سبيل الله، وما تقدّموا لأنفسكم من أيّ خير، تجدوه هو خيرًا وأعظم ثوابًا، واطلبوا المغفرة من الله، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.