الآية ١١ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ١١ من سورة الأنفال

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 130 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم ، أمانا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم ، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد ، كما قال تعالى : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) [ آل عمران : 154 ] .

قال أبو طلحة كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد ، ولقد سقط السيف من يدي مرارا ، يسقط وآخذه ، ويسقط وآخذه ، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا زهير ، حدثنا ابن مهدي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي - رضي الله عنه - قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح .

وقال سفيان الثوري ، عن عاصم عن أبي رزين ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال : النعاس في القتال أمنة من الله ، وفي الصلاة من الشيطان .

وقال قتادة : النعاس في الرأس ، والنوم في القلب .

.

قلت : أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد ، وأمر ذلك مشهور جدا ، وأما يوم بدر في هذه الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر ، وهي دالة على وقوع ذلك أيضا وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله .

وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمه عليهم ، وكما قال تعالى : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) [ الشرح : 5 ، 6 ] ؛ ولهذا [ جاء ] في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق - رضي الله عنه - وهما يدعوان ، أخذت رسول الله سنة من النوم ، ثم استيقظ متبسما فقال : أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع ، ثم خرج من باب العريش ، وهو يتلو قوله تعالى : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) [ القمر : 45 ] .

وقوله : ( وينزل عليكم من السماء ماء ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني : حين سار إلى بدر - والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة وأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ ، يوسوس بينهم : تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم تصلون مجنبين !

فأمطر الله عليهم مطرا شديدا ، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان ، وانشف الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب ، فساروا إلى القوم وأمد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بألف من الملائكة ، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة ، وميكائيل في خمسمائة مجنبة .

وكذا قال العوفي عن ابن عباس : إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها ، نزلوا على الماء يوم بدر ، فغلبوا المؤمنين عليه .

فأصاب المؤمنين الظمأ ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين ، حتى تعاظموا ذلك في صدورهم ، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي ، فشرب المؤمنون ، وملئوا الأسقية ، وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة ، فجعل الله في ذلك طهورا ، وثبت الأقدام .

وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة ، فبعث الله المطر عليها ، فضربها حتى اشتدت ، وثبتت عليها الأقدام .

ونحو ذلك روي عن قتادة ، والضحاك ، والسدي .

وقد روي عن سعيد بن المسيب ، والشعبي ، والزهري ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أنه طش أصابهم يوم بدر .

والمعروف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سار إلى بدر ، نزل على أدنى ماء هناك أي : أول ماء وجده ، فتقدم إليه الحباب بن المنذر فقال : يا رسول الله ، هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نجاوزه ، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة ؟

فقال : بل منزل نزلته للحرب والمكيدة .

فقال : يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ، ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب ، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء .

فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعل كذلك .

وفي مغازي الأموي أن الحباب لما قال ذلك نزل ملك من السماء وجبريل جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ذلك الملك : يا محمد ، إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر فالتفت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى جبريل ، عليه السلام ، فقال : هل تعرف هذا ؟

فنظر إليه فقال : ما كل الملائكة أعرفهم ، وإنه ملك وليس بشيطان .

وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب " المغازي " - رحمه الله - : حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : بعث الله السماء - وكان الوادي دهسا - فأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير ، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه .

وقال مجاهد : أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس ، فأطفأ بالمطر الغبار ، وتلبدت به الأرض ، وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم .

وقال ابن جرير : حدثنا هارون بن إسحاق ، حدثنا مصعب بن المقدام ، حدثنا إسرائيل ، حدثنا أبو إسحاق ، عن حارثة ، عن علي - رضي الله عنه - قال : أصابنا من الليل طش من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر .

وبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربه : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ، فلما أن طلع الفجر ، نادى : الصلاة عباد الله ، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف ، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحرض على القتال .

وقوله : ( ليطهركم به ) أي : من حدث أصغر أو أكبر ، وهو تطهير الظاهر ( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) أي : من وسوسة أو خاطر سيئ ، وهو تطهير الباطن ، كما قال تعالى في حق أهل الجنة : ( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة ) فهذا زينة الظاهر ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) [ الإنسان : 21 ] أي : مطهرا لما كان من غل أو حسد أو تباغض ، وهو زينة الباطن وطهارته .

( وليربط على قلوبكم ) أي : بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء ، وهو شجاعة الباطن ، ( ويثبت به الأقدام ) وهو شجاعة الظاهر ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ، " إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ"، ويعني بقوله: (يغشيكم النعاس)، يلقي عليكم النعاس (25) =(أمنة) يقول: أمانًا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم, وكذلك النعاس في الحرب أمنة من الله عز وجل.

* * * 15758- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن عاصم, عن أبي رزين, عن عبد الله قال: النعاس في القتال، أمنةٌ من الله عز وجل, وفي الصلاة من الشيطان.

(26) 15759 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري في قوله: " يغشاكم النعاس أمنة منه ", (27) عن عاصم, عن أبي رزين, عن عبد الله, بنحوه, قال: قال عبد الله، فذكر مثله.

15760 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن عاصم, عن أبي رزين, عن عبد الله بنحوه.

* * * و " الأمنة " مصدر من قول القائل: " أمنت من كذا أمَنَة، وأمانًا، وأمْنًا " وكل ذلك بمعنى واحد.

(28) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15761- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (أمنة منه)، أمانًا من الله عز وجل.

15762 - .

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (أمنة)، قال: أمنًا من الله.

15763- حدثني يونس قال، حدثنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قوله: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه)، قال: أنـزل الله عز وجل النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد.

فقرأ: ثُمَّ أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا [سورة آل عمران: 154] .

* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " إذ يغشيكم النعاس أمنة منه "، فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: " يُغْشِيكُمُ النُّعَاسَ " بضم الياء وتخفيف الشين، ونصب " النعاس ", من: " أغشاهم الله النعاس فهو يغشيهم ".

* * * وقرأته عامة قرأة الكوفيين: (يُغَشِّيكُمُ)، بضم الياء وتشديد الشين، من: " غشّاهم الله النعاس فهو يغشِّيهم ".

* * * وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: " يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ"، بفتح الياء ورفع " النعاس ", بمعنى: " غشيهم النعاس فهو يغشاهم ".

واستشهد هؤلاء لصحة قراءتهم كذلك بقوله في "آل عمران ": يَغْشَى طَائِفَةً [سورة آل عمران: 154] .

* * * قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب: (إِذْ يُغَشِّيكُمْ)، على ما ذكرت من قراءة الكوفيين, لإجماع جميع القراء على قراءة قوله: (وينـزل عليكم من السماء ماء)، بتوجيه ذلك إلى أنه من فعل الله عز وجل, فكذلك الواجب أن يكون كذلك (يغشيكم)، إذ كان قوله: (وينـزل)، عطفًا على " يغشي", ليكون الكلام متسقًا على نحو واحد.

* * * وأما قوله عز وجل: (وينـزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به)، فإن ذلك مطرٌ أنـزله الله من السماء يوم بدر ليطهر به المؤمنين لصلاتهم، لأنهم كانوا أصبحوا يومئذ مُجْنبِين على غير ماء.

فلما أنـزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء, فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر.

فذلك ربطه على قلوبهم، وتقويته أسبابهم، وتثبيته بذلك المطر أقدامهم, لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملة ميثثاء، (29) فلبَّدها المطر، حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها, توطئةً من الله عز وجل لنبيه عليه السلام وأوليائه، أسبابَ التمكن من عدوهم والظفر بهم.

* * * وبمثل الذي قلنا تتابعت الأخبار عن [أصحاب] رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من أهل العلم.

(30) * ذكر الأخبار الواردة بذلك: 15764- حدثنا هارون بن إسحاق قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق, عن حارثة, عن علي رضي الله عنه قال: أصابنا من الليل طَشّ من المطر (31) = يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر = فانطلقنا تحت الشجر والحَجَف نستظل تحتها من المطر, (32) وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض!" فلما أن طلع الفجر، نادى: " الصلاة عبادَ الله!"، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف, فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , وحرض على القتال.

(33) 15765- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث وأبو خالد, عن داود, عن سعيد بن المسيب: (ماء ليطهركم به)، قال: طش يوم بدر.

15766 - حدثني الحسن بن يزيد قال، حدثنا حفص, عن داود, عن سعيد, بنحوه.

(34) 15767- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن أبي عدي وعبد الأعلى, عن داود, عن الشعبي وسعيد بن المسيب, قالا طش يوم بدر.

15768- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود, عن الشعبي وسعيد بن المسيب في هذه الآية: (ينـزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان)، قالا طشٌّ كان يوم بدر, فثبَّت الله به الأقدام.

15769- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إذ يغشاكم النعاس أمنة منه " الآية, ذكر لنا أنهم مُطِروا يومئذ حتى سال الوادي ماءً, واقتتلوا على كثيب أعفر, (35) فلبَّده الله بالماء, وشرب المسلمون وتوضأوا وسقوْا, وأذهب الله عنهم وسواس الشيطان.

15770- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال، نـزل النبي صلى الله عليه وسلم = يعني: حين سار إلى بدر= والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دَعْصَة ، (36) فأصاب المسلمين ضعف شديد, وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ, فوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله, وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلُّون مُجْنِبين!

فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا, فشرب المسلمون وتطهروا, وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر, ومشى الناس عليه والدوابّ، فساروا إلى القوم, وأمدّ الله نبيه بألف من الملائكة, فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنِّبةً, وميكائيل في خمسمائة مجنبةً.

(37) 15771 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " إذ يغشاكم النعاس أمنة منه " إلى قوله: (ويثبت به الأقدام)، وذلك أن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها, نـزلوا على الماء يوم بدر, فغلبوا المؤمنين عليه, فأصاب المؤمنين الظمأ, فجعلوا يصلون مجنبين مُحْدِثين, حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنـزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي, فشرب المسلمون، وملئوا الأسقية, وسقوا الرِّكاب، واغتسلوا من الجنابة, فجعل الله في ذلك طهورًا, وثبت الأقدام.

وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رَملة، فبعث الله عليها المطر، فضربها حتى اشتدَّت, وثبتت عليها الأقدام.

15772 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون, فسبقهم المشركون إلى ماء بدر فنـزلوا عليه, وانصرف أبو سفيان وأصحابه تِلْقاء البحر, فانطلقوا.

قال: فنـزلوا على أعلى الوادي, ونـزل محمد صلى الله عليه وسلم في أسفله.

فكان الرجل من أصحاب محمد عليه السلام يُجْنِب فلا يقدر على الماء, فصلي جُنُبًا, فألقى الشيطان في قلوبهم فقال: كيف ترجون أن تظهروا عليهم، وأحدكم يقوم إلى الصلاة جنبًا على غير وضوء!، قال: فأرسل الله عليهم المطر, فاغتسلوا وتوضأوا وشربوا, واشتدّت لهم الأرض, وكانت بطحاء تدخل فيها أرجلهم, (38) فاشتدت لهم من المطر، واشتدُّوا عليها.

15773- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: غلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمئ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين, وكانت بينهم رمال, فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَن, فقال: تزعمون أن فيكم نبيًّا، وأنكم أولياء الله, وقد غلبتم على الماء، وتصلون مُجْنبين محدثين!

قال: فأنـزل الله عز وجل ماء من السماء, فسال كل وادٍ, فشرب المسلمون وتطهروا, وثبتت أقدامهم, وذهبت وسوسة الشيطان.

15774- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (ماء ليطهركم به)، قال: المطر، أنـزله عليهم قبل النعاس=(رجز الشيطان)، قال: وسوسته.

قال: فأطفأ بالمطر الغبار, والتبدت به الأرض, (39) وطابت به أنفسهم, وثبتت به أقدامهم.

15775 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ماء ليطهركم به)، أنـزله عليهم قبل النعاس, طبَّق بالمطر الغبار, ولبّد به الأرض, وطابت به أنفسهم, وثبتت به الأقدام.

15776 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ماء ليطهركم به)، قال: القطر=(ويذهب عنكم رجز الشيطان)، وساوسه.

أطفأ بالمطر الغبار, ولبد به الأرض, (40) وطابت به أنفسهم, وثبتت به أقدامهم.

15777- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " رجز الشيطان "، وسوسته.

15778- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وينـزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به)، قال: هذا يوم بدر أنـزل عليهم القطر=(وليذهب عنكم رجز الشيطان)، الذي ألقى في قلوبكم: ليس لكم بهؤلاء طاقة!=(وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام) .

15779- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (إذ يغشاكم النعاس أمنة منه)، إلى قوله: (ويثبت به الأقدام)، إن المشركين نـزلوا بالماء يوم بدر, وغلبوا المسلمين عليه, فأصاب المسلمين الظمأ, وصلوا محدثين مجنبين, فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزَن, ووسوس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياء الله، وأن محمدًا نبي الله, وقد غلبتم على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين!

فأمطر الله السماء حتى سال كل واد, فشرب المسلمون وملأوا أسقيتهم، (41) وسقوا دوابهم، واغتسلوا من الجنابة, وثبت الله به الأقدام.

وذلك أنهم كان بينهم وبين عدوهم رملة لا تجوزها الدواب, ولا يمشي فيها الماشي إلا بجَهد, فضربها الله بالمطر حتى اشتدت، وثبتت فيها الأقدام.

15780- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " إذ يغشاكم النعاس أمنة منه "، أي: أنـزلت عليكم الأمنة حتى نمتم لا تخافون,= " وينـزل عليكم من السماء ماء "، للمطر الذي أصابهم تلك الليلة, (42) فحبس المشركون أن يسبقوا إلى الماء, وخلَّي سبيل المؤمنين إليه=(ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)، ليذهب عنهم شك الشيطان، بتخويفه إياهم عدوهم, واستجلاد الأرض لهم, (43) حتى انتهوا إلى منـزلهم الذي سبق إليه عدوهم.

(44) 15781- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: ثم ذكر ما ألقى الشيطان في قلوبهم من شأن الجنابة، وقيامهم يصلون بغير وضوء, فقال: " إذ يغشيكم النعاسَ أمنة منه وينـزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام "، حتى تشتدون على الرمل, وهو كهيئة الأرض.

15782- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا داود بن أبي هند قال: قال رجل عند سعيد بن المسيب= وقال مرة: قرأ=(وينـزل عليكم من السماء ماء ليطهِّركم به)، (45) فقال سعيد: إنما هي: " وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ".

قال: وقال الشعبي: كان ذلك طشًا يوم بدر.

* * * وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة, أن مجاز قوله: (ويثبت به الأقدام)، ويفرغ عليهم الصبر وينـزله عليهم, فيثبتون لعدوهم.

(46) وذلك قولٌ خِلافٌ لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين, وحَسْبُ قولٍ خطًأ أن يكون خلافًا لقول من ذكرنا، وقد بينا أقوالهم فيه, وأن معناه: ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابِّهم.

(47) ------------------ الهوامش : (25) انظر تفسير " يغشى " فيما سلف 1 : 265 ، 266 12 : 436 : 483 .

= وتفسير " النعاس " فيما سلف 7 : 316 .

(26) الأثر : 15758 - انظر هذا الخبر بإسناد آخر فيما سلف رقم : 8083 .

(27) قوله : " يغشاكم النعاس " قراءة أخرى في الآية ، و سأثبتها كما جاءت في المخطوطة بعد.

(28) انظر تفسير " أمنة " فيما سلف 7 : 315 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(29) في المطبوعة : " على رملة هشاء " ، ولا أصل لذلك في اللغة ، كلام لا يقال .

وهو في المخطوطة سيء الكتابة قليلا ، صواب قراءته ما أثبت .

و " الرملة الميثاء " ، اللينة السهلة .

قد تسوخ فيها الرجل قليلاً .

(30) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، والأخبار الآتية تدل عل صحة ذلك .

وكان في المخطوطة أمام هذا السطر حرف ( ط ) دلالة على الخطأ والشك .

(31) " الطش " ، المطر القليل ، وهو فوق " الرذاذ " .

(32) في المطبوعة : " تحت الشجر " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب جيد .

= و " الحجف " ( بفتحتين ) جمع " جحفة " .

وهي الترس ، يكون من الجلود ليس فيه خشب ولا عقب ، وهو مثل " الدرقة " .

(33) الأثر : 15764 - " هارون بن إسحاق الهمداني " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 3001 ، 10873 .

و " مصعب بن المقدام الخثمي " ، ثقة مضى برقم : 1291 ، 3001 ، 10873 ، وغيرها .

و " إسرائيل " هو " إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعي " ثقة حافظ ، مضى مرارًا كثيرة .

و " حارثة " هو " حارثة بن مضرب العبدي " ، من ثقات التابعين ، مضى برقم : 2057 ، 8597 .

وهو خبر صحيح الإسناد ، خرجه السيوطي مختصرًا بغير هذا اللفظ ، ونسبة إلى ابن جرير ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه .

الدر المنثور 3 : 171 .

(34) الأثر : 15766 - " الحسن بن يزيد " ، لم أجد في شيوخ أبي جعفر ، وفيمن روى عن حفص بن غياث ، من يقال له " الحسن بن يزيد " ، وأرجح أنه : " الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي " ، شيخ أبي جعفر ، نسبه إلى جده ، وقد مضى برقم : 9373 ، 12581 .

(35) " الأعفر " ، الرمل الأحمر .

(36) " رملة دعصة " ، هكذا جاء في التفسير ، في المخطوطة والمطبوعة ، وفي ابن كثير ، وضبطته بفتح الدال ، لأني رجوت أن يكون صفة ، كقولهم : " الدعصاء " ، وهي أرض سهلة فيها رملة تحمي عليها الشمس ، فتكون رمضاؤها أشد من غيرها ، قال : وَالمُسْــتَجِيرُ بِعَمْـرٍو عِنْـدَ كُرْبَتِـهِ كَالمُسْـتَجِيرِ مِـنَ الدَّعْصَـاءِ بِالنَّـارِ ولكن كتب اللغة لم تذكر " دعصة " ، هذه .

وفي بعض الأخبار الأخرى " رملة دهسة " .

و " الدهس " ، و " الدهاس " ، أرض سهلة لينة يثقل فيها المشي .

(37) " المجنبة " ( بتشديد النون مكسورة ) ، هي الكتيبة التي تأخذ إحدى ناحيتي الجيش ، " المجنبة اليمنى " ، و " المجنبة اليسرى " و هي : " الميمنة " و " الميسرة " .

(38) " البطحاء " ، تراب لين جرته السيول ، وهو " الأبطح " ، يكون في مسيل الوادي .

(39) في المخطوطة : " واصـ به " غير منقوطة ، كأنها " وأثبتت به " ، بالبناء للمجهول ، والذي في المطبوعة جيد ، وقريب أن يكون قد حرفه الناسخ .

(40) في المخطوطة : " تطفي بالمطر الغبار ، وبدت به الأرض " ، وهو محرف ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب .

(41) في المخطوطة : " وبلوا أسقيتهم " .

كأنها تقرأ " وبلوا " ، والذي في المطبوعة جيد ، قد مضى مثله في الأخبار .

(42) في المطبوعة : " ونزل عليكم من السماء المطر الذي أصابهم ...

" ، وفي المخطوطة : ونزلت عليكم من السماء المطر الذي أصابهم ...

" ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام وهو الجيد .

(43) " استجلاد الأرض " : من " الجلد " ( بفتحتين ) ، وهي الأرض الصلبة ، يعني أنها صارت أرضًا صلبة غليظة ، بعد أن كانت رملة ميثاء لينة .

و " استجلدت الأرض " ، مما لم تذكره معاجم اللغة ، وهو عريق فصيح .

(44) الأثر : 15780 - سيرة ابن هشام 2 : 323 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15740 .

وكان في المطبوعة : " الذي سبق " ، غير ما كان في المخطوطة ، وهو المطابق لما في سيرة ابن هشام ، وهو الصواب .

(45) في المطبوعة كتب " ليطهركم بها " ، غير ما في المخطوطة ، ولا أدري من أين جاء بها ، ولم أجد قراءة كهذه القراءة ، بل المعروف أن قراءة عامة القرأة " ليطهركم به " بتشديد الهاء مكسورة ، من " طهر " مضعفًا ، وأن سعيد بن المسيب ، قد انفرد بقراءة " ليطهركم " ، كما ضبطتها ، بضم الياء ، وسكون الطاء وكسر الهاء .

من " أطهر " ، وهي قراءة شاذة .

انظر شواذ القراءات لابن خالويه : 49 ، وتفسير أبي حيان 4 : 468 (46) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 242 .

(47) انظر تفسير " تثبيت الأقدام " فيما سلف 5 : 354 7 : 272 ، 273 .

* * * هذا ، وقد أغفل أبو جعفر هنا إفراد تفسير " يذهب عنكم رجز الشيطان " و " وليربط على قلوبكم " وانظر تفسير " الرجز " فيما سلف : ص : 179 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدامقوله تعالى إذ يغشيكم النعاس مفعولان .

وهي قراءة أهل المدينة ، وهي حسنة لإضافة الفعل إلى الله عز وجل لتقدم ذكره في قوله : وما النصر إلا من عند الله .

ولأن بعده وينزل عليكم فأضاف الفعل إلى الله عز وجل .

فكذلك الإغشاء يضاف إلى الله عز وجل ليتشاكل الكلام .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يغشاكم النعاس " بإضافة الفعل إلى النعاس .

دليله أمنة نعاسا يغشى في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء ; فأضاف الفعل إلى النعاس أو إلى الأمنة .

والأمنة هي النعاس ; فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم .

وقرأ الباقون " يغشيكم " بفتح الغين وشد الشين .

" النعاس " بالنصب على معنى قراءة نافع ، لغتان بمعنى غشى وأغشى ; قال الله تعالى : فأغشيناهم .

وقال : فغشاها ما غشى .

وقال : كأنما أغشيت وجوههم .

قال مكي : والاختيار ضم الياء والتشديد ونصب النعاس ; لأن بعده أمنة منه والهاء في منه لله ، فهو الذي يغشيهم النعاس ، ولأن الأكثر عليه .

وقيل : أمنة من العدو و أمنة مفعول من أجله أو مصدر ; يقال : أمن أمنة وأمنا وأمانا ; كلها سواء .

والنعاس حالة الآمن الذي لا يخاف .

وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها ; [ ص: 334 ] فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم ، ولكن الله ربط جأشهم .

وعن علي رضي الله عنه قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ; ذكره البيهقي .

الماوردي : وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان : أحدهما : أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد .

الثاني : أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم ; كما يقال : الأمن منيم ، والخوف مسهر .

وقيل : غشاهم في حال التقاء الصفين .

وقد مضى مثل هذا في يوم أحد في " آل عمران " .قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر .

وقال ابن أبي نجيح : كان المطر قبل النعاس .

وحكى الزجاج : أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه ، وبقي المؤمنون لا ماء لهم ، فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا كذلك ; فقال بعضهم في نفوسهم بإلقاء الشيطان إليهم : نزعم أنا أولياء الله وفينا رسوله وحالنا هذه والمشركون على الماء .

فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية ; فشربوا وتطهروا وسقوا الظهر وتلبدت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين وقت القتال .

وقد قيل : إن هذه الأحوال كانت قبل وصولهم إلى بدر ; وهو أصح ، وهو الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته وغيره .

وهذا اختصاره : قال ابن عباس لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أنه مقبل من الشأم ندب المسلمين إليهم وقال : " هذه عير قريش فيها الأموال فاخرجوا إليهم لعل الله أن ينفلكموها " قال : فانبعث معه من خف ; وثقل قوم وكرهوا الخروج ، وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلوي على من تعذر ، ولا ينتظر من غاب ظهره ، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه من مهاجري وأنصاري .

وفي البخاري عن البراء بن عازب قال : كان المهاجرون يوم بدر نيفا وثمانين ، وكان الأنصار نيفا وأربعين ومائتين .

وخرج أيضا عنه قال : كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ، على عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، وما جاوز معه إلا مؤمن .

وذكر البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري قال : فخرجنا - يعني إلى بدر - فلما سرنا يوما أو يومين [ ص: 335 ] أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعاد ، ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدتنا ، فسر بذلك وحمد الله وقال : عدة أصحاب طالوت .

قال ابن إسحاق : وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى حربا فلم يكثر استعدادهم .

وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس ، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استنفر لكم الناس ; فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في أصحابه ; ففعل ضمضم .

فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم ; فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس ، فقام أبو بكر فقال فأحسن ، وقام عمر فقال فأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله ، امض لما أمرك الله فنحن معك ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ، والذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه ; فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير .

ثم قال : أشيروا علي أيها الناس يريد الأنصار .

وذلك أنهم عدد الناس ، وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول الله ، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممنا ، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا .

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا بالمدينة ، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو بغير بلادهم .

فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه سعد بن معاذ - وقيل سعد بن عبادة ، ويمكن أنهما تكلما جميعا في ذلك اليوم - فقال : يا رسول الله ، كأنك تريدنا معشر الأنصار ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجل فقال : إنا قد آمنا بك واتبعناك ، فامض لما أمرك الله ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم .

فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق قريشا إلى ماء بدر .

ومنع قريشا من السبق إليه مطر عظيم أنزله الله عليهم ، ولم يصب منه المسلمين إلا ما شد لهم دهس الوادي وأعانهم على المسير .

والدهس : الرمل اللين الذي تسوخ فيه الأرجل .

فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة ، فأشار عليه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك وقال له : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه ، أم هو [ ص: 336 ] الرأي والحرب والمكيدة ؟

فقال عليه السلام : بل هو الرأي والحرب والمكيدة .

فقال : يا رسول الله ، إن هذا ليس لك بمنزل ، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونعور ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربون .

فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من رأيه ، وفعله .

ثم التقوا فنصر الله نبيه والمسلمين ، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين ، وانتقم منهم للمؤمنين ، وشفى الله صدر رسوله عليه السلام وصدور أصحابه من غيظهم .

وفي ذلك يقول حسان : عرفت ديار زينب بالكثيب كخط الوحي في الورق القشيب تداولها الرياح وكل جونمن الوسمي منهمر سكوب فأمسى ربعها خلقا وأمستيبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكر كل يومورد حرارة الصدر الكئيب وخبر بالذي لا عيب فيهبصدق غير إخبار الكذوب بما صنع الإله غداة بدرلنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حراءبدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منا بجمعكأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد وازروهعلى الأعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفاتوكل مجرب خاظي الكعوب بنو الأوس الغطارف وازرتهابنو النجار في الدين الصليب فغادرنا أبا جهل صريعاوعتبة قد تركنا بالجبوب [ ص: 337 ]وشيبة قد تركنا في رجالذوي نسب إذا نسبوا حسيبيناديهم رسول الله لما قذفناهم كباكب في القليبألم تجدوا كلامي كان حقا وأمر الله يأخذ بالقلوبفما نطقوا ، ولو نطقوا لقالوا أصبت وكنت ذا رأي مصيبوهنا ثلاث مسائل :الأولى : قال مالك : بلغني أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : كيف أهل بدر فيكم ؟

قال : خيارنا .

قال : إنهم كذلك فينا .

فدل هذا على أن شرف المخلوقات ليس بالذوات ، وإنما هو بالأفعال .

فللملائكة أفعالها الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم .

ولنا أفعالنا بالإخلاص بالطاعة .

وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها ، وأفضلها الجهاد ، وأفضل الجهاد يوم بدر ; لأن بناء الإسلام كان عليه .الثانية : ودل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلقى العير على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال .

وهو يرد ما كره مالك من ذلك ; إذ قال : ذلك قتال على الدنيا ، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله دون من يقاتل للغنيمة ، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ .

وروى عكرمة عن ابن عباس قال : قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر : عليك بالعير ، ليس دونها شيء .

فناداه العباس وهو في الأسرى : لا يصلح هذا .

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ولم ؟

قال : لأن الله وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أعطاك الله ما وعدك .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدقت .

وعلم ذلك العباس بحديث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبما كان من شأن بدر ، فسمع ذلك في أثناء الحديث .الثالثة : روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثا ، ثم قام عليهم فناداهم فقال : يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا .

فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، كيف يسمعون ، وأنى يجيبون وقد جيفوا ؟

قال : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا .

ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في [ ص: 338 ] القليب ، قليب بدر ." جيفوا " بفتح الجيم والياء ، ومعناه أنتنوا فصاروا جيفا .

وقول عمر : " يسمعون " استبعاد على ما جرت به حكم العادة .

فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يسمعون كسمع الأحياء .

وفي هذا ما يدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف ، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته ، وحيلولة بينهما ، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم الحديث .

أخرجه الصحيح .قوله تعالى : ويثبت به الأقدام الضمير في به عائد على الماء الذي شد دهس الوادي ، كما تقوم .

وقيل : هو عائد على ربط القلوب ; فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنـزل عليكم نعاسا يُغَشِّيكُمُ [أي] فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون أَمَنَةً لكم وعلامة على النصر والطمأنينة.

ومن ذلك: أنه أنـزل عليكم من السماء مطرا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه.

وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ أي: يثبتها فإن ثبات القلب، أصل ثبات البدن، وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما نـزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إذ يغشيكم النعاس ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو : " يغشاكم " بفتح الياء ، " النعاس " رفع على أن الفعل له ، كقوله تعالى في سورة آل عمران " أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم " ( آل عمران - 154 ) وقرأ أهل المدينة : " يغشيكم " بضم الياء وكسر الشين مخففا ، " النعاس " نصب ، كقوله تعالى : " كأنما أغشيت وجوههم " ، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الشين مشددا ، " النعاس " نصب ، على أن الفعل لله - عز وجل - ، كقوله تعالى : " فغشاها ما غشى " ( النجم - 54 ) ، والنعاس : النوم الخفيف .

( أمنة ) أمنا ( منه ) مصدر أمنت أمنا وأمنة وأمانا .

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة وسوسة من الشيطان .

( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب أعفر ، تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب ، وسبقهم المشركون إلى ماء بدر وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين ، وأصابهم الظمأ ، ووسوس إليهم الشيطان ، وقال : تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنكم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين ومجنبين ، فكيف ترجون أن تظهروا عليهم؟

فأرسل الله - عز وجل - عليهم مطرا سال منه الوادي فشرب المؤمنون واغتسلوا ، وتوضأوا وسقوا الركاب ، وملئوا الأسقية ، وأطفأ الغبار ، ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام ، وزالت عنهم وسوسة الشيطان ، وطابت أنفسهم ، فذلك قوله تعالى : " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " من الأحداث والجنابة .

( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) وسوسته ، ( وليربط على قلوبكم ) باليقين والصبر ( ويثبت به الأقدام ) حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض .

وقيل : يثبت به الأقدام بالصبر وقوة القلب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «إذ يُغشِّيكم النعاس أمنة» أمنا مما حصل لكم من الخوف «منه» تعالى «وَيُنَزِّلُ عليكم من السماء ماء ليطهركم به» من الأحداث والجنابات «ويذهب عنكم رجز الشيطان» وسوسته إليكم بأنكم لو كنتم على الحق ما كنتم ظمأى محدثين والمشركون على الماء «وليربط» يحبس «على قلوبكم» باليقين والصبر «ويثبِّت به الأقدام» أن تسوخ في الرمل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذ يُلْقي الله عليكم النعاس أمانًا منه لكم من خوف عدوكم أن يغلبكم، وينزل عليكم من السحاب ماء طهورًا، ليطهركم به من الأحداث الظاهرة، ويزيل عنكم في الباطن وساوس الشيطان وخواطره، وليشدَّ على قلوبكم بالصبر عند القتال، ويثبت به أقدام المؤمنين بتلبيد الأرض الرملية بالمطر حتى لا تنزلق فيها الأقدام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المنن الأخرى التى منحها للمؤمنين قبل أن يلتحموا مع أعدائهم فى بدر فقال : ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام ) .وقوله : ( يُغَشِّيكُمُ ) بتشديد الشين من التغشية بمعنى التغطية عن غشاه تغشية أى : غطاه .والنعاس : أول الوم قبل أن يثقل .

وفعله - على الراجح - على وزن منع .والأمنة : مصدر بمعنى الأمن .

وهو طمأنينة القلب وزوال الخوف ، يقال : أمنت من كذا أمنة وأمنا وأمانا بمعنى .قال الجمل : فى قوله : ( إذ يغشاكم النعاس ) ثلاثة قراءات سبعية .الأولى : يغشاكم كيلقاكم ، من غشية إذا أتاه وأصابه وفى المصباح : غشيته أغشاه من باب تعب بمعنى أتيته - وهى قراءة أبى عمرو وابن كثير .الثانية : يُغْشِيكم - بإسكان الغيب وكسر الشين - من أغشاه .

أى أنزله بكم وأوقعه عليكم - وهو قراءة نافع - .الثالثة : يغشيكم - بتشديد الشين وفتح الغين وهى قراءة الباقين - من غشاه تغشية بمعنى غطاه .أى : يغشيكم الله النعاس أى يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم .والنعاس على القراءة الأولى مرفوع على الفاعلية ، وعلى الأخيرتين منصوب على المفعولية .

وقوله : " أمنة " حال أو مفعول لأجله .وقال القرطبى : وكان هذا النعاس فى الليلة التى كان القتال من غدها ، فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم ، ولكن الله ربط جأشهم .وعن على - رضى الله عنه - قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقدار على فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم سوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة يصلى حتى أصبح .وفى امتنان الله عليهم بالنوم فى هذه الليلة وجهان : - أحدهما : أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد .الثانى : أن أمنهم بزوال الرعب فى قلوبهم : كما يقال : الأمن منيم ، والخوف مسهر .وقال ابن كثير : وجاء فى الصحيح " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان يوم بدر فى العريش مع الصديق ، وهما يدعوان ، أخذت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة من النوم .

ثم استيقظ متبسما ، فقال : " أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على تثناياه النقع " .

ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله - تعالى - ( سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ) " .والمعنى : واذكروا - أيها المؤمنون - أيضاً ، وقت أن كنتم متعبين وقلقين على مصيركم فى هذه المعركة ، فألقى الله عليكم النعاس ، وغشاكم به قبل التحامكم بأعدائكم ، ليكون أمانا لقلوبكم ، وراحة لأبدانكم ، وبشارة خير لكم .هذا ، ومن العلماء الذين تكلموا عن نعمة النعاس التى ساقها الله للمؤمنين قبل المعركة ، الإِمامان الرازى ومحمد عبده .أما الامام الرازى فقد قال ما ملخصه : واعلم أن كل نوم ونعاس لا يحصل إلا من قبل الله - تعالى - فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله لا بد فيه من مزيد فائدة ، وذكروا فى ذلك وجوها : منها : أن الخائف إذا خاف من عدوه فإنه لا يأخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا .

فصار حصول النوم لهم فى وقت الخوف الشديد ، يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن .ومنها : أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن مع العدو من معافصتهم ، بل كان ذلك نعاسا يزول معه الإِعياء والكلال ، ولو قصدهم العدو فى هذه الحالة لعرفوا وصوله ، ولقدروا على دفعه .ومنها : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، ومحصول النعاس للجمع العظيم فى الخوف الشديد أمر خارق للعادة .

فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان فى حكم المعجز .وقال الامام محمد عبده : لقد مضت سنة الله فى الخلق ، بأن من يتوقع فى صبيحة ليلته هو لا كبيرا ، ومصابا عظيما ، فإنه يتجافى تجنبه على مضجعه فيصبح خاملا ضعيفا .

وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك ، إذ بلغهم أن جيشا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرض والسهاد .

.

ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس : غشيهم فناموا ، واثقين بالله ، مطمئنين لوعده ، وأصبحوا على همة ونشاط فى لقاء عدوهم وعدوه .

.

.

.

فالنعاس لم يكن يوم بدر فى وقت الحرب بل قبلها .وبذلك نرى أن النعاس الذى أنزله الله تعالى - على المؤمنين قبل لقائهم بأعدائهم فى بدر كان نعمة عظيمة ومنه جليلة .وقوله - تعالى - : ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) وهو - أى : إنزال الماء من السماء نعمة عظمى تحمل فى طياتها نعما وسننا .أولهما : يتجلى فى هذه الجملة الكريمة ، أنه - سبحانه - أنزل على المؤمنين المطر من السماء ليطهرهم به من الحدثين : الأصغر والأكبر ، فإن المؤمن كما يقول الإِمام الرازى - " يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، وبغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب " .وثانيها : قوله - تعالى - : ويهذب عنكم رجز الشيطان .وأصل الرجز : الاضطراب ويطلق على كل ما تشتد مشقته على النفوس .قال الراغب : أصل الرجز الاضطراب ، ومنه قيل رجز البعير رجزا فهو أرجز ، وناقة رجزاء إذا تقارب خطوها واضطرب لضعفها .

.والمراد برجز الشيطان : وسوسته للمؤمنين ، وتخويفه إياهم من العطش وغيره عند فقدهم الماء وإلقاؤه الظنون السيئة فى قلوبهم .أى : أنه - سبحانه - أنزل عليكم الماء - أيها المؤمنون - ليظهركم به تطهيرا حسيا وليزيل عنكم وسوسة الشيطان ، بتخويفه إياكم من العطش وبإلقائه فى نفوسكم الظنون والأوهام .

.

وهذا هو التطهير الباطنى .وثالثها قوله - تعالى - : ( وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ ) أى : وليقويها بالثقة فى نصر الله ، وليوطنها على الصبر والطمأنينة .

.

ولا شك أن وجود الماء فى حوزة المحاربين يزيدهم قوة على قوتهم ، وثباتاً على ثباتهم ، أما فقده فإنه يؤدى إلى فقد الثقة والاطمئنان ، بل وإلى الهزيمة المحققة .وأصل الربط : الشد .

ويقال لكل من صبر على أمر : ربط قلبه عليه ، أى : حبس قلبه عن أن يضطرب أو يتزعزع ، ومنه قولهم : رجل رابط الجأش : أى : ثابت متمكن .ورابع هذه النعم التى تولدت عن نزول الماء من السماء على المؤمنين ، قبل خوضهم معركة بدر ، يتجلى فى قوله - تعالى - ( وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام ) .أى : أنه - سبحانه - أنزل عليهم المطر قبل المعرفة لتطهيرهم حسياً ومعنوياً ، ولتقويتهم وطمأنينتهم ، وليثبت أقدامهم به حتى لا تسوخ فى الرمال ، وحتى يسهل المشى عليها ، إذ من المعروف أن من العسير المشئ على الرمال .

فإذا ما نزلت عليها الأمطار جمدت وسهل السير فوقها ، وانطفأ غبارها .

.

فالضمير فى قوله ( بِهِ ) يعود على الماء المنزل من السماء .قال الزمخشرى : ويجوز أن يعود للربط - فى قوله ( وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ ) ، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبت القدم فى مواطن القتال .وهذا ، وقد وردت آثار متعددة توضع ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة من نعم جليلة ، ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أنه قال : نزل النبى - صلى الله عليه وسلم - يغنى حين سار إلى بدر - والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة - أى كثيرة مجتمعة - فأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان فى قلوبهم الغيظ ، فوسوس بينهم ، تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم ورسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم تصلون مجنبين؟

فأمطر الله عليهم مطرا شدديا ، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان وثبت الرمل حين أصابه المطر ، ومشى الناس عليه والدواب ، فاسروا إلى القوم ..وعن عروة بن الزبير قال : بعث الله السماء وكان الوادى دهساً فاصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مالبد لهم الأرض ولم منعهم من المسير ، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه .ومن هذا القول المنقول عن عروة - رضى الله عنه - نرى أن المطر كان خيراً للمسلمين ، وكان شراً على الكافرين ، لأن المسلمين كانوا فى مكان يصلحه المطر ، بينما كان المشركون فى مكان يؤذيهم فيه المطر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: ﴿ إِذْ ﴾ موضعها نصب على معنى ﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى  ﴾ في ذلك الوقت.

ويجوز أيضاً أن يكون التقدير: اذكروا إذ يغشيكم النعاس أمنة.

المسألة الثانية: في ﴿ يغشاكم ﴾ ثلاث قراآت: الأولى: قرأ نافع بضم الياء، وسكون الغين، وتخفيف الشين ﴿ يُغَشّيكُمُ النعاس ﴾ بالنصب.

الثانية: ﴿ يغشاكم ﴾ بالألف وفتح الياء وسكون العين ﴿ يُغَشّيكُمُ النعاس ﴾ بالرفع وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير.

الثالثة: قرأ الباقون ﴿ يُغَشّيكُمُ ﴾ بتشديد الشين وضم الياء من التغشية ﴿ النعاس ﴾ بالنصب، أي يلبسكم النوم.

قال الواحدي: القراءة الأولى من أغشى، والثانية من غشي، والثالثة من غشي فمن قرأ ﴿ يغشاكم ﴾ فحجته قوله: ﴿ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً ﴾ يعني: فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس والأمنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ ﴿ يُغَشّيكُمُ ﴾ أو ﴿ يُغَشّيكُمُ ﴾ فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى: ﴿ فأغشيناهم فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ  ﴾ وقال: ﴿ فغشاها مَا غشى  ﴾ وقال: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ  ﴾ وعلى هذا فالفعل مسند إلى الله.

المسألة الثالثة: أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع: الأول: قوله: ﴿ إِذ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ ﴾ أي من قبل الله، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لابد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن.

وثانيها: أنهم خافوا من جهات كثيرة.

أحدها: قلة المسلمين وكثرة الكفار.

وثانيها: الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين.

وثالثها: العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر.

والوجه الثالث: في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم، أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاساً يحصل لهم زوال الأعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه.

والوجه الرابع: أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة.

فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز.

فإن قيل: فإن كان الأمر كما ذكرتم فلو خافوا بعد ذلك النعاس؟

قلنا: لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفراً منصوراً وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين.

فإن قيل: إذا قرئ ﴿ يُغَشّيكُمُ ﴾ بالتخفيف والتشديد ونصب ﴿ النعاس ﴾ فالمضير لله عز وجل ﴿ وأمنة ﴾ مفعول له.

أما إذا قرئ ﴿ يُغَشّيكُمُ النعاس ﴾ فكيف يمكن جعل قوله: ﴿ ءامِنَةً ﴾ مفعولاً له، مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل؟

قلنا: قوله: ﴿ يغشاكم ﴾ وإن كان في الظاهر مسنداً إلى النعاس، إلا أنه في الحقيقة مسند إلى الله تعالى، فصح هذا التعليل نظراً إلى المعنى.

قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ كَانَتْ ءامِنَةً ﴾ بسكون الميم، ونظير أمن أمنة، حي حياة، ونظير أمن أمنة، رحم رحمة.

قال ابن عباس: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان.

النوع الثاني: من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى: ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ ولا شبهة أن المراد منه المطر، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء، واستولوا عليه، وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة، وعطش المؤمنون وخافوا، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة، وأكثرهم احتلموا وأجنبوا، وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملاً تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير، وكان الخوف حاصلاً في قلوبهم، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلاً على حصول النصرة والظفر، وعظمت النعمة به من جهات: أحدها: زوال العطش، فقد روي أنهم حفروا موضعاً في الرمل، فصار كالحوض الكبير، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا.

وثانيها: أنهم اغتسلوا من ذلك الماء، وزالت الجنابة عنهم، وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنباً، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه.

وثالثها: أنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود.

وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة.

أما قوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان.

الثاني: أن الكفار لما نزلوا على الماء، وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك، فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة، روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم، تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة، وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ المسلمون حياضاً واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام.

الثالث: أن المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد.

فإن قيل: فأي هذه الوجوه الثلاثة أولى؟

قلنا: قوله: ﴿ لّيُطَهّرَكُمْ ﴾ معناه ليزيل الجنابة عنكم، فلو حملنا قوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل، ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد من قوله: ﴿ لّيُطَهّرَكُمْ ﴾ حصول الطهارة الشرعية.

والمراد من قوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ إزالة جوهر المني عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث، ثم تقول: حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقي أما تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازي وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه لزم القطع بأن المني رجز الشيطان، وذلك يوجب الحكم بكونه نجساً مطلقاً لقوله تعالى: ﴿ والرجز فاهجر  ﴾ .

النوع الثالث: من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ ﴾ والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف والفزع عنهم، ومعنى الربط في اللغة الشد، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَرَابِطُواْ  ﴾ ويقال لكل من صبر على أمر، ربط قلبه عليه كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال: رجل رابط أي حابس.

قال الواحدي: ويشبه أن يكون ﴿ على ﴾ هاهنا صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما وقع من تفسيره يشبه أن لا يكون صلة لأن كلمة ﴿ على ﴾ تفيد الاستعلاء.

فالمعنى أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها.

والنوع الرابع: من النعم المذكورة هاهنا قوله تعالى: ﴿ وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه، فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه، وعلى هذا التقدير، فالضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ عائد إلى المطر.

وثانيها: أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم، لأن من كان قلبه ضعيفاً فر ولم يقف، فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم، وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ عائد إلى الربط.

وثالثها: روى أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين، وذلك لأن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والوحل، فلما نزل المطر عظم الوحل، فصار ذلك مانعاً لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله: ﴿ وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام ﴾ يدل دلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك.

النوع الخامس: من النعم المذكورة هاهنا قوله: ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الملئكة أَنّي مَعَكُمْ ﴾ وفيه بحثان: الأول: قال الزجاج: ﴿ إِذْ ﴾ في موضع نصب، والتقدير: وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام حال ما يوحي إلى الملائكة بكذا وكذا، ويجوز أيضاً أن يكون على تقدير اذكروا.

الثاني: قوله: ﴿ إِنّى مَعَكُمْ ﴾ فيه وجهان: الأول: أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنه تعالى معهم أي مع الملائكة حال ما أرسلهم ردأً للمسلمين.

والثاني: أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم، وهذا الثاني أولى لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار، وإنما الخائف هم المسلمون.

ثم قال: ﴿ فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ ﴾ واختلفوا في كيفية هذا التثبيت على وجوه: الأول: أنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله ناصر المؤمنين والرسول عرف المؤمنين ذلك، فهذا هو التثبيت والثاني: أن الشيطان كما يمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهام إليه فهذا هو التثبيت في هذا الباب.

والثالث: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر.

والنوع السادس: من النعم المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ وهذا من النعم الجليلة، وذلك لأن أمر النفس هو القلب فلما بين الله تعالى أنه ربط قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين فكان ذلك من أعظم نعم الله تعالى على المؤمنين.

أما قوله تعالى: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه أمر للملائكة متصل بقوله تعالى: ﴿ فَثَبّتُواْ ﴾ وقيل: بل أمر للمؤمنين وهذا هو الأصح لما بينا أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة، واعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر، فعند هذا أمرهم بمحاربتهم، وفي قوله: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ قولان: الأول: أن ما فوق العنق هو الرأس، فكان هذا أمراً بإزالة الرأس عن الجسد.

والثاني: أن قوله: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ أي فاضربوا الأعناق.

ثم قال: ﴿ واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ يعني الأطراف من اليدين والرجلين، ثم اختلفوا فمنهم من قال المراد أن يضربوهم كما شاؤوا، لأن ما فوق العنق هو الرأس، وهو أشرف الأعضاء، والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء، فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء، ومنهم من قال: بل المراد إما القتل، وهو ضرب ما فوق الأعناق أو قطع البنان، لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه الكثيرة من النعم على المسلمين.

قال: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ والمعنى: أنه تعالى ألقاهم في الخزي والنكال من هذه الوجوه الكثيرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله.

قال الزجاج: ﴿ شَاقُّواْ ﴾ جانبوا، وصاروا في شق غير شق المؤمنين، والشق الجانب ﴿ وَشَاقُّواْ الله ﴾ مجاز، والمعنى: شاقوا أولياء الله، ودين الله.

ثم قال: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ﴾ يعني أن هذا الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء قليل مما أعده الله لهم من العقاب في القيامة، والمقصود منه الزجر عن الكفر والتهديد عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ﴾ ؟

قلت: إلى قوله: ﴿ أَنّي مُمِدُّكُمْ ﴾ [الأنفال: 9] لأن المعنى: فاستجاب لكم بإمدادكم.

فإن قلت: ففيمن قرأ بالكسر؟

قلت: إلى قوله: ﴿ إِنّي مُمِدُّكُمْ ﴾ لأنه مفعول القول المضمر فهو في معنى القول.

ويجوز أن يرجع إلى الإمداد الذي يدل عليه ممدّكم ﴿ إِلاَّ بشرى ﴾ إلا بشارة لكم بالنصر، كالسكينة لبني إسرائيل، يعني أنكم استغثتم وتضرعتم لقلتكم وذلتكم، فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر، وتسكيناً منكم، وربطاً على قلوبكم ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ يريد ولا تحسبوا النصر من الملائكة، فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة.

أو وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله.

﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ﴾ بدل ثان من ﴿ إِذْ يَعِدُكُمُ ﴾ [الأنفال: 7] أو منصوب بالنصر، أو بما في ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ [الأنفال: 10] من معنى الفعل، أو بما جعله الله، أو بإضمار اذكر.

وقرئ ﴿ يغشيكم ﴾ بالتخفيف والتشديد ونصب النعاس والضمير لله عزّ وجل.

و ﴿ أَمَنَةً ﴾ مفعول له.

فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً؟

قلت: بلى، ولكن لما كان معنى يغشاكم النعاس.

تنعسون، انتصب أمنة على أن النعاس والأمنة لهم.

والمعنى: إذ تنعسون أمنة بمعنى أمنا، أي لأمنكم، و ﴿ مِّنْهُ ﴾ صفة لها: أي أمنة حاصلة لكم من الله عزّ وجلّ.

فإن قلت: فعلى غير هذه القراءة قلت: يجوز أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان، أي ينعسكم إيماناً منه.

أو على يغشيكم النعاس فتنعسون أمناً، فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أنّ الأمنة للنعاس الذي هو فاعل يغشاكم؟

أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم؟

وإنما غشيكم أمنة حاصلة من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل؟

قلت: لا تبعد فصاحة القرآن عن احتماله، وله فيه نظائر، وقد ألم به من قال: يَهَابُ النوْمُ أَنْ يَغْشَى عُيُونا ** تَهَابُكَ فَهُوَ نَفَّارٌ شَرُودُ وقرئ ﴿ أمنة ﴾ بسكون الميم.

ونظير ﴿ أمن أمنة ﴾ ﴿ حيي حياة ﴾ ونحو (أمن أمنة) (رحم رحمة) والمعنى: أن ما كان بهم من الخوف كان يمنعهم من النوم، فلما طمأن الله قلوبهم وأمنهم رقدوا وعن ابن عباس رضي الله عنه: النعاس في القتال: أمنة من الله، وفي الصلاة: وسوسة من الشيطان ﴿ وَيُنَزِّلُ ﴾ قرئ بالتخفيف والتثقيل.

وقرأ الشعبي ﴿ ما ليطهركم به ﴾ قال ابن جني: ما موصولة وصلتها حرف الجر بما جره، فكأنه قال: ما للطهور.

و ﴿ رِجْزَ الشيطان ﴾ وسوسته إليهم، وتخويفه إياهم من العطش.

وقيل: الجنابة، لأنها من تخييله.

وقرئ ﴿ رجس الشيطان ﴾ وذلك أن إبليس تمثل لهم، وكان المشركين قد سبقوهم إلى الماء ونزل المسلمون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على حق ما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش، فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة، فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا، فأنزل الله عز وجل المطر، فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الحياض على عدوة الوادي، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان وطابت النفوس.

والضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للماء.

ويجوز أن يكون للربط، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت القدم في مواطن القتال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن (إذْ يَعِدُكُمُ) لِإظْهارِ نِعْمَةٍ ثالِثَةٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ أوْ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِجَعْلِ أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ.

وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ مِن أغْشَيْتَهُ الشَّيْءَ إذا غَشَّيْتَهُ إيّاهُ والفاعِلُ عَلى القِراءَتَيْنِ هو اللَّهُ تَعالى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « يَغْشاكُمُ النُّعاسُ» بِالرَّفْعِ.

﴿ أمَنَةً مِنهُ ﴾ أمْنًا مِنَ اللَّهِ، وهو مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى تَنْعَسُونَ، و « يَغْشاكم» بِمَعْناهُ، والـ ﴿ أمَنَةً ﴾ فِعْلٌ لِفاعِلِهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الإيمانُ فَيَكُونُ فِعْلَ المَغْشِيِّ، وأنْ تَجْعَلَ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ فِعْلَ النُّعاسِ عَلى المَجازِ لِأنَّها لِأصْحابِهِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَغْشاهم لِشِدَّةِ الخَوْفِ فَلَمّا غَشِيَهم فَكَأنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ لَوْلاها لَمْ يَغْشُهم كَقَوْلِهِ: بَهابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشى عُيُونًا.

.

.

تَهابُكَ فَهو نَفّارٌ شَرُودُ وَقُرِئَ « أمْنَةً» كَرَحْمَةٍ وهي لُغَةٌ.

﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ مِنَ الحَدَثِ والجَنابَةِ.

﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ﴾ يَعْنِي الجَنابَةَ لِأنَّها مِن تَخْيِيلِهِ، أوْ وسْوَسَتِهِ وتَخْوِيفِهِ إيّاهم مِنَ العَطَشِ.

رُوِيَ أنَّهم نَزَلُوا في كَثِيبٍ أغْفَرَ تَسُوخُ فِيهِ الأقْدامُ عَلى غَيْرِ ماءٍ ونامُوا فاحْتَلَمَ أكْثَرُهم وقَدْ غَلَبَ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَوَسْوَسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ وقالَ: كَيْفَ تُنْصَرُونَ، وقَدْ غُلِبْتُمْ عَلى الماءِ وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ مُجْنِبِينَ وتَزْعُمُونَ أنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ، وفِيكم رَسُولُهُ فَأشْفَقُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ، فُمُطِرُوا لَيْلًا حَتّى جَرى الوادِي واتَّخَذُوا الحِياضَ عَلى عُدْوَتِهِ وسَقَوُا الرِّكابَ واغْتَسَلُوا وتَوَضَّؤُوا، وتَلَبَّدَ الرَّمْلُ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ حَتّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الأقْدامُ وزالَتِ الوَسْوَسَةُ.

﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ بِالوُثُوقِ عَلى لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ.

﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ أيْ بِالمَطَرِ حَتّى لا تَسُوخَ في الرَّمْلِ، أوْ بِالرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ حَتّى تَثْبُتَ في المَعْرَكَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِذْ يُغَشّيكُمُ} بدل ثانٍ من إِذْ يَعِدُكُمُ أو مصوب بالنص راو باضمار اذكر بغشيكم مدني {النعاس} النوم والفاعل هو الله على القاءتين يغشاكم النعاس مكى وأبو عمرو {أمنة} مفعول له أي إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً أي لأمنكم أو مصدر أي فأمنتم أمنة فالنوم يزيح الرعب ويريح النفس {مِنْهُ} صفة لها أى امته حاصلة لكم من الله {وَيُنَزّلُ} بالتخفيف مكي وبصرى وبالتشديد غيرهم {عليكم من

السماء ماء} مطار {لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} بالماء من الحدث والجنابة {وَيُذْهِبَ عنكم رجز الشيطان} وسوسته الهم وتخويفه إياهم من العطش أو الجنمابة من الاحتلام لأنه من الشيطان وقد وسوس إليهم أن لا نصرة مع الجنابة {وَلِيَرْبِطَ على قلوبكم} بالصب {وَيُثَبّتَ بِهِ الأقدام} أي بالماء إذ الأقدام كانت تسوح في الرمل أو بالربط لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر يثبت القدم في مواطن القتال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ﴾ أيْ: يَجْعَلُهُ غاشِيًا عَلَيْكم ومُحِيطًا بِكم.

والنُّعاسُ أوَّلُ النَّوْمِ قَبْلَ أنْ يَثْقُلَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ النُّعاسَ في الرَّأْسِ والنَّوْمَ في القَلْبِ، ولَعَلَّ مُرادَهُ الثِّقَلَ والخِفَّةَ، وإلّا فَلا مَعْنى لَهُ، والفِعْلُ نَعَسَ كَمَنَعَ والوَصْفُ ناعِسٌ ونَعْسانُ قَلِيلٌ.

و ﴿ إذْ يُغَشِّيكُمُ ﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن: ( إذْ يَعِدُكُمُ ) عَلى القَوْلِ بِجَوازِ تَعَدُّدِ البَدَلِ، وفِيهِ إظْهارُ نِعْمَةٍ أُخْرى؛ فَإنَّ الخَوْفَ أطارَ كَراهم مِن أوْكارِهِ، فَلَمّا طامَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم رَفْرَفَ بِجَناحِهِ عَلَيْها فَنَعَسُوا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ هو مَنصُوبٌ بِ اذْكُرُوا.

وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالنَّصْرِ، وضُعِّفَ بِأنَّ فِيهِ إعْمالَ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ بِألْ وفِيهِ خِلافُ الكُوفِيِّينَ، والفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ، وعَمِلَ ما قَبْلَ إلّا فِيما بَعْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَعْمُولُ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ، والجُمْهُورُ لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ والأخْفَشِ، وتَعَلُّقُهُ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ وقِيلَ عَلَيْهِ: إذْ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ اسْتِقْرارِ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الوَقْتِ ولا تَقْيِيدَ لَهُ بِهِ، وأجابَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ المُرادَ بِهِ نَصْرٌ خاصٌّ فَلا مَحْذُورَ في تَقْيِيدِهِ، وبِالجَعْلِ، وفِيهِ الفَصْلُ وعَمِلَ ما قَبْلُ إلّا فِيما لَيْسَ أحَدُ الثَّلاثَةِ وبِما دَلَّ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وفِيهِ لُزُومُ التَّقْيِيدِ ولا تَقْيِيدَ، وأُجِيبَ بِما أُجِيبَ، والإنْصافُ بَعْدَ الِاحْتِمالاتِ الأرْبَعِ.

وقَرَأ نافِعٌ: (يُغْشِيكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ مَنِ الإغْشاءِ بِمَعْنى التَّغْشِيَةِ والفاعِلُ في القِراءَتَيْنِ هو اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (يَغْشاكُمْ) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى النُّعاسِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ أمَنَةً مِنهُ ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الأمْنِ كالمَنَعَةِ وإنْ كانَ قَدْ يَكُونُ جَمْعًا وصِفَةً بِمَعْنى آمِنِينَ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ شَرْطَ النَّصْبِ الَّذِي هو اتِّحادُ فاعِلِهِ وفاعِلِ الفِعْلِ العامِلِ فِيهِ مَفْقُودٌ إذْ فاعِلُهُ هُمُ الصَّحابَةُ الآمِنُونَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وفاعِلُ الآخَرِ هو اللَّهُ عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ والنُّعاسُ عَلى الأُخْرى.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى الكِنائِيِّ فَإنَّ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ يَلْزَمُهُ تَنْعَسُونَ ويُغَشِّيكم بِمَعْناهُ فَيَتَّحِدُ الفاعِلانِ إذْ فاعِلُ كُلٍّ حِينَئِذٍ الصَّحابَةُ، وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّهُ عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى العِلِّيَّةِ لِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ أيْ: يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ فَتَنْعَسُونَ أمْنًا أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ آخَرَ كَذَلِكَ أيْ: فَتَأْمَنُونَ أمْنًا، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَنصُوبٌ عَلى العِلِّيَّةِ بِ يَغْشاكم بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّهُ في حُكْمِ تَنْعَسُونَ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلِ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ كَما عَلِمْتَ، وما تَقَدَّمَ أقَلُّ انْتِشارًا.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأمَنَةِ الإيمانُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو جَعْلُ الغَيْرِ آمِنًا فَيَكُونُ مَصْدَرَ آمَنَهُ، وهو عَلى بُعْدٍ إنَّما يَتَمَشّى في القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لِأنَّ فاعِلَ التَّغْشِيَةِ والأمانِ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَلا ويَحْتاجُ إلى ما مَرَّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ فِيها أنْ يُجْعَلَ الأمْنُ فِعْلَ النُّعاسِ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ لِكَوْنِهِ مِن مُلابَساتِ أصْحابِ الأمْنِ، والإسْنادُ في ذَلِكَ مُقَدَّرٌ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ النِّسْبَةَ الَّتِي بَيْنَ الفِعْلِ والمَفْعُولِ لَهُ أيْ: يَغْشاكُمُ النُّعاسُ لِأمْنِهِ، أوْ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِ بِحالِ إنْسانٍ شَأْنُهُ الأمْنُ والخَوْفُ وأنَّهُ حَصَلَ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الأمانُ مِنَ الكُفّارِ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ المَخُوفِ فَلِذَلِكَ غَشّاكم وأنامَكم فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا وتَخْيِيلًا لِلْمَقْصُودِ بِإبْرازِ المَعْقُولِ في صُورَةِ المَحْسُوسِ، والقُطْبُ جَعَلَ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ حَيْثُ ذَكَرَ أنَّهُ شُبِّهَ النُّعاسُ بِشَخْصٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَأْتِيَهم لَكِنَّهُ لا يَأْتِيهِمْ في وقْتِ الخَوْفِ وإذا أمِنَ أتاهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ النُّعاسَ وأرادَ ذَلِكَ الشَّخْصَ، والقَرِينَةُ ذِكْرُ الأمَنَةِ لِأنَّها مِن لَوازِمِ المُشَبَّهِ بِهِ، وقَدْ وصَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّوْمَ بِنَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: يَهابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشى عُيُونًا تَهابُكَ فَهْوَ نِفارٌ شَرُودُ وما يُقالُ: إنَّ مِثْلَ هَذا إنَّما يَلِيقُ بِالشِّعْرِ لا بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في تَوْجِيهِ اتِّحادِ الفاعِلِ عَلى القِراءَتَيْنِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فاعِلُ تَغْشِيَةِ النُّعاسِ إيّاهم هو اللَّهُ تَعالى وهو فاعِلُ الأمَنَةِ أيْضًا لِأنَّهُ خالِقُها فَحِينَئِذٍ يَتَّحِدُ فاعِلُ الفِعْلِ والعِلَّةُ فَيَرْتَفِعُ السُّؤالُ ويَزُولُ الإشْكالُ عَلى قَواعِدِ أهْلِ السُّنَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي نِسْبَةَ فِعالِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ خالِقُها ومُبْدِعُها وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ لِلْمُورِدِ أنْ يَقُولَ: المُعْتَبَرُ الفاعِلُ اللُّغَوِيُّ وهو المُتَّصِفُ بِالفِعْلِ وهو هُنا لَيْسَ إلّا العَبْدَ إذْ لا يُقالُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: آمِنٌ، وإنْ كانَ هو الخالِقَ وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِما سَلَفَ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِأمَنَةٍ، أيْ: أمَنَةٌ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى لَكُمْ، ولَعَلَّ مُغايَرَةَ ما هُنا لِما في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ لِاخْتِلافِ المَقامِ؛ فَقَدْ قالُوا: إنَّ ذَلِكَ المَقامَ اقْتَضى الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الأمْنِ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَسَطَ الكَلامَ فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ في السِّياقِ والسِّباقِ بِخِلافِهِ هُنا لِأنَّهُ في مَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ فَلِذا جِيءَ بِالقِصَّةِ مُخْتَصَرَةً لِلرَّمْزِ وقُرِئَ (أمْنَةً) بِالسُّكُونِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ عُطِفَ عَلى (يُغَشِّيكُمْ) وكانَ هَذا قَبْلَ النُّعاسِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وتَقْدِيمُ عَلَيْكم لِما أنَّ بَيانَ كَوْنِ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِمْ أهَمَّ مِن بَيانِ كَوْنِهِ مِنَ السَّماءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عُمَرَ: (ويُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ مَنِ الإنْزالِ وقَرَأ الشَّعْبِيُّ ما لِيُطَهِّرَكم بِهِ أيْ: مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ووَجْهُها كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ واللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِلَةً لَها؛ أيْ: ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي ثَبَتَ لِتَطْهِيرِكُمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ اللّامُ اللّامُ في قَوْلِكَ: أعْطَيْتُ الثَّوْبَ الَّذِي لِدَفْعِ البَرْدِ.

وهي في قِراءَةِ الجَماعَةِ نَظِيرُ اللّامِ في قَوْلِكَ: زُرْتُكَ لِتُكْرِمَنِي.

ومَرْجِعُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والمَشْهُورُ أفْصَحُ بِالمُرادِ، وانْظُرْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تُخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى ما سُمِعَ مِن قَوْلِهِمُ: اسْقِنِي ما بِالقَصْرِ، وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ في القامُوسِ، وأرى أنَّ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ إنْ جازَ كالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الماءِ.

﴿ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: وسْوَسَتَهُ وتَخْوِيفَهُ إيّاكم مِنَ العَطَشِ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُشْرِكِينَ غَلَبُوا المُسْلِمِينَ فى أوَّلِ أمْرِهِمْ عَلى الماءِ فَظَمِئَ المُسْلِمُونَ وصَلُّوا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، وكانَتْ بَيْنَهم رِمالٌ فَألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الحَزَنَ وقالَ: أتَزْعُمُونَ أنَّ فِيكم نَبِيًّا وأنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى وتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَ عَلَيْهِمُ الوادِي فَشَرِبُوا وتَطَهَّرُوا وثَبَتَتْ أقْدامُهم وذَهَبَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرِّجْزَ هُنا بِالجَنابَةِ مَعَ اعْتِبارِ كَوْنِ التَّطْهِيرِ مِنها واعْتُرِضَ بِلُزُومِ التَّكْرارِ ودُفِعَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأُولى والمَعْنى: طَهَّرَكم مِنَ الجَنابَةِ لِأنَّها كانَتْ مِن رِجْزِ الشَّيْطانِ وتَخْيِيلِهِ.

وقُرِئَ: (رِجْسِ) وهو بِمَعْنى الرِّجْزِ ﴿ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ أيْ: يُقَوِّيها بِالثِّقَةِ بِلُطْفِ اللَّهُ تَعالى فِيما بَعْدُ بِمُشاهَدَةِ طَلائِعِهِ، وأصْلُ الرَّبْطِ الشَّدُّ ويُقالُ لِمَن صَبَرَ عَلى الشَّيْءِ: رَبَطَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ.

قالَ الواحِدِيُّ: ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ (عَلى) صِلَةً أيْ: ولِيَرْبِطَ قُلُوبَكم.

وقِيلَ: الأصْلُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أتى بِعَلى قَصْدًا لِلِاسْتِعْلاءِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ قُلُوبَهم قَدِ امْتَلَأتْ مِن ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ عَلا عَلَيْها، وفي ذَلِكَ مِن إفادَةِ التَّمَكُّنِ ما لا يَخْفى.

﴿ ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ ولا تَسُوخَ في الرَّمْلِ، فالضَّمِيرُ لِلْماءِ كالأوَّلِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلرَّبْطِ، والمُرادُ بِتَثْبِيتِ الأقْدامِ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَعْلُهم صابِرِينَ غَيْرَ فارِّينَ ولا مُتَزَلْزِلِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، وذلك أن النبيّ  لما رأى كثرة المشركين، علم أنه لا قوة لهم إلا بالله، فدعا ربه فقال: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ» .

فَاسْتَجابَ له ربه ونزل إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ يقول: واذكروا إذ تسألون ربكم وتدعونه يوم بدر بالنصرة على عدوكم.

فَاسْتَجابَ لَكُمْ، يعني: فأجابكم ربكم: أَنِّي مُمِدُّكُمْ، يعني: أزيدكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، يعني: متتابعين بعضهم على إثر بعض.

قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر مُرْدِفِينَ بالنصب، وقرأ الباقون بالكسر، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد، وهو التتابع.

وقال عكرمة: أمدهم يوم بدر بألف من الملائكة، ووعد لهم ثلاثة آلاف من الملائكة لغزوة بعدها بدعائه، وزاده ألفين، فذلك خمسة آلاف من الملائكة، ويقال: هذا كله كان في يوم بدر.

ثم قال عز وجل: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى يقول: وما أنزل الله الملائكة إلا للبشارة.

وقال بعضهم: الملائكة لم يقاتلوا، وإنّما كانوا مبشرين.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «قاتلت الملائكة يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ولا يوم حنين» وَما جَعَلَهُ اللَّهُ، يعني: مدد الملائكة إِلَّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ يعني: لتسكن إليه قلوبكم.

وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يعني: ليس النصر بقلة العدد ولا بكثرة العدد، ولكن النصر من عند الله.

إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عَزِيزٌ بالنقمة، حَكِيمٌ حكم بالنصرة للنبي  وللمؤمنين، والهزيمة للمشركين.

قوله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ، يقول: ألقى عليكم النوم أَمَنَةً مِنْهُ، يعني: أمناً من عند الله.

وروى عاصم، عن ابن رزين، عن عبد الله بن مسعود قال: «النعاس عند القتال أمنة من الله، وهو في الصلاة من الشيطان» .

قرأ نافع يُغَشِّيكُمُ بضم الياء وجزم الغين ونصب النعاس، ومعناه: يُغْشِيكُمْ الله النُّعَاسَ.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يُغَشِّيكُمُ بالألف ونصب الياء وضم النعاسُ، يعني: أخذكم، النعاسُ وقرأ الباقون: بضم الياء وتشديد الشين ونصب النعاس ومعناه: يغشيكم الله النعاس أمنةً منه، والتشديد للمبالغة.

ثم قال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مآء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، يعني: بالماء من الأحداث والجنابة، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، يعني: وسوسة الشيطان وكيده.

وقال القتبي: أصل الرجز العذاب، كقوله تعالى: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [البقرة: 59] ثم سمي كيد الشيطان رجزاً، لأنه سبب للعذاب.

ثم قال: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ، يعني: يشدد قلوبكم بالنصرة منه عند القتال، وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ، يعني: لتستقر الأرجل على الرمل، حتى أمكنهم الوقوف عليه.

ويقال: وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ في الحرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وروي في «الصحيح» : الأشهر أن المَلاَئِكَةَ قاتلت يَوْمَ بَدْرٍ.

واختلف في غيره قال ابن إسحاق: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن ابن عباس، أنه قال: حدثني رَجُلٌ من بني غِفَارٍ، قال: أقبلت أنا وابن عَمٍّ لي حتى صَعَدْنَا في جَبَل يُشْرِفُ بنا على بَدْرٍ، ونحن مشركان ننتظر الوَقْعَةَ على من تكون، فَنَنْتَهِبُ مع من يَنْتَهِبُ.

قال: فبينما نحن في الجَبَلِ، إذ دنت منا سَحَابَةٌ، فسمعنا فيها حَمْحَمَةَ الخَيْلِ، / فسمعت قائلاً يقول: أقدمَ حَيْزُوْم، فأما ابن عمي، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِهِ، فمات مكانه، وأما أنا فَكِدْتُ أَهْلَكُ، ثم تَمَاسَكْتُ «١» .

قال ابن إسحاق: وحدثني عَبْدُ اللَّه بن أبي بَكْرٍ عن بعض بني سَاعِدَةَ عن أبي سعيد مالك بن رَبِيعَةَ، وكان شهد بَدْراً، قال بعد أن ذهب بَصَرُهُ: لو كنت اليوم ببدر، ومعى بَصَرِي لأريتكم الشِّعْبَ الذي خَرَجَتْ منه المَلاَئِكَةُ لا أَشَكُّ ولا أَتَمَارَى.

انتهى من «سيرة ابن هِشَامٍ» .

وقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ الضمير في «جعله» عائد على الوَعْدِ، وهذا عندي أَمْكَنُ الأقوال من جهة المَعْنَى.

وقيل: عائد على المَدَدِ، والإِمداد.

وقيل: عائد على الإرداف.

وقيل: عائد على الأَلْف، وقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ توقيف على أن الأَمْرَ كُلَّهُ للَّه وأن تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يغني، إذا لم يساعده القَدَرُ، وإن كان مَطْلُوباً بالجدّ، كما ظاهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين در عين.

وقوله سبحانه: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ.

القصد تعديد نعمه سبحانه على

المؤمنين في يوم بَدْرٍ، والتقدير: اذكروا إذ فعلنا بكم كذا، وإذ فعلنا كذا، والعامل في «إذ» «اذكروا» وقرأ نافع: «يُغْشِيكُم» - بضم «١» الياء، وسكون الغين- وقرأ حمزة وغيره:

يُغَشِّيكُمُ- بفتح الغين وَشَدِّ الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وغيره: «يَغْشَاكم» - بفتح الياء وألف بعد الشين- «النُّعَاسُ» بالرفع، ومعنى يُغَشِّيكُمُ: يغطيكم، والنُّعَاسُ أَخَفُّ النوم، وهو الذي يصيب الإِنْسَانَ، وهو واقف أو مَاشٍ، وينص على ذلك قَصَصُ هذه الآية أنهم إنما كان بهم خَفْقٌ بالرُّؤُوس، وقوله: أَمَنَةً مصدر من أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنَاً وأَمَنَةً وأَمَاناً، والهاء فيه لتأنيث المصدر، كما هي في المَسَاءَةِ والحَمَاقَةِ والمَشَقَّةِ.

وروي عن ابن مَسْعُودٍ أنه قال: النُّعَاسُ عند حضور القِتَالِ عَلاَمَةُ أمن، وهو من اللَّه، وهو في الصَّلاَةِ من الشيطان «٢» .

قال ع «٣» : وهذا إنما طريقه الوَحْيُ، فهو لا مَحَالَةَ يسنده وقوله سبحانه:

وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ.

وذلك أن قَوْماً من المؤمنين لحقتهم جَنَابَاتٌ في سفرهم، وعدموا المَاءَ قَرِيبَ بَدْرٍ، فصلوا كذلك، فَوَسْوَسَ الشيطان في نفوس بعضهم مع تخويفه لهم من كثرة العَدُوِّ وقلتهم، وأيضاً فكانت بينهم وبين مَاءِ بَدْرٍ مَسَافَةٌ، من رمل دَهْسٍ «٤» تَسُوخُ «٥» فيها الأَرْجُلُ، فكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكُفَّارُ إلى ماء بدر، فأنزل اللَّه تلك المَطَرَةَ فَسَالَتِ الأودية، فاغتسلوا، وطهرهم اللَّه تعالى فذهب رِجْزُ الشيطان، وَتَدَمَّثَ «٦» الطريق، وتَلَبَّدَتْ «٧» تلك الرِّمَالُ، فسهل اللَّه عليهم السير، وأمكنهم الإسراع

حتى سبقوا إلى ماءَ بَدْرٍ، وأصاب المشركين من ذلك المَطَرَ ما صَعَّبَ عليهم طريقهم، فسر المؤمنون، وتبينوا من فِعْلِ اللَّه بهم ذلك قَصْدَ المعونة لهم، فطابت نفوسهم، واجتمعت، وتَشَجَّعَتْ، فذلك الرَّبْطُ على قلوبهم، وتثبيت أقدامهم على الرملة اللَّيِّنَةِ.

والضمير في «به» على هذا الاحتمال عَائِدٌ على الماء، ويحتمل عَوْدُهُ على رَبْطِ القلوب، ويكون تثبيت/ الأقدام عِبَارَةً عن النصر والمعونة في مَوْطِنِ الحَرْبِ، ونزول الماء كان في الزمن قبل تَغْشِيَةِ النعاس، ولم يترتب كذلك في الآية، إذ القَصْدُ فيها تَعْدِيدُ النعم فقط.

وقوله سبحانه: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا وتثبيتهم يكون بقتالهم، وبحضورهم، وبأقوالهم المُؤْنِسَةِ، ويحتمل أن يكون التَّثْبِيتُ بما يلقيه المَلَكُ في القلب بِلَمَّتِهِ من تَوَهُّمِ الظَّفَرِ، واحتقار الكفار، وبخواطر تشجعه.

قال ع «١» : ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وعلى هذا التأويل يجيء قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ مخاطبة للملائكة، ويحتمل أن يكون مخاطبة للمؤمنين.

وقوله سبحانه: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ قال عكرمة: هي على بابها، وأراد الرؤوس «٢» ، وهذا أنبل الأقوال.

قال ع»

: ويحتمل عندي أن يريد وَصْفَ أبْلَغِ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فَوْقَ عَظْمِ العنق دون عَظْمِ الرأس في المفصل، كما وصف دريد بن الصِّمَّة «٤» ، فيجيء على هذا فوق الأَعْنَاقِ متمكناً.

والبَنَان: قالت فرقة: هي المَفَاصِلُ حيث كانت من الأعضاء.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: " إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَة مِنهُ " قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى مَعْنى: وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى، في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرُوا إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "إذْ يَغْشاكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وجَزْمِ الغَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وألِفِ "النُّعاسُ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُغَشِّيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ مُشَدَّدَةَ الشِّينِ مَكْسُورَةً "النُّعاسَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ نافِعٌ "يُغْشِيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وجَزْمِ الغَيْنِ وكَسْرِ الشِّينِ النُّعاسَ بِالنَّصْبِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الكَلامُ راجِعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ.

قالَ الزَّجّاجُ: "وَأمَنَةً" مَنصُوبٌ: مَفْعُولٌ لَهُ، كَقَوْلِكَ: فَعَلْتَ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ.

يُقالُ: أمِنتَ آَمَنَ أمْنًا وأمانًا وأمَنَةً.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أمَنَةً مِنهُ" بِسُكُونِ المِيمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَ النَّبِيُّ  يَوْمَ بَدْرٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ رَمْلَةٌ، وغَلَبَهُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَأصابَ المُسْلِمِينَ الظَّمَأُ، وجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ، وألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الوَسْوَسَةَ، يَقُولُ: تَزْعُمُونَ أنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ، وقَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، فَشَرِبُوا وتَطَهَّرُوا، واشْتَدَّ الرَّمْلُ حِينَ أصابَهُ المَطَرُ، وأزالَ اللَّهُ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وهو وسْواسُهُ، حَيْثُ قالَ: قَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ.» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِجْزُ الشَّيْطانِ: كَيْدُهُ، حَيْثُ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ساءَهم عَدَمُ الماءِ عِنْدَ فَقْرِهِمْ إلَيْهِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ السَّماءَ، فَزالَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ الَّتِي تُكْسِبُ عَذابَ اللَّهِ وغَضَبَهُ، إذِ الرِّجْزُ: العَذابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ الرَّبْطُ: الشَّدُّ.

و"عَلى" في قَوْلِ بَعْضِهِمْ صِلَةٌ، فالمَعْنى: ولِيَرْبِطَ قُلُوبَكم.

وفي الَّذِي رَبَطَ بِهِ قُلُوبَهم وقَوّاها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَطَرُ الَّذِي أرْسَلَهُ يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَهم بَعْدَ اضْطِرابِها بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الماءِ؛ فَإنَّ الأرْضَ كانَتْ رَمَلَةً، فاشْتَدَّتْ بِالمَطَرِ، وثَبَتَتْ عَلَيْها الأقْدامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرَّبْطِ، فالمَعْنى: ويُثَبِّتُ بِالرَّبْطِ الأقْدامَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ يُغَشِّيكُمُ النُعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عنكم رِجْزَ الشَيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ ﴿ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ العامِلُ في "إذْ" هو العامِلُ الَّذِي عَمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ  ﴾ بِتَقْدِيرِ تَكْرارِهِ، لِأنَّ الِاشْتِراكَ في العامِلِ الأوَّلِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ إلّا بِحَرْفِ عَطْفٍ، وإنَّما القَصْدُ أنْ يُعَدِّدَ نِعَمَهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ في يَوْمِ بَدْرٍ فَقالَ: "واذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا كَذا".

وَقالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعَ احْتِمالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، ولَوْ جُعِلَ العامِلُ في "إذْ" شَيْئًا قَرِيبًا مِمّا قَبْلَها لَكانَ الأولى في ذَلِكَ أنْ يَعْمَلَ في "إذْ" "حَكِيمٌ"، لِأنَّ إلْقاءَ النُعاسِ عَلَيْهِمْ وجَعْلَهُ أمَنَةً حِكْمَةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ نافِعٌ: "يُغْشِيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الغَيْنِ.

وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي حَفْصٍ، وابْنِ نَصاحٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "يُغَشِّيكُمْ" بِفَتْحِ الغَيْنِ وشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وهي قِراءَةُ عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وغَيْرِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يَغْشاكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وألِفٍ بَعْدَ الشِينِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأهْلِ مَكَّةَ "النُعاسُ" بِالرَفْعِ.

وحُجَّةُ مَن قَرَأ "يَغْشاكُمْ" إجْماعُهم في آيَةِ (أُحُدٍ) عَلى ﴿ يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ  ﴾ ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ "يُغَشِّيكُمْ" أنْ يَجِيءَ الكَلامُ مُتَّسِقًا مَعَ "يُنَزِّلُ"، ومَعْنى "يُغَشِّيكُمُ": يُغَطِّيكم بِهِ ويُفْرِغُهُ عَلَيْكُمْ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ.

والنُعاسَ: أخَفُّ النَوْمِ، وهو الَّذِي قَدْ يُصِيبُ الإنْسانَ وهو واقِفٌ أو ماشٍ، ويَنُصُّ عَلى ذَلِكَ قَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم إنَّما كانَ بِهِمْ خَفْقٌ في الرُؤُوسِ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "إذا نَعَسَ أحَدُكم في صَلاتِهِ"،» ويَنُصُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وسْنانُ أقْصَدَهُ النُعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ وَقَوْلُهُ: ﴿ أمَنَةً ﴾ مَصْدَرٌ مِن أمِنَ الرَجُلُ يَأْمَنُ أمْنًا وأمَنَةً وأمانًا، والهاءُ فِيها لِتَأْنِيثِ المَصْدَرِ كَما هي في المَساءَةِ والمَشَقَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أمْنَةً" بِسُكُونِ المِيمِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: "النُعاسُ عِنْدَ حُضُورِ القِتالِ عَلامَةُ أمْنٍ مِنَ العَدُوِّ، وهو مِنَ اللهِ، وهو في الصَلاةِ مِنَ الشَيْطانِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا طَرِيقُهُ الوَحْيُ فَهو لا مَحالَةَ إنَّما يُسْنِدُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَماءِ ماءً ﴾ تَعْدِيدٌ أيْضًا لِهَذِهِ النِعْمَةِ في المَطَرِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرِهِ، وقالَهُ الزَجّاجُ -: إنَّ لْكَفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بَدْرٍ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهُمْ، فَوَجَسَتْ نُفُوسُهم وعَطِشُوا وأجْنَبُوا وصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم في نُفُوسِهِمْ -بِإلْقاءِ الشَيْطانِ إلَيْهِمْ-: نَزْعُمُ أنّا أولِياءُ اللهِ وفِينا رَسُولُ اللهِ  وحالُنا هَذِهِ والمُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَأنْزَلَ اللهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ السابِعَةَ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ حَتّى سالَتِ الأودِيَةُ، فَشَرِبَ الناسُ وتَطَهَّرُوا وسَقَوُا الظَهْرَ، وتَدَمَّثَتِ السَبْخَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ حَتّى ثَبَتَتْ فِيها أقْدامُ المُسْلِمِينَ وقْتَ القِتالِ، وكانَتْ قَبْلَ المَطَرِ تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ، فَلَمّا نَزَلَ الطَشُّ تَلَبَّدَتْ، قالُوا: فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ أيْ: مِنَ الجَنابَةِ ﴿ وَيُذْهِبَ عنكم رِجْزَ الشَيْطانِ ﴾ أيْ: عَذابَهُ لَكم بِوَساوِسِهِ المُتَقَدِّمَةِ الذِكْرِ.

والرِجْزُ: العَذابُ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "رِجْسَ" بِالسِينِ، أيْ: وساوِسَهُ الَّتِي تُمْقَتُ وتُتَقَذَّرُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رِجْزَ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَيُذْهِبْ" بِجَزْمِ الباءِ.

﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ أيْ: بِتَنْشِيطِها وإزالَةِ الكَسَلِ عنها وتَشْجِيعِها عَلى العَدُوِّ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "رابِطُ الجَأْشِ"، أيْ: ثابِتُ النَفْسِ عِنْدَ جَأْشِها في الحَرْبِ، ﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ أيْ: في الرَمْلَةِ الدَهْسَةِ الَّتِي كانَ المَشْيُ فِيها صَعْبًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ مِنَ القَوْلِ -وَهُوَ الَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِها- أنَّ المُؤْمِنِينَ سَبَقُوا إلى الماءِ بِبَدْرٍ، وفي هَذا كَلامُ حُبابِ بْنِ المُنْذِرِ الأنْصارِيِّ «حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ  عَلى أوَّلِ ماءٍ، فَقالَ لَهُ حُبابٌ: "أبِوَحْيٍ يا رَسُولَ اللهِ هو المَنزِلُ فَلَيْسَ لَنا أنْ نَتَقَدَّمَهُ ولا نَتَأخَّرَ عنهُ أمْ هو عِنْدَكَ الرَأْيُ والمَكِيدَةُ؟"» الحَدِيثُ المُسْتَوْعَبُ في السِيرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَكِنَّ نُزُولَ المَطَرِ كانَ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلى الماءِ، وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَحِقَتْهم في سَفَرِهِمُ الجَناباتُ وعَدِمُوا الماءَ قَرِيبَ بَدْرٍ فَصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَوَقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ، ووَسْوَسَ الشَيْطانُ لَهم في ذَلِكَ مَعَ تَخْوِيفِهِ لَهم مِن كَثْرَةِ العَدُوِّ وقَتْلِهِمْ، وهَذا قَبْلَ التَرائِي بِالأعْيُنِ، وأيْضًا فَكانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ ماءِ بَدْرٍ مَسافَةٌ طَوِيلَةٌ مِن رَمْلٍ دَهِسٍ لَيِّنٍ تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ، وكانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَسْبِقَهُمُ الكُفّارُ إلى ماءِ بَدْرٍ فَتَحَرَّضُوا هم أنْ يَسْبِقُوهم إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللهُ تِلْكَ المَطَرَةَ فَسالَتِ الأودِيَةُ فاغْتَسَلُوا وطَهَّرَهُمُ اللهُ فَذَهَبَ رِجْزُ الشَيْطانِ، ودَمِثَتِ الطَرِيقُ وتَلَبَّدَتْ تِلْكَ الرَمْلَةُ فَسَهُلَ المَشْيُ فِيها وأمْكَنَهُمُ الإسْراعُ حَتّى سَبَقُوا إلى الماءِ، ووَقَعَ في السِيرَةِ أنَّ ما أصابَ المُشْرِكِينَ مِن ذَلِكَ المَطَرِ بِعَيْنِهِ صَعَّبَ عَلَيْهِمْ طَرِيقَهُمْ، فَسُرَّ المُؤْمِنُونَ وتَبَيَّنُوا مِن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ قَصْدَ المَعُونَةِ لَهم فَطابَتْ نُفُوسُهُمْ، واجْتَمَعَتْ وتَشَجَّعَتْ، فَذَلِكَ الرَبْطُ عَلى قُلُوبِهِمْ وتَثْبِيتُ الأقْدامِ مِنهم عَلى الرَمْلَةِ اللَيِّنَةِ، فَأمْكَنَهم لِحاقُ الماءِ قَبْلَ المُشْرِكِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا أحَدُ ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عائِدٌ عَلى الماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بِهِ" عَلى رَبْطِ القُلُوبِ، فَيَكُونُ تَثْبِيتُ الأقْدامِ عِبارَةً عَنِ النَصْرِ والمَعُونَةِ في مَوْطِنِ الحَرْبَشِ وبَيَّنَ أنَّ الرابِطَ الجَأْشِ تَثْبُتُ قَدَمُهُ عِنْدَ مُكافَحَةِ الهَوْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونُزُولُ الماءِ كانَ في الزَمَنِ قَبْلَ تَغْشِيَةِ النُعاسِ ولَمْ يَتَرَتَّبْ ذَلِكَ في الآيَةِ إذِ القَصْدُ فِيها تَعْدِيدُ النِعَمِ فَقَطْ، وحَكى أبُو الفَتْحِ أنَّ الشَعْبِيَّ قَرَأ "وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَماءِ ما" ساكِنَةَ الألِفِ ﴿ لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ قالَ: وهي بِمَعْنى: الَّذِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ ابْنُ المُسَيِّبِ: "لِيُطَهِّرَكُمْ" بِسُكُونِ الطاءِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ ﴾ الآيَةُ، العامِلُ في "إذْ" العامِلُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، ولَوْ قَدَّرْناهُ قَرِيبًا لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُثَبِّتَ ﴾ عَلى تَأْوِيلِ عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى الرَبْطِ، وأمّا عَلى عَوْدِهِ عَلى الماءِ فَيُقْلِقُ أنْ تَعْمَلَ "وَيُثَبِّتَ" في "إذْ".

ووَحْيُ اللهِ إلى المَلائِكَةِ إمّا بِإلْهامٍ أو بِإرْسالِ بَعْضٍ إلى بَعْضٍ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُ- "إنِّي مَعَكُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ إيجادِ القِصَّةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِـ "يُوحِي"، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّ الوَحْيَ في مَعْنى القَوْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَثَبِّتُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالقِتالِ مَعَهم عَلى ما رُوِيَ.

ويَحْتَمِلُ بِالحُضُورِ في حَيِّزِهِمْ والتَأْنِيسِ لَهم بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَثَبِّتُوهم بِأقْوالٍ مُؤْنِسَةٍ مُقَوِّيَةٍ لِلْقَلْبِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ كانَ في صُورَةِ الآدَمِيِّينَ، فَكانَ أحَدُهم يَقُولُ لِلَّذِي يَلِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ: لَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ الكُفّارَ قالُوا: "لَئِنْ حَمَلَ المُسْلِمُونَ عَلَيْنا لَنَنْكَشِفَنَّ"، ويَقُولُ آخَرُ: ما أرى الغَلَبَةَ والظَفَرَ إلّا لَنا.

ويَقُولُ آخَرُ: أقْدِمْ يا فُلانُ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ المُثَبَّتَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَثْبِيتُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ما يُلْقِيهِ المَلَكُ في قَلْبِ الإنْسانِ بِلَمَّتِهِ مِن تَوَهُّمِ الظَفَرِ واحْتِقارِ الكُفّارِ، ويَجْرِي عَلَيْهِ مِن خَواطِرِ تَشْجِيعِهِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ مُطابَقَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ ﴾ ، وإنْ كانَ إلْقاءُ الرُعْبِ يُطابِقُ التَثْبِيتَ عَلى أيِّ صُورَةٍ كانَ التَثْبِيتُ، ولَكِنَّهُ أشْبَهُ بِهَذا إذْ هي مِن جِنْسٍ واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عن صُورَةِ الحالِ، كَما تَقُولُ -إذا وصَفْتَ حَرْبًا- لِمَن تُخاطِبُهُ: "لَقِينا القَوْمَ وهَزَمْناهُمْ، فاضْرِبْ بِسَيْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ واقْتُلْ وخُذْ أسِيرَكَ"، أيْ هَذِهِ كانَتْ صِفَةَ الحالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "سَأُلْقِي" إلى آخِرِ الآيَةِ خَبَرًا يُخاطِبُ بِهِ المُؤْمِنِينَ عَمّا يَفْعَلُهُ في الكُفّارِ في المُسْتَقْبَلِ كَما فَعَلَهُ في الماضِي، ثُمَّ أمَرَهم بِضَرْبِ الرِقابِ والبَنانِ تَشْجِيعًا لَهم وحَضًّا عَلى نُصْرَةِ الدِينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ "الرُعُبَ" بِضَمِّ العَيْنِ، والناسُ عَلى تَسْكِينِها.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ فَقالَ الأخْفَشُ: "فَوْقَ" زِيادَةٌ، وحَكاهُ الطَبَرِيُّ عن عَطِيَّةَ أنَّ المَعْنى: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، وقالَ غَيْرُهُ: هي بِمَعْنى: عَلى، وقالَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي عَلى بابِها وأرادَ الرُؤُوسَ إذْ هي فَوْقَ الأعْناقِ.

وقالَ المُبَرِّدُ: وفي هَذا إباحَةُ ضَرْبِ الكافِرِ في الوَجْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ أنْبَلُها.

ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ وصْفَ أبْلَغِ ضَرَباتِ العُنُقِ وأحْكَمِها، وهي الضَرْبَةُ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ عَظْمِ العُنُقِ ودُونَ عَظْمِ الرَأْسِ، في المَفْصِلِ.

ويُنْظَرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ الجُشَمِيِّ لِابْنِ الدُغُنَّةِ السُلَمِيِّ حِينَ قالَ لَهُ: "خُذْ سَيْفِي وارْفَعْ بِهِ عَنِ العَظْمِ واخْفِضْ عَنِ الدِماغِ فَهَكَذا كُنْتُ أضْرِبُ أعْناقَ الأبْطالِ"، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَعَلْتُ السَيْفَ بَيْنَ الجِيدِ مِنهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَيْنَأسِيلِ خَدَّيْهِ عِذارا فَيَجِيءُ عَلى هَذا ﴿ فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ مُتَمَكِّنًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "فَوْقَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: دُونَ.

وهَذا خَطَأٌ بَيِّنٌ، وإنَّما دَخَلَ عَلَيْهِ اللَبْسُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها  ﴾ أيْ: فَما دُونَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتْ "فَوْقَ" هُنا بِمَعْنى دُونَ، وإنَّما المُرادُ: فَما فَوْقَها في القِلَّةِ والصِغَرِ، فَأشْبَهَ المَعْنى دُونَ، والبَنانُ: قالَتْ فِرْقَةٌ: هي المَفاصِلُ حَيْثُ كانَتْ مِنَ الأعْضاءِ، فالمَعْنى عَلى هَذا: "واضْرِبُوا مِنهم في كُلِّ مَوْضِعٍ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: البَنانُ: الأصابِعُ، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ -وَإنْ كانَ الضَرْبُ في كُلِّ مَوْضِعٍ مُباحًا- فَإنَّما قُصِدَ أبْلَغُ المَواضِعِ لِأنَّ المُقاتِلَ إذا قُطِعَ بَنانُهُ اسْتَأْسَرَ ولَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِن أعْضائِهِ في مُكافَحَةٍ وقِتالٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائِل عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، فقَرَنَها، في قَرَن زمانها، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة إذْ الزمانية، وهذا من أبدع التخلص، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب.

ولذلك فالوجه أن يكون هذا الظرف مفعولاً فيه لقوله: ﴿ ومَا النصر ﴾ [الأنفال: 10] فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر، فلا جرم أن يكون وقت حُصوله طرفاً للنصر.

والغَشْيُ والغشيان كون الشيء غاشياً أي غاماً ومغطياً، فالنوم يغطي العَقل.

والنعاسُ النوم غير الثقيل، وهو مثل السَّنة.

وقرأ نافع، وأبو جعفرُ: ﴿ يُغْشِيكم ﴾ ، بضم التحتية وسكون الغين وتخفيف الشين بعدها ياء مضارع أغشاه وبنصب ﴿ النعاسَ ﴾ والتقدير: إذ يغشيكم الله النعاسَ، والنعاس مفعول ثاني ليغشي بسبب تعدية الهمزة وقرأه ابنُ كثير، وأبو عمرو: بفتح التحتية وفتح الشين بعدها ألف، وبرفع النعاس، على أن يغشاكم مضارع غشي والنعاس فاعل، وقرأه الباقون: بضم التحتية وفَتح الغين وتشديد الشين ونصب النعاس، على أنه مضارع غشاه المضاعف والنعاس مفعول ثان.

فإسناد الإغشاء أو التغشية إلى الله لأنه الذي قدر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، ولا يكون عامّاً سائرَ الجيش، فهو نوم منحهم الله إياه لِفائِدتهم.

وإسناد الغشي إلى النعاس حقيقة على المتعارف وقد علم أنه من تقدير الله بقوله ﴿ أمنة منه ﴾ .

و (الأمنة) الأمن، وتقدم في آل عمران، وهو منصوب على المفعول لأجله على قراءة من نصب (النعاس)، وعلى الحال على قراءة من رفع (النعاس).

وإنما كان (النعاس) أمناً لهم لأنهم لمّا ناموا زال أثر الخوف من نفوسهم في مدة النوم فتلك نعمة، ولما استيقظوا وجدوا نشاطاً، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة ويزيل شعور الخوف الذي هو فتور الأعصاب.

وصيغة المضارع في ﴿ يُغشيكم ﴾ لاستحضار الحالة.

و (مِنْ) في قوله: ﴿ منه ﴾ للابتداء المجازي، وهو وصف ل (أمنة) لإفادة تشريف ذلك النعاس وأنه وارد من جانب القُدس، فهو لطْف وسكينة ورحمة ربَانية، ويتأكد به إسناد الإغشاء إلى الله، على قراءة من نصبوا (النعاس)، تنبيهاً على أنه إسناد مخصوص، وليس الإسناد الذي يعم المقدورات كلها، وعلى قراءة من رفعوا (النعاس) يكون وصف الأمنة بأنها منه سارياً إلى الغَشي فيعلم أنه غشي خاص قُدسي، وليس مثل سائِر غشيان النعاس فهو خارق للعادة كان كرامة لهم وقد حصل ذلك للمسلمين يومَ بدر كما هو صريح هذه الآية وحصل النعاس يوم أُحُد لطائفة من الجيش قال تعالى: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم ﴾ وتقدم في سورة آل عمران (154)، وفي صحيح البخاري عن أبي طلحة قال: «كنتُ فيمن تَغَشّاه النعاس يومَ أُحُد حتى سَقط سيفي من يدي مراراً» وذكر الله مِنةٌ أخرى جاءت في وقت الحاجة: وهي أنه أنزل عليهم المَطر يوم بَدر، فإسناد هذا الإنزال إلى الله تعالى للتنبيه على أنه أكرمهم به وذلك لكونه نزل في وقت احتياجهم إلى الماء، ولعله كان في غير الوقت المعتاد فيه نزول الأمطار في أُفُقِهم، قال أهل السير: كان المسلمون حين اقتربوا من بدر راموا أن يسبقوا جيش المشركين إلى ماء بدر، وكان طريقهم دَهْساء أي رملاً ليناً، تسوخ فيه الأرجل فشق عليهم إسراع السير إلى الماء وكانت أرض طريق المشركين ملبدة، فلما أنزل الله المطر تلبدت الأرض فصار السير أَمكن لهم، واستوحلتْ الأرض للمشركين فصار السير فيها متعباً، فأمكن للمسلمين السبق إلى الماء من بدر ونزلوا عليه وادخروا ماء كثيراً من ماء المطر، وتطهروا وشربوا، فذلك قوله تعالى: ﴿ ليطهّركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ﴾ .

و (الرجز) القَذَر، والمراد الوسخ الحِسي وهو النجس، والمعنوي المعبر عنه في كتب الفقه بالحَدَث.

والمراد الجنابة، وذلك هو الذي يعم الجيش كله فلذلك قال: ﴿ ويذهب عنكم رجز الشيطان ﴾ ، وإضافته إلى الشيطان لأن غالب الجيش لما ناموا احتلموا فأصبحوا على جنابة وذلك قد يكون خواطر الشيطان يخيلها للنائِم ليفسد عليه طهارته بدون اختيار طمعاً في تثاقله عن الاغتسال حتى يخرج وقت صلاة الصبح، ولأن فقدان الماء يلجئهم إلى البقاء في تنجس الثياب والأجساد والنجاسة تلائم طبع الشيطان.

وتقدير المجرور في قوله: ﴿ عنكم رجز الشيطان ﴾ للرعاية على الفاصلة، لأنها بنيت على مد وحرف بعده في هذه الآيات والتي بعدها مع ما فيه من الاهتمام بهم.

وقوله: ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ أي يؤمنّكم بكونكم واثقين بوجود الماء لا تخافون عطشاً وتثبيت الأقدام هو التمكن من السير في الرمل، بأن لا تسوخ في ذلك الدهس الأرجل، لأن هذا المعنى هو المناسب حصوله بالمطر.

و (الربط) حقيقته شد الوثاق على الشي وهو مجاز في التثبيت وإزالة الاضطراب ومنه قولهم: فُلان رابط الجأش وله رباطة جَأش.

و ﴿ على ﴾ مستعارة لتمكن الربط فهي ترشيح للمجاز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ  وكَثِيرًا مِن أصْحابِهِ غَشِيَهُمُ النُّعاسُ بِبَدْرٍ.

قالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: النُّعاسُ يَحِلُّ في الرَّأْسِ مَعَ حَياةِ القَلْبِ، والنَّوْمُ يَحِلُّ في القَلْبِ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ الرَّأْسِ، فَهَوَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى نامُوا فَبَشَّرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ  بِالنَّصْرِ فَأخْبَرَ بِهِ أبا بَكْرٍ.

وَفي امْتِنانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ.

الثّانِي: أنْ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، كَما قالَ: الأمْنُ مُنِيمٌ، والخَوْفُ مُسْهِرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَنَةً مِنهُ ﴾ يَعْنِي بِهِ الدَّعَةَ وسُكُونَ النَّفْسِ مِنَ الخَوْفِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمَنَةٌ مِنَ العَدُوِّ.

الثّانِي: أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءَ السَّماءِ مَعُونَةً لَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: الشُّرْبُ وإنْ كانُوا عَلى ماءٍ.

الثّانِي: وهو أخَصُّ أحْوالِهِ بِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ وهو أنَّ الرَّمْلَ تَلَبَّدَ بِالماءِ حَتّى أمْكَنَ المُسْلِمِينَ القِتالُ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن حالِ التَّطْهِيرِ.

وَفي تَطْهِيرِهِمْ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ الَّتِي ألْقى بِها في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّانِي: مِنَ الأحْداثِ والأنْجاسِ الَّتِي نالَتْهم، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءً طَهَّرَ بِهِ ظَواهِرَ أبْدانِهِمْ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً نَقّى بِها سَرائِرَ قُلُوبِهِمْ.

وَإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأمْرَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها أخَصُّ صِفاتِهِ.

والثّانِي: أنَّها ألْزَمُ صِفاتِهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وسْوَسَتُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ غَلَبُوهم عَلى الماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كَيْدُهُ وهو قَوْلُهُ: لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ثِقَةٌ بِالنَّصْرِ.

والثّانِي: بِاسْتِيلائِهِمْ عَلى الماءِ.

﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالصَّبْرِ الَّذِي أفْرَغَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَثْبُتُوا لِعَدُوِّهِمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: تَلْبِيدُ الرَّمْلِ بِالمَطَرِ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ مَعْناهُ مُعِينُكم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ إنِّي مَعَكم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ تَعالى مُتَوَلِّي النَّصْرِ بِما ألْقاهُ مِنَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ.

﴿ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَثَبِّتُوهم بِحُضُورِكم مَعَهم في الحَرْبِ.

والثّانِي: بِقِتالِكم مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: بِإخْبارِهِمْ أنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ.

﴿ سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ يَعْنِي الخَوْفَ، ويَحْتَمِلُ أحَدَ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّعْبِ بِتَخاذُلِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتَكْثِيرِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ.

وَفي ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ مَعُونَةً لَهم.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُ لِيُثَبِّتُوا بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا.

﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ في الكَلامِ، قالَهُ عَطِيَّةُ والضَّحّاكُ.

وَقَدْ رَوى المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذابِ اللَّهِ وإنَّما بُعِثْتُ بِضَرْبِ الأعْناقِ وشَدِّ الوَثاقِ» .

والثّانِي: مَعْناهُ واضْرِبُوا الرُّؤُوسَ فَوْقَ الأعْناقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.

والرّابِعُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.

والخامِسُ: فاضْرِبُوا فَوْقَ جِلْدَةِ الأعْناقِ.

﴿ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ يَعْنِي المَفاصِلَ مِن أطْرافِ الأيْدِي والأرْجُلِ والبَنانِ: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت الشجرة حتى أصبح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يغشاكم النعاس أمنة منه ﴾ قال: بلغنا أن هذه الآية أنزلت في المؤمنين يوم بدر، فيما أغشاهم الله من النعاس أمنة منه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أمنة ﴾ قال: أمنا من الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: النعاس في الرأس، والنوم في القلب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كان النعاس أمنة من الله، وكان النعاس نعاسين.

نعاس يوم بدر، ونعاس يوم أحد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ قال: طس كان يوم بدر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ قال: المطر: أنزله عليهم قبل النعاس فاطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم.

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهساً، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد الأرض ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشاً ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمئ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين فكانت بينهم رمال، فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال: أتزعمون أن فيكم نبياً وإنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين؟

فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء، فشرب المسلمون وتطهروا وثبتت أقدامهم وذهبت وسوسته.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ رجز الشيطان ﴾ قال: وسوسته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ قال: بالصبر ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ قال: كان ببطن الوادي دهاس، فلما مطر اشتد الرملة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ قال: حتى يشتد على الرمل، وهو وجه الأرض.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تلك الليلة ليلة بدر، ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد، وأصابهم تلك الليلة مطر شديد، فذلك قوله: ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ ﴾ .

قال الزجاج: (إذ) موضعها نصب على معنى: وما جعله الله إلا بشرى في ذلك الوقت، قال: ويجوز أن تكون على (١) (٢) (٣) واختلف القراء في ﴿ يُغَشِّيكُمُ ﴾ فقرؤوا (٤) (٥) ﴿ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى  ﴾ فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس أو الأمنة التي هي سبب النعاس؛ كذلك في هذه الآية، ومن قرأ (يُغْشِيكم) أو (يُغَشّيكم) فالمعنى واحد، وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى: ﴿ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ  ﴾ وقال ﴿ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى  ﴾ وقال: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ  ﴾ ،وإسناد الفعل في هذا إلى الله تعالى أشبه بما بعده من قوله (وينزل) (ويذهب).

وقوله ﴿ أَمَنَةً ﴾ منصوب مفعول له كقولك: فعلت ذلك حذر الشر، والتأويل: إن الله جل وعز أمنهم أمنًا حتى غشيهم النعاس بما وعدهم من النصر (٦) قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنةً من الله، وفي الصلاة من الشيطان (٧) وغشيان النعاس أصحاب بدر، كغشيانه إياهم يوم أُحد، وقد ذكرنا الكلام فيه وفي قوله ﴿ أَمَنَةً ﴾ ، في سورة آل عمران.

وقوله تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر أهل التفسير (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ أي من الأحداث والجنابة، ﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ﴾ أي وسوسته التي تكسب عذاب الله وغضبه، ولذلك سمى الوسوسة رجزًا (١١) (١٢) (١٣) وقال عطاء: رجز الشيطان: تخويفه إياهم بالعطش (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ﴾ قال ابن عباس: باليقين والعز والنصر (١٥) ﴿ وَرَابِطُواْ  ﴾ ويقال: لكل من صبر عل أمر: ربط قلبه، كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب، ويقال: رجل رابط الجأش، قال الأصمعي: هو الذي يربط نفسه يكفها بجرأته (١٦) (١٧) رابط الجأش على كل وجل (١٨) ويشبه أن يكون (على) هاهنا صلة، والمعنى وليربط قلوبكم بالصبر (١٩) وقوله (٢٠) ﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ قال المفسرون: وذلك أن المسلمين كانوا [قد نزلوا] (٢١) (٢٢) قال الزجاج: وجائز أن يكون (به): بالربط؛ لأن (يربط) يدل عليه، فكأنه قال: ويثبت بالربط أقدامكم (٢٣) (١) عبارة الزجاج هكذا: ويجوز على أن يكون.

(٢) في (ح) و (س): (يغشاكم)، وما في (م) موافق للمصدر التالي.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 403.

(٤) في (ج): (فقريء).

(٥) إذا كان الفعل (غشي) فالقراءة (يغشاكم)، وإذا كان الفعل (أغشى) فالقراءة (يُغْشِيكم)، وإذا كان الفعل (غشى) فالقراءة (يُغَشّيكم) والقراءة الأولى لابن كثير وأبي عمرو، والثانية لنافع، والثالثة لعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي.

انظر: "التبصرة في القراءات" ص 221، و"تقريب النشر" ص 118، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 236.

(٦) التعليل بأن الأمن بسبب وعدهم بالنصر يحتاج إلى دليل ولم أجده، ويشكل على == هذا التعليل نزول الأمن عليهم بعد معركة أحد كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا  ﴾ ، ثم إن التعبير بقوله (أمنة منه) في قصة بدر، وبقوله: ﴿ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ ﴾ في قصة أحد ما يؤكد أن الأمن فيض من الله، ونفحة من نفحات رحمته على عباده المؤمنين سواء وعدوا بالنصر أم لم يوعدوا.

(٧) رواه ابن جرير 9/ 193 - 194، والسمرقندي 2/ 9، والثعلبي 6/ 42 ب، والبغوي 3/ 334.

(٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 13/ 412 - 426، والثعلبي 6/ 43 أ، و"الدر المنثور" 4/ 32، 33.

(٩) في (ج): (إليه).

(١٠) تضاربت الروايات فيمن غلب على الماء، فالمشهور أن المسلمين غلبوا عليه، وصنعوا حوضًا كبيرًا، وقد روى ذلك البيهقي في "دلائل النبوة" 2/ 321 عن ابن شهاب وعروة بن الزبير وعاصم بن عمر وموسى بن عقبة، ورواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 2/ 259 - 260 عن رجال من بني سلمة، وكلا الإسنادين غير متصل.

وروى ابن جرير 9/ 195 عن ابن عباس أن المشركين هم الذين غلبوا على الماء، == لكن سند هذه الرواية مسلسل بالضعفاء، وهم أسرة العوفي، انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 263 حاشية (1)، وقد أبدع المحقق في بيان ذلك.

وهناك رواية أخرى عن ابن عباس عند ابن جرير 9/ 196 تفيد أن المشركين غلبوا على الماء أول الأمر، وسندها ضعيف أيضًا لأن أحد رجالها مدلس وهو ابن جريج، ولم يصرح بالتحديث.

انظر: "إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس" ص 37.

والذي صح عن ابن عباس ما رواه ابن جرير 9/ 195 من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: نزل النبي  يعني حين سار إلى بدر والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء ..

إلخ.

لكن هذه الرواية ليست نصًّا في غلبة المشركين على الماء لاحتمال وصول المسلمين إليه بعد نزول المطر، وأما قوله: (وقد غلبكم المشركون) فهو من وسوسة الشيطان لا حقيقة.

والله أعلم.

(١١) قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 471 الرجز: العذاب.

قال تعالى -حكايته عن قوم فرعون-: ﴿ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ  ﴾ أي العذاب، ثم قد يسمى كيد الشيطان رجزًا؛ لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ﴾ .

(١٢) البقرة: 59.

(١٣) انظر: "البحر المحيط" 5/ 283، و"تفسير الفخر الرازي" 15/ 138.

(١٤) لم أعثر عليه فيما بين يدي من مراجع.

(١٥) لم أجد من ذكره عن ابن عباس، وقد ذكر ابن الجوزي عنه أنه قال: بالصبر، انظر: "زاد المسير" 3/ 328.

(١٦) في "تهذيب اللغة": لجرأته.

(١٧) انظر: "تهذيب اللغة" (ربط) 2/ 1346.

(١٨) هذا عجز بيت وصدره: يُسْئِد السير عليها راكب انظر: "ديوانه" ص 176، ومعنى: يسئد: يغذّ ويسرع، كما في المصدر نفسه.

(١٩) في (م): (النصر)، واللفظ ساقط من (س).

(٢٠) من (م).

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٢٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 194، و"تفسير الثعلبي" 6/ 43 أ.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 404 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس ﴾ إذ بدل من إذ يعدكم أو منصوب بالنصر، أو بما عند الله من معنى النصر، أو بإضمار فعل تقديره: اذكر، ومن قرأ يغشيكم بضم الياء والتخفيف فهو من أغشى، ومن قرأ بالضم والتشديد فهو من غشّى المشدد، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين فنصب النعاس على أنه المفعول والثاني، والمعنى يغطيكم به فهو استعارة، من الغشاء، ومن قرأ بفتح الياء والشين فهو من غشى المتعدى إلى واحد أي ينزل عليكم النعاس ﴿ أَمَنَةً مِّنْهُ ﴾ أي أمناً، والضمير المجرور يعود على الله تعالى، وانتصاب أمنةً على أنه مفعول من أجله.

قال ابن مسعود: النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً ﴾ تعديدٌ لنعمة أخرى؛ وذلك أنهم عدموا الماء في غزوة بدر قبل وصولهم إلى بدر، وقيل: بعد وصولهم، فأنزل الله لهم المطر حتى سالت الأودية ﴿ لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ كان منهم من أصابته جنابة فتطهر بماء المطر، وتوضأ به سائرهم، وكانوا قبله ليس عندهم ماء للطهر ولا للوضوء ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ كان الشيطان قد ألقى في نفوس بعضهم وسوسة بسبب عدم الماء، فقالوا: نحن أولياء الله وفينا رسوله فكيف نبقى بلا ماء؟

فأنزل الله المطر، وأزال عنهم وسوسة الشيطان ﴿ وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ ﴾ أي يثبتها بزوال ما وسوس لها الشيطان وبتنشيطها وإزالة الكسل عنها ﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام ﴾ الضمير في به عائد على الماء، وذلك أنهم كانوا في رمله دعصة لا يثبت فيها قدم، فلما نزل المطر تلبدت وتدقت الطريق، وسهل المشي عليها والوقوف، وروي أن ذلك المطر بعينه صعّب الطريق على المشركين فتبين أن ذلك من لطف الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغشاكم النعاس ﴾ ابن كثير وأبو عمرو.

﴿ يغشيكم النعاس ﴾ من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ يغشكيم النعاس ﴾ من باب التفعيل.

ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر.

والآخرون: بالتشديد ﴿ رمى ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى.

﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس ﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالجر للإضافة: حفص.

الباقون ﴿ موهن ﴾ بالتشديد ﴿ كيد ﴾ بالنصب ﴿ وإن الله ﴾ بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.

الباقون: بالكسر.

الوقوف: ﴿ الإقدام ﴾ ه ط لتعلق "إذ" بمحذوف هو "اذكر".

﴿ الذين آمنوا ﴾ ط ﴿ كل بنان ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ الأوّل ج ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ط ﴿ قتلهم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ رمى ﴾ ج لاحتمال أن تكون الواو مقحمة واللام متعلقاً بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الفتح ﴾ ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف ﴿ خير لكم ﴾ ج لذلك ﴿ نعد ﴾ ج ﴿ كثرت ﴾ ط لمن قرأ "وإن" بالكسر ﴿ المؤمنين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف ﴿ إذ يغشيكم ﴾ "إذ" بدل ثانٍ من ﴿ إذ يعدكم ﴾ أو منصوب بالنصر أبو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا و ﴿ أمنة ﴾ مفعول لأجله ﴿ ومنه ﴾ صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله.

ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمناً لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً كما هو شريطة انتصاب المفعول له.

والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمناً.

وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيماناً منه.

وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل ﴿ يغشاكم ﴾ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران.

ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان.

وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص.

وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله ﴿ والرجز فاهجر  ﴾ وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة قد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة.

فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله ﴿ ويثبت به ﴾ أي بالماء ﴿ الأقدام ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله ﴿ ليربط على قلوبكم ﴾ والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفاً فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى "على" أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها.

قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين.

روي أن المطر نزل على الكافرين أيضاً ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعاً لهم من المشي والاستقرار.

فقوله ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك.

ومن جملة النعم قوله ﴿ إذ يوحي ربك ﴾ وهو بدل ثالث من ﴿ إذ يعدكم ﴾ ومنصوب بـ ﴿ يثبت ﴾ أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم.

وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار.

وقوله ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله ﴿ سألقي ﴾ ﴿ فاضربوا ﴾ ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة.

وثانيها: أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين.

وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر.

ومعنى ﴿ فوق الأعناق ﴾ أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد.

وقيل: أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق.

والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين.

ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء.

بوجه أخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً.

ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال.

وجوّز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ سألقي ﴾ إلى قوله ﴿ كل بنان ﴾ تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون وارداً على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟

فقيل: قولوا لهم قول سألقي.

فالضاربون على هذا هم المؤمنون ﴿ ذلك ﴾ العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم ﴿ بأنهم شاقوا ﴾ بسبب مشاقتهم ومخالفتهم ﴿ الله ورسوله ﴾ ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في الآجل فقال ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ﴾ أي له.

والكاف في ﴿ ذلك ﴾ للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيداً فاضربه.

قال في الكشاف: ﴿ وإن للكافرين ﴾ عطف على ﴿ ذلكم ﴾ في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى "مع" والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة.

فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب.

قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين.

وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة.

قوله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على أسته قبل أن يقوم، شَبَّهَ بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب.

فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا.

والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلاً عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمه نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشرألفاً.

وفي قوله ﴿ من يولهم يومئذ دبره ﴾ أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال ﴿ إلا متحرفاً لقتال ﴾ هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب ﴿ أو متحيزاً ﴾ أي منحازاً ﴿ إلى فئة ﴾ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.

وعلى هذا انتصب ﴿ متحرفاً ﴾ و ﴿ متحيزاً ﴾ على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أن التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاماً على أن الموصوف محذوف والتقدير: ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً.

ووزن متحيزاً "متفيعل" لأنه من حاز يحوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان "متفعلاً" لقيل "متحوزاً".

عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم.

والعكرة البكرة.

وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر.

واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة.

وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو.

وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله  كان حاضراً بنفسه، لأنه  وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء.

وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم.

والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن  قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها.

ولما طلعت قريش قال رسول الله  : "هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" فأتاه جبرائيل  فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: -لما التقى الجمعان - لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أثبت الرمية للرسول الله  لأن صورتها وجدت منه  ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية.

قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله  بتلك الحصباء فانهزمنا، وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي  يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله  فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله  ترقوه أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله  بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه.

وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ وليعطهم عطاء جميلاً فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك.

قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء ههنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله  يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات.

﴿ إن الله سميع ﴾ لكلامكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم.

وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور ﴿ ذلكم ﴾ الغرض أي الغرض ذلكم ﴿ وإن الله موهن كيد الكافرين ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ وأن للكافرين عذاب النار  ﴾ قال ابن عباس: ينبىء رسول الله  ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.

قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله  من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله  خطاباً لهم على سبيل التهكم ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت.

وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه.

وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر.

ثم خاطب الكفار بقوله ﴿ وأن تنتهوا ﴾ أي عن عداوة رسول الله  ﴿ فهو خير لكم ﴾ وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم.

وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم ﴿ وإن تعودوا ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نعد ﴾ إلى ترك نصرتكم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإن الله مع المؤمنين ﴾ تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك.

التأويل: ﴿ إذ يغشاكم النعاس أمنة ﴾ فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار ﴿ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم  ﴾ كذلك قال للخوف كن أمناً على محمد وأصحابه فكان ﴿ ينزل عليكم ﴾ من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني ﴿ ليطهركم به ﴾ من دنس الصفات النفسانية والحيوانية ﴿ ويذهب عنكم ﴾ وساوس الشيطان وهواجسه ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين ﴿ ويثبت بهالأقدام ﴾ على طريق الطلب ﴿ إني معكم فثبتوا ﴾ فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك.

﴿ إذا لقيتم الذين كفروا ﴾ إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب ﴿ إلا متحرفاً ﴾ إلا قلباً يتحرك ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله  مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال ﴿ ولكن ﴾ ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال ﴿ إذ رميت ﴾ لأن الله  كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حل عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى ﴿ وليبلى المؤمنين منه ﴾ فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام ﴿ إن تستفتحوا ﴾ أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ بالتجلي فأنه  متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون ﴿ وأن تنتهوا ﴾ عن طلب غير الله ﴿ فهو خير لكم وأن تعودوا ﴾ إلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿ نعد ﴾ إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها ﴿ ولن تغني عنكم ﴾ لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ويغشيه إلا بعد الأمن، فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف، ذكر عظيم ما من عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم والنعاس إنما يكون بعد الأمن، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر في بعض القصة أن المشركين سبقوا فأخذوا الماء؛ فبقي المسلمون في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى، فوسوس إليهم الشيطان أنهم لو كانوا على حق ما بلوا بمثل ذلك في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى؛ فأبدل الله مكان الخوف أمناً يأمنون به، وأنزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به ويشربون ويشدد به الرمل وتثبت أقدامهم، فذلك قوله: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ ﴾ قال أهل التأويل: [الرجز]: وسوسة الشيطان التي وسوس إليهم.

وقيل: الرجز: الإثم؛ أذهب ذلك عنهم؛ كقوله: ﴿ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - على المبالغة [في المنة أنه] أخبر أنه أنزل من السماء ماء فضل عن حوائجهم حتى وجدوا ماء لتطهير أنفسهم وأبدانهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان؛ ذكر السبب الذي به يذهب الرجز؛ لأن الرجز هو العذاب، فذكر الرجز والمراد منه سبب الرجز.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ ﴾ .

يحتمل: حقيقة تثبيت الأقدام.

ويحتمل: الثبات على ما هم عليه.

والربط: هو الشد لشيء، فيحتمل قوله: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ ﴾ أي شدها حتى لا يزول أحدهم عما هو فيه، ولا يزيع عن ذلك، وإن ابتلاه الله -  - بأنواع الشدائد والبلايا؛ ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ  ﴾ ، وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه؛ فهو - والله أعلم - عقوبة لهم لما اختاروا ذلك.

وقوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

قيل: وسوسة الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القنوط، ويوسوسهم، ويقول لهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر الله عليهم مطراً شديداً، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب عنهم رجز الشيطان، ونشف الرمل حين أصابه المطر، فمشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم، وأمدّ الله - عز وجل - نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، فذلك قوله: ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

الوحي [و] كان يسمى وحياً لسرعة قذفه في القلوب ووقوعه فيها؛ ولذلك سمى - والله أعلم - وساوس الشيطان: وحياً بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ  ﴾ ، أي: يقذفون في قلوبهم، ويدعونهم إلى أشياء من غير أن علموا بذلك أنه ممن جاء ذلك، وما سبب ذلك؛ لسرعة قذفه ووقوعه في القلوب، وكذلك سمى الإلهام وحياً لسرعة وقوعه في القلوب؛ قال -  -: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ  ﴾ .

وقيل: هو الإلهام؛ أي: ألهم النحل لتتخذ من الجبال بيوتاً، وقال - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ  ﴾ ، أخبر أن ليس له أن يكلمه إلا وحياً، وهو ما ألهمه، سمى وحياً لسرعة وقوعه في القلب وقذفه [فيه] على غير علم منهم أنه من أين كان؟

ومم كان.

وفيه دلالة أن غيراً هو الذي أخطر ذلك في القلوب وقذفه فيها، لا أنه يحدث ذلك بنفسه على غير إخطار أحد ولا قذفه، فإن كان ما قذف فيه خيراً فهو من الملك، وإن كان شرّاً فهو من قذف الشيطان ووسوسته؛ ففيه دليل ثبوت الملك والشيطان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنِّي مَعَكُمْ ﴾ .

[قيل: إني معكم] في النصر، والمعونة، ودفع العدو عنكم.

أو يقول: إني معكم في التوفيق.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ ﴾ أي: أخبر المؤمنين أني معكم بما ذكرنا من النصر والمعونة والدفع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

أمر ملائكته أن يثبتوا الذين آمنوا بالنصر لهم والأمن، بعد ما كانوا خائفين فشلين جبنين لما أجابوا ربهم، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، فأبدلهم الله مكان الخوف لهم أمناً، ومكان الضعف القوة والنصر، ومكان الذل العز، وأبدل المشركين مكان الأمن لهم خوفاً، ومكان العز الذل، ومكان الكثرة الضعف والفشل؛ فذلك - والله أعلم - [قوله]: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

جائز أن يكون نفس نزول الملائكة تثبيتهم؛ لأنهم سبب تثبيتهم، [أو ثبتهم] من غير أن علم المؤمنون بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ .

قال قائلون: قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ إذا ظفروا بهم ووقعوا في أيديهم، فعند ذلك يضرب فوق الأعناق، وهو الفصل الذي يبين الرأس بالضرب؛ لما نهى عن المثلة، وفي الضرب في غير ذلك مثلة.

ويحتمل قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ ، أي: اضربوا الأعناق وما فوق الأعناق.

﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ معناه - والله أعلم - أي: اضربوا على ما تهيأ لكم من الأطراف وغيرها.

وأما قوله: ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ في الحرب؛ لأنه لا سبيل في الحرب إلى أن يضرب ضرباً لا يكون مثلة؛ فكأنه قال: فاضربوا فوق الأعناق إذا قدرتم عليهم ووقعوا في أيديكم، ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ \[كيفما تقدرون\]، وحيثما تقدرون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ .

يعني - والله أعلم -: ذلك الضرب والقتل.

﴿ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ ﴾ .

أي: حاربوا الله ورسوله، والمشاقة: الخلاف؛ خالفوا الله ورسوله.

﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : له في الآخرة.

وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ .

أي: ذلكم العقاب والعذاب.

﴿ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .

بالخلاف لله ورسوله، والمحاربة معهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اذكروا -أيها المؤمنون- إذ يُلْقِي الله النعاس عليكم أمنًا مما حصل لكم من الخوف من عدوكم، وينزل عليكم مطرًا من السماء؛ ليطهركم من الأحداث، وليزيل عنكم وساوس الشيطان، وليثبِّت به قلوبكم لتثبت أبدانكم عند اللقاء، وليثبِّت به الأقدام بتلْبيد الأرض الرملية حتى لا تسيخ فيها الأقدام.

<div class="verse-tafsir" id="91.KvRw3"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده