الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله ( الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) ينبه بذلك على أعمالهم بعد ما ذكر اعتقادهم ، وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها ، وهو إقامة الصلاة ، وهو حق الله تعالى .
وقال قتادة : إقامة الصلاة : المحافظة على مواقيتها ووضوئها ، وركوعها ، وسجودها .
وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها ، وإسباغ الطهور فيها ، وتمام ركوعها وسجودها ، وتلاوة القرآن فيها ، والتشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا إقامتها .
.
والإنفاق مما رزقهم الله يشمل خراج الزكاة ، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب ، والخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه .
قال قتادة في قوله ( ومما رزقناهم ينفقون ) فأنفقوا مما أعطاكم الله ، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم ، أوشكت أن تفارقها .
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها, وينفقون مما رزقهم الله من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه، من زكاة وجهاد وحج وعمرة ونفقةٍ على من تجب عليهم نفقته, فيؤدُّون حقوقهم= " أولئك "، يقول: هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال (51) = " هم المؤمنون "، لا الذين يقولون بألسنتهم: " قد آمنا " وقلوبهم منطوية على خلافه نفاقًا, لا يقيمون صلاة ولا يؤدُّون زكاة.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: ------------------------- الهوامش : (51) انظر تفسير : " إقامة الصلاة " ، و " الرزق " ، و " النفقة " فيما سلف من فهارس اللغة ( قوم ) ، ( رزق ) ، ( نفق ) .
الذين يقيمون الصلاةمعطوف جملة على جملة .
وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها ; على ما يأتي بيانه .
يقال : قام الشيء أي دام وثبت , وليس من القيام على الرجل ; وإنما هو من قولك : قام الحق أي ظهر وثبت ; قال الشاعر : وقامت الحرب بنا على ساق وقال آخر : وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعانوقيل : " يقيمون " يديمون , وأقامه أي أدامه ; وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله : ( من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه , ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع .
) إقامة الصلاة معروفة ; وهي سنة عند الجمهور , وأنه لا إعادة على تاركها .
وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة ; وبه قال أهل الظاهر , وروي عن مالك , واختاره ابن العربي قال : لأن في حديث الأعرابي ( وأقم ) فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء .
قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض .
قال ابن عبد البر قوله : ( وتحريمها التكبير ) دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم , فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك .
وقال بعض علمائنا : من تركها عمدا أعاد الصلاة , وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها , وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن , والله أعلم .واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أو لا فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) .
رواه أبو هريرة أخرجه مسلم .
وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك ) .
وهذا نص .
ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها .
وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع .
وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة ; وروي عن مالك نحوه , وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس ; وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب ; لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي .قلت : واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى , فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار ; لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبره ; فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي , حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه .
ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة , وما خرجه الدارمي في مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة ) .
فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلي ; وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى : " فاسعوا إلى ذكر الله " [ الجمعة : 9 ] وأنه ليس المراد به الاشتداد على الأقدام , وإنما عنى العمل والفعل ; هكذا فسره مالك .
وهو الصواب في ذلك والله أعلم .واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام : ( وما فاتكم فأتموا ) وقوله : ( واقض ما سبقك ) هل هما بمعنى واحد أو لا ؟
فقيل : هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام , قال الله تعالى : " فإذا قضيت الصلاة " [ الجمعة : 10 ] وقال : " فإذا قضيتم مناسككم " [ البقرة : 200 ] .
وقيل : معناهما مختلف وهو الصحيح ; ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو آخرها ؟
فذهب إلى الأول جماعة من أصحاب مالك - منهم ابن القاسم ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة , فيكون بانيا في الأفعال قاضيا في الأقوال .
قال ابن عبد البر : وهو المشهور من المذهب .
وقال ابن خويز منداد : وهو الذي عليه أصحابنا , وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود بن علي .
وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك , ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك , أن ما أدرك فهو آخر صلاته , وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال ; وهو قول الكوفيين .
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : وهو مشهور مذهب مالك .
قال ابن عبد البر : من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام ; لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة , والتشهد والتسليم لا يكون إلا في آخرها ; فمن هاهنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته , مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله : ( فأتموا ) والتمام هو الآخر .
واحتج الآخرون بقوله : ( فاقضوا ) والذي يقضيه هو الفائت , إلا أن رواية من روى " فأتموا " أكثر , وليس يستقيم على قول من قال : إن ما أدرك أول صلاته ويطرد , إلا ما قاله عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والمزني وإسحاق وداود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه ; وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها ; فهؤلاء اطرد على أصلهم قولهم وفعلهم , رضي الله عنهم .
الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) خرجه مسلم وغيره ; فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها ; لقوله تعالى : " ولا تبطلوا أعمالكم " [ محمد : 33 ] وخاصة إذا صلى ركعة منها .
وقيل : يقطعها لعموم الحديث في ذلك .
والله أعلم .
واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة ; فقال مالك : يدخل مع الإمام ولا يركعهما ; وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد , ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد - التي تصلى فيها الجمعة - اللاصقة بالمسجد ; وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه ; ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب ; ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل من تركهما وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه , وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد , ثم يدخل مع الإمام وكذلك قال الأوزاعي ; إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة .
وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد .
وقال الحسن بن حيي ويقال ابن حيان : إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر .
وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد .
وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك ; وهو الصحيح في ذلك ; لقوله عليه السلام .
( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) .
وركعتا الفجر إما سنة , وإما فضيلة , وإما رغيبة ; والحجة عند التنازع حجة السنة .
ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة , ثم إنه صلى مع الإمام .
ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد .
وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر , ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما .
قالوا : ( وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد ) , روى مسلم عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال : أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم , فقال : ( أتصلي الصبح أربعا ) وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي , ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت , لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك , والله أعلم .الصلاة أصلها في اللغة الدعاء , مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا ; ومنه قوله عليه السلام : ( إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل ) أي فليدع .
وقال بعض العلماء : إن المراد الصلاة المعروفة , فيصلي ركعتين وينصرف ; والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر .
ولما ولدت أسماء عبد الله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; قالت أسماء : ثم مسحه وصلى عليه , أي دعا له .
وقال تعالى : " وصل عليهم " [ التوبة : 103 ] أي ادع لهم .
وقال الأعشى : تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا وقال الأعشى أيضا : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم ارتسم الرجل : كبر ودعا ; قال في الصحاح , وقال قوم : هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه , ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل , لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوي السابق ; فاشتقت الصلاة منه ; إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل , وإما لأن الراكع تثنى صلواه .
والصلاة : مغرز الذنب من الفرس , والاثنان صلوان .
والمصلي : تالي السابق ; لأن رأسه عند صلاه .
وقال علي رضي الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر .
وقيل : هي مأخوذة من اللزوم ; ومنه صلي بالنار إذا لزمها ; ومنه " تصلى نارا حامية " [ الغاشية : 4 ] .
وقال الحارث بن عباد : لم أكن من جناتها علم الل ه وإني بحرها اليوم صال أي ملازم لحرها ; وكأن المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به .
وقيل : هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء .
والصلاء : صلاء النار بكسر الصاد ممدود ; فإن فتحت الصاد قصرت , فقلت صلا النار , فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع ; قال الخارزنجي : فلا تعجل بأمرك واستدمه فما صلى عصاك كمستديموالصلاة : الدعاء والصلاة : الرحمة ; ومنه : ( اللهم صل على محمد ) الحديث .
والصلاة : العبادة ; ومنه قوله تعالى : " وما كان صلاتهم عند البيت " [ الأنفال : 35 ] الآية ; أي عبادتهم .
والصلاة : النافلة ; ومنه قوله تعالى : " وأمر أهلك بالصلاة " [ طه : 132 ] .
والصلاة التسبيح ; ومنه قوله تعالى : " فلولا أنه كان من المسبحين " [ الصافات : 143 ] أي من المصلين .
ومنه سبحة الضحى .
وقد قيل في تأويل " نسبح بحمدك " [ البقرة : 30 ] نصلي .
والصلاة : القراءة ; ومنه قوله تعالى : " ولا تجهر بصلاتك " [ الإسراء : 110 ] فهي لفظ مشترك .
والصلاة : بيت يصلى فيه ; قال ابن فارس .
وقد قيل : إن الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة ; فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع ; ولم يخل شرع من صلاة ; حكاه أبو نصر القشيري .قلت : فعلى هذا القول لا اشتقاق لها ; وعلى قول الجمهور وهي : - اختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي , وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج , والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام , أو هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع .
هنا اختلافهم والأول أصح ; لأن الشريعة ثبتت بالعربية , والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين ; ولكن للعرب تحكم في الأسماء , كالدابة وضعت لكل ما يدب ; ثم خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء , والله أعلم .
واختلف في المراد بالصلاة هنا ; فقيل : الفرائض .
وقيل : الفرائض والنوافل معا ; وهو الصحيح ; لأن اللفظ عام والمتقي يأتي بهما .
الصلاة سبب للرزق ; قال الله تعالى : " وأمر أهلك بالصلاة " [ طه : 132 ] الآية , على ما يأتي بيانه في " طه " إن شاء الله تعالى .
وشفاء من وجع البطن وغيره ; روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال : هجر النبي صلى الله عليه وسلم فهجرت فصليت ثم جلست ; فالتفت إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اشكمت درد ) قلت : نعم يا رسول الله ; قال : ( قم فصل فإن في الصلاة شفاء ) .
في .
رواية : ( اشكمت درد ) يعني تشتكي بطنك بالفارسية ; وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض ; فمن شروطها : الطهارة , وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة .
وستر العورة , يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى .
وأما فروضها : فاستقبال القبلة ; والنية , وتكبيرة الإحرام والقيام لها , وقراءة أم القرآن والقيام لها , والركوع والطمأنينة فيه , ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه , والسجود والطمأنينة فيه , ورفع الرأس من السجود , والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه , والسجود الثاني والطمأنينة فيه .
والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة لما أخل بها , فقال له : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ) خرجه مسلم .
ومثله حديث رفاعة بن رافع , أخرجه الدارقطني وغيره .
قال علماؤنا : فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة , وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الانتقالات , وعن التسبيح في الركوع والسجود , وعن الجلسة الوسطى , وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام .
أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما .
وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء ; لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع .
وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام .
وقال بعض أصحابه : الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب , وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة ; وهو قول الحميدي , ورواية عن الأوزاعي .
واحتجوا بقوله عليه السلام : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) أخرجه البخاري .
قالوا : فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل ; لأنه المبلغ عن الله مراده .
وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور .
وكان ابن قاسم صاحب مالك يقول : من أسقط من التكبيرة في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد قبل السلام , وإن لم يسجد بطلت صلاته ; وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد أيضا للسهو , فإن لم يفعل في شيء عليه ; وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها .
وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض , وأن اليسير منه متجاوز عنه .
وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم : ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام ; فإن تركه ساهيا سجد للسهو , فإن لم يسجد فلا شيء عليه ; ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامدا ; لأنه سنة من سنن الصلاة ; فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية .قلت : هذا هو الصحيح , وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم .
وقد ترجم البخاري رحمه الله ( باب إتمام التكبير في الركوع والسجود ) وساق حديث مطرف بن عبد الله قال : صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين , فكان إذا سجد كبر , وإذا رفع رأسه كبر , وإذا نهض من الركعتين كبر ; فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم , أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم .
وحديث عكرمة قال : رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع , وإذا قام وإذا وضع , فأخبرت ابن عباس فقال : أوليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا أم لك فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم .
روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال : صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بهذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان يكبر في كل خفض ورفع , وقيام وقعود ; قال أبو موسى : فإما نسيناها وإما تركناها عمدا .قلت : أتراهم أعادوا الصلاة فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته ولو كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض , والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه ; وبالله التوفيق .
وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور ; وأوجبه إسحاق بن راهويه , وأن من تركه أعاد الصلاة , لقوله عليه السلام : ( أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ) .وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك ; فقال مالك وأصحابه : الجلوس الأول والتشهد له سنتان .
وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول وقالوا : هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا من المزابنة , والقراض من الإجارات , وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعا .
واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة .
احتج من لم يوجبه بأن قال : لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به , كما لو ترك سجدة أو ركعة ; ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة ; ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما .
وفي حديث عبد الله بن بحينة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا ; فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم ; فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو ; لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم .واختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك .
وهي : - على خمسة أقوال :أحدها : أن الجلوس فرض والتشهد فرض والسلام فرض .
وممن قال ذلك الشافعي وأحمد ابن حنبل في رواية , وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة , وبه قال داود .
قال الشافعي : من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه .
وإذا ترك التشهد الأخير ساهيا أو عامدا أعاد .
واحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض , لأن أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج بدليل وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .القول الثاني : أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب , وإنما ذلك كله سنة مسنونة , هذا قول بعض البصريين , وإليه ذهب إبراهيم بن علية , وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الأولى , فخالف الجمهور وشذ ; إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله .
ومن حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته ) وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر ; وقد بيناه في كتاب المقتبس .
وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس .القول الثالث : أن الجلوس مقدار التشهد فرض , وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا .
قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين .
واحتجوا بحديث ابن المبارك عن الإفريقي عبد الرحمن بن زياد وهو ضعيف ; وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته ) .
قال ابن العربي : وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس : ويرى الخروج من الصلاة بضرطة أين الضراط من السلام عليكم قال ابن العربي : وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين , أما أحدهما : فروى عبد الملك عن عبد الملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا , فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه , وهذا مذهب أهل العراق بعينه .
وأما الثاني : فوقع في الكتب المنبوذة أن الإمام إذا أحدث بعد التشهد متعمدا وقبل السلام إنه يجزئ من خلفه , وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى ; وإن عمرت به المجالس للذكرى .أن الجلوس فرض والسلام فرض , وليس التشهد بواجب .
وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية .
واحتجوا بأن قالوا : ليس شيء من الذكر يجب إلا تكبيرة , الإحرام وقراءة أم القرآن .أن التشهد والجلوس واجبان , وليس السلام بواجب , قاله جماعة منهم إسحاق بن راهويه , واحتج إسحاق بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال له : ( إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك ) .
قال الدارقطني : قوله ( إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك ) أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث , ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ; وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام بن مسعود , وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم .
وشبابة ثقة .
وقد تابعه غسان بن الربيع على ذلك , جعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .واختلف العلماء في السلام ; فقيل : واجب , وقيل : ليس بواجب .
والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ورواه سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم , وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق .
قال عبد الرحمن بن مهدي : لو افتتح رجل صلاته بسبعين اسما من أسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه , وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه ; وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي , وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه .
وحسبك به وقد اختلف العلماء في وجوب التكبير عند الافتتاح وهي :فقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد الرحمن وطائفة : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة .
وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول ; والصحيح من مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض وركن من أركان الصلاة ; وهو الصواب وعليه الجمهور , وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة .واختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة ; فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء : لا يجزئ إلا التكبير , لا يجزئ منه تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد .
هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين ; ولا يجزئ عند مالك إلا " الله أكبر " لا غير ذلك .
وكذلك قال الشافعي وزاد : ويجزئ " الله الأكبر " و " الله الكبير " والحجة لمالك حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير , والقراءة ب " الحمد لله رب العالمين " .
وحديث علي : وتحريمها التكبير .
وحديث الأعرابي : فكبر .
وفي سنن ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا : حدثنا أبو أسامة قال حدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثنا محمد ابن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال : " الله أكبر " وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين , لفظ التكبير ; قال الشاعر : رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأعظمه جنودا ثم إنه يتضمن القدم , وليس يتضمنه كبير ولا عظيم , فكان أبلغ في المعنى ; والله أعلم .
وقال أبو حنيفة : إن افتتح بلا إله إلا الله يجزيه , وإن قال : اللهم اغفر لي لم يجزه , وبه قال محمد بن الحسن .
وقال أبو يوسف : لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير .
وكان الحكم بن عتيبة يقول : إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه .
قال ابن المنذر : ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ إن صلاته فاسدة , فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره , كما لا يجزئ مكان القراءة غيرها .
وقال أبو حنيفة : يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية .
قال ابن المنذر : لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين , وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته , ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال .
والله أعلم .واتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة الإحرام إلا شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتي الكلام عليه في آية الطهارة ; وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه .
قال ابن العربي : والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوي بها , أو قبل ذلك بشرط استصحابها , فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك الحالة لم يعتد بها , كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل , وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في اقترانها بأوله .
قال ابن العربي : وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر عسقلان : سمعت إمام الحرمين يقول : يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية , ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة , قال : ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل , وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة , لأن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل , وتذكارها يكون في لحظة , ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها , إلا أن ذلك لما كان أمرا يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها .
سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون : رأيت أبي سحنونا ربما يكمل الصلاة فيعيدها ; فقلت له ما هذا ؟
فقال : عزبت نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها .قلت : فهذه جملة من أحكام الصلاة , وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى ; فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات , وبعض صلاة الخوف في هذه السورة , ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف , في " النساء " والأوقات في " هود وسبحان والروم " وصلاة الليل في " المزمل " وسجود التلاوة في " الأعراف " وسجود الشكر في " ص " كل في موضعه إن شاء الله تعالى .ومما رزقناهم ينفقونرزقناهم : أعطيناهم , والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما , خلافا للمعتزلة في قولهم : إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه , وإن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال , والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك .قالوا : فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي وصار لصا , ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات , فإن الله لم يرزقه شيئا إذ لم يملكه , وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا .
وهذا فاسد , والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقا , ولا البهائم التي ترتع في الصحراء , ولا السخال من البهائم , لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال .
ولما اجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون , وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون , وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين ; فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه .
والذي يدل على أنه لا رازق سواه قول الحق : " هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض " [ فاطر : 3 ] وقال : " إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين " [ الذاريات : 58 ] وقال : " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " [ هود : 6 ] وهذا قاطع ; فالله تعالى رازق حقيقة وابن آدم تجوزا , لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة , مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها , إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما , وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما ; وجميع ذلك رزق .
وقد خرج بعض النبلاء من قوله تعالى : " كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور " [ سبأ : 15 ] فقال : ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام .
قوله تعالى : " ومما رزقناهم " الرزق مصدر رزق يرزق رزقا ورزقا , فالرزق بالفتح المصدر , وبالكسر الاسم , وجمعه أرزاق ; والرزق : العطاء .
والرازقية : ثياب كتان بيض .
وارتزق الجند : أخذوا أرزاقهم .
والرزقة : المرة الواحدة ; هكذا قال أهل اللغة .
وقال ابن السكيت : الرزق بلغة أزدشنوءة : الشكر ; وهو قوله عز وجل : " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " [ الواقعة : 82 ] أي شكركم التكذيب .
ويقول : رزقني أي شكرني .
قوله تعالى : " ينفقون " ينفقون : يخرجون .
والإنفاق : إخراج المال من اليد ; ومنه نفق البيع : أي خرج من يد البائع إلى المشتري .
ونفقت الدابة : خرجت روحها ; ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى .
ومنه المنافق ; لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج الإيمان من قلبه .
ونيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها .
ونفق الزاد : فني وأنفقه صاحبه .
وأنفق القوم : فني زادهم ; ومنه قوله تعالى : " إذا لأمسكتم خشية الإنفاق " [ الإسراء : 100 ] .
واختلف العلماء في المراد بالنفقة هاهنا ; فقيل : الزكاة المفروضة - روي عن ابن عباس - لمقارنتها الصلاة .
وقيل : نفقة الرجل على أهله - روي عن ابن مسعود - لأن ذلك أفضل النفقة .
روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك ) .
وروي عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ) قال أبو قلابة : وبدأ بالعيال [ ثم ] قال أبو قلابة : وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم .
وقيل : المراد صدقة التطوع - روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة ; فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة احتملت الفرض والتطوع , فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع .
قال الضحاك : كانت النفقة قربانا يتقربون بها إلى الله جل وعز على قدر جدتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في " براءة " .
وقيل : إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة ; لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا , ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها .
وقيل : هو عام وهو الصحيح , لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا , وذلك لا يكون إلا من الحلال , أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعن في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه .
وقيل : الإيمان بالغيب حظ القلب .
وإقام الصلاة حظ البدن .
ومما رزقناهم ينفقون حظ المال , وهذا ظاهر .
وقال بعض المتقدمين في تأويل قوله تعالى : " ومما رزقناهم ينفقون " أي مما علمناهم يعلمون ; حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري .
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة والباطنة، كحضور القلب فيها، الذي هو روح الصلاة ولبها،.
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ النفقات الواجبة، كالزكوات، والكفارات، والنفقة على الزوجات والأقارب، وما ملكت أيمانهم،.والمستحبة كالصدقة في جميع طرق الخير.
" الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون " .
«الذين يقيمون الصلاة» يأتون بها بحقوقها «ومما رزقناهم» أعطيناهم «ينفقون» في طاعة الله.
الذين يداومون على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، ومما رزقناهم من الأموال ينفقون فيما أمرناهم به.
أما الصفتان الرابعة والخامسة من صفات هؤلاء المؤمنين فهما قوله - تعالى - ( الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) .والمراد بإقامة الصلاة : أداؤها فى مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها وآدابها وخشوعها - من أقام الشئ إقامة إذا قومه وأزال عوجه لأن الشأن فى صلاة المؤمنين أن تكون : إحساسا عميقا بالوقوف بين يدى الله ، وانقطاعا تاما لمناجاته ، وتمثلا حياً لجلاله وكبريائه ، واسغراقا كاملا فى دعائه .والمراد بقوله : ( يُنفِقُونَ ) يخرجون ويبذلون ، من الإِنفاق وهو إخراج المال وبذله وصرفه .والجملة الكريمة فى محل رفع صفة للموصول فى الآية السابقة أو بدل منه أو بيان له .والمعنى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة فى مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها وسننها وأدابها وخشوعها .
.
وأنهم يبذلون أموالهم للفقراء والمحتاجين بسماحة نفس ، وسخاء يد ، استجابة لتعاليم دينهم .فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف هؤلاء المؤمنين بخمس صفات : الأولى والثانية والثالثة منها ترجع إلى العبادات القلبية التى تدل على شدة خشيتهم من ربهم ، وقوة تأثرهم بآيات خالقهم ، واعتمادهم عليه - سبحانه وحده لا على أحد سواه .
اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ واقتضى ذلك كون الإيمان مستلزماً للطاعة، شرح ذلك في هذه الآية مزيد شرح وتفصيل، وبين أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول هذه الطاعات فقال: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون ﴾ الآية.
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول أمور خمسة: الأول: قوله: ﴿ الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ قال الواحدي يقال: وجل يوجل وجلاً، فهو وجل، وأوجل إذا خاف.
قال الشاعر: لعمرك ما أدري وإني لأوجل *** على أينا تعدو المنية أول والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمناً إذا كان خائفاً من الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ وقوله: ﴿ الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خاشعون ﴾ وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال.
أما خوف العقاب فهو للعصاة.
وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب، بل مجرد علمه بكونه غنياً عنه، وكونه محتاجاً إليه يوجب تلك المهابة، وذلك الخوف.
إذا عرفت هذا فنقول: إن كان المراد من الوجل القسم الأول، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله.
وهذا هو اللائق بهذا الموضع، لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني، فذلك لازم من مجرد ذكر الله، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار.
فإن قيل: إنه تعالى قال هاهنا ﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله ﴾ فكيف الجمع بينهما؟
وأيضاً قال في آية أخرى: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ قلنا: الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين الحالتين، بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ والمعنى: تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله ﴾ وهو قكلوه: ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا ﴾ ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: زيادة الإيمان الذي هو التصديق على وجهين: الوجه الأول: وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي رحمه الله: أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيماناً، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح» يريد أن معرفته بالله أقوى.
ولقائل أن يقول: المراد من هذه الزيادة: إما قوة الدليل أو كثرة الدلائل.
أما قوة الدليل فباطل، وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من مقدمات، وتلك المقدمات إما أن يكون مجزوماً بها جزماً مانعاً من النقيض أو لا يكون فإن كان الجزم المانع من النقيض حاصلاً في كل المقدمات، امتنع كون بعض الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل التفاوت، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في البعض فذلك لا يكون دليلاً، بل أمارة، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علماً بل ظناً، فثبت بما ذكرنا أن حصول التفاوت في الدلائل بسبب القوة محال، وأما حصول التفاوت بسبب كثرة الدلائل فالأمر كذلك، لأن الجزم الحاصل بسبب الدليل الواحد، إن كان مانعاً من النقيض فيمتنع أن يصير أقوى عند اجتماع الدلائل الكثيرة، وإن كان غير مانع من النقيض لم يكن دليلاً، بل كان أمارة ولم تكن النتيجة معلومة بل مظنونة، فثبت أن هذا التأويل ضعيف.
واعلم أنه يمكن أن يقال: المراد من هذه الزيادة الدوام وعدم الدوام، وذلك لأن بعض المستدلين لا يكون مستحضراً للدليل والمدلول إلا لحظة واحدة، ومنهم من يكون مداوماً لتلك الحالة وبين هذين الطرفين أوساط مختلفة، ومراتب متفاوتة، وهو المراد من الزيادة.
والوجه الثاني: من زيادة التصديق أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متعاقبة، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقاً وإقراراً، ومن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله ﴾ معناه: أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق، وفي الآية وجه ثالث: وهو أن كمال قدرة الله وحكمته، إنما تعرف بواسطة آثار حكمة الله في مخلوقاته، وهذا بحر لا ساحل له، وكلما وقف عقل الإنسان على آثار حكمة الله في تخليق شيء آخر، انتقل منه إلى طلب حكمة في تخليق شيء آخر، فقد انتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف وأكمل، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها، لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي والكشف والمعرفة.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا؟
أما الذين قالوا: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، فقد احتجوا بهذه الآية من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ زَادَتْهُمْ إيمانا ﴾ يدل على أن الإيمان يقبل الزيادة، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار لما قبل الزيادة.
والثاني: أنه تعالى لما ذكر هذه الأمور الخمسة.
قال: في الموصوفين بها ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ وذلك يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان.
وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
واحتجوا بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة.
قالوا: لأن الآية صريحة في أن الإيمان يقبل الزيادة، والمعرفة والإقرار لا يقبلان التفاوت، فوجب أن يكون الإيمان عبارة عن مجموع الإقرار والاعتقاد والعمل، حتى أن بسبب دخول التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وهذا الاستدلال ضعيف، لما بينا أن التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الاعتقاد والإقرار، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الإيمان، والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله ﴾ ظاهره مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الإيمان، وليس الأمر كذلك، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة، بل إن كان ولا بد فالموجب هو سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق والله أعلم.
الصفة الثالثة: للمؤمنين قوله تعالى: ﴿ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ واعلم أن صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده، وأن يقولوا صدق الله ورسوله، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين ﴿ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ ثم نقول: هذا الكلام يفيد الحصر، ومعناه: أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم، وهذه الحالة مرتبة عالية ودرجة شريفة، وهي: أن الإنسان بحيث يصير لا يبقي له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله.
واعلم أن هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب، فإن المرتبة الأولى هي: الوجل من عقاب الله.
والمرتبة الثانية: هي الانقياد لمقامات التكاليف لله.
والمرتبة الثالثة: هي الانقطاع بالكلية عما سوى الله، والاعتماد بالكلية على فضل الله، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى.
والصفة الرابعة والخامسة: قوله: ﴿ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ واعلم أن المراتب الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في القلوب والبواطن، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات المعتبرة في الظاهر، ورئيسها بذل النفس في الصلاة، وبذل المال في مرضاة الله، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلاة، والإنفاق في الجهاد، والإنفاق على المساجد والقناطر، قالت المعتزلة: إنه تعالى مدح من ينفق ما رزقه الله، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام، وذلك يدل على أن الحرام لا يكون رزقاً، وقد سبق ذكر هذا الكلام مراراً.
واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس: أثبت للموصوفين بها أموراً ثلاثة: الأول: قوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ حَقّاً ﴾ بماذا يتصل.
فيه قولان: أحدهما: بقوله: ﴿ هُمُ المؤمنون ﴾ أي هم المؤمنون بالحقيقة.
والثاني: أنه تم الكلام عند قوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون ﴾ ثم ابتدأ وقال: ﴿ حَقّاً لَّهُمْ درجات ﴾ .
المسألة الثانية: ذكروا في انتصاب ﴿ حَقّاً ﴾ وجوهاً: الأول: قال الفراء: التقدير: أخبركم بذلك حقاً، أي أخباراً حقاً، ونظيره قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً ﴾ والثاني: قال سيبويه: إنه مصدر مؤكد لفعل محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: وإن الذي فعلوه كان حقاً صدقاً.
الثالث: قال الزجاج.
التقدير: أولئك هم المؤمنون أحق ذلك حقاً.
المسألة الثالثة: اتفقوا على أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن، واختلفوا في أنه هل يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن حقاً أم لا؟
فقال أصحاب الشافعي: الأولى أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، ولا يقول أنا مؤمن حقاً.
وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: الأولى أن يقول أنا مؤمن حقاً، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أما الذين قالوا إنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فلهم فيه مقامان: المقام الأول: أن يكون ذلك لأجل حصول الشك في حصول الإيمان.
المقام الثاني: أن لا يكون الأمر كذلك.
أما المقام الأول، فتقريره: أن الإيمان عند الشافعي رضي الله عنه عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل.
ولا شك أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية، فالإنسان وإن كان جازماً بحصول الاعتقاد والإقرار، إلا أنه لما كان شاكاً في حصول العمل كان هذا القدر يوجب كونه شاكاً في حصول الإيمان، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله، فلما كان الإيمان اسماً للاعتقاد والقول، وكان العمل خارجاً عن مسمى الإيمان، لم يلزم من الشك في حصول الأعمال الشك في الإيمان.
فثبت أن من قال إن الإيمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة يلزمه وقوع الشك في الإيمان، ومن قال العمل خارج عن مسمى الإيمان يلزمه نفي الشك عن الإيمان، وعند هذا ظهر أن الخلاف ليس إلا في اللفظ فقط.
وأما المقام الثاني: وهو أن نقول: إن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله ليس لأجل الشك، فيه وجوه: الأول: أن كون الرجل مؤمناً أشرف صفاته وأعرف نعوته وأحواله، فإذا قال أنا مؤمن، فكأنه مدح نفسه بأعظم المدائح.
فوجب أن يقول: إن شاء الله ليصير هذا سبباً لحصول الانكسار في القلب وزوال العجب.
روي أن أبا حنيفة رحمه الله، قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك.
قال اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين ﴾ فقال أبو حنيفة رحمه الله: هلا اقتديت به في قوله: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ﴾ وأقول: كان لقتادة أن يجيب، ويقول: إنه بعد أن قال: ﴿ بلى ﴾ قال: ﴿ ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ فطلب مزيد الطمأنينة، وهذا يدل على أنه لابد من قول إن شاء الله.
الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أن الرجل لا يكون مؤمناً إلا إذا كان موصوفاً بالصفات الخمسة، وهي الخوف من الله، والإخلاص في دين الله، والتوكل على الله، والإتيان بالصلاة والزكاة لوجه الله تعالى.
وذكر في أول الآية ما يدل على الحصر، وهو قوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين ﴾ هم كذا وكذا.
وذكر في آخر الآية قوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ وهذا أيضاً يفيد الحصر، فلما دلت هذه الآية على هذا المعنى، ثم إن الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس، لا جرم كان الأولى أن يقول: إن شاء الله.
روى أن الحسن سأله رجل وقال: أمؤمن أنت؟
فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟
الثالث: أن القرآن العظيم دل على أن كل من كان مؤمناً، كان من أهل الجنة فالقطع بكونه مؤمناً يوجب القطع بكونه من أهل الجنة، وذلك لا سبيل إليه، فكذا هذا.
ونقل عن الثوري أنه قال: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً، ثم لم يشهد بأنه من أهل الجنة، فقد آمن بنصف الآية.
والمقصود أنه كما لا سبيل إلى القطع بأنه من أهل الجنة، فكذلك لا سبيل إلى القطع بأنه مؤمن.
الرابع: أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وعن المعرفة، وعلى هذا فالرجل إنما يكون مؤمناً في الحقيقة عند ما يكون هذا التصديق وهذه المعرفة حاصلة في القلب حاضرة في الخاطر، فأما عند زوال هذا المعنى، فهو إنما يكون مؤمناً بحسب حكم الله، أما في نفس الأمر فلا.
إذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون المراد بقوله إن شاء الله عائداً إلى استدامة مسمى الإيمان واستحضار معناه أبداً دائماً من غير حصول ذهول وغفلة عنه، وهذا المعنى محتمل.
الخامس: أن أصحاب الموافاة يقولون: شرط كونه مؤمناً في الحال حصول الموافاة على الإيمان، وهذا الشرط لا يحصل إلا عند الموت، ويكون مجهولاً، والموقوف على المجهول مجهول.
فلهذا السبب حسن أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله.
السادس: أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله عند الموت، والمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة والعاقبة، فإن الرجل وإن كان مؤمناً في الحال، إلا أن بتقدير أن لا يبقى ذلك الإيمان في العاقبة؛ كان وجوده كعدمه، ولم تحصل فائدة أصلاً، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء هذا المعنى.
السابع: أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ ﴾ وهو تعالى منزه عن الشك والريب.
فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليماً منه لعباده، هذا المعنى، فكذا هاهنا الأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى الله، حتى يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان.
الثامن: أن جماعة من السلف ذكروا هذه الكلمة، ورأينا لهم ما يقويه في كتاب الله وهو قوله تعالى: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ وهم المؤمنون في علم الله وفي حكمه، وذلك يدل على وجود جمع يكونون مؤمنين، وعلى وجود جمع لا يكونون كذلك.
فالمؤمن يقول: إن شاء الله حتى يجعله الله ببركة هذه الكلمة من القسم الأول لا من القسم الثاني.
أما القائلون: أنه لا يجوز ذكر هذه الكلمة فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه: الأول: أن المتحرك يجوز أن يقول: أنا متحرك ولا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء الله، وكذا القول في القائم والقاعد، فكذا هاهنا وجب أن يكون المؤمن مؤمناً، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكما أن خروج الجسم عن كونه متحركاً في المستقبل لا يمنع من الحكم عليه بكونه متحركاً حال قيام الحركة به فكذلك احتمال زوال الإيمان في المستقبل، لا يقدح في كونه مؤمناً في الحال.
الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ فقد حكم تعالى عليهم بكونهم مؤمنين حقاً فكان قوله إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله عليه بالحصول وذلك لا يجوز.
والجواب عن الأول: أن الفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمناً، وبين وصفه بكونه متحركاً، حاصل من الوجوه الكثيرة التي ذكرناها، وعند حصول الفرق يتعذر الجمع، وعن الثاني أنه تعالى حكم على الموصوفين بالصفات المذكورة بكونهم مؤمنين حقاً، وذلك الشرط مشكوك فيه، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.
فهذا يقوي عين مذهبنا.
والله أعلم.
الحكم الثاني: من الأحكام التي أثبتها الله تعالى للموصوفين بالصفات الخمسة قوله تعالى: ﴿ لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ ﴾ والمعنى: لهم مراتب بعضها أعلى من بعض.
واعلم أن الصفات المذكورة قسمان: الثلاثة الأول: هي الصفات القلبية والأحوال الروحانية، وهي الخوف والإخلاص والتوكل.
والاثنتان الأخيرتان هما الأعمال الظاهرة والأخلاق.
ولا شك أن لهذه الأعمال والأخلاق تأثيرات في تصفية القلب، وفي تنويره بالمعارف الإلهية.
ولا شك أن المؤثر كلما كان أقوى كانت الآثار أقوى وبالضد، فلما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ومراتب.
كانت المعارف أيضاً لها درجات ومراتب، وذلك هو المراد من قوله: ﴿ لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ ﴾ والثواب الحاصل في الجنة أيضاً مقدر بمقدار هذه الأحوال.
فثبت أن مراتب السعادات الروحانية قبل الموت وبعد الموت، ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة، فلهذا المعنى قال: ﴿ لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ ﴾ .
فإن قيل: أليس أن المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل وحرمانه عنها، فإنه يتألم قلبه، ويتنغص عيشه.
وذلك مخل بكون الثواب رزقاً كريماً؟
والجواب: أن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به تمنعه من حصول الحقد والحسد، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم.
الحكم الثالث والرابع: أن قوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ المراد من المغفرة أن يتجاوز الله عن سيئاتهم ومن الرزق الكريم نعيم الجنة.
قال المتكلمون: أما كونه رزقاً كريماً فهو إشارة إلى كون تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالأكرام والتعظيم، ومجموع ذلك هو حد الثواب.
وقال العارفون: المراد من المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله، ومن الرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفة الله ومحبته.
قال الواحدي: قال أهل اللغة: الكريم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن، والكريم المحمود فيما يحتاج إليه، والله تعالى موصوف بأنه كريم والقرآن موصوف بأنه كريم.
قال تعالى: ﴿ إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ وقال: ﴿ مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ وقال: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ وقال: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ فالرزق الكريم هو الشريف الفاضل الحسن.
وقال هشام بن عروة: يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش، وأقول يجب هاهنا أن نبين أن اللذات الروحانية أكمل من اللذات الجسمانية، وقد ذكرنا هذا المعنى في هذا الكتاب في مواضع كثيرة وعند هذا يظهر أن الرزق الكريم هو اللذات الروحانية وهي معرفة الله ومحبته والاستغراق في عبوديته.
فإن قال قائل: ظاهر الآية يدل على أن الموصوف بالأمور الخمسة محكوم عليه بالنجاة من العقاب وبالفوز بالثواب، وذلك يقتضي أن لا تكليف على العبد فيما سوى هذه الخمسة وذلك باطل بإجماع المسلمين، لأنه لابد من الصوم والحج وأداء سائر الواجبات.
قلنا: إنه تعالى بدأ بقوله: ﴿ الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءاياته زَادَتْهُمْ إيمانا وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ وجميع التكاليف داخل تحت هذين الكلامين، إلا أنه تعالى خص من الصفات الباطنة التوكل بالذكر على التعيين، ومن الأعمال الظاهرة الصلاة والزكاة على التعيين، تنبيهاً على أن أشرف الأحوال الباطنة، التوكل وأشرف الأعمال الظاهرة، الصلاة والزكاة.
<div class="verse-tafsir"
النفل: الغنيمة، لأنها من فضل الله تعالى وعطائه.
قال لبيد: إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ والنفل ما ينفله الغازي، أي يعطاه زائداً على سهمه من المغنم، وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب: من قتل قتيلاً فله سلبه.
أو قال لسرية: ما أصبتم فهو لكم، أو فلكم نصفه أو ربعه.
ولا يخمس النفل، ويلزم الإمام الوفاء بما وعد منه.
وعند الشافعي رحمه الله في أحد قوليه: لا يلزم.
ولقد وقع الاختلاف بين المسلمين في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم، ولمن الحكم في قسمتها؟
أللمهاجرين أم للأنصار؟
أم لهم جميعاً؟
فقيل له: قل لهم: هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحاكم فيها خاصة يحكم فيها ما يشاء، ليس لأحد غيره فيها حكم.
وقيل: شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن ينفله، فتسارع شبانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلما يسر الله لهم الفتح اختلفوا فيما بينهم وتنازعوا، فقال الشبان: نحن المقاتلون، وقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا ردءاً لكم وفئة تنحازون إليها إن انهزمتم وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: المغنم قليل والناس كثير: وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك.
فنزلت.
وعن سعد بن أبي وقاص: قتل أخي عمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت: إنّ الله قد شفى صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف فقال: ليس هذا لي ولا لك، اطرحه في القَبَضِ فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال، فقال: يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه وعن عبادة بن الصامت: نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه اخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين.
وقرأ ابن محيصن: ﴿ يسألونك علنفال ﴾ بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وإدغام نون عن في اللام: وقرأ ابن مسعود: ﴿ يسألونك الأنفال ﴾ أي يسألك الشبان ما شرطت لهم من الأنفال.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله: ﴿ قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول ﴾ ؟
قلت: معناه أنّ حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد، والمراد: أنّ الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يواسي المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي ﴿ فاتقوا الله ﴾ في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متحدين متآخين في الله ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ وتآسوا وتساعدوا فيما رزقكم الله وتفضل به عليكم.
وعن عطاء: كان الاصلاح بينهم أن دعاهم وقال: اقسموا غنائمكم بالعدل، فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا، فقال: ليردّ بعضكم على بعض.
فإن قلت: ما حقيقة قوله: ﴿ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ ؟
قلت: أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله: ﴿ بِذَاتِ الصدور ﴾ [آل عمران: 199] وهي مضمراتها.
لما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها: ذات البين، كقولهم: اسقني ذا إنائك، يريدون ما في الإناء من الشراب.
وقد جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أنّ كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها.
ومعنى قوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن كنتم كاملي الإيمان.
واللام في قوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون ﴾ إشارة إليهم.
أي إنما الكاملو الإيمان من صفتهم كيت وكيت والدليل عليه قوله: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً ﴾ .
﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فزعت.
وعن أمّ الدرداء: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعرير؟
قال: بلى، قالت: فادع الله فإنّ الدعاء يذهبه.
يعني فزعت لذكره استعظاماً له، وتهيباً من جلاله وعزّة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه، وهذا الذكر خلاف الذكر في قوله: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ [الزمر: 23] لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه.
وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له: اتق الله فينزع.
وقرئ ﴿ وجلت ﴾ ، بالفتح، وهي لغة نحو (وبق) في (وبق)، وفي قراءة عبد الله: ﴿ فَرِقَتْ ﴾ ﴿ زَادَتْهُمْ إيمانا ﴾ ازدادوا بها يقيناً وطمأنينة في نفس.
لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه، وقد حمل على زيادة العمل.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (عن النبي صلى الله عليه وسلم): «الإيمان سبع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله.
وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه: إن للإيمان سنناً وفرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ﴿ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ولا يفوّضون أمورهم إلى غير ربهم، لا يخشون ولا يرجون إلا إياه.
جمع بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة ﴿ حَقّاً ﴾ صفة للمصدر المحذوف، أي أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون ﴾ كقولك: هو عبد الله حقاً، أي حق ذلك حقاً.
وعن الحسن أنّ رجلاً سأله: أمؤمن أنت؟
قال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن.
وإن كنت تسألني عن قوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا.
وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة، فقد آمن بنصف الآية.
وهذا إلزام منه، يعني كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقاً، فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً، وبهذا تعلق من يستثني في الإيمان.
وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ممن لا يستثني فيه.
وحكي عنه أنه قال لقتادة: لم تستثنى في إيمانك؟
قال: اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين ﴾ [الشعراء: 82] فقال له: هلا اقتديت به في قوله: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ﴾ [البقرة: 260] ﴿ درجات ﴾ شرف وكرامة وعلو منزلة ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ وتجاوز لسيئاتهم ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ نعيم الجنة.
يعني لهم منافع حسنة دائمة على سبيل التعظيم، وهذا معنى الثواب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الإيمانِ.
﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فَزِعَتْ لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا مِن جَلالِهِ.
وقِيلَ هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ فَيَنْزِعُ عَنْها خَوْفًا مِن عِقابِهِ.
وقُرِئَ « وجَلَتْ» بِالفَتْحِ وهي لُغَةٌ، وفَرَقَتْ أيْ خافَتْ.
﴿ وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا ﴾ لِزِيادَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، أوْ لِاطْمِئْنانِ النَّفْسِ ورُسُوخِ اليَقِينِ بِتَظاهُرِ الأدِلَّةِ، أوْ بِالعَمَلِ بِمُوجِبِها وهو قَوْلُ مَن قالَ الإيمانُ يَزِيدُ بِالطّاعَةِ ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ بِناءً عَلى أنَّ العَمَلَ داخِلٌ فِيهِ.
﴿ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ولا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ.
﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ .
﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ مَكارِمَ أعْمالِ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، ومَحاسِنَ أفْعالِ الجَوارِحِ الَّتِي هي العِيارُ عَلَيْها مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، و ﴿ حَقًّا ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَقَوْلِهِ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا» .
﴿ لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ كَرامَةٌ وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ.
وَقِيلَ دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ.
﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم.
﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ ولا يَنْتَهِي أمَدُهُ.
<div class="verse-tafsir"
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
{الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ} جمع بين أعمال القلوب من الوجل والإخلاص والتوكل وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ المُنْبِئِ عَنِ المَدْحِ، وقَدْ مَدَحَهم سُبْحانَهُ وتَعالى أوَّلًا بِمَكارِمِ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، وهَذا مَدْحٌ لَهم بِمَحاسِنِ الأعْمالِ القالَبِيَّةِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ <div class="verse-tafsir"
مدنية وهي سبعون وخمس آيات قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، يعني: الغنائم، واحدها نفل غنيمة، وكذلك قال لبيد: إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَل ...
وبإذن الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ...
ناعم البال ومن شاء أضل (١) قال ابن عباس: عَنِ صلة في الكلام، وإنّما هو: يسألونك الأنفال يعني: الغنائم، ويقال: فيه تقديم ومعناه: يسألون عنك الأنفال، ويقال: معناه، يسألونك لمن الأنفال؟
يقال: إنما هم سألوا عنها لأنها كانت محرمة من قبل، فسألوا عنها رسول الله فنزل يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ يعني الغنائم.
قال الفقيه: حدّثنا: أبو الفضل بن أبي حفص قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله إلى بدر فلقي العدو، فلما هزمهم الله تعالى، أتبعهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله ، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فقال الذين طلبوهم: نحن طلبنا إحاطة العدو، وبنا نفاهم الله تعالى وهزمهم، فلنا النفل.
وقال الذين أحدقوا برسول الله : نحن أحدقنا برسول الله لئلا ينال العدو منه غرة، فهو لنا.
وقال الذين استولوا على العسكر والنّهب: والله ما أنتم بأحق منا، بل هو لنا، نحن حويناه واستولينا عليه (٢) بينهم عن فواق أي: عن سواء- وروى أسباط، عن السدي قال: كانت الأنفال لله ورسوله، فنسخ بقوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال: 41] .
وعن عكرمة ومجاهد مثله (٣) قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ، يعني: اخشوا الله وأطيعوه في أمر الغنيمة وأصلحوا ما بينكم من الاختلاف في الغنيمة.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: في أمر الصلح والغنيمة.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، يعني: إن كنتم مصدّقين.
ويقال: معناه، اتركوا المراء في أمر الغنيمة إن كنتم مصدِّقين.
ثم نعت المؤمنين المصدّقين، فقال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ويقال: إنما المصدقون الذين إذا أُمروا بأمر في أمر الغنيمة وغيرها من قبل الله تعالى، خافت قلوبهم.
ويقال: إنما المصدقون الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ أي ذكر عندهم أمر الله.
ويقال: الذين إذا أُمروا بأمر من الله، وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: قبلت قلوبهم، فسمى قبول القلوب وجلاً، لأن بالوجل يثبت القبول، لأنهم وجلوا عقوبة الله تعالى فقبلوه.
ثم قال: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ، يعني: إذا قرئت عليهم آياته بالأمر والنهي في أمر الصلح وغيره، زادَتْهُمْ إِيماناً، يعني: تصديقاً ويقيناً.
وقال الضحاك: يعني زادتهم تصديقا بحكم الناسخ، مع تصديقهم بالمنسوخ.
وقال الزجاج: تأويل الإيمان التصديق، فكل ما تلي عليهم من عند الله تصديقا صدَّقوا به فزادهم تصديقاً، فذلك زيادة إيمانهم.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «زادتهم تصديقاً بالفرائض مع تصديقهم بالله» .
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، يعني: يفوضون أمرهم إلى الله، ويثقون به، ولا يثقون بما في أيديهم من الغنائم، ويعلمون أن الله رازقهم.
ثم قال الله تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، يعني: يتمونها في مواقيتها بركوعها وسجودها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، يعني: يتصدَّقون مما أعطيناهم من الأموال، وينفقونها في طاعة الله.
قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، يعني: أهل هذه الصفة هم المؤمنون الموحدون حَقًّا صدقاً، وهم المصدِّقون.
لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يعني: فضائل عند ربهم في الآخرة.
ويقال: لهم منازل في الرفعة على قدر أعمالهم وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يعني: مغفرة لذنوبهم، وثواب حسن في الجنة.
ويقال: الفتوح والغنيمة.
قال ابن عباس: في قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا قال: المؤمن مؤمن حقاً، والكافر كافر حقا.
(١) البيت الثاني ساقط من النسخة «ب» .
(٢) عزاه السيوطي 4/ 5 إلى سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر وأبي حبان وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه.
(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .
<div class="verse-tafsir"
قال بعضُ أهل التأويل عكرمة، ومجاهد: كان هذا الحُكْمُ من اللَّه سبحانه لِرَفْعِ الشَّغَبِ ثم نُسِخَ بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ...
[الأنفال: ٤١] الآية.
وهذا أولَى الأقوال وأصحُّها.
وقوله سبحانه: وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ: تصريحٌ بأنه شَجَرَ بينهم اخْتِلاَفٌ، ومالت النفوس إلى التّشاحّ، وذاتَ في هذا المَوْضِعِ يُرَادُ بها نَفْسُ الشيء وحقيقته، والذي يُفْهَمُ من بَيْنِكُمْ هو معنى يعم جَمِيعَ الوُصَلِ، والالْتِحَامَات، والمَوَدَّات، وذات ذلك هو المَأْمُور بإِصلاحها، أي: نفسه وعينه، وباقي الآية بيّن.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
وقوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...
الآية، إِنَّمَا لفظ لا تُفَارِقُهُ المُبَالَغَةُ والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك لِلْحَصْرِ، بحسب القرينة، فقوله هنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ظاهرها أنَّها للمبالغة والتأكيد فقط، أي الكاملون.
قال الشَّيْخُ أبو عَبْدُ اللَّه محمد بن محمد بن أحمد الأَنْصَارِيّ الساحلي المالقي في كتابه الذي ألَّفَهُ في «السلوك» : واعلم أن الإنْسَانَ مطلوب بطَهَارَة نفسه، وتزكيتها، وطُرُقُ التزكية وإن كَثُرَتْ، فطريق الذِّكْرِ أسرع نفعاً، وأقرب مَرَاماً، وعليه دَرَجَ أكثر مشائخ التربية، ثم قال: والذِّكْرُ ضد النسيان، والمطلوب منه عِمَارَةُ الباطن باللَّهِ تعالى في كل زمان، ومع كل حال لأن الذِّكْرَ يَدُلُّ على المذكور لا محالة، فذكره ديدنا يوجب المَحَبَّةَ له، والمعرفة به، والذكر وإن اختلف ألفاظه ومعانيه، فلكل معنًى [من] معانيه اختصاص بنوعٍ من التَّحْلِيَةِ والتخلية، والتزكية، ثم قال: والذِّكْرُ على/ قسمين: ذكر العامة، وذِكْرُ الخاصة.
أما ذِكْرُ العامة، وهو ذِكْرُ الأجور، فهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بما شاء من ذِكْرِهِ لا يقصد غير الأجور والثواب، وأما ذكر الخَاصَّة، فهو ذِكْرُ الحضور، وهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بأذكار مَعْلُومَةٍ، على صفة مَخْصُوصَةٍ لِينال بذلك المَعْرِفَةَ باللَّهِ سبحانه بطهارة نَفْسِهِ من كل خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وتحليتها بكل خُلُق كريم.
انتهى.
ووَجِلَتْ: معناه: فَزِعَتْ، وَرَقَّتْ، وخافت، وبهذه المعاني فسرتها العلماء.
وتُلِيَتْ معناه: سُرِدَتْ، وقرئت، والآيات هنا: القرآن المَتْلُوُّ.
ومن كلام صاحب «الكلم الفارقية» : إن تَيَقَّظْتَ يقظة قلبية، وانْتَبَهْتَ انتباهة حقيقية لم تر في وَقْتِكَ سَعَةً لغير ذِكْرِ ربك، واستشعار عظمته، ومهابته، والإِقبال على طاعته، ما في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ يَعْنِي الزَّكاةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ "إنَّما" لَفْظٌ لا تُفارِقُهُ المُبالَغَةُ والتَأْكِيدُ حَيْثُ وقَعَ، ويَصْلُحُ مَعَ ذَلِكَ لِلْحَصْرِ، فَإذا دَخَلَ في قِصَّةٍ وساعَدَ مَعْناها عَلى الِانْحِصارِ صَحَّ ذَلِكَ وتَرَتَّبَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، وإذا كانَتِ القِصَّةُ لا تَتَأتّى لِلِانْحِصارِ بَقِيَتْ "إنَّما" لِلْمُبالَغَةِ والتَأْكِيدِ فَقَطْ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّما الرِبا في النَسِيئَةِ"»، وكَقَوْلِهِمْ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"، وأمّا مَن قالَ: "إنَّما" هي لِبَيانِ المَوْصُوفِ، فَهي عِبارَةٌ فاتِرَةٌ، إذْ بَيانُ المَوْصُوفِ يَكُونُ في مُجَرَّدِ الإخْبارِ دُونَ "إنَّما".
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ هاهُنا ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ ﴾ ظاهِرُها أنَّها لِلْمُبالَغَةِ والتَأْكِيدِ فَقَطْ، أيِ:الكامِلُونَ.
و ﴿ وَجِلَتْ ﴾ مَعْناهُ: فَزِعَتْ ورَقَّتْ وخافَتْ، وبِهَذِهِ المَعانِي فَسَّرَتِ العُلَماءُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (فَرِقَتْ)، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: (فَزِعَتْ).
يُقالُ: وجَلَ يَوْجَلُ وياجَلَ ويَيْجَلُ -وَهِيَ شاذَّةٌ- ويِيجَلُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى، ووَجْهُ هَذِهِ أنَّهم لَمّا أبْدَلُوا الواوَ ياءً لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ وجْهُ قِياسٍ فَكَسَرُوا الياءَ الأُولى لِيَجِيءَ بَدَلَ الواوِ ياءٌ لِعِلَّةٍ، حَكى هَذِهِ اللُغاتِ الأرْبَعَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ.
و( تُلِيَتْ ) مَعْناهُ: سُرِدَتْ وقُرِئَتْ، والآياتُ هُنا: القُرْآنُ المَتْلُوُّ، وزِيادَةُ الإيمانِ عَلى وُجُوهٍ كُلُّها خارِجٌ عن نَفْسِ التَصْدِيقِ، مِنها أنَّ المُؤْمِنَ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ اللهِ في القُرْآنِ فَنَزَلَ عَلى النَبِيِّ فَسَمِعَهُ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ، إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ بِهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ فِيمَن بَلَغَهُ ما لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الشَرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وتَتَرَتَّبُ زِيادَةُ الإيمانِ بِزِيادَةِ الدَلائِلِ، ولِهَذا قالَ مالِكٌ: الإيمانُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وتَتَرَتَّبُ زِيادَةُ الأعْمالِ البَرَّةِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى لَفْظَةَ الإيمانِ واقِعَةً عَلى التَصْدِيقِ والطاعاتِ، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: يَزِيدُ ويَنْقُصُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ عِبارَةٌ جامِعَةٌ لِمَصالِحِ الدُنْيا والآخِرَةِ إذا اعْتُبِرَتْ وعُمِلَ بِحَسَبِها في أنْ يَمْتَثِلَ الإنْسانُ ما أُمِرَ بِهِ ويَبْلُغُ في ذَلِكَ أقْصى جُهْدِهِ دُونَ عَجْزٍ، ويَنْتَظِرُ بَعْدَما تَكَفَّلَ لَهُ بِهِ مِن نَصْرٍ أو رِزْقٍ أو غَيْرِهِ.
وهَذِهِ أوصافٌ جَمِيلَةٌ وصَفَ اللهُ بِها فُضَلاءَ المُؤْمِنِينَ، فَجَعَلَها غايَةً لِلْأُمَّةِ لِيَسْتَبِقَ إلَيْها الأفاضِلُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ عَدَّهم ووَسْمَهم بِإقامَةِ الصَلاةِ، ومَدْحَهم بِها حَضًّا عَلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي الزَكاةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ اقْتِرانُ الكَلامِ بِإقامَةِ الصَلاةِ وإلّا فَهو لَفْظٌ عامٌّ في الزَكاةِ ونَوافِلِ الخَيْرِ وصِلاتِ المُسْتَحِقِّينَ، ولَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في هَذا المَعْنى مُحْتَمَلٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ يُرِيدُ: كُلَّ المُؤْمِنِينَ، و"حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَذا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو المَصْدَرُ غَيْرُ المُتَنَقِّلِ، والعامِلُ فِيهِ أحُقُّ ذَلِكَ حَقًّا.
وقَوْلُهُ: ﴿ دَرَجاتٌ ﴾ ظاهِرُهُ -وَهُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ- أنَّ المُرادَ: مَراتِبُ الجَنَّةِ ومَنازِلُها، ودَرَجَتُها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّها دَرَجاتُ أعْمالِ الدُنْيا.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ يُرِيدُ بِهِ: مَآكِلَ الجَنَّةِ ومَشارِبَها، و"كَرِيمٌ" صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ كَقَوْلِكَ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وحَسَبٌ كَرِيمٌ.
<div class="verse-tafsir"
وَصْفُهم بأنهم الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله جاءَ بإعادة الموصول، كما أعيد في قوله: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ في سورة البقرة (4)، وذلك للدلالة على الانتقال، في وصفهم، إلى غرض آخر غيرِ الغرض الذي اجتُلُبَ الموصول الأول لأجله، وهو هنا غرض محافظتهم على ركني الإيمان: وهما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلا علاقة للصلة المذكورة هنا بأحكام الأنفال والرضى بقسمها، ولكنه مجرد المدح، وعبر في جانب الصلاة بالإقامة للدلالة على المحافظة عليها وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ في سورة البقرة (3).
وجيء بالفعلين المضارعين في ﴿ يقيمون ﴾ و ﴿ ينفقون ﴾ للدلالة على تكرر ذلك وتجدده.
واعلم أن مقتضى الاستعمال في الخبر بالصلات المتعاطفة، التي موصولها خبرٌ عن مبتدأ أن تُعتبر خبراً بعدة أشياء فهي بمنزلة أخبار متكررة، ومقتضى الاستعمال في الاخبار المتعددة أن كل واحد منها يعتبر خبراً مستقلاً عن المبتدأ فلذلك تكون كل صلة من هذه الصلات بمنزلة خبر عن المؤمنين وهي محصور فيها المؤمنون أي حالهم فيكون المعنى، إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، إنما المؤمنون الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً.
وهكذا فمتى اختلت صفة من هذه الصفات اختل وصف الإيمان عن صاحبها، فلذلك تعين أن يكون المراد من القصر المبالغة الآيله إلى معنى قصر الإيمان الكامللِ على صاحب كل صلة من هذه الصلات، وعلى صاحب الخبرين، لظهور أن أصل الإيمان لا يسلب من أحد ذكر الله عنده فلا يجل قلبه، فإن أدلة قطعية من أصول الدين تنافي هذا الاحتمال فتعين تأويل ﴿ المؤمنون ﴾ [الأنفال: 2] على إرادة أصحاب الإيمان الكامل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خافَتْ.
الثّانِي: رَقَّتْ.
﴿ وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ ﴾ يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
﴿ زادَتْهم إيمانًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَصْدِيقًا.
الثّانِي: خَشْيَةً.
﴿ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما يَخافُونَهُ مِنَ الشِّدَّةِ في الدُّنْيا.
الثّانِي: فِيما يَرْجُونَهُ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن حسان بن عطية قال: إن الايمان في كتاب الله صار إلى العمل فقال: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ﴾ ثم صيرهم إلى العمل فقال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ قال: برئوا من الكفر.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ قال: خالصاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ قال: استحقوا الايمان بحق فاحقه الله لهم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن الضريس عن أبي سنان قال: سئل عمرو بن مرة عن قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ قال: انما نزل القرآن بلسان العرب كقولك: فلان سيد حقاً وفي القوم سادة، وفلان شاعر حقاً وفي القوم شعراء.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي روق في قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ قال: كان قوم يسرون الكفر ويظهرون الإِيمان، وقوم يسرون الايمان ويظهرونه، فأراد الله أن يميز بين هؤلاء وهؤلاء فقال: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ الذين يسرون الايمان ويظهرونه لا هؤلاء الذين يسرون الكفر ويظهرون الايمان.
وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن مرة في قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ قال: فضل بعضهم على بعض وكلٌ مؤمنون.
وأخرج الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري.
انه مر برسول الله فقال له «كيف أصبحت يا حارث؟
قال: أصبحت مؤمناً حقاً.
قال: انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟
فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي، واظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها.
قال: يا حارث عرفت فالزم ثلاثاً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لهم درجات ﴾ يعني فضائل ورحمة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ لهم درجات عند ربهم ﴾ قال: أعمال رفيعة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ لهم درجات ﴾ قال: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل أنه فضل عليه أحد.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله ومغفرة قال: بترك الذنوب ﴿ ورزق كريم ﴾ قال الأعمال الصالحة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا سمعت الله يقول ﴿ ورزق كريم ﴾ فهي الجنة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا المؤمنون ﴾ الآية: أي الكاملو الإيمان، فإنما هنا للتأكيد والمبالغة والحصر ﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي خافت وقرأ أبي بن كعب: فزعت ﴿ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ أي قَوِي تصديقهم ويقينهم، خلافاً لمن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن زيادته إنما هي بالعمل ﴿ لَّهُمْ درجات ﴾ يعني في الجنة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مردفين ﴾ بفتح الدال: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون: بالكسر.
الوقوف: ﴿ عن الأنفال ﴾ ط ﴿ والرسول ﴾ ج لعطف المختلفين مع الفاء ﴿ ذات بينكم ﴾ ص ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ج لاحتمال جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ والوصل أولى فيكون الوقف على ﴿ ينفقون ﴾ ويكون الثناء بحقيقة الإيمان منصرفاً إلى قوله ﴿ هم المؤمنون ﴾ ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ج لما يجيء في التفسير ﴿ بالحق ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لكارهون ﴾ ه ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ج لاحتمال كون "إذ" متعلقاً بمحذوف وهو "اذكر" أو بقوله ﴿ ويحق ﴾ ﴿ مردفين ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ج لابتداء النفي مع احتمال الحال ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله : من فعل كذا فله كذا، فذهب شبان الرجال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت القسمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردأ لكم فأنزل الله ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ فقسمها بينهم بالسواء.
وعن عبادة بن الصامت قال: لم هزم العدوّ يوم بدر واتبعتهم طائفة يقتلونهم، أحدقت طائفة برسول الله واستولت طائفة بالعكسر والنهب، فلما نفى الله العدوّ رجع الذين طلبوهم وقالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدوّ وبنا قفاهم الله وهزمهم.
وقال الذين أحدقوا برسول الله : ما أنتم بأحق به منا نحن أحدقنا برسول الله لا ينال العدوّ منه غرة.
وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: نحن أخذناه واستولينا عليه فهو لنا فنزلت الآية، فقسمها رسول الله بينهم بالسواء.
وعن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص فأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف.
فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض أي في المقبوض من الغنائم، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله وقد أنزلت سورة الأنفال عليه فقال: "يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وإنه الآن قد صار لي فاذهب فخذه" والنفل بالتحريك الغنيمة وجمعه الأنفال وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً.
قال الأزهري: هو ما كان زيادة على الأصل فسميت الغنائم بذلك لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم.
وصلاة التطوّع نافلة لأنها زائدة على الفرض وقال ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة ﴾ أي زيادة على ما سأل.
والضمير في ﴿ يسألونك ﴾ عائد إلى جامع معينين من الصحابة لهم تعلق بالغنائم كما قررنا.
وحسن العود وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ لدلالة الحال عليهم، ولفظ السؤال وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن المراد أنهم سألوا عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها.
قال الزجاج: إنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم.
وضعف بأن الآية دلت على أنها مسبوقة بالتنازع والتنافس فسألوا عن كيفية قسمتها لا عن حلها وحرمتها.
وعن عكرمة أن المراد من هذا السؤال الاستعطاء أي يطلبون منك الغنائم وقال في الكشاف: النفل ما ينفله الغازي أي يعطاه زائداً على سهمه من المغنم وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب.
من قتل قتيلاً فله سلبه.
أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم أو فلكم نصفه أو ربعه.
ولا يخمس النفل ويلزم الإمام الوفاء بما وعد به.
وهذا التفسير يناسب خبر سعد بن أبي وقاص في إعطاء السيف إياه.
وعن ابن عباس في بعض الروايات أن المراد بالأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من دابة أو عبد أو متاع فهو إلى النبي يضعه حيث يشاء.
وعن مجاهد: إن الأنفال الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس.
وعلى هذا فالقوم إنما سألوا عن الخمس فنزلت الآية.
ثم أمر بالشروع في الجواب فقال ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد.
قال مجاهد وعكرمة والسدي: إنها منسوخه بقوله ﴿ واعلموا أن ما غنمتم ﴾ الآية.
وضعف بأن جعل أربعة أخماسها ملكاً للغانمين لا ينافي كون الحكم فيها لله والرسول، ولو فسر الأنفال بالخمس أو بالسلب فلا إشكال.
ثم حثهم على ترك المنازعة وعلى المؤاخاة والمصافاة فقال ﴿ فاتقوا الله ﴾ أي عقابه ولا تقدموا على معصيته واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ أي التي هي بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومودة وموافقة.
لما كانت الأحوال واقعة في البين قيل لها ذات البين كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي كاملي الإيمان تنبيهاً على أن كمال الإيمان موقوف وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله.
ثم وصف المؤمنين الكاملين فقال ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أي فزعت لذكره استعظاماً لجلاله وحذراً من أليم عقابه.
وقد يطمئن القلب بعد ذلك إذا تذكر كمال رأفته وجزيل ثوابه كقوله ﴿ ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم لمعصية فيقال له اتق الله فينزع ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ قالت العلماء: زيادة الإيمان تكون على ثلاثة أنحاء: الأوّل: بقوّة الدليل وبكثرته، فإن كل دليل مركب لا محالة من مقدمات.
ولا شك في أن النفوس مختلفة في الإشراق والإنارة، والأذهان متفاوتة بالذكاء والغباوة، فكل من كان جزمه بالمقدمات أكثر وأدوم كان علمه بالنتيجة أكمل وأتم، وكذا من سنح له على المطلوب دليلان كان علمه أتم ممن لا يجد على المطلوب دليل واحد ولذا يورد العلماء دلائل متعددة على مدلول واحد ولله در القائل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
الثاني: بتعدد التصديق وتجدده؛ فمن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدقه في شيء واحد، فمعنى الآية أنهم كلما سمعوا آية متجددة أتوا بإقرار جديد.
الثالث: أن يقال: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل كما ينبىء عنه ظاهر الآية لأنه لما ذكر الأمور الخمسة قال ﴿ أولئك هم المؤمنون ﴾ فدل ذلك على أن كل تلك الخصال داخلة في مسمى الإيمان ويؤيده ما رواه أبو هريرة أن النبي قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" وإذا كان الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة فبسبب التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وإن لم يكن التفاوت في الإقرار والاعتقاد متصوراً.
أما قوله ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيفيد الحصر أي لا يتوكلون إلا على ربهم وهذه الصفات مرتبة على أحسن جهات الترتيب؛ فالأولى الفزع من عقاب الله، والثانية الانقياد لتكاليفه، والثالثة الانقطاع بالكلية عما سواه.
ثم لما فرغ من أعمال القلوب وهي الخشية والتسليم والتوكل شرع في وصفهم بأعمال الجوارح وذكر منها رأسها وسنامها وهما الصلاة والصدقة، ثم عظمهم بقوله ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ وفي ﴿ أولئك ﴾ وفي توسيط الفصل وتعريف الخبر وإيراد ﴿ حقاً ﴾ من المبالغات ما لا يخفى و ﴿ حقاً ﴾ صفة مصدر محذوف أي إيماناً حقاً وهو مصدر مؤكد للجملة قبله، وقال الفراء: معناه أخبركم بذلك إخباراً حقاً، وقيل: إنه منوط بما بعده أي حقاً لهم درجات.
واعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الرجل المؤمن يجوز له أن يقول أنا مؤمن، ثم اختلفوا في أنه هل يجوز له أن يضيف إليه حقاً أو لا بل يستثني فيقول إن شاء الله.
والأوّل مذهب أصحاب أبي حنيفة لما ورد في الآية، ولأن الشك في الإيمان لا يجوز لأن التصديق والإقرار كلاهما محقق.
والثاني مذهب أصحاب الشافعي، وأجابوا عن الآية بأنه لا نزاع في أن الموصوف بالصفات المذكورة مؤمن حقاً إنما النزاع في أن القائل أنا مؤمن هل هو موصوف بتلك الصفات جزماً أم لا.
وأما حديث الشك فمبني على أن الإيمان عبارة عن الأركان الثلاثة، ولا ريب أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية، فإن النزاع لفظي على أنا لا نسلم أن الاستثناء لأجل الشك وإنما هو لزوال العجب أو لعدم القطع بحسن الخاتمة، أو لنوع من الأدب ففيه تفويض بالأمر إلى علم الله وحكمه كقوله ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ﴾ وإنه تعالى منزه عن الشك والريب.
عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟
قال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا.
وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية.
وهذا إلزام منه يعني كما لا يقع بأنه من أهل الجنة حقاً فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً.
ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟
فقال: اتباعاً لإبراهيم في قوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ﴾ فقال له: هلا اقتديت به في قوله ﴿ أو لم تؤمن قال بلى ﴾ قيل: وكان لقتادة أن يقول ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ وفيه ما فيه.
ثم أخبر عن مآل حالهم فقال ﴿ لهم درجات عند ربهم ﴾ أي سعادات روحانية متفاوتة في الصعود والارتفاع، ولكن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به يمنعه عن التألم من حال من فوقه كما قال ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ، ﴿ ومغفرة ﴾ وتجاوز عن سيئاتهم ﴿ ورزق كريم ﴾ هو نعيم الجنة المقرون بالدوام والتعظيم.
والكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه نقله الواحدي عن أهل اللغة.
فالله موصوف بأنه كريم لأنه محمود في كل ما يحتاج إليه، والقرآن كريم لأنه يوجد فيه بيان كل شيء ﴿ وقال إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ وقال ﴿ من كل زوج كريم ﴾ وقال ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال بعض العارفين: المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله.
والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته.
قوله عز من قائل ﴿ كما أخرجك ﴾ يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوهاً: الأوّل: أن المشبه محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك.
والمعنى أن حالهم في كراهة ما صنعت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، وذلك أنه لما رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ وقلة المسلمين قال: " من قتل قتيلاً فله كذا وكذا.
ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا" .
ترغيباً لهم في القتال، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق كثير بغير شيء فنزلت ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة.
والثاني: أن ينتصب الكاف على أنه صفة مصدر الفعل المقدّر في قوله ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي ثبت الحكم واستقر بأن الأنفال لله وإن كرهوا ثباتاً مثل إخراج ربك إياك إلى القتال وإن كرهوا، ووجه تخصيص هذا المشبه به بالذكر من بين سائر أحكام الله أن القصة واحدة ووجه جعل الإخراج مشبهاً به كونه أقوى في وجه الشبه لأن مدار القصة عليه.
وقيل: التقدير هو أن الحكم بكونهم مؤمنين حق كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك لأجل القتال حق.
الثالث: قال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده وهو قوله ﴿ يجادلونك ﴾ والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه.
والبيت بيته صلى الله عليه وآله بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مهاجره ومسكنه فلها به اختصاص كاختصاص البيت بساكنه، ومعنى بالحق أي إخراجاً ملتبساً بالحكمة والصواب ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهة بعضهم.
ثم بين الكراهة بقوله ﴿ يجادلونك ﴾ ويجوز أن تكون الجملة بدلاً أو خبراً بعد خبر.
روي أن قريش أقبلت من الشأم فيها تجارة عظيمة ومعهم أربعون راكباً - منهم أبو سفيان وعمر بن العاص وعمرو بن هشام - فأخبر جبريل رسول الله فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً.
وقد رأت أخت العباس ابن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً رأيت كأن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل فرمى بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة.
فحدث بها العباس فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبأوا حتى تتنبأ نساؤهم.
فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير على ما قيل في المثل السائر: "لا في العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمداً لم يصب العير.
فمضى بهم إلى بدر ونزل جبرائيل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا فاستشار النبي صلىالله عليه وسلم أصحابه وقال: ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟
قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ.
فتغير وجه رسول الله ثم ردّ عليهم فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدوّ.
فقام عند غضب النبي أبو بكر وعمر فأحسنا أي الكلام، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر فامض فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار.
ثم قال: المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين تطرف.
فضحك رسول الله ثم قال: "أشيروا عليّ أيها الناس" .
وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان النبي يتخوف أن يكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة.
فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟
قال: أجل.
قال: قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أدرت فوالذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا، إنا بالصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك بنا ما تقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله ونشطه قول سعد ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" .
ولنرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ في الحق ﴾ أي في تلقي النفير بعد ما تبين أي بعد إعلام النبي بأنهم هم المنصورون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير.
وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب وذلك لكراهتهم القتال ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ المتيقن لمشاهدة أسبابه من قلة العدد والعدد.
روي أنه ما كان منهم إلا فارسان.
وانتصب بإضمار "اذكر".
قوله ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ﴾ وقوله ﴿ أنها لكم ﴾ بدل من ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ وهما العير أو النفير ﴿ وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدّة.
والشوكة الحدّة مستعارة من واحدة الشوك ﴿ ويريد الله أن يحق الحق ﴾ يثبته ويعليه ﴿ بكلماته ﴾ بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة من إنزال الملائكة وأسر الكفرة وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ أي يستأصلهم.
والدابر الآخر يعني أنكم تريدون العاجل وسفساف الأمور والله يريد معاليها وما يرجع إلى تقوية الدين وشتان ما بين المرادين.
قوله ﴿ ليحق الحق ﴾ متعلق بمحذوف أي لإظهار الإسلام وإبطال الكفر.
فعل ما فعل وإنما قدّر المحذوف متأخراً ليفيد معنى الاختصاص أي ما فعل ذلك إلا لتحقيق الحق وإبطال الباطل وقيل: يتعلق بـ ﴿ يقطع ﴾ فإن قيل: الحق حق لذاته والباطل باطل في ذاته وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل.
قلنا: المراد إظهار كون الحق حقاً والباطل باطلاً وذلك يكون تارة بإظهار الدلائل والبيان، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل.
فإن قيل: أليس في الكلام تكرار؟
قلنا: لا إذ المراد بالأوّل تثبيت ما وعده في هذه الواقعة من الظفر بالأعداء، والمراد الثاني إعلاء الإسلام ومحق الكفر.
والحاصل أن الأول جزئي أي أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني كلي يشمل هذه القضية وغيرها من القضايا التي حصل في ضمنها إعلاء كلمة الله وقمع بكلمة الكفر.
احتجت الأشاعرة بقوله ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ وقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ على أن الأعمال والعقائد كلها بخلق الله وبتكوينه ولا يمكن أن يقال: المراد من إظهار الحق وضع الدلائل عليه لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى المسلم والكافر وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يبقى للتخصيص فائدة.
والمعتزلة تمسكوا بالآية على إبطال قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله مريد له، لأن ذلك ينافي إرادة تحقيق الحق وإبطال الباطل.
واجيب بأن اللام في ﴿ الحق ﴾ ينصرف إلى المعهود السابق أي في هذه القضية فلم قلتم: إنه كذلك في جميع الصور ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ أي الكافرون أو المشركون كقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يُتم نوره ولو كره الكافرون ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولو كره المشركون ﴾ وقوله ﴿ إذ تستغيثون ﴾ بدل من قوله ﴿ وإذ يعدكم ﴾ وقيل: يتعلق بقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون: يا غياث المستغيثين أغثنا.
وعن عمر أن رسول الله نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه ثلثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدّتك بالدعاء ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
ويروى أنه لما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره.
ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور.
ومعنى تستغيثون تطلبون الإغاثة، يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني ﴿ فاستجاب لكم ﴾ ، ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ ممدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ بكسر الدال وفتحها من أردفته إياه إذا أتبعته متعدياً إلى مفعولين، أو من ردفته إذا أتبعته أي جئت بعده متعدياً إلى مفعول واحد.
ومعنى الأوّل جاعلين بعضهم أو مجعولين بعضهم تابعاً لبعض أو أنفسهم تابعين للمؤمنين يحرسونهم أو لملائكة أخرى.
ومعنى الثاني تابعين بعضهم للبعض أو للمؤمنين يقدمونهم على ساقتهم يحفظونهم أو لغيرهم من الملائكة.
واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبرائيل في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت، وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.
وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً؟
قال: من الملائكة.
فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم.
وروي أن رجلاً من المسلمين بينا هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقياً وشق وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله فقال : "صدقت ذاك من مدد السماء" .
وعن أبي داود المازني قال: تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي.
قيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا، وقد أجبنا عن هذه الشبهة في تفسير سورة آل عمران وكذا في تفسير قوله ﴿ وما جعله الله ﴾ الآية.
وقد مر هنالك وقد بقي علينا بيان المتشابه فنقول: حذف ﴿ لكم ﴾ ههنا لأن المخاطبين معلومون في قوله ﴿ فاستجاب لكم ﴾ وقدم ﴿ قلوبكم ﴾ وأخر به في "آل عمران" ازدواجاً بين الخطابين وعكس ههنا ازدواجاً بين الغائبين.
ثم إن قصة بدر سابقة على قصة أحد فقيل في الأنفال ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ ليستقر الخبر وجعله في آل عمران صفة لأن الخبر قد سبق والله أعلم.
التأويل: كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ما تمنوا.
وقيل: الأنفال لله والرسول قطعاً لطريق الاعتراض والسؤال.
وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ بالتسليم والائتمار ﴿ زادتهم إيماناً ﴾ بحسب تزايد الأنوار ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ فيه أنه أخرج المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية ﴿ كما أخرجك ﴾ من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وإن فريقاً ﴾ هم القلب والروح ﴿ لكارهون ﴾ للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود ﴿ يجادلونك ﴾ أي الروح والقلب ﴿ في ﴾ مجيء ﴿ الحق بعد ما تبين ﴾ مجيئه كأنهم ينظرون إلى الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت ﴿ وإذ يعدكم الله ﴾ أيها السائرون ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية.
﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة ﴾ أي أردتم أن لا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه كما قال ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ أي بجذباته ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ النفوس الأمارة بالسوء.
﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ يعني استغاثة الروح والقلب من النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها ﴿ بألف من الملائكة ﴾ هم الصفات الملكية والروحانية ﴿ إلا بشرى لكم ﴾ بتبديل الأخلاق ﴿ وما النصر ﴾ بإهلاك النفس وصفاتها إلا بتجلي صفته القهارية ﴿ إن الله عزيز ﴾ لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود ﴿ حكيم ﴾ في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى آخر ما ذكر.
يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله: إنما المؤمنون الذين [حققوا إيمانهم بما ذكر من الأفعال.
والثاني: إنما المؤمنون الذين] ظهر صدقهم عندكم بما ذكر من الأفعال من وجل القلب والخشية والثبات واليقين على ما كانوا عليه، ليس كالمنافقين الذين كانوا مرتابين في إيمانهم، كما وصفهم في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ ﴾ ، وكانوا إذا أنفقوا أنفقوا كارهين، وكانوا لا يذكرون الله إلا قليلاً مراءاة للناس، وأما المؤمنون فهم الذين يقومون بوفاء ذلك كله حقيقة، فيظهر صدقهم بذلك، وهو ما وصفهم [به] في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ .
ويحتمل أن يكون على الاعتقاد خاصة، ليس على نفس العمل؛ كأنه قال: إنما المؤمنون الذين اعتقدوا في إيمانهم ما ذكر من وجل القلوب والخشية عند ارتكاب المعصية، والتقصير عن القيام بما عليه، وما يرتكب المؤمن من المعاصي إنما يرتكب عن جهالة ثم يتوب عن قريب؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ ، يرتكب ذلك إما لغلبة شهوة، أو يعتقد التوبة من بعده، أو يرجو رحمة الله وفضله في العفو عن ذلك، فيكون قوله: إنما المؤمنون الذين اعتقدوا لإيمانهم ما ذكر من الأفعال؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ هو على الاعتقاد والقبول له: أنهم إذا اعتقدوا ذلك وقبلوا، يخلى سبيلهم وإن لم يقيموا الصلاة وما ذكر وكذلك الأول يحتمل ذلك.
والرابع: يحتمل قوله: إنما المؤمنون هم الذين فعلوا هذا وأتوا بذلك كله، لكنهم أجمعوا: أن من آمن بقلبه وصدق كان مؤمناً وإن لم يأت بغيره من الأفعال؛ نحو أن يؤمن ثم يخترم ويموت من ساعته مات مؤمناً؛ فدل أنه لم يخرج ذلك على الشرط لما ذكرنا، ولكن على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: يخبر أن المؤمن هو على وصف ما ذكر.
أو يقول: إن المؤمنين الذين ينبغي أن يكونوا ما ذكر.
أو يقول: إنما المؤمنون المختارون ما ذكر، جعل الله ما ذكر من وجل القلب وغيره علماً بين الذين حققوا الإيمان في الظاهر والباطن وبين الذين أظهروا الإيمان وأضمروا الكفر والخلاف، وكذلك ما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ ءَايَٰتُهُ ﴾ : حججه وبراهينه إذا تليت عليهم ذلك يزداد لهم ثباتاً وقوة على ما كانوا، وأما المنافقون فإن الآيات التي نزلت كانت تزداد لهم بها رجساً وبعداً فإن المؤمنين يزيد لهم ذلك ثباتاً وقوة.
أو ذكر الزيادة؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة، فإذا كان له حكم الحدوث والتجدد فهو زيادة على ما كان، فإن شئت سميتها زيادة وإن شئت سميتها ثباتاً.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يزيد الإيمان بالتفسير على الإيمان بالجملة، فإذا فسروا لهم وقالوا: فلان رسول ونبي، ازداد بذلك له إيماناً وإن كان قد آمن به بالجملة، وكذلك الإيمان بجميع الكتب والأمر وإن كنا نؤمن في الجملة أن له الخلق والأمر، فإذا عرف ذلك الأمر ازداد له إيماناً في ذلك - والله أعلم - لأن من آمن بالله وأن له الخلق والأمر فقد أتى بعقدة الإيمان، فإذا جاء بالتفسير واحداً بعد واحد ازداد له إيمانه بالتفسير على إيمانه بالجملة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ أي: على ربهم يتقون ويعتمدون في كل أمورهم لا يتوكلون على غيره إنما يتوكلون على الله وليس كالمنافقين هم إنما يتوكلون على النعم التي أعطوا؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ ونحو ذلك، وأما المؤمن فإنه في جميع أحواله يتوكل على الله ومنه يخاف، وإن كان يصل ذلك إليه ويجري على يد غيره فهو في الحقيقة من الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ بحق الله الذي عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أولئك الذين حققوا إيمانهم.
والثاني: أولئك المؤمنون الذين وعد لهم وعداً حقّاً، وهو ما وعد لهم من الدرجات والمغفرة حق لهم ذلك الوعد، والله أعلم.
﴿ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ قيل: فضائل عند ربهم ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ أي: يستر عليهم ذنوبهم التي كانت لهم في الدنيا في الجنة وينسونها؛ لأن ذكر ذلك ينقص عليهم نعمتهم التي أنعم عليهم ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ قيل: الحسن ورزق يكرم به أهله.
<div class="verse-tafsir"
الذين يداومون على أداء الصلاة بصفتها التامة في أوقاتها، رزقناهم يخرجون النفقات الواجبة والمستحبة.
<div class="verse-tafsir" id="91.75Y2D"