الآية ٤٤ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٤٤ من سورة الأنفال

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ٤٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٤ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٤ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ) وهذا أيضا من لطفه تعالى بهم ، إذ أراهم إياهم قليلا في رأي العين ، فيجرؤهم عليهم ، ويطمعهم فيهم .

قال أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر ، حتى قلت لرجل إلى جانبي : تراهم سبعين ؟

قال : لا بل [ هم ] مائة ، حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه ، قال : كنا ألفا .

رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير .

وقوله : ( ويقللكم في أعينهم ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن الزبير بن الخريت عن عكرمة : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ) قال : حضض بعضهم على بعض .

إسناد صحيح .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه في قوله تعالى : ( ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) أي : ليلقي بينهم الحرب ؛ للنقمة ممن أراد الانتقام منه ، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته .

ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلا من الفريقين بالآخر ، وقلله في عينه ليطمع فيه ، وذلك عند المواجهة .

فلما التحم القتال وأيد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين ، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفيه ، كما قال تعالى : ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) [ آل عمران : 13 ] ، وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين ، فإن كلا منها حق وصدق ، ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (44) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ = إذ يري الله نبيه في منامه المشركين قليلا وإذ يريهم الله المؤمنين إذ لقوهم في أعينهم قليلا وهم كثير عددهم, ويقلل المؤمنين في أعينهم, ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم، كما:- 16156 - حدثني ابن بزيع البغدادي قال، حدثنا إسحاق بن منصور, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة, عن عبد الله قال: لقد قلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟

قال: أراهم مئة‍ قال: فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم هم؟

قال: ألفًا.

(70) 16157- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن أبى إسحاق, عن أبي عبيدة, عن عبد الله بنحوه.

16158 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا "، قال ابن مسعود: قللوا في أعيننا، حتى قلت لرجل: أتُرَاهم يكونون مئة؟

16159 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال ناس من المشركين: إن العيرَ قد انصرفت فارجعوا.

فقال أبو جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه!

فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم.

وقال: يا قوم لا تقتلوهم بالسلاح, ولكن خذوهم أخذًا, فاربطوهم بالحبال!

= يقوله من القدرة في نفسه.

* * * وقوله: " ليقضي الله أمرًا كان مفعولا " ، يقول جل ثناؤه: قلّلتكم أيها المؤمنون، في أعين المشركين، وأريتكموهم في أعينكم قليلا حتى يقضي الله بينكم ما قضى من قتال بعضكم بعضًا، وإظهاركم، أيها المؤمنون، على أعدائكم من المشركين والظفر بهم, لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

وذلك أمرٌ كان الله فاعلَه وبالغًا فيه أمرَه، كما:- 16160 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " ليقضي الله أمرا كان مفعولا "، أي: ليؤلف بينهم على الحرب، للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد إتمام النعمة عليه من أهل ولايته.

(71) * * * = " وإلى الله ترجع الأمور " ، يقول جل ثناؤه: مصير الأمور كلها إليه في الآخرة, فيجازي أهلها على قدر استحقاقهم المحسنَ بإحسانه، والمسيءَ بإساءته.

----------------- الهوامش : (70) الأثر : 16156 - " ابن بزيع البغدادي " ، هو " محمد بن عبد الله بن بزيع البغدادي " ، من شيوخ مسلم ، مضى برقم : 2451 ، 3130 ، 10239 .

وكان في المطبوعة : " كنا ألفًا "، زاد " كنا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .

(71) الأثر : 16160 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16153 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمورقوله تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا هذا في اليقظة .

يجوز حمل الأولى على اليقظة أيضا إذا قلت : المنام موضع النوم ، وهو العين ، فتكون الأولى على هذا خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه للجميع .

قال ابن مسعود : قلت لإنسان كان بجانبي يوم بدر : أتراهم سبعين ؟

فقال : هم نحو المائة .

فأسرنا رجلا فقلنا : كم كنتم ؟

فقال : كنا ألفا .ويقللكم في أعينهم كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم : إنما هم أكلة جزور ، خذوهم أخذا واربطوهم بالحبال .

فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا ، كما قال : يرونهم مثليهم رأي العين حسب ما تقدم في آل عمران [ ص: 382 ] بيانه .ليقضي الله أمرا كان مفعولا تكرر هذا ، لأن المعنى في الأول من اللقاء ، وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين ، وهو إتمام النعمة على المسلمين .وإلى الله ترجع الأمور أي مصيرها ومردها إليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأرى اللّه المؤمنين عدوهم قليلا في أعينهم، ويقللكم ـ يا معشر المؤمنين ـ في أعينهم،فكل من الطائفتين ترى الأخرى قليلة، لتقدم كل منهما على الأخرى‏.‏ ‏{‏لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا‏}‏ من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يبق منهم أحد له اسم يذكر، فيتيسر بعد ذلك انقيادهم إذا دعوا إلى الإسلام، فصار أيضًا لطفا بالباقين، الذين مَنَّ اللّه عليهم بالإسلام‏.‏ ‏{‏وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ‏}‏ أي‏:‏ جميع أمور الخلائق ترجع إلى اللّه، فيميز الخبيث من الطيب، ويحكم في الخلائق بحكمه العادل، الذي لا جور فيه ولا ظلم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ) قال مقاتل : وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في المنام أن العدو قليل قبل لقاء العدو ، وأخبر أصحابه بما رأى ، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟

قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟

قال : ألفا .

( ويقللكم ) يا معشر المؤمنين ( في أعينهم ) قال السدي : قال ناس من المشركين : إن العير قد انصرفت فارجعوا ، فقال أبو جهل : الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه؟

فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم ، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور ، فلا تقتلوهم ، واربطوهم بالحبال - يقوله من القدرة التي في نفسه - : قال الكلبي : استقل بعضهم بعضا ليجترئوا على القتال ، فقلل المشركين في أعين المؤمنين لكي لا يجبنوا ، وقلل المؤمنين في أعين المشركين لكي لا يهربوا ، ( ليقضي الله أمرا ) من إعلاء الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله .

( كان مفعولا ) كائنا ، ( وإلى الله ترجع الأمور )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ يريكموهم» أيها المؤمنون «إذ التقيتم في أعينكم قليلا» نحو سبعين أو مائة وهم ألف لتقدموا عليهم «ويقللكم في أعينهم» ليقدموا ولا يرجعوا عن قتالكم وهذا قبل التحام الحرب، فلما التحم أراهم إياهم مثليهم كما في آل عمران «ليقضيَ الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع» تصير «الأمور».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر أيضًا حينما برز الأعداء إلى أرض المعركة فرأيتموهم قليلا فاجترأتم عليهم، وقلَّلكم في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لحربكم؛ ليقضي الله أمرًا كان مفعولا فيتحقق وَعْدُ الله لكم بالنصر والغلبة، فكانت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

وإلى الله مصير الأمور كلها، فيجازي كلا بما يستحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ .

.

.

) معطوف على ما قبله وهو قوله ( إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ) وذلك لتأكيد الرؤيا المنامية بالرؤية فى اليقظة .والمعنى : واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن التقيتم مع أعدائكم وجها لوجه فى بدر ، فكان من فضل الله عليم قبل أن تلتحموا معهم أن جعل عددهم قليلا فى أعينكم وجعل عددكم قليلا فى أعينهم ، وذلك لإِغرائهم على خوض المعركة .أما أنتم فتخوضونها بدون مبالاة بهم لقلتهم فى أعينكم ، ولثقتكم بنصر الله إياكم .

.وأما هم فيخوضونها معتمدين على غرورهم وبطرهم وقلتكم فى أعينهم ، فيترتب على ذلك أن يتركوا الاستعداد اللازم لقتالكم ، فتكون الدائرة عليهم .

.قال ابن مسعود - وهو ممن حضر بدرا - : لقد قللوا فى أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبى : أتراهم سبعين؟

قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له : كم كنتم؟

قال : ألفا .وقال أبو جهل - فى ذلك اليوم وقبل الالتحام - : إن محمداً وأصحابه أكلة جزور - أى هم قليل يشبعهم لحم ناقة واحدة - خذوهم أخذا و اربطوهم بالحبال .

.وقد أجاد صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية حيث يقول : قوله ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ ) الضميران مفعولان يعنى : وإذ يبصركم إياهم .

( قَلِيلاً ) حال ، وإنما قللهم فى أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا .

.

.فإن قلت : الغرض من تقليل الكفار فى أعين المؤمنين ظاهر ، فما الغرض من تقليل المؤمنين فى أعينهم؟قلت : قد قللهم فى أعينهم قبل اللقاء ، ثم كثرهم فيها بعده ، ليجترئوا عليهم ، قلة مبالاة بهم ، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا يهابوا ، وتقل شوكتهم ، حير يرون ما لم يكن فى حسابهم وتقديرهم ، وذلك قوله( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين ) ولئلا يستعدوا لهم ، وليعظم الاحتجاج عليهم فاستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا ، وكثرتهم آخرا .ثم قال : فإن قلت : بأى طريق يبصرون الكثير قليلا؟قلت : بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر ، أو يحدث فى عيونهم ما يستقلون به الكثير ، كما أحدث فى أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين .قيل لبعضهم : إن الأحول يرى الواحد اثنين - وكان بين يديه ديك واحد - فقال : ما لى لا أرى هذين الديكين أربعة .وقوله - سبحانه - ( لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ) ما فعل من تقليل كل فريق فى عين الآخر ، ليقضى أمرا كان مفعولا ، أى : ثابتا فى علمه وحكمته ، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين ، واندحار الكافرين وإلى الله وحده ترجع الأمور لا إلى إحد سواه ، فإن كل شئ عنده بمقدار ، ولأن كل شئ فى هذا الكون بقضائه وقدره ، وما من شئ إلا مصيره ومرده إليه .قال بعض العلماء : ولا يقال إن قوله - تعالى - : ( لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ) مكرر مع ما سبق ، لأننا نقول : ان المقصود من ذكره أولا - فى قوله : إذ أنتم بالعدوة الدنيا .

.

هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين ، على وجه معجزة دالة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - والمقصود منه هنا بيان خارق آخر ، وهو تقليلهم فى أعين المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسولب تصويرى بديع فى استحضار لمشاهدها ومواقفها ، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرته الله ، ومن تدبيره المحكم الذى كان فوق تدبير البشر ، ومن تهيئة الاسباب الظاهرة والخفية التى أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من النعم التي أظهرها الله للمسلمين يوم بدر، والمراد أن القليل الذي حصل في النوم تأكد ذلك بحصوله في اليقظة.

قال صاحب الكشاف: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ ﴾ الضميران مفعولان يعني إذ يبصركم أياهم، و ﴿ قَلِيلاً ﴾ نصب على الحال.

واعلم أنه تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين، وقلل أيضاً عدد المؤمنين في أعين المشركين.

والحكمة في التقليل الأول، تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم، وأيضاً لتقوى قلوبهم وتزداد جراءتهم عليهم، والحكمة في التقليل.

الثاني: أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر، فصار ذلك سبباً لاستيلاء المؤمنين عليهم.

فإن قيل: كيف يجوز أن يريهم الكثير قليلاً؟

قلنا: أما على ما قلنا فذاك جائز، لأن الله تعالى خلق الإدراك في حق البعض دون البعض.

وأما المعتزلة فقالوا: لعل العين منعت من إدراك الكل، أو لعل الكثير منهم كانوا في غاية البعد فما حصلت رؤيتهم.

ثم قال: ﴿ لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .

فإن قيل: ذكر هذا الكلام في الآية المتقدمة، فكان ذكره هاهنا محض التكرار.

قلنا: المقصود من ذكره في الآية المتقدمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.

والمقصود من ذكره هاهنا، ليس هو ذلك المعنى، بل المقصود أنه تعالى ذكر هاهنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين المشركين، فبين هاهنا أنه إنما فعل ذلك ليصير ذلك سبباً لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر، فيصير ذلك سبباً لانكسارهم.

ثم قال: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور ﴾ والغرض منه التنبيه على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً ليوم المعاد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذَا يُرِيكُمُوهُمْ ﴾ الضميران مفعولان.

معنى: وإذ يبصركم إياهم.

و ﴿ قَلِيلاً ﴾ نصب على الحال، وإنما قللهم في أعينهم تصديقاً لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدّوا ويثبتوا.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟

قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا له: كم كنتم؟

قال: ألفاً ﴿ وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور.

فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟

قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده ليجترؤا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين ﴾ [آل عمران: 13] ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أوّلاً وكثرتهم آخراً.

فإن قلت: بأي طريق يبصرون الكثير قليلاً؟

قلت بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين.

قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك واحد فقال: مالي لا أرى هذين الديكين أربعة؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيمٍ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ.

﴿ وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ لَجَبُنْتُمْ.

﴿ وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ في أمْرِ القِتالِ وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم بَيْنَ الثَّباتِ والفِرارِ.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ.

﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها وما يُغَيِّرُ أحْوالَها.

﴿ وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ﴾ الضَّمِيرانِ مَفْعُولا يَرى و ﴿ قَلِيلا ﴾ حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِمَن إلى جَنْبِهِ أتَراهم سَبْعِينَ فَقالَ أراهم مِائَةً، تَثْبِيتًا لَهم وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ  .

﴿ وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أكَلَةُ جَزُورٍ، وقَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهم، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ لِتَفْجَأهُمُ الكَثْرَةُ فَتَبْهَتُهم وتَكْسِرُ قُلُوبَهم، وهَذا مِن عَظائِمَ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ فَإنَّ البَصَرَ وإنْ كانَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي في الشُّرُوطِ.

﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا ﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِاكْتِفاءُ عَلى الوَجْهِ المَحْكِيِّ وها هُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالُ الإشْراكِ وحِزْبِهِ.

﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} الضميران مفعولان أي وإذ يبصركم إياهم {إِذِ التقيتم} وقت اللقاء {فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} هو نصب على الحال وإنما قللهم فى أعيهم تصديقا لرؤسا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ينجدوا ويثبتوا قال اببن مسعود رضى الله عنه لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين قال أراهم مائة وكاوا ألفا {ويقللكم في أعينهم} حتى قا لقائل منه إنما تهم أكلة جزور قيل قد قللهم في أعينهم قبل اللققاء ثم كثرهم فيها بعده ليجترئوا عليهم قلة مبالاة بهم ثم تفجأهم الكثرة فيبهتوا وبها بواو يجوز أن يبصروا الكثير قليلاً بأن يستر الله بعضهم بساتر أو يحدث في عيونهم ما يستقولن به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين قبل لبعضهم أن الاحل يرى الواحد اثنين وكان بين يديه ديك واحد فقال مالى لا أرى هذهين الديكين أربعة {لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مفعولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} فيحكم فيها بما يريد ترجع شامى وحمزة وعلى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ﴾ مُقَدَّرٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ الكُلُّ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والتَّعْمِيمِ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلُ، والضَّمِيرانِ مَفْعُولا يُرِي و( قَلِيلًا ) حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم سُبْحانَهُ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى مَن بِجَنْبِهِ: أتَراهم سَبْعِينَ؟

فَقالَ: أراهم مِائَةً تَثْبِيتًا لَهم وتَصْدِيقًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّما أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا التَّقْلِيلُ في ابْتِداءِ الأمْرِ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ويَتْرُكُوا الِاسْتِعْدادَ والِاسْتِمْدادَ ثُمَّ كَثَّرَهم سُبْحانَهُ حَتّى رَأوْهم مَثَلَيْهِمْ لِتُفاجِئَهُمُ الكَثْرَةُ فَيَبْهَتُوا ويَهابُوا.

﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا وإلى اللَّهُ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ إذْ هو في الأوَّلِ اجْتِماعُهم بِلا مِيعادٍ وهُنا تَقْلِيلُهم ثُمَّ تَكْثِيرُهم، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثُمَّ الِالتِقاءِ عَلى الوَجْهِ المَحْكِيِّ، وهاهُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالُ الشِّرْكِ وحِزْبِهِ، هَذا وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ما وقَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ مِن عَظائِمِ الآياتِ فَإنَّ البَصَرَ وإنْ كانَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا لَكِنْ لا عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ ولا إلى ذَلِكَ الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِصَدِّ الأبْصارِ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي في الشَّرائِطِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْلِيلِ مُناسِبٌ لِتَقْلِيلِ الكَثِيرِ لا لِتَكْثِيرِ القَلِيلِ، وأُجِيبُ بِأنَّ تَكْثِيرَ القَلِيلِ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومِن جانِبِ الكَفَرَةِ حَقِيقَةٌ فَلا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ فِيهِما وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ تَقْلِيلُ الكَثِيرِ، وذَكَرَ في ”الكَشّافِ“ طَرِيقَيْنِ لِإبْصارِ الكَثِيرِ قَلِيلًا أنْ يَسْتُرَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَهُ بِساتِرٍ أوْ يُحْدِثَ في عُيُونِهِمْ ما يَسْتَقِلُّونَ بِهِ الكَثِيرَ كَما خَلَقَ في عُيُونٍ الحَوَلَ ما يَسْتَكْثِرُونَ بِهِ القَلِيلَ فَيَرَوْنَ الواحِدَ اثْنَيْنِ، وعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ رُؤْيَتَهم لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ مِن قَبِيلِ رُؤْيَةِ الأحْوَلِ بَلْ هي أعْظَمُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى حَدِيثِ رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ في ذَلِكَ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ الإدْراكَ في الحاسَّةِ غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلى سَبَبٍ مِن مُقابَلَةٍ أوْ قُرْبٍ أوِ ارْتِفاعِ حُجُبٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إذْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأسْبابُ مُوجِبَةً لِلرُّؤْيَةِ عَقْلًا لَما أمْكَنَ أنَّ يَسْتَتِرَ عَنْهُمُ البَعْضُ وقَدْ أدْرَكُوا البَعْضَ، والسَّبَبُ المُوجِبُ مُشْتَرِكٌ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنَّ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الإدْراكَ مَعَ انْتِفاءِ هَذِهِ الأسْبابِ، ويَجُوزُ أنْ لا يَخْلُقَهُ مَعَ اجْتِماعِها فَلا رَبْطَ إذَنْ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ وبَيْنَها في مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى، وهي رادَّةٌ عَلى القَدَرِيَّةِ المُنْكِرِينَ لِرُؤْيَتِهِ تَعالى لِفَقْدِ شَرْطِها وهو التَّجَسُّمُ ونَحْوُهُ، وحَسْبُهم هَذِهِ الآيَةُ في بُطْلانِ زَعْمِهِمْ لَكِنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعَرَّضُونَ، ثُمَّ إنَّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتْ في قَوْلٍ عَلى طَرْزِ رُؤْيَةِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ المُشْرِكِينَ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها كانَتْ في مَقامِ التَّعْبِيرِ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عَلى خِلافِ الواقِعِ، والقِلَّةُ مُعَبِّرَةٌ بِالمَغْلُوبِيَّةِ، والواقِعَةُ مِنَ الرُّؤْيَةِ مِنها ما يَقَعُ بِعَيْنِهِ ومِنها ما يُعَبَّرُ ويُؤَوَّلُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيها يَقْتَضِي بَسْطًا فَتَيَقَّظْ واسْتَمِعْ لِما يُتْلى فَنَقُولُ: اعْلَمْ أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ الإنْسانِيَّةَ سُلْطانُ القُوى البَدَنِيَّةِ وهي آلاتٌ لَها، وظاهِرٌ أنَّ القُوَّةَ الجُسْمانِيَّةَ تَكِلُّ بِكَثْرَةِ العَمَلِ كالسَّيْفِ الَّذِي يَكِلُّ بِكَثْرَةِ القَطْعِ، فالنَّفْسُ إذا اسْتَعْمَلَتِ القُوى الظّاهِرَةَ اسْتِعْمالًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَعْرِضُ لَها الكَلالُ تُعَطِّلُها لِتَسْتَرِيحَ وتَقْوى كَما أنَّ الفارِسَ إذا أكْثَرَ رُكُوبَ فَرَسِهِ يُرْسِلُهُ لِيَسْتَرِيحَ ويَرْعى.

وهَذا التَّعَطُّلُ الحاصِلُ بِاسْتِرْخاءِ الأعْصابِ الدِّماغِيَّةِ المُتَّصِلَةِ بِآلاتِ الإدْراكِ هو النَّوْمُ وما يَتَراءى هُناكَ هو الرُّؤْيا إلّا أنَّ المُتَكَلِّمِينَ والحُكَماءَ المَشّائِينَ والمُتَألَّهِينَ مِنَ الإشْراقِيِّينَ والصُّوفِيَّةِ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَتِها إلى مَذاهِبَ، فَذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ وجُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّ الرُّؤْيا خَيالاتٌ باطِلَةٌ، ووَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَقْدُ شَرائِطِ الإدْراكِ حالَةَ النَّوْمِ مِنَ المُقابَلَةِ وانْبِثاثِ الشُّعاعِ وتَوَسُّطِ الشَّغافِ والبِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في الإدْراكِ عِنْدَهم وعِنْدَ الجَماعَةِ، وهم لَمْ يَشْتَرِطُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنَّ الإدْراكَ حالَةَ النَّوْمِ خِلافُ العادَةِ وأنَّ النُّوَّمَ ضِدُّ الإدْراكِ فَلا يُجامِعُهُ فَلا تَكُونُ الرُّؤْيا إدْراكًا حَقِيقَةً، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ: إنَّ الرُّؤْيا إدْراكُ حَقٍّ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ ما يَجِدُهُ النّائِمُ مِن نَفْسِهِ مِن إبْصارٍ وسَمْعٍ وذَوْقٍ وغَيْرِها مِنَ الإدْراكاتِ وما يَجِدُهُ اليَقِظانِ مِن إدْراكاتِهِ، فَلَوْ جازَ التَّشْكِيكُ فِيما يَجِدُهُ النّائِمُ لَجازَ التَّشْكِيكُ فِيما يَجِدُهُ اليَقْظانُ ولَزِمَ السَّفْسَطَةُ والقَدْحُ في الأُمُورِ المَعْلُومَةِ حَقِيقَتُها بِالبَدِيهَةِ، ولَمْ يُخالِفْ في كَوْنِ النَّوْمِ ضِدًّا لِلْإدْراكِ لَكِنَّهُ زَعَمَ أنَّ الإدْراكاتِ تَقُومُ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الإنْسانِ غَيْرَ ما يَقُومُ بِهِ النَّوْمُ مِن أجْزائِهِ فَلا يَلْزَمُ اجْتِماعُ الضِّدَّيْنِ في مَحَلٍّ.

وذَهَبَ المَشّاءُونَ إلى أنَّ المُدْرَكَ في النَّوْمِ يُوجَدُ في الحِسِّ المُشْتَرَكِ الَّذِي هو لَوْحُ المَحْسُوساتِ ومَجْمَعُها، فَإنَّ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ إذا أخَذَتْ صُوَرَ المَحْسُوساتِ الخارِجِيَّةِ وأدَّتْها إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ صارَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ مُشاهَدَةً هُناكَ، ثُمَّ إنَّ القُوَّةَ المُتَخَيَّلَةَ الَّتِي مِن شَأْنِها تَرْكِيبُ الصُّوَرِ إذا رَكَّبَتْ صُورَةً فَرُبَّما انْطَبَعَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ في الحِسِّ المُشْتَرَكِ وصارَتْ مُشاهَدَةً عَلى حَسَبِ مُشاهَدَةِ الصُّورَةِ الخارِجِيَّةِ، فَإنَّ مَدارَ المُشاهِدَةِ الِانْطِباعُ في الحِسِّ المُشْتَرَكِ سَواءٌ انْحَدَرَتْ إلَيْهِ مِنَ الخارِجِ أوْ مِنَ الدّاخِلِ، ثُمَّ إنَّ القُوَّةَ المُتَخَيَّلَةَ مِن شَأْنِها التَّصْوِيرُ دائِمًا لا تَسْكُنُ نَوْمًا ولا يَقَظَةَ فَلَوْ خَلِيَتْ وطِباعَها لَما فَتَرَتْ عَنْ رَسْمِ الصُّوَرِ في الحِسِّ المُشْتَرَكِ إلّا أنَّهُ يَصْرِفُها عَنْ ذَلِكَ أمْرانِ، أحَدُهُما تَوارُدُ الصُّوَرِ مِنَ الخارِجِ عَلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ إذْ بَعْدَ انْتِقاشِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لا يَسَعُ أنْ يَنْتَقِشَ بِالصُّورَةِ الَّتِي تُرَكِّبُها المُتَخَيِّلَةُ.

وثانِيهِما تَسَلُّطُ العَقْلِ أوِ الوَهْمِ عَلَيْها بِالضَّبْطِ عِنْدَما يَسْتَعْمِلانِها في مُدْرِكاتِهِما، ولا شَكَّ في انْقِطاعٍ هَذَيْنِ الصّارِفَيْنِ عِنْدَ النَّوْمِ فَيَتَّسِعُ لِانْتِقاشِ الصُّوَرِ مِنَ الدّاخِلِ فَيَكُونُ ما يُدْرِكُهُ النّائِمُ صُوَرًا مُرْتَسِمَةً في الحِسِّ المُشْتَرَكِ ومَوْجُودَةً فِيهِ وهو الرُّؤْيا إلّا أنَّ مِنها ما هو صادِقٌ ومِنها ما هو كاذِبٌ، أمّا الأُولى فَهي الَّتِي تَرِدُ تِلْكَ الصُّوَرُ فِيها عَلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ مِنَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ، وبَيانُهُ أنَّهُ صَوَّرَ جَمِيعَ الحَوادِثِ ما كانَ وما يَكُونُ مُرْتَسِمَةً في المَبادِئِ العالِيَةِ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْها أرْبابُ الشَّرْعِ بِالمَلائِكَةِ ومُنْطَبِعَةٌ بِالنُّفُوسِ المُجَرَّدَةِ الفَلَكِيَّةِ، واتِّصالُ النَّفْسِ المُجَرَّدَةِ بِالمُجَرَّدِ لِعِلَّةِ الجِنْسِيَّةِ أشَدُّ مِنِ اتِّصالِها بِالقُوى الجُسْمانِيَّةِ، فَمِن شَأْنِها أنْ تَتَّصِلَ بِذَلِكَ وتَنْتَقِشُ بِما فِيهِ إلّا أنَّ اشْتِغالَها بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ واسْتِغْراقَها بِتَدْبِيرِ بَدَنِها يَمْنَعانِها عَنْ ذَلِكَ الِاتِّصالِ والِانْتِقاشِ لِأنَّ اشْتِغالَ النَّفْسِ بِبَعْضِ أفاعِيلِها يَمْنَعُها مِنَ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِي لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ هو اللَّهُ تَعالى الواحِدُ القَهّارُ، ولا يُمْكِنُ إزالَةُ العائِقِ بِالكُلِّيَّةِ إلّا أنَّهُ يُسَكِّنُ اشْتِغالَها بِالإدْراكاتِ الحِسِّيَّةِ حالَةَ النَّوْمِ إذْ في اليَقَظَةِ يَنْتَشِرُ الرُّوحُ إلى ظاهِرِ البَدَنِ بِواسِطَةِ الشَّرايِينِ ويَنْصَبُّ إلى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ حالَةَ الِانْتِشارِ ويَحْصُلُ بِها الإدْراكُ فَتَشْتَغِلُ النَّفْسُ بِتِلْكَ الإدْراكاتِ، وأمّا في النَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ فَيَنْحَبِسُ الرُّوحُ إلى الباطِنِ ويَرْجِعُ عَنِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ بَعْدَ انْصِبابِهِ إلَيْها فَتَتَعَطَّلُ فَيَحْصُلُ لِلنَّفْسِ أدْنى فَراغٍ فَتَتَّصِلُ بِتِلْكَ المَبادِئِ اتِّصالًا رُوحانِيًّا مَعْنَوِيًّا وتَنْتَقِشُ بِبَعْضِ ما فِيها مِمّا اسْتَعَدَّتْ هي لَهُ كالمَرايا إذا حُوذِيَ بَعْضُها بِبَعْضٍ فانْتَقَشَ في بَعْضِها ما يَتَّسِعُ لَهُ مِمّا انْتَقَشَ في البَعْضِ الآخَرِ فَتُدْرِكُ النَّفْسُ مِمّا ارْتَسَمَ في تِلْكَ المَبادِئِ ما يُناسِبُها مِن أحْوالِها وأحْوالِ ما يُقارِنُها مِنَ الأقارِبِ والأهْلِ والوَلَدِ والإقْلِيمِ والبَلَدِ ماضِيهِ وآتِيهِ إلّا أنَّ هَذا الإدْراكَ لِعَدَمِ تَأدِّيهِ مِن طَرَفٍ الحِسِّ كُلِّيٌّ فَتُحاكِيهِ القُوَّةُ المُتَخَيِّلَةُ الَّتِي جُبِلَتْ مُحاكِيَةً لِما يَرِدُ عَلَيْها بِصُوَرٍ جُزْئِيَّةٍ مِثالِيَّةٍ خَيالِيَّةٍ مُناسِبَةٍ إيّاهُ فَتُحاكِي ما هو خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها في صُورَةٍ جَمِيلَةٍ وما هو شَرٌّ كَذَلِكَ في صُورَةٍ قَبِيحَةٍ هائِلَةٍ عَلى مَراتِبَ مُخْتَلِفَةٍ ووُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ ومِن ثَمَّةَ قَدْ تَرى ذاتَها بِصِفَةٍ جَمِيلَةٍ صُورِيَّةٍ ومَعْنَوِيَّةٍ مِنَ الجَمالِ والعِلْمِ والكَرَمِ والشَّجاعَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ، وقَدْ تَرى ذاتَها مُتَّصِفَةً بِأضْدادِ ما ذُكِرَ، وقَدْ تُرى تِلْكَ الصِّفاتُ في صُورَةِ ما غَلَبَتِ الصِّفاتُ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ تَرى أنَّها نَفْسَها صارَتْ نَوْعًا آخَرَ لِغَلَبَةِ صِفاتِهِ عَلَيْها، ومَتى غَلَبَتْ عَلَيْها الصِّفاتُ الجَمِيلَةُ والأخْلاقُ الحَمِيدَةُ تَرى صُوَرًا جَمِيلَةً وأشْخاصًا حَمِيدَةً كَذَوِي الجِمالِ والعُلَماءِ والأوْلِياءِ والمَلائِكَةِ، بَلْ قَدْ تَرى أنَّها صارَتْ عالِمًا أوْ مَلِكًا مَثَلًا، ومَتى غَلَبَتْ عَلَيْها الصِّفاتُ الذَّمِيمَةُ تَرى صُوَرًا هائِلَةً كَصُورَةٍ غُولِيَّةٍ أوْ سَبْعِيَّةٍ، وكَذا رُؤْيَةُ حالِ مَن يُقارِبُهُ مِنَ الأهْلِ والوَلَدِ والإقْلِيمِ مَثَلًا فَإنَّها تَراها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ المَراتِبِ والمُناسَباتِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في المُضِيِّ أوِ الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ حَتّى لَوِ اهْتَمَّتْ بِمَصالِحِ النّاسِ رَأتْها ولَوْ كانَتْ مُنْجَذِبَةَ الهِمَّةِ إلى المَعْقُولاتِ لاحَتْ لَها أشْياءُ مِنها، فَمَتى لَمْ يَكُنِ اخْتِلافٌ بَيْنَ تِلْكَ الصُّورَةِ وبَيْنَ ما هي مَأْخُوذَةٌ مِنهُ إلّا بِالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ كانَتِ الرُّؤْيَةُ غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى التَّعْبِيرِ، والتَّجاوُزُ عَنْها إلى ما يُناسِبُها بِوَجْهٍ مِنَ المُماثَلَةِ أوِ الضِّدْيَةِ الَّتِي يَقْتَضِيها نَحْوَ الأُلْفِ والخُلُقِ والأسْبابِ السَّماوِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ خَفِيَّةٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا الأفْرادُ مِن أئِمَّةِ التَّعْبِيرِ، وإنْ كانَتْ مُخالَفَةً لَها لِقُصُورٍ يَقَعُ في المُتَخَيِّلَةِ إمّا لِذاتِها أوْ لِعَرُوضِ دَهْشَةٍ وحَيْرَةٍ لَها مِمّا تَرى أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ كانَتْ مُحْتاجَةً إلى التَّعْبِيرِ، وهو أنْ يَرْجِعَ المُعَبِّرُ القَهْقَرى مُجَرِّدًا لِما يَراهُ النّائِمُ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الَّتِي صَوَّرَتْها المُتَخَيِّلَةُ إلى أنْ يَنْتَهِيَ بِمَرْتَبَةٍ أوْ مَراتِبَ إلى ما تَلَقَّتْهُ النَّفْسُ مِن تِلْكَ المَبادِئِ فَيَكُونُ هو الواقِعَ، وقَدْ يَتَّفِقُ سِيَّما إذا كانَ الرّائِي كَثِيرَ الِاهْتِمامِ بِالرُّؤْيا أنْ يُعَبِّرَ رُؤْياهُ في النَّوْمِ الَّذِي رَآها فِيهِ أوْ غَيْرِهِ، فَهو إمّا بِتَذَكُّرِهِ لِما كانَتِ الرُّؤْيا حِكايَةً عَنْهُ، وإمّا بِتَصْوِيرِ المُتَخَيِّلَةِ حِكايَةَ رُؤْياهُ بِحِكايَةٍ أُخْرى، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى تَعْبِيرَيْنِ.

وأمّا الثّانِيَةُ: فَهي تَكُونُ لِأشْياءَ إمّا لِأنَّ النَّفْسَ إذا أحَسَّتْ في حالِ اليَقَظَةِ بِتَوَسُّطِ الآلاتِ الجُسْمانِيَّةِ بِصُوَرٍ جُزْئِيَّةٍ مَحْسُوسَةٍ أوْ خَيالِيَّةٍ وبَقِيَتْ مَخْزُونَةً في قُوَّةِ الخَيالِ فَعِنْدَ النَّوْمِ الَّذِي يَخْلُصُ فِيهِ الحِسُّ المُشْتَرَكُ عَمّا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ تُرْسَمُ في الحِسِّ المُشْتَرَكِ ارْتِسامَ المَحْسُوساتِ إمّا عَلى ما كانَتْ عَلَيْها وإمّا بِصُوَرٍ مُناسِبَةٍ لَها، أوْ لِأنَّ النَّفْسَ أتْقَنَتْ بِواسِطَةِ المُتَخَيِّلَةِ صُورَةً ألَّفَتْها فَعِنْدَ النَّوْمِ تَتَمَثَّلُ في الحِسِّ المُشْتَرَكِ، أوْ لِأنَّ مِزاجَ الدِّماغِ يَتَغَيَّرُ فَيَتَغَيَّرُ مِزاجُ الرُّوحِ الحامِلَةِ لِلْقُوَّةِ المُتَخَيِّلَةِ فَتَتَغَيَّرُ أفْعالُ المُتَخَيِّلَةِ بِحَسَبِ تِلْكَ التَّغَيُّراتِ، ولِذَلِكَ يَرى الدَّمَوِيُّ الأشْياءَ الحُمْرَ والصَّفْراوِيُّ النِّيرانَ والأشِعَّةَ والسَّوْداوِيُّ الجِبالَ والأدْخِنَةَ والبَلْغَمِيُّ المِياهَ والألْوانَ البِيضَ، ومِن هَذا القَبِيلِ رُؤْيَةُ كَوْنِ بَدَنِهِ أوْ بَعْضِ أعْضائِهِ في الثَّلْجِ أوِ الماءِ أوِ النّارِ عِنْدَ غَلَبَةِ السُّخُونَةِ أوِ البُرُودَةِ عَلَيْهِ، ورُؤْيَةُ أنَّهُ يَأْكُلُ أوْ يَشْرَبُ أوْ يَبُولُ عِنْدَ عُرُوضِ الِاحْتِياجِ إلى أحَدِها.

ومِنَ العَجائِبِ في هَذا البابِ أنَّهُ إذا غَلَبَ المَنِيُّ واحْتاجَتِ الطَّبِيعَةُ إلى دَفْعِهِ تَحْتالُ بِاسْتِعانَةِ القُوَّةِ المُتَخَيِّلَةِ إلى تَصْوِيرِ ما يَنْدَفِعُ بِهِ مِنَ الصُّوَرِ الحَسَنَةِ وفي إرْسالِ الرِّيحِ النّاشِرَةِ لِآلَةِ الجِماعِ وإرادَةِ حَرَكاتِها حَتّى يَنْدَفِعَ بِذَلِكَ ما أرادَتِ انْدِفاعَهُ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ التَّوَجُّهُ والِاعْتِيادُ لا لِغَلَبَةِ المَنِيِّ فَلِهَذا قَدْ لا يَنْدَفِعُ بِهِ شَيْءٌ، وقَدْ يَعْرِضُ لِلرُّوحِ اضْطِرابٌ وتَحْرِيكٌ مِنَ الأسْبابِ الخارِجَةِ والدّاخِلَةِ فَتَرى أُمُورًا مُتَغَيِّرَةً مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ، فَرُبَّما يَتَرَكَّبُ مِنَ المَجْمُوعِ صُورَةٌ غَيْرُ مَعْهُودَةٍ قَلَّما يَتَصَوَّرُها أحَدٌ أوْ يَقَعُ مِثْلُها في الخارِجِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاتِّصالاتٍ فَلَكِيَّةٍ وأوْضاعٍ سَماوِيَّةٍ، فَإذا كانَتِ الرُّؤْيا لِأحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ تُسَمّى أضْغاثَ أحْلامٍ ولا تَعْبِيرَ لَها ولا تَقَعُ.

وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ أصْدَقَ النّاسِ رُؤْيا أعْدَلُهم مِزاجًا ومَن كانَ مَعَ ذَلِكَ مُنْقَطِعًا عَنِ العَلائِقِ الشّاغِلَةِ والخَيالاتِ الفاسِدَةِ مُعْتادًا لِلصِّدْقِ مُتَوَجِّهًا إلى الرُّؤْيا واسْتِثْباتِها وكَيْفِيَّتِها كانَتْ رُؤْياهُ أصَحَّ وأصْدَقَ، وأكْثَرُ أحْلامِ الكَذّابِ والسَّكْرانِ والمَغْمُومِ ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ سُوءُ مِزاجٍ أوْ فِكْرٌ أوْ خَيالاتٌ فاسِدَةٌ ومُقْتَضَياتُ قُوى غَضَبِيَّةٍ وشَهَوِيَّةٍ كاذِبَةٍ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْها، ومِن هُنا قالُوا: لا اعْتِمادَ عَلى رُؤْيا الشّاعِرِ لِتَعَوُّدِهِ الأكاذِيبَ الباطِلَةَ والتَّخَيُّلاتِ الفاسِدَةَ.

وذَهَبَ بَعْضُ أصْحابِ المُكاشَفاتِ وأرْبابِ المُشاهَداتِ مِنَ الحُكَماءِ المُتَألَّهِينَ والصُّوفِيَّةِ المُنْكِرِينَ لِارْتِسامِ الصُّوَرِ في الخَيالِ إلى أنَّ الرُّؤْيا مُشاهَدَةُ النَّفْسِ صُوَرًا خَيالِيَّةً مَوْجُودَةً في عالَمِ المِثالِ الَّذِي هو بَرْزَخٌ بَيْنَ عالَمِ المُجَرَّداتِ اللَّطِيفَةِ المُسَمّى عِنْدَهم بِعالَمِ المَلَكُوتِ، وبَيْنَ عالَمِ المَوْجُوداتِ العَيْنِيَّةِ الكَثِيفَةِ المُسَمّى بِعالَمِ المُلْكِ، وقالُوا: فِيهِ مَوْجُوداتٌ مُتَشَخِّصَةٌ مُطابِقَةٌ لِما في الخارِجِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ مَثُلَ لَها قائِمَةٌ بِنَفْسِها مُناسِبَةٌ لِما في العالَمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، إمّا لِعالَمِ المُلْكِ فَلِأنَّها صُوَرٌ جُسْمانِيَّةٌ شَبَحِيَّةٌ، وإمّا لِعالَمِ المَلَكُوتِ فَلِأنَّها مُعَلَّقَةٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَكانٍ وجِهَةٍ كالمُجَرَّداتِ حَتّى أنَّهُ يَرى صُوَرًا مِثالِيَّةً لِشَخْصٍ واحِدٍ في مَرايا مُتَعَدِّدَةٍ بَلْ في مَواضِعَ مُتَكَثِّرَةٍ كَما يَرى بَعْضَ الأوْلِياءِ في زَمانٍ واحِدٍ في أماكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ شَرْقِيَّةٍ وغَرْبِيَّةٍ، ثُمَّ إنَّ لِتِلْكَ الصُّوَرِ مِجالًا مُخْتَلِفَةً كالمَرايا والماءِ الصّافِي، والقُوى الجُسْمانِيَّةُ سِيَّما الباطِنَةُ إذا انْقَطَعَتْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالأُمُورِ الخارِجِيَّةِ العائِقَةِ إذْ بِذَلِكَ يَحْصُلُ لَها زِيادَةٌ مُناسِبَةٌ لِذَلِكَ العالَمِ كَما لِلْمُتَجَرِّدِينَ عَنِ العَلائِقِ البَشَرِيَّةِ، وإذا قَوِيَتْ تِلْكَ المُناسَبَةُ كَما لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأوْلِياءِ الكُمَّلِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم تَظْهَرُ في القُوى الظّاهِرَةِ أيْضًا، ولِهَذا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُشاهِدُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ما يَنْزِلُ بِالوَحْيِ والصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَوْلَهُ كانُوا لا يُشاهِدُونَهُ، هَذا واسْتَشْكَلَ قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ: أنَّ الرُّؤْيا خَيالاتٌ باطِلَةٌ بِأنَّهُ قَدْ شَهِدَ الكِتابَ والسُّنَّةَ بِصِحَّتِها بَلْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا وقَدْ جَرَّبَها مِن نَفْسِهِ تَجْرِبَةً تُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِها، وأُجِيبُ بِأنَّ مُرادَهم أنَّ كَوْنَ ما يَتَخَيَّلُهُ النّائِمُ إدْراكًا بِالبَصَرِ رُؤْيَةٌ وكَوْنَ ما يَتَخَيَّلُهُ إدْراكًا بِالسَّمْعِ سَمْعًا باطِلٌ فَلا يُنافِي كَوْنَها أمارَةً لِبَعْضِ الأشْياءِ، وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في شَرْحِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي» الحَدِيثَ، أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَةَ الجِسْمِ بَلْ رُؤْيَةَ المِثالِ الَّذِي صارَ آلَةً يَتَأدّى بِها المَعْنى الَّذِي في نَفْسِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ النَّفْسَ غَيْرُ المِثالِ المُتَخَيَّلِ، فالشَّكْلُ المَرْئِيُّ لَيْسَ رُوحَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا شَخْصَهُ بَلْ مِثالَهُ عَلى التَّحْقِيقِ، وكَذا رُؤْيَتُهُ سُبْحانَهُ نَوْمًا فَإنَّ ذاتَهُ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ الشَّكْلِ والصُّورَةِ لَكِنْ تَنْتَهِي تَعْرِيفاتُهُ تَعالى إلى العَبْدِ بِواسِطَةِ مِثالٍ مَحْسُوسٍ مِن نُورٍ أوْ غَيْرِهِ وهو آلَةٌ حَقًّا في كَوْنِهِ واسِطَةً في التَّعْرِيفِ، فَقَوْلُ الرّائِي: رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى نَوْمًا لا يَعْنِي بِهِ أنَّهُ رَأى ذاتَهُ تَعالى.

وقالَ أيْضًا: مَن رَآهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنامًا لَمْ يُرِدْ رُؤْيَتَهُ حَقِيقَةً بِشَخْصِهِ المُودَعِ رَوْضَةَ المَدِينَةِ بَلْ رُؤْيَةَ مِثالِهِ وهو مِثالُ رُوحِهِ المُقَدَّسَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قِيلَ: ومِن هُنا يُعْلَمُ جَوابٌ آخَرُ لِلْإشْكالِ وهو أنَّ مُرادَهم أنَّ ما يُرى في المَنامِ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ ثابِتَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ كَما أنَّ المَرْئِيَّ في اليَقَظَةِ كَذَلِكَ بَلْ هو مِثالٌ مُتَخَيَّلٌ يُظْهِرُهُ اللَّهُ تَعالى لِلنَّفْسِ في المَنامِ كَما يُظْهِرُ لَها الأُمُورَ الغَيْبِيَّةَ بَعْدَ المَوْتِ والنَّوْمُ والمَوْتُ أخَوانِ، ووَصْفُ ما ذُكِرَ بِالباطِلِ لَعَلَّهُ مِن قَبِيلِ وصْفِ العالَمِ بِهِ في قَوْلِ لَبِيَدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهُ باطِلُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ لَيْسَ مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ عُلَماؤُهُ فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ رُؤْيَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِصِفَتِهِ المَعْلُومَةِ إدْراكٌ عَلى الحَقِيقَةِ وبِغَيْرِها إدْراكٌ لِلْمَثّالِ، عَلى أنَّ كَلامَ المُتَكَلِّمِينَ ظاهِرُ المُخالَفَةِ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ ولا يَكادُ يَسْلَمُ تَأْوِيلُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَتَأمَّلْ.

ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى ذِكْرِ زِيادَةِ كَلامٍ في هَذا المَقامِ.

وبِالجُمْلَةِ إنْكارُ الرُّؤْيا عَلى الإطْلاقِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، كَيْفَ وقَدْ جاءَ في مَدْحِها ما جاءَ، فَفي ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“: «أيُّها النّاسُ لَمْ يَبْقَ مِن مُبَشِّراتِ النُّبُوَّةِ إلّا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها مُسْلِمٌ أوْ تُرى لَهُ»، وجاءَ في أكْثَرِ الرِّواياتِ أنَّها جُزْءٌ مِن سِتٍّ وأرْبَعِينَ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمِلَ بِها سِتَّةَ أشْهُرٍ في مَبْدَأِ الوَحْيِ، وقَدِ اسْتَقامَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ولا يَتَأتّى هَذا عَلى رِوايَةِ خَمْسٍ وأرْبَعِينَ، وكَذا عَلى رِوايَةِ سَبْعِينَ جُزَأً؛ أوْ رِوايَةِ سِتٍّ وسَبْعِينَ وهي ضَعِيفَةٌ ورِوايَةِ سِتٍّ وعِشْرِينَ وقَدْ ذَكَرَها ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ورِوايَةِ النَّوَوِيِّ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وذلك أن النبيّ  رأى في المنام أن العدو قليل قبل أن يلتقوا، فأخبر النبيّ  أصحابه بما رأى في المنام: أن العدو قليل، فقالوا: رؤيا النبيّ  حق، والقوم القليل.

فلما التقوا ببدر، قلَّل الله المشركين في أعين المؤمنين لتصديق رؤيا النبيّ  .

ثم قال: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ، يعني: لجبنتم وتركتم الصف، وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ يعني: اختلفتم في أمر النبيّ  .

وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ، يعني: ولكن الله أتمّ للمسلمين أمرهم على عدوهم، ويقال: سَلَّمَ يعني: قضى بالهزيمة على الكفار والنصرة للمؤمنين، ويقال: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا يعني: في عينك، لأن العين موضع النوم، في موضع منامك.

وروي عن الحسن قال: معناه في عينيك التي تنام بها.

ثم قال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.

قوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ، يعني: التقيتموهم يوم بدر فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا في العدد.

وروى أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: «لقد قللّوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟

قال: أراهم مائة.

حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه، فقال: كنا ألفاً» .

ثم قال: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ يا معشر المؤمنين في أعين المشركين، وذلك حين لقوا العدو وقلّل الله المشركين في أعين المؤمنين لكيلا يجبنوا، وقلل المؤمنين في أعين المشركين، ليزدادوا جرأة على القتال حتى قتلوا، ولكي يظهر عندهم فضل المؤمنين.

لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا، يعني: إذا قضى الله تعالى أمراً فهو كائن، وهو النصرة للمؤمنين، والذل لأهل الشرك بالقتل والهزيمة.

وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، يعني: عواقب الأمور في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سبحانه، ثم قال تعالَى: فَإِنِ انْتَهَوْا، عن الكفر، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه.

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ:

معادلٌ لقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا، المعنى: وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظّفر، والْمَوْلى هاهنا الموالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ: الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمّ المؤمنين والمشركين.

وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)

وقوله عزّ وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...

الآية: الغنيمةُ في اللغة: ما يناله الرجل بسعي ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصّيام في الشّتاء هي الغنيمة الباردة» «١» ،

وقوله: مِنْ شَيْءٍ: ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ «١» والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل [لحمه] من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ: يقسمها الإِمام إِن رأى ذلك صوابا كما فعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه عنه بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه «٢» :

منها: القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية.

ومنها: الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه.

ومنها: المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجى أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن.

ومنها: الاسترقاق.

ومنها: ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة.

وأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم.

ومحلُّ استيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه.

وقوله سبحانه: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، أي: من النصر والظهور الذي أنزله الله

سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن/ نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان: معناه: يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ: يريد: جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَعْضُدُ أَنَّ قوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي: الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه عَزَّ وجَلَّ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير.

وقوله سبحانه: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، العُدْوَة: شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادِيَ، أي: منعته ومنه قول الشاعر: [الوافر]

عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي ...

وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُون «١»

وقرأ ابنُ كَثِير «٢» ، وأبو عمرو: بِالْعُدْوَةِ- بِكَسْرِ العين-، وقوله: الدُّنْيا، والْقُصْوى، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، والدُّنْيَا: من الدُّنُوِّ، والقصوى: منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد، وَالرَّكْبُ، بإِجماعٍ من المفسِّرين: عِيرُ أبي سفيان، وقوله: أَسْفَلَ، في موضع خَفْض، تقديره: في مكان أَسْفَلَ كَذَا.

قال سِيبَوَيْهِ: وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بدر حين نذر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي.

وقوله سبحانه: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، المَقْصدُ من الآية: تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى: لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير: لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا، أي: لينفِّذَ ويُظْهِر أمراً قد قدَّره في الأزل مفعولاً لكم بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده عزَّ وجلّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَدَقَ اللَّهُ رُؤْيا رَسُولِهِ الَّتِي أخْبَرَ بِها المُؤْمِنِينَ عَنْ قِلَّةٍ عَدُوِّهِمْ قَبْلَ لِقائِهِمْ، بِأنَّ قَلَّلَهم وقْتَ اللِّقاءِ في أعْيُنِهِمْ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا، حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جانِبِي: أتَراهم سَبْعِينَ؟

قالَ أراهم مِائَةً؛ حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم، فَسَألْناهُ، فَقالَ: كُنّا ألْفًا.

قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اسْتَقَلَّ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ، والمُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ، فاجْتَرَأ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ الرُّؤْيَةِ هاهُنا، وقَدْ ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الأُولى كانَتْ في المَنامِ، والثّانِيَةَ في اليَقَظَةِ.

والثّانِي: أنَّ الأُولى لَلنَّبِيِّ  خاصَّةً، والثّانِيَةَ لَهُ ولِأصْحابِهِ: فَإنْ قِيلَ: تَكْثِيرُ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ الكافِرِينَ أوْلى، لِمَكانِ إعْزازِهِمْ.

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهم لَوْ كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ، لَمْ يُقْدُمُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ؛ والقِتالُ سَبَبُ النَّصْرِ، فَقَلَّلَهم لِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَلَّلَهم لِئَلّا يَتَأهَّبَ المُشْرِكُونَ كُلَّ التَّأهُّبِ؛ فَإذا تَحَقَّقَ القِتالُ، وجَدَهُمُ المُسْلِمُونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ، فَظَفِرُوا بِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَلَّلَهم لَيَحْمِلَ الأعْداءُ عَلَيْهِمْ في كَثْرَتِهِمْ، فَيَغْلِبُهُمُ المُسْلِمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آَيَةً لَلْمُشْرِكِينَ ومُنَبِّهًا عَلى نُصْرَةِ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللهُ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا وإلى اللهُ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ قالَ المَهْدَوِيُّ: "إذْ" نَصْبٌ بِتَقْدِيرِ: واذْكُرْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أو بَدَلٌ مِن "إذِ" المُتَقَدِّمَةِ، وهو أحْسَنُ.

وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رُؤْيا رَآها رَسُولُ اللهِ  ، رَأى فِيها عَدَدَ الكُفّارِ قَلِيلًا فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وحُرِّضُوا عَلى اللِقاءِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي مَنامِكَ ﴾ أيْ: في نَوْمِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي مَنامِكَ ﴾ أيْ: في عَيْنِكَ إذْ هي مَوْضِعُ النَوْمِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الرِوايَةُ في اليَقَظَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ النَقّاشُ وذَكَرَهُ عَنِ المازِنِيِّ.

والضَمِيرُ عَلى التَأْوِيلَيْنِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيكَهُمُ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومِمّا يَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ يَتَكَرَّرُ في الَّتِي بَعْدَها لِأنَّ النَبِيَّ  مُخاطَبٌ في الثانِيَةِ أيْضًا، وقَدْ تَظاهَرَتِ الرِوايَةُ أنَّ النَبِيَّ  انْتَبَهَ وقالَ لِأصْحابِهِ: « "أبْشِرُوا فَلَقَدْ نَظَرْتُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ"،» ونَحْوُ هَذا، وقَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، فَكَيْفَ يَراهم بِبَصَرِهِ بِخِلافِ ما عَلِمَ؟

والظاهِرُ أنَّهُ رَآهم في نَوْمِهِ قَلِيلًا قَدْرُهم وحالُهم وبِأسْهُمِ مَهْزُومِينَ مَصْرُوعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ رَآهم قَلِيلًا عَدَدُهُمْ، فَكانَ تَأْوِيلُ رُؤْياهُ انْهِزامَهُمْ، فالقِلَّةُ والكَثْرَةُ عَلى الظاهِرِ مُسْتَعارَةٌ في غَيْرِ العَدَدِ، كَما قالُوا: "المَرْءُ كَثِيرٌ بِأخِيهِ"، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، والفَشَلُ: الخَوَرُ عَنِ الأمْرِ، إمّا بَعْدَ التَلَبُّسِ وإمّا بَعْدَ العَزْمِ عَلى التَلَبُّسِ.

و ﴿ وَلَتَنازَعْتُمْ ﴾ أيْ: لَتَخالَفْتُمْ، و ﴿ فِي الأمْرِ ﴾ يُرِيدُ: في اللِقاءِ والحَرْبِ.

و ﴿ سَلَّمَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ مُتَخَوِّفٍ اتَّصَلَ بِالأمْرِ أو عَرَضَ في وجْهِهِ فَسَلَّمَ اللهُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ أنْ قالَ: "سَلَّمَ لَكم أمْرَكُمْ" ونَحْوَ هَذا مِمّا يَنْدَرِجُ فِيما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ أيْ: بِإيمانِكم وكُفْرِكم فَيُجازِي بِحَسَبِ ذَلِكَ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ" بِشَدِّ النُونِ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ اللهُ" بِرَفْعِ المَكْتُوبَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ ﴾ الآيَةُ، "وَإذْ" عَطْفٌ عَلى الأولى، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ هي في اليَقَظَةِ بِإجْماعٍ، وهي الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ حِينَ التَقَوْا ووَقَعَتِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أرادَ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ في نُصْرَةِ الإسْلامِ وإظْهارِهِ قَلَّلَ كُلَّ طائِفَةٍ في عُيُونِ الأُخْرى، فَوَقَعَ الخَلَلُ في التَخْمِينِ والحَزْرِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الناسُ في هَذا التَجَسُّسِ كُلُّ طائِفَةٍ عَلى الأُخْرى وتَتَسَبَّبُ أسْبابُ الحَرْبِ، ورُوِيَ في هَذا عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ قُلْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: أتَظُنُّهم سَبْعِينَ؟

قالَ: بَلْ هم مِائَةٌ.

قالَ: فَلَمّا هَزَمْناهم أسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا كَمْ كُنْتُمْ؟

قالَ ألْفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرُدُّ عَلى هَذا المَعْنى في التَقْلِيلِ ما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  حِينَ سَألَ عَمّا يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ، فَأُخْبِرَ أنَّهم يَوْمًا عَشْرًا ويَوْمًا تِسْعًا، قالَ: "هم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ"،» فَإمّا أنَّ عَبْدَ اللهِ ومَن جَرى مَجْراهُ لَمْ يَعْلَمْ بِمَقالَةِ رَسُولِ اللهِ  ، وإمّا أنْ نَفْرِضَ التَقْلِيلَ الَّذِي في الآيَةِ تَقْلِيلَ القَدْرِ والمَهابَةِ والمَنزِلَةِ مِنَ النَجْدَةِ، وتَقَدَّمَ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا ﴾ ، والأمْرُ المَفْعُولُ المَذْكُورُ في الآيَتَيْنِ هو لِلْقِصَّةِ بِأجْمَعِها، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما المَعْنَيَيْنِ مِن مَعانِي القِصَّةِ، والعُمُومُ أولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحَوْلَ بِأجْمَعِهِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأنَّ كُلَّ أمْرٍ فَلَهُ وإلَيْهِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: "تَرْجِعُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ عامَّةِ الناسِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ وغَيْرُهُمْ: "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وإذ يريكموهم ﴾ عطف على ﴿ إذ يريكهم الله ﴾ [الأنفال: 43] وهذه رؤيةُ بَصَر أراها الله الفريقين على خلاف ما في نفس الأمر، فكانت خطأ من الفريقين، ولم يُرها النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك عديت رؤيا المنام الصادقة إلى ضمير النبي، في قوله: ﴿ إذ يريكهم الله ﴾ [الأنفال: 43] وجُعلت الرؤية البصرية الخاطئة مسندة إلى ضمائر الجَمعين، وظاهر الجمع يعمّ النبي صلى الله عليه وسلم فيُخصّ من العموم.

أرَى الله المسلمين أنّ المشركين قليلون، وأرى المشركين أنّ المسلمين قليلون.

خَيل الله لكلا الفريقين قلّة الفريق الآخر، بإلقاء ذلك التخيّل في نفوسهم، وجعل الغاية من تينك الرؤيتَين نصر المسلمين، وهذا من بديع صنع الله تعالى إذ جعل للشيء الواحد أثرين مختلفين، وجعل للأثرين المختلفين أثراً متّحداً، فكان تخيّل المسلمين قلّة المشركين مقويّاً لقلوبهم، وزائداً لشجاعتهم، ومزيلاً للرعب عنهم، فعظم بذلك بأسهم عند اللقاء، لأنّهم ما كان ليفلّ من بأسهم إلاّ شعورهم بأنّهم أضعف من أعدائهم عَدداً وعُدداً، فلمّا أزيل ذلك عنهم، بتخييلهم قلّة عدوّهم، خلصت أسباب شدّتهم ممّا يوهنها.

وكان تخيّل المشركين قلّة المسلمين، أي كونَهم أقلّ ممّا هم عليه في نفس الأمر، بَرْداً على غليان قلوبهم من الغيظ، وغارّاً إياهم بأنّهم سينالون التغلّب عليهم بأدنى قتال، فكان صارفاً إيّاهم عن التأهّب لقتال المسلمين، حتّى فاجأهم جيش المسلمين، فكانت الدائرةُ على المشركين، فنتج عن تخيّل القلّتين انتصار المسلمين.

وإنّما لم يكن تخيل المسلمين قلة المشركين مثبطاً عزيمتهم، كما كان تخيّل المشركين قلّة المسلمين مثبطاً عزيمتهم، لأنّ المسلمين كانت قلوبهم مفعمة حنقاً على المشركين، وإيماناً بفساد شركهم، وامتثالاً أمرَ الله بقتالهم، فما كان بينهم وبين صبّ بأسهم على المشركين إلاّ صرف ما يثبط عزائمهم.

فأمّا المشركون، فكانوا مزدهين بعَدائهم وعنادهم، وكانوا لا يرون المسلمين على شيء، فهم يحسبون أنّ أدنى جولة تجول بينهم يقبضون فيها على المسلمين قبضاً، فلذلك لا يعبؤون بالتأهّب لهم، فكان تخييل ما يزيدهم تهاوناً بالمسلمين يزيد تواكلهم وإهمال إجماع أمرهم.

قال أهل السير: كان المسلمون يحسبون عدد المشركين يتراوح بين السبعين والمائة وكانوا في نفس الأمر زهاء ألف، وكان المشركون يحسبون المسلمين قليلاً، فقد قال أبو جهل لقومه، وقد حَزر المسلمين: إنّما هم أكَلَةُ جَزُور، أي قُرابةُ المائة، وكانوا في نفس الأمر ثلاثمائة وبضعة عشر.

وهذا التخيل قد يحصل من انعكاس الأشعّة واختلاف الظِّلال، باعتبار مواقع الرائين من ارتفاع المواقع وانخفاضها، واختلاف أوقات الرؤية على حسب ارتفاع الشمس، وموقع الرائين من مواجهتها أو استدبارها، وبعض ذلك يحصل عند حدوث الآل والسراب، أو عند حدوث ضباب أو نحو ذلك، وإلقاء الله الخيال في نفوس الفريقين أعظم من تلك الأسباب.

وهذه الرؤية قد مضت بقرينة قوله: ﴿ إذ التقيتم ﴾ فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحالة العجيبة لهاته الإراءة، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴾ [الأنفال: 43].

و ﴿ إذ التقيتم ﴾ ظرف ل ﴿ يريكموهم ﴾ وقوله: ﴿ في أعينكم ﴾ تقييد للإراءة بأنّها في الأعين، لا غير، وليس المرئيّ كذلك في نفس الأمر، ويُعلم ذلك من تقييد الإراءة بأنّها في الأعين، لأنّه لو لم يكن لمقصد لكان مستغنى عنه، مع ما فيه من الدلالة على أنّ الإراءة بصرية لا حُلمية كقوله في الآية الأخرى: ﴿ ترونهم مثليهم رأي العين ﴾ [آل عمران: 13].

والالتقاء افتعال من اللقاء، وصيغة الافتعال فيه دالّة على المبالغة.

واللقاء والالتقاء في الأصل الحضور لدى الغير، من صديق أو عدوّ، وفي خير أو شرّ، وقد كثر إطلاقه على الحضور مع الأعداء في الحرب، وقد تقدّم عند قوله تعالى في هذه السورة ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ [الأنفال: 15] الآية.

﴿ ويقللكم ﴾ يجعلكم قليلاً، لأنّ مادة التفعيل تدلّ على الجَعل، فإذا لم يكن الجعل متعَلّقاً بذات المفعول، تعيّن أنّه متعلّق بالإخبار عنه، كما ورد في الحديث في يوم الجمعة: «وفيه ساعة»، قال الراوي: يقلّلها؛ أو متعلق بالإراءة كما هنا، وذلك هو الذي اقتضى زيادة قوله: ﴿ في أعينهم ﴾ ليُعلم أنّ التقليل ليس بالنقص من عدد المسلمين في نفس الأمر.

وقوله: ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولا ﴾ هو نظير قوله: ﴿ ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ [الأنفال: 42] المتقدم أعيد هنا لأنّه علّة إراءة كلا الفريقين الفريق الآخر قليلاً، وأما السابق فهو علّة لتلاقي الفريقين في مكان واحد في وقت واحد.

ثم إنّ المشركين لما يرزوا لقتال المسلمين ظهر لهم كثرة المسلمين فبُهتوا، وكغان ذلك بعد المناجزة، فكان ملقياً الرعب في قلوبهم، وذلك ما حكاه في سورة [آل عمران: 13] قوله: ﴿ ترونهم مثليهم رأي العين ﴾ وخولف الأسلوب في حكاية إراءة المشركين، وحكاية إراءة المسلمين، لأنّ المشركين كانوا عدداً كثيراً فناسب أن يحكي تقليلهم بإراءتهم قليلاً، المُؤذنة بأنّهم ليسوا بالقليل.

وأمّا المسلمون فكانوا عدداً قليلاً بالنسبة لعدوّهم، فكان المناسب لتِقليلهم: أن يعبّر عنه بأنّه تقليل المؤذن بأنّه زيادة في قلّتهم.

وجملة: وإلى اللَّه ترجع الأمور } تذييل معطوف على ما قبله عطفاً اعتراضياً، وهو اعتراض في آخر الكلام، وهذا العطف يسمّى: عطفاً اعتراضيّاً، لأنّه عطف صوريٌّ ليست فيه مشاركة في الحكم، وتسمّى الواو اعتراضية.

والتعريف في قوله: ﴿ الأمور ﴾ للاستغراق، أي جميع الأشياء.

والرجوع هنا مستعمل في الأول وانتهاء الشيء، والمراد رجوع أسبابها، أي إيجَادُها، فإنّ الأسباب قد تلوح جارية بتصرّف العباد وتأثير الحوادث، ولكن الأسباب العالية، وهي الأسباب التي تتصاعد إليها الأسبابُ المعتادة، لا يتصرّف فيها إلاّ الله وهو مؤثّرها وموجدها.

على أنّ جميع الأسباب، عالِيها وقريبِها، متأثر بما أودع الله فيها من القوى والنواميس والطبائِع، فرجوع الجميع إليه، ولكنّه رجوع متفاوت على حسب جريه على النظام المعتاد، وعدم جريه، فإيجاد الأشياء قد يلوح حصوله بفعل بعض الحوادث والعباد، وهو عند التأمّل الحقِّ راجع إلى إيجاد الله تعالى خالق كلّ صانع.

والذوات وأحوالُها كلّها من الأمور، ومآلها كلُّه رجوع، فهذا ليس رجوع ذوات ولكنه رجوع تصرّف، كالذي في قوله: ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ [البقرة: 156].

والمعنى: ولا عجب في ما كوّنه الله من رؤية الجيشين على خلاف حالهما في نفس الأمر، فإنّ الإراءة المعتادة ترجع إلى ما وضعه الله من الأسباب المعتادة، والإراءة غير المعتادة راجعة إلى أسباب يضعها الله عند إرادته.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ﴿ ترجع ﴾ بضمّ التاء وفتح الجيم أي يَرجعها، راجع إلى الله، والذي يرجعها هو الله فهو يرجعها إليه.

وقرأ البقية ﴿ تَرجع ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم أي: ترجع بنفسها إلى الله، ورجوعها هو برجوع أسبابها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أرى نَبِيَّهُ  قِلَّةَ المُشْرِكِينَ عَيانًا، وقَوْلُهُ ﴿ فِي مَنامِكَ ﴾ يُرِيدُ في عَيْنَيْكَ الَّتِي هي مَحَلُّ النَّوْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ وأراهُ قِلَّتَهم في نَوْمِهِ، وهو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

وَإنَّما أراهُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ لُطْفًا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ، لِيَكُونَ أثْبَتَ لِقُلُوبِهِمْ وأقْدَمَ لَهم عَلى لِقاءِ عَدُوِّهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في نَبِيِّهِ  .

﴿ وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لاخْتَلَفْتُمْ في لِقائِهِمْ أوِ الكَفِّ عَنْهم.

والثّانِي: لَجَبُنْتُمْ عَنْهم وانْهَزَمْتُمْ مِنهم.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَلَّمَ مِنَ الفَشَلِ.

والثّانِي: لَجَبُنْتُمْ عَنْهم وانْهَزَمْتُمْ مِنهم ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مِنَ العَدُوِّ.

وَفِيهِ ثالِثٌ: ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أمْرَهُ فِيهِمْ حَتّى نَفَذَ ما حَكَمَ فِيهِمْ بِهِ مِن هَلاكِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد قللوا في أعيينا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟

قال: لا، بل مائة، حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه؟

قال: كنا ألفاً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ﴾ قال: حضض بعضهم على بعض.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ ﴾ إن قلنا في الآية الأولى إنه أراهم النبي  في المنام فهذه الثانية كررت لأنها في اليقظة، وإن قلنا أن الأولى كانت في اليقظة على ما حكينا عن ابن جريج والحسن، فهذه الثانية كررت لأن النبي  أفرد في الأولى بالذكر وعمم هو وأصحابه في هذه، وهذا الذي ذكرنا معنى قول ابن الأنباري وأبي إسحاق (١) قال أبو إسحاق: هذه رؤية الإلتقاء، وتلك رؤية النوم، وعلى مذهب الحسن: الأول خطاب للنبي  والثاني خطاب له ولجميع من شاهد الحرب (٢) وقوله تعالى: ﴿ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ﴾ ، قال مقاتل: لما التقوا ببدر قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين تصديقًا لرؤيا رسوله (٣) وقال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: ليجترؤا عليكم ولا ينهزموا ولا يرجعوا عن قتالكم (٦) (٧) (٨) (٩) قال أبو بكر بن الأنباري: إنه قلل المؤمنين في عيون الكافرين ليغتروا بقتلهم فلا يتأهبوا لملاقاتهم ولا يلبسوا من السلاح ما يمنعهم، فإذا لابسهم المسلمون ألفوهم غير مستعدين فظفروا بهم (١٠) (١١) فإن قيل: ما المعنى الذي به قللوا في أعينهم مع رؤيتهم لهم؟

قيل: لطف من ألطاف الله تعالى صدهم به عن رؤية الجميع بحيث ستر بعضهم دون بعض (١٢) وقال بعض المفسرين: تقليل المسلمين في أعين المشركين كان في أول الأمر فلما نشب القتال وحمي الوطيس (١٣) (١٤) ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد ما وعد النبي  وهو بمكة وبعدما هاجر (١٥) وقال الكلبي: كان مفعولًا في علمه بنصر الإسلام وأهله وذل الشرك وأهله (١٦) ﴿ كَانَ مَفْعُولًا ﴾ \[في علمه\] (١٧) (١٨) وقال بعض أهل المعاني: إنما كرر: ﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ \[لآن معناه في الأول: ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ﴾ ، ﴿ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ \] (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ ، قال ابن عباس: وبعد هذا إليّ مصيركم فأكرم أوليائي وأعاقب أعدائي (٢١) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" لأبي إسحاق الزجاج 2/ 419، ولم أقف على قول ابن الأنباري.

(٢) المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة، وقد تصرف الواحدي في النص المنقول.

(٣) "تفسير مقاتل" ل 122 أ.

(٤) في (م): (رجلاً منهم).

(٥) رواه ابن جرير 10/ 13، وابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 374، وابن أبي حاتم 5/ 1710.

(٦) روى نحوه مختصرًا الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 182، وسنده واهٍ، وانظر: "الوسيط" 2/ 463.

(٧) يعني الناقة الواحدة تكفيهم طعامًا لقلتهم.

(٨) رواه ابن جرير 10/ 14، عن السدي، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 361، عن عكرمة.

(٩) رواه الثعلبي 6/ 64 ب، والبغوي 3/ 364، وذكره ابن الجوزي 3/ 564، عن أبي صالح، عن ابن عباس.

(١٠) لم أقف عليه، وقد ذكره بلا نسبة ابن الجوزي 3/ 364.

(١١) انظر: "زاد المسير" 3/ 364.

(١٢) ذهب الزمخشري أيضًا إلى هذا التعليل، انظر: "الكشاف" 2/ 161، ولا داعي له، إذ لا شك في قدرة الله على تقليلهم بغير هذا السبب.

(١٣) الوطيس: كلمة تطلق على المعركة والتنور والحجارة المدورة والضراب في الحرب ووطء الخيل والإبل، وقولهم: حمي الوطيس.

عبارة عن اشتباك الحرب وشدتها وقيامها على ساق.

انظر: "لسان العرب" (وطس) 1/ 4866.

(١٤) ذكر معنى ذلك الزمخشري 2/ 161، وابن كثير 2/ 349، وأبو حيان 4/ 502.

(١٥) لم أجد من خرّج هذا القول، ومعناه: أن الله تعالى وعد رسوله بنصره وهزيمة أعدائه وهو في مكة كما قال تعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ  ﴾ ، ثم حقق هذا الوعد بعد ما هاجر إلى المدينة، انظر: "تفسير البغوي" 7/ 434.

(١٦) رواه الثعلبي 6/ 64 ب، وبنحوه البغوي 3/ 364.

(١٧) من (م).

(١٨) "السيرة النبوية" 2/ 319، و"تفسير ابن جرير" 10/ 14.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (س).

(٢٠) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكر نحوه الرازي في "تفسيره" 5/ 170.

(٢١) "الوسيط" 2/ 463.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ ﴾ الآية معناها أن الله أظهر كل طائفة قليلة في عين الأخرى ليقع التجاسر على القتال ﴿ رِيحُكُمْ ﴾ أي قوتكم ونشاطكم، وذلك استعارة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بالعدوة ﴾ بكسر العين في الحرفين: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الباقون: بالضم.

﴿ من حيي ﴾ بياءين: أبو جعفر ونافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي ونصير وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالإدغام ﴿ ولا تنازعوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ وتذهب ﴾ بالجزم للجزاء عن هبيرة ﴿ وإذ زين ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة في رواية خلاد ابن سعدان وهشام ﴿ إني أرى ﴾ ، ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ تراءت الفئتان ﴾ بالإمالة: نصير.

الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما قبلها تقديره: واعلموا واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم.

﴿ الجمعان ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ أسفل منكم ﴾ ط ﴿ في الميعاد ﴾ لا لعطف لكن ﴿ مفعولا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ من حيَّ عن بينه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ لا لتعلق "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ مفعولا ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ واصبروا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ج لما ذكر ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ جار لكم ﴾ ط ﴿ أخاف الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر  بالقتال في قوله ﴿ وقاتلوهم  ﴾ والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهراً.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ بيان "ما" أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط.

وقوله ﴿ فأن الله ﴾ بالفتح مبتدأ محذوف الخبر.

وروى الجعفي عن أبي عمرو ﴿ فإن الله ﴾ بالكسر.

قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد.

عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر.

وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً في الهجرة.

واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسماً بخمسة وعشرين قسماً عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضاً لما روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم - وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل - أنهما قالا لرسول الله  : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟

فقال  : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين.

وثلاثة أخماس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل.

وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله  ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء.

فعلى مذهب الإمامين.

معنى قوله  ﴿ فأن لله خمسه وللرسول  ﴾ فأن لرسول الله خمسة كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم.

والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل: إن ذلك السهم لبيت المال.

وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما روي أنه  كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله.

وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء.

وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئاً، وروي عن زيد بن علي أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً ولا أن نركب منه البراذين.

وقيل: الخمس كله للقرابة لما روي عن علي  أنه قيل له: إن الله  قال ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ فقال: أيتامنا ومساكيننا.

وعن الحسن: في سهم رسول الله  أنه لولي الأمر من بعده.

وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك.

فعند هذا يكون معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه ﴾ أن من حق الخمس أن يكون متقرباً به إلى الله لا غير.

ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلاً لها على غيرها كقوله ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ﴾ وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علماً يتضمن العلم والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة ﴿ يوم الفرقان ﴾ يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل.

والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فبذلك نصر القليل على الكثير ﴿ إذ أنتم ﴾ بدل من يوم الفرقان ﴿ بالعدوة ﴾ بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته.

وقال أبو عمرو، هي المكان المرتفع و ﴿ الدنيا ﴾ تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن "فعلى" من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضاً قليلاً والعدوة القصوى مما يلي مكة ﴿ والركب ﴾ يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير ﴿ أسفل منكم ﴾ بالساحل وهو نصبب على الظرف مرفوع المحل خبراً للمبتدأ أي مكاناً أسفل من مكانكم والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله  من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان.

وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه.

﴿ ولو تواعدتم ﴾ أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه ﴿ ولكن ليقضي الله ﴾ أي ليظهر ﴿ أمراً كان مفعولاً ﴾ مقدراً وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك.

وقوله ﴿ ليهلك ﴾ بدل من ﴿ ليقضي ﴾ بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام.

وفي قوله ﴿ ليقضي ﴾ و ﴿ ليهلك ﴾ دلالة على أن أفعاله  مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة.

﴿ وإن الله لسميع ﴾ لدعائكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم ﴿ إذ يريكم ﴾ منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقيان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم ﴿ في منامك ﴾ أي في رؤياك ﴿ قليلاً ﴾ أراه وإياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.

وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف.

﴿ ولو أراكهم كثيراً ﴾ على ما هم عليه ﴿ لفشلتم ﴾ والفشل الجبن والخور.

﴿ ولتنازعتم في الأمر ﴾ أمر الحرب والإقدام ﴿ ولكن الله سلم ﴾ عصم من الفشل والتنازع ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ يبصركم إياهم ﴿ إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ﴾ نصب على الحال لأن الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقاً لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ فعل ما فعل من التقليل ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها.

وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً للمعاد.

ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال ﴿ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما.

﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ في مواطن الحرب ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة.

وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقاً أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضارباً بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجراً.

وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلى مع التمسك بسائر الطاعات ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير "أن" في قوله ﴿ وتذهب ريحكم ﴾ على القراءتين.

والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها.

يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره.

وقيل: الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله.

وفي الحديث: "نصرت بالصبا" حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله.

احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالباً إلى النزاع المنهى عنه.

وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس.

قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب.

فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ﴾ الآية.

وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضاً شدّة المرح.

والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر.

وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر.

وثالثها قوله ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي يمنعون عن قبول دين محمد  .

قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفاً للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالاً على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون.

واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل.

ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيهاً على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد.

قلت: لو جعلنا قوله ﴿ ويصدون ﴾ عطفاً على صلة "الذين" لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان.

﴿ والله بما يعملون محيط ﴾ فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار.

﴿ وإذ زين ﴾ معناه واذكر إذ زين أو هو معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ وفي هذا التزيين وجهان: أحدهما.

أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو قول الحسن والأصم.

وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله  ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم.

فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله.

وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية ﴿ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ﴾ أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولاً بمعنى لا غالب إلا إياكم لانتصب كما يقال لا ضارباً زيداً.

﴿ وإني جار لكم ﴾ أي مجيركم من بني كنانة أو من كل عدوّ يعرض من البشر.

ومعنى الجار ههنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار.

﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى ﴿ نكص على عقبيه ﴾ والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع.

﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟

أتخذلنا في هذه الحالة فقال ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.

وفي الحديث: "ما رؤي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزل الرحمة إلا ما رأى يوم بدر" وأما قوله ﴿ إني أخاف الله ﴾ فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.

قال قتادة: صدق في قوله ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ وكذب في قوله: ﴿ إني أخاف الله ﴾ وقوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضاً وظرفه ﴿ إذ يقول ﴾ أو لا ظرف له ﴿ وإذ يقول ﴾ ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف.

و ﴿ المنافقون ﴾ قوم من الأوس والخزرج بالمدينة ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش وأسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا.

ثم إن قريشاً لما خرجوا إلى رسول الله  قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق.

ثم قتلوا جميعاً مع المشركين يوم بدر.

﴿ غرّ هؤلاء دينهم ﴾ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم.

وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت.

ثم قال جواباً لهم ﴿ ومن يتوكل على الله ﴾ يكل أمره إليه ويثق بفضله ﴿ فإن الله عزيز ﴾ غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير ﴿ حكيم ﴾ يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه.

التأويل: ﴿ واعلموا ﴾ يا أهل الجهاد الأكبر ﴿ أنما غنمتم ﴾ عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً ﴿ ولذي القربى ﴾ يعني الإخوان في الله مواصلاً ﴿ واليتامى ﴾ يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال ﴿ والمساكين ﴾ الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم ﴿ وابن السبيل ﴾ يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة على حسب صدقهموإرادتهم واستعدادهم.

إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عياناً ﴿ وبما أنزلنا على عبدنا ﴾ في سفر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ يوم الفرقان ﴾ الذي فيه الرحمن علم القرآن ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد  مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود ﴿ إذ أنتم ﴾ أيها الصادقون في الطلب ﴿ بالعدوة الدنيا ﴾ نازلة ﴿ وهم بالعدوة القصوى ﴾ أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة.

﴿ ولو تواعدتم ﴾ أيها الأرواح والنفوس والأجساد ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ لما بينكم من التباين والتضاد ﴿ ولكن ﴾ جمعكم الله بالقدرة والحكمة ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها ﴿ فيهلك من هلك عن بينة ﴾ عن حجة ثابتة عليه ﴿ ويحيا من حيى عن بينة ﴾ فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ﴿ ارجعي إلى ربك راضية  ﴾ ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال ﴿ فادخلي في عبادي  ﴾ وأبدانهم في جنات النعيم كما قال ﴿ وادخلي جنتي  ﴾ ﴿ إن الله لسميع ﴾ من دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال ﴿ عليم ﴾ بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴾ مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى ﴿ لفشلتم ﴾ على عادة طبع الإنسان ﴿ ولكن الله سلم ﴾ من الخوف البشري ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة.

﴿ وإذا لقيتم فئة ﴾ هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها ﴿ فاثبتوا ﴾ على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا ﴾ من ديار أوصافهم وتركوا الدينا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران.

﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة.

﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله  فئة الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس لها ﴿ نكص على عقبيه ﴾ زهق باطله وصار مخالفاً للنفس كما قال ﴿ إني بريء منكم ﴾ ، ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال ﴿ إني أخاف الله ﴾ وفيه إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن الغنيمة: هي التي أصاب المسلمون من أموال المشركين بالقتال عنوة، والفيء: ما يعطون بأيديهم صلحاً.

والغنيمة يأخذ الإمام الخمس منها، والباقي يقسم بينهم، والفيء يأخذه الإمام فيضعه في مصلحة المسلمين، وليس فيه الخمس.

وقال بعضهم: الغنيمة والفيء واحد.

ثم قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر الخمس، ولم يذكر الأربعة أخماس أنها لمن، لكنها للمقاتلة بقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ ، فكانت الغنيمة كلها لمن غنمها بظاهر هذه الآية، إلا ما استثنى الله منها بالآية الأولى، وهو الخمس، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وعلى ذلك تواترت الأخبار عن رسول الله  وعن صحابته موقوفة من بعده.

"روي أن النبي  سئل عن المال - يعني الغنيمة - فقال: لي خمسة، وأربعة أخماسه لهؤلاء" يعني: المسلمين.

وروي أنه قسمها بين المقاتلة، يعني: الأربعة الأخماس.

وفي بعض الأخبار "أن أبا الدرداء وعبادة بن الصامت والحارث بن معاوية كانوا جلوساً، فقال أبو الدرداء: أيكم يذكر حديث رسول الله  حيث صلى إلى بعير من المغنم، فلما انصرف فتناول من وبر البعير، فقال: ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس، ثم هو مردود فيكم" وعن ابن عمر -  - قال: كانت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء، ثم يسهم عليها، فما صار لرسول الله  فهو له.

وعن ابن عباس -  - قال: كانت الغنيمة تغتنم على خمسة أخماس؛ فأربعة منها لمن قاتل عليها.

وغير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك اتفاق الأئمة.

ومنهم من يقول: يقسم على ستة: سهم لله يجعل في ستر الكعبة، وسهم لرسوله ينتفع به.

ومنهم من قال: يقسم على خمسة: سهم لرسوله، وأربعة أخماسه لمن غنم.

ومنهم من يقول: يقسم على أربعة: سهم لرسوله، وثلاثة أرباعه لمن غنم.

ثم قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ تحتمل إضافة ذلك إلى نفسه وجهين: أحدهما: لما جعل ذلك لإقامة العبادات وأنواع البر والخير والقرب التي هي لله، فأضيف إليه على ما أضيفت المساجد إليه بقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، وإن كانت البقاع كلها لله، وكذلك ما سمى الكعبة: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله؛ لما جعلها لإقامة العبادات وأنواع القرب، فأضيف إلى الله ذلك؛ فعلى ذلك تحتمل إضافة ذلك السهم إلى الله؛ لما جعله لإقامة العبادات والقرب وأنواع البر، والله  أعلم.

والثاني: أضاف ذلك إلى نفسه خصوصية لرسول الله  إذ كان ذلك لرسوله، وكان رسول الله في جميع أحواله وأموره [لله] خالصاً، لم يكن لنفسه ولا لأحد من الخلق؛ فعلى ذلك جميع ماله وما كانت تحويه يده لم يكن له، إنما كان ذلك لله خالصاً، يصرف ذلك في أنواع القرب والبرّ؛ في القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، الأحياء منهم والأموات جميعاً، والقريب منهم والبعيد جميعاً.

ألا ترى أنه قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" ، هذا يدل أن ما يتركه صدقة لا يورث عنه، ولو كان له لتوارث ورثته ما يورث عن غيره؛ دل أن نفسه وماله كان لله خالصاً، وكذلك جميع أموره لله.

ألا ترى أنه روي في الخبر أنه كان يجوع يوماً، ويشبع يوماً، ويجوع ثلاثاً، وكان يربط الحجر على بطنه للجوع.

فإذا [كان ذلك] كان إضافة ذلك الخمس إلى الله لخصوصية له، وخلوص نفسه وماله له، وإن كان جميع الخلائق وما تحويه أيديهم لله حقيقة، لكن لهم فيها الانتفاع وقضاء الحوائج والتدبير لأنواع التصرف في ذلك، ولمشاركته غيره في ذلك لم يخصه بالإضافة إليه، وإن كان ذلك كله لله حقيقة.

ولما كانت نفس رسول الله  وما تحويه يده لله لا تدبير له في ذلك، ولا شرك لأحد فيه، خصّ بإضافة ذلك إليه وكله لله حقيقة، وهذا كما قال - الله أعلم -: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ خصّ بالذكر ملك ذلك اليوم والبروز له؛ لما ينقطع يومئذ تدبير جميع ملوك الأرض، ويذهب سلطانهم عنهم، ويصفو البروز له، وإن كان الملك في الأحوال كلها والأوقات جميعاً، وكذلك البروز له، والمصير إليه، وإن كان ذلك راجعاً إليه في كل الأحوال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ثم ليس في ظاهر الآية دليل أن المراد بقوله: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قرابة رسول الله  ، بل في ظاهرها دلالة أنه أراد به قرابة أهل السهام في ذلك؛ لأنه خاطب به الكل بقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، وظاهره أنه أراد به قربى من خاطب، وكان الخطاب لهم جميعاً.

ألا ترى أنه لم يفهم من قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ  ﴾ قرابة رسول الله  ، ولكن قرابة المخاطبين، وكذلك لم يرجع قوله: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ  ﴾ إلى قرابة رسول الله بل إلى قرابة المخاطبين به؛ فعلى ذلك الظاهر من قوله: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، إلا أن يقال: أراد قرابة رسول الله  بدلالة أخرى سوى ظاهر الآية، وهو ما روي أنه قسم الخمس بين بني هاشم، وما روي أنه قال: "مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" وما روي أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى [فكتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذي القربى] لمن هو؟

وهل هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا.

فدل فعل عمر هذا على أن التأويل في الخمس كان عنده أن رسول الله  كان يصل به قرابته، ويسد بالخمس حاجتهم؛ إذ كان جعل سبيل الخمس ما ذكرنا أنه لله، بمعنى أنه يصرف في [وجوه التقرب] إليه، فلو كان الخمس حقّاً لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم، وما يأخذه الأغنياء من الخمس فإنه لا يجري مجرى الصدقة، ولا يجري مجرى القرابة، فبان بذلك أنه لا يعطى منه أغنياؤهم؛ بل [يصرف] إلى فقرائهم على قدر حاجتهم؛ إذ لم يكن له مكاسب سواه يصل بها كما يكون لغيره من الناس من المكاسب وأنواع الحرف.

ومما يدل على أن رسول  أعطى بعض القرابة دون بعض: ما روي عن جبير بن مطعم قال: "لما قسم رسول الله  سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، أتيت أنا وعثمان، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنهم لا يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه" .

وقوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، بين أن خمس الغنيمة يصرف في وجوه البرّ والقرب إلى الله، ثم فسر تلك الوجوه فقال: ﴿ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، فكانت تسمية هذه الأصناف - والله أعلم - تعليماً لنا أن الخمس يصرف فيمن ذكر من أهلها دون غيرهم، وليس ذلك إيجاباً منه لكل صنف منهم شيئاً معلوماً، ولكن على بيان الأصل والموضع، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ...

 ﴾ الآية، حمل أصحابنا ذلك على أن الصدقة لا تجوز إلا لمن كان من أهل هذه الأصناف دون غيرهم، ولم يحملوا الأمر على أن لكل صنف منهم شيئاً معلوماً محدوداً، ولكن على بيان أهلها، وعلى ذلك روي عن جماعة من الصحابة -  م - منهم: عمر، وعلي، وحذيفة، وابن عباس، وجماعة من السلف ممن يكثر عددهم، قالوا: إذا وضعت الصدقة في صنف واحد أجزأك.

فلو كان لأهل كل صنف الثمن منها، كان المعطى بها صنفاً واحداً مخالفاً لما أمر به؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية، معناه - والله أعلم - أن الخمس الذي يتقرب به من الغنيمة إلى الله لا يستحقه إلا الرسول ومن كان من الأصناف التي ذكرها، فإلى أيهم دفع ذلك الخمس أجزأه.

وإذا كان التأويل ما وصفنا لم يكن لأحد من أهل هذه الأصناف أن يدعي منه خمساً ولا ربعاً، ولكن يعطى كل من حضر منهم بقدر فاقته وحاجته، وعلى قدر ما يراه الإمام، فإذا جاء فريق آخر، أعطوا مما يدفع إلى الإمام من ذلك الخمس من المال كفايتهم.

وكذلك روي عن ابن عمر أن ابن عباس قال: كان عمر يعطينا من الخمس نحواً مما كان يرى أنه لنا، فرغبنا عن ذلك، وقلنا: حق ذي القربى خمس الخمس، فقال عمر: إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها، فأسعدهم بها أكثرهم عدداً وأشدّهم فاقة، فأخذ ذلك ناس.

وتركه ناس، وكذلك فعل عمر لما ولي الأمر؛ روي عن ابن عباس قال: عرض علينا عمر أن يزوج من الخمس أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا.

فدل فعل عمر على أن القرابة يعطون من الخمس قدر حاجتهم وما تسدّ به فاقتهم؛ إذ لو كان الخمس حقّاً لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم.

[ومما يدل أيضاً على أن الخمس لو كان حقّاً لجميع القرابة غنيهم وفقيرهم]؛ لقسمه رسول الله  فيهم كما قسم أربعة الأخماس بين المقاتلة؛ بل أعطى منه بعض القرابة وحرم بعضاً كما ذكرنا في جبير ابن مطعم.

وممّا يدل - أيضاً - أن ذلك لأهل الحاجة منهم دون الكل: ما روي "أن الفضل ابن عباس وفلان دخلا على رسول الله  وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح.

فجنئاك لتأمرنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي العمال، ونصيب منها ما يصيبون، فسكت طويلا حتى أردنا [أن نكلمه] ثانياً، حتى جعلت زينب تلمح إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: ألا إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس [ادعوا إليَّ محمية] - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن [عبد] المطلب، فجاءاه، فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك: للفضل فأنكحه، وقال لنوفل: انكح هذا الغلام ابنتك فأنكحه، ثم قال لمحمية: أصدقهما من الخمس" وكذا دل هذا على أن الحق لهم فيه لأهل الحاجة منهم.

ومما يدل أيضاً على ذلك ما روي عن رسول الله  أنه قال: "مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" لم يخص القرابة بشيء منه، كان سبيلهم سبيل أمر المسلمين يعطي من يحتاج منهم كفايته؛ وعلى هذا أمر الأئمة الراشدين، ولم يغيره علي -  - لما ولي الأمر، وكان ذلك عندنا مما لايجوز مخالفتهم عليه.

فإن قيل: لو كان قرابة النبي إنما يعطون من الخمس على سبيل الفقر والحاجة، فهم على هذا يدخلون في عموم المساكين، فما وجه ذكره إياهم إذن؟

قيل: إن الله تبارك - وتعالى - قال في الصدقات: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ  ﴾ ، ثم روي عن النبي -  - قال: "لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد" فلو لم يسهم لهم في الخمس، جاز أن يقول قائل: لا يجوز أن يعطوا من الخمس، وإن كانوا فقراء؛ كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقة وإن كانوا فقراء، فكان سبب ذكر الله إياهم في الخمس لذلك، والله أعلم.

ثم اختلف أهل العلم بعد وفاة رسول الله  في سهم الرسول وسهم ذي القربى.

فقال طائفة: سهم الرسول  للخليفة من بعده، وسهم ذي القربى لقرابة الخليفة.

وقال طائفة: سهم القربى لقرابة الرسول.

وقال الحسن: سهم القرابة لقرابة الخلفاء.

وقال غيره: القرابة قرابة رسول الله.

وقد ذكرنا أنه يحتمل أنه كان له يصل به قرابته بحق الصلة، أو يعطيهم بحق القرابة ما دام حيّاً.

ثم [قد] ثبت عن رسول الله  أنه قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة" ، فإذا لم يورث عنه ما قد حازه من سهامه، فكيف يورث عنه ما غنم بعد وفاته؟!

ولو كان سهمه الذي لم يلحقه موروثاً عنه، كان سهمه الذي قد حازه أحرى أن يورث عنه، فإذا لم يورث الذي قد حازه وملكه عنه، لا يورث الآخر، والله أعلم.

وعن عائشة "أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله  ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله  يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال حق الغنائم" [أي: من الغنائم] والله، لا أدع أمراً رأيت رسول الله  يصنعه فيه إلا أصنعه.

وفي بعض الأخبار قال: "لا يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت سوى نفقة عاملي ومؤنة نسائي فهو صدقة" وعن عمر: "كان لرسول الله  مما أفاء الله عليه نفقة سنة، ويجعل ما بقي في مال الله" .

وروي - أيضاً - عنه أنه قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله  ، وكانت له خالصة، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، ما بقي جعله في الكراع والسلاح" .

فهذه الأخبار تبين أنه لم يورث سهم النبي بعد وفاته، فهي تدل على ألا نقدر بعد موت النبي من خمس الغنائم للخليفة شيئاً، وأن ذلك [إنما] كان خصوصاً لرسول الله  ، كالصفي الذي كان له خاصة دون غيره، وكما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكان له ذلك خاصّة، فليس لأحد غير النبي -  - خصوص من الخمس؛ كما ليس له خصوص من الصفي وغيره، وإذا كان الأمر في سهم الرسول  كما وصفنا، ولم ينقص من الخمس الذي هو لله [شيء] بعد موت النبي، ويخرج ذلك الخمس كله من الغنيمة - فذلك يدل على أن الخمس ليس لأهل هذه السهام حقّاً مقسوماً، ولكن يعطون منه بقدر فاقتهم.

ويدل ذلك - أيضاً - على أنه لا يجب لكل صنف من هذه الأصناف سهم معلوم؛ لأنا قد رددنا سهم النبي من الخمس على سائر السهام، فكما جاز أن يردّ عليهم سهم النبي، فكذلك يجوز أن يجعل سهم اليتامى أو بعضه للمساكين إذا حضروا وطلبوا ولم يحضر اليتامى؛ لأن المعنى في الآية - والله أعلم - ألا يعطى إلا من كان [من] أهل هذه الأصناف فقد وضع الحق في موضعه، ولم يتعد به إلى غيره.

ثم الخطاب في قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ لا يحتمل كلا في نفسه؛ كالخطاب بأداء الزكاة وغيرها من الحقوق، بل الخطاب راجع إلى الجماعة الذين غنموا.

ألا ترى أن العسكر أو السرايا إذا دخلوا دار الحرب، فتفرقوا فيها، فغنم واحد منهم - يجب ضم ذلك إلى جميع العسكر والسرايا، فعند ذلك يخرج الخمس منه؟!

دل أن الخطاب بذلك راجع إلى جماعة، وهي الجماعة التي لهم منعة يقومون للعدو، لا أنه خاطب كل أحد في نفسه؛ فهذا يدل على أن الواحد أو الاثنين إذا دخلوا دار الحرب بغير إذن الإمام فغنم غنائم لا يخمس، ولكن يسلم الكل [له]، وأمّا الغنيمة نفسها لا يحتمل أن ترجع إلى أحد معلوم، أو مقدار محدود؛ كالزكاة وسائر الحقوق؛ لأن الغنيمة شيء يؤخذ من أيدي الكفرة، وإنما يؤخذ قدر ما يظفر به ويوجد؛ فلا يحتمل أن يرجع الخطاب به إلى قدر، دون قدر؛ بل القليل من ذلك والكثير سواء، لا حدّ في ذلك ولا مقدار، ليس كالزكاة وغيرها من الحقوق التي جعل فيها حدّاً، ومقداراً للوجه الذي ذكرنا.

وأما المصيبون لها والآخذون فلهم في ذلك مقدار، وهم الذين لهم منعة.

ثم نذكر مسألة في قسمة السهام بين الرجالة والفرسان، وإن لم يكن في الآية ذكر ذلك: روي عن ابن عمر قال: أعطى رسول الله  يوم خيبر الراجل سهماً، [والفارس ثلاثة أسهم سهماً له وسهمين لفرسه].

وعن ابن عباس -  ما - قال: أسهم رسول الله  يوم خيبر للراجل سهماً، وللفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين للفرس.

[وعن زيد بن ثابت أن رسول الله  أعطى الزبير يوم خيبر أربع أسهم: سهم ذي القربى وسهم له وسهمين للفرس].

ثم روي - أيضاً - عن ابن عمر أن رسول الله  [كان يقسم للفارس سهمين، وللراجل سهماً].

وعن المقداد أن رسول الله  أسهم له يوم بدر سهماً، ولفرسه سهماً.

وعن علي قال: للفارس سهم.

وعن المنذر قال: بعثه عمر في جيش إلى مصر، فأصاب غنائم، فقسم للفارس سهمين [وللراجل سهم فرضي بذلك عمر.

فجعل بعض أهل العلم ما ذكر في هذه الأحاديث من الإسهام للخيل، وقول بعض الرواة ثلاثة أسهم للفرس سهمين].

وقول بعضهم: أسهم للفارس سهمين - اختلافاً وتضادا، فحملوا على التناسخ، وقد يجوز ألا يكون كذلك، وقد تكون زيادته التي زادها النبي للفرس على سهم إن كان محفوظاً ثابتاً لنفل نفله للأفراس حينئذ؛ ترغيباً منه للمقاتلة في اتخاذها وتحريضاً؛ كما يجوز أن يقول الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، ومن جاء برأس كذا فله كذا؛ يحرض بذلك المقاتلة في القتال؛ فعلى ذلك زيادة سهم لمكان الأفراس ترغيباً منه وتحريضاً على اتخاذها.

فأما إذا كثرت الأفراس، فإن سهمانها لا تكون أكثر من سهمان أصحابها؛ لأن الفارس كثر غنمه من فرسه، فإن لم يزد عليه لم ينقص عنه بسهم.

وكان أبو حنيفة - رحمه الله - يسهم للفارس بسهمين، وأبو يوسف - رحمه الله - يرى أن يسهم للفرس سهمين، ولصاحبه بسهم.

واحتج في ذلك بقوله: قال الله -  -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ  ﴾ ، فكانت النضير خالصة لرسول الله  ، ولم يكن لمن حضرها من المسلمين شيء؛ إذ لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وقد أتوها مشاة، فلما منع الرجالة من السهمان؛ لاستغنائهم في فتحها عن الخيل، جاز أن تزاد الخيل في السهمان على سهمان الرجالة، إذا كان الرجالة يمنعون السهام، وإن حضروا إذا لم يلجئوا إلى ركوب الخيل.

لكن الحجة على هذا ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله  لم يحاربوا على النضير فرساناً ولا رجالة، ولو احتاجوا إلى الحرب لاحتاجوا إلى الخيل، فمن حيث لم يحاربوا عليها لم يستحقوا منها شيئاً، وإنما ذكرنا الله -  - على سهولة أمرها، وأنهم لم يحاربوا عليها خيلا ولا ركاباً، وإذا لم يحاربوا على مدينة فغنموا مالا، فهو مصروف في مصالح المسلمين لا تجري فيه السهام، فكانت النضير على ما ذكر خالصة للنبي  ، يأخذ منها نفقة نسائه، ويصرف سائرها إلى مصالح المسلمين.

ومن الدليل على أن النضير لو احتيج فيها إلى حرب حاربهم النبي وأصحابه رجالة وجرت في غنائمهم القسمة -: أن قوماً من المسلمين لو حاربوا اليوم على مدينة من مدائن الشرك رجالة، قسم ما يغنم منها؛ كما يقسم لو كان معهم فرسان.

ومن الدليل على ذلك - أيضاً -: أن الرجالة إذا كانوا مع الفرسان في الحرب، قسم لهم كما يقسم للفارس خاصة، فلو كانت الغنيمة إنما تقسم لسبب الخيل ما أعطى الرجالة منها شيئاً؛ إذ لا أفراس لهم، وذلك يفسد ما ذكرنا لأبي يوسف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: وإن تولوا هم وقد آمنتم أنتم، فاعلموا أن الله مولاكم، ليس بمولى لهم.

وقالت طائفة: قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ ليس على الشرط على ألا تكون غنيمة إذا لم يكونوا مؤمنين، ولا يجب العدل في القسمة إذا كانوا غير مؤمنين، ولكن على التنبيه والإيقاظ؛ كقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ ، ليس على أنه لا يجب أن يذروه إذا لم يكونوا مؤمنين، ولكن على ما ذكرنا؛ فعلى ذلك الأوّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ : الملائكة الذين أرسلهم يوم بدر لنصرة المؤمنين، وأنزل عليهم المطر حتى شدّ الأرض بذلك، فاستقرت أقدامهم وثبتت بعد ما كانت لا تقر الأقدام فيها ولا تثبت، وشربوا منه ورووا بعد ما أصابهم العطش؛ إذ كان المشركون أخذوا المال.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ ﴾ .

قيل: يوم فرق بين الحق والباطل؛ لأنه - عز وجل - جعل يوم بدر آية؛ حيث غلب المؤمنون المشركين مع قلة عددهم، وضعف أبدانهم، وفقد الأسباب التي بها يحارب ويقاتل، وكثرة العدو وقوتهم، ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلموا أنهم غلبوا أولئك وهزموهم بنصر الله إياهم، فكان آية فرق المحق منهم والمبطل.

وقيل: هو يوم الفرقان، ويوم الجمع: جمع النبي والمؤمنين، وجمع المشركين، ويوم الافتراق: افتراق المشركين من المؤمنين انهزامهم، وهو كما سمى يوم القيامة: ﴿ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ  ﴾ في حال، ويوم الافتراق في حال أخرى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: العدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى، والعدوة الدنيا: شفير الوادي الأدنى.

وكذلك قال القتبي: العدوة: الشفير، شفير الوادي.

وقال أبو عوسجة: العدوة: ناحية الوادي التي تليهم، وقال: إنما سميت الدنيا؛ لأنها دنت منك، والآخرة؛ لأنها استأخرت.

وقيل في حرف ابن مسعود: (إذ أنتم بالعدوة العليا وهم بالعدوة السفلى).

[و] قال أبو معاذ: العِدْوَة والعُدْوَة لغتان، والركب والركبان والركاب والراكبون [كله] لغة.

وقال في حرف حفصة: (إذ أنتم بالعدوة القصيا).

وقال بعضهم: ﴿ إِذْ أَنتُمْ ﴾ : معشر المؤمنين، ﴿ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ : من دون الوادي على الشط مما يلي المدينة، ﴿ وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ ﴾ : من الجانب الآخر مما يلي مكة، يعني: مشركي مكة.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ .

يعني: أصحاب العير على ساحل البحر، أو على الماء.

وقال قتادة: جمع الله المشركين والمسلمين ببدر على غير ميعاد، وهما شفيرا الوادي، كان المسلمون بأعلاه، والمشركون بأسفله، ﴿ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ : أبو سفيان انطلق بالعير في ركب نحو الحرب.

وقيل: إذ أنتم بأدنى المدينة، وهم بأقصى مما يلي مكة؛ على ما ذكرنا.

وقوله  : ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ ﴾ .

يحتمل: أن: لو علمتم أنكم تخرجون إلى الحرب دون العير، لم تخرجوا إلا بميعاد لتتأهبوا للحرب والقتال فاختلفتم في الميعاد، إما للخروج نفسه، وإما للميعاد نفسه: أتخرجون أو لا تخرجون أو منكم من يؤخر الخروج عن وقت الميعاد، ومنكم من لا يخرج رأساً لينقضي ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .

يحتمل: لينجز الله ما كان وعد من الظفر والنصر.

أو ليقضي الله أمراً كان في علمه مفعولا، أن إحدى الطائفتين أنها لكم؛ كأنه قال: (وعد الله مفعولا)، أي: منجزاً.

ويحتمل القضاء: إنشاء وخلق، ولكن لينشئ الله ما قد علم أنه يكون كائناً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ليكفر من كفر بعد ذلك عن بينة وحجة أن رسول الله  كان على الحق؛ وكان صادقاً ويؤمن من آمن على مثل ذلك.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ قال: ليموت من مات، ﴿ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ يقول: عن بيان وحجة.

وهو - والله أعلم - أن رسول الله  قد كان أتاهم بآيات حسية، فسموه ساحراً، وأخبرهم بالأنباء الماضية التي كانت في كتبهم، فقالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وقالوا: إنه معلم ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ .

وقد كان رسول الله  يخالفهم في جميع صنيعهم من عبادتهم الأصنام والأوثان دون الله، وكان يخوفهم ويوعدهم بأشياء، وكان لا يخافهم، وهم كانوا رؤساء كبراء، لا يخالفهم أحد في أمرهم ونهيهم إلا من كان به جنون، فلما رأوا رسول الله خالفهم في جميع أمورهم نسبوه إلى الجنون، وقالوا: ﴿ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ  ﴾ ، و ﴿ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ  ﴾ ؛ فأراد الله أن يجعل له آية عظيمة؛ حتى لا يقدروا بالنسبة إلى شيء مما كانوا ينسبونه من قبل، فوعدهم النصر والفتح يوم بدر بعد ما علم أولئك ضعف المؤمنين، وقلة عددهم، وقوة أنفسهم، وكثرة عددهم؛ لتكون حياة من حيي بعد ذلك عن بينة، وموت من مات على مثل ذلك، وإن كان له من الآيات ما لو لم يعاندوا ولا يكابروا عقولهم، لكانت واحدة منها كافية.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكر القصة من أولها إلى آخرها، وهم قد علموا ذلك كله وشاهدوه؟!

قيل: يذكرهم الله - والله أعلم - الحال التي كانوا عليها [من الضعف والقلة والخوف وفقد أسباب الحرب والقتال وكثرة العدو وقوتهم ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلم الخلق أن النصر والغلبة ليس يكون بالكثرة] والقوة والأسباب؛ ولكن بالله - عز وجل - لئلا يكلوا إلى الكثرة، ولا يعتمدوا على القوة، ولا يضعفوا، ولا يجبنوا، ولا يخافوا غيره؛ ليعرفوا ما أصابهم من الهزيمة والغلبة أصابهم لمعصية كانت منهم، أو إعجاباً بالكثرة، واعتماداً بالقوة والأسباب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ .

اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: ﴿ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ المنام نفسه، كان الله يرى رسوله المشركين في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه بما رأى، فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، ليس كما بلغنا أنهم كثير.

فلما التقوا ببدر، قلل الله المشركين في أعين المؤمنين؛ تصديقاً لرؤيا رسول الله.

وقال الحسن: قوله: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ أي: في عينيك اللتين تنام بهما، وهو في اليقظة؛ لأنه ذكر أنه قال رسول الله  : "تنام عيني ولا ينام قلبي" ، وإنما أراه إياهم قليلا في العين التي بها ينام، وهما عينا الوجه، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود -  - قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحب لي: تراهم سبعين، فقال: أراهم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال: كنا ألفاً.

فإن كان التأويل هذا الثاني أنه أراهم رسوله قليلا في اليقظة بالذي ينام، فهو ظاهر.

وإن كان أراه إياهم في المنام حقيقة، فلقائل أن يقول: إن رؤيا الرسول وحي، فكيف أراه إياهم قليلا وهم كثير خلاف ما هو في الحقيقة؟!

قيل: يحتمل أن يكون أراه بعضهم لا الكل، فهو حقيقة ما أراه إياهم؛ فكذلك قيل، والله أعلم.

وجائز أن يكون أرى أصحابه إياهم قليلاً، وإن أضاف ذلك إلى رسول الله؛ دليله ما ذكر في آخره؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ ﴾ ، وذلك في القرآن كثير أن يخاطب به رسوله والمراد به غيره.

ألا ترى أنه قال: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ  ﴾ ، ومعلوم أن نزول هذه الآية بعد وفاة والديه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ ﴾ أي: لجبنتم.

﴿ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ .

أي: اختلفتم في أمر القتال والحرب.

﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ﴾ .

قيل: سلم وأتم للمسلمين أمرهم على عدوهم، فهزمهم ونصرهم عليهم.

ويحتمل قوله: ﴿ سَلَّمَ ﴾ أي: أجاب للمسلمين؛ لما استعانوا واستنصروه بالنصر والظفر لهم.

﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

أي: عليم بما في قلوب المؤمنين من الجبن والفشل وأمر عدوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ...

﴾ الآية، لما رأوا الملائكة لأنفسهم أنصاراً وأعواناً؛ إذ كان قد وعدهم النصر والإعانة بالملائكة، وكان العدو مع الملائكة فاستقلوا؛ لأن العدوّ وإن كانوا كثيراً فهم قليل مع الملائكة، فرأوهم قليلا على ما كانوا، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء؛ لأنهم كذلك كانوا قليلا، فرءوا على ما كانوا، ولم يروا الملائكة.

وقال بعض أهل التأويل: قلل هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، إذا التقوا؛ ليغري بعضهم على بعض وليجترئ بعضهم على بعض على القتال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه لينجز ما كان وعدهم من النصر والظفر للمؤمنين، والغلبة والهزيمة على أولئك، وكذلك ذكر في القصة أن قوله: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ  ﴾ في بدر فيه وعد ذلك؛ كقوله: ﴿ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: ليخلق الله وينشئ ما قد علم أنه يكون كائناً، أو ليفصل بين الحق والباطل مما قد علم أنه يكون.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً ﴾ : في علمه، ﴿ مَفْعُولاً ﴾ : كائناً؛ يقول: فيوجب أمراً لا بد كائن؛ ليعز الإسلام وأهله بالنصر، ويذل الشرك وأهله بالقتل والهزيمة، والله أعلم.

وهو قريب مما ذكرنا.

﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

أي: إلى الله يرجع تدبير الأمور وتقديرها، له التدبير في ذلك في الدنيا والآخرة.

وذكر في بعض القصة أن أبا جهل [- لعنه الله -] لما رأى قلة المؤمنين ببدر قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم، فأكذبه الله وقتله، فقال: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ لا إلى الخلق، والله أعلم.

وأمر بدر من أوله إلى آخره كان آية، حتى عرف كل أحد ذلك، إلا من عاند وكابر عقله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا -أيها المؤمنون- إذ يريكم الله المشركين حين التقيتم بهم قليلًا، فجرأكم على الإقدام على قتالهم، ويقللكم في أعينهم فيتقدمون لقتالكم، ولا يفكرون في الرجوع ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا بالانتقام من المشركين بالقتل والأسر، والإنعام على المؤمنين بالنصر والظفر بالأعداء، وإلى الله وحده ترجع الأمور، فيجازي المسيء على إساءته، والمحسن على إحسانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.Pogk6"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد