الآية ٤٨ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٤٨ من سورة الأنفال

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٨ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٨ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) الآية ، حسن لهم - لعنه الله - ما جاءوا له وما هموا به ، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس ، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر فقال : أنا جار لكم ، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، سيد بني مدلج ، كبير تلك الناحية ، وكل ذلك منه ، كما قال [ الله ] تعالى عنه : ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) [ النساء : 120 ] .

قال ابن جريج قال ابن عباس في هذه الآية : لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين ، وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم ، وإني جار لكم .

فلما التقوا ، ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة ، ( نكص على عقبيه ) قال : رجع مدبرا ، وقال : ( إني أرى ما لا ترون ) الآية .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين ، معه رايته ، في صورة رجل من بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان للمشركين : ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) فلما اصطف الناس أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين ، فولوا مدبرين وأقبل جبريل ، عليه السلام ، إلى إبليس ، فلما رآه - وكانت يده في يد رجل من المشركين - انتزع يده ثم ولى مدبرا هو وشيعته ، فقال الرجل : يا سراقة ، أتزعم أنك لنا جار ؟

فقال : ( إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ) وذلك حين رأى الملائكة .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ؛ أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فلما حضر القتال ورأى الملائكة ، نكص على عقبيه ، وقال : ( إني بريء منكم ) فتشبث الحارث بن هشام فنخر في وجهه ، فخر صعقا ، فقيل له : ويلك يا سراقة ، على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا .

فقال : ( إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ) وقال محمد بن عمر الواقدي : أخبرني عمر بن عقبة ، عن شعبة - مولى ابن عباس - عن ابن عباس قال : لما تواقف الناس أغمي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعة ثم كشف عنه ، فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة الناس ، وميكائيل في جند آخر ميسرة الناس ، وإسرافيل في جند آخر ألف .

وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، يدبر المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس .

فلما أبصر عدو الله الملائكة ، نكص على عقبيه ، وقال : ( إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ) فتشبث به الحارث بن هشام ، وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه ، فضرب في صدر الحارث ، فسقط الحارث ، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ، ورفع ثوبه وقال : يا رب ، موعدك الذي وعدتني .

وفي الطبراني عن رفاعة بن رافع قريب من هذا السياق وأبسط منه ذكرناه في السيرة .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب ، فكاد ذلك أن يثنيهم ، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي - وكان من أشراف بني كنانة - فقال : أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه ، فخرجوا سراعا .

قال محمد بن إسحاق : فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة بن مالك لا ينكرونه ، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان ، كان الذي رآه حين نكص الحارث بن هشام - أو : عمير بن وهب - فقال : أين ، أي سراق ؟

ومثل عدو الله فذهب - قال : فأوردهم ثم أسلمهم - قال : ونظر عدو الله إلى جنود الله ، قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين فانتكص على عقبيه ، وقال : ( إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ) وصدق عدو الله ، وقال : ( إني أخاف الله والله شديد العقاب ) وهكذا روي عن السدي ، والضحاك ، والحسن البصري ، ومحمد بن كعب القرظي ، وغيرهم ، رحمهم الله .

وقال قتادة : وذكر لنا أنه رأى جبريل ، عليه السلام ، تنزل معه الملائكة ، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة فقال : ( إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ) وكذب عدو الله ، والله ما به مخافة الله ، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة ، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له ، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم ، وتبرأ منهم عند ذلك .

قلت : يعني بعادته لمن أطاعه قوله تعالى : ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله ) [ الحشر : 16 ] ، وقوله تعالى : ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم 4 75 وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) [ إبراهيم : 22 ] .

وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن بعض بني ساعدة قال : سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعدما أصيب بصره يقول : لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري ، لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى .

فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس ، وأوحى الله إليهم : أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ، وتثبيتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه ، فيقول له : أبشر فإنهم ليسوا بشيء ، والله معكم ، كروا عليهم .

فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه ، وقال : ( إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ) وهو في صورة سراقة ، وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول : لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم ، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه .

ثم قال : واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال ، فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا .

وهذا من أبي جهل لعنه الله كقول فرعون للسحرة لما أسلموا : ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ) [ الأعراف : 123 ] ، وكقوله ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) [ طه : 71 ] ، وهو من باب البهت والافتراء ، ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة .

وقال مالك بن أنس ، عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما رئي إبليس في يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وذلك مما يرى من تنزل الرحمة والعفو عن الذنوب إلا ما رأى يوم بدر .

قالوا : يا رسول الله ، وما رأى يوم بدر ؟

قال : أما إنه رأى جبريل ، عليه السلام ، يزع الملائكة .

هذا مرسل من هذا الوجه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم)، وحين زين لهم الشيطان أعمالهم، وكان تزيينه ذلك لهم، (21) كما:- 16183- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قال: جاء إبليس يوم بدر في جُنْد من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مُدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم, (22) فقال الشيطان للمشركين: ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ).

فلما اصطف الناس, أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضةً من التراب فرمى بها في وجوه المشركين, فولَّوا مدبرين.

وأقبل جبريل إلى إبليس, فلما رآه, وكانت يده في يد رجل من المشركين, انتزع.

إبليس يده فولَّى مدبرًا هو وشيعته, فقال الرجل: يا سراقة، تزعم أنك لنا جار؟

قال: ( إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب)، وذلك حين رأى الملائكة.

16184- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا، أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: أتى المشركين إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكنانيّ الشاعر، ثم المدلجي, فجاء على فرس، فقال للمشركين: (لا غالب لكم اليوم من الناس) !

فقالوا: ومن أنت؟

قال: أنا جاركم سراقة, وهؤلاء كنانة قد أتوكم!

16185- حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق, حدثني يزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني بكر =يعني من الحرب= فكاد ذلك أن يثنيهم, (23) فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة [بن مالك] بن جعشم المدلجيّ, وكان من أشراف بني كنانة, فقال: " أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة [من خلفكم بشيء] تكرهونه "!

فخرجوا سراعا.

(24) 16186- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق في قوله: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم)، فذكر استدراج إبليس إياهم، وتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم، (25) حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة في الحرب التي كانت بينهم، (26) يقول الله: (فلما تراءت الفئتان)، ونظر عدوّ الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيَّد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم =(نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون)، وصدق عدوّ الله، إنه رأى ما لا يرون= وقال: (إني أخاف الله والله شديد العقاب) , فأوردهم ثم أسلمهم.

قال: فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منـزل في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لا ينكرونه.

حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان, كان الذي رآه حين نكص: " الحارث بن هشام " أو: " عمير بن وهب الجمحي", فذُكر أحدهما، فقال: أينَ، أيْ سُرَاقَ!

، (27) ومثَل عدوُّ الله فذهب.

(28) 16187- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم)، إلى قوله: (شديد العقاب)، قال: ذُكر لنا أنه رأى جبريل تنـزل معه الملائكة, فزعم عدو الله أنه لا يَدَيْ له بالملائكة, وقال: (إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله)، وكذب والله عدو الله, ما به مخافة الله, ولكن علم أن لا قوة له ولا منعة له, وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له, (29) حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مُسْلَم، (30) وتبرأ منهم عند ذلك.

16188- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) الآية, قال: لما كان يوم بدر, سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين, وألقى في قلوب المشركين: أنّ أحدًا لن يغلبكم، وإني جار لكم!

فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى أمداد الملائكة، نكص على عقبيه =قال: رجع مدبرًا= وقال: (إني أرى ما لا ترون)، الآية.

16189- حدثنا أحمد بن الفرج قال، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون قال، حدثنا مالك, عن إبراهيم بن أبي عبلة, عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما رؤي إبليس يومًا هو فيه أصغرُ، ولا أحقرُ، ولا أدحرُ، ولا أغيظُ من يوم عرفة, وذلك مما يرى من تنـزيل الرحمة والعفو عن الذنوب, إلا ما رأى يوم بدر!

قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟

قال: " أما إنه رأى جبريل يَزَعُ الملائكة ".

(31) 16190- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سليمان بن المغيرة, عن حميد بن هلال, عن الحسن في قوله: (إني أرى ما لا ترون) قال: رأى جبريل معتجرًا ببُرْدٍ، (32) يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم , وفي يده اللجام, ما رَكبَ.

16191- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة, عن حميد بن هلال قال: قال الحسن، وتلا هذه الآية: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) الآية, قال: سار إبليس مع المشركين ببدر برايته وجنوده, وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دين آبائكم, (33) ولن تغلبوا كثرةً!

فلما التقوا نكص على عقبيه =يقول: رجع مدبرًا= وقال: (إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون)، يعني الملائكة.

16192- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب قال: لما أجمعت قريش على السير قالوا: إنما نتخوف من بني بكر!

فقال لهم إبليس، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم: أنا جار لكم من بني بكر, ولا غالب لكم اليوم من الناس.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ( وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) في هذه الأحوال =وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم، أيها المؤمنون، لحربكم وقتالكم وحسَّن ذلك لهم وحثهم عليكم، وقال لهم: لا غالب لكم اليوم من بني آدم, فاطمئنوا وأبشروا =(وإني جار لكم) ، من كنانة أن تأتيكم من ورائكم فمعيذكم، (34) أجيركم وأمنعكم منهم, فلا تخافوهم, واجعلوا حدَّكم وبأسكم على محمد وأصحابه (35) =(فلما تراءت الفئتان)، يقول: فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين وجنود الشيطان من المشركين, ونظر بعضهم إلى بعض=(نكص على عقبيه)، يقول: رجع القهقري على قفاه هاربًا.

(36) * * * يقال منه: " نكص ينكُص وينكِص نكوصًا ", ومنه قول زهير: هُـمْ يَضْرِبُـونَ حَبِيكَ البَيْضِ إِذْ لَحِقُوا لا يَنْكُصُـون, إِذَا مَـا اسْتُلْحِمُوا وَحَمُوا (37) وقال للمشركين: (إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون)، يعني أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددًا للمؤمنين, والمشركون لا يرونهم (38) = إني أخاف عقاب الله، وكذب عدوُّ الله=(والله شديد العقاب) .

(39) ---------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير " زين " فيما سلف 12 : 136 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(22) في المطبوعة ، حذف قوله : " والشيطان " ، وساق الكلام سياقًا واحدًا .

(23) في المطبوعة : " أن يثبطهم " ، غير ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في السيرة .

(24) الأثر : 16185 - سيرة ابن هشام 2 : 263 ، والزيادة بين الأقواس منها .

(25) في المطبوعة ، حذف " لهم " ، وهي ثابتة في المخطوطة وسيرة ابن هشام .

(26) في المطبوعة : " من الحرب " ، غير ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام .

والناشر كما تعلم وترى ، كثير العبث بكلام أهل العلم .

(27) هذه الجملة والتي تليها غيرها الناشر كل التغير ، فكتب : " فقال : أين سراقة !

أسلمنا عدو الله وذهب " .

والذي في المخطوطة مطابق لما في سيرة ابن هشام " .

وقوله : " مثل " ، أي : انتصب ونهض .

(28) الأثر : 16186 - سيرة ابن هشام 2 : 318 ، 319 ، وأخر صدر الخبر فجعله في آخره .

وهذا الخبر لم يروه ابن هشام في سياق تفسير هذه الآيات في سيرته 2 : 329 ، تابعًا للأثر السالف رقم : 16173 ، بل ذكر الآية ثم قال : " وقد مضى تفسير هذه الآية " .

(29) في المطبوعة : " واستعاذ به " ، غير ما في المخطوطة بسوء أمانته ورأيه .

و " استقاد له " ، انقاد له وأطاعه .

(30) " مسلم " ( بضم فسكون ففتح ) مصدر ميمي ، بمعنى " الإسلام " .

(31) الأثر : 16189 - رواه مالك في الموطأ : 422 ، بنحو هذا اللفظ ، وانظر التقصي لابن عبد البر : 12 ، 13 .

" أحمد بن الفرج بن سليمان الحمصي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 6899 ، 15377 .

و " عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون التيمي " ، فقيه المدينة ومفتيها في زمانه ، وهو فقيه ابن فقيه ، وهو ضعيف الحديث .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 358 .

و " إبراهيم بن أبي عبلة الرملي " ، مضى برقم : 11014 .

و " طلحة بن عبيد الله بن كريز بن جابر الكعبي " ، كان قليل الحديث ، مضى برقم : 15585 .

هذا خبر مرسل .

وقوله : " يزع الملائكة " ، أي : يرتبهم ويسويهم ، ويصفهم للحرب ، فكأنه يكفهم عن التفرق والانتشار ، و " الوازع " ، هو المقدم على الجيش ، الموكل بالصفوف وتدبير أمرهم ، وترتيبهم في قتال العدو .

من قولهم : " وزعه " ، أي : كفه وحبسه عن فعل أو غيره .

(32) " الاعتجار " ، هو لف العمامة على استدارة الرأس ، من غير إدارة تحت الحنك .

وإدارتها تحت الحنك هو " التلحي " ( بتشديد الحاء ) .

(33) في المطبوعة : " لن يغلبكم " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(34) في المطبوعة : " فيغيركم " ، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها بعد إصلاح فسادها .

(35) في المطبوعة : " جدكم " بالجيم ، وانظر ما سلف ج 13 ص : 577 ، تعليق : 1 .

(36) انظر تفسير " العقب " فيما سلف 3 : 163 11 : 450 .

(37) ديوانه : 159 ، من قصيدته في هرم بن سنان ، وهي من جياد شعره .

و " حبيك البيض " ، طرائق حديده .

و " البيض " جمع " بيضة " ، هي الخوذة من سلاح المحارب ، على شكل بيضة النعام ، يلبسها الفارس على رأسه لتقيه ضرب السيوف والرماح .

و " استلحم الرجل " ( بالبناء للمجهول ) : إذا نشب في ملحمة القتال ، فلم يجد مخلصًا .

وقوله : " وحموا " ، من قولهم : " حمى من الشيء حمية ومحمية " ، إذا فارت نفسه وغلت ، وأنف أن يقبل ما يراد به من ضيم ، ومنه : " أنف حمى " .

(38) انظر تفسير " بريء " فيما سلف من فهارس اللغة ( برأ ) .

(39) انظر تفسير " شديد العقاب " فيما سلف من فهارس اللغة ( عقب ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب روي أن الشيطان تمثل لهم يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، وهو من بني بكر بن كنانة ، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم ، لأنهم قتلوا رجلا منهم .

فلما تمثل لهم قال ما أخبر الله به عنه .

وقال الضحاك : جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده ، وألقى في قلوبهم أنهم لن يهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم .

وعن ابن عباس قال : أمد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة ، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة ، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة .

وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم .

فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ، فلما اصطف القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره .

ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : يا رب إنك [ ص: 385 ] إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا .

فقال جبريل : خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم ، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه .

فولوا مدبرين ، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته ، فقال له الرجل : يا سراقة ، ألم تزعم أنك لنا جار ، قال : إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون .

ذكره البيهقي وغيره .

وفي موطأ مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما رأى الشيطان نفسه يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر .

قيل : وما رأى يوم بدر يا رسول الله ؟

قال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة .

ومعنى نكص : رجع بلغة سليم ، عن مؤرج وغيره .

وقال الشاعر :ليس النكوص على الأدبار مكرمة إن المكارم إقدام على الأسلوقال آخر :وما ينفع المستأخرين نكوصهم ولا ضر أهل السابقات التقدموليس هاهنا قهقرى بل هو فرار ، كما قال : إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط .إني أخاف الله قيل : خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه .

وقيل : كذب إبليس في قوله : إني أخاف الله ولكن علم أنه لا قوة له .ويجمع جار على أجوار وجيران ، وفي القليل جيرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ‏}‏ حسَّنها في قلوبهم وخدعهم‏.‏ ‏{‏وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ‏}‏ فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئة لا يقاومكم فيها محمد ومن معه‏.‏ ‏{‏وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ‏}‏ من أن يأتيكم أحد ممن تخشون غائلته، لأن إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوة كانت بينهم‏.‏ فقال لهم الشيطان‏:‏ أنا جار لكم، فاطمأنت نفوسهم وأتوا على حرد قادرين‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ‏}‏ المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريل عليه السلام يزع الملائكة خاف خوفا شديدا و ‏{‏نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ ولى مدبرا‏.‏ ‏{‏وَقَالَ‏}‏ لمن خدعهم وغرهم‏:‏ ‏{‏إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ‏}‏ أي‏:‏ أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم‏.‏ ‏{‏إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ‏}‏ أي‏:‏ أخاف أن يعاجلني بالعقوبة في الدنيا ‏{‏وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏ ومن المحتمل أن يكون الشيطان، قد سول لهم، ووسوس في صدورهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، وأنه جار لهم، فلما أوردهم مواردهم، نكص عنهم، وتبرأ منهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) وكان تزيينه أن قريشا لما اجتمعت للسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب ، فكاد ذلك أن يثنيهم فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته ، فتبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، ( وقال ) لهم ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) أي : مجير لكم من كنانة ، ( فلما تراءت الفئتان ) أي التقى الجمعان رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء علم أنه لا طاقة له بهم ، ( نكص على عقبيه ) قال الضحاك : ولى مدبرا .

وقال النضر بن شميل : رجع القهقرى على قفاه هاربا .

قال الكلبي : لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذا بيد الحارث بن هشام ، فنكص على عقبيه ، فقال له الحارث : أفرارا من غير قتال؟

فجعل يمسكه فدفع في صدره وانطلق وانهزم الناس ، فلما قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة ، فقال : بلغني أنكم تقولون : إني هزمت الناس ، فوالله ما شعرت بمسيركم ، حتى بلغني هزيمتكم!

فقالوا : أما أتيتنا في يوم كذا؟

فحلف لهم .

فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان .

قال الحسن في قوله : ( وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ) قال : رأى إبليس جبريل متعجرا ببرد يمشي بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي يده اللجام يقود الفرس ، ما ركب .

وقال قتادة : كان إبليس يقول : إني أرى ما لا ترون وصدق .

وقال ( إني أخاف الله ) وكذب والله ما به من مخافة الله ، ولكن علم أنه لا قوة به ولا منعة فأوردهم وأسلمهم ، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه ، إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم .

وقال عطاء : إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك .

وقال الكلبي : خاف أن يأخذه جبريل عليه السلام ويعرف حاله فلا يطيعوه .

وقيل : معناه إني أخاف الله أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه كان على ثقة من أمره .

( والله شديد العقاب ) وقيل : معناه إني أخاف الله عليكم والله شديد العقاب .

وقيل : انقطع الكلام عند قوله أخاف الله ثم يقول الله : والله شديد العقاب .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن إبراهيم بن أبي علية ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله تعالى عن الذنوب العظام ، إلا ما كان من يوم بدر " ، فقيل : وما رأى يوم بدر؟

قال : " أما إنه قد رأى جبريل عليه السلام وهو يزع الملائكة " .

هذا حديث مرسل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إذ زيَّن لهم الشيطان» إبليس «أعمالهم» بأن شجعهم على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر «وقال» لهم «لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم» من كنانة وكان أتاهم في صورة سراقة بن مالك سيد تلك الناحية «فلما تراءت» التقت «الفئتان» المسلمة والكافرة ورأى الملائكة يده في يد الحارث بن هشام «نكص» رجع «على عقبيه» هاربا «وقال» لما قالوا له أتخذلنا على هذه الحال: «إني بريء منكم» من جواركم «إني أرى ما لا ترون» من الملائكة «إني أخاف الله» أن يهلكني «والله شديد العقاب».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا حين حسَّن الشيطان للمشركين ما جاؤوا له وما همُّوا به، وقال لهم: لن يغلبكم أحد اليوم، فإني ناصركم، فلما تقابل الفريقان: المشركون ومعهم الشيطان، والمسلمون ومعهم الملائكة، رجع الشيطان مُدْبرًا، وقال للمشركين: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون من الملائكة الذين جاؤوا مددًا للمسلمين، إني أخاف الله، فخذلهم وتبرأ منهم.

والله شديد العقاب لمن عصاه ولم يتب توبة نصوحًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ .

.

) تذكير للمؤمنين بما خدع به الشيطان الكافرين من وعود كاذبة ، وأمانى باطلة .والمراد بهذا التذكير : حضهم على المداومة على طاعة الله وشكره ، حيث إنه - سبحانه - لم يجعلهم كأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان .والمعنى : احذروا - أيها المؤمنون - أن تتشبهوا بأولئك الذين خرجوا من ديارهم بطرا ومفاخرة .

.

واذكروا وقت أن ( زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) فى معاداتكم ، بأن وسوس لهم بأنهم على الحق وانتم على الباطل ، وحسن لهم ما جبلوا عليه من غررو ومراءاة ، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم عند لقائكم ، بأن قال لهم ( لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ) أى : لن يغلبكم أحد من الناس ، لا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ولا غيرهم من قبائل العرب ، وأنى مجير ومعين وناصر لكم ، إذ المراد بالجار هنا : الذى يجير غيره .

أى : يؤمنه مما يخاف ويخشى .قال الآلوسى : أى : ألقى فى روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم ، وعددهم ، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات - تجعله مجيرا لهم ، وحافظا إياهم عن السوء حتى قالوا : اللهم انصر اهدى الفئتين ، وأفضل الدينين .فالقول مجاز عن السوسة .

والإِسناد فى قوله ( وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ) من قبيل الاسناد إلى السبب الداعى .

و ( لَّكُمْ ) خبر ( لاَ ) أو صفة ( غَالِبَ ) والخبر محذوف .

أى : لا غالب كائنا لكم موجود .

و ( اليوم ) معمول الخبر .

و ( مِنَ الناس ) حال من ضمير الخبر .

.وقوله : ( فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب ) بيان لما فعله الشيطان وقاله بعد أن رأى ما رأى من قوة لا طافة له بها .

.وقوله : ( تَرَآءَتِ الفئتان ) أى : تقاربتا بحيث صارت كل فئة ترى الأخرى رؤية واضحة .ومنهم من جعل ( تَرَآءَتِ ) بمعنى التقت وقوله ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) أى : ولى هاربا ورجع القهقرى .

وأبطل كيده وذهب ما مناهم به من الصنرة والعون يقال : نكص عن الأمر نكوصا ونكصا أى : تراجع عنه وأحجم .

والعقب : مؤخر القدم .والمعنى : لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم - أيها المؤمنون - ، ومناهم بالنصر عليكم .

.

.

ولكنه حينا تراءت الفئتان : فئتكم وفئته ، ورأى ما أمدكم الله به من الملائكة ، ولىم دبرا وقال للكافرين : ( إِنِّي برياء مِّنْكُمْ ) أى : من عهدكم وجواركم ونصرتكم ، ( إني أرى ) من الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم ( إني أَخَافُ الله ) أن يعذبنى قبل يوم القيامة ، أو إنى أخاف الله أن يصيبنى بمكروه من قبل ملائكته .وقوله : ( والله شَدِيدُ العقاب ) يحتمل أن من كلام إبليس الذى حكاه الله - تعالى عنه ، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه عز وجل .أى : والله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره .هذا ، وهناك قولان فى كيفية تزيين الشيطان للمشركين :أحدهما : أن هذا التزيين لم يكن حسيا ، وإنما كان معنويا عن طريق الوسوسة دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان .وعليه يكون قوله ( لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم .

.

.

) مجازا عن الوسوسة .

وقوله ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) استعارة لبطلان كيده ، شبه بطلان كيده بعد وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه .وثانيهما : أن هذا كان حسيا بمعنى أن الشيطان تمثل لهم فى صورة إنسان ، وقال لهم ما قال مما حكاه الله - تعالى - عنه .وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين فى تفسير الآية فقال : واذكر ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) التى عملوها فى معاداة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون ، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم ، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم ، أى : بطل كيده حين نزلت جنود الله .وكذا عن الحسن - رحمه الله - قال : كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم .وقيل : لما اجتمعت قريش على السير - لحرب المسلمين فى بدر - ذكرت الذى بينها وبين كنانة من الحرب ، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين ، فتمثل لهم إبليس فى صورة سراقة ابن مالك بن جعشم الشاعر الكنانى - وكان من أشرفهم - فى جند من الشياطين معه راية وقال : لا غالب لكم اليوم وإنى مجيركم من بنى كنانة .

فلما رأى الملائكة تنزل ، نكص .وقيل : كانت يده فى يد الحارث بن هشام ، فلما نكص قال له الحارث : إلى أين؟

أتخذلنا فى هذه الحالة؟

فقال : إنى أرى ما لا ترون ، ودفع صدر الحارث وانطلق وانهزموا .فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيمتكم .

فلما أسلموا علموا أنه الشيطان .وفى الحديث - الذى أخرجه مالك فى الموطأ - " وما رئى إبليس يوما أصغرى ولا أدحر ولا أغيظ منه فى يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة .

إلا مارئى يوم بدر " .وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق فى جملتها مع ما ذكره صاحب الكشاف ، وإن كانت تختلف عنها فى التفصيل ، ومن ذلك قول ابن جرير :" وكان تزيينه ذلك لهم كما حدثنى المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنى معاوية عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر فى جند من الشياطين معه رايته فى صورة رجل من بنى مدلج ، فى صورة سارقة بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما اصطف الناس ، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من التراب ، فرمى بها فى وجوه المشركين ، فولوا الأدبار .وأقبل جبريل إلى إبليس ، فلما رآه - وكانت يده فى رجل من المشركين - انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته .فقال الرجل : يا سراقة تزعم أنك لنا جار؟

قال : ( إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب ) وذلك حين رأى الملائكة .ثم قال : وحدثنا أحمد بن الفرج ، قال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون ، قال : حدثنا مالك ، عن ابراهيم بن أبى عبلة ، عن طلحة بن عبد ابن عبيد الله بن كريز : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " " مارئى إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحر من يوم عرفة وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب ، إلا ما رأى يوم بدر " قالوا : يا رسول الله ، وما رأى يوم بدر؟

قال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة أى : يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب " .وقد سار - ابن جرير وابن كثير - فى تفسيرهما للآية على أن التزيين من الشيطان كان حسيا .فابن جرير يقول .

بعد أن ذكر بضع روايات فى تفسير الآية : فتأويل : وإن الله لسميع عليم فى هذه الأحوال ، وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم .

ايها لامؤمنون لحربكم وقتالاكم ، وحسن ذلك لهم ، وحثهم عليكم وقال لا غالب لكم اليوم ، من بنى آدم ، فاطمئنوا وابشروا وإنى جار لكم من كنانة أن تأتيكم من روائكم .

.

واجعلوا جدكم وبأسكم على محمد وأصحابه ( فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان ) يقول : فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين ، وجنود الشيطان من الكافرين ، ونظر بعضهم إلى بعض ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) أى : رجع القهقرى على قفاه هاربا .

.

وقال للمشركين ( إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ ) يعنى أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين ، والمشركون لا يرونهم .وابن كثير يقول : وقوله - تعالى - ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) الآية .أى : حسن لهم لعنة الله - ما جاءوا له ، وما هموا به ، وذلك أنه تبدى لهم فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بنى مدلج .

.

ثم قال : فلما رأى إبليس الملائكة ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون ، وهو فى صورة سراقة ، وأقبل أبو جهل يحض أصحابه ويقول لهم : لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم ، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه .

.ومن هذا يتضح أن هذين الإِمامين الجليلين يسيران فى تفسيرهما للآية الاكريمة ، على أن التزيين كان حسياً ، ويهملان القول بغير ذلك ممن تابعهما فى هذا الإِمام القرطبى ، فقد ذكر عرض الروايات التى وردت فى معنى الآية ، والتى صرحت بأن الشطيان قد تمثل للمشركين فى صورة إنسان ، وبنى تفسيره للآية على ذلك ..وقد خالف صاحب المنار هؤلاء الأئمة ، فرجح القول الأول وهو أن التزيين لم يكن حسياً ، أى أن ما قاله الشيطان لهم من قبيل الوسوسة ، وأنه لم يتمثل لهم فى صورة إنسان .فقد قال - رحمه الله - قوله : ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس .

.

.

) أى : واذكر ايها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم بما ألقاه فى هواجسهم لا غالب لكم اليوم من الناس .( فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْه ) أى : فلما قرب كل من الفريقين من الآخر .

نكص ، أى : رجع القهرى .

.

والمراد أنه كف عن تزيينه لهم ، وتغريره إياهم ، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ ، وتركها بحال من ينكص ، أى : رجع القهقهرى .

.

والمراد أنه كف عن تزيينه لهم ، وتغريره إياهم ، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ ، وتركها بحال من ينكصر عن ويوليه دبره ، ثم زاد على هذا ما يلد على براءته منهم ، وتكره إياهم وشأنهم ، وهو ( وَقَالَ إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله ) أى : تبرأ منهم وخاف عليهم ، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة .ثم قال - بعد أن ضعف الروايات التى أوردها ابن جرير وابن كثير - والمختار عندنا فى تفسير الآية أن الشيطان القى فى قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبهم .

.والخلاصة : أننا بمراجعنا لأقوال المفسرين فى كيفية تزيين الشيطان للمشركين ، تراهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :( أ ) قسم منهم ذكر القولين السابقين فى كيفية التزين دون أن يرجح أحدهما على الآخر ، وممن فعل ذلك الزمخشرى ، والفخر الرازى والآلوسى .( ب ) وقسم منهم سار فى تفسيره على أن التزيين كان حسياً ، بمعنى أن الشيطان تمثل للمشركين فى صورة إنسان وقال لهم ما قال ، وأهمل القول بأن التزيين لم يكن حسياً ، وممن فعل ذلك ابن جرير ، وابن كثير ، والقرطبى .( ج ) وقسم منهم رجح أن التزيين لم يكن حسياً ، بل كان طريق الوسوسة ، وأن الشيطان ما تمثل للمشركين فى صورة إنسان ، وقد اسر فى هذا الاتجاه صاحب المنار مشككا فى صحة ما سواه .والذى نراه بعد هذا العرض لأقوال المفسرين : أن الآية الكريمة صريحة فى أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم ، وأنه قد قال لهم - ما حكاه القرآن عنه : ( لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ) وأنه حين تراءى الجمعان كذب فعلهُ قوله ، فقد ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) وقال للمشركين الذين وعدهم ومناهم بالنصر ( إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب ) .ومن العسير علينا بعد ذلك أن نحدد تحديداً قاطعاً كيفية هذا التزيين والقول والنكوص : أهو حسى أم غير حسى؛ لأن التحديد القاطع لا بد أن يستند إلى نص صريح فى دلالته على المعنى المراد ، وصحيح فى نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .وهذا النص غير موجود ، لأن الحديث الذى أخرجه الإِمام مالك فى موطئه - والذى سبق أن ذكرناه - قال عنه ابن كثير وابن حجر إنه حديث مرسل ، وزيادة على ذلك ففى بعض رجاله من هو ضعيف الحديث كابن الماجشون ، ولأن الروايات التى رويت فى تمثيل الشيطان بصورة سراقة قد جاء معظمها عن ابن عباس ، وابن عباس - كما يقول صاحب المنار - كان سنة يوم بدر خمس سنين .

روايته لأخبارها منقطعة .إذا فنحن نؤمن بما أثبته القرآن من أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم ، وأنه قد حال لهم ما قاله - مما حكاه القرآن عنه - ، وأنه قد نكص على عقبيه .

.

إلا أننا لا نستطيع أن نحدد كيفية ذلك .ويعجبنى فى هذا المقام قول بعض الكاتبين عند تفسيره لهذه الآية : " وفى هذا الحادث نص قرآنى يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم ، وشجعهم على الخروج .

.

وأنه بعد ذلك ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) فخذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم .ولكننا لا نعمل الكيفية التى زين لهم بها أعمالهم والتى قال لهم بهاك لا غالب لكم اليوم من الناس .

.

والتى نكص بها كذلك .الكيفية فقط هى التى لا نجزم بها .

ذلك أن أمر الشياطن كله غيب ، ولا سبيل لنا إلى الجزم بشئ من أمره إلا بنص قرآنى أو حديث نبوى صحيح ، والنص هنا لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث .فإلى هنا ينتهى إجتهادنا ، ولا نميل إلى المنهج الذى تتخذه مدرسة الشيخ محمد بعد فى محاولة تأويل كل أمر غيبى من هذا القبيل تأويلا معينا ينفى الحركة الحسية عن هذه العوالم ، وذلك كقول الشيخ رشيد رضا فى تفسير الآية .( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) واذكر أيها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم بما ألقاه فى هواجسهم : لا غالب لكم اليوم من الناس .

.

الخ ما ذكره الشيخ رشيد فى تفسيره الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا من جملة النعم التي خص أهل بدر بها وفيه مسائل: المسألة الأولى: العامل في ﴿ إِذْ ﴾ فيه وجوه: قيل: تقديره اذكر إذ زين لهم، وقيل: هو عطف على ما تقدم من تذكير النعم، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذ زين، وقيل: هو عطف على قوله: خرجوا بطراً ورئاء الناس.

وتقديره: لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورثاء الناس وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم.

المسألة الثانية: في كيفية هذا التزيين وجهان: الأول: أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة الإنسان، وهو قول الحسن والأصم.

والثاني: أنه ظهر في صورة الإنسان.

قالوا: إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة، لأنهم كانوا قتلوا منهم واحداً، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من بني بكر بن كنانة وكان من أشرافهم في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم مجيركم من بني كنانة، فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه.

وقيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام، فلما نكص قال له الحرث: أتخذ لنا في هذه الحال؟

فقال: إني أرى ما لا ترونا ودفع في صدر الحرث وانهزموا.

وفي هذه القصة سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة؟

والجواب فيه معجزة عظيمة للرسول عليه السلام وذلك لأن كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم.

فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطاناً.

فإن قيل: فإذا حضر إبليس لمحاربة المؤمنين.

ومعلوم أنه في غاية القوة، فلم لم يهزموا جيوش المسلمين؟

قلنا: لأنه رأى في جيش المسلمين جبريل مع ألف من الملائكة، فلهذا السبب خاف وفر.

فإن قيل: فعلى هذا الطريق وجب أن ينهزم جميع جيوش المسلمين لأنه يتشبه بصورة البشر ويحضر ويعين جمع الكفار ويهزم جموع المسلمين، والحاصل: أنه إن قدر على هذا المعنى فلم لا يفعل ذلك في سائر وقائع المسلمين؟

وإن لم يقدر عليه فكيف أضفتم إليه هذا العمل في واقعة بدر؟

الجواب: لعله تعالى إنما غير صورته إلى صورة البشر في تلك الواقعة أما في سائر الوقائع فلا يفعل ذلك التغيير.

السؤال الثاني: أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطاناً بل صار بشراً.

الجواب أن الإنسان إنما كان إنساناً بجوهر نفسه الناطقة، ونفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة، وهذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الإنسان ليس إنساناً بحسب بنيته الظاهرة وصورته المخصوصة.

السؤال الثالث: ما معنى قول الشيطان ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس ﴾ وما الفائدة في هذا الكلام مع أنهم كانوا كثيرين غالبين؟

والجواب: أنهم وإن كانوا كثيرين في العدد إلا أنهم كانوا يشاهدون أن دولة محمد عليه الصلاة والسلام كل يوم في الترقي والتزايد، ولأن محمداً كلما أخبر عن شيء فقد وقع فكانوا لهذا السبب خائفين جداً من قوم محمد صلى الله عليه وسلم، فذكر إبليس هذا الكلام إزالة للخوف عن قلوبهم، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يؤمنهم من شر بني بكر بن كنانة خصوصاً وقد تصور بصورة زعيم منهم، وقال: ﴿ إِنّى جَارٌ لَّكُمْ ﴾ والمعنى: إني إذا كنت وقومي ظهيراً لكم فلا يغلبكم أحد من الناس ومعنى الجار هاهنا: الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن جاره، والعرب تقول: أنا جار لك من فلان أي حافظ من مضرته فلا يصل إليك مكروه منه.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان ﴾ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى نكص على عقيبه، والنكوص الأحجام عن الشيء، والمعنى: رجع وقال: إني أرى مالا ترون، وفيه وجوه: الأول: أنه روحاني، فرأى الملائكة فخافهم.

قيل: رأى جبريل يمشي بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام.

وقيل: رأى ألفاً من الملائكة مردفين.

الثاني: أنه رأى أثر النصرة والظفر في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بلية.

ثم قال: ﴿ إِنّى أَخَافُ الله ﴾ قال قتادة صدق في قوله: ﴿ إِنّي أرى مَا لاَ تَرَوْنَ ﴾ وكذب في قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ الله ﴾ وقيل لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر فقال: ما قال إشفاقاً على نفسه.

أما قوله: ﴿ والله شَدِيدُ العقاب ﴾ فيجوز أن يكون من بقية كلام إبليس، ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله أخاف الله.

ثم قال تعالى بعده: ﴿ والله شَدِيدُ العقاب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم ﴾ التي عملوها في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووسوس إليهم أنهما لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم، أي بطل كيده حين نزلت جنود الله وكذا عن الحسن رحمه الله: كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم.

وقيل: لما اجتمعت قريش على السير ذكرت الذي بينها وبين بني كنانة من الحرب، فكان ذلك يثنيهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني- وكان من أشرافهم- في جند من الشياطين معه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم، وإني مجيركم من بني كنانة.

فلما رأى الملائكة تنزل، نكص وقيل: كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نكص قال له الحارث: إلى أين؟

أتخذلنا في هذه الحال؟

فقال: إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث وانطلق، وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.

وفي الحديث: «وما رؤى إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رؤي يوم بدر» فإن قلت: هلا قيل لا غالباً لكم كما يقال: لا ضارباً زيداً عندنا؟

قلت: لو كان (لكم) مفعولاً لغالب، بمعنى: لا غالباً إياكم لكان الأمر كما قلت؛ لكنه خبر تقديره: لا غالب كائن لكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ.

﴿ أعْمالَهُمْ ﴾ في مُعاداةِ الرَّسُولِ  وغَيْرَها بِأنْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ.

﴿ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ مَقالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى في رَوْعِهِمْ وخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ ولا يُطاقُونَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وأوْهَمَهم أنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ فِيما يَظُنُّونَ أنَّها قُرُباتُ مُجِيرٍ لَهم حَتّى قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الفِئَتَيْنِ وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، ولَكم خَبَرُ لا غالِبَ أوْ صِفَتُهُ ولَيْسَ صِلَتُهُ وإلّا لانْتَصَبَ كَقَوْلِكَ: لا ضارِبًا زَيْدًا عِنْدَنا.

﴿ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ ﴾ أيْ تَلاقى الفَرِيقانِ.

﴿ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ رَجَعَ القَهْقَرى أيْ بَطَلَ كَيْدُهُ وعادَ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ مُجِيرُهم سَبَبَ هَلاكِهِمْ.

﴿ وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ أيْ تَبَرَّأ مِنهم وخافَ عَلَيْهِمْ وأيِسَ مِن حالِهِمْ لَمّا رَأى إمْدادَ اللَّهِ المُسْلِمِينَ بِالمَلائِكَةِ، وقِيلَ: لَمّا اجْتَمَعَتْقُرَيْشٌ عَلى المَسِيرِ ذَكَرَتْ ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الإحْنَةِ وكادَ ذَلِكَ يَثْنِيهِمْ، فَتَمَثَّلَ لَهم إبْلِيسُ بِصُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ الكِنانِيِّ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ وإنِّي مُجِيرُكم مِن بَنِي كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ نَكَصَ وكانَ يَدُهُ في يَدِ الحَرْثِ بْنِ هِشامٍ فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالَةِ فَقالَ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وانْطَلَقَ وانْهَزَمُوا، فَلَمّا بَلَغُوا مَكَّةَ قالُوا هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقالَ: واللَّهِ ما شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَّيْطانُ.

وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ إنِّي أخافُهُ أنْ يُصِيبَنِي مَكْرُوهٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ يُهْلِكَنِي ويَكُونُ الوَقْتُ هو الوَقْتُ المَوْعُودُ إذْ رَأى فِيهِ ما لَمْ يَرَ قَبْلَهُ، والأوَّلُ ما قالَهُ الحَسَنُ واخْتارَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس} واذكر إذ زين لهم الشياطن اعمالهم التى عمللوها فى معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسوس اليهم أنهم تلا يغلبون وغالب مبنى نحو لا رجل روكم فى موشع رفع خبر لا تقديره لا غالب كائن لكم {وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} أي مجير لكم أوهمهم أن الشيطان مما يجيرهم {فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان} فلما تلاقى الفريقان {نَكَصَ} الشيطان هارباً {على عَقِبَيْهِ} أي رجع القهقرى {وَقَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِّنْكُمْ} أي رجعت عما ضمنت لكم من الأمان روى أن ابليس تمثل لهم

الأنفال ٤٦ ٥٠ فى صورة سراقة بن مالكم بن جعشم فى جند من الشياكني معه راية فلما رأى الملائكة تنزل نكص فقا لله الحرث بن هشام اتخذ لنا في هذه الحالة فقال {إِنّي أرى مَا لا ترون} أى الملائكة وانهمزا فلما بلغوا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيممتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان {إِنّي أَخَافُ الله} أي عقوبته {والله شَدِيدُ العقاب}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ مُقَدَّرٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ عَلى ما قِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُضْمَرُ مُخاطَبًا بِهِ المُؤْمِنُونَ والعَطْفُ عَلى لا تَكُونُوا، أيْ واذْكُرُوا إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم في مُعاداةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِها بِأنْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ ﴿ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ ﴾ أيْ ألْقى في رُوعِهِمْ وخَيَّلَ لَهم أنَّهم لا يُغْلَبُونَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ وأوْهَمَهم أنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ فِيما يَظُنُّونَ أنَّها قُرُباتٌ مُجِيرٌ لَهم وحافِظٌ عَنِ السُّوءِ حَتّى قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الفِئَتَيْنِ وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، فالقَوْلُ مَجازٌ عَنِ الوَسْوَسَةِ، والإسْنادُ في ( إنِّي جارٌ ) مِن قَبِيلِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ الدّاعِي و( لَكم ) خَبَرُ ( لا ) أوْ صِفَةُ ( غالِبَ ) والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ لا غالِبَ كائِنًا لَكم مَوْجُودٌ و( اليَوْمَ ) مَعْمُولُ الخَبَرِ ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُ الجارِّ بِـ ( غالِبَ ) وإلّا لانْتَصَبَ لِشَبَهِهِ بِالمُضافِ حِينَئِذٍ، وأجازَ البَغْدادِيُّونَ الفَتْحَ وعَلَيْهِ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِهِ، و( مِنَ النّاسِ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ الخَبَرِ لا مِنَ المُسْتَتِرِ في ( غالِبَ ) لِما ذَكَرْنا، وجُمْلَةُ ( إنِّي جارٌ ) تَحْتَمِلُ العَطْفَ والحالِيَّةَ ﴿ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ ﴾ أيْ تَلاقى الفَرِيقانِ وكَثِيرًا ما يُكَنّى بِالتَّرائِي عَنِ التَّلاقِي وإنَّما أُوِّلَ بِذَلِكَ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ أيْ: رَجَعَ القَهْقَرى فَإنَّ النُّكُوصَ كانَ عِنْدَ التَّلاقِي لا عِنْدَ التَّرائِي، والتِزامُ كَوْنِهِ عِنْدَهُ فِيهِ خَفاءٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ أوِ المُؤَسِّسَةِ إنْ فُسِّرَ النُّكُوصُ بِمُطْلَقِ الرُّجُوعِ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ بُطْلانَ كَيْدِهِ بَعْدَ تَزْيِينِهِ بِمَن رَجَعَ القَهْقَرى عَمّا يَخافُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا تَلاقَتا بَطَلَ كَيَدُهُ وعادَ ما خَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ مُجِيرُهم سَبَبَ هَلاكِهِمْ.

﴿ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ تَبَرَّأ مِنهم إمّا بِتَرْكِهِمْ أوْ بِتَرْكِ الوَسْوَسَةِ لَهُمُ الَّتِي كانَ يَفْعَلُها أوَّلًا وخافَ عَلَيْهِمْ وأيِسَ مِن حالِهِمْ لَمّا رَأى إمْدادَ اللَّهِ تَعالى المُسْلِمِينَ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإنَّما لَمْ نَقُلْ خافَ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّ الوَسْوَسَةَ بِخَوْفِهِ عَلَيْهِمْ أقْرَبُ إلى القَبُولِ بَلْ يَبْعُدُ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِمْ بِخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لا يَخافُ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ مِنَ المُنْظَرِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَدْ يُقالُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ عَظُمَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ وأخَذَ يُخَوِّفُهم بَعْدَ أنْ كانَ يُحَرِّضُهم ويُشَجِّعُهم كَأنَّهُ قالَ: يا قَوْمِ الأمْرُ عَظِيمٌ والخَطْبُ جَسِيمٌ وإنِّي تارِكُكم لِذَلِكَ وخائِفٌ عَلى نَفْسَيِ الوُقُوعَ في مُهاوِي المَهالِكِ مَعَ أنِّي أقْدَرُ مِنكم عَلى الفِرارِ وعَلى مَراحِلِ هَذِهِ القِفارِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ مِنَ الخَوْفِ الخَوْفُ عَلى نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلى المَسِيرِ ذَكَرَتْ ما بَيْنَها وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الإحْنَةِ والحَرْبِ، فَكادَ ذَلِكَ يُثَبِّطُهم فَتَمَثَّلَ لَهم إبْلِيسُ بِصُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ الكِنانِيِّ وكانَ مِن أشْرافِ كِنانَةَ فَقالَ لَهُمْ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ وإنِّي جارٌ لَكم مِن بَنِي كِنانَةَ وحافِظُكم ومانِعٌ عَنْكم فَلا يَصِلُ إلَيْكم مَكْرُوهٌ مِنهُمْ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ نَكَصَ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالَةِ؟

فَقالَ لَهُ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، فَقالَ: واللَّهِ ما نَرى إلّا جَعاسِيسَ يَثْرِبَ فَدَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وانْطَلَقَ وانْهَزَمَ النّاسُ، فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ فَبَلَغَهُ الخَبَرُ فَقالَ: واللَّهِ ما شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَّيْطانُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والكَلْبِيِّ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: إنِّي أخافُ اللَّهَ إنِّي أخافُ أنْ يُصِيبَنِي بِمَكْرُوهٍ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ يُهْلِكَنِي، ويَكُونُ الوَقْتُ هو الوَقْتَ المَوْعُودَ إذْ رَأى فِيهِ ما لَمْ يَرَ قَبْلَهُ، وفي ”المُوَطَّأِ“ ما رُئِيَ الشَّيْطانُ يَوْمًا هو أصْغَرُ فِيهِ ولا أدْحَرُ ولا أحْقَرُ ولا أغْيَظُ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ لِما يَرى مِن تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وتُجاوِزِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الذُّنُوبِ العِظامِ إلّا ما رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ قَدْ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَزَعُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما في كِتابِ ”التِّيجانِ“ مِن أنَّ إبْلِيسَ قُتِلَ ذَلِكَ اليَوْمَ مُخْرَجٌ عَلى هَذا وإلّا فَهو تاجُ سُلْطانِ الكَذِبِ، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنِ الحَسَنِ واخْتارَهُ البَلْخِيُّ، والجاحِظُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّعِينِ وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأوَّلَ هو الظّاهِرُ إذْ عَلى احْتِمالِ كَوْنِهِ مُسْتَأْنَفًا يَكُونُ تَقْرِيرًا لِمَعْذِرَتِهِ ولا يَقْتَضِيهِ المَقامُ فَيَكُونُ فَضْلَةً مِنَ الكَلامِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَيانٌ لِسَبَبِ خَوْفِهِ حَيْثُ إنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: مسيرهم.

ومعناه: أن خروجهم لما كان للشيطان، زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: مسيرهم.

ومعناه: أن خروجهم لما كان للشيطان، زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وذلك أن أهل مكة لما وجدوا العير، أرادوا الرجوع إلى مكة، فأتاهم إبليس على صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني، فقال لهم: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير وعدوكم قليل.

ثم قال: وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، يعني: لا يطيقكم أحد لكثرتكم وقوتكم.

وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ يعني: معين لكم، وهؤلاء بنو كنانة تأتيكم وهم على أثرى.

فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ، يعني: اجتمع الجمعان، جمع المؤمنين وجمع المشركين، نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ يعني: راجعاً (١) وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ.

فقال له الحارث: وهل ترى إلا جعاشيش أهل يثرب؟

والجعاشيش: جمع جعشوش، وهو الرجل الحقير الدميم القصير.

فقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ.

قال ابن عباس: «خاف إبليس أن يأخذه جبريل أسيراً، فيعرفه الناس، فيراه الكفار فيعرفونه بعد ذلك، فلا يطيعونه، ولم يخف على نفسه الموت والقتل، لأنه كان يعلم أن له بقاء إلى يوم ينفخ فى الصور» .

قال إبليس: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ أي: أرى جبريل معتجراً بردائه يقود الفرس، فلما تولى قالوا: هزم الناس سراقة، فسار سراقة بعد رجوعهم إلى مكة، وقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم.

فقالوا له: ألم تأتنا يوم كذا وكذا؟

فحلف أنه لم يحضر، فلما أسلموا، علموا أنه كان إبليس.

وقال مقاتل: لم يجتمع جمع قط منذ كانت الدنيا أكثر من يوم بدر، وذلك أن إبليس جاء بنفسه، وحضرت الشياطين، وحضر كفار الجن كلهم، وتسعمائة وخمسين من المشركين، وثلاثمائة وثلاثة عشر من المؤمنين، وتسعون من مؤمني الجن، وألفا من الملائكة.

وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه السورة، كان يقول: «طوبى لجيش كان قائدهم رسول الله  ، ومبارزهم أسد الله، وجهادهم طاعة الله، ومددهم ملائكة الله، وجاسوسهم أمين الله، وثوابهم رضوان الله» .

قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني شكا ونفاقاً.

قال الحسن: هم قوم من المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين.

وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أبيّ وأصحابه ويقال: معناه إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وهم الذين فى قلوبهم مرض.

قال ابن عباس: «نزلت الآية في الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة، فأخرجهم أهل مكة إلى بدر كرهاً، فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا، وقالوا لأهل مكة: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ.

وقاتلوا مع المشركين فقتل عامتهم» .

يقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، يعني يثق بالله ولا يثق بغيره، فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ بالنقمة، حَكِيمٌ حكم الهزيمة على المشركين.

فلما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فنزل: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: ولو ترى يا محمد إذ يتوفى الذين كفروا حين يقبض أرواحهم الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ عند قبض أرواحهم ويضربون، وَأَدْبارَهُمْ يعني: ويضربون ويقول لهم الملائكة يوم القيامة: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ولم يذكر الجواب، لأن في الكلام دليلاً عليه، ومعناه: لو رأيت ذلك لرأيت أمراً عظيماً.

قرأ ابن عامر إذ تتوفّى الذين بلفظ التأنيث، وقرأ الباقون يَتَوَفَّى بلفظ التذكير.

وروي عن ابن مسعود أنه كان يُذَكِّر الملائكة في جميع القرآن، خلافاً للمشركين لقولهم: الملائكة بنات الله.

ثم قال تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، يعني ذلك العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من الكفر والتكذيب وبترككم الإيمان.

وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يقول: لم يعذبهم بغير ذنب: (١) في النسخة «أ» : ورأى جبريل وراءه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، الضمير في لَهُمُ عائد على الكفّار، والشَّيْطانُ: إبليس نفْسُه، والذي عليه الجمهورُ، وتظاهرَتْ به الرواياتُ أن إبْلِيسَ جاء كُفَّار قريشٍ، ففي «السِّيَر» لابن هشامٍ: أنه جاءهم بمكَّة، وفي غيرها: أنَّه جاءهم، وهُمْ في طريقهم إِلى بَدْرٍ، وقد لحقهم خَوْفٌ من بني بَكْر وكِنَانَةَ لحروبٍ كانَتْ بينهم، فجاءهم إِبليس في صورة سُرَاقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُم، وهو سيِّد مِنْ ساداتهم، فقال لهم: إِنِّي جارٌ لَكُمْ، ولن تخافوا من قومي، وهم لكُمْ أعوانٌ على مَقْصِدِكم، ولَنْ يغلبكم أحدٌ، فروي أنه لما التقى الجمعانِ، كانَتُ يده في يدِ الحَارِثِ بن هشام، فلما رأَى الملائكَةَ، نَكَصَ، فقال له الحارثُ: أَتَفِرُّ يا سُرَاقَةُ؟!

فلم يَلْو عَليه، ويروى أَنه قال له ما تضمَّنته الآيةُ، وروي أن عُمَيْرَ بْنَ وهبٍ، أو الحارثِ بْنَ هشامٍ قال له: أَيْنَ يا سُرَاقُ؟

فلم يَلْوِ مِثْلَ عَدُوِّ اللَّه، فذهبَ، ووقعتِ/ الهزيمة، فتحدَّثوا أنَّ سُرَاقَةَ فَرَّ بالنَّاسِ، فبلغ ذلك سُرَاقَةَ بْنَ مالك، فأتى مكَّة، فقال لهم: واللَّه، ما عَلِمْتُ بشيء منْ أمركم حتى بَلَغَتْني هزيمَتُكُمْ، ولا رأْيْتُكُم، ولا كُنْتُ معكم.

ت: قال ابنُ إسحاق: ذكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ مَنْزِلٍ في صُورَة سُرَاقَة لا يُنْكِرُونه حتَّى إِذا كان يَوْمُ بَدْر، والتقى الجمعان، نكَصَ عدوُّ اللَّه على عَقِبَيْه، فأوردهم ثُمَّ أَسلمهم.

انتهى من «السيرة» لابن هشام.

وقوله: إِنِّي جارٌ لَكُمْ أي: أنتم في ذمَّتي وحِمَائي، و «تراءت» : تفاعلَتْ من الرؤية، أي: رأى هؤلاءِ هؤلاءِ.

قوله: نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، أي: رَجَعَ من حيث جاء، وأصْل النُّكُوص في اللغة:

الرجوعُ القَهْقَرَى.

وقوله: إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ، يريد: الملائكةَ، وهو الخبيثُ، إِنما شرط أَنْ لاَ غَالِبَ لهم من الناس، فلما رأَى الملائكة، وخَرْقَ العادةِ، خَافَ وَفَرَّ.

وقوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، قال الزَّجَّاج وغيره: خافَ ممَّا رأَى مِنَ الأمر، وهَوْلِهِ أنَّه يومُهُ الذي أُنْظِرَ إِليه ويقوِّي هذا أَنه رأَى خَرْقَ العادةِ، ونزولَ الملائكةِ للحَرْب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أجْمَعَتْ قُرَيْشٌ المَسِيرَ إلى بَدْرٍ، ذَكَرُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ، فَتَبَدّى لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وكانَ مِن أشْرافِ بَنِي كِنانَةَ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ ﴾ مِن أنْ تَأْتِيَكم كِنانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِراعًا.

وفي المُرادِ بِأعْمالِهِمْ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: شِرْكُهم.

والثّانِي: مَسِيرُهم إلى بَدْرٍ.

والثّالِثُ: قِتالُهم لِرَسُولِ اللَّهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ ﴾ أيْ: صارَتا بِحَيْثُ رَأتْ إحْداهُما الأُخْرى.

وَفِي المُرادِ بِالفِئَتَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فِئَةُ المُسْلِمِينَ، وفِئَةُ المُشْرِكِينَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: فِئَةُ المُسْلِمِينَ، وفِئَةُ المَلائِكَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَجَعَ القَهْقَرى.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ إبْلِيسُ في صَفِّ المُشْرِكِينَ عَلى صُورَةِ سُراقَةَ، آَخِذًا بِيَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؛ فَرَأى المَلائِكَةَ فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: أفِرارًا مِن غَيْرِ قِتالٍ؟

فَقالَ ﴿ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ فَلَمّا هُزِمَ المُشْرِكُونَ، قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: واللَّهِ ما شَعُرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم.

قالَ قَتادَةُ: صَدَقَ عِدَّةُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ ، ذَكَرَ لَنا أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ ومَعَهُ المَلائِكَةُ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا يَدَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ، وكَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ ، واللَّهِ ما بِهِ مَخافَةُ اللَّهِ، ولَكِنْ عَلِمَ أنَّهُ لا قُوَّةَ لَهُ بِهِمْ.

وقالَ عَطاءٌ: مَعْناهُ: إنِّي أخافُ اللَّهَ أنْ يُهْلِكَنِيَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا رَأى نُزُولَ المَلائِكَةِ، خافَ أنْ تَكُونَ القِيامَةَ، فَيَكُونُ انْتِهاءَ إنْظارِهِ، فَيَقَعُ بِهِ العَذابُ.

ومَعْنى "نَكَصَ" رَجَعَ هارِبًا بِخِزْيٍ وذُلٍّ.

واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ هَلْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ، أوْ تَمامُ الحِكايَةِ عَنْ إبْلِيسَ، عَلى قَوْلَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ الناسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللهَ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَإنَّ اللهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرُوا إذْ، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والشَيْطانُ: إبْلِيسُ نَفْسُهُ، وحَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ التَزْيِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَهُ مِنَ الأقْوالِ هو بِالوَسْوَسَةِ والمُحادَثَةِ في النُفُوسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُضْعِفُ هَذا القَوْلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ لَيْسَ مِمّا يُلْقى بِالوَسْوَسَةِ.

وقالَ الجُمْهُورُ في ذَلِكَ بِما رُوِيَ وتَظاهَرَ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَفي السِيَرِ لِابْنِ هِشامٍ أنَّهُ جاءَهم بِمَكَّةَ، وفي غَيْرِها أنَّهُ جاءَهم وهم في طَرِيقِهِمْ إلى بَدْرٍ، وقَدْ لَحِقَهم خَوْفٌ مِن بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ لِحُرُوبٍ كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَجاءَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ وهو سَيِّدٌ مِن ساداتِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: "إنِّي جارٌ لَكُمْ، ولَنْ تُخافُوا مِن قَوْمِي وهم لَكم أعْوانٌ عَلى مَقْصِدِكُمْ، ولَنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ"، فَسُرُّوا عِنْدَ ذَلِكَ ومَضَوْا لِطَيَّتِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: "أنْتُمْ تُقاتِلُونَ عن دِينِ الآباءِ ولَنْ تُعْدَمُوا نَصْرًا".

فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا التَقى الجَمْعانِ كانَتْ يَدُهُ في يَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: أتَفِرُّ يا سُراقَةُ ؟

فَلَمْ يَلْوِ عَلَيْهِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُ ما تَضَمَّنَتِ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ وهْبٍ -أوِ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ - قالَ لَهُ: أيْنَ يا سُراقَ؟

فَلَمْ يَلْوِ ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وذَهَبَ فَوَقَعَتِ الهَزِيمَةُ، فَتُحُدِّثَ أنَّ سُراقَةَ فَرَّ بِالناسِ فَبَلَغَ ذَلِكَ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ، فَأتى مَكَّةَ فَقالَ لَهُمْ: "واللهِ ما عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِن أمْرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكُمْ، ولا رَأيْتُكم ولا كُنْتُ مَعَكُمْ"، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: جاءَ إبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ في جُنْدٍ مِنَ الشَياطِينِ مَعَهُ، رَأيْتُهُ في صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، فَقالَ: ﴿ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ ﴾ الآيَةُ.

و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى نَفْيِ الغَلَبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ مُتَعَلَّقَ "لَكُمْ" ومُمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ "غالِبَ" لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ: "لا غالِبًا".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَأنْتُمْ في ذِمَّتِي وحِمايَتِي.

و"تَراءَتْ": تَفاعَلَتْ مِنَ الرُؤْيَةِ، أيْ رَأى هَؤُلاءِ هَؤُلاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "تَرَأتْ" مَقْصُورَةً، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ أمالَ والراءُ مُرَقَّقَةٌ ثُمَّ رَجَعَ عن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ مَعْناهُ: رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ، وأصْلُ النُكُوصِ في اللُغَةِ: الرُجُوعُ القَهْقَرى، قالَ زُهَيْرٌ: هم يَضْرِبُونَ حَبِيكَ البَيْضِ إذْ لَحِقُوا ∗∗∗ لا يَنْكِصُونَ إذا ما اسْتُلْحِمُوا وحَمُوا كَذا أنْشَدَ الطَبَرِيُّ، وفي رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ: اسْتَلْأمُوا، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ، وفي ذَلِكَ بُعْدٌ، وإنَّما رُجُوعُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُشَبَّهٌ بِالنُكُوصِ الحَقِيقِيِّ، وقالَ اللُغَوِيُّونَ: النُكُوصُ، الإحْجامُ عَنِ الشَيْءِ، يُقالُ: أرادَ أمْرًا ثُمَّ نَكَصَ عنهُ، وقالَ تَأبَّطَ شَرًّا: لَيْسَ النُكُوصُ عَلى الأدْبارِ مَكْرُمَةً ∗∗∗ ∗∗∗ إنَّ المَكارِمَ إقْدامٌ عَلى الأسَلِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلَيْسَ هاهُنا قَهْقَرى، بَلْ هو فِرارٌ، وقالَ مُؤَرِّجٌ: نَكَصَ هي رَجَعَ بِلُغَةِ سُلَيْمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ يُبَيِّنُ أنَّهُ إنَّما أرادَ الِانْهِزامَ والرُجُوعَ في ضِدِّ إقْبالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ ﴾ هو خِذْلانُهُ لَهم وانْفِصالُهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وهو الخَبِيثُ إنَّما شَرَطُ أنْ لا غالِبَ مِنَ الناسِ فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ وخَرْقَ العادَةِ خافَ وفَرَّ، وفي المُوَطَّإ وغَيْرِهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "ما رُئِيَ الشَيْطانُ في يَوْمٍ أقَلَّ ولا أحْقَرَ ولا أصْغَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ لِما يَرى مِن نُزُولِ الرَحْمَةِ إلّا ما رَأى يَوْمَ بَدْرٍ "، قِيلَ: وما رَأى يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "رَأى المَلائِكَةَ يَزْعُمُها جِبْرِيلُ"».

وقالَ الحَسَنُ: رَأى إبْلِيسُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ يَقُودُ فَرَسَهُ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ  ، وهو مُعْتَجِرٌ بِبُرْدَةٍ وفي يَدِهِ اللِجامُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أخافُ اللهَ ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ مَعْذِرَةٌ كاذِبَةٌ ولَمْ تَلْحَقْهُ قَطُّ مَخافَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ الكَلْبِيِّ، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: بَلْ خافَ مِمّا رَأى مِنَ الأمْرِ وهَوْلِهِ، وأنَّهُ يَوْمُهُ الَّذِي أُنْظِرَ إلَيْهِ، ويُقَوِّي هَذا أنَّهُ رَأى خَرْقَ العادَةِ ونُزُولَ المَلائِكَةِ لِلْحَرْبِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ بِسَنَدِهِ أنَّهُ «لَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَمى رَسُولُ اللهِ  بِقَبْضَةٍ مِنَ التُرابِ وُجُوهَ الكُفّارِ أقْبَلَ جِبْرِيلُ  إلى إبْلِيسَ، فَلَمّا رَآهُ إبْلِيسُ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ انْتَزَعَ يَدَهُ ثُمَّ ولّى مُدْبِرًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أيْ سُراقَةُ تَزْعُمُ أنَّكَ لَنا جارٌ؟

فَقالَ: ﴿ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ ذَهَبَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ الآيَةُ، العامِلُ في "إذْ" "زَيَّنَ" أو "نَكَصَ" لِأنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ كانَ ظَرْفًا لِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها، وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِالنِفاقِ ومَرَضِ القُلُوبِ إنَّما هم مِن أهْلِ عَسْكَرِ الكُفّارِ لَمّا أشْرَفُوا عَلى المُسْلِمِينَ ورَأوا قِلَّتَهم وقِلَّةَ عَدَدِهِمْ قالُوا مُشِيرِينَ إلى المُسْلِمِينَ: ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ ﴾ أيِ:اغْتَرُّوا فَأدْخَلُوا نُفُوسَهم فِيما لا طاقَةَ لَهم بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنِفاقُ أخَصُّ مِن مَرَضِ القَلْبِ لِأنَّ مَرَضَ القَلْبِ يُطْلَقُ عَلى الكافِرِ وعَلى مَنِ اعْتَرَضَتْهُ شُبْهَةٌ وعَلى مَن بَيْنَهُما، وكُنِّيَ بِالقُلُوبِ عَنِ الِاعْتِقاداتِ إذِ القُلُوبُ مَحَلُّها، ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا التَأْوِيلِ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّ قَوْمًا مِمَّنْ كانَ الإسْلامُ داخَلَ قُلُوبَهم خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ إلى بَدْرٍ، مِنهم مَن أُكْرِهَ، ومِنهم مَن داجى وداهَنَ، فَلَمّا أشْرَفُوا عَلى المُسْلِمِينَ ورَأوا قِلَّتَهُمُ ارْتابُوا واعْتَقَدُوا أنَّهم مَغْلُوبُونَ، فَقالُوا: ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: مِنهم قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصِي بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الحَجّاجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُذْكَرْ أحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا بِنِفاقٍ إلّا ما ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن مَعْتَبِ بْنِ قُشَيْرٍ أخِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَإنَّهُ القائِلُ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا  ﴾ ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنافِقُو المَدِينَةِ لَمّا وصَلَهم خُرُوجُ قُرَيْشٍ في قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ قالُوا عَنِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأخْبَرَ اللهُ بِها نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللهِ واسْتَنَدَ إلَيْهِ، فَإنَّ عِزَّةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وحِكْمَتَهُ كَفِيلَةٌ بِنَصْرِهِ وشَدِّ أعَضادِهِ، وخَرَجَتِ العِبارَةُ عن هَذا المَعْنى بِأوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وإذ زين ﴾ عطف على ﴿ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ﴾ [الأنفال: 44] الآية.

وما بينهما اعتراض، رُتّب نظمه على أسلوبه العجيب؛ ليقع هذا الظرف عقب تلك الجمل المعتَرضة، فيكون له إتمام المناسبة بحكاية خروجهم وأحوالِه، فإنّه من عجيب صنع الله فيما عرض للمشركين من الأحوال في خروجهم إلى بدر، ممّا كان فيه سبب نصر المسلمين، وليقع قوله: ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ﴾ [الأنفال: 47] عَقِب أمر المسلمين بما ينبغي لهم عند اللقاء، ليجمع لهم بين الأمر بما ينبغي والتحذير ممّا لا ينبغي، وترك التشبه بمن لا يرتضَى، فيتمّ هذا الأسلوب البديع المحكمُ الانتظاممِ.

وأشارت هاته الآية إلى أمر عجيب كان من أسباب خِذلان المشركين إذ صرف الله عن المسلمين كيداً لهم حين وسوس الشيطان لسراقَةَ بننِ مالك بن جعْشُم الكناني أن يجيء في جيش من قومه بني كنانة لنصر المشركين حين خرجوا للدفاع عن عِيرهم، فألقى الله في رُوع سراقة من الخوف، ما أوجب انخزاله وجيشه عن نصر المشركين، وأفسد الله كيد الشيطان بما قذفه الله في نفس سُراقة من الخوف وذلك أنّ قريشاً لمّا أجمعوا أمرهم على السير إلى إنقاذ العِير ذكروا ما كان بينهم وبين كنانة من الحرب فكاد أن يثبّطهم عن الخروج، فلقيهم في مسيرهم سُراقة بن مالك في جند معه راية وقال لهم: لا غالب لكم اليوم، وإنّي مجيركم من كنانة، فقوي عزم قريش على المسير، فلمّا أمعنوا السير وتقارَبَ المشركون من منازل جيش المسلمين، ورأى سُراقة الجيشين، نكص سُراقة بمن معه وانطلقوا، فقال له الحارث بن هشام، أخُو أبي جهل: «إلى أينَ أتخذلنا في هذه الحال» فقال سراقة «إني أرى ما لا ترون» فكان ذلك من أسباب عزم قريش على الخروج والمسير، حتّى لقوا هزيمتهم التي كتب الله لهم في بدر، وكان خروج سُراقة ومن معه بوسوسة من الشيطان، لئلا ينثني قريش عن الخروج، وكان انخزال سراقة بتقدير من الله ليتمّ نصر المسلمين، وكان خاطر رجوع سراقة خاطراً ملَكياً ساقه الله إليه؛ لأنّ سراقة لم يزل يتردّد في أن يسلم منذ يوم لقائه رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة، حين شاهد معجزة سَوْخ قوائم فرسه في الأرض، وأخذِه الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورويت له أبيات خاطب بها أبا جهل في قضيته في يوم الهجرة، وما زال به ذلك حتى أسلم يوم الفتح.

وتزيين الشيطان للمشركين أعمالهم، يجوز أن يكون إسناداً مجازياً، وإنّما المزيّن لهم سُراقة بإغراء الشيطان، بما سوّل إلى سراقة بن مالك من تثبيته المشركين على المضي في طريقهم لإنقاذ عيرهم، وأن لا يخشوا غَدْر كنانة بهم، وقيل تمثّل الشّيطان للمشركين في صورة سراقة، وليس تمثّل الشيطان وجنده بصورة سراقة وجيشه بمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنّما روي ذلك عن قول ابن عبّاس، وتأويلُ ذلك: أنّ ما صدر من سراقة كان بوسوسة من الشيطان، ويجوز أن يكون اسم الشيطان أطلق على سراقة لأنّه فعل فعل الشيطان كما يقولون: فلان من شياطين العرب ويجوز أن يكون إسناداً حقيقاً أي زيّن لهم في نفوسهم بخواطر وسوسته، وكذلك إسناد قوله: ﴿ لا غالب لكم ﴾ إليه مجاز عقلي باعتبار صدور القول والنكوص من سُراقة المتأثر بوسوسة الشيطان.

وكذلك قوله: ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ .

وقوله: ﴿ إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ﴾ إن كان من الشيطان فهو قول في نفسه، وضمير الخطاب التفات استحضرهم كأنّهم يسمعونه، فقال قوله هذا، وتكون الرؤية بصرية يعني رأى نزول الملائكة وخاف أن يضرّوه بإذن الله وقوله: ﴿ إني أخاف الله ﴾ بيان لقوله: ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ أي أخاف عقاب الله فيما رأيت من جنود الله.

وإن كان ذلك كلّه من قول سراقة فهو إعلان لهم بردّ جواره إيّاهم لئلا يكون خائناً لهم، لأنّ العرب كانوا إذا أرادوا نقض جوار أعلنوا ذلك لمن أجاروه، كما فعل ابن الدغنة حين أجار أبا بكر من أذى قريش ثم ردّ جواره من أبي بكر، ومنه قوله تعالى: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآءٍ إن الله لا يحب الخائنين ﴾ [الأنفال: 58] فالمعنى: إنّي بريء من جواركم، ولذلك قال له الحارث بن هشام: «إلى أين أتخذلنا» فيكون قد اقتصر على تأمينهم من غدر قومه بني كنانة.

وتكون الرؤية علمية ومفعولها الثاني محذوفاً اقتصاراً.

وأمّا قوله: ﴿ إني أخاف الله والله شديد العقاب ﴾ فعلى احتمال أن يكون الإسناد إلى الشيطان حقيقة فالمراد من خوف الله توقع أن يصيبه الله بضرّ، من نحوِ الرجم بالشهب، وإن كان مجازاً عقلياً وأنّ حقيقته قول سُراقة فلعلّ سراقة قال قولاً في نفسه، لأنّه كان عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يدلّ عليه المشركين، فلعلّه تذكّر ذلك ورأى أنّ فيما وعد المشركين من الإعانة ضرباً من خيانة العهد فخاف سوء عاقبة الخيانة.

و«التزيين» إظهار الشيء زيْناً، أي حسناٍ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ كذلك زينا لكل أمة عملهم ﴾ في سورة [الأنعام: 108]، وفي قوله: ﴿ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ﴾ في سورة [البقرة: 212].

والمعنى: أنّه أراهم حسناً ما يعملونه من الخروج إلى إنقاذ العير، ثم من إزماع السير إلى بدر.

وتراءت} مفاعلة من الرؤية، أي رأت كلتا الفئتين الأخرى.

و ﴿ نكص على عقبيه ﴾ رجع من حيث جاء.

وعن مؤرج السدوسي: أنّ نكص رجع بلغة سُليم، ومصدره النكوص وهو من باب رجع.

وقوله: ﴿ على عقبيه ﴾ مؤكّد لمعنى نكص إذ النكوص لا يكون إلاّ على العقبين، لأنّه الرجوع إلى الوراء كقولهم: رجع القهقرى، ونظيره قوله تعالى في سورة [المؤمنين: 66]: ﴿ فكنتم على أعقابكم تنكصون ﴾ و ﴿ على ﴾ مفيدة للتمكّن من السير بالعقبين.

والعقبان: تثنية العقب، وهو مؤخّر الرجل، وقد تقدّم في قوله: ﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ في سورة [الأنعام: 71].

والمقصود من ذكر العقبين تفظيع التقهقر لأنّ عقب الرجل أخسّ القوائم لملاقاته الغبار والأوساخ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ﴾ هم قُرَيْشٌ حِينَ خَرَجُوا في حِمايَةِ العِيرِ فَنَجا بِها أبُو سُفْيانَ، فَقالَ لَهم أبُو جَهْلٍ: لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا ونَنْحَرَ جَزُورًا ونَشْرَبَ خَمْرًا وتَعْزِفَ عَلَيْنا القِيانُ، فَكانَ مِن أمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ ما كانَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ظَهَرَ لَهم في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ جَعْشَمٍ مِن بَنِي كِنانَةَ فَزَيَّنَ لِلْمُشْرِكِينَ أعْمالَهم.

يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: زَيَّنَ لَهم شِرْكَهم.

والثّانِي: زَيَّنَ لَهم قِتالَ رَسُولِ اللَّهِ  .

وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهُ زَيَّنَ لَهم قُوَّتَهم حَتّى اعْتَمَدُوها.

﴿ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي أنَّكُمُ الغالِبُونَ دُونَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنِّي مَعَكم.

وَفي جِوارِكم يَنالُنِي ما نالَكم.

الثّانِي: مُجِيرٌ لَكم وناصِرٌ.

فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الجِوارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإجارَةِ.

﴿ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِئَةُ المُسْلِمِينَ وفِئَةُ المُشْرِكِينَ.

والثّانِي: المُسْلِمُونَ ومَن أُمِدُّوا بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ.

فَكانُوا فِئَتَيْنِ.

﴿ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ والنُّكُوصُ أنْ يَهْرُبَ ذَلِيلًا خازِيًا، قالَ الشّاعِرُ: وما يَنْفَعُ المُسْتَأْخِرِينَ نُكُوصُهم ولا ضَرَّ أهْلَ السّابِقاتِ التَّقَدُّمُ ﴿ وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ أمَدَّ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ.

﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ وإنَّما ذَكَرَ خَوْفَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ لِأنَّهُ قَدْ كانَ سَألَ الإنْظارَ إلى قِيامِ السّاعَةِ فَلَمّا رَأى نُزُولَ المَلائِكَةِ بِبَدْرٍ تَصَوَّرُ قِيامِ السّاعَةِ فَخافَ فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ في قُلُوبِهِمْ شَكٌّ كانُوا تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وهم بِمَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مُرْتابُونَ لَمْ يُظْهِرُوا العَداوَةَ لِلنَّبِيِّ  بِخِلافِ المُنافِقِينَ.

والمَرَضُ في القَلْبِ كُلِّهِ هو الشَّكُّ، وهو مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: ولا مَرَضًا أتَّقِيهِ إنِّي لَصائِنٌ ∗∗∗ لِعِرْضِي ولِي في الألِيَّةِ مَفْخَرُ وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي المُسْلِمِينَ.

﴿ دِينُهُمْ ﴾ يَعْنِي الإسْلامَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَّلَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ لِيَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ لِيَسْتَهِينُوا بِهِمْ حَتّى أظْفَرَ بِهِمُ المُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا مَن قَتَلُوا وأسَرُوا مَن أسَرُوا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ قال: قريش يوم بدر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان ﴿ لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ﴾ وأقبل جبريل عليه السلام على إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين فلما رأى جبريل انتزع يد، وولى مدبراً هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة انك جار لنا؟!

فقال: ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ وذلك حين رأى الملائكة ﴿ إني أخاف الله والله شديد العقاب ﴾ قال: ولما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين فقال المشركون: وما هؤلاء ﴿ غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ﴾ .

وأخرج الواقدي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما تواقف الناس أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم سري عنه فبشر الناس بجبريل عليه السلام في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر ميسرة، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يجير المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، فلما أبصر عدوّ الله الملائكة ﴿ نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ﴾ فتشبت به الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع يديه وقال: يا رب موعدك الذي وعدتني.

وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن رفاعة بن رافع الأنصار رضي الله عنه قال: لما رأى إبليس ما يفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هارباً حتى ألقى نفسه في البحر، فرفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ [ القمر: 45] فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي جمع يهزم؟!- وذلك قبل بدر- فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتاً بالسيف ويقول: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ فكانت بيوم بدر، فأنزل الله فيهم ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [ المؤمنون: 24] الآية.

وأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ [ إبراهيم: 28] الآية.

ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوسعهم الرمية، وملأت أعينهم وأفواههم حتى أن الرجل ليقتل وهو يقذي عينيه وفاه، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [ الأنفال: 17] وأنزل الله في إبليس ﴿ فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ﴾ وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ فأنزل الله: ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ قال: أرى جبريل عليه السلام معتجراً بردائه يقود الفرس بين يدي أصحابه ما ركبه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ قال: ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة، وقال: ﴿ إني أخاف الله ﴾ وكذب عدو الله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوّة له به ولا منعة له.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال: ذكروا أنهم أقبلوا على سراقة بن مالك بعد ذلك، فأنكر أن يكون شيء من ذلك.

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عبادة بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: كان الذي رآه نكص حين نكص الحارث بن هشام، أو عمرو بن وهب الجمحي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذ يقول المنافقون ﴾ قال: وهم يومئذ في المسلمين.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي رضي الله عنه قال: هم قوم كانوا أقروا بالإِسلام وهم بمكة، ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا المسلمين قالوا ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في الآية قال: كان أناس من أهل مكة تكلموا بالإِسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا وفد المسلمين قالوا ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: هم الفئة الذين خرجوا مع قريش، احتبسهم آباؤهم فخرجوا وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ حين قدموا على ما قدموا عليه من قلة عددهم وكثرة عدوّهم، وهم فئة من قريش مسمون خمسة: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ كان هذا التزيين على ما قاله ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ ﴾ [قال ابن عباس: التقى الجمعان (١٠) (١١) (١٢) ﴿ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ النكوص: الإحجام عن الشيء، نكص ينكص نكوصًا ونكيصًا: إذا تأخر عن الشيء وجبن، وأنشد أبو عبيدة (١٣) فما نفع المستأخرين نكيصهم ...

ولا ضر أهل السابقات التعجل (١٤) وزاد الكسائي: نكصانًا (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) قال الكلبي عن ابن عباس:] (٢١) (٢٢) ﴿ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ﴾ ودفع في صدر الحارث وانطلق (٢٣) (٢٤) ﴿ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ﴾ أي: جبريل معتجرًا (٢٥) (٢٦)  وفي يده اللجام يقود الفرس، ما ركب (٢٧) وقال محمد بن إسحاق: رأى جندًا من الملائكة، أيد الله بهم رسوله والمؤمنين (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ﴾ ، قال قتادة وابن إسحاق: صدق عدو الله في قوله: ﴿ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ﴾ وكذب في قوله: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ﴾ والله ما به مخافة الله (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بما أخبر به عن إبليس، ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله: ﴿ أَخَافُ اللَّهَ ﴾ فقال الله.

﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ (٣٩) (١) "تفسير ابن جرير" 18/ 10، وابن أبي حاتم 5/ 1714، والثعلبي 6/ 65 ب.

(٢) "تفسير ابن جرير" 10/ 19، والثعلبي 6/ 65 ب، والنصر مختصرًا في: "السيرة النبوية" 2/ 250 ، عن ابن إسحاق، عن عروة بن الزبير.

(٣) "تفسير ابن جرير" 10/ 18، والثعلبى 6/ 65 ب.

(٤) "تفسير الثعلبي"، الموضع السابق.

(٥) قبيلة كبيرة مشهورة وهم بنو كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

انظر: "السيرة النبوية" 1/ 1، و"نهاية الأرب" ص 366.

(٦) هم بنو مدلج بن مرة بن تيم بن عبد مناف بن كنانة.

راجع: "الروض الأنف" 2/ 233، و"الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 19 (3115)، و"نهاية الأرب" ص 372.

(٧) هو: الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أحد الفصحاء المقدمين من قريش في الجاهلية.

انظر: "المحبر" ص 175، 297، و"التبيين في أنساب قريش" ص 189.

(٨) هو: عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري.

انظر: "الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 416 (5179)، في ترجمة ابنه عبدالرحمن.

(٩) لم أعثر على ترجمته.

(١٠) "تنوير المقباس" ص 183.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 421.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٣) انظر قول أبي عبيدة في معنى (النكوص) في "مجاز القرآن" 1/ 247، 2/ 60، ولم أقف على إنشاده البيت.

(١٤) انظر: البيت في "هاشميات الكميت" ص130.

(١٥) لم أقف عليه.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 421.

(١٧) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص190.

(١٨) رواه ابن جرير 10/ 19 من رواية ابن جريج عنه بلفظ: رجع مدبرًا، ورواه أيضًا 10/ 19 من رواية علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: فولى مدبرًا.

(١٩) رواه الثعلبي 6/ 65 ب، والبغوي 3/ 366.

(٢٠) أخرجه الثعلبي 6/ 65 ب.

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٢٢) ساقط من (س) (٢٣) ساقط من (س).

(٢٤) رواه الثعلبي 6/ 66 أ، والبغوي 3/ 366.

(٢٥) الاعتجار: أن يلف العمامة على رأسه، ويرد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه.

انظر: "النهاية في غريب الحديث" (عجر) 3/ 185، و"لسان العرب" (عجر) 5/ 2815.

(٢٦) في (ح): (برداء)، وما أثبته موافق للمصادر التالية.

(٢٧) رواه ابن جرير 10/ 20، والثعلبي 6/ 66 أ، والبغوي 3/ 366.

(٢٨) "السيرة النبوية" 2/ 309.

(٢٩) كفر إبليس كفر إباء واستكبار لا كفر جحود وإنكار؛ ولذا لا يستبعد خوفه من عقاب الله فيما دون الهلاك.

(٣٠) ذكر هذا القول عنهما: الثعلبي 6/ 66 أ، والواقع أنه دمج قوليهما مع اختلافهما في اللفظ.

== انظر قول قتادة في: "تفسير ابن جرير" 10/ 19، و"الدر المنثور" 3/ 345، وانظر قول ابن إسحاق في: "السيرة النبوية" 2/ 309، و"تفسير ابن جرير" 10/ 19.

(٣١) رواه الثعلبي 6/ 66 ب، والبغوي 3/ 367.

(٣٢) يعني أنه لن يظهر لهم عند كيده بالوسوسة، فالتعريف به لا يفيد ولا يمنع من كيده.

(٣٣) رواه الثعلبي 6/ 66 ب، والبغوي 3/ 366، قلت: هذا القول فيه نظر لأن الله وعد إبليس بالإنظار إلى يوم يبعثون.

(٣٤) "معاني القرآن واعرابه" 2/ 421.

(٣٥) في (ح): (معنى)، وهو خطأ.

(٣٦) في (م) و (س): (تقضى).

(٣٧) ذكر بعض هذا القول مع اختلاف يسير ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 367.

(٣٨) في هذا القول أيضًا نظر؛ لأن إبليس يعلم أنه إذا انقضى وقت الإنظار لن يفيد الهرب، والظاهر أن إبليس خاف عقاب الله فيما دون الهلاك.

(٣٩) ذكر نحو هذا القول الثعلبي 6/ 66 ب، والبغوي 3/ 367، وابن الجوزي 3/ 367.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم ﴾ يعني كفار قريش حين خرجوا لبدر ﴿ بَطَراً ﴾ أي عتواً وتكبراً ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم ﴾ الآية: لما خرجت قريش إلى بدر تصور لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: إني جار لكم من قومي وكانوا قد خافوا من قومه، ووعدهم بالنصر ﴿ نَكَصَ ﴾ أي رجع إلى وراء ﴿ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ ﴾ رأى الملائكة تقاتل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بالعدوة ﴾ بكسر العين في الحرفين: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الباقون: بالضم.

﴿ من حيي ﴾ بياءين: أبو جعفر ونافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي ونصير وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالإدغام ﴿ ولا تنازعوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ وتذهب ﴾ بالجزم للجزاء عن هبيرة ﴿ وإذ زين ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة في رواية خلاد ابن سعدان وهشام ﴿ إني أرى ﴾ ، ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ تراءت الفئتان ﴾ بالإمالة: نصير.

الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما قبلها تقديره: واعلموا واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم.

﴿ الجمعان ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ أسفل منكم ﴾ ط ﴿ في الميعاد ﴾ لا لعطف لكن ﴿ مفعولا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ من حيَّ عن بينه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ لا لتعلق "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ مفعولا ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ واصبروا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ج لما ذكر ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ جار لكم ﴾ ط ﴿ أخاف الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر  بالقتال في قوله ﴿ وقاتلوهم  ﴾ والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهراً.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ بيان "ما" أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط.

وقوله ﴿ فأن الله ﴾ بالفتح مبتدأ محذوف الخبر.

وروى الجعفي عن أبي عمرو ﴿ فإن الله ﴾ بالكسر.

قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد.

عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر.

وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً في الهجرة.

واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسماً بخمسة وعشرين قسماً عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضاً لما روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم - وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل - أنهما قالا لرسول الله  : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟

فقال  : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين.

وثلاثة أخماس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل.

وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله  ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء.

فعلى مذهب الإمامين.

معنى قوله  ﴿ فأن لله خمسه وللرسول  ﴾ فأن لرسول الله خمسة كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم.

والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل: إن ذلك السهم لبيت المال.

وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما روي أنه  كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله.

وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء.

وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئاً، وروي عن زيد بن علي أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً ولا أن نركب منه البراذين.

وقيل: الخمس كله للقرابة لما روي عن علي  أنه قيل له: إن الله  قال ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ فقال: أيتامنا ومساكيننا.

وعن الحسن: في سهم رسول الله  أنه لولي الأمر من بعده.

وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك.

فعند هذا يكون معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه ﴾ أن من حق الخمس أن يكون متقرباً به إلى الله لا غير.

ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلاً لها على غيرها كقوله ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ﴾ وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علماً يتضمن العلم والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة ﴿ يوم الفرقان ﴾ يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل.

والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فبذلك نصر القليل على الكثير ﴿ إذ أنتم ﴾ بدل من يوم الفرقان ﴿ بالعدوة ﴾ بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته.

وقال أبو عمرو، هي المكان المرتفع و ﴿ الدنيا ﴾ تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن "فعلى" من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضاً قليلاً والعدوة القصوى مما يلي مكة ﴿ والركب ﴾ يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير ﴿ أسفل منكم ﴾ بالساحل وهو نصبب على الظرف مرفوع المحل خبراً للمبتدأ أي مكاناً أسفل من مكانكم والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله  من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان.

وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه.

﴿ ولو تواعدتم ﴾ أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه ﴿ ولكن ليقضي الله ﴾ أي ليظهر ﴿ أمراً كان مفعولاً ﴾ مقدراً وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك.

وقوله ﴿ ليهلك ﴾ بدل من ﴿ ليقضي ﴾ بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام.

وفي قوله ﴿ ليقضي ﴾ و ﴿ ليهلك ﴾ دلالة على أن أفعاله  مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة.

﴿ وإن الله لسميع ﴾ لدعائكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم ﴿ إذ يريكم ﴾ منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقيان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم ﴿ في منامك ﴾ أي في رؤياك ﴿ قليلاً ﴾ أراه وإياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.

وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف.

﴿ ولو أراكهم كثيراً ﴾ على ما هم عليه ﴿ لفشلتم ﴾ والفشل الجبن والخور.

﴿ ولتنازعتم في الأمر ﴾ أمر الحرب والإقدام ﴿ ولكن الله سلم ﴾ عصم من الفشل والتنازع ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ يبصركم إياهم ﴿ إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ﴾ نصب على الحال لأن الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقاً لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ فعل ما فعل من التقليل ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها.

وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً للمعاد.

ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال ﴿ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما.

﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ في مواطن الحرب ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة.

وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقاً أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضارباً بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجراً.

وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلى مع التمسك بسائر الطاعات ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير "أن" في قوله ﴿ وتذهب ريحكم ﴾ على القراءتين.

والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها.

يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره.

وقيل: الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله.

وفي الحديث: "نصرت بالصبا" حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله.

احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالباً إلى النزاع المنهى عنه.

وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس.

قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب.

فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ﴾ الآية.

وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضاً شدّة المرح.

والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر.

وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر.

وثالثها قوله ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي يمنعون عن قبول دين محمد  .

قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفاً للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالاً على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون.

واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل.

ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيهاً على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد.

قلت: لو جعلنا قوله ﴿ ويصدون ﴾ عطفاً على صلة "الذين" لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان.

﴿ والله بما يعملون محيط ﴾ فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار.

﴿ وإذ زين ﴾ معناه واذكر إذ زين أو هو معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ وفي هذا التزيين وجهان: أحدهما.

أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو قول الحسن والأصم.

وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله  ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم.

فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله.

وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية ﴿ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ﴾ أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولاً بمعنى لا غالب إلا إياكم لانتصب كما يقال لا ضارباً زيداً.

﴿ وإني جار لكم ﴾ أي مجيركم من بني كنانة أو من كل عدوّ يعرض من البشر.

ومعنى الجار ههنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار.

﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى ﴿ نكص على عقبيه ﴾ والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع.

﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟

أتخذلنا في هذه الحالة فقال ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.

وفي الحديث: "ما رؤي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزل الرحمة إلا ما رأى يوم بدر" وأما قوله ﴿ إني أخاف الله ﴾ فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.

قال قتادة: صدق في قوله ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ وكذب في قوله: ﴿ إني أخاف الله ﴾ وقوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضاً وظرفه ﴿ إذ يقول ﴾ أو لا ظرف له ﴿ وإذ يقول ﴾ ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف.

و ﴿ المنافقون ﴾ قوم من الأوس والخزرج بالمدينة ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش وأسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا.

ثم إن قريشاً لما خرجوا إلى رسول الله  قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق.

ثم قتلوا جميعاً مع المشركين يوم بدر.

﴿ غرّ هؤلاء دينهم ﴾ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم.

وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت.

ثم قال جواباً لهم ﴿ ومن يتوكل على الله ﴾ يكل أمره إليه ويثق بفضله ﴿ فإن الله عزيز ﴾ غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير ﴿ حكيم ﴾ يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه.

التأويل: ﴿ واعلموا ﴾ يا أهل الجهاد الأكبر ﴿ أنما غنمتم ﴾ عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً ﴿ ولذي القربى ﴾ يعني الإخوان في الله مواصلاً ﴿ واليتامى ﴾ يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال ﴿ والمساكين ﴾ الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم ﴿ وابن السبيل ﴾ يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة على حسب صدقهموإرادتهم واستعدادهم.

إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عياناً ﴿ وبما أنزلنا على عبدنا ﴾ في سفر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ يوم الفرقان ﴾ الذي فيه الرحمن علم القرآن ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد  مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود ﴿ إذ أنتم ﴾ أيها الصادقون في الطلب ﴿ بالعدوة الدنيا ﴾ نازلة ﴿ وهم بالعدوة القصوى ﴾ أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة.

﴿ ولو تواعدتم ﴾ أيها الأرواح والنفوس والأجساد ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ لما بينكم من التباين والتضاد ﴿ ولكن ﴾ جمعكم الله بالقدرة والحكمة ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها ﴿ فيهلك من هلك عن بينة ﴾ عن حجة ثابتة عليه ﴿ ويحيا من حيى عن بينة ﴾ فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ﴿ ارجعي إلى ربك راضية  ﴾ ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال ﴿ فادخلي في عبادي  ﴾ وأبدانهم في جنات النعيم كما قال ﴿ وادخلي جنتي  ﴾ ﴿ إن الله لسميع ﴾ من دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال ﴿ عليم ﴾ بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴾ مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى ﴿ لفشلتم ﴾ على عادة طبع الإنسان ﴿ ولكن الله سلم ﴾ من الخوف البشري ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة.

﴿ وإذا لقيتم فئة ﴾ هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها ﴿ فاثبتوا ﴾ على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا ﴾ من ديار أوصافهم وتركوا الدينا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران.

﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة.

﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله  فئة الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس لها ﴿ نكص على عقبيه ﴾ زهق باطله وصار مخالفاً للنفس كما قال ﴿ إني بريء منكم ﴾ ، ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال ﴿ إني أخاف الله ﴾ وفيه إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: زين لهم الشيطان أعمالهم بالوساوس، وقال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، وإنما قال لهم هذا ووسوس لهم لما ألقى إليهم: إنكم أهل حرم الله وسكان بيته وحفاظه، فيقول: يدفع عنكم نكبة هؤلاء، يعني: أصحاب محمد؛ كما دفع عنكم فيما كان من قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ .

قيل: مجير لكم: مغيث؛ فعلى هذا التأويل كان قوله: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ ؛ كأنه يخبر عن الله أنه يغيثهم كما أغاثهم من قبل في غير مرة.

وقال بعضهم: إن الشيطان تمثل في صورة رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم، فأتاهم فقال: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم؛ فإنكم كثير وعدوكم قليل فتأمن عيركم ونحو هذا من الكلام.

وقال صاحب التأويل الأول: لا يحتمل هذا؛ لأن أهل مكة كانوا جبابرة، وأهل قوة وبطش وبأس، فلا يحتمل أن يصدروا عن آراء رجل هو دونهم وهم بالوصف الذي ذكرنا.

وعلى هذا التأويل أنه تمثل به فلان يكون قوله: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ ما ذكر في بعض القصة أن أبا جهل وأصحابه اعتزلوا واستشاروا فيما بينهم، فأتاهم إبليس متمثلا بسراقة، فامتنعوا عنه واستأخروا، فلما رأى ذلك منهم، فقال: إني جار لكم وكان جاراً لهم؛ فتأويل هؤلاء أشبه بما ذكر في آخر الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ ، أي: رجع مستأخراً مقبلا بوجهه إليهم فقال: ﴿ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : إذا عاقب.

قيل: رأى جبريل مع الملائكة ينزلون، فخاف منهم؛ ففيه دلالة أنه كان يخاف الهلاك قبل يوم الوقت المعلوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .

قال بعضهم: الذين في قلوبهم مرض هم المشركون ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .

وعن الحسن: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ، قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر؛ فسموا منافقين.

وقال بعض أهل التأويل: إن قوماً كانوا أسلموا بمكة، فأقاموا بها مع المشركين، ولم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى بدر خرج هؤلاء معهم، فلما عاينوا قلة المؤمنين وضعفهم، شكوا في دينهم وارتابوا فقالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ، يعنون: أصحاب محمد.

يقول الله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ فيثق بوعده في النصر ببدر؛ لقولهم: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ، ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ : لا يعجزه شيء.

وقوله: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ؛ لأنه لم يكن معهم عدة ولا أسباب الحرب من السلاح وغيره، فلم يكونوا يقاتلون إلا بقوة دينهم.

وقوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .

فإن قيل لنا: ما الحكمة في ذكر قول المنافقين في القرآن حتى نتلوه في الصلاة؟!

قيل: ذكر - والله أعلم - لنعرف عظيم منزلة الدين وخطير قدره في قلوبهم، أعني: قلوب المؤمنين، وذلك أنهم بذلوا أنفسهم للهلاك؛ لخروجهم لقتال عدوهم مع ضعفهم، وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم وقوتهم؛ رجاء أن يسلم لهم دينهم، يذكره لنا لنعرف عظيم محل الدين في قلوبهم؛ ليكون محل الدين في قلوبنا على مثل قدره.

وفي قوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ دلالة إثبات رسالة محمد؛ لأنهم إنما قالوا ذلك سرّاً فيما بينهم، فأطلع الله رسوله على ذلك؛ ليعلم أنه عرف ذلك بالله.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ؛ قال بعضهم: هم المشركون، قال المنافقون والمشركون للمؤمنين: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .

وقال بعضهم: هم قوم أسلموا وقد كانوا ضعفاء في الإسلام والدّين، فلما خرجوا إلى بدر، فرءوا ضعف أصحاب رسول الله  وقوة أولئك القوم قالوا عند ذلك: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .

وقد ذكر في بعض القصة أن قوماً كانوا أسلموا بمكة، ثم أقاموا مع المشركين ولم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر خرج هؤلاء معهم، فلما عاينوا قلة المسلمين شكوا في دينهم وارتابوا، فقالوا مع المنافقين: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ، يعنون: أصحاب رسول الله  فقال الله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ : من المؤمنين فيثق به في النصر ببدر؛ لقولهم: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : يجيء أن يكون هم المنافقون؛ على ما فسره في آية أخرى، فإن كان على ذلك فيكون على إسقاط الواو، وكأنه قال: يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض، إلا أن يقال: إن المناقين هم الذين أضمروا الكفر حقيقة، والذين في قلوبهم مرض هم الذين لم يضمروا الكفر، لكنهم ارتابوا وشكوا، واعترضهم شك وارتياب من بعد إذ رأوا تأخر الموعود.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: قالوا: غر هؤلاء الموعود الذي وعدهم رسول الله  من الفتوح لهم والنصر في الدنيا؛ يقولون: غر هؤلاء ذلك الموعود الذي كانوا به من الفتوح والنصر الذي وعدهم.

والثاني: يقولون غر هؤلاء الموعود الذي وعدوا في الآخرة من النعيم الدائم والحياة الدائمة.

فيكون أحد التأويلين بالموعود في الآخرة، وهو بالإسلام يكون، والثاني بالموعود في الدنيا، وهو الفتح والنصر الذي ذكرناه.

وقوله: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .

لما رأوا أنهم تركوا آباءهم وأولادهم وجميع شهواتهم، وبذلوا أنفسهم للقتال؛ ليسلم لهم دينهم؛ لذلك قالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ لما لم يكن خروجهم وبذلهم أنفسهم لذلك إلا إشفاقاً وخوفاً على دينهم، وطلبوا - لما بذلوا أنفسهم - حياة الأبد في الآخرة فقالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

أي: اعتمد على الله في حرب بدر - على ما ذكر أهل التأويل - والنصر فيه.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ .

لا يعجزه شيء، يعز من يشاء بالنصر، ويذل من يشاء بالقتل والهزيمة.

أو يتوكل على الله في كل أموره، ويكل إليه أموره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

العزيز في هذا الموضع: هو الغالب، حكيم لما أمر بالقتل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا -أيها المؤمنون- من نعم الله عليكم أن حسَّن الشيطان للمشركين أعمالهم، فشجعهم على ملاقاة المسلمين وقتالهم، وقال لهم: لا غالب لكم اليوم، وإني ناصركم، ومُجِيركم من عدوكم، فلما التقى الفريفان: فريق المؤمنين معهم الملائكة ينصرونهم، وفريق المشركِين معهم الشيطان الذي سيخذلهم؛ ولَّى الشيطان هاربًا، وقال للمشركين: إني بريء منكم، إني أرى الملائكة الذين جاؤوا لنصرة المؤمنين، إني أخاف أن يهلكني الله، والله شديد العقاب، فلا يقدر على تحمل عقابه أحد.

<div class="verse-tafsir" id="91.gnjLR"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد