الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٥١ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥١ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( ذلك بما قدمت أيديكم ) أي : هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدنيا ، جازاكم الله بها هذا الجزاء ، ( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) أي : لا يظلم أحدا من خلقه ، بل هو الحكم العدل ، الذي لا يجور ، تبارك وتعالى وتقدس وتنزه ، الغني الحميد ؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح عند مسلم - رحمه الله - من رواية أبي ذر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله تعالى يقول : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .
يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ؛ ولهذا قال تعالى :
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (51) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الملائكة لهؤلاء المشركين الذين قتلوا ببدر، أنهم يقولون لهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم: " ذوقوا عذاب الله الذي يحرقكم ", هذا العذاب لكم =(بما قدمت أيديكم)، أي: بما كسبت أيديكم من الآثام والأوزار، واجترحتم من معاصي الله أيام حياتكم, (57) فذوقوا اليوم العذابَ، وفي معادكم عذابَ الحريق; وذلك لكم بأن الله (ليس بظلام للعبيد), لا يعاقب أحدًا من خلقه إلا بجرم اجترمه, ولا يعذبه إلا بمعصيته إياه, لأن الظلم لا يجوز أن يكون منه.
وفي فتح " أن " من قوله: (وأن الله)، وجهان من الإعراب: أحدهما: النصبُ, وهو للعطف على " ما " التي في قوله: (بما قدمت)، بمعنى: (ذلك بما قدمت أيديكم), وبأن الله ليس بظلام للعبيد، في قول بعضهم, والخفض، في قول بعضٍ.
والآخر: الرفع، على (ذلك بما قدمت)، وذلك أن الله.
(58) ------------------- الهوامش : (57) انظر تفسير " قدمت أيديكم " فيما سلف 2 : 368 7 : 447 8 : 514 10 : 497 .
(58) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 413 .
ذلك في موضع رفع ; أي الأمر ذلك .
أو ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم أي اكتسبتم من الآثام .وأن الله ليس بظلام للعبيد إذ قد أوضح السبيل وبعث الرسل ، فلم خالفتم ؟
.
وأن في موضع خفض ، عطف على " ما " وإن شئت نصبت ، بمعنى وبأن ، وحذفت الباء .
أو بمعنى : وذلك أن الله .
ويجوز أن يكون في موضع رفع نسقا على ذلك .
ذلك العذاب حصل لكم، غير ظلم ولا جور من ربكم، وإنما هو بما قدمت أيديكم من المعاصي التي أثرت لكم ما أثرت، وهذه سنة اللّه في الأولين والآخرين، فإن دأب هؤلاء المكذبين أي: سنتهم وما أجرى اللّه عليهم من الهلاك بذنوبهم}.
( ذلك ) أي : ذلك الضرب الذي وقع بكم ، ( بما قدمت أيديكم ) أي : بما كسبت أيديكم ، ( وأن الله ليس بظلام للعبيد )
«ذلك» التعذيب «بما قدَّمت أيديكم» عبَّر بها دون غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها «وأن الله ليس بظلام» أي بذي ظلم «للعبيد» فيعذِّبهم بغير ذنب.
ذلك الجزاء الذي أصاب المشركين فبسبب أعمالهم السيئة في حياتهم الدنيا، ولا يظلم الله أحدًا من خَلْقه مثقال ذرة، بل هو الحَكَمُ العدل الذي لا يجور.
وقوله : ( ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) بيان للأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ .
وأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بشؤوم صنيعهم ، وانقيادهم للهوى والشيطان .أى : ذلك الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من الضرب وعذاب النار ، سببه ما قدمته أيديكم من عمل سئ ، وفعل قبيح ، وقول منكر ، وجحود للحق .
وأن الله - تعالى - ليس بذى ظلم لكم ولا لغيركم ، لأن حكمته - سبحانه - قد اقتضت ألا يعذب أحدا إلا بسبب ذنب ارتكبه ، وجرم اقترفه .فاسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى الضرب وعذاب الحريق ، وهو مبتدأ ، وخبره قوله ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) .والمراد بالأيدى : الأنفس والذوات ، والتعبير بالأيدى عن ذلك من قبيل التعبير بالجزء عن الكل .وخصت الأيدى بالذكر ، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته ، وأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى .
ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به ، والاتصال بذاته .وقوله : ( وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة اعتراض تذييلى مقرر مضمون ما قبله .أى : ذلك الذى نزل بكم سببه ما قدمته ايدكم ، والأمر أن الله - تعالى - ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب جنوه .ويجوز أن يكون معطوفا على ( ما ) المجرورة بالباء .
أى : ذلك بسبب ما قدمته ايدكم وأن الله ليس بظلام للعبيد .قال بعض العلماء : فإن قيل ما سر التعبير بقوله ( بِظَلاَّمٍ ) بالمبالغة ، مع أن نفى نس الظلم أبلغ من نفى كثتره ، ونفى الكثرة لا ينفى أصله ، بل ربما يشعر بوجوده ، وبرجوع النفى للقيد؟
.وأجيب بأجوبة :منها : أنه نفى لأصل الظلم وكثرته ، باعتبار آحاد من ظلم ، كأنه قيل ظالم لفلان ولفلان وهلم جرا ، فلما جمع هؤلاء عدل إلى ( بِظَلاَّمٍ ) لذلك ، أى : لكثرة الكمية فيه .ومنها : أنه إذا انتفى الظلم الكثير ، انتفى الظلم القليل ، لأن من يظلم يظلم للانتفاع بالظلم ، فإذا ترك كثيره ، مع زيادة نفعه فى حق من يجوز عليه النفع والضر ، كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا .ومنها : أن " ظلاما " للنسب كعطار ، أى : لا ينسب إليه الظلم أصلا .ومنها : أن كل صفة له - تعالى - فى أكمل المراتب ، فلو كان - سبحانه - طالما ، كان ظلاما ، فنفى اللازم نفى للملزوم .ومنها : أن نفى ( الظلام ) لنفى الظالم ضرورة أنه إذا انتفى الظلم انتفى كماله ، فجعل نفى المبالغة كناية عن نفى أصله ، انتقالا من اللازم إلى الملزوم .ومنها : أن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعب بمثله ظلاما بليغ الظلم متفاقمه ، فالمراد تنزيهه - تعالى - وهو جدير بالمبالغة .وفى صحيح مسلم عن أبى ذر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله - تعالى - يقول :" يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا " .وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد بينتا حالة المشركين عند قبض أرواحهم بيانا يحمل النفوس على الإِيمان والطاعة لله - تعالى - فقد رسم القرآن رصورة مفزعة لهم ، صورة الملائكة وهى تضرب وجوههم وأدبارهم بأمر من الله - تعالى الذى ما ظلمهم ، ولكنهم هم الذين أحلوا بأنفسهم هذا المصير المؤلم المهين ، حيث كفروا بالحق ، وحاربوا أتباعه ، واستحيوا العمى على الهدى
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحده ﴿ إِذْ ﴾ بالتاء على تأنيث لفظ الملائكة والجمع، والباقون بالياء على المعنى.
المسألة الثانية: جواب ﴿ عَلَيْهِمْ لَوْ ﴾ محذوف.
والتقدير: لرأيت منظراً هائلاً، وأمراً فظيعاً، وعذاباً شديداً.
المسألة الثالثة: ﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ ولو عاينت وشاهدت، لأن لو ترد المضارع إلى الماضي كما ترد إن الماضي إلى المضارع.
المسألة الرابعة: الملائكة رفعها بالفعل، ويضربون حال منهم، ويجوز أن يكون في قوله: ﴿ يَتَوَفَّى ﴾ ضمير لله تعالى، والملائكة مرفوعة بالابتداء، ويضربون خبر.
المسألة الخامسة: قال الواحدي: معنى يتوفى الذين كفروا يقبضون أرواحهم على استيفائها وهذا يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد، وأنه هو الروح فقط؛ لأن قوله: ﴿ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ ﴾ يدل على أنه استوفى الذات الكافرة، وذلك يدل على أن الذات الكافرة هي التي استوفيت من هذا الجسد، وهذا برهان ظاهر على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد، وقوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم ﴾ قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح، وأقول فيه معنى آخر ألطف منه، وهو أن روح الكافر إذا خرج من جسده فهو معرض عن عالم الدنيا مقبل على الآخرة، وهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلا الظلمات، وهو لشدة حبه للجسمانيات، ومفارقته لها لا ينال من مباعدته عنها إلا الآلام والحسرات، فسبب مفارقته لعالم الدنيا تحصل له الآلام بعد الآلام والحسرات، وبسبب إقباله على الآخرة مع عدم النور والمعرفة، ينتقل من ظلمات إلى ظلمات، فهاتان الجهتان هما المراد من قوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ﴾ وفيه إضمار، والتقدير: ونقول ذوقوا عذاب الحريق ونظيره في القرآن كثير قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ﴾ أي ويقولان ربنا، وكذا قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا ﴾ أي يقولون ربنا.
قال ابن عباس: قول الملائكة لهم: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ﴾ إنما صح لأنه كان مع الملائكة مقامع، وكلما ضربوا بها التهبت النار في الأجزاء والأبعاض، فذاك قوله: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ﴾ قال الواحدي: والصحيح أن هذا تقوله الملائكة لهم في الآخرة.
وأقول: أما العذاب الجسماني فحق وصدق.
وأما الروحاني فحق أيضاً لدلالة العقل عليه، وذلك لأنا بينا أن الجاهل إذا فارق الدنيا حصل له الحزن الشديد بسبب مفارقة الدنيا المحبوبة، والخوف الشديد بسبب تراكم الظلمات عليه في عالم الخوف والحزن.
والخوف والحزن كلاهما يوجبان الحرقة الروحانية، والنار الروحانية.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ قيل هذا إخبار عن قول الملائكة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: يجوز أن يقال ذلك مبتدأ، وخبره قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ويجوز أن يكون محل ذلك نصباً، والتقدير: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم.
المسألة الثانية: المراد من قوله: ﴿ ذلك ﴾ هذا أي هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق، حصل بسبب ما قدمت أيديكم، وذكرنا في قوله: ﴿ الم * ذلك الكتاب ﴾ أن معناه هذا الكتاب وهذا المعنى جائز.
المسألة الثالثة: ظاهر قوله: ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ ﴾ يقتضي أن فاعل هذا الفعل هو اليد، وذلك ممتنع من وجوه: أحدها: أن هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد.
وثانيها: أن اليد ليست محلاً للمعرفة والعلم، فلا يتوجه التكليف عليها، فلا يمكن إيصا العذاب إليها، فوجب حمل اليد هاهنا على القدرة، وسبب هذا المجازان اليد آلة العمل والقدرة هي المؤثرة في العمل، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة.
واعلم أن التحقيق أن الإنسان جوهر واحد وهو الفعل وهو الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع والعاصي، وهذه الأعضاء آلات له وأدوات له في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ يقتضي أن ذلك العقاب كالأمر المتولد من الفعل الذي صدر عنه، وقد عرفت أن العقاب إنما يتولد من العقائد الباطلة التي يكتبها الإنسان، ومن الملكات الراسخة التي يكتسبها الإنسان، فكان هذا الكلام مطابقاً للمعقول.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في محل أن وجهان: أحدهما: النصب بنزع الخافض يعني بأن الله: والثاني: أنك إن جعلت قوله: ﴿ ذلك ﴾ في موضع رفع جعلت أن في موضع رفع أيضاً، بمعنى وذلك أن الله قال الكسائي ولو كسرت ألف أن على الابتداء كان صواباً، وعلى هذا التقدير: يكون هذا كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة: لو كان تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً، وأيضاً قوله تعالى: ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما لم يكن ظالماً بهذا العذاب، لأنه قدم ما استوجب عليه هذا العذاب، وذلك يدل على أنه لو لم يصدر منه ذلك التقديم لكان الله تعالى ظالماً في هذا العذاب، فلو كان الموجد للكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً، وأيضاً تدل هذه الآية على كونه قادراً على الظلم، إذ لو لم يصح منه لما كان في التمدح بنفيه فائدة.
واعلم أن هذه المسألة قد سبق ذكرها على الاستقصاء في سورة آل عمران، فلا فائدة في الإعادة.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ ولو عاينت وشاهدت؛ لأن (لو) تردّ المضارع إلى معنى الماضي؛ كما تردّ (إن) الماضي إلى معنى الاستقبال.
و ﴿ إِذْ ﴾ نصب على الظرف وقرئ: ﴿ يتوفى ﴾ بالياء والتاء و ﴿ الملائكة ﴾ رفعها بالفعل و ﴿ يَضْرِبُونَ ﴾ حال منهم، ويجوز أن يكون في ﴿ يَتَوَفَّى ﴾ ضمير الله عز وجل، و ﴿ الملائكة ﴾ مرفوعة بالابتداء، و ﴿ يَضْرِبُونَ ﴾ خبر.
وعن مجاهد: وأدبارهم: استاههم، ولكن الله كريم يكنى، وإنما خصوهما بالضرب.
لأنّ الخزي والنكال في ضربهما أشدّه، وبلغني عن أهل الصين أن عقوبة الزاني عندهم أن يصبر، ثم يعطي الرجل القوي البطش شيئاً عمل من حديد كهيئة الطبق فيه رزانة وله مقبض، فيضربه على دبره ضربه واحد بقوّته فيجمد في مكانه.
وقيل: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر ﴿ وَذُوقُواْ ﴾ معطوف على ﴿ يَضْرِبُونَ ﴾ على إرادة القول: أي ويقولون ذوقوا ﴿ عَذَابَ الحريق ﴾ أي مقدمة عذاب النار.
أو وذوقوا عذاب الآخرة: بشارة لهم به.
وقيل: كانت معهم مقامع من حديد، كلما ضربوا بها التهبت النار أو ويقال لهم يوم القيامة: ذوقوا.
وجواب ﴿ لَوْ ﴾ محذوف: أي لرأيت أمراً فظيعاً منكراً ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله ومن كلام الملائكة، و ﴿ ذلك ﴾ رفع بالابتداء و ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾ خبره ﴿ وَأَنَّ الله ﴾ عطف عليه، أي ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم وبأن الله ﴿ لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ لأن تعذيب الكفار من العدل كإثابة المؤمنين.
وقيل: ظلام للتكثير لأجل العبيد أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاماً بليغ الظلم متفاقمه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ تَرى ﴾ ولَوْ رَأيْتَ فَإنَّ لَوْ تَجْعَلُ المُضارِعَ ماضِيًا عَكْسَ إنْ.
﴿ إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ ﴾ بِبَدْرٍ، وإذْ ظَرْفُ تَرى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ تَرى الكَفَرَةَ أوْ حالَهم حِينَئِذٍ، والمَلائِكَةُ فاعِلُ يَتَوَفّى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالتّاءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، واسْتُغْنِيَ فِيهِ بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ وهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنهم أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِهِ عَلى الضَّمِيرَيْنِ.
﴿ وَأدْبارَهُمْ ﴾ ظُهُورَهم أوْ أسْتاهَهم، ولَعَلَّ المُرادَ تَعْمِيمُ الضَّرْبِ أيْ يَضْرِبُونَ ما أقْبَلَ مِنهم وما أدْبَرَ.
﴿ وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ عُطِفَ عَلى يَضْرِبُونَ بِإضْمارِ القَوْلِ أيْ ويَقُولُونَ ذُوقُوا بِشارَةً لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ.
وقِيلَ كانَتْ مَعَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ كُلَّما ضَرَبُوا التَهَبَتِ النّارُ مِنها، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِتَقْطِيعِ الأمْرِ وتَهْوِيلِهِ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ الضَّرْبُ والعَذابُ.
﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ بِسَبَبِ ما كَسَبَتْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وهو خَبَرٌ لِذَلِكَ.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ عُطِفَ عَلى « ما» لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ.
فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ وظَلّامٍ التَّكْثِيرُ لِأجْلِ العَبِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي كسبت وهو رد على الجبرية وهو من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة وذلك رفع بالابتداء وبما قَدَّمَتْ خبره {وَأَنَّ الله} عطف عليه أي ذلك العذاب بسببين بسبب كفركم ومعاصيكم وبأن الله {لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ} لأن تعذيب الكفار من العدل وقيل ظلام للتكثير لجل العبيد أو لفى انواع الظلم
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ: الضَّرْبُ والعَذابُ اللَّذانِ هُما هُما وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وتَقْدِيمُ الأيْدِي مَجازٌ عَنِ الكَسْبِ والفِعْلِ، أيْ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ قِيلَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ قَطْعًا عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا بالِغًا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ.
وقالَ البَيْضاوِيُّ بَيَّضَ اللَّهُ غُرَّةَ أحْوالِهِ: هو عَطْفٌ عَلى ( ما ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ، لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ، فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ وأرادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ حَيْثُ جَعَلَ كُلًّا مِنَ الأمْرَيْنِ سَبَبًا بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ في وُجُوبِ الأصْلَحِ، فَقَوْلُهُ: لا أنْ لا يُعَذِّبَهم عَطْفٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهُمْ، والمَعْنى أنَّ سَبَبَ هَذا القَيْدِ دَفْعُ احْتِمالِ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا احْتِمالَ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ فَإنَّهُ أمْرٌ حَسَنٌ، وقَوْلُهُ لِلدَّلالَةِ إلَخْ عَلى مَعْنى أنَّ تَعَيُّنَهُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذا القَيْدِ إذْ بِإمْكانِ تَعْذِيبِهِمْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ إرادَةَ العَذابِ بِلا ذَنْبٍ، فَحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ أنَّ عَذابَكم هَذا إنَّما نَشَأ مِن ذُنُوبِكم لا مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِ ما قِيلَ: كَوْنُ تَعْذِيبِ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ظُلْمًا لا يُوافِقُ مَذْهَبَ الجَماعَةِ، وما قِيلَ: إنَّ هَذا يُخالِفُ ما في آلِ عِمْرانَ مِن أنَّ سَبَبِيَّتَهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ إنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يَسْتَلْزِمُ العَدْلَ المُقْتَضِيَ إثابَةَ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةَ المُسِيءِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ لِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما ما ذُكِرَ مِن إثابَةِ المُحْسِنِ إلَخْ، والآخَرُ عَدَمُ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبِ وكُلٌّ مِنهُما يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى العَدْلِ فَلا تَدافُعَ بَيْنَ كَلامَيْهِ، وأمّا جَعْلُهُ هُناكَ سَبَبًا وهُنا قَيْدًا لِلسَّبَبِ فَلا يُوجِبُ التَّدافُعَ أيْضًا، فَإنَّ المُرادَ كَما ذَكَرْنا فِيما قَبْلُ بِالسَّبَبِ الوَسِيلَةُ المَحْضَةُ وهو وسِيلَةٌ سَواءٌ اعْتُبِرَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا أوْ قَيْدًا لِلسَّبَبِ، ولِمَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لا يَخْفى عَلَيْكَ رَدُّهُ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى ما ذَكَرْنا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَسْطُ الكَلامِ فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن بَيَّنَ قَوْلَ القاضِي: لِلدَّلالَةِ إلَخْ بِقَوْلِهِ يُرِيدُ أنَّ سَبَبِيَّةَ الذُّنُوبِ لِلْعَذابِ تَتَوَقَّفُ عَلى انْتِفاءِ الظُّلْمِ مِنهُ تَعالى فَإنَّهُ لَوْ جازَ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَ عَبِيدَهُ بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ.
فَلا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الذَّنْبُ سَبَبًا لِلْعَذابِ لا في هَذِهِ الصُّورَةِ ولا في غَيْرِها؛ ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لا يَلْزَمُ مِن هَذا إلّا نَفْيُ انْحِصارِ السَّبَبِ لِلْعَذابِ في الذُّنُوبِ لا نَفْيُ سَبَبِيَّتِها لَهُ والكَلامِ فِيهِ إذْ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ العَذابُ في الصُّورَةِ المَفْرُوضَةِ بِسَبَبٍ غَيْرِ الذُّنُوبِ، ولا يُنافِي هَذا كَوْنَها سَبَبًا لَهُ في غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ كَما في أهْلِ بَدْرٍ، فَلا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
قُلْتُ: السَّبَبُ المَفْرُوضُ في الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ إنْ أوْجَبَ اسْتِحْقاقَ العَذابِ يَكُونُ ذَنْبًا لا مَحالَةَ، والمَفْرُوضُ خِلافُهُ وإنْ لَمْ يُوجِبْ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا إذْ لا مَعْنى لِكَوْنِ شَيْءٍ سَبَبًا إلّا كَوْنُهُ مُقْتَضِيًا لِاسْتِحْقاقِهِ لَهُ فَإذا انْتَفى هَذا يَنْتَفِي ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ فَمَآلُ كَوْنِ التَّعْذِيبِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ إلى كَوْنِهِ بِدُونِ السَّبَبِ لِانْحِصارِ السَّبَبِ فِيهِ انْتَهى.
ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ: وإنْ لَمْ يُوجِبْ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ ما يَكُونُ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ شَيْءٍ سَواءٌ كانَ عَنِ اسْتِحْقاقٍ أوْ لَمْ يَكُنْ، ألا يَرى أنَّ الضَّرْبَ بِظُلْمِ والقَتْلَ كَذَلِكَ سَبَبانِ لِلْإيلامِ والمَوْتِ مَعَ أنَّهُما لَيْسا عَنِ اسْتِحْقاقٍ، فاعْتِراضُ السّائِلِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ ولا يُمْكِنُ التَّقَصِّي عَنْهُ إلّا بِما قَرَّرَ سابِقًا مِن مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ المَقامَ مَقامُ تَعْيِينِ السَّبَبِيَّةِ وتَخْصِيصِها لِلذُّنُوبِ وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِنَفْيِ صُدُورِ العَذابِ بِلا ذَنْبٍ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومِن هَنا عُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ: وبِالجُمْلَةِ إلَخْ لَيْسَ بِسَدِيدٍ فَإنَّ مَبْناهُ كَوْنُ الِاسْتِحْقاقِ شَرْطًا لِلسَّبَبِيَّةِ وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِكَلامِ الأجِلَّةِ مِن كَوْنِ نَفْيِ الظُّلْمِ سَبَبًا آخَرَ لِلتَّعْذِيبِ لِأنَّ سَبَبِيَّةَ نَفْيِ الظُّلْمِ مَوْقُوفَةٌ عَلى إمْكانِ إرادَةِ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ وكَوْنِها سَبَبًا لِلْعَذابِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَآلُ كَوْنِ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ إلى كَوْنِهِ بِدُونِ السَّبَبِ فَتَأمَّلْ، فالمَقامُ مُعْتَرَكُ الإفْهامِ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ في الآيَةِ نَفْيُ نَفْسِ الظُّلْمِ وإنَّما كَثُرَ تَوْزِيعًا عَلى الآحادِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ بِظالِمٍ لِفُلانٍ ولا بِظالِمٍ لِفُلانٍ وهَكَذا فَلَمّا جَمَعَ هَؤُلاءِ عُدِّلَ إلى ظَلّامٍ لِذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى عِظَمِ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى غايَةِ الظُّلْمِ إذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمُسْتَحَقِّهِ فَإذا صَدَرَ مِمَّنْ هو أعْدَلُ العادِلِينَ دَلَّ عَلى أنَّهُ اسْتَحَقَّ أشَدَّ العَذابِ لِأنَّهُ أشَدُّ المُسِيئِينَ، قالَ في ”الكَشْفِ“: وهَذا أوْفَقُ لِلَطائِفِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى المَجِيدِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ مَرَّ لَكَ بَعْضُها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: مسيرهم.
ومعناه: أن خروجهم لما كان للشيطان، زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: مسيرهم.
ومعناه: أن خروجهم لما كان للشيطان، زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وذلك أن أهل مكة لما وجدوا العير، أرادوا الرجوع إلى مكة، فأتاهم إبليس على صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني، فقال لهم: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير وعدوكم قليل.
ثم قال: وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، يعني: لا يطيقكم أحد لكثرتكم وقوتكم.
وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ يعني: معين لكم، وهؤلاء بنو كنانة تأتيكم وهم على أثرى.
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ، يعني: اجتمع الجمعان، جمع المؤمنين وجمع المشركين، نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ يعني: راجعاً (١) وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ.
فقال له الحارث: وهل ترى إلا جعاشيش أهل يثرب؟
والجعاشيش: جمع جعشوش، وهو الرجل الحقير الدميم القصير.
فقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ.
قال ابن عباس: «خاف إبليس أن يأخذه جبريل أسيراً، فيعرفه الناس، فيراه الكفار فيعرفونه بعد ذلك، فلا يطيعونه، ولم يخف على نفسه الموت والقتل، لأنه كان يعلم أن له بقاء إلى يوم ينفخ فى الصور» .
قال إبليس: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ أي: أرى جبريل معتجراً بردائه يقود الفرس، فلما تولى قالوا: هزم الناس سراقة، فسار سراقة بعد رجوعهم إلى مكة، وقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم.
فقالوا له: ألم تأتنا يوم كذا وكذا؟
فحلف أنه لم يحضر، فلما أسلموا، علموا أنه كان إبليس.
وقال مقاتل: لم يجتمع جمع قط منذ كانت الدنيا أكثر من يوم بدر، وذلك أن إبليس جاء بنفسه، وحضرت الشياطين، وحضر كفار الجن كلهم، وتسعمائة وخمسين من المشركين، وثلاثمائة وثلاثة عشر من المؤمنين، وتسعون من مؤمني الجن، وألفا من الملائكة.
وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه السورة، كان يقول: «طوبى لجيش كان قائدهم رسول الله ، ومبارزهم أسد الله، وجهادهم طاعة الله، ومددهم ملائكة الله، وجاسوسهم أمين الله، وثوابهم رضوان الله» .
قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني شكا ونفاقاً.
قال الحسن: هم قوم من المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين.
وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أبيّ وأصحابه ويقال: معناه إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وهم الذين فى قلوبهم مرض.
قال ابن عباس: «نزلت الآية في الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة، فأخرجهم أهل مكة إلى بدر كرهاً، فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا، وقالوا لأهل مكة: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ.
وقاتلوا مع المشركين فقتل عامتهم» .
يقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، يعني يثق بالله ولا يثق بغيره، فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ بالنقمة، حَكِيمٌ حكم الهزيمة على المشركين.
فلما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فنزل: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: ولو ترى يا محمد إذ يتوفى الذين كفروا حين يقبض أرواحهم الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ عند قبض أرواحهم ويضربون، وَأَدْبارَهُمْ يعني: ويضربون ويقول لهم الملائكة يوم القيامة: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ولم يذكر الجواب، لأن في الكلام دليلاً عليه، ومعناه: لو رأيت ذلك لرأيت أمراً عظيماً.
قرأ ابن عامر إذ تتوفّى الذين بلفظ التأنيث، وقرأ الباقون يَتَوَفَّى بلفظ التذكير.
وروي عن ابن مسعود أنه كان يُذَكِّر الملائكة في جميع القرآن، خلافاً للمشركين لقولهم: الملائكة بنات الله.
ثم قال تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، يعني ذلك العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من الكفر والتكذيب وبترككم الإيمان.
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يقول: لم يعذبهم بغير ذنب: (١) في النسخة «أ» : ورأى جبريل وراءه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ...
الآية: قال المفسرون: إِن هؤلاء الموصوفين بالنِّفاق، إِنما هُمْ من أهْل عَسْكر الكُفَّار ممَّن كان الإِسلام دَاخِلَ قلوبهم، خَرَجُوا مع المُشْركين إِلَى بَدْرٍ، منهم مكرَهٌ وغيرُ مُكْرَهٍ، فلما أشرفوا على المسلمينَ، ورأَوْا قلَّتهم، ارتابوا، وقالُوا مشيرين إِلى المسلمين: غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ.
قال ع «١» : ولم يُذْكَرْ أحدٌ ممَّن شهد بدراً بنفاقٍ إِلا ما ظَهَرَ بعْدَ ذلك من مُعَتِّب ابن قُشَيْرٍ فإِنه القائل يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران:
١٥٤] وقد يحتمل أنْ يكون منافقو المدينة، لما وَصَلَهم خروجُ قريشٍ في قوَّة عظيمةٍ، قالوا هذه المقالةَ، ثم أخبر اللَّه سبحانه بأنَّ مَنْ توكَّل عليه، وفوَّض أمره إليه، فإِن عزَّته سبحانه وحِكْمته كفيلةٌ بنَصْره، وقوله سبحانه: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ...
الآية: هذه الآيةُ تتضمَّن التعجيبَ ممَّا حلَّ بالكُفَّار يوم بَدْر قاله مجاهدٌ وغيره، وفي ذلك وعيدٌ لمن بَقِيَ منهم، وقوله: وأَدْبارَهُمْ، قال جُلُّ المفسِّرين:
يريد أَسْتَاهَهْم، ولكنَّ اللَّه كريمٌ كَنَّى «٢» ، وقال ابن عبَّاس، والحسن: أراد ظهورَهُمْ وما أَدْبَرَ منهم «٣» وباقي الآية بيِّن.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
وقوله سبحانه: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ...
الآية: الدَّأْبُ: العادةُ في كلام العربِ، وهو مأخوذٌ من دَأَبَ عَلَى العمل، إِذا لازمه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ أيْ: بِما كَسَبْتُمْ مِن قَبائِحَ أعْمالِكم ﴿ وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ لا يَظْلِمُ عِبادَهُ بِعُقُوبَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وإنْ كانَ كُفْرُهم بِقَضائِهِ، لِأنَّهُ مالِكٌ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ في مُلْكِهِ كَما يَشاءُ، فَيَسْتَحِيلُ نِسْبَةُ الظُّلْمِ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأخَذَهُمُ اللهِ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللهِ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ التَعْجِيبَ مِمّا حَلَّ بِالكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِمَن بَقِيَ مِنهُمْ، وحَذْفُ جَوابِ "لَوْ" إبْهامٌ بَلِيغٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسِ: "يَتَوَفّى" بِالياءِ فَأُسْنِدَ فِعْلٌ فِيهِ عَلّامَةُ التَذْكِيرِ إلى مُؤَنَّثٍ في اللَفْظِ، وساغَ ذَلِكَ أنَّ التَأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وارْتَفَعَتِ "المَلائِكَةُ" بِـ "يَتَوَفّى"، وقالَ بَعْضُ مَن قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ: إنَّ المَعْنى: إذْ يَتَوَفّى اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، و"المَلائِكَةُ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ويَضْرِبُونَ: خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ سُقُوطُ واوِ الحالِ، فَإنَّها في الأغْلَبِ تَلْزَمُ مِثْلَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ، والأعْرَجُ: "تَتَوَفّى" بِالتاءِ عَلى الإسْنادِ إلى لَفْظِ "المَلائِكَةِ"، و"يَضْرِبُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأدْبارَهُمْ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: يُرِيدُ أسْتاهَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ ظُهُورَهم وما أُدْبَرَ مِنهُمْ، ومَعْنى هَذا أنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ تَلْحَقُهم في حالِ الإدْبارِ فَتَضْرِبُ أدْبارَهُمْ، فَأمّا في حالِ الإقْبالِ فَبَيِّنٌ تَمَكُّنُ ضَرْبِ الوُجُوهِ.
ورَوى الحَسَنُ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، رَأيْتُ في ظَهْرِ أبِي جَهْلٍ مِثْلَ الشِراكِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "ذَلِكَ ضَرْبُ المَلائِكَةِ"»، وعَبَّرَ بِجَمْعِ المَلائِكَةِ، ومَلَكُ المَوْتِ واحِدٌ إذْ لَهُ عَلى ذَلِكَ أعْوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ قِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حِينَئِذٍ هَذا اللَفْظَ فَحُذِفَ "يَقُولُونَ" اخْتِصارًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: وحالُهم يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، والحَرِيقُ: فَعِيلٌ مِنَ الحَرْقِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ في وقْتِ تَوْفِيَتِهِمْ لَهم عَلى الصُورَةِ المَذْكُورَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا تَقْرِيعًا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْكافِرِينَ حَيِّهِمْ ومَيِّتِهِمْ، "وَأنَّ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: والحُكْمُ أنَّ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "ما" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما قَدَّمَتْ ﴾ ، وقالَ مَكِّيٌّ، والزَهْراوِيُّ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الباءِ، وتَقْدِيرُهُ: "بِأنَّ" فَلَمّا حُذَفَتِ الباءُ حَصَلَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ مُتَّجِهٍ ولا بَيِّنٍ إلّا أنْ تُنْصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآيَةُ، الدَأْبُ: العادَةُ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها ∗∗∗ وجارَتِها أمِّ الرَبابِ بِمَأْسَلِ ويُرْوى: كَدِينِكَ، ومِنهُ قَوْلُ خِراشِ بْنِ زُهَيْرٍ العامِرِيِّ: فَما زالَ ذاكَ الدَأْبُ حَتّى تَخاذَلَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ هَوازِنُ وارْفَضَّتْ سُلَيْمٌ وعامِرُ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِن: "دَأبَ عَلى العَمَلِ" إذا لَزِمَهُ، ومِنهُ «قَوْلُهُ لِصاحِبِ الجَمَلِ الَّذِي هَشَّ إلَيْهِ وأقْبَلَ نَحْوَهُ وقَدْ ذَلَّ ودَمَعَتْ عَيْناهُ: "إنَّهُ شَكا إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ"،» فَكَأنَّ العادَةَ دُؤُوبٌ ما.
وَقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ: المَعْنى: كَسَنَنِ آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ عادَةَ الأُمَمِ بِجُمْلَتِها لا عَلى انْفِرادِ أُمَّةٍ، إذْ آلُ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكْفُرُوا وأُهْلِكُوا مِرارًا بَلْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: كَعادَةِ اللهِ فِيهِمْ، فَأضافَ العادَةَ إلَيْهِمْ إذْ لَهم نِسْبَةٌ إلَيْها يُضافُ المَصْدَرُ إلى الفاعِلِ وإلى المَفْعُولِ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَدَأْبِ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَذُوقُوا ﴾ ، وفِيهِ بُعْدٌ، والكافُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ ومَوْضِعُها أيْضًا -عَلى هَذا- نَصْبٌ كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الكَلامِ: الأمْرُ مِثْلُ دَأْبِ فِرْعَوْنَ، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأخَذَهُمُ ﴾ مَعْناهُ: أهْلَكَهم وأتى عَلَيْهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِقُوَّةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وشِدَّةِ عِقابِهِ.
<div class="verse-tafsir"
لمّا وُفِّيَ وصفُ حال المشركين حقَّه، وفصّلت أحوال هزيمتهم ببدر، وكيف أمكن الله منهم المسلمين، على ضُعف هؤلاء وقوة أولئك، بما شاهده كلّ حاضر حتّى ليوقن السامع أنّ ما نال المشركين يومئذ إنّما هو خذلان من الله إيّاهم، وإيذان بأنّهم لاقون هلاكهم ما داموا مناوئين لله ورسوله، انتُقِل إلى وصف ما لقيه من العذاب مَنْ قُتل منهم يوم بدر، ممّا هو مغيب عن الناس، ليعلم المؤمنون ويرتدع الكافرون، والمراد بالذين كفروا هنا الذين قتلوا يوم بدر، وتكون هذه الآية من تمام الخبر عن قوم بدر.
ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا جميع الكافرين حملاً للموصول على معنى العموم فتكون الآية اعتراضاً مستطرداً في خلال القصّة بمناسبة وَصف ما لقيه المشركون في ذلك اليوم، الذي عجّل لهم فيه عذاب الموت.
وابتدئ الخبر ب ﴿ ولو ترى ﴾ مخاطباً به غير معين، ليعمّ كلّ مخاطب، أي: لو ترى أيّها السامع، إذ ليس المقصود بهذا الخبر خصوص النبي صلى الله عليه وسلم حتّى يحمل الخطاب على ظاهره، بل غير النبي أولى به منه، لأن الله قادر أن يطلع نبيه على ذلك كما أراه الجنّة في عرض الحائط.
ثمّ إن كان المراد بالذين كفروا مشركي يوم بدر، وكان ذلك قد مضى يكن مقتضى الظاهر أن يقال: ولو رأيت إذ تَوفَّى الذين كفروا الملائكة.
فالإتيان بالمضارع في الموضعين مكانَ الماضي؛ لقصد استحضار تلك الحالة العجيبة، وهي حالة ضرب الوجوه والأدبار، ليخيّل للسامع أنّه يشاهد تلك الحالة، وإن كان المراد المشركين حيثما كانوا كان التعبير بالمضارع على مقتضى الظاهر.
وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف تقديره: لرأيت أمراً عجيباً.
وقرأ الجمهور: يتوفّى بياء الغائب وقرأه ابن عامر: تتوفّى بتاء التأنيث رعيا لصورة جمع الملائكة.
والتوفِّي: الإماتة سمّيت توفّياً؛ لأنها تنهي حياة المرء أو تستوفيها ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ﴾ [السجدة: 11] وجملة: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ في موضع الحال إن كان المراد من التوفّي قبض أرواح المشركين يوم بدر حين يقتلهم المسلمون، أي: يزيدهم الملائكة تعذيباً عند نزع أرواحهم، وهي بدل اشتمال من جملة: ﴿ يتوفى ﴾ إن كان المراد بالتوفّي توفياً يتوفّاه الملائكة الكافرين.
وجملة: ﴿ وذوقوا عذاب الحريق ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ يضربون ﴾ بتقدير القول، لأنّ هذه الجملة لا موقع لها مع التي قبلها، إلاّ أن تكون من قول الملائكة، أي: ويقولون: ذوقوا عذاب الحريق كقوله: ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ﴾ [البقرة: 127]، وقوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ﴾ [السجدة: 12].
وذكر الوجوه والأدبار للتعميم، أي: يضربون جميع أجسادهم.
فالأدبار: جمع دبر وهو ما دَبَر من الإنسان.
ومنه قوله تعالى: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ [القمر: 45].
وكذلك الوجوه كناية عمّا أقبل من الإنسان، وهذا كقول العرب: ضربته الظهر والبطن، كناية عمّا أقبل وما أدبر أي ضربته في جميع جسده.
و«الذوق» مستعمل في مطلق الإحساس، بعلاقة الإطلاق.
وإضافة العذاب إلى الحريق من إضافة الجنس إلى نوعه، لبيان النوع، أي عذاباً هو الحريق، فهي إضافة بيانية.
و ﴿ الحريق هو اضطرام النار، والمراد به جهنّم، فلعلّ الله عجّل بأرواح هؤلاء المشركين إلى النار قبل يوم الحساب، فالأمر مستعمل في التكوين، أي: يذيقونهم، أو مستعمل في التشفّي، أو المراد بقول الملائكة وذوقوا ﴾ إنذارهم بأنّهم سيذوقونه، وإنّما يقع الذوق يوم القيامة، فيكون الأمر مستعملاً في الإنذار كقوله تعالى: ﴿ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴾ [إبراهيم: 30] بناء على أنّ التمتّع يؤذن بشيء سيحدث بعد التمتّع مضاد لما به التمتّع.
واسم الإشارة ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ إلى ما يشاهدونه من العذاب، وجيء بإشارة البعيد لتعظيم ما يشاهدونه من الأهوال.
والجملة مستأنفة لقصد التنكيل والتشفّي.
والباء للسببية، وهي، مع المجرور، خبر عن اسم الإشارة.
و«ما» في قوله: ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ موصولة، ومعنى ﴿ قدمت أيديكم ﴾ أسلفته من الأعمال فيما مضى، أي من الشرك وفروعه من الفواحش.
وذكر الأيدي استعارة مكنية بتشبيه الأعمال التي اقترفوها، وهي ما صدقُ ﴿ ما قدمت ﴾ بما يجتنيه المجتني من الثمر، أو يقبضه البائع من الأثمان، تشبيه المعقول بالمحسوس، وذكر رديف المشبه وهو الأيدي التي هي آلة الاكتساب، أي: بما قدّمته أيديكم لكم.
وقوله: ﴿ وأن الله ليس بظالم للعبيد ﴾ عطف على ﴿ ما قدمت أيديكم ﴾ والتقدير: وبأنّ الله ليس بظلام للعبيد، وهذا علّة ثانية لإيقاع تلك العقوبة عليهم، فالعلة الأولى، المفادة من باء السببية تعليل لإيقاع العقاب.
والعلّة الثانية، المفادة من العطف على الباء ومجرورها، تعليل لصفة العذاب؛ أي هو عذاب معادل لأعمالهم، فمورد العلّتين شيء واحد لكن باختلاف الاعتبار.
ونفي الظلم عن الله تعالى كناية عن عدله، وأنّ الجزاء الأليم كَانَ كِفاء للعمل المجازَى عنه دون إفراط.
وجعل صاحب «الكشّاف» التعليلين لشيء واحد، وهو ذلك العذاب، فجعلهما سببين لكفرهم ومعاصيهم، وأنّ التعذيب من العَدل مثل الإثابة، وهو بعيد، لأنّ ترك الله المؤاخذة على الاعتداء على حقوقه إذا شاء ذلك، ليس بظلم، والموضوع هو العقاب على الإشراك والفواحش، وأمّا الاعتداء على حقوق الناس فترك المؤاخذة به على تسليم أنّه ليس بعدل، وقد يعوض المعتدى عليه بترضية من الله، فلذلك كان ما في «الكشّاف» غير خال عن تعسف حمله عليه الإسراع لنصرة مذهب الاعتزال من استحالة العفو عن العصاة، لأنّه مناف للعدل أو للحكمة.
ونفي ظَلاَّم بصيغة المبالغة لا يفيد إثبات ظلم غير قوي؛ لأنّ الصيغ لا مفاهيم لها، وجرت عادة العلماء أن يجيبوا بأنّ المبالغة منصرفة إلى النفي كما جاء ذلك كثيراً في مثل هذا، ويزاد هنا الجواب باحتمال أنّ الكثرة باعتبار تعلّق الظلم المنفي، لو قدر ثبوته، بالعبيد الكثيرين، فعبّر بالمبالغة عن كثرة إعداد الظلم باعتبار تعدّد أفراد معموله.
والتعريف باللام في ﴿ العبيد ﴾ عوض عن المضاف إليه، أي: لعبيدِهِ كقوله: ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ [النازعات: 41] ويجوز أن يكون ﴿ العبيد ﴾ أطلق على ما يرادف الناس كما أطلق العباد في قوله تعالى: ﴿ يا حسرة على العباد ﴾ في سورة [يس: 30].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَوَفّاهم مَلَكُ المَوْتِ عِنْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: قَتْلُ المَلائِكَةِ لَهم حِينَ قاتَلُوهم يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ تَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا واجَهُوهم، وأدْبارَهم إذا ساقُوهم إلى النّارِ.
وَتَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ الثّانِي يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم بِبَدْرٍ لَمّا قاتَلُوا، وأدْبارَهم لَمّا انْهَزَمُوا.
والثّانِي: أنَّهم جاءُوهم مِن أمامِهِمْ ووَرائِهِمْ، فَمَن كانَ مِن أمامِهِمْ ضَرَبَ وُجُوهَهم، ومَن كانَ مِن ورائِهِمْ ضَرَبَ أدْبارَهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ﴾ قال: الذين قتلهم الله ببدر من المشركين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: آيتان يبشر بهما الكافر عند موته ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأدبارهم ﴾ قال: وأشباههم ولكن الله كريم يكني.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ قال: نعمة الله: محمد صلى الله عليه وسلم، أنعم الله بها على قريش فكفروا فنقله إلى الأنصار.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ هذا إخبار عن قول الملائكة لهم، وأما محل ﴿ ذَلِكَ ﴾ فيجوز أن يكون رفعًا وخبره: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ويجوز أن يكون خبره محذوفًا على تقدير: ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، [ويجوز أن يكون محل ذلك نصبًا على معنى: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم] (١) (٢) و ﴿ ذَلِكَ ﴾ في هذه الآية بمعنى: هذا، أي: هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق بما قدمت أيديكم، وذكرنا جواز أن يكون (ذلك) بمعنى: هذا عند قوله: ﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾ .
وحكى صاحب النظم في معنى (ذلك) أنه نقيض (لا) فكما أن (لا) ينفي ما قبله (٣) (٤) ومعنى: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: جرحت قلوبكم (٥) ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ مع أن اليد لا تعقل شيئًا للبيان عن أن اعتقاد الكفر بالقلب بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب وإن كان بها معتمد العصيان؛ لأنه قصد إظهار ما تقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ في محل (أن) وجهان: أحدهما: النصب، بمعنى: وبأن الله، قال الفراء: وهذا إذا جعلت (ذلك) نصبًا (٦) (٧) (٨) (٩) ومعنى ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: تبين سبيل (١٠) (١١) والصحيح أن قوله: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ابتداء كلام لا يعود معناه إلى ما قبله من قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾ لأن قوله: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ ﴾ ليس (١٢) ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ سبب أوجب الحكم بالتعذيب، وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ نعت لهذا الحكم أنه عدل، وأنه ليس بجور، وإذا كان كذلك لم يحسن أن يقدر في (أن) الباء (١٣) (١٤) فإن قيل: في هذه الآية الله تعالى نفى الظلم عن نفسه، ومن نسب إليه خلق الأفعال ثم استجاز منه العقبة على الذنوب فقد نسب الظلم إليه (١٥) قيل: إن له أن يتصرف في ملكه بما يشاء، ومن كان له أن يتصرف في ملكه كما يشاء استحال نسبة الظلم إليه، ولهذا نفى الله -تعالى ذكره- الظلم عن نفسه كيلا يتوهم متوهم أنه مع خلقه كفر الكافر وتعذيبه له ظالم، فنفي ذلك وقال إنه ﴿ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ومن لم يسلك هذه الطريقة نسب العجز إلى الباري سبحانه وتعالى (١٦) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (س).
(٢) انظر: "معاني القرآن" 1/ 413.
(٣) في (س): (قبلها).
(٤) ما بين المعقوفين من (م).
(٥) لم أقف عليه، وما قدمت الأيدي أعم من كسب القلوب.
انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 23.
(٦) أي تجعله مفعولًا به، والتقدير: فعلنا ذلك.
(٧) إما مبتدأ خبره الجملة بعده كما قال أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 506، أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر ذلك، كما قدره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 681.
(٨) اهـ.
كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 413، وقد تصرف الواحدي في عبارته.
(٩) في محل (أن) وجه ثالث وهو الخفض عطفًا على (ما) في قوله تعالى: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾ .
انظر: "مشكل إعراب القرآن" ص 317، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 681، و"تفسير ابن جرير" 10/ 23، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 390، وقد رد هذا الوجه أبو السعود في "تفسيره" 4/ 27.
(١٠) ساقط من (م) و (س).
(١١) لم أقف عليه.
(١٢) في (س): (ليس بظلام أي: بتعليل ..
إلخ)، وهو خطأ.
(١٣) ذهب إلى تقديرها الفراء في "معاني القرآن" 1/ 413، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 681، والزمخشري 1/ 163، وصرح بأن الباء سببية.
وكذلك السمين الحلبي في "الدر المصون" 5/ 619.
(١٤) يعني من الناحية اللغوية، ولا تجوز القراءة بذلك لعدم ثبوتها، وقد ذكر في قول الكسائي هذا الفخر الرازي في "تفسيره" 15/ 179.
(١٥) هذا قول المعتزلة، انظر: "تفسير الرازي" 15/ 179، و"الأصول الخمسة" للقاضي عبد الجبار ص 345.
(١٦) يقرر المؤلف طريقة الأشاعرة في نفي الظلم عن الله تعالى، وقد اتفق المسلمون على أن الله منزه عن الظلم، ولكن تنازعوا في معناه الذي يجب تنزيه الرب عنه على ثلاثة أقوال: الأول: قول المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الظلم الذي ينزه عنه الخالق من جنس الظلم الذي ينهى عنه المخلوق، فشبهوا الله بخلقه، وأوجبوا عليه جنس ما يجب على المخلوق.
الثاني: قول الأشاعرة وطوائف من أهل الكلام وبعض أهل الحديث: إن الظلم من الله تعالى ممتنع لذاته، لأن الظلم -عندهم-: التصرف في ملك الغير، أو الخروج عن طاعة من تجب طاعته، وهذان ممتنعان في حق الله تعالى.
الثالث: قول كثير من أهل السنة وبعض أهل الكلام: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالظلم ممكن لذاته، يمتنع وقوعه من الرب تعالى ولا يفعله؛ لكمال عدله ورحمته وغناه، وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، فالله تعالى لا يضع الأشياء في غير مواضعها، كأن يبخس المحسن شيئًا من إحسانه، أو يحمل عليه من سيئات غيره، أو يعاقبه بلا موجب للعقاب، ونحو ذلك، وهذا القول هو الحق الذي دلت عليه النصوص واللغة.
انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 8/ 505 - 510، 17/ 175 - 180، 18/ 137 - 156، و"مختصر الصواعق المرسلة" ص 189 - 206، و"غاية المرام في علم الكلام" ص 244، 245، و"لسان العرب" (ظلم) 5/ 2757.
وقول المؤلف رحمه الله: (ومن كان له أن يتصرف في ملكه كما يشاء استحال نسبة الظلم إليه) مردود لما يأتي: أولاً: ما جاء في الحديث القدسي.
"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته == بينكم محرمًا".
رواه مسلم (2577) كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظلم، وأحمد في "المسند" 5/ 160.
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الظلم ممكن غير مستحيل ولكن الله تنزه عنه وحرّمه على نفسه.
ثانيًا: أن الله تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه كقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴾ ولا يليق بالله تعالى أن يتمدح بنفي المستحيل، وبالأمر الذي لا تمكن القدرة عليه، إذ ليس فيه مدح ولا ثناء ولا فائدة، وإنما يكون المدح بترك الأفعال المذمومة المقدور عليها، فتبين من ذلك أن الله قادر على ما نزه نفسه عنه من الظلم، لكنه لا يفعله لأنه حرمه على نفسه، وتنزه عن فعله.
ثالثا: أن الله تعالى: قال: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ﴾ ، ومعلوم بداهة أن الخوف من الشيء يستلزم تصور وجوده وإمكانه، أما ما لا يمكن وجوده فيستحيل الخوف منه، فعلم أن ظلم الله لعباده ممكن غير مستحيل، لكنه لا يفعله تنزهًا، فعباده واثقون بعدله، آمنون من جوره.
انظر تفصيل ما سبق ذكره في: "مختصر الصواعق المرسلة" ص 189 - 206، و"الأصول الخمسة" للهمداني ص 345 - 354، و"غاية المرام" ص 244.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَقُولُ المنافقون ﴾ الذين كانوا بالمدينة، وقيل: الذين كانوا مع الكفار وهم نفر من قريش منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن ربيعة بن الأسود وعلي بن أمية بن خلف والعاصي بن أمية بن الحجاج وكانوا قد أسلموا ولم يهاجروا وخرجوا يوم بدر مع الكفار فقالوا هذه المقالة ﴿ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ ﴾ أي اغترّ المسلمون بدينهم فأدخلوا أنفسهم فما لا طاقة لهم به ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة ﴾ ذلك فيمن قتل يوم بدر ﴿ وأدبارهم ﴾ أي أستاههم، وقيل: ظهورهم ﴿ وَذُوقُواْ ﴾ هذه من قول الملائكة لهم تقديره: ويقولون لهم: ذوقوا والقول المحذوف معموله معطوف على يضربون، ويحتمل أن يكون ما بعده من قول الملائكة أو يكون مستأنفاً ﴿ ذلك بِأَنَّ الله ﴾ تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، والباء سببية، والمعنى: أن الله لا يغير نعمة على عبيده حتى يغيروا هم بالكفر والمعاصي ﴿ كَدَأْبِ ﴾ ذكر في آل عمران.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.
الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.
الآخرون: بتاء الخطاب.
﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.
الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.
الآخرون بالضم.
﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.
وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.
﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.
﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.
وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.
ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.
﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.
وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.
وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.
وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.
وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.
ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.
وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.
قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.
ولما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.
ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.
ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.
والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.
ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.
ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.
قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.
ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.
والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.
ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.
ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.
ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.
ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.
ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.
جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.
ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.
قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.
ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.
وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.
والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.
وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.
وقيل: على استواء في العداوة.
قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.
قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.
قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.
فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.
وذلك أن قريظة عاهدوا النبي ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله بأهل مكة لما نقضوا العهد.
ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟
فأجيب بما أجيب.
والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.
أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.
والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.
ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.
ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.
ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.
ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.
ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.
وعن عقبة بن عامر أن رسول الله قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.
وقوله : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.
ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.
روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.
فقيل له: إنما أوصى في الحصون.
فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.
وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.
والظاهر العموم.
ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.
واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.
وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.
وعن السدي: هم أهل فارس.
وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.
وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.
ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.
ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.
وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.
عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.
والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.
وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله منصرفه من تبوك.
وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.
ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.
إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.
وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.
وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.
ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.
ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.
ثم أكد كون الله كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.
﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.
ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.
والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.
ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.
ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي إلى عبادة الله والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.
﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.
قال القاضي: لولا ألطاف الله ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.
ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.
ثم إنه لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.
فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.
ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.
وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله الآية.
ثم بيّن أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.
في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.
وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.
وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.
واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.
قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.
قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.
كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.
قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.
فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.
فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.
والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.
الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.
وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.
وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.
وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.
عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.
وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.
قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟
قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.
وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.
والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.
سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.
ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.
ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.
وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.
ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.
والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.
والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ .
التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.
﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: الآية مقابلة قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ ﴾ ؛ يقول - والله أعلم -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: يقبض أرواح الذين كفروا كيف يقبضون أرواحهم، وكيف يضربون وجوههم وأدبارهم؛ كأنه قال - والله أعلم -: لو رأيت الحال التي تقبض فيها أرواحهم وما ينزل بهم، لرأيت أن ما عملوا من صد الناس عن سبيل الله، واستكبارهم على المؤمنين، وخروجهم لقتال أصحاب رسول الله - إنما عملوا بأنفسهم، لا بالمؤمنين.
وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ .
يحتمل ما ذكر من فعل الملائكة يوم بدر؛ لأن الآية ذكرت في قصة بدر.
ويحتمل أن يكون ذلك كل كافر أن الملائكة يفعلون به ما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ...
﴾ الآية، هذا في كل كافر.
وقوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ .
ليس على إرادة حقيقة الوجه والدبر، ولكن على إرادة إيصال الألم إليهم بكل ضرب وبكل جهة؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ ، ليس على إرادة التحت والفوق، ولكن على إرادة إحاطة العذاب بهم؛ فعلى ذلك الأول.
وقال بعضهم: يضربون وجوههم في [حال] إقبالهم [على] المؤمنين، وإدبارهم وانهزامهم منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
ذكر تقديم اليد، وإن كان الكفر من عمل القلب؛ لما باليد يقدم في العرف.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ .
في الآية دلالة الرد على المجبرة؛ لأنهم لا يجعلون للعبيد في أفعالهم صنعاً، يجعلون حقيقة الأفعال لله، وذكر ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، فلو لم يكن لهم صنع، لم يكن لقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ معنى، وكذلك قوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ ، فلو لم يكن لهم حقيقة الفعل، لكان التعذيب ظلماً، دل أن لهم فعلا، والله أعلم.
قوله: ﴿ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ .
فيما شرع من القتال، والإهلاك، والتعذيب في الآخرة؛ لأنه مكن لهم ما يكسبون به النجاة والحياة الدائمة، فما لحقهم مما ذكر؛ إنما كان باكتسابهم واختيارهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: صنيع هؤلاء، أي: صنيع أهل مكة بمحمد كصنيع فرعون وقومه بموسى [يعني] في التكذيب والكفر بآياته.
وقال قائلون: صنع الله بأهل مكة من العقوبة كصنيعه بفرعون وآله ومن سبق من الأمم من الإهلاك والتعذيب، وقد فعل بأهل مكة يوم بدر بسوء معاملتهم رسول الله صلى الله ، كما فعل ذلك بفرعون وآله بسوء معاملتهم موسى.
﴿ كَدَأْبِ ﴾ .
قيل: كصنيع.
وقيل: كفعل.
وقيل: كأشباه.
وقيل: كعمل؛ وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .
وقوله: ﴿ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ ، أي: لا يضعفه شيء يمنعه عما يريد.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ .
أي: ذلك العذاب والعقاب الذي ذكره.
﴿ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
قال قائلون: النعمة التي أنعمها عليهم هم الرسل الذين بعثهم إليهم والكتب التي أنزلها عليهم [لم يكن] مغيرا لتلك النعم ﴿ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ بالتكذيب والرد وترك القبول، وهو كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا...
﴾ الآية.
وقال قائلون: قوله: ﴿ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: [حتى] يصرفوا شكر نعمه إلى غير الله ويعبدون دونه، أي: لا يغير النعم التي أنعمها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، يعبدون غير الله، ويشكرون غير الذي أنعم عليهم، فعند ذلك غير الله ما بهم من النعمة، وكذلك قال ابن عباس: نعمة من النعم إن تولوا عن شكرها، غير الله عليهم وأخذها منهم.
والثاني: يحتمل النعمة الدينية، وهو تكذيبهم الرسل وردهم الكتب بعد ما أقسموا أنهم يكونون أهدى من إحدى الأمم، واختيارهم الشرك والكفر على الإسلام والتوحيد، فإذا اختاروا تغيير ذلك، غير عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: النعمة الدنيوية، لا تتغير تلك عليهم إلا بتغيير من قبلهم؛ إما بترك الشكر لها، وإما بصرفه إلى غير الذي أنعمها عليهم، ولو غيرت عليهم غيرت ببدل، فليس ذلك - في الحقيقة - تغيير ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قيل: أي: سميع لشكر من يشكره ويحمده، عليم بزيادة النعمة إذا شكر.
ويحتمل: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ أي: مجيب، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بمصالحهم.
ويحتمل أنه سميع لما أسروا من القول وجهروا به، عليم بما أضمروا من العمل والشرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ .
فإن قيل: ما فائدة تخصيص ذكر آل فرعون من بينهم؟
وما الحكمة في تكرار قوله: ﴿ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ ؟
قيل: لما كانوا أقرب إلى هؤلاء من غيرهم ممن كان قبلهم.
ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً ﴾ .
أو أن يذكر أهل الكتاب منهم؛ لما كانوا ينكرون بعث الرسل من غيرهم؛ ويقولون: إن محمداً أمي بعث إلى الأميين مثله، فقال: إن موسى لم يكن من القبط، فبعث رسولا إليهم؛ فعلى ذلك محمد [وإن] كان أميّاً فبعث إلى الأميين وغيرهم، والله أعلم بذلك.
وأما فائد التكرار - والله أعلم -: فهو أنه ذكر في الآية الأولى الأخذ بالذنوب والتعذيب، ولم يبين ما كان ذلك العذاب، فبين في الآية الأخرى أن ذلك العذاب هو الإهلاك والاستئصال؛ حيث قال: ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ...
﴾ الآية.
ويحتمل قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ في الآخرة بكفرهم بآيات الله في الدنيا؛ ذكر في إحدى الآيتين العذاب في الآخرة، وفي الآية الأخرى [الإهلاك] في الدنيا؛ لأنه ذكر في الآية الأولى الكفر بآيات الله، ولم يبين ذلك، وذكر في الآية الأخرى التكذيب بآياته، فبين الله أن الكفر بآياته هو تكذيبها، والتكذيب إنما يكون في الأخبار، وكذلك التصديق.
وفيه دلالة أن الإيمان هو التصديق؛ لأنه جعل مقابله وضده التكذيب.
وفيه أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن مقابلها الجهل بالله، ليس هو التكذيب، لكن بالمعرفة يكون التصديق، وبالجهل يكون التكذيب.
<div class="verse-tafsir"
ذلك العذاب المؤلم عند قبض أرواحكم -أيها الكفار-، والعذاب المحرق في قبوركم وفي الآخرة، سببه ما كسبت أيديكم في الدنيا، فالله لا يظلم الناس، وإنما يحكم بينهم بالعدل فهو الحَكَم العدل.
<div class="verse-tafsir" id="91.7LMyz"