الآية ٦٧ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٦٧ من سورة الأنفال

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 165 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم ، عن حميد ، عن أنس رضي الله عنه قال : استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس في الأسارى يوم بدر ، فقال : إن الله قد أمكنكم منهم ، فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله ، اضرب أعناقهم .

فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا أيها الناس ، إن الله قد أمكنكم منهم ، وإنما هم إخوانكم بالأمس .

فقام عمر فقال : يا رسول الله ، اضرب أعناقهم .

فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال للناس مثل ذلك ، فقام أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقال : يا رسول الله ، نرى أن تعفو عنهم ، وأن تقبل منهم الفداء .

قال : فذهب عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان فيه من الغم ، فعفا عنهم ، وقبل منهم الفداء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما كان لنبي أن يحتبس كافرًا قدر عليه وصار في يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ.

* * * و " الأسر " في كلام العرب: الحبس, يقال منه: " مأسورٌ", يراد به: محبوس.

ومسموع منهم: " أبَاله الله أسْرًا ".

(36) * * * وإنما قال الله جل ثناؤه [ذلك] لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يعرِّفه أن قتل المشركين الذين أسرهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثم فادى بهم، كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم.

* * * وقوله: (حتى يثخن في الأرض)، يقول: حتى يبالغ في قتل المشركين فيها, ويقهرهم غلبة وقسرًا.

* * * يقال منه: " أثخن فلان في هذا الأمر "، إذا بالغ فيه.

وحكي: " أثخنته معرفةً", بمعنى: قتلته معرفةً.

* * * =(تريدون)، يقول للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تريدون)، أيها المؤمنون، (عرض الدنيا)، بأسركم المشركين =وهو ما عَرَض للمرء منها من مال ومتاع.

(37) يقول: تريدون بأخذكم الفداء من المشركين متاع الدنيا وطُعْمها =(والله يريد الآخرة)، يقول: والله يريد لكم زينة الآخرة وما أعدّ للمؤمنين وأهل ولايته في جناته، بقتلكم إياهم وإثخانكم في الأرض.

يقول لهم: فاطلبوا ما يريد الله لكم وله اعملوا، (38) لا ما تدعوكم إليه أهواء أنفسكم من الرغبة في الدنيا وأسبابها =(والله عزيز)، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبكم عدوّ لكم, لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب = وأنه (حكيم) (39) في تدبيره أمرَ خلقه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16286- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم, أنـزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ، [سورة محمد: 4]، فجعل الله النبيَّ والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار, إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادَوْهم.

16287- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا)، الآية, قال: أراد أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداءَ, ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف.

(40) ولعمري ما كان أثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ!

وكان أول قتال قاتله المشركين.

16288- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن حبيب بن أبي عمرة, عن مجاهد قال: " الإثخان "، القتل.

(41) 16289- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شريك, عن الأعمش, عن سعيد بن جبير في قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، قال: إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتلَ.

16290-...

قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن خصيف, عن مجاهد: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى)، الآية, نـزلت الرخصة بعدُ, إن شئت فمنّ، وإن شئت ففاد.

16291- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، يعني: الذين أسروا ببدر.

16292- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى)، من عدوه =(حتى يثخن في الأرض)، أي: يثخن عدوه حتى ينفيهم من الأرض =(تريدون عرض الدنيا)، أي: المتاع والفداء بأخذ الرجال =(والله يريد الآخرة)، بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه, الذي به تدرك الآخرة.

(42) 16293- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا الأعمش, عن عمرو بن مرة, عن أبي عبيدة, عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟

فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك, استبقهم واستأنهم, (43) لعل الله أن يتوب عليهم.

وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك, قدّمهم فاضرب أعناقهم!

وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله, انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه, ثم أضرمه عليهم نارا.

قال: فقال له العباس: قُطِعتْ رَحِمُك!

قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم, ثم دخل.

فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر.

وقال ناس: يأخذ بقول عُمر.

وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.

ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنّ الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن, وإن الله ليشدد قلوبَ رجال حتى تكون أشد من الحجارة!

وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم, قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ، الآية [سورة المائدة: 118].

ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [سورة نوح: 26] , ومثلك كمثل موسى قال: (44) رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [سورة يونس: 88].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم اليوم عالة, (45) فلا ينفلتّنَ أحدٌ منهم إلا بفداء أو ضرب عنق.

قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء, فإني سمعته يذكر الإسلام!

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فما رأيتُني في يوم أخوفَ أن تقع عليَّ الحجارة من السماء، مني في ذلك اليوم, حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء.

قال: فأنـزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، إلى آخر الثلاث الآيات.

(46) 16294- حدثنا ابن بشار قال، [حدثنا عمر بن يونس اليمامي] قال، حدثنا عكرمة بن عمار قال، حدثنا أبو زميل قال، حدثني عبد الله بن عباس قال: لما أسروا الأسارى، يعني يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أبو بكر وعمر وعلي؟

قال: ما ترون في الأسارى؟

فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة, وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار, وعسى الله أن يهديهم للإسلام!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟

فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، يا نبي الله, ولكن أرى أن تمكننا منهم, فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه, وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه, وتمكنني من فلان - نسيبٍ لعمر - فأضرب عنقه, فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.

فهويَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت.

(47) قال عمر: فلما كان من الغد، جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان, فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أيّ شيء تبكي أنتَ وصاحبك, فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرَض لأصحابي من أخذهم الفداء, ولقد عُرِض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة!

لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عز وجل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، إلى قوله: حَلالا طَيِّبًا ، وأحلّ الله الغنيمة لهم.

(48) -------------------- الهوامش : (36) انظر تفسير " الأسير " فيما سلف 2 : 311 ، 312 .

وأما قوله : " أباله الله أسرا " ، فإن " الأسر " " بضم الألف وسكون السين " ، وهو احتباس البول ، يقال : " أخذه الأسر " .

وهذه الجملة كانت في المخطوطة : " أبي الله أسرًا " ، وفي لسان العرب ، كما في المطبوعة " أناله بالنون " ، وفي أساس البلاغة : " وفي أدعيتهم : أبي لك الله أسرا " .

والذي في المخطوطة وأساس البلاغة يرجح صواب ما قرأته بالباء .

(37) انظر تفسير " العرض " فيما سلف 9 : 71 13 : 211 .

(38) في المطبوعة والمخطوطة : " واطلبوا " ، والسياق للفاء لا للواو .

(39) انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز ) ، ( حكم ) .

(40) في المطبوعة حذف " أربعة آلاف " ، الثانية ، كأنها لم تعجبه ، غفر الله له !

!

.

(41) الأثر : 16288 - " حبيب بن أبي عمرة " ، القصاب ، أو : اللحام ، " أبو عبد الله الحماني " ، ثقة قليل الحديث سلف برقم : 10224 .

(42) الأثر : 16292 - سيرة ابن هشام 2 : 332 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16271 .

وفي لفظ سيرة ابن هشام بعض الاختلاف ، وأشك في قوله هناك : " أي : قتلهم لظهور الدين الذي يريد إظهاره ، والذي تدرك به الآخرة " .

(43) كان في المطبوعة : " واستأن بهم " ، وهو نص الخبر في مسند أحمد وغيره ، من " الأناة " .

يقال : " استأنى بالشيء " ، ترفق به ، وأخره وانتظر به ، وتربص به .

ونقل صاحب أساس البلاغة : " واستأنيت فلانًا " : لم أعجله ، وأنشد لابن مقبل : وَقَــوْمٌ بــأَيدِيهِمْ رِمَــاحُ رُدَينَـةٍ شَــوَارِعَ تَسْـتأني دَمًـا أو تسَـلَّفُ قال : " تنظره أو تتعجله " .

ورواية " واستأنهم " هذه هي الثابتة في تاريخ أبي جعفر ، في رواية هذا الخبر .

(44) في المطبوعة : " ومثلك يا بن أبي رواحة كمثل موسى " ، زاد من عنده ما ليس في المخطوطة ، وهو اجتراء قبيح بلا علم ، فإن الحديث ليس فيه هذه الزيادة ، والقول فيه موجه إلى عمر ، ولم يذكر فيه عن ابن رواحة مثل ، كما في جميع المراجع ، بل في بعضها : " وإن مثلك يا عمر كمثل موسى " .

فهذه زيادة لا تحل لأحد .

وإنما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب مثل لعبد الله بن رواحة ، والله أعلم ، لما في مشورته من النكال الشديد ، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار سبحانه وتعالى ، وأعاذنا من عذاب جهنم بفضله ورحمته ومنه على كل عاص من عباده .

(45) " العالة " : الفقراء ذوي الفاقة ، جمع " عائل " .

و " عال الرجل " ، احتاج وافتقر.

(46) الأثر: 16293 - إسناده منقطع ، لأن "أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود"، لم يسمع من أبيه.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده من هذه الطريق نفسها رقم: 3632 - 3634، ورواه الحاكم في المستدرك 3 : 21 ، 22 ، من طريق جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " ، وقال الذهبي : " صحيح ، سمعه جرير بن عبد الحميد " .

ورواه الطبري في تاريخه 2 : 259 ، بلفظه وإسناده .

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 86 ، 87 ، وفصل الكلام فيه ، وقال : " رواه أحمد .

.

.

ورواه الطبراني ، وفيه أبو عبيدة ، ولم يسمع من أبيه ، ولكن رجاله ثقات " .

ورواه الواحدي في أسباب النزول : 178 .

وأما قوله : " إلا سهيل بن بيضاء " ، فهو خطأ من بعض الرواة ، وإنما هو " سهل بن بيضاء " أخو " سهيل " لأبيه وأمه ، قال ابن سعد : " أسلم بمكة وكتم إسلامه ، فأخرجته قريش معها في نفير بدر ، فشهد بدرًا مع المشركين ، فأسر يومئذ .

فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة ، فخلى عنه .

والذي روى القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ ، سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود ، ولم يستخف بإسلامه ، وهاجر إلى المدينة ، وشهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمًا ، لا شك فيه .

فخلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه ، لأن سهيلا أشهر من أخيه سهل ، والقصة في سهل " ، ابن سعد 4 1 156 .

(47) هذا الخبر عن ابن عباس ، عن عمر رضي الله عنه ، كما سترى في التخريج .

(48) الأثر : 16294 - " أبو زميل " ، هو " سماك بن الوليد الحنفي " ، سلف أخيرًا برقم : 15734 ، 1600 ، وسائر رجال الإسناد قد مضوا جميعًا .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : " حدثنا ابن بشار قال حدثنا عكرمة بن عمار " ، وهو إسناد مختل ، والظاهر أن الناسخ كتب " ابن بشار " في آخر الصفحة ، كما هو في مخطوطتنا ، ثم لما انتقل إلى أول الصفحة التالية كتب : " حدثنا عكرمة بن عمار " ، فأسقط من الإسناد ما أثبته بين القوسين ، واستظهرته من رواية صدر هذا الخبر نفسه في الترمذي ، في كتاب التفسير ، حيث رواه مختصرًا ، قال : " حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عمر بن يونس اليمامي ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا أبو زميل ، حدثني عبد الله بن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب " .

وقد مضى مختصرًا كما في الترمذي ، برقم : 15734 ، وقد بينت تخريج الخبر هناك .

وهذا الخبر مطولا رواه أحمد في مسنده رقم : 208 ، 221 ، من طريق أبي نوح قراد ، عن عكرمة بن عمار .

ورواه مسلم في صحيحه مطولا 12 : 84 - 87 ، من طريق هناد بن السري ، عن ابن المبارك ، عن عكرمة ، ثم من طريق زهير بن حرب ، عن عمر بن يونس الحنفي ( اليمامي ) ، عن عكرمة .

ورواه أبو جعفر في التاريخ 2 : 294 ، مطولا ، من طريق أحمد بن منصور ، عن عاصم بن علي ، عن عكرمة .

ورواه الواحدي في أسباب النزول : 179 .

وهو حديث صحيح ، لا يعرف إلا من طريق عكرمة بن عمار ، كما سلف .

وخرجه ابن كثير في تفسير 45 : 18 ، 19 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : أسرى جمع أسير ، مثل قتيل وقتلى وجريح وجرحى .

ويقال في جمع أسير أيضا : أسارى " بضم الهمزة " وأسارى " بفتحها " وليست بالعالية .

وكانوا يشدون الأسير بالقد وهو الإسار ، فسمي كل أخيذ وإن لم يؤسر أسيرا .

قال الأعشى :وقيدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحمارا وقد مضى هذا في سورة " البقرة " .

وقال أبو عمرو بن العلاء : الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون ، والأسارى هم الموثقون ربطا .

وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب .الثانية : هذه الآية نزلت يوم بدر ، عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم .

والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الإثخان .

ولهم هذا الإخبار بقوله تريدون عرض الدنيا .

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ، ولا أراد قط عرض الدنيا ، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب ، فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية .

هذا قول أكثر المفسرين ، وهو الذي [ ص: 403 ] لا يصح غيره .

وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية حين لم ينه عنه حين رآه من العريش وإذ كره سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة ، ولكنه عليه السلام شغله بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء ، ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات .

والله أعلم .

روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب ، وقد تقدم أوله في " آل عمران " وهذا تمامه .

قال أبو زميل : قال ابن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟

فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية ، فتكون لنا قوة على الكفار ، فعسى الله أن يهديهم للإسلام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترى يا بن الخطاب ؟

قلت : لا والله يا رسول الله ، ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكنني من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها .

فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت ، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان ، فقلت : يا رسول الله ، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - شجرة قريبة كانت من نبي الله صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله عز وجل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله الغنيمة لهم وروى يزيد بن هارون قال : أخبرنا يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك ، استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم .

وقال عمر : كذبوك وأخرجوك وقاتلوك ، قدمهم فاضرب أعناقهم .

وقال عبد الله بن رواحة : انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم .

فقال العباس وهو يسمع : قطعت رحمك .

قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا .

فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه .

وقال أناس : يأخذ بقول عمر .

وقال أناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة .

مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال [ ص: 404 ] فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى إذ قال إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .

ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا .

ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق .

فقال عبد الله : إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام .

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : فما رأيتني أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم .

فأنزل الله عز وجل : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى آخر الآيتين .

في رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ولو نزل عذاب ما أفلت إلا عمر .

وروى أبو داود عن عمر قال : لما كان يوم بدر وأخذ - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - الفداء ، أنزل الله عز وجل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله : لمسكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم ثم أحل الغنائم .

وذكر القشيري أن سعد بن معاذ قال : يا رسول الله ، إنه أول وقعة لنا مع المشركين فكان الإثخان أحب إلي .

والإثخان : كثرة القتل ، عن مجاهد وغيره .

أي يبالغ في قتل المشركين .

تقول العرب : أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ .

وقال بعضهم : حتى يقهر ويقتل .

وأنشد المفضل :تصلي الضحى ما دهرها بتعبدوقد أثخنت فرعون في كفره كفرا وقيل : حتى يثخن يتمكن .

وقيل : الإثخان القوة والشدة .

فأعلم الله سبحانه وتعالى أن قتل الأسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم .

وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى : فإما منا بعد وإما فداء على ما يأتي بيانه في سورة " القتال " إن شاء الله تعالى .وقد قيل : إنما عوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش [ ص: 405 ] وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك .

وذلك كله عظيم الموقع فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا ، فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه .

والله أعلم .الثالثة : أسند الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : إن شئتم أخذتم فداء الأسارى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قتلوا وسلمتم .

فقالوا : نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعون .

وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا .

وقد مضى في " آل عمران " القول في هذا .

وقال عبيدة السلماني : طلبوا الخيرتين كلتيهما ، فقتل منهم يوم أحد سبعون .

وينشأ هنا إشكال وهي :الرابعة : وهو أن يقال : إذا كان التخيير فكيف وقع التوبيخ بقوله لمسكم .

فالجواب - أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء ، ثم وقع التخيير بعد ذلك .

ومما يدل على ذلك أن المقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط : أسيري يا رسول الله .

وقال مصعب بن عمير الذي أسر أخاه : شد عليه يدك ، فإن له أما موسرة .

إلى غير ذلك من قصصهم وحرصهم على أخذ الفداء .

فلما تحصل الأسارى وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة وغيرهما وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله عز وجل ، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حينئذ .

فمر عمر على أول رأيه في القتل ، ورأى أبو بكر المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء .

ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر .

وكلا الرأيين اجتهاد بعد تخيير .

فلم ينزل بعد على هذا شيء من تعنيت .

والله أعلم .

الخامسة : قال ابن وهب : قال مالك كان ببدر أسارى مشركون فأنزل الله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض .

وكانوا يومئذ مشركين وفادوا ورجعوا ، ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا .

وكان عدة من قتل منهم أربعة وأربعين رجلا ، ومثلهم أسروا .

وكان الشهداء قليلا .

وقال أبو عمرو بن العلاء : إن القتلى كانوا سبعين ، والأسرى كذلك .

وكذلك قال ابن عباس وابن المسيب وغيرهم .

وهو الصحيح كما في صحيح مسلم ، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين .

وذكر البيهقي قالوا : فجيء بالأسارى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا ، وهم سبعون في الأصل ، مجتمع عليه لا شك فيه .

قال ابن العربي : إنما قال مالك " وكانوا مشركين " لأن المفسرين رووا أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني مسلم .

وفي رواية أن الأسارى قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : آمنا بك .

وهذا كله ضعفه [ ص: 406 ] مالك ، واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم وزيادة عليه أنهم غزوه في أحد .

قال أبو عمر بن عبد البر : اختلفوا في وقت إسلام العباس ، فقيل : أسلم قبل يوم بدر ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : من لقي العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها .

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر : إن أناسا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري فلا يقتله ومن لقي العباس فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها وذكر الحديث .

وذكر أنه أسلم حين أسر يوم بدر .

وذكر أنه أسلم عام خيبر ، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين ، وكان يحب أن يهاجر فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : امكث بمكة فمقامك بها أنفع لنا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه معاتبة من اللّه لرسوله وللمؤمنين يوم ‏{‏بدر‏}‏ إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء،‏.‏ وكان رأي‏:‏ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال، قتلهم واستئصالهم‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىَ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور اللّه ويسعوا لإخماد دينه، وأن لا يبقى على وجه الأرض من يعبد اللّه، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم‏.‏ فما دام لهم شر وصولة، فالأوفق أن لا يؤسروا‏.‏ فإذا أثخنوا، وبطل شرهم، واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم‏.‏ يقول تعالى‏:‏ ‏{‏تُرِيدُونَ‏}‏ بأخذكم الفداء وإبقائهم ‏{‏عَرَضَ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ لا لمصلحة تعود إلى دينكم‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ‏}‏ بإعزاز دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ كامل العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل، لكنه حكيم، يبتلي بعضكم ببعض‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) قرأ أبو جعفر وأهل البصرة : " تكون " بالتاء والباقون بالياء ، وقرأ أبو جعفر : " أسارى " ، والآخرون .

" أسرى " .

وروى الأعمش عن عمر بن مرة عن أبي عبيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما تقولون في هؤلاء " ؟

فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم واستأن بهم ، لعل الله أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية ، تكون لنا قوة على الكفار ، وقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم نضرب أعناقهم ، مكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، ومكني من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر ، وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارا .

فقال له العباس : قطعت رحمك .

فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجبهم ، ثم دخل ، فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر ، وقال ناس : يأخذ بقول عمر ، وقال ناس : يأخذ بقول ابن رواحة ، ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال " إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال : " فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " " إبراهيم - 36 " ، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى حيث قال : " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " " المائدة - 118 " ، وإن مثلك يا عمر مثل نوح حيث قال : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " " نوح - 26 " ، ومثل موسى قال : " ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم " " يونس - 88 " ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق " ، قال عبد الله بن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم ، حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إلا سهيل بن بيضاء " .

قال ابن عباس : قال عمر بن الخطاب فهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت ، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت : يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ، لشجرة قريبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنزل الله تعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " " الأنفال 67 - 69 " فأحل الله الغنيمة لهم .

بقوله : " له أسرى " جمع أسير مثل قتلى وقتيل .

قوله : ( حتى يثخن في الأرض ) أي : يبالغ في قتال المشركين وأسرهم ، ( تريدون ) أيها المؤمنون ( عرض الدنيا ) بأخذكم الفداء ، ( والله يريد الآخرة ) يريد لكم ثواب الآخرة بقهركم المشركين ونصر دين الله - عز وجل - ، " والله عزيز حكيم " .

وكان الفداء لكل أسير أربعين أوقية ، والأوقية أربعون درهما .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى " فإما منا بعد وإما فداء " ، " محمد - 4 " فجعل الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استعبدوهم ، وإن شاءوا فادوهم ، وإن شاءوا أعتقوهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر «ما كان لنبي أن تكون» بالتاء والياء «له أسرى حتى يثخن في الأرض» يبالغ في قتل الكفار «تريدون» أيها المؤمنون «عَرَض الدنيا» حطامها بأخذ الفداء «والله يريد» لكم «الآخرة» أي ثوابها بقتلهم «والله عزيز حكيم» وهذا منسوخ بقوله (فإما منّا بعد وإما فداءً).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا ينبغي لنبي أن يكون له أسرى مِن أعدائه حتى يبالغ في القتل؛ لإدخال الرعب في قلوبهم ويوطد دعائم الدين، تريدون -يا معشر المسلمين- بأخذكم الفداء من أسرى "بدر" متاع الدنيا، والله يريد إظهار دينه الذي به تدرك الآخرة.

والله عزيز لا يُقْهر، حكيم في شرعه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث المستفيض عن القتال فى سبيل الله .

.

عقب - سبحانه - ذلك بالحديث عن بعض الأحكام التى تتعلق بالأسرى بمناسبة ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أسرى غزوة بدر من الكافرين ، فقال - تعالى - : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ .

.

.

غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ، ما أخرجه مسلم فى صحيح عن ابن عباس قال : حدثنى عمر بن الخطاب : " أنه لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً ، فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لى ما وعدتنى.

فقتل المسلمون من المشركين يومئذ سبعين وأسروا سبعين .قال ابن عباس : فلما اسروا الأسارى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبى بكر وعمر : ما ترون فى هؤلاء الأسارى؟

فقال أبو بكر : يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار فعسى أن يهديهم الله إلى الإِسلام .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ترى يا ابن الخطاب؟

قال : قلت لا والله يا رسول الله ، ما أرى الذى رأى أبو بكر ، ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه ، وتمكننى من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه ، - حتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا هوادة للمشركين : فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده .

فهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت :فلما كان من الغد جئت ، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان ، فقلت : يا رسول الله .

أخبرنى من أى شيئ بتكبى أنت وصاحبك .

فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبى على أصحابك من أخذهم الفداء عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله - عز وجل - : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض ) " إلخ الآيات .وروى الإِمام والترمذى عن عبد الله بن مسعود قال : " لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما تقولون فى هؤلاء الأسارى "؟

فقال أبو بكر : يا رسول الله!

قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم .وقال عمر : يا رسول الله!

كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم .وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ، أنت بواد كثير الحطب فأضرم الوادى عليهم ناراً ثم ألقهم فيه .قال : فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد شيئاً .

ثم قال فدخل فقال ناس : يأخذ بقول أبى بكر .

وقال ناس : يأخذ بقول عمر .

وقال ناس : يأخذ بقول ابن رواحة .ثم خرج عليهم رسول الله فقال : " إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين؛ ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وكمثل عيسى إذ قال : ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ) .وإن مثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال : ( رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ) ، وكمثل موسى إذ قال : ( رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم ) .ثم قال - صلى الله عليه وسلم - : " أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق " .قال ابن مسعود : فقلت يا رسول ، إلا سهيل بن بيضاء ، فإنه يذكر الإِسلام ، فسكت رسول الله ثم قال : " إلا سهيل بن بيضاء " .

وأنزل الله - عز وجل - ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض .

.

.

) "إلى آخر الآية .وقال ابن إسحاق - وهو يحكى أخبار غزوة بدر - : " فلما وضع القوم أيدهم يأسرون ورسوله الله - صلى الله عليه وسلم - فى العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوشحاً السيف ، فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ، يخافون عليه الكرة .

ورأى رسول الله - فيما ذكر لى - فى وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم "؟

فقال : أجل والله يا رسول الله : كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشكر ، فكان الإِثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال " .قوله : ( أسرى ) : جمع أسير كقتلى جمع قتيل .

وهو مأخوذ من الأسر بمعنى الشد بالإِسار أى : القيد به حتى لا يهرب ، ثم صار لفظ الأسير يطلق على كل من يؤخذ من فتنة فى الحرب ، ولو لم يشد بالإِسار .وقوله ( يُثْخِنَ ) من الثخانة وهى فى الأصل الغلظ والصلابة .

يقال : ثخن الشيئ يثخن ثخونة وثخانة وثخنا ، أى : غلظ وصلب فهو ثخين ، ثم استعمل فى النكاية والمبالغة فى قتل العدو فقيل : أثخن فلان فى عدوه .

أى : بالغ فى قتله وإنزال الجراحة الشديدة به ، لأنه بذلك بمنعه من الحركة فيصير كالثخين الذى لا يسيل ولا يتحرك .والمراد بالنبى فى قوله ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ) : نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما جئ باللفظ منكراً تلطفاً به - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يواجه بالعتاب .والمعنى : ما صح وما استقام لنبى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ( أَن يَكُونَ لَهُ أسرى ) من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شراً ( حتى يُثْخِنَ فِي الأرض ) أى : حتى يبالغ فى قتلهم ، وإنزاله الضربات الشديدة عليهم إذلالاً للكفر وإعزازا لدين الله .وقوله : ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة ) استئناف مسوق للعتاب .والعرض : ما لا ثبات له ولا دوام من الأشياء ، فكأنها تعرض ثم تزول ، والمراد بعرض الدنيا هنا : الفداء الذى أخذوه من أسرى غزوة بدر حتى يطلقوا سراحهم .تريدون - أيها المؤمنون - بأخذكم الفداء من أعدائكم الأسرى عرض الدنيا ومتاعها الزائل ، وحطامها الذى لا ثبات له ، والله - تعالى - يريد لكم ثواب الآخرة .فالكلام فى قوله : ( والله يُرِيدُ الآخرة ) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والإِرادة هنا بمعنى الرضا أى : والله - تعالى - يرضى لكم العمل الذى يجعلكم تظفرون بثوابه فى الآخرة ، وهو تفضيل إذلال الشرك على أخذ الفداء من أهله .وقوله : ( والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أى : والله - تعالى - ( عَزِيزٌ ) لا يغالب بل هو الغالب على أمره ( حَكِيمٌ ) فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه .فالآية الكريمة تعتب على المؤمنين ، لأنهم آثروا الفداء على القتال والإِثخان فى الأرض ، وذلك لأن غزوة بدر كانت أول معركة حاسمة بين الشرك والإيمان ، وكان المسلمون فيها قلة والمشركون كثرة ، فلو أن المسلمين آثروا المبالغة فى إذلال أعدائهم عن طريق القتل لكان ذلك أدعى لكسر شوكة الشرك وأهله ، وأظهر فى إذلال قريش وحلفهائها ، وأصرح فى بيان أن العمل على إعلاء كلمة الله كان عند المؤمنين فوق متع الدنيا واعرضها ، وأنهم لا يوادون من حارب الله ورسوله مهما بلغت درجة قرابته ، وهذا ما عبر عنه عمر - رضى الله عنه - بقوله : " وحتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا هوادة للمشركين " .والخلاصة أن غزوة بدر - بظروها وملابساتها التى سبق أن أشرنا إليها - كان الأولى بالمسلمين فيها أن يبالغوا فى قتل أعدائهم لا أن يقبلوا منهم فداء حتى يذلوها ويعجزوهم عن معاودة الكرة .ورضى الله - تعالى - عن " سعد بن معاذ " فقد هرت الكراهية على وجهه بسبب أخذ الفداء من الأسرى ، وقال - كما سبق أن بينا - : " كانت غزوة بدر - أول وقعة أوفعها الله بأهل الشرك ، فكان الإِثخان فى القتل أحب إلىّ من استبقاء الرجال " .قال الفخر الرازى : قال ابن عباس : هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوى سلطانهم أنزل الله بعد ذلك فى الأسارى ( حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ) ثم قال الرازى : وأقول : إن هذا الكلام يوهم أن قوله ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ) يزيد على حكم الآية التى نحن فى تفسيرها : وليس الأمر كذلك ، لأن الآيتين متوافقتان ، فإن كلتيهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإِثخان ثم بعده أخذ الفداء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن المقصود من هذه الآية تعليم حكم آخر من أحكام الغزو والجهاد في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمر ﴿ وَتَكُونُ ﴾ بالتاء والباقون بالياء، أما قراءة أبي عمرو بالتاء فعلى لفظ الأسرى، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير للرجال فهو مؤنث اللفظ، وأما القراءة بالياء فلأن الفعل متقدم، والأسرى مذكرون في المعنى، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من هذه الثلاثة إذا انفرد أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر قبيلتك وحضر القاضي امرأة.

فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى.

وقال صاحب الكشاف: قرئ للنبي صلى الله عليه وسلم على التعريف و ﴿ أسارى ﴾ و ﴿ يُثْخِنَ ﴾ بالتشديد.

المسألة الثانية: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك، فقام عمر وقال: كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم.

فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء.

فمكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ينسب له فنضرب أعناقهم.

فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ ومثل عيسى في قوله: ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم  ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّاراً  ﴾ ومثل موسى حيث قال: ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ  ﴾ » ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر.

روي أنه قال لعمر يا أبا حفص وذلك أول ما كناه، تأمرني أن أقتل العباس، فجعل عمر يقول: ويل لعمر ثكلته أمه، وروي أن عبد الله بن رواحة أشار بأن تضرم عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك.

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخرجوا أحداً منهم إلا بفداء أو بضرب العنق فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام.

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد خوفي.

ثم قال من بعد: إلا سهيل بن بيضاء وعن عبيدة السلماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم».

فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد.

وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً أو ستة دنانير.

وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ.

هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية.

المسألة الثالثة: تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى ﴾ صريح في أن هذا المعنى منهي عنه، وممنوع من قبل الله تعالى.

ثم إن هذا المعنى قد حصل، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ رَّحِيمٌ ياأيها النبى قُل لّمَن فِي أَيْدِيكُم مّنَ الاسرى  ﴾ الثاني: أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار، بل أسرهم، فكان الذنب لازماً من هذا الوجه.

الوجه الثاني: أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية.

الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء، وكان أخذ الفداء معصية، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الاخرة ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا هاهنا هو أخذ الفداء.

والثاني: قوله تعالى: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وأجمعوا على أن المراد بقوله: ﴿ أَخَذْتُمْ ﴾ ذلك الفداء.

الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء، وذلك يدل على أنه ذنب.

الوجه الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر» وذلك يدل على الذنب، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية.

والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولاً: أن قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ يدل على أنه كان الأسر مشروعاً، ولكن بشرط سبق الأثخان في الأرض، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس.

ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزاً بحكم هذه الآية، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنباً ومعصية؟

ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء  ﴾ .

فإن قالوا: فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزاً والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب لعقاب عليه، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب؟

فنقول: الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطاً بضابط معلوم معين، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضاً إلى الاجتهاد، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعاً في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.

فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنباً ولا معصية.

والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانياً أن نقول: إن ظاهر قوله تعالى: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأموراً أن يباشر قتل الكفار بنفسه، وإذا كان هذا الخطاب مختصاً بالصحابة، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر، كان الذنب صادراً منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم.

ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعاً عظيماً والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر، فزال هذا السؤال.

فإن قالوا: هب أن الأمر كذلك، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ .

قلنا: إن قوله: ﴿ فاضربوا ﴾ تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولاً له.

والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم؟

ولو كان ذلك النص متناولاً لتلك الحالة، لكان مع قيام النص القاطع تاركاً لحكمه وطالباً ذلك الحكم من مشاورة الصحابة، وذلك محال، وأيضاً فقوله: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ أمر، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجباً حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة، وهذا الجواب شاف.

والجواب عما ذكروه ثالثاً، وهو قولهم: إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء، وأخذ الفداء محرم.

فنقول: لا نسلم أن أخذ الفداء محرم.

وأما قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الاخرة ﴾ فنقول هذا لا يدل على قولكم، وبيانه من وجهين: الأول: أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقاً.

الثاني: أن أبا بكر رضي الله عنه قال الأولى: أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوى به على الدين، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني.

وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله تعالى: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

والجواب عما ذكروه رابعاً: أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل، واشتغل بالأسر استوجب العذاب، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفاً من نزول العذاب عليهم، ويحتمل أيضاً ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله: ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى.

والجواب عما ذكروه خامساً: أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر الله بالقتل، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة.

والله أعلم.

المسألة الرابعة: في شرح الألفاظ المشكلة في هذه الآية.

أما قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن تَكُونَ لَهُ أسرى ﴾ فلقائل أن يقول: كيف حسن إدخال لفظة كان على لفظة تكون في هذه الآية.

والجواب: قوله: ﴿ مَا كَانَ ﴾ معناه النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يكون له المعنى المذكور ونظيره ما كان لله أن يتخذ من ولد قال أبو عبيدة.

يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكون لك، وأما من قرأ ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ ﴾ فمعناه: أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عليه الصلاة والسلام.

قال الزجاج: ﴿ أسرى ﴾ جمع، و ﴿ أسارى ﴾ جمع الجمع.

قال ولا أعلم أحداً قرأ ﴿ أسارى ﴾ وهي جائزة كما نقلنا عن صاحب الكشاف: أنه نقل أن بعضهم قرأ به وقوله: ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته، يقال: قد أثخنه المرض إذا اشتد قوة المرض عليه، وكذلك أثخنه الجراح، والثخانة الغلظة فكل شيء غليظ، فهو ثخين.

فقوله: ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ معناه حتى يقوى ويشتد ويغلب ويبالغ ويقهر، ثم إن كثيراً من المفسرين.

قالوا المراد منه: أن يبالغ في قتل أعدائه.

قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل.

قال الشاعر: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى *** حتى يراق على جوانبه الدم ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة، وذلك يمنع من الجراءة، ومن الإقدام على ما لا ينبغي، فلهذا السبب أمر الله تعالى بذلك.

البحث الثاني: أن كلمة ﴿ حتى ﴾ لانتهاء الغاية.

فقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض له أن يقدم على الأسر.

أما قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا ﴾ فالمراد الفداء، وإنما سمى منافع الدنيا ومتاعها عرضاً، لأنه لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها مع كون الأجسام باقية، ثم قال: ﴿ والله يُرِيدُ الاخرة ﴾ يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة عن التبديل والزوال.

واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: لا كائن من العبد إلا والله يريده لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونص الله على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان.

وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا: إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة، وعملاً جائزاً مأذوناً.

ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر طاعة، نفي كونه مراد الوجود، وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات.

ثم قال: ﴿ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب حكيم في تدبير مصالح العالم.

قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر، لأن المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى ﴿ حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا  ﴾ وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء ﴾ يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان، فإن كلتاهما يدلان على أنه لابد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

واعلم أنه كثر أقاويل الناس في تفسير هذا الكتاب السابق.

ونحن نذكرها ونذكر ما فيها من المباحث: فالقول الأول: وهو قول سعيد بن جبير وقتادة لولا كتاب من الله سبق يا محمد بحل الغنائم لك ولأمتك، لمسكم العذاب.

وهو مشكل لأن تحليل الغنائم والفداء هل كان حاصلاً في ذلك الوقت، أو ما كان حاصلاً في ذلك الوقت؟

فإن كان التحليل والإذن حاصلاً في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم، لأن ما كان مأذوناً فيه من قبل لم يحصل العقاب على فعله، وإن قلنا: إن الإذن ما كان حاصلاً في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً في ذلك الوقت أقصى ما في الباب أنه كان في علم الله أنه سيحكم بحله بعد ذلك إلا أن هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت.

فإن قالوا: إن كونه بحيث سيصير حلالاً بعد ذلك يوجب تخفيف العقاب.

قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب.

القول الثاني: قال محمد بن إسحاق: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ ﴾ إني لا أعذب إلا بعد النهي لعذبتكم فيما صنعتم، وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء، وهذا أيضاً ضعيف لأنا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء، فهل حصل دليل عقلي يقتضي حرمته أم لا؟

فإن قلنا حصل، فيكون الله تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك الدليل العقلي، ولا يمكن أن يقال إنه تعالى لم يبين تلك الحرمة، وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشرع ما يقتضي المنع، فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلاً، وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإذا لم يكن المنع حاصلاً كان الإذن حاصلاً، وإذا كان الإذن حاصلاً، فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟

القول الثالث: قال قوم قد سبق حكم الله بأنه لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضاً مشكل لأنه يقتضي أن يقال: إنهم ما منعوا عن الكفر والمعاصي والزنا والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على هذه القبائح، وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل.

وأيضاً فلو صار كذلك، فكيف آخذهم الله تعالى في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوي؟

والقول الرابع: لولا كتاب من الله سبق في أن من أتى ذنباً بجهالة، فإنه لا يؤاخذه به لمسهم العذاب، وهذا من جنس ما سبق.

واعلم أن الناس قد أكثروا فيه، والمعتمد في هذا الباب أن نقول: أما على قولنا: فنقول: يجوز أن يعفو الله عن الكبائر.

فقوله: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ ﴾ معناه لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة  ﴾ ومن قوله: سبقت رحمتى غضبي وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ ﴾ في أن من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم، وهذا الحكم وإن كان ثابتاً في حق جميع المسلمين، إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إن الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب، فلا جرم صار هذا الذنب مغفوراً، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفوراً، فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص.

ثم قال تعالى: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالا طَيّباً ﴾ روى أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت هذه الآية.

وقيل هو إباحة الفداء.

فإن قيل: ما معنى الفاء في قوله: ﴿ فَكُلُواْ ﴾ .

قلنا التقدير: قد أبحت لكم الغنائم ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالا ﴾ نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر، أي أكلاً حلالاً ﴿ واتقوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والمعنى: واتقوا الله فلا تقدموا على المعاصي بعد ذلك، واعلموا أن الله غفور ما أقدمتم عليه في الماضي من الزلة، رحيم ما أتيتم من الجرم والمعصية، فقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ إشارة إلى لمستقبل.

وقوله: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ إشارة إلى الحالة الماضية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ للنبي ﴾ ، على التعريف وأسارى.

ويثخن، بالتشديد.

ومعنى الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم: أثخنته الجراحات إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة.

وأثخنه المرض إذا أثقله من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، يعني حتى يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر.

ثم الأسر بعد ذلك.

ومعنى ﴿ مَا كَانَ ﴾ ما صح له وما استقام، وكان هذا يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء ﴾ [محمد: 4] وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتي بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب، فاستشار أبا بكر رضي الله عنه فيهم فقال: قومك وأهلك استبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك.

وقال عمر رضي الله عنه: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء: مكن علياً من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان لنسيب له، فلنضرب أعناقهم.

فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ﴾ [نوح: 26] ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق» وروي: أنه قال لهم: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدّتهم، فقالوا: بل نأخذ الفداء، فاستشهدوا بأحد، وكان فداء الأسارى عشرين أوقية، وفداء العباس أربعين أوقية.

وعن محمد بن سيرين: كان فداؤهم مائة أوقية، والأوقية أربعون درهماً وستة دنانير.

وروي: أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة- لشجرة قريبة منه- وروى أنه قال: لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ، رضي الله عنهما، لقوله كان الإثخان في القتل أحب إليّ ﴿ عَرَضَ الدنيا ﴾ حطامها، سمى بذلك لأنه حدث قليل اللبث، يريد الفداء ﴿ والله يُرِيدُ الأخرة ﴾ يعني ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل وقرئ: ﴿ يريدون ﴾ ، بالياء وقرأ بعضهم ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ ؛ بجرّ الآخرة على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله كقوله: أَكُلَّ امرئ تَحْسبِينَ امْرَأ ** وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَاً ومعناه والله يريد عرض الآخرة.

على التقابل، يعني ثوابها ﴿ والله عَزِيزٌ ﴾ يغلب أولياءه على أعدائه ويتكنون منهم قتلاً وأسراً ويطلق لهم الفداء، ولكنه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يؤخر ذلك إلى أن يكثروا ويعزوا وهم يعجلون ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ ﴾ لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحد بخطأ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد؛ لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم وأفل لشوكتهم.

وقيل: كتابه أنه سيحل لهم الفدية التي أخذوها.

وقيل: إن أهل بدر مغفور لهم.

وقيل: إنه لا يعذب قوماً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي، ولم يتقدم نهي عن ذلك ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ ﴾ روي: أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدّوا أيديهم إليها، فنزلت.

وقيل: هو إباحة للفداء، لأنه من جملة الغنائم ﴿ واتقوا الله ﴾ فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ ﴾ وقُرِئَ « لِلنَّبِيِّ» عَلى العَهْدِ.

﴿ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى ﴾ وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِالتّاءِ.

﴿ حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ يُكْثِرَ القَتْلَ ويُبالِغَ فِيهِ حَتّى يَذِلَّ الكُفْرُ ويَقِلَّ حِزْبُهُ ويَعِزَّ الإسْلامُ ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ، مِن أثْخَنَهُ المَرَضُ إذا أثْقَلَهُ وأصْلُهُ الثَّخانَةُ، وقُرِئَ « يُثَخِّنَ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ﴾ حُطامَها بِأخْذِكُمُ الفِداءَ.

﴿ واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ يُرِيدُ لَكم ثَوابَ الآخِرَةِ أوْ سَبَبَ نَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ مِن إعْزازِ دِينِهِ وقَمْعِ أعْدائِهِ.

وقُرِئَ بِجَرِّ (الآخِرَةِ) عَلى إضْمارِ المُضافِ كَقَوْلِهِ: أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً.

.

.

ونارٌ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ يُغَلِّبُ أوْلِياءَهُ عَلى أعْدائِهِ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِكُلِّ حالٍ ويَخُصُّهُ بِها، كَما أمَرَ بِالإثْخانِ ومَنَعَ عَنِ الِافْتِداءِ حِينَ كانَتِ الشَّوْكَةُ لِلْمُشْرِكِينَ وخَيَّرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَنِّ لَمّا تَحَوَّلَتِ الحالُ وصارَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى يَوْمَ بَدْرٍ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ فاسْتَشارَ فِيهِمْ فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي بِها أصْحابَكَ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اضْرِبْ أعْناقَهم فَإنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، مَكِّنِي مِن فُلانٍ - لِنَسِيبٍ لَهُ- ومَكِّنْ عَلِّيًا وحَمْزَةَ مِن أخَوَيْهِما فَلْنَضْرِبْ أعْناقَهم، فَلَمْ يَهْوَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ  وقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللِّينِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مِثْلَكَ يا أبا بَكْرٍ مِثْلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ومِثْلَكَ يا عُمَرُ مِثْلُ نُوحٍ قالَ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ فَخَيَّرَ أصْحابَهُ فَأخَذُوا الفِداءَ، فَنَزَلَتْ فَدَخَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ فَقالَ: « يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي فَإنْ أجِدُ بُكاءً بِكَيْتُ وإلّا تَباكَيْتُ فَقالَ: ابْكِ عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ، لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ» .

والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجْتَهِدُونَ وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَطَأً ولَكِنْ لا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} ما صح له ولا استقام {أَن يَكُونَ لَهُ أسرى} أَن تَكُونَ بصري {حتى يُثْخِنَ فِي الأرض} الإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه من الثخانة وهى الغلط والكثافة يعنى حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر ثم الأسر بعد ذلك روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل فاستشار النبي عليه السلام أبا بكر فيهم فقال قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك وقال عمرو رضى الله عنه كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء مكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم فقال عليه السلام مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم حيث قال وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غفور رحيم ومثلك يا عمر كمثل نوح حيث قال رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين ديارا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم فقالوا بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد فلما أخذوا الفداء نزلت الآية {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا} متاعها يعني الفداء سماه عرضا لقلة بقائه وسرعة فناءه

{والله يُرِيدُ الآخرة} أي ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل {والله عَزِيزٌ} يقهر الأعداء {حَكِيمٌ} في عتاب الاولياء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ ﴾ قَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو حَيْوَةَ ( لِلنَّبِيِّ ) بِالتَّعْرِيفِ والمُرادُ بِهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُرادُ أيْضًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عِنْدَ البَعْضِ، وإنَّما عَبَّرَ بِذَلِكَ تَلَطُّفًا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى لا يُواجَهُ بِالعِتابِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ ذاكَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لِأصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ( ﴿ تُرِيدُونَ ﴾ ) ولَوْ قُصِدَ بِخُصُوصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَقِيلَ: تُرِيدُ، ولِأنَّ الأُمُورَ الواقِعَةَ في القِصَّةِ صَدَرَتْ مِنهم لا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ العُمُومُ ولا يَبْعُدُ اعْتِبارُهُ عَلى القِراءَةِ الأُخْرى أيْضًا وهو أبْلَغُ لِما فِيهِ مِن بَيانِ أنَّ ما يُذْكَرُ سَنَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى ﴾ .

قَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ ( تَكُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ اعْتِبارًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قَرَأ أيْضًا ( أُسارى ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقِراءَةُ الجَماعَةِ أقْيَسُ لِأنَّ أسِيرًا فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمُطَّرِدُ فِيهِ جَمْعُهُ عَلى فَعْلى كَجَرِيحٍ وجَرْحى وقَتِيلٍ وقَتْلى، ولِذا قالُوا في جَمْعِهِ عَلى أُسارى: إنَّهُ عَلى تَشْبِيهِ فَعِيلٍ بِفَعْلانَ كَكَسْلانَ وكُسالى، وهَذا كَما قالُوا كَسْلى تَشْبِيهًا لِفَعْلانَ بِفَعِيلٍ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الخَلِيلِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّهُ جَمْعُ أسْرى فَيَكُونُ جَمْعَ الجَمْعِ، واخْتارَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ وقالَ: إنَّ فَعْلى جَمْعٌ لِكُلِّ مَن أُصِيبَ في بَدَنِهِ أوْ في عَقْلِهِ كَمَرِيضٍ ومَرْضى وأحْمَقَ وحَمْقى ﴿ حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ أيْ يُبالِغَ في القَتْلِ ويُكْثِرَ مِنهُ حَتّى يَذِلَّ الكَفْرُ ويَقِلَّ حِزْبُهُ ويَعِزَّ الإسْلامُ ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ، وأصْلُ مَعْنى الثَّخانَةِ الغِلَظُ والكَثافَةُ في الأجْسامِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْمُبالَغَةِ في القَتْلِ والجِراحَةِ لِأنَّها لِمَنعِها مِنَ الحَرَكَةِ صَيَّرَتْهُ كالثَّخِينِ الَّذِي لا يَسِيلُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِعارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المُبالَغَةِ المَذْكُورَةِ بِالثَّخانَةِ في أنَّ في كُلٍّ مِنهُما شِدَّةً في الجُمْلَةِ، وذَكَرَ في الأرْضِ لِلتَّعْمِيمِ، وقُرِئَ ( يُثَخِّنَ ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في المُبالَغَةِ ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْعِتابِ، والعَرَضُ ما لا ثَباتَ لَهُ ولَوْ جِسْمًا، وفي الحَدِيثِ «الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ» أيْ لا ثَباتَ لَها، ومِنهُ اسْتَعارُوا العَرَضَ المُقابِلَ لِلْجَوْهَرِ، أيْ تُرِيدُونَ حُطامَ الدُّنْيا بِأخْذِكُمُ الفِدْيَةَ، وقُرِئَ ( يُرِيدُونَ ) بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ أيْ يُرِيدُ لَكم ثَوابَ الآخِرَةِ أوْ سَبَبَ نَيْلِ الآخِرَةِ مِنَ الطّاعَةِ بِإعْزازِ دِينِهِ وقِمْعِ أعْدائِهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وذِكْرِ نَيْلٍ في الِاحْتِمالِ الثّانِي قِيلَ: لِلتَّوْضِيحِ لا لِتَقْدِيرِ مُضافَيْنِ، والإرادَةُ هُنا بِمَعْنى الرِّضا، وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ، وزِيادَةُ لَكم لِأنَّهُ المُرادُ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ جَمّازٍ المَدَنِيُّ ( الآخِرَةِ ) بِالجَرِّ وخَرَجَتْ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإبْقاءِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى جَرِّهِ، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ عَرَضَ الآخِرَةِ وهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ وإلّا فَلا يَحْسُنُ لِأنَّ أُمُورَ الآخِرَةِ مُسْتَمِرَّةٌ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ المُضافَ المَحْذُوفَ عَلى القِراءَةِ الأُولى ذَلِكَ لِذَلِكَ أيْضًا لَمْ يَبْعُدْ، وقَدَّرَ بَعْضُهم هُنا كَما قَدَّرْنا هُناكَ مِنَ الثَّوابِ أوِ السَّبَبِ، ونَظِيرُ ما ذُكِرَ قَوْلُهُ: أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٌ تُوقَدُ في اللَّيْلِ نارًا فِي رِوايَةٍ مَن جَرَّ نارٍ الأُولى، وأبُو الحَسَنِ يَحْمِلُهُ عَلى العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ يَغْلِبُ أوْلِياءَهُ عَلى أعْدائِهِ ( ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ) يَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِكُلِّ حالٍ ويَخُصُّهُ بِها كَما أمَرَ بِالإثْخانِ ونَهى عَنْ أخْذِ الفِدْيَةِ حَيْثُ كانَ الإسْلامُ غَضًّا وشَوْكَةُ أعْدائِهِ قَوِيَّةً، وخَيَّرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَنِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ لَمّا تَحَوَّلَتِ الحالُ واسْتَغْلَظَ زَرْعُ الإسْلامِ واسْتَقامَ عَلى سُوقِهِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ”«لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالأُسارى وفِيهِمُ العَبّاسُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى؟

فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمَكَ وأهْلَكَ اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وقاتَلُوكَ قَدِّمْهم فاضْرِبْ أعْناقَهم، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نارًا، فَقالَ العَبّاسُ وهو يَسْمَعُ ما يَقُولُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوّاحَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ:“ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ومَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ إذْ قالَ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَفْلِتَنَّ أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَما رَأيْتُنِي في يَوْمٍ أخْوَفَ مِن أنْ تَقَعَ عَلَيَّ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ مِنِّي في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ ”» .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما:“ «قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ  وأبُو بَكْرٍ قاعِدانِ يَبْكِيانِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي مِن أيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أنْتَ وصاحِبُكَ فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بِكَيْتُ وإنْ لَمْ أجِدْ تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أبْكِي عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ“» .

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ يَجْتَهِدُونَ وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ الوَحْيُ عَلى خِلافِهِ ولا يَقَرُّونَ عَلى الخَطَأِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها إنَّما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ في ( ما كانَ لِنَبِىٍّ ) لِأصْحابِ نَبِيٍّ ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ الإذْنَ لَهم فِيما اجْتَهَدُوا فِيهِ اجْتِهادٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَقْلِيدًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وأمّا أنَّها إنَّما تَدُلُّ عَلى اجْتِهادٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَقْلِيدًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وأمّا إنَّها إنَّما تَدُلُّ عَلى اجْتِهادِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا اجْتِهادِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَغَيْرُ وارِدٍ لِأنَّهُ إذا جازَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جازَ لِغَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى، وتَمامُ البَحْثِ في كُتُبِ الأُصُولِ، لَكِنْ بَقِيَ هَهُنا شَيْءٌ وهو أنَّهُ قَدْ جاءَ مَنِ اجْتَهَدَ وأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ ومَنِ اجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْرانِ إلى عَشَرَةِ أُجُورٍ، فَهَلْ بَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ مِن ثُبُوتِ الأجْرِ الواحِدِ لِلْمُجْتَهِدِ المُخْطِئِ وبَيْنَ عِتابِهِ عَلى ما يَقَعُ مِنهُ مُنافاةٌ أمْ لا؟

لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، وإذا قِيلَ: بِالأوَّلِ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى يقول: ما ينبغي وما يجوز للنبيّ أن يبيع الأسارى، يقول: لا يقبل الفدية عن الأسارى، ولكن السيف حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، يعني: حتى يغلب في الأرض على عدوه.

قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: فَانٍ تَكُنْ كلاهما بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ جماعة العدد مؤنث، وقرأ أبو عمرو الأولى خاصة بالياء، والأخرى بالتاء.

وقرأ الباقون كلاهما بالتاء بلفظ التذكير، لأن الفعل مقدم.

وقرأ حمزة وعاصم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً بنصب الضاد وجزم العين، وقرأ الباقون بضم الضاد، ومعناهما واحد: ضَعْف وضِعْف، وهما لغتان.

وقرأ بعضهم ضعفا بضم الضاد ونصب العين، وهي قراءة أبي جعفر المدني يعني: عجزة.

قوله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، يعني: الفداء وروي عن ابن عباس قال: «لما أسروا الأسارى، قال رسول الله  لأبي بكر وعمر  ما: «ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسَارَى» ؟

قال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى لهم أن تأخذ منهم الفدية فتكون لنا عدة على الكفار، ولعل الله يهديهم الإسلام.

وقال عمر: أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم.

فهم رسول الله  أن يفعل ما قال أبو بكر، قال عمر: فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله  ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله، من أي شيء تبكي؟

فقال: «أبْكِي لِلَّذِي عُرِضَ عَلَيَّ لأَصْحَابِكَ مِنْ أخْذِهِمُ الفِدَاءَ» .

فنزل مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وروي عن رسول الله  أنه قال: «لَوْ نَزَلَ من السماء عذاب ما نَجَا مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ عُمَرَ» .

قرأ أبو عمرو أَن تَكُونَ لَهُ أسرى بلفظ التأنيث، والباقون بالياء بلفظ التذكير، لأن الفعل مقدم.

ثم قال: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، يعني: عزة الدين.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ في أمره.

قوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ، يقول: لولا أن الله أحلّ الغنائم لأمة محمد  لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ يعني: لأصابكم فيما أخذتم من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ، ثم طيّبها- وأحلها لهم فقال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً.

وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: «لم تحل الغنيمة لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان تنزل نار من السماء فتأكلها، حتى كان بدر، فوقعوا في الغنائم فأحلت لهم» فأنزل الله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وقال النبيّ  : «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَها أَحَدٌ قَبْلِي، بُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، وَجُعِلَتْ لِي شَفَاعَةٌ لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (١) وللآية وجه آخر.

روى الضحاك في قوله تعالى: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وذلك: أنه لما كان يوم بدر ووقعت الهزيمة على المشركين، أسرع أصحاب رسول الله  في أخذ أسلاب المشركين ممن قتل يوم بدر، وأخذ الغنائم وفداء الأسرى وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال، فقال عمر  : يا رسول الله، ألا ترى إلى ما يصنع أصحابك؟

تركوا قتال العدو، وأقبلوا على أسلابهم، وإني أخاف أن تعطف عليهم خيل من خيل المشركين فنزل: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، يعني: أتطلبون الغنائم وتتركون القتال وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، يعني: قهر المشركين وإظهار الإسلام، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يعني: لولا ما سبق في الكتاب أن الغنائم تحلّ لهذه الأمة، لأصابكم عَذابٌ عَظِيمٌ وقال النبيّ  : «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا أَحَدٌ غَيْرُ عُمَرَ، لأَنَّهُ لَمْ يترك القتال» (٢) وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال: سبقت من الله الرحمة لهذه الأمة قبل أن يعملوا بالمعصية» وقال الحسن: سبقت المغفرة لأهل بدر.

وعن الحسن أنه قال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال: في الكتاب السابق من الله تعالى أن لا يعذب قوماً إلا بعد قيام الحجة عليهم.

وقال سعيد بن جبير: لَوْلاَ ما سبق لأهل بدر من السعادة، لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ.

ويقال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أن لا يعذب قوماً، حتى يبين لهم ما يتقون.

ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اتقوا الله فيما أمركم به ولا تعصوه.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، متجاوز يعني: ذو تجاوز فيما أخذتم من الغنيمة قبل حلها رَحِيمٌ إذ أحلها لكم.

(١) حديث أبي ذر: أخرجه أحمد: 5/ 148 وصححه الحاكم 2/ 413 ووافقه الذهبي.

والبزار (3461) وفي الباب حديث جابر عند البخاري (335) و (438) و (3122) ومسلم (521) وأحمد 3/ 304 والنسائي: 1/ 210 والبغوي (3616) .

(٢) أخرجه السيوطي: 3/ 203 والقرطبي: 8/ 47 والطبراني: 10/ 34.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الفَرْضَ إِلى ثبوتِ الواحِدِ للاثنَيْنِ، وهذا هو نَسْخُ الأَثْقَلِ بالأَخَفِّ «١» ، وقوله: لاَّ يَفْقَهُونَ: معناه: لا يفهمون مراشِدَهم، ولا مَقْصِدَ قتالهم، لا يريدون به إِلا الغلبةَ الدنيويَّة، فهم يخافُونَ المَوْت إِذا صُبَر لهم، ومَنْ يقاتلْ ليَغْلِبَ، أَو يُسْتشهد، فيصير إِلى الجنة، أثبَتُ قدماً لا محالة.

وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: لفظُ خبرٍ في ضمنه وعْدٌ وحضٌّ على الصبر، ويُلْحَظُ منه وعيدٌ لمن لم يَصْبِرْ بأنه يغلب.

وقوله سبحانه: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ...

الآية: قال ع «٢» : هذه آية تتضمَّن عندي معاتَبةً مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ لأصحاب نبيِّه عليه السلام والمعنى: ما كان ينبغي لكُمْ أَنْ تفعلوا هذا الفعْلَ الذي أوْجَبَ أن يكون للنبيِّ أَسْرَى قبل الإِثخان ولذلك استمرَّ الخطابُ لهم ب تُرِيدُونَ والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر باستبقاء الرِّجَالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أراد صلّى الله عليه وسلّم قَطُّ عَرَضَ الدنيا، وإِنما فعله جمهورُ مُبَاشِرِي الحرب، وجاء ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الآية مشيراً إِلى دخوله عليه السلام في العَتْبِ حين لم يَنْهَ عن ذلك حين رآه من العَرِيشِ، وأنْكَره سعْدُ بْنُ معاذ، ولكنّه صلّى الله عليه وسلّم شَغَلَهُ بَغْتُ الأمر، وظهورُ النصر عن النهْي ومَرَّ كثيرٌ من المفسِّرين على أنَّ هذا التوبيخَ إنما كان بسبب إشارة مَنْ أشار على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأخذ الفدْيَةِ، حين استشارهم في شأن الأَسرَى، والتأويل الأول أَحْسَنُ، والإِثخانُ: هو المبالغةُ في القَتْل والجراحةِ، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، أي: مالها الذي يعز وَيَعْرِضُ، والمراد: ما أُخِذَ من الأسرى من الأموال، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، أيْ: عمل الآخرة، وذكَر الطبريُّ وغيره أن رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قال للنّاس: «إن

شِئْتُمْ، أَخَذْتُمْ فِدَاءَ الأسرى، وَيُقْتَلُ مِنْكُمْ في الحَرْبِ سَبْعُونَ على عَدَدِهِمْ، وإِنْ شِئْتُمْ، قُتِلُوا وَسَلِمْتُمْ، فَقَالُوا: نَأْخُذُ المَالَ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا» «١» ، وذكر عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ «٢» بسنده أَنَّ جبريلَ نَزَلَ على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بتخْيِيرِ النَّاسِ هكذا وعَلَى هذا، فالأمر في هذا التخيير مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فإِنه إِعلامٌ بغيب، وإِذا خُيِّروا رضي اللَّه عنهم، فكيف يقع التوبيخُ بعدُ بقوله تعالى:

لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فهذا يدُّلك على صحَّة ما قدَّمناه، أنَّ العتب لهم إِنما هو على استبقاءِ الرجالِ وقْتَ الهزيمةِ رغبةً في أخْذ المال، وهو الذي أقولُ به، وذكر المفسِّرون أيضاً في هذه الآيات تحليلَ/ المَغَانِمِ، ولا أَقولُ ذلك لأن تحليل المغانم قد تقدَّم قبْل بَدْرٍ في السَّرِيَّة التي قُتِلَ فيها ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإِنما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ استبقاء الرِّجَال لأجل المال، والذي مَنَّ اللَّه به فيها: إِلحاق فدية الكافر بالمغانمِ التي تقدَّم تحليلها، وقوله سبحانه: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ...

الآية: قال ابن عبَّاس، وأبو هريرة، والحَسَن، وغيرهم: الكِتَابُ: هو ما كان اللَّه قَضَاهُ في الأَزَلِ مِنْ إِحلالِ الغنائمِ والفداءِ لهذه الأمة، وقال مجاهد وغيره: الكتابُ السابق: مغفرةُ اللَّهِ لأهْلِ بدر، وقيل:

الكتاب السابقُ: هو ألاَّ يعذب اللَّه أحداً بذَنْبٍ إِلا بعد النَّهْيِ عنه، حكاه «٣» الطبريُّ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكام القُرآن» : وهذه الأقوالُ كلُّها صحيحةٌ ممكنَةٌ، لكن أقواها ما سبق مِنْ إِحلال الغنيمة، وقد كانوا غَنِمُوا أوَّلَ غنيمة في الإسلام حين أرسل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَبْدَ اللَّه بْنَ جَحْش «٤» .

انتهى، ورُوِيَ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَوْ نَزَلَ في هَذَا الأَمْرِ عَذَابٌ، لَنَجَا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب» «٥» ، وفي حديث آخر: «وسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» وذلك أن رأيهما كان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( ما كانَ لَنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ) رَوى مُسْلِمٌ في إفْرادِهِ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَتَلَ مِنهم سَبْعُونَ وأسَرَ مِنهم سَبْعُونَ، اسْتَشارَ النَّبِيُّ  أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَؤُلاءِ بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ والإخْوانِ، وإنِّي أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهُمُ الفِدْيَةَ، فَيَكُونُ ما أخَذْنا مِنهم قُوَّةً لَنا عَلى الكُفّارِ، وعَسى أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ فَيَكُونُوا لَنا عَضُدًا.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ "ما تَرى يا ابْنَ الخَطّابِ"؟

قُلْتُ: واللَّهِ ما أرى ما رَأى أبُو بَكْرٍ، ولَكِنْ أرى أنْ تُمَكِّنَنِي مِن فُلانٍ، قَرِيبٍ لِعُمَرَ، فَأضْرِبُ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ حَمْزَةُ مِن أخِيهِ فَلانٍ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، حَتّى يَعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِنا هَوادَةٌ لَلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنادِيدُهم وأئِمَّتُهم وقادَتُهم.

فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ، فَأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ.

فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ، غَدَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَإذا هو قاعِدٌ وأبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ وهُما يَبْكِيانِ.

فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي ماذا يُبْكِيكَ أنْتَ وصاحِبُكَ؟

فَإنْ وجَدْتَ بُكاءً بِكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ.

فَقالَ النَّبِيُّ  "أبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابَكَ مِنَ الفِداءِ.

لَقَدْ عَرَضَ عَلَيَّ عَذابَكم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ" لَشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى ﴾ إلى قَوْلِهِ "عَظِيمٌ" .» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أشارَ عُمَرُ بِقَتْلِهِمْ، وفاداهم رَسُولُ اللَّهِ  ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى "ما كانَ لِنَبِيٍّ" إلى قَوْلِهِ "حَلالًا طَيِّبًا"، فَلَقِيَ النَّبِيُّ  عُمَرَ، فَقالَ "كادَ يُصِيبُنا في خِلافِكَ بَلاءٌ" .» فَأمّا الأسْرى، فَهو جَمْعُ أسِيرٍ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (البَقَرَةِ:٨٥) والجُمْهُورُ قَرَؤُوا "أنْ يَكُونَ" بِالياءِ لِأنَّ الأسْرى مُذَكَّرٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "أنْ تَكُونَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُنِّثَ عَلى لَفْظِ الأسْرى، لِأنَّ الأسْرى وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّذْكِيرُ والرِّجالُ فَهو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ.

والأكْثَرُونَ قَرَؤُوا "أسْرى" وكَذَلِكَ "لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى" .

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والمُفَضَّلُ "أسارى" في المَوْضِعَيْنِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو، وأبانُ في الثّانِي.

قالَ الزَّجّاجُ: والإثْخانُ في كُلِّ شَيْءٍ: قُوَّةُ الشَّيْءِ وشِدَّتُهُ.

يُقالُ: قَدْ أثْخَنَهُ المَرَضُ: إذا اشْتَدَّتْ قُوَّتُهُ عَلَيْهِ.

والمَعْنى: حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ أعْدائِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَتَمَكَّنَ في الأرْضِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الآَيَةِ: ما كانَ لَنَبِيٍّ أنْ يَحْبِسَ كافِرًا قَدَرَ عَلَيْهِ لَلْفِداءِ أوِ المَنِّ قَبْلَ الإثْخانِ في الأرْضِ.

وكانَتْ غُزاةُ بَدْرٍ أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ أثْخَنَ في الأرْضِ بَعْدُ.

﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ﴾ وهو المالُ.

وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ  ، قَدْ فادُوا يَوْمَئِذٍ بِأرْبَعَةِ آَلافٍ أرْبَعَةَ آَلافٍ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُرِيدُ لَكُمُ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُرِيدُ العَمَلَ بِما يُوجِبُ ثَوابَ الآَخِرَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

* فَصْلٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ في آَ خَرِينِ: أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً  ﴾ ، ولَيْسَ لَلنَّسَخِ وجْهٌ، لِأنَّ غُزاةَ بَدْرٍ كانَتْ وفي المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ؛ فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم، نَزَلَتِ الآَيَةُ الأُخْرى، ويُبَيِّنُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُنْيا واللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ عِنْدِي- مُعاتَبَةً مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِأصْحابِ نَبِيِّهِ  ، والمَعْنى: ما كانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ تَفْعَلُوا هَذا الفِعْلَ الَّذِي أوجَبَ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ أسْرى قَبْلَ الإثْخانِ، والإخْبارُ هو لَهُمْ، ولِذَلِكَ اسْتَمَرَّ الخِطابُ بِـ ( تُرِيدُونَ )، والنَبِيُّ  لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِجالِ وقْتَ الحَرْبِ ولا أرادَ قَطُّ عَرْضَ الدُنْيا، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وجاءَ ذِكْرُ النَبِيِّ  في الآيَةِ مُشِيرًا إلى دُخُولِهِ  في العُتْبِ حِينَ لَمْ يَنْهَ عن ذَلِكَ حِينَ رَآهُ مِنَ العَرِيشِ، وأنْكَرَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، ولَكِنَّهُ  شَغَلَهُ بَغْتُ الأمْرِ وظُهُورُ النَصْرِ، فَتَرَكَ النَهْيَ عَنِ الِاسْتِبْقاءِ، ولِذَلِكَ بَكى  وأبُو بَكْرٍ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومَرَّ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَوْبِيخَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إشارَةِ مَن أشارَ عَلى النَبِيِّ  بِأخْذِ الفِدْيَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  «لَمّا جَمَعَ أسْرى بَدْرٍ اسْتَشارَ فِيهِمْ أصْحابَهُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ: يا رَسُولَ اللهِ هم قَرابَتُكَ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يَهْدِيَهم بَعْدُ إلى الإسْلامِ، فَفادِهِمْ واسْتَبَقِهِمْ ويَتَقَوّى المُسْلِمُونَ بِأمْوالِهِمْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لا يا رَسُولَ اللهِ، بَلْ نَضْرِبُ أعْناقَهم فَإنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ: بَلْ نَجْعَلُهم في وادٍ كَثِيرِ الحَطَبِ ثُمَّ نُضْرِمُهُ عَلَيْهِمْ نارًا، وقَدْ كانَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ قالَ: وهو مَعَ رَسُولِ اللهِ  في العَرِيشِ وقَدْ رَأى الأسْرَ: لَقَدْ كانَ الإثْخانُ في القَتْلِ أحَبَّ إلَيَّ مِنِ اسْتِبْقاءِ الرِجالِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ  بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ومالَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» مُخْبِرَةً أنَّ الأولى والأهْيَبَ عَلى سائِرِ الكُفّارِ كانَ قَتْلَ أسْرى بَدْرٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم نَزَلَ في الأسْرِ: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً  ﴾ ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا تَكَلَّمَ أصْحابُهُ في الأسْرى بِما ذُكِرَ دَخَلَ ولَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى يُلَيِّنُ قُلُوبُ رِجالٍ ويُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، ومَثَلُ عِيسى قالَ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  ﴾ ، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مِثْلُ نُوحٍ قالَ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا  ﴾ ، ومَثَلَ مُوسى قالَ: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ  ﴾ ،» ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "أنْتُمُ اليَوْمَ فَلا يُفْلِتَنَّ مِنهم رَجُلٌ إلّا بِفِدْيَةٍ أو ضَرْبِ عُنُقٍ"،» وفي هَذا الحَدِيثِ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَهَوى رَسُولُ اللهِ  ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ حُجَّةٌ عَلى ذِكْرِ "الهَوى" في الصَلاحِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ" "ما كانَ لِلنَّبِيِّ" مُعَرَّفًا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِنَبِيٍّ"، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وحْدَهُ: "أنْ تَكُونَ" عَلى تَأْنِيثِ العَلامَةِ مُراعاةً لِلَفْظِ الأسْرى، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ يَكُونَ" بِتَذْكِيرِ العَلامَةِ مُراعاةً لِمَعْنى الأسْرى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والسَبْعَةُ: "أسْرى"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "أُسارى" ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.

والقِياسُ والبابُ أنْ يُجْمَعَ أسِيرٌ عَلى أسْرى، وكَذَلِكَ كَلُّ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وشُبِّهَ بِهِ فَعِيلٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، إذا كانَتْ أيْضًا أشْياءَ سَبِيلُ الإنْسانِ أنْ يُجْبَرَ عَلَيْها وتَأْتِيَهُ غَلَبَةً، فَهو فِيها بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ، وأمّا جَمْعُهُ عَلى أُسارى فَشَبِيهٌ بِكُسالى في جَمْعِ كَسْلانَ، وجُمَعَ أيْضًا كَسْلانُ عَلى كَسْلى تَشْبِيهًا بِأسْرى في جَمْعِ أسِيرٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وقالَ الزَجّاجُ: أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُثْخِنَ" بِسُكُونِ الثاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "يُثَخِّنَ" بِفَتْحِ الثاءِ وشَدِّ الخاءِ، ومَعْناهُ في الوَجْهَيْنِ: يُبالِغُ في القَتْلِ، والإثْخانُ إنَّما يَكُونُ في القَتْلِ والجارِحَةِ وما كانَ مِنها.

ثُمَّ أمَرَ مُخاطَبَةَ أصْحابِ النَبِيِّ  فَقالَ: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُنْيا ﴾ أيْ: مالَها الَّذِي يَعِنُّ ويَعْرِضُ، والمُرادُ ما أُخِذَ مِنَ الأسْرى مِنَ الأمْوالِ، ﴿ واللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَرَأ ابْنُ جَمّازٍ "الآخِرَةِ" بِالخَفْضِ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، ويُنْظَرُ ذَلِكَ لِقَوْلِ الشاعِرِ: أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ∗∗∗ ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَيْلِ نارا؟

عَلى تَقْدِيرِ: وكُلَّ نارٍ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لِلنّاسِ: إنْ شِئْتُمْ أخَذْتُمْ فِداءَ الأسْرى ويُقْتَلُ مِنكم في الحَرْبِ سَبْعُونَ عَلى عَدَدِهِمْ، وإنْ شِئْتُمْ قُتِلُوا وسِلِمْتُمْ، فَقالُوا: نَأْخُذُ المالَ ويُسْتَشْهَدُ مِنّا سَبْعُونَ،» وذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدِهِ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلى النَبِيِّ  بِتَخْيِيرِ الناسِ هَكَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى الرِوايَتَيْنِ فالأمْرُ في هَذا التَخْيِيرِ مِن عِنْدِ اللهِ فَإنَّهُ إعْلامٌ بِغَيْبٍ، وإذا خُيِّرُوا فَكَيْفَ يَقَعُ التَوْبِيخُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ؟

والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ العَتْبَ لِأصْحابِ النَبِيِّ  بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَظِيمٌ ﴾ إنَّما هو عَلى اسْتِبْقاءِ الرِجالِ وقْتَ الهَزِيمَةِ رَغْبَةً في أخْذِ المالِ مِنهُمْ، وجَمِيعُ العَتْبِ إذا نُظِرَ فَإنَّما هو لِلنّاسِ، وهُناكَ كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْتُلُ ويَحُضُّ عَلى القَتْلِ ولا يَرى الِاسْتِبْقاءَ، وحِينَئِذٍ قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: الإثْخانُ أحَبُّ إلَيَّ مِنِ اسْتِبْقاءِ الرِجالِ، وبِذَلِكَ جَعَلَهُما رَسُولُ اللهِ  ناجِيَيْنِ مِن عَذابٍ إنْ لَوْ نَزَلَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى حِرْصِ بَعْضِهِمْ عَلى المالِ قَوْلُ المِقْدادِ حِينَ أمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ: "أسِيرِي يا رَسُولَ اللهِ"، وقَوْلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِلَّذِي يَأْسِرُ أخاهُ: "شُدَّ يَدَكَ عَلَيْهِ فَإنَّ لَهُ أُمًّا مُوسِرَةً" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن قَصَصِهِمْ، فَلَمّا تَحَصَّلَ الأسْرى وسِيقُوا إلى المَدِينَةِ وأنْفَذَ رَسُولُ اللهِ  القَتْلَ في النَضْرِ وعُقْبَةَ، والمَنَّ في أبِي عَزَّةَ وغَيْرِهِ، وجَعَلَ يَرْتَئِي في سائِرِهِمْ نَزَلَ التَخْيِيرُ مِنَ اللهِ تَعالى، فاسْتَشارَ رَسُولُ اللهِ  حِينَئِذٍ، فَمَرَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أوَّلِ رَأْيِهِ في القَتْلِ، ورَأى أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ المَصْلَحَةَ في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ بِمالِ الفِداءِ، ومالَ رَسُولُ اللهِ  إلى رَأْيِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكِلا الرَأْيَيْنِ اجْتِهادٌ بَعْدَ تَخْيِيرٍ، فَلَمْ يَنْزِلْ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا عَتْبٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ هَذِهِ المَشُورَةِ والآراءِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ بِما ذَكَرْتُهُ، وكَذَلِكَ ذَكَرُوا في هَذِهِ الآياتِ تَحْلِيلَ المَغانِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولا أقُولُ ذَلِكَ، لِأنَّ حُكْمَ اللهِ تَعالى بِتَحْلِيلِ المَغْنَمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ كانَ تَقَدَّمَ قَبْلَ بَدْرٍ، وذَلِكَ في السَرِيَّةِ الَّتِي قُتِلَ فِيها عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإنَّما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ اسْتِبْقاءُ الرِجالِ لِأجْلِ المالِ، والَّذِي مَنَّ اللهُ بِهِ فِيها إلْحاقَ فِدْيَةِ الكافِرِ بِالمَغانِمِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ تَحْلِيلُها.

وَوَجْهُ ما قالَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الناسَ خُيِّرُوا في أمْرَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ جَيِّدٍ عَلى جِهَةِ الِاخْتِبارِ لَهُمْ، فاخْتارُوا المَفْضُولَ فَوَقَعَ العَتْبُ، ولَمْ يَكُنْ تَخْيِيرًا في مُسْتَوَيَيْنِ، وهَذا كَما أُتِيَ رَسُولُ اللهِ  لَيْلَةَ الإسْراءِ بِإناءَيْنِ فاخْتارَ الفاضِلَ.

و ﴿ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ صِفَتانِ مِن قِبَلِ الآيَةِ لِأنَّ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ يَتِمُّ مُرادُهُ عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ هَذا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا وكِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: لَوْلا الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فَآمَنتُمْ بِهِ وصَدَّقْتُمْ لَمَسَّكُمُ العَذابُ لِأخْذِكم هَذِهِ المُفاداةَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْضًا، وابْنُ زَيْدٍ: الكِتابُ السابِقُ هو مَغْفِرَةُ اللهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ أو تَأخَّرَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو هُرَيْرَةَ، وغَيْرُهُمُ:الكِتابُ هو ما قَدْ كانَ اللهُ قَضاهُ في الأزَلِ مِن إحْلالِ الغَنائِمِ والفِداءِ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ، وكانَتْ في سائِرِ الأُمَمِ مُحَرَّمَةً.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو عَفْوُ اللهِ عنهم في هَذا الذَنْبِ مُعَيَّنًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ هو أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَضى أنْ لا يُعاقِبُ أحَدًا بِذَنْبٍ أتاهُ بِجَهالَةٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ تُعارِضُهُ مَواضِعُ مِنَ الشَرِيعَةِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ الكِتابَ السابِقَ هو ألّا يُعَذِّبَ أحَدًا بِذَنْبٍ إلّا بَعْدَ النَهْيِ عنهُ، ولَمْ يَكُونُوا نُهُوا بَعْدُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو ما قَضاهُ اللهُ مِن مَحْوِ الصَغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى دُخُولِ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها تَحْتَ اللَفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها، ونَكَّبَ عن تَخْصِيصِ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى.

واللامُ في "لَمَسَّكُمْ" جَوابُ لَوْلا، وِ"كِتابٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وهَكَذا حالُ الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ "لَوْلا"، وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: لَوْلا كِتابٌ سابِقٌ مِنَ اللهِ تَدارَكَكُمْ، و"ما" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فِيما" يُرادُ بِها إمّا الأسْرى وإمّا الفِداءُ، وهي مَوْصُولَةٌ.

وفِي "أخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى العائِدِ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لَوْ نَزَلَ في هَذا الأمْرِ عَذابٌ لَنَجا مِنهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ "، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: " وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ» "، وذَلِكَ أنَّ رَأْيَهُما كانَ أنْ يُقْتَلَ الأسْرى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ ﴾ الآيَةُ، نَصٌّ عَلى إباحَةِ المالِ الَّذِي أُخِذَ مِنَ الأسْرى وإلْحاقٍ لَهُ بِالغَنِيمَةِ الَّتِي كانَ تَقَدَّمَ تَحْلِيلُها.

قَوْلُهُ: ﴿ حَلالا طَيِّبًا ﴾ حالانِ مِن "ما" في قَوْلِهِ: "مِمّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "غَنِمْتُمْ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "حَلالًا" مَفْعُولًا بِـ "فَكُلُوا".

﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ مَعْناهُ: في التَسَرُّعِ حَسَبَ إرادَةِ البَشَرِ وشَهْوَتِهِ في نازِلَةٍ أُخْرى، وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ اعْتِراضًا فَصِيحًا في أثْناءِ الكَلامِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هو مُتَّصِلٌ بِالمَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي مناسب لما قبله سواء نزل بعقبه أم تأخّر نزوله عنه فكان موقعه هنا بسبب موالاة نزوله لنزول ما قبله أو كان وضع الآية هنا بتوقيف خاصّ.

والمناسبة ذكر بعض أحكام الجهاد، وكان أعظم جهاد مضى هو جهاد يوم بدر.

لا جرم نزلت هذه الآية بعد قضية فداء أسرى بدر مشيرة إليها.

وعندي أن هذا تشريع مستقبل أخّره الله تعالى رفقاً بالمسلمين الذين انتصروا ببدر وإكراماً لهم على ذلك النصر المبين، وسدّاً لخلّتهم التي كانوا فيها، فنزلت لبيان الأمر الأجدر فيما جرى في شأن الأسرى في وقعة بدر.

وذلك ما رواه مسلم عن ابن عبّاس، والترمذي عن ابن مسعود، ما مُختصره أن المسلمين لما أسروا الأسارى يوم بدر وفيهم صناديد المشركين سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفاديهم بالمال وعَاهدوا على أن لا يعودوا إلى حربه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين " ما تَرون في هؤلاء الأسارى "، قال أبو بكر: «يا نبي الله هم بنو العمّ والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكفّار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام» وقال عُمر: أرى أن تمكّننا فنضرب أعناقهم فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر وصناديدها فَهوي رسولُ الله ما قال أبو بكر فأخذ منهم الفداء كما رواه أحمد عن ابن عباس فأنزل الله ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ﴾ الآية.

ومعنى قوله: هَوِيَ رسولُ الله ما قال أبو بكر: أنّ رسول الله أحبّ واختار ذلك؛ لأنّه من اليسر والرحمة بالمسلمين إذ كانوا في حاجة إلى المال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

وروي أنّ ذلك كان رغبة أكثرهم وفيه نفع للمسلمين، وهم في حاجة إلى المال.

ولمّا استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَ مشُورته تعيّن أنّه لم يُوح الله إليه بشيء في ذلك، وأنّ الله أوْكل ذلك إلى اجتهاد رسوله عليه الصلاة والسلام فرأى أنّ يستشير الناس ثم رجَّح أحد الرأيين باجتهاد، وقد أصاب الاجتهادَ، فإنّهم قد أسلم منهم، حينئذ، سُهيل بن بيضاء، وأسلم من بعدُ العباسُ وغيره، وقد خفي على النبي صلى الله عليه وسلم شيء لم يعلمه إلاّ الله وهو إضمار بعضهم بعد الرجوع إلى قومهم أن يتأهّبوا لقتال المسلمين من بعد.

وربّما كانوا يضمرون اللحاق بفل المشركين من موضع قريب ويعودون إلى القتال فينقلب انتصار المسلمين هزيمة كما كان يومَ أُحُد، فلأجل هذا جاء قوله تعالى: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حت يثخن في الأرض ﴾ .

قال ابن العربي في «العارضة»: روى عبيدة السلماني عن علي أنّ جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فخيّره بين أن يقرِّب الأسارى فيضرب أعناقهم أو يقبلوا منهم الفداء، ويُقتل منكم في العام المقبل بعدّتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا جبريل يخيّركم أن تقدّموا الأسارى وتضربوا أعناقهم أو تقبلوا منهم الفداء ويستشهد منكم في العام المقبل بعدتهم "، فقالوا: يا رسول الله نأخذ الفداء فنقوى على عدوّنا ويقتل منّا في العام المقبل بعدّتهم، ففعلوا.

والمعنى أنّ النبي إذا قاتل فقتاله متمحّض لغاية واحدة، هي نصر الدين ودفع عدائه، وليس قتاله للملك والسلطان فإذا كان أتْباع الدين في قلّة كان قتل الأسرى تقليلاً لعدد أعداء الدين حتّى إذا انتشر الدين وكثر أتباعه صلح الفداء لنفع أتباعه بالمال، وانتفاء خشية عود العدوّ إلى القوة.

فهذا وجه تقييد هذا الحكم بقوله: ﴿ ما كان لنبيء ﴾ .

والكلام موجّه للمسلمين الذين أشاروا بالفداء، وليس موجّهاً للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنّه ما فعل إلاّ ما أمره الله به من مشاورة أصحابه في قوله تعالى: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ [آل عمران: 159] لا سيما على ما رواه الترمذي من أنّ جبريل بلّغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخيّر أصحابه ويدلّ لذلك قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ فإنّ الذين أرادوا عرض الدنيا هم الذين أشاروا بالفداء، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حظّ.

فمعنى ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ﴾ نفي اتّخاذ الأسرى عن استحقاق نبي لذلك الكون.

وجيء ب (نبيء) نكرِة إشارة إلى أنّ هذا حكم سابق في حروب الأنبياء في بني إسرائيل، وهو في الإصحاح عشرين من سفر التثنية.

ومثل هذا النفي في القرآن قد يجيء بمعنى النهي نحو ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ [الأحزاب: 53].

وقد يجيء بمعنى أنه لا يصْلح، كما هُنا، لأن هذا الكلام جاء تمهيداً للعتاب فتعيّن أن يكون مراداً منه ما لا يصلح من حيث الرأي والسياسة.

ومعنى هذا الكون المنفي بقوله: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ﴾ هو بقاؤهم في الأسر، أي بقاؤهم أرقّاء أو بقاء أعواضهم وهو الفداء.

وليس المراد أنّه لا يصلح أن تقع في يد النبي أسرى، لأنّ أخذ الأسرى من شؤون الحرب، وهو من شؤون الغلَب، إذا استسلم المقاتلون، فلا يعقِل أحدٌ نفيه عن النبي، فتعيّن أنّ المراد نفي أثره، وإذا نفي أثر الأسر صدق بأحد أمرين: وهما المنّ عليهم بإطلاقهم، أو قتلُهم، ولا يصلح المنُّ هنا، لأنّه ينافي الغاية وهي حتى يثخن في الأرض، فتعيّن أنّ المقصود قتل الأسرى الحاصلين في يده، أي أنّ ذلك الأجدر به حين ضَعُف المؤمنين، خضِداً لشوكة أهل العناد، وقد صار حكم هذه الآية تشريعاً للنبيء صلى الله عليه وسلم فيمن يأسرهم في غزواته.

والإثخان الشدة والغلظة في الأذى.

يقال أثخنته الجراحة وأثخنه المرض إذا ثقل عليه، وقد شاع إطلاقه على شدّة الجراحة على الجريح.

وقد حمله بعض المفسّرين في هذه الآية على معنى الشدّة والقوة.

فالمعنى: حتى يتمكّن في الأرض، أي يتمكّن سلطانه وأمره.

وقوله: ﴿ في الأرض ﴾ على هذا جار على حقيقة المعنى من الظرفية، أي يتمكّن في الدنيا.

وَحَمَلَهُ في «الكشّاف» على معنى إثخان الجِراحة، فيكون جرياً على طريقة التمثيل بتشبيه حال الرسول صلى الله عليه وسلم المقاتل الذي يَجرَج قِرنَه جراحاً قوية تثخنه، أي حتّى يُثخن أعداءه فتصير له الغلبة عليهم في معظم المواقع، ويكون قوله: ﴿ في الأرض ﴾ قرينة التمثيلية.

والكلام عتاب للذين أشاروا باختيار الفداء والميللِ إليه، وغضّ النظر عن الأخذ بالحزم في قطع دابر صناديد المشركين، فإنّ في هلاكهم خضداً لشوكة قومهم فهذا ترجيح للمقتضَى السياسي العَرضي على المقتَضَى الذي بُني عليه الإسلام وهو التيسير والرفق في شؤون المسلمين بعضهم مع بعض كما قال تعالى: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ [الفتح: 29].

وقد كان هذا المسلك السياسي خفيّاً حتّى كأنه ممّا استأثر الله به، وفي الترمذي، عن الأعمش: أنّهم في يوم بدر سبقوا إلى الغنائم قبل أن تحلّ لهم، وهذا قول غريب فقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم، وهو في الصحيح.

وقرأ الجمهور ﴿ أن يكون له ﴾ بتحتية على أسلوب التذكير.

وقرأه أبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر بمثناة فوقية على صيغة التأنيث، لأنّ ضمير جمع التكسير يجوز تأنيثه بتأويل الجماعة.

والخطاب في قوله: ﴿ تريدون ﴾ للفريق الذين أشاروا بأخذ الفداء وفيه إشارة إلى أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام غيرُ معاتَب لأنّه إنّما أخذ برأي الجمهور وجملة: ﴿ تريدون ﴾ إلى آخرها واقعة موقع العلّة للنهي الذي تضمّنته آية ﴿ ما كان لنبيء ﴾ فلذلك فصلت، لأنّ العلّة بمنزلة الجملة المبيِّنة.

و ﴿ عرض الدنيا ﴾ هو المال، وإنّما سُمّي عرضاً لأنّ الانتفاع به قليل اللبث، فأشبه الشيء العارض إذ العروض مرور الشيء وعدم مكثه لأنه يعرض للماشين بدون تهيّؤ.

والمراد عرض الدنيا المحض وهو أخذ المال لمجرد التمتع به.

والإرادة هنا بمعنى المحبّة، أي: تحبون منافع الدنيا والله يحبّ ثواب الآخرة، ومعنى محبّة الله إيّاها محبّته ذلك للناس، أي يحبّ لكم ثواب الآخرة، فعلّق فعل الإرادة بذات الآخرة، والمقصود نفعها بقرينة قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ فهو حذف مضاف للإيجاز، وممّا يحسنه أنّ الآخرة المرادة للمؤمن لا يخالط نفعها ضرّ ولا مشقّة، بخلاف نفع الدنيا.

وإنما ذكر مع ﴿ الدنيا ﴾ المضافُ ولم يحذف: لأنّ في ذكره إشعاراً بعروضه وسرعة زواله.

وإنّما أحبّ الله نفع الآخرة: لأنّه نفع خالد، ولأنّه أثر الأعمال النافعة للدين الحقّ، وصلاح الفرد والجماعة.

وقد نصب الله على نفع الآخرة أمارات، هي أمارات أمره ونهيه، فكلّ عرض من أعراض الدنيا ليس فيه حظّ من نفع الآخرة، فهو غير محبوب لله تعالى، وكلّ عرض من الدنيا فيه نفع من الآخرة ففيه محبّة من الله تعالى، وهذا الفداء الذي أحبّوه لم يكن يَحفّ به من الأمارات ما يدلّ على أنّ الله لا يحبّه، ولذلك تعيّن أنّ عتاب المسلمين على اختيارهم إيّاه حين استشارهم الرسول عليه الصلاة والسلام إنّما هو عتاب على نوايا في نفوس جمهور الجيش، حين تخيّروا الفداء أي أنهم مَا راعوا فيه إلا محبّة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم الله على ذلك لينبّههم على أنّ حقيقاً عليهم أن لا ينسوا في سائر أحوالهم وآرائهم، الالتفات إلى نفع الدين وما يعود عليه بالقوة، فإنّ أبا بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند الاستشارة «قومك وأهلك استبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك» فنظر إلى مصلحة دينية من جهتين ولعلَّ هذا الملحظ لم يكن عند جمهور أهل الجيش.

ويجوز عندي أن يكون قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ مستعملاً في معنى الاستفهام الإنكاري، والمعنى: لعلّكم تحبّون عرض الدنيا فإنّ الله يحبّ لكم الثواب وقوة الدين، لأنّه لو كان المنظور إليه هو النفع الدنيوي؛ لكان حفظ أنفس الناس مقدّماً على إسعافهم بالمال، فلما وجب عليهم بذل نفوسهم في الجهاد.

فالمعنى: يوشك أن تكون حالكم كحال من لا يحبّ إلاّ عرض الدنيا، تحذيراً لهم من التوغل في إيثار الحظوظ العاجلة.

وجملة: ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ عطف على جملة: ﴿ والله يريد الأخرة ﴾ عطفاً يؤذن بأنّ لهذين الوصفين أثراً في أنّه يريد الآخرة، فيكون كالتعليل، وهو يفيد أنّ حظ الآخرة هو الحظّ الحقّ، ولذلك يريده العزيز الحكيم.

فوصف ﴿ العزيز ﴾ يدلّ على الاستغناء على الاحتياج، وعلى الرفعة والمقدرة، ولذلك لا يليق به إلاّ محبة الأمور النفيسة، وهذا يومئ إلى أن أولياءه ينبغي لهم أن يكونوا أعزّاء كقوله في الآية الأخرى: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ [المنافقون: 8] فلأجل ذلك كان اللائق بهم أن يربأوا بنفوسهم عن التعلّق بسفاسف الأمور وأن يجنحوا إلى معاليها.

ووصف الحكيم يقتضي أنّه العالم بالمنافع الحقّ على ما هي عليه، لأنّ الحكمة العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه.

وجملة: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ إلخ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ الكلام السابق يؤذن بأنّ مفاداة الأسرى أمر مرهوب تخشى عواقبه، فيستثير سؤالاً في نفوسهم عمّا يترقّب من ذلك، فبيّنه قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ الآية.

والمراد بالكتاب المكتوب، وهو من الكتابة التي هي التعيين والتقدير، وقد نكر الكتاب تنكير نوعية وإبهام، أي: لولا وجود سنّة تشريع سبق عن الله.

وذلك الكتاب هو عذر المستشار وعذر المجتهد في اجتهاده إذا أخطأ، فقد استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم فأشاروا بما فيه مصلحة رأوها وأخذ بما أشاروا به ولولا ذلك لكانت مخالفتهم لما يحبّه الله اجتراء على الله يوجب أن يمسّهم عذاب عظيم.

وهذه الآية تدل على أن لله حكماً في كل حادثة، وأنه نَصَب على حكمه أمارة هي دليل المجتهد وأن مخطئه من المجتهدين لا يأثم بل يؤجر.

و«في» للتعليل، والعذاب يجوز أن يكون عذاب الآخرة.

ويجوز أن يكون العذاب المنفي عذاباً في الدنيا، أي: لولا قدر من الله سبق من لطفه بكم فصرف بلطفه وعنايته عن المؤمنين عذاباً كان من شأن أخذهم الفداء أن يسبّبه لهم ويوقعهم فيه.

وهذا العذاب عذاب دنيوي، لأنّ عذاب الآخرة لا يترتّب إلاّ على مخالفة شرع سابق، ولم يسبق من الشرع ما يحرّم عليهم أخذ الفداء، كيف وقد خيّروا فيه لمّا استشيروا، وهو أيضاً عذاب من شأنه أن يجرّه عملهم جرّ الأسباب لمسبباتها، وليس عذابَ غضب من الله، لأنّ ذلك لا يترتّب إلاّ على معاص عظيمة، فالمراد بالعذاب أنّ أولئك الأسرى الذين فادَوهم كانوا صناديد المشركين وقد تخلّصوا من القتل والأسر يحملون في صدورهم حنقاً فكان من معتاد أمثالهم في مثل ذلك أن يسعَوا في قومهم إلى أخذ ثار قتلاهم واسترداد أموالهم فلو فعلوا لكانت دائرة عظيمة على المسلمين، ولكنّ الله سَلَّم المسلمين من ذلك فصرف المشركين عن محبّة أخذ الثأر، وألهاهم بما شغلهم عن معاودة قتال المسلمين، فذلك الصرف هو من الكتاب الذي سبق عند الله تعالى.

وقد حصل من هذه الآية تحذير المسلمين من العودة للفداء في مثل هذه الحالة، وبذلك كانت تشريعاً للمستقبل كما ذكرناه آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ وهَذا نَزَلَ في أسْرى بِدُرٍّ حِينَ اسْتَقَرَّ رَأْيُ النَّبِيِّ  فِيهِمْ بَعْدَ مُشاوَرَةِ أصْحابِهِ عَلى الفِداءِ بِالمالِ، كُلُّ أسِيرٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ وأنَّهُ ما كانَ لَهُ أنْ يُفادِيَ الأسْرى.

﴿ حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيلاءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: هو كَثْرَةُ القَتْلِ لِيُعَزَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويُذِلَّ بِهِ المُشْرِكِينَ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي المالَ، سَمّاهُ عَرَضًا لِقِلَّةِ بَقائِهِ.

﴿ واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ يَعْنِي العَمَلَ بِما يُوجِبُ ثَوابَ الآخِرَةِ.

﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ يَعْنِي ما أخَذْتُمُوهُ مِنَ المالِ في فِداءِ أسْرى بَدْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنْ يُعَذِّبَهم لَمَسَّهم فِيما أخَذُوهُ مِن فِداءِ أسْرى بَدْرٍ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم في تَعَجُّلِها مِن أهْلِ بَدْرٍ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وعُبَيْدَةُ.

والثّالِثُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنْ لا يُؤاخِذَ أحَدًا بِعَمَلٍ أتاهُ عَلى جَهالَةٍ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وهو القُرْآنُ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ المُقْتَضِي غُفْرانَ الصَّغائِرِ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.

«وَكانَ النَّبِيُّ  شاوَرَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ في أسْرى بَدْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هم قَوْمُكَ وعَشِيرَتُكَ فاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهم، وقالَ عُمَرُ: هم أعْداءُ اللَّهِ وأعْداءُ رَسُولِهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ فاضْرِبْ أعْناقَهم، فَمالَ رَسُولُ اللَّهِ  ، بَعْدَ انْصِرافِهِ عَنْهم إلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ وأخَذَ فِداءَ الأسْرى لِيَتَقَوّى بِهِ المُسْلِمُونَ، وقالَ: (أنْتُمْ عالَةٌ بِعَيْنَيِ المُهاجِرِينَ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ  : (لَوْ عُذِّبْنا في هَذا الأمْرِ يا عُمَرُ لَما نَجا غَيْرُكَ» ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ تَحْلِيلَ الغَنائِمِ والفِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ أن يكون له أسرى ﴾ » .

وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال: إن الله أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم؟

فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس.

فقام عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم؟

فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء.

فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فنزل ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ [ الأنفال: 68] الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في الآية قال «استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، قد أعطاك الظفر ونصرك عليهم ففادهم، فيكون عوناً لأصحابك، واستشار عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، أضرب أعناقهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحمكما الله...

!ما أشبهكما باثنين مضيا قبلكما: نوح وإبراهيم، أما نوح فقال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ﴾ [ نوح: الآية 26] وأما إبراهيم فإنه يقول ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ [ إبراهيم: 36]» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لما كان يوم بدر جيء بالأسارى فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم.

وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فأضرب أعناقهم.

وقال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه: أنظروا وادياً كثير الحطب فاضرمه عليهم ناراً.

فقال العباس رضي الله عنه وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئاً فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه؟

وقال أناس: يأخذ بقول عمر رضي الله عنه؟

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ [ إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام قال: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ [ نوح: 26] ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [ يونس: 88] أنتم عالة، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق.

فقال عبدالله رضي الله عنه: يا رسول الله، الا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإِسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليّ الحجارة مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله تعالى ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ إلى آخر الآيتين» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: فضل عمر رضي الله عنه عن الناس بأربع: بذكره الأسارى يوم بدر فأمر بقتلهم فأنزل الله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ ، وبذكره الحجاب، أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت زينب رضي الله عنها: وإنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ﴾ [ الأحزاب: 53] ، ودعوة نبي الله اللهم أيد الإِسلام بعمر، ورأيه في أبي بكر رضي عنه كان أول الناس بايعه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، استبق قومك وخذ الفداء.

وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، اقتلهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو اجتمعتما ما عصيتكما، فأنزل الله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ الآية» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأسارى يوم بدر «إن شئتم فاقتلوهم وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم، فكان آخر السبعين ثابت بن قيس رضي الله عنه استشهد يوم اليمامة» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: «نزل جبريل عليه السلام على النبي يوم بدر فقال: إن ربك يخبرك إن شئت أن تقتل هؤلاء الأسارى وان شئت أن تفادي بهم ويقتل من أصحابك مثلهم، فاستشار أصحابه، فقالوا: نفاديهم فنقوى بهم ويكرم الله بالشهادة من يشاء» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس من أسارى بدر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملكان من الملائكة أحدهما أحلى من الشهد والآخر أمر من الصبر، ونبيان من الأنبياء أحدهما أحلى على قومه من الشهد والآخر أمر على قومه من الصبر، فإما النبيان فنوح قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ [ نوح: 26] ، وأما الآخر فإبراهيم إذ قال: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ [ إبراهيم: 36] ، وأما الملكان فجبريل وميكائيل، هذا صاحب الشدة وهذا صاحب اللين.

ومثلهما في أمتي، أبو بكر وعمر» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ألا أخبركما بمثليكما في الملائكة ومثليكما في الأنبياء، مثلك يا أبا بكر في الملائكة كمثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ [ إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومثلك في الأنبياء مثل نوح قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ [ نوح: 26] » .

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار أبو بكر رضي الله عنه فقال: قومك وعشيرتك، فخل سبيلهم، فاستشار عمر رضي الله عنه فقال: اقتلهم.

ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى...

﴾ الآية.

فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه فقال: كاد أن يصيبنا في خلافك شر» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه، فقال له عمر: فآتيهم؟

قال: نعم.

فأتى عمر رضي الله عنه الأنصار فقال لهم: ارسلوا العباس.

فقالوا: لا والله لا نرسله.

فقال لهم عمر رضي الله عنه: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا؟

قالوا: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا فخذه.

فأخذه عمر رضي الله عنه، فلما صار في يده قال له: يا عباس، أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك.

قال: فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر رضي الله عنه فقال: اقتلهم.

ففاداهم رسول الله، فأنزل الله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل يوم بدر صبراً إلا ثلاثة.

عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحرث، وطعمة بن عدي، وكان النضر أسره المقداد» .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «اختلف الناس في أسارى بدر، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فادهم.

وقال عمر رضي الله عنه: اقتلهم.

قال قائل: أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهدم الإِسلام ويأمره أبو بكر بالفداء...

!

وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمره بقتلهم...

!

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها قبل أن تحل لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس قبلكم، كان النبي وأصحابه إذا غنموا جمعوها ونزلت نار من السماء فأهلكتها، فأنزل الله هذه الآية ﴿ لولا كتاب من الله سبق...

﴾ إلى آخر الآيتين» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: يقول لولا أنه سبق في علمي أني سأحل المغانم ﴿ لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ قال: وكان العباس بن عبد المطلب يقول: أعطاني الله هذه الآية ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ [ الأنفال: 70] وأعطاني بما أخذ مني أربعين أوقية أربعين عبداً.

وأخرج إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ يعني غنائم بدر قبل أن يحلها لهم يقول: لولا أني أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم عذاب عظيم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى ﴿ فإمَّا منَّا بعد وإما فداء ﴾ [ محمد: 4] فجعل الله النبي والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم، وفي قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ من الأسارى ﴿ عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ﴾ قال: وكان الله تعالى قد كتب في أم الكتاب المغانم والأسارى حلالاً لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ولم يكن أحله لأمة قبلهم، وأخذوا المغانم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل إليهم في ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حتى يثخن في الأرض ﴾ يقول: حتى يظهروا على الأرض.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: الإِثخان هو القتل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ قال: نزلت الرخصة بعد، إنْ شئتَ فمنّ وإنْ شئتَ ففاد.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ قال: أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ يعني الخراج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال: ليس أحد يعمل عملاً يريد به وجه الله يأخذ عليه شيئاً من عرض الدنيا إلا كان حظه منه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لو لم يكن لنا ذنوب نخاف على أنفسنا منها إلا حبنا للدنيا لخشينا على أنفسنا، إن الله يقول ﴿ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ﴾ أريدوا ما أراد الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: سبق لهم المغفرة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: سبق لأهل بدر من السعادة ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ قال: من الفداء ﴿ عذاب عظيم ﴾ .

وأخرج النسائي وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا المعصية.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن خيثمة رضي الله عنه قال: كان سعد رضي الله عنه جالساً ذات يوم وعنده نفر من أصحابه إذ ذكر رجلاً فنالوا منه، فقال: مهلاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنا أذنبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذنباً، فأنزل الله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: فكنا نرى أنها رحمة من الله سبقت لنا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: في أنه لا يعذب أحداً حتى يبين له ويتقدم إليه.

وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» .

وأخرج أحمد وابن المنذر عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، ونصرت بالرعب فيرعب العدوّ وهو مني مسيرة شهر، وقال لي: سل تعطه.

فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من لقي الله لا يشرك به شيئاً، وأحلت لأمتي الغنائم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم تكن الغنائم تحل لأحد كان قبلنا، فطيبها الله لنا لما علم الله من ضعفنا» ، فأنزل الله فيما سبق من كتابه إحلال الغنائم ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ فقالوا: والله يا رسول الله، لا نأخذ لهم قليلاً ولا كثيراً حتى نعلم أحلال هو أم حرام؟

فطيبه الله لهم، فأنزل الله تعالى ﴿ فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم ﴾ فلما أحل الله لهم فداهم وأموالهم.

قال الأسارى: ما لنا عند الله من خير قد قتلنا وأسرنا، فأنزل الله يبشرهم ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ [ الأنفال: 70] إلى قوله: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ [ الأنفال: 71] .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت الغنائم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمم، إذا أصابوا منه جعلوه في القربان وحرم الله عليهم أن يأكلوا منها قليلاً أو كثيراً، حرم ذلك على كل نبي وعلى أمته، فكانوا لا يأكلون منه ولا يغلون منه ولا يأخذون منه قليلاً ولا كثيراً إلا عذبهم الله عليه، وكان الله حرمه عليهم تحريماً شديداً فلم يحله لنبي إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، قد كان سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال، فذلك قوله يوم بدر في أخذه الفداء من الأسارى ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ .

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس رضي الله عنهما، لما رغبوا في الفداء أنزلت ﴿ ما كان لنبي...

﴾ إلى قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ الآية.

قال: سبق من الله رحمته لمن شهد بدراً، فتجاوز الله عنهم وأحلها لهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ﴾ الآية، قال عكرمة (١)  "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟

"، فقال أبو بكر: هم بنو العم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله  "ما ترى يا ابن الخطاب؟

" قال: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا منهم فتمكن عليًا من عقيل (٢) (٣)  ما قال أبو بكر (٤) قال ابن مسعود: ثم قال رسول الله -  -: "أنتم (٥) (٦) (٧) (٨)  - لأصحابه في أسارى بدر: "إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم"، وكانت الأسارى سبعين، فقالوا: بل نأخذ الفداء نستمتع به، ونتقوى به على عدونا، ويستشهد منا بعدتهم [[رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 368 (18533)، والترمذي (1567) كتاب السير، باب: ما جاء في قتل الأسارى أو الفداء، وقال: حديث حسن غريب ورواه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" الإحسان 11/ 118 (4795)، والحاكم في "المستدرك" 2/ 140، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 360، بعد سياق الحديث: هذا حديث غريب جدًا، ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلاً، فالله أعلم.

اهـ.

وقال العلامة علي القاري في "مرقاة المفاتيح" 4/ 251: قال التوربشتي: هذا الحديث مشكل جدًا لمخالفته ما يدل على (كذا) ظاهر التنزيل، ولما صح من== الأحاديث في أمر أسارى بدر أن أخذ الفداء كان رأيًا رأوه فعوتبوا عليه، ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ﴾ إلى قوله: ﴿ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وأظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا  ﴾ ، وممن نقل عنه هذا التأويل من الصحابة علي -  - فلعل عليًا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها، فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة، ومما جرأنا على هذا التقدير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان، من بين أصحابه، فلم يروه غيره، والسمع قد يخطئ، والنسيان كثيرًا يطرأ على الإنسان، ثم إن الحديث روي عنه متصلًا وروي عن غيره مرسلاً، فكان ذلك بما يمنع القول بظاهره.

وقال الطيبي: أقول -وبالله التوفيق-: لا منافاة بين الحديث والآية؛ وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختبار والامتحان، ولله أن يمتحن عباده لما شاء، امتحن الله تعالى أزواج النبي -  - بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ ﴾ الآيتين [الأحزاب: 28، 29]، وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ  ﴾ ، وامتحن الناس بالملكين، وجعل المحنة في الكفر والإيمان بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولعل الله تعالى امتحن النبي -  - وأصحابه بين أمرين: القتل، والفداء، وأنزل جبريل-  - بذلك هل هم يختارون ما فيه رضا الله تعالى من قتل أعدائه، أم يؤثرون العاجلة من قبول الفدية، فلما اختاروا الثاني عوتبوا بقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ﴾ .

قلت -بعون الله- (القائل علي القاري): إن هذا الجواب غير مقبول؛ لأنه معلول ومدخول؛ فإنه إذا صح التخيير، لم يجز العتاب والتعيير، فضلاً عن العذاب والتعزير، وأما ما ذكره من تخيير أمهات المؤمنين، فليس فيه أنهن لو اخترن الدنيا لعذبن في العقبى ولا في الدنيا، وغايته أنهن يحرمن من مصاحبة المصطفى، لفساد اختيارهن الأدنى بالأعلى، وأما قضية الملكين وقضية تعلم السحر، فنعم امتحان من الله وابتلاء، لكن ليس فيه تخيير لأحد؛ ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى: =]].

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

قال عبيدة: طلبوا الخيرتين (٩) (١٠)  - بأربعة آلاف أربعة آلاف، ولعمري ما كان أثخن رسول الله -  - يومئذٍ، وكان أول قتال قاتل المشركين (١١) قال صاحب النظم: (كان) يقع في الكلام في أحوال مختلفة: منها أن يكون دلالة على المضي كقولك: كان زيد قائمًا، فمعناه كان فيما مضى.

ومنها أن يكون بمعنى وقع وحدث كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ  ﴾ .

وقد يكون ماضيًا وراهنا، مثل قوله -عز وجل- في مواضع: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ (١٢) له في الذاهبين أروم صدق ...

وكان لكل ذي حسب أروم (١٣) أي: ولكل ذي (١٤) ويكون بمعنى الاستقبال كقول عدي (١٥) واستيجاب ما كان في غد معناه: ما يكون في غد، وقد يكون زيادة كقوله (١٦) وجيران لنا كانوا كرامِ ويكون بمعنى صار، كقوله: ﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ  ﴾ معناه: فصارت، وإذا كان بمعنى صار حسن دخول (كان) عليه، مثل قولك: كان زيد كان مريضا، بمعنى كان صار مريضًا، فالأول للمضي (١٧) ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ ﴾ مثل هذا المعنى، أي: ما كان لنبي أن يصير له أسرى، على النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يستأسر أحدًا، ولكن يقتلهم حتى يثخن في الأرض.

قال: وقد قيل: إن معنى (كان) وجب وانبغى، على تأويل: ما انبغى لنبي وما وجب له أن يكون له أسرى.

قال أبو عبيد: يقول: لم يكن لنبي ذلك فلا يكن لكم (١٨) وقرأ أبو عمرو (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، قال الفراء: حتى يغلب على كثير من الأرض (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وروى ثعلب (٢٨) (٢٩) قال ابن عباس: حتى يثخن فيهم القتل (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال أهل المعاني: الإثخان ههنا معناه: تغليظ الحال بكثرة القتل، والثخانة: الغلظ، وكل شيء غليظ فهو ثخين (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾ مضى الكلام في العرض عند قوله: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى  ﴾ ، قال ابن عباس: تريدون الفداء (٣٤) (٣٥) ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لكم الجنة (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد منيع (٣٨) (٣٩) قال أهل التفسير (٤٠) ﴿ عَزِيزٌ ﴾ لا يقهر ولا يغلب، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في تدبير أمور خلقه.

والآية بيان عما يجب أن يجتنب من اتخاذ الأسرى للمن والفداء قبل الإثخان في الأرض بالقتل الذي يدعو إلى الحق، ويصد عن الشرك، مع الإعراض عن العمل للدنيا إلى العمل للآخرة بالباقية، قال الوالبي، عن ابن عباس في هذه الآية قال: ذلك يوم بدر، والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله بعد هذا في الأسارى ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً  ﴾ ، فجعل الله النبي والمؤمنين بالخيار، إن شاءوا [قتلوهم وإن شاءوا] (٤١) (٤٢) (١) هو: عكرمة بن عمار العجلي كما في سند مسلم وأحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وليس عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس كما هو المتبادر ، وقد رواه عكرمة هذا == عن أبي زميل، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، كما في رواية مسلم.

انظر: مصادر تخريج الأثر التالية.

(٢) هو: عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي أخو علي بن أبي طالب، شهد بدرًا مشركًا، وأخرج إليها مكرهًا فأسر ولم يكن له مال ففداه عمه العباس، ثم أسلم قبل صلح الحديبية، وشهد مؤته، وتوفي في أول خلافة يزيد بن معاوية.

انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 50 (230)، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 218، و"تهذيب التهذيب" 2/ 129.

(٣) هو: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، الإمام البطل الضرغام أسد الله، وسيد الشهداء، وعم رسول الله  استشهد في معركة أحد سنة 3 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 1/ 423 (559)، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 171، و"الإصابة" (1826).

(٤) رواه بنحوه مسلم في "صحيحه" (1763) كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، 3/ 1383 - 1385 (1763)، وأحمد في "المسند" 1/ 30، 32، وابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 366، وابن جرير 10/ 44.

(٥) في (ح): (هل أنتم)، ولا داعي لهذه الزيادة وليست موجودة في مصادر تخريجه.

(٦) في (م): (يفلتن)، وفي (س): (يلفتن)، والأخير خطأ.

(٧) رواه مطولًا الترمذي في "سننه" (3084) كتاب تفسير القرآن، باب: سورة الأنفال، وأحمد 1/ 383، وابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 370، وابن جرير 10/ 44، والواحدي في "أسباب النزول" ص 242، وفي "الوسيط" 2/ 471، والحاكم في "المستدرك" كتاب المغازي 3/ 22، وصححه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 6/ 117: فيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات.

(٨) هو: عبيدة بن عمرو، وقيل: ابن قيس بن عمرو السلماني المرادي، أبو عمرو الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي -  - بسنتين ولم يلقه، كان من أئمة العلم، فقيهًا محدثًا ثقة، توفي سنة 72 هـ على المشهور.

انظر: "الكاشف" 1/ 694 (3647)، و"تهذيب التهذيب" 3/ 45.

(٩) يعني: الغنيمة والشهادة.

(١٠) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 46، والثعلبي 6/ 72 ب.

(١١) رواه الثعلبي 6/ 71 ب، وبنحوه ابن جرير 10/ 45، ومختصراً ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 367.

(١٢) النساء: 96، 100، 152، الفرقان: 70، الأحزاب: 5، 50، 59، 73، الفتح: 14.

(١٣) البيت لزهير بن أبي سلمى وهو في "ديوانه" ص 152، وانظر: "لسان العرب" (أرم) 1/ 66، وهو يمدح هرم بن سنان المري.

وأرم: جمع أرومة، وهي الأصل، والذاهبين: الموتى.

انظر: "شرح الديوان" ص 206، 211.

(١٤) ساقط من (ح).

(١٥) لم يتبين لي من هو، والمعروف أن البيت للطرماح بن حكيم كما في "ذيل ديوانه" ص 572، و"لسان العرب" مادة (كون) 7/ 3962، و"معجم شواهد العربية" ص 113، و"المعجم المفصل" 1/ 263، ونص البيت: فإني لآتيكم تشكر ما مضى ...

من الأمر واستيجاب ما كان في غد (١٦) عجز بيت، وصدره: فكيف ولو مررت بدار قوم والبيت للفرزدق وهو في "شرح ديوانه" 2/ 835، ونسب إليه أيضًا "خزانة الأدب" 9/ 222، و"كتاب سيبويه" 2/ 153، و"لسان العرب" (كنن) مادة (كون) 7/ 3961.

وقد ذهب سيبويه إنى زيادة (كان) أيضاً.

انظر: الموضع السابق، وقال ابن منظور== قال أبو العباس: إن تقديره: وجيران كرام كانوا لنا، قال ابن سيده: وهذا أسوغ؛ لأن (كان) قد عمل في موضع الضمير وفي موضع (لنا) فلا معنى لما ذهب إليه سيبويه أنها زائدة هنا.

"لسان العرب"، الموضع السابق.

(١٧) في (ح): (للماضي).

(١٨) انظر: "تفسير الرازي" 15/ 197.

(١٩) لفظ (عمرو) ساقط من (ح).

(٢٠) قرأ أبو عمرو من السبعة بتاء التأنيث، وقرأ الباقون بالياء على التذكير.

انظر: كتاب "السبعة في القراءات" ص 359، و"التبصرة في القراءات" ص 213.

(٢١) بياض فى (ح).

(٢٢) امرأة: فاعل مؤخر.

(٢٣) انظر: النسخة الأزهرية 1/ 68ب، وقد قال في هذا الموضع: أسير: (فعيل) في معنى (مفعول) فجمعه يكسر على (فعلى) نحو: لديغ ولدغى، وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى، وإذا كان كذلك فالأقيس: الأسرى، وهو أقيس من الأسارى، كما أن الأسارى أقيس من قولهم: أُسراء، وأطال الكلام حول هذه الكلمة.

(٢٤) "معاني القرآن" 1/ 418، وفيه زيادة (في) قبل (الأرض)، وذكر الواحدي هذا القول في "الوسيط" 2/ 372، دون هذه الزيادة أيضًا.

(٢٥) في (ح): (قوته).

(٢٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 425 (أثخنته)، ولم يُذكر في المطبوعة الكلام الذي بعده مما يدل على أن في المخطوطة التي اعتمد عليها المحقق سقط، وكلام الزجاج ينتهي عند قوله: قوته عليه، بدلالة "زاد المسير" 3/ 380.

(٢٧) "مجاز القرآن" 1/ 250.

(٢٨) ساقط من (ح).

(٢٩) "تهذيب اللغة" (ثخن) 1/ 475.

(٣٠) "تنوير المقباس" ص 185 بنحوه، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1732 بلفظ: حتى يظهر على الأرض.

(٣١) رواه ابن جرير 10/ 43، وابن أبي حاتم 5/ 1732، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 367.

(٣٢) "تنوير المقباس" ص 185 عنه، عن ابن عباس، ولفظه: حتى يغلب في الأرض بالقتال.

(٣٣) القول للحوفي في "البرهان" 11/ 107 أ.

(٣٤) "تنوير المقباس" ص 185 بنحوه، وفي "تفسير الثعلبي" 6/ 72 أ، أثرًا طويلًا عنه وفيه: أسرع المؤمنون في الغنائم وأخذ الفداء.

(٣٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 42 - 44، والثعلبي 6/ 72 ب، والبغوي 3/ 376.

(٣٦) "زاد المسير" 3/ 381، و"الوسيط" 2/ 472.

(٣٧) "السيرة" لابن هشام 2/ 323.

(٣٨) ساقط من (ح).

(٣٩) لم أقف له على مصدر، وفي "تنوير المقباس": (عزيز): بالنقمة من أعدائه، (حكيم): بالنصرة لأوليائه.

(٤٠) اللفظ لابن جرير في "تفسيره" 10/ 42.

(٤١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٤٢) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 42، والثعلبي 6/ 71 ب، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 209، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 390، والبيهقي في كتاب "السنن الصغرى" كتاب السير، باب: ما يفعل بالرجال البالغين من أهل الحرب بعد الأسر 3/ 384 (3550).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى ﴾ لما أخذ الأسرى يوم بدر أشار أبو بكر بحياتهم، وأشار عمر بقتلهم.

فنزلت الآية عتاباً على استبقائهم ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الأرض ﴾ أي يبايع في القتال ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا ﴾ عتاب لمن رغب في فداء الأسرى ﴿ لَّوْلاَ كتاب مِّنَ الله سَبَقَ ﴾ الكتاب ما قضاه الله في الأزل من العفو عنهم، وقيل: ما قضاه الله من تحليل الغنائم لهم ﴿ فِيمَآ أَخَذْتُمْ ﴾ يريد به الأسرى وفداؤهم، ولما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن تكون ﴾ بالتاء الفوقانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ﴿ أسارى ﴾ يزيد والمفضل.

الآخرون ﴿ أسرى ﴾ من الأسارى.

يزيد أبو عمرو والمفضل.

الباقون من الأسرى.

﴿ من ولايتهم ﴾ بكسر الواو حمزة.

والباقون: بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الأرض ﴾ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ حتى يهاجروا ﴾ ج ﴿ ميثاق ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حقا ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ في كتاب الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ومعنى ما كان ما صح وما استقام والإثخان كثرة القتل وإشاعته من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة والمعنى فيه تذليل الكفر وإضعافه وإعزاز الإسلام وإظهاره بإشاعة القتل في الكفرة.

روي أن رسول الله  أتى بسبعين أسيراً - فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب - فاستشار أبا بكر.

فيهم فقال: قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك.

وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم.

فقال النبي  : "إن الله ليليِّن قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم  ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح قال ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" .

وروي إنه قال لهم: "إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم.

فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية" .

وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً.

"وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية فدخل عمر على رسول الله صل الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه" .

وروي أنه قال: "لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر.

وسعد بن معاذ لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إليّ" .

واعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام تمسكوا في هذا المقام بوجوه: الأول: ﴿ وما كان لنبي ﴾ صريح في النهي وقد حصل الأسر بدليل ﴿ قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ الثاني: أنهم أمروا بالقتل يوم بدر في قوله ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ فكان الأسر معصية.

وأجيب بأن قوله ﴿ حتى يثخن ﴾ يدل على أن الأسر كان مشروعاً ولكن بشرط الإثخان ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً فلعل العتاب إنما ترتب لأن الإثخان أمر غير مضبوط فظنوا أن ذلك القدر من القتل بلغ حد الإثخان فأخطأوا في الاجتهاد وكان قوله ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ تكليفاً مختصاً بحالة الحرب فلم يتناول الأسر بعد انهزام الكفار.

الثالث: قالوا: الحكم بأخذ الفداء معصية وإلا لم يتوجه الذم في قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ أي حطامها سمي بذلك لأنه سريع الزوال كالعرض قسيم الجوهر ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ أي ثوابها أو ما هو سبب الجنة وهو إعزاز الإسلام بإشاعة القتل في أعدائه.

وقرىء بجر الآخرة أي عرض الآخرة على التقابل.

﴿ والله عزيز ﴾ يغلب أولياؤه على أعدائه ويقهرونهم ويلجئونهم إلى القتل والفداء بعد الأسر ولكنه ﴿ حكيم ﴾ لا يرخص في أخذ الفداء إلا بعد إفشاء القتل في الأعداء.والجواب أن كل ذلك محمول على ترك الأولى وكذا الكلام في قوله ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحداً يخطىء في الاجتهاد لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم وحصول أولاد منهم مسلمين، وإن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعزّ للإسلام وأهيب لمن وراءهم.

قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر لأن المسلمين كانوا قليلين فلما كثروا وقوي إسلامهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء  ﴾ قال بعض العلماء: هذا الكلام يوهم أن مقتضى الآيتين مختلف وليس كذلك فإن كلتاهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان على الداء.

وعن سعيد بن جبير ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ بأنه سيحل لكم الفدية وكأن قرب الوقت من التحليل يوجب تخفيف العقاب.

وقال محمد بن إسحق ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي.

وحاصل هذا القول يرجع إلى ترك الأولى ذلك أن الأولى وغير الأولى يشتركان في كونهما مباحين وإنما يعاتب على ترك الأولى لا على سبيل العقوبة بل على سبيل الحث على فعل الأولى.

وعن بعضهم المراد حكم الله بأنه لا يعذب من شهد بدراً.

واعترض بأنه يلزم أن لا يكونوا مكلفين.

والجواب أن عدم العقاب على الذنب لا يوجب عدم التكليف فلعل التكليف لأجل زيادة الثواب.

وقيل: لولا كتاب سبق بالعفو عن هذه الواقعة لكان استحقاق مس العذاب حاصلاً.

روي أنهم أمسكوا عن الغنائم أو عن أخذ الفداء لأنه من جملة الغنائم فنزلت ﴿ فكلوا ﴾ والفاء للتسبيب ومعنى الآية قد أبحت لكم الغنائم فكلوا و ﴿ حلالاً ﴾ نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً ﴿ واتقوا الله ﴾ فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم تؤمروا به ﴿ إن الله غفور ﴾ لما فرط منكم من ترك الأولى ﴿ رحيم ﴾ فبذلك رخص لكم فيما رخص من أخذ الفداء ثم قال لاستمالة قلوب الأسارى ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله ﴾ إن يظهر معلومه أن ﴿ في قلوبكم خيراً ﴾ وهو الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول والتوبة عن محاربته ﴿ يؤتكم ﴾ في الدنيا ﴿ خيراً مما أخذ منكم ﴾ من المنافع العاجلة ﴿ ويغفر لكم ﴾ في الآخرة، أو المراد بالخير إيصال الثواب وبالمغفرة إزالة العقاب.

ثم إنا قد نعلم أن كل من خلص من الأسر وآمن فقد آتاه الله في الدنيا خيراً لدلالة الآية على ذلك إجمالاً، وذلك الخير إن كان دينياً فلا شك أن كلهم قد وجدوا ذلك لأن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر، وإن كان دنيوياً فتفضيل ذلك غير معلوم إلا ما روي عن بعضهم كالعباس روى أن رسول الله  قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة.

وقال ابن عباس: نزلت الآية في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث.

وكان العباس أسر بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر فقال العباس.

كنت مسلماً إلا أنهم استكرهوني فقال  : إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا.

قال العباس: وكلمت رسول الله  أن يترك ذلك الذهب عليّ فقال: أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا.

قال: وكلفني الرسول  فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية وفداء نوفل بن الحرث.

فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً: فقال رسول الله عليه وسلم: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي فإن حدث فيّ حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل.

فقال العباس: وما يدريك؟

قال: أخبرني به ربي.

قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب.

قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جمع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي.

ثم قال ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ أي نكث ما بايعوك عليه، روي أنه  لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاضدة المشركين كما هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر.

وقيل: المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء.

﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه.

﴿ فأمكن ﴾ أي المؤمنين ﴿ منهم ﴾ يوم بدر قتلاً وأسراً فذاقوا وبال أمرهم فسيمكن المؤمنين منهم مرة أخرى إن أعادوا الخيانة ﴿ والله عليم ﴾ بأحوالهم ﴿ حكيم ﴾ فيجازيهم على حسب أعمالهم.

واعلم أن رسول الله  إنما ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ثم انتقل منها إلى المدينة، فمن المؤمنين من وافقه في الهجرة وهم المهاجرون الأولون، ومنهم من لم يوافقه في ذلك، ومنهم من هاجر بعد هجرته فذكر في خاتمة هذه السورة أحكام هذه الأصناف وأحوالهم مع ذكر أنصاره بالمدينة ومع ذكر الكفار أيضاً فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ويدخل فيه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والانقياد لجميع التكاليف ﴿ وهاجروا ﴾ فارقوا الأوطان وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ أما المجاهدة بالأموال فلأنهم إذا فارقوا الديار ضاعت مساكنهم ومزارعهم وضيعاتهم وبقيت في أيدي الأعداء واحتاجوا إلى الإنفاق في تلك العزيمة والسفرة وفي الغزوات والمحاربات، وأما المجاهدة بالأنفس فيكفي في وصف ذلك أنهم أقدموا على قتال أهل بدر من غير آلة ولا عدّة والأعداء في غاية الكثرة ونهاية الشدّة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وكانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الخصال، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا  ﴾ وذلك أن غيرهم يقتدي بهم وتقوى دواعيهم بما يرون منهم، والمحن تخف على القلوب بالمشاركة، ولأن المهاجرين لهم سابقة في الإسلام ذكر الله  الأنصار بعدهم فقال ﴿ والذين آووا ونصروا ﴾ أي الذين أنزلوا المهاجرين بهم وجعلوا لهم مأوى أي نصروهم على أعدائهم ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ أطبق جم غفير من المفسرين كابن عباس وغيره على أن المراد بهذه الولاية الإرث؛ كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون القرابة حتى نسخ ذلك بقوله ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ واستبعد الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله هذا التفسير لأنه يستلزم النسخ واستلزام النسخ محذور منه ما أمكن، ولأن لفظ الولاية يشعر بالقرب حيث يطلق دون الإرث كقولهم: السلطان ولي من لا ولي له.

وقال  ﴿ ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم  ﴾ فإذن المراد أن المهاجرين والأنصار يعظم بعضهم بعضاً وبينهم معاونة وتناصر وأنهم يد واحدة على الأعداء، وأن حب كل واحد لغيره جار مجرى حبه لنفسه، أما قوله ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ﴾ فوجهت قراءة حمزة بأن تولي بعضهم بعضاً شبه بالعمل والصناعة والتجارة والقصارة كأنه بتولية صاحبه يزاول أمراً ويباشر عملاً.

قال المفسرون: لا يجوز أن يكون المراد بهذه الولاية النصرة والمعونة وإلا لم يصح عطف ﴿ وإن استنصروكم ﴾ عليه لأن الشيء لا يعطف على مثله، فالمراد بها الإرث كما مر.

وأجيب بأنا لو حملناهما على التعظيم زال الإشكال وحصل التغاير لأن أهل الإيمان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض الأحوال مع أنهم لا يوالونهم بمعنى الإجلال والتعظيم، وكذا قد ينصر المرء عبده ولا تعظيم جعل الله  حكم هؤلاء المؤمنين متوسطاً بين الأولين وبين الكفرة من حيث إنه نفى عنهم الولاية قبل أن يهاجروا وأثبت لهم النصرة عند الاستنصار إلا على الكفار المعاهدين لأنهم لا يبدأون بالقتال.

ثم قال ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴾ ظاهره إثبات الموالاة بينهم والغرض نهي المسلمين عن مولاتهم وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارث بعضهم بعضاً.

وفيه أن المشركين واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد  صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وإن كان كل واحد منهم في نهاية الإنكار لصاحبه وذلك من أدل الدلائل أن تلك العداوة ليست لأجل الدين ولكنها محض الحسد والعناد، ومن جعل الولاية في هذه الآيات بمعنى الإرث استدل بذلك على أن الكفار في التوارث على اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي، واليهودي يرث النصراني وبالعكس.

ثم قال ﴿ لا تفعلوه ﴾ أي ما أمرتكم به من موالاة المسلمين المهاجرين ومن عدم موالاة غير المهاجرين إلا في حالة الاستنصار ومن عدم موالاة الكفرة أصلاً ﴿ تكن فتنة ﴾ أي تحصل مفاسد عظيمة ﴿ في الأرض ﴾ من تفرق الكلمة واختلاط المؤمن بالكافر ووقوع الهرج والمرج.

ثم كرر تعظيماً لشأن المؤمنين وثناء عليهم قوله ﴿ والذين آمنوا وهاجروا ﴾ الآية.

فوصفهم بأنهم هم المؤمنون حقاً و ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد تقدم تفسير مثله في أول السورة.

والحاصل أن هذه السعادات العالية إنما حصلت لهم لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال، وفيه تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات.

ثم وصف اللاحقين بالهجرة بعد السابقين إليها فقال ﴿ والذين آمنوا من بعد ﴾ نقل الواحدي عن ابن عباس: أن المراد بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية.

وقيل: بعد نزول الآية.

وقيل: بعد يوم بدر والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ﴿ فأولئك منكم ﴾ ألحقهم بالأولين تشريفاً للآخرين وتعظيماً لشأن السابقين، ولولا كون القسم الأول أشرف لما صح هذا الإلحاق.

ثم ختم الكلام بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ أي ذوو القرابات ﴿ بعضهم أولى ببعض ﴾ أي أحق بهم وأجدر ﴿ في كتاب الله ﴾ أي في حكمه وقسمته أو في اللوح أو في القرآن وهو آية المواريث.

وهذه الآية ناسخة عند الأكثرين للتوارث بالهجرة والنصرة، أما الذين فسروا تلك الولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم فإنهم قالوا: لما كانت تلك الولاية مخالفة للولاية بسبب الميراث بيّن الله  في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة ذلك الوهم أعني إزالة وهم من يجعل الولاية بمعنى الإرث.

وقد تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام وهم ذوو قرابة ليست بسبب فرض ولا عصوبة أو كل قريب يخرج عن أصحاب الفروض والعصبات وإنهم عشرة أصناف: الجد أو الأم وكل جد وجدة ساقطين، وأولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وبنو الإخوة للأم والعم للأم، وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات.

والخلاف في أنه إذا لم يوجد ذو فرض أو عصبة فهل يورث ذوو الأرحام أو يوضع المال في بيت المال؟

فقدمهم أبو حنيفة على بيت المال للآية، وعكس الشافعي وقال: إن الآية مجملة في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية فلما قال ﴿ في كتاب الله ﴾ كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه فصارت هذه الآية مقيدة بأحكام آية الميراث فلا تبقى حجة في توريث ذوي الأرحام.

واعلم أنه  قال في أول الآيات ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ في براءة بتقديم ﴿ في سبيل الله ﴾ لأن في هذه السورة تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة في قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ وفي قوله ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ أي من الفداء وفي قوله ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ وفي براءة تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله وهو قوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم  ﴾ وفي قوله ﴿ كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله  ﴾ ثم إنه حذف من الآية الثانية ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ اكتفاء بما في الأولى وحذف في الثالثة ﴿ في سبيل الله ﴾ أيضاً اكتفاء بما في الآيتين قبلها والله أعلم.

ثم ختم السورة بقوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكم وصواب وصلاح وليس فيها عيب وعبث، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أن الملائكة لما ﴿ قال أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ قال مجيباً لهم ﴿ أني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ .

التأويل: ﴿ ما كان لنبي ﴾ الروح ﴿ أن يكون له أسرى ﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله  قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿ والله يريد الاخرة ﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿ عذاب عظيم ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿ حلالاً طيباً ﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم.

﴿ واتقوا الله ﴾ عما سواه ﴿ إن الله غفور ﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿ رحيم ﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به.

﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عنداستيلاء سلطان الذل عليها ﴿ أن يعلم الله في قلوبكم خيراً ﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿ يؤتكم خيراً ﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿ فأمكن منهم ﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿ والله عليم ﴾ بأحوالهم ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها.

﴿ والذين آووا ﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ ونصروا ﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿ والذين آمنوا ﴾ بأن الطلب حق ﴿ ولم يهاجروا ﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي.

﴿ وإن استنصروكم ﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿ فعليكم النصر ﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿ إلا على قوم ﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿ فأولئك منكم ﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: عاتب الله رسوله وأصحابه في أخذ الأسارى بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وبالغ في العتاب في أخذ الفداء من الأسارى بقوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ .

وكذلك روي عن رسول الله "أنه لما استشار أصحابه في الأسارى، أشار أبو بكر إلى أخذ الفداء، وعمر إلى القتل، فقال: لو نزل من السماء عذاب ما نجا إلا عمر" عاتبهم بالأخذ أخذ الأسارى، واشتد العتاب في أخذ الفداء، وأمر بالقتل وضرب الرقاب بقوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ إنما أمر بضرب الرقاب وضرب البنان، وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ...

﴾ الآية [الأنفال: 68] على العتاب؛ إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.

وعن ابن عباس قال: لم يكن الأنبياء - صلوات الله عليهم - فيما مضى يكون لهم أسارى حتى يثخنوا في الأرض.

وعن سعيد بن جبير قال: لا يفادى أسارى المشركين، ولا يمن عليهم حتى يثخنوا بالقتل، ثم تلا: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ﴾ الآية [محمد: 4]؛ إلى هذا ذهب هؤلاء.

وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ ﴾ .

يخرج تأويل الآية على وجهين: أحدهما: يقول: ما كان لنبي أن يأخذ من الأسرى الفداء، ﴿ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: يغلب، حتى إذا أخذ الفداء وسرحهم بعد ما غلب في الأرض، يكون رجوعهم إلى غير منعة وشوكة، وإذا لم يغلب في الأرض، أي: حتى يصير الدين كله لله؛ كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ الآية [البقرة: 193]، هذا كان لمن قبله، فرخص لرسوله ذلك.

وقيل في قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ بوجوه: أحدها: ما قال أبو بكر الأصم: تأويله: لولا كتاب من الله سبق ألا يعذب المخطئين في عملهم على خلاف أمره، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم من الأسارى والفداء منهم عذاب عظيم.

وقال آخرون: قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : أي: أحل الغنائم لهذه الأمة، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم واستحللتم عذاب عظيم.

وقال بعضهم: لولا كتاب من الله سبق أنهم يتوبون عما عملوا من الأخذ وغيره، وأنه يتوب عليهم، وإلا لمسكم العذاب [بذلك وأمكن أن يكون] التأويل في غير هذا كان في قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ دلالة إباحة الأمر ورخصته؛ لأنه قال: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ  ﴾ هو الإبانة من المفصل الذي تبان به الرءوس، وذلك قلما يمكن في القتال، ولا يقدر إبانه الرءوس في الحرب، إنما يمكن ذلك بعد ما أخذوا أو وقعوا في أيديهم.

وأما ما ذكر من ضرب البنان: فهو في الحرب؛ لأنه في الحرب إنما يضرب فيما ظفر ووجد السبيل إلى ذلك، ففيه دلالة.

وتأويل قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ...

﴾ الآية: يحتمل أن يكون ملحقاً على ما سبق من قوله: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الأنفال: 5-6]، أي: لولا [أن] من حكم الله أن يجعل لكم الظفر على إحدى الطائفتين، وإلا لمسكم العذاب بمجادلتكم رسول الله  ومخالفتكم إياه في الخروج وإرادتكم العير.

أو أن يقال: لولا أن من حكم الله ألا يعذب أحداً ولا يؤاخذه في الخطأ في العمل بالاجتهاد وإلا لمسكم ﴿ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ أَخَذْتُمْ ﴾ أي: عملتم.

ثم قالت المعتزلة: في قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ دلالة على أن الله لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعصية؛ لأنه أخبر أنهم أرادوا عرض الدنيا، وهو يريد الآخرة، فهم أرادوا المعصية، وهو يريد لهم الآخرة.

ولكن التأويل عندنا أن قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ ، أي: تريدون عرض الدنيا، والله يريد حياة الآخرة وعرضها.

وبعد، فإنه قد كان الله أراد لهم الآخرة وحياتها، وهم أرادوا العير وعرض الدنيا، وقد كان ما أراد الله لهم لا ما أرادوا هم، أي: اختار لهم غير ما اختاروا هم.

وأصله أن الله - عز وجل - أراد الآخرة لأهل بدر، فكان ما أراد، ولأولئك الكفرة النار، فكان ما أراد؛ كقوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ  ﴾ .

والأشبه أن تكون الإرادة - هاهنا - المودة والمحبة، أي: تودون وتحبون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ  ﴾ ، كانوا يودون أن القتال مع غير ذات الشوكة؛ حتى تكون لهم الغنائم.

والإرادة التي تضاف إلى الله تخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: الرضا؛ كقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا  ﴾ ، كانوا يستدلون بتركه إياهم على أن الله قد رضي بصنيعهم.

والثاني: الإرادة: الأمر؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

والثالث: الإرادة هي صفة فعل كل فاعل يخرج فعله على غير سهو وغفلة ولا طبع؛ بل يخرج على الاختيار.

وقال بعض أهل التأويل: "إن رسول الله  استشار في أسارى يوم بدر أصحابه، فقال لأبي بكر: يا أبا بكر، ما تقول فيهم؟

فقال: يا رسول الله؛ قومك وأهلك، فاستبقهم [واستأمنهم] لعل الله يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله؛ كذبوك وأخرجوك، قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب، فأدخلهم فيه وأضرمه عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله فلم يجبهم شيئاً، ثم قام فدخل، فقال ناس: يقول بقول أبي بكر، وقال ناس: يقول بقول عمر، وقال ناس: يقول بقول عبد الله، ثم خرج عليهم رسول الله  فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى؛ حيث قال: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ وإن مثلك يا عمر كمثل موسى؛ حيث قال: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، وقال: يا عمر، إن مثلك كمثل نوح؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً ﴾ ، ولا يسألن أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق، قال عبد الله: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله  : إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ ﴾ إلى آخر ما ذكر" .

ثم يحتمل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قبلكم، وأما أنتم فقد أحلت لكم الأسارى والغنيمة، ويدل - أيضاً - ما روي من الأخبار والآيات على أنه إذا أثخن في الأرض جاز له الأسر؛ لأنه لو لم يجز ذلك كما لا يجوز قبل الإثخان في الأرض، زالت فائدة الخصوص، وقد بين الله ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ  ﴾ .

ثم اختلف أهل العلم في فداء الأسارى بالمال؛ قال ابن عباس -  - كان ذلك يوم بدر والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله -  - في الأسارى: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً  ﴾ ، فجعل النبي والمؤمنين بالخيار: إن شاءوا فدوهم.

وعن الحسن قال: يصنع به ما صنع رسول الله بأسارى بدر يمن عليه أو يفادي.

وقال غيرهم بخلاف ذلك.

وقال أصحابنا: إن احتاج الإمام إلى مال فاداهم.

وقد دل ما ذكرنا من الآيات والأخبار على جواز الفداء بعد الإثخان فيهم، فإن لم يكن إلى المال محتاجاً فله قتلهم، لأن ذلك إنكاء في العدو وأشد لرهبتهم من المؤمنين، وقال: وله أن يسترقهم، فهو كما قالوا: إذا كان الأسير من أهل الكتاب أو من العجم، فأما عرب عبدة الأوثان فلا يسترقون؛ لأنا لا نعلم أحداً منهم استرقه النبي لما أسره، ولم يبلغنا أن أبا بكر استرق واحداً من أهل الردة، وكيف يجوز استرقاقهم وقد قال الله -  -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

وأمّا الفداء والقتل: فقد ظهر من فعل رسول الله في أسارى بدر.

وفيما روي من الاستشارة - استشارة النبي أصحابه في الأسارى - دلالة العمل بالاجتهاد، وفيما روي في الخبر عن نبي الله -  - قال لأبي بكر، وعمر: "يا أبا بكر ويا عمر، إن ربي يوحي إلي أن أشاوركما، ولولا أنكما تختلفان ما عصيتكما، أو ما عملت بخلاف رأيكما فيه" - أنه لا يجوز لأحد أن يخالفهما، ورسول الله  يقول: "لولا أنكما تختلفان ما عصيتكما، أو ما عملت بخلاف رأيكما" ثم ما أخذ من الأسارى من الفداء لا يدري على أي وجه أخذ على الترك أو الردّ إلى أوطانهم من غير أن تركهم بالجزية؛ إذ من قولهم ألا يجوز الجزية [منهم] والترك على ذلك.

وفي الآية دلالة ذلك، وهو قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

وفي الخبر: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" إلا أن يقال: إن المفاد إلا التي ذكر كان هذا، وهذا كان بعده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ واحد، كل حلال طيب، وكل حرام خبيث، وإنما يطيب إذا حل، ويخبث إذا حرم، ولكن يحتمل قوله: ﴿ حَلاَلاً ﴾ بالشرع، ﴿ طَيِّباً ﴾ في الطبع، وكذلك الحرام هو حرام بالشرع، وخبيث بالطبع، وإنما يتكلم بالحل والحرمة من جهة الشرع، والطيب والخبيث بالطبع.

والطيب: هو الذي يتلذذ به ولا تبعة فيه؛ لأن خوف التبعة ينغص عليه ويذهب بطيبه ولذته.

وجائز ما ذكر من الطيب - هاهنا - لما أن أهل الشرك كانوا يأخذون الأموال ويجمعونها من وجه لا يحل، وبأسباب فاسدة، فيكرهون التناول منها إذا غنموها لتلك الأسباب الفاسدة، فطيب قلوبهم بقوله: ﴿ طَيِّباً ﴾ .

وفيه دليل جواز التقلب في البيع الفاسد وطيب التناول منه، وإن كان مكتسباً بأسباب فاسدة بعد أن يكون بإذن؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا.

وفيه دلالة أن أهل الكفر لا يؤاخذون بالأفعال التي كانت لهم في الكفر، ولا ما كانوا تركوا من العبادات؛ لما ليست عليهم، إنما يؤاخذون بالاعتقاد.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

فيما أمركم به ونهاكم عنه فلا تعصوه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

لمن تاب ورجع عما فعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ قال عامة أهل التأويل: إن الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب وأصحابه، وكذلك يقول ابن عباس: قالوا للنبي: آمنا بما جئت به، ونشهد إنك رسول الله؛ فنزل: ﴿ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ ، أي: إن يعلم الله اعتقاد الإيمان والتصديق له في قلوبكم، ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ ، أي: إيماناً وتصديقاً، فيخلف عليكم خيراً مما أصيب عليكم.

لكنها فيه وفي غيره: من فعل مثل فعله فهو في ذلك سواء، يكون له من الموعود الذي ذكر ما يكون له.

وقوله: ﴿ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ .

وهو الإيمان الذي علم أنهم اعتقدوا في قلوبهم.

وقوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ .

أي: آتاكم خيراً - وهو الإيمان - مما أخذ منكم من المال الذي ذكر في القصة.

ويجوز "يفعل" مكان "فعل"؛ كقوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ  ﴾ ، أي: قال المنافقون، وذلك كثير في القرآن؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ ﴾ أيضاً، أي: يثيبكم ويعطيكم أفضل مما أخذ منكم في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لما كان في الشرك؛ كقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ  ﴾ للذنوب، وذو تجاوز، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ يرحم في الإسلام.

ويحتمل قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ من الفداء، أو ما أخذ منهم بمكة؛ أخبر أنه يؤتهم خيراً من ذلك في الدنيا من الأموال وغيرها.

والإثخان: قال ابن عباس: القتل.

قال أبو معاذ: (يثخنون)، أي: يذلون، المثخن: الذليل.

[و] قال أبو عوسجة: ﴿ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ \[أي: يثخن في أهل الأرض\]، يكثر القتلى والجراحات؛ يقال: أثخنت في القوم: إذا أكثرت فيهم القتل والجراحات، ويقال: ضربه حتى أثخنه، أي: ضربه حتى لا يقدر على القيام، وهو ما ذكر محمد في بعض مسائله: أنه إذا رمى صيداً بسهم فأصابه حتى أثخنه، ثم رمى آخر بسهم فأصابه - فإنه للأول؛ لما أنه صيره بالإثخان خارجاً من أن يكون صيداً، وهو الضرب الذي وصفناه.

وثخن يثخن ثخانة فهو ثخين، وثخن يثخن ثخونة واحد، أي: غلظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ .

يحتمل أن تكون الآية صلة ما سبق من الآيات، وهو قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ...

﴾ الآية [الأنفال: 56]، وقوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 62] وغير ذلك ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ ونحوه، فقال: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ﴾ : في نقض العهد وغير ذلك الأمانات، ﴿ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ \[يحتمل قوله: فقد خانوا الله من قبل\] فيما عاهدوا أن يوفوا ذلك كقولهم: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ  ﴾ فقد أنجاهم الله عن ذلك فلم يكونوا من الشاكرين، وكقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، فقد آتاهم الله ذلك فلم يفوا ما عاهدوا، وغير ذلك من العهود التي عاهدوا، والأمانات التي أؤتمنوا فيها، فخانوا الله في ذلك.

أو ما عهد إليهم في أمر محمد، وإظهار نعته وصفته في كتبهم، فكتموا ذلك، وحرفوه، وأظهروا خلاف نعته وصفته، فذلك منهم خيانة، فيقول: إنهم قد خانوا الله من قبل، فأمكن الله منهم، فإذا خانوك يمكنك الله منهم أيضاً.

وقوله: ﴿ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ \[قال بعضهم: أمكن منهم\] أي: انتقم منهم جزاء خيانتهم، وقال [بعضهم]: أمكنك حتى انتقمت منهم.

وقوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ﴾ ليس على الإرادة، ولكن على وقوع فعل الخيانة؛ كأنه قال: وإن خانوك فقد خانوا الله من قبل، لكنه ذكر الإرادة؛ لما هي صفة كل فاعل مختار؛ لما لا تكون الأفعال إلا بإرادة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ : بما يسرون ويضمرون من الخيانة ونقض العهود، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره وحكمه حيث أمكنك منهم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ أي: خانوك بعد إسلامهم بالكفر بك.

﴿ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ أي: فقد كفروا بالله قبل هذا؛ يقول: إن خانوك أمكنك منهم فقتلتهم وأسرتهم، كما فعلت بهم ببدر.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بخلقه، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما ينبغي لنبي أن يكون له أسرى من الكفار الذين يقاتلونه حتى يُكْثِر القتل فيهم؛ ليدخل الرعب في قلوبهم حتى لا يعودوا إلى قتاله، تريدون -أيها المؤمنون- باتخاذ أسرى بدر أخذ الفداء، والله يريد الآخرة التي تُنَال بنصر الدين واعزازه، والله عزيز في ذاته وصفاته وقهره، لا يغالبه أحد، حكيم في قدره وشرعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.WpY1b"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله