الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٧٠ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٠ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ال محمد بن إسحاق : حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل ، عن بعض أهله ، عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر : إني قد عرفت أن أناسا من بني هاشم وغيرهم ، قد أخرجوا كرها ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا منهم - أي : من بني هاشم - فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله ، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله ، فإنه إنما أخرج مستكرها .
فقال أبو حذيفة بن عتبة : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس !
والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف ؟
فبلغت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لعمر بن الخطاب : يا أبا حفص - قال عمر : والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضرب وجه عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف ؟
فقال عمر : يا رسول الله ، ائذن لي فأضرب عنقه ، فوالله لقد نافق .
فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك : والله ما آمن من تلك الكلمة التي قلت ، ولا أزال منها خائفا ، إلا أن يكفرها الله عني بشهادة .
فقتل يوم اليمامة شهيدا ، رضي الله عنه .
وبه ، عن ابن عباس قال : لما أمسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ، والأسارى محبوسون بالوثاق ، بات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساهرا أول الليل ، فقال له أصحابه : يا رسول الله ، ما لك لا تنام ؟
- وقد أسر العباس رجل من الأنصار - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سمعت أنين عمي العباس في وثاقه ، فأطلقوه فسكت ، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قال محمد بن إسحاق : وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب ، وذلك أنه كان رجلا موسرا فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبا .
وفي صحيح البخاري ، من حديث موسى بن عقبة ، قال ابن شهاب : حدثني أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه .
قال : لا والله ، لا تذرون منه درهما .
وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة - وعن الزهري ، عن جماعة سماهم قالوا : بعثت قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء أسراهم ، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا ، وقال العباس : يا رسول الله ، قد كنت مسلما !
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الله أعلم بإسلامك ، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك ، وأما ظاهرك فقد كان علينا ، فافتد نفسك وابني أخيك : نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب ، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر قال : ما ذاك عندي يا رسول الله !
قال : فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل ؟
فقلت لها : إن أصبت في سفري هذا ، فهذا المال الذي دفنته لبني : الفضل ، وعبد الله ، وقثم .
قال : والله يا رسول الله ، إني لأعلم أنك رسول الله ، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل ، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني : عشرين أوقية من مال كان معي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا ، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك .
ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ، وأنزل الله - عز وجل - فيه : ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ) قال العباس : فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا ، كلهم في يده مال يضرب به ، مع ما أرجو من مغفرة الله - عز وجل - .
وقد روى ابن إسحاق أيضا ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن ابن عباس في هذه الآية بنحو مما تقدم .
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا ابن إدريس [ عن ابن إسحاق ] عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال العباس : في نزلت : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسلامي ، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذ مني ، فأبى ، فأبدلني الله بها عشرين عبدا ، كلهم تاجر ، مالي في يده .
وقال ابن إسحاق أيضا : حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال : كان العباس بن عبد المطلب يقول : في نزلت - والله - حين ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إسلامي - ثم ذكر نحو الحديث الذي قبله .
وقال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ) عباس وأصحابه .
قال : قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : آمنا بما جئت به ، ونشهد أنك رسول الله ، لننصحن لك على قومنا .
فأنزل الله : ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) إيمانا وتصديقا ، يخلف لكم خيرا مما أخذ منكم ) ويغفر لكم ) الشرك الذي كنتم عليه .
قال : فكان العباس يقول : ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وأن لي الدنيا ، لقد قال : ( يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) فقد أعطاني خيرا مما أخذ مني مائة ضعف ، وقال : ( ويغفر لكم ) وأرجو أن يكون غفر لي .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية : كان العباس أسر يوم بدر ، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب ، فقال العباس حين قرئت هذه الآية : لقد أعطانا الله - عز وجل - خصلتين ، ما أحب أن لي بهما الدنيا : إني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية .
فآتاني أربعين عبدا ، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله جل ثناؤه .
وقال قتادة في تفسير هذه الآية : ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا ، وقد توضأ لصلاة الظهر ، فما أعطى يومئذ شاكيا ، ولا حرم سائلا ، وما صلى يومئذ حتى فرقه ، فأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي ، فأخذ .
قال : فكان العباس يقول : هذا خير مما أخذ منا ، وأرجو المغفرة .
وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال قال : بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البحرين ثمانين ألفا ، ما أتاه مال أكثر منه لا قبل ولا بعد .
قال : فنثرت على حصير ونودي بالصلاة .
قال : وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمثل قائما على المال ، وجاء أهل المسجد فما كان يومئذ عدد ولا وزن ، ما كان إلا قبضا ، [ قال ] وجاء العباس بن عبد المطلب يحثي في خميصة عليه ، وذهب يقوم فلم يستطع ، قال : فرفع رأسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، ارفع علي .
قال : فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى خرج ضاحكه - أو : نابه - وقال له : أعد من المال طائفة ، وقم بما تطيق .
قال : ففعل ، وجعل العباس يقول - وهو منطلق - : أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا ، وما ندري ما يصنع في الأخرى : ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ) الآية ، ثم قال : هذا خير مما أخذ منا ، ولا أدري ما يصنع الله في الأخرى فما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائلا على ذلك المال ، حتى ما بقي منه درهم ، وما بعث إلى أهله بدرهم ، ثم أتى الصلاة فصلى .
حديث آخر في ذلك : قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله السعيدي ، حدثنا محمش بن عصام ، حدثنا حفص بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمال من البحرين ، فقال : انثروه في المسجد .
قال : وكان أكثر مال أتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه ، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه .
فما كان يرى أحدا إلا أعطاه ، إذ جاء العباس فقال : يا رسول الله ، أعطني فإني فاديت نفسي ، وفاديت عقيلا .
فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خذ .
فحثا في ثوبه ، ثم ذهب يقله فلم يستطع ، فقال : مر بعضهم يرفعه إلي .
قال : لا .
قال : فارفعه أنت علي .
قال : لا ، فنثر منه ثم احتمله على كاهله ، ثم انطلق ، فما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعه بصره حتى خفي عنه ، عجبا من حرصه ، فما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثم منها درهم .
وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقا بصيغة الجزم ، يقول : " وقال إبراهيم بن طهمان " ويسوقه ، وفي بعض السياقات أتم من هذا .
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي، قل لمن في يديك وفي يدي أصحابك من أسرى المشركين الذين أخذ منهم من الفداء ما أخذ: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا)، يقول: إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا =(يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم)، من الفداء =(ويغفر لكم)، يقول: ويصفح لكم عن عقوبة جُرْمكم الذي اجترمتموه بقتالكم نبي الله وأصحابه وكفركم بالله =(والله غفور)، لذنوب عباده إذا تابوا =(رحيم)، بهم، أن يعاقبهم عليها بعد التوبة.
(1) * * * وذكر أن العباس بن عبد المطلب كان يقول: فيّ نـزلت هذه الآية.
* ذكر من قال ذلك: 16321- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن ابن إسحاق, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: قال العباس: فيّ نـزلت: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ , فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامي, وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذ مني فأبى, فأبدلني الله بها عشرين عبدًا، كلهم تاجر, مالي في يديه.
(2) * * * وقد:- 16322- حدثنا بهذا الحديث ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد, حدثني الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس, عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: فيّ والله نـزلت، حين ذكرتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامي = ثم ذكر نحو حديث ابن وكيع.
(3) 16323- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية, قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه مالُ البحرين ثمانون ألفًا, وقد توضأ لصلاة الظهر, فما أعطى يومئذ شاكيًا ولا حرم سائلا وما صلى يومئذ حتى فرّقه, وأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي, فأخذ.
قال: وكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة.
16324- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية, وكان العباس أسر يوم بدر, فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب, فقال العباس حين نـزلت هذه الآية: لقد أعطاني الله خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا: أني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية, فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله.
16325- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) إلى قوله: (والله غفور رحيم)، يعني بذلك: من أسر يوم بدر.
يقول: إن عملتم بطاعتي ونصحتم لرسولي, آتيتكم خيرًا مما أخذ منكم، وغفرت لكم.
16326- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني.
عن ابن عباس: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى)، عباس وأصحابه, قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به, ونشهد إنك لرسول الله, لننصحن لك على قومنا.
فنـزل: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم)، إيمانًا وتصديقًا, يخلف لكم خيرًا مما أصيب منكم =(ويغفر لكم)، الشرك الذي كنتم عليه.
قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنـزل فينا، وأن لي الدنيا, لقد قال: (يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم) فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مئة ضعف, وقال: (ويغفر لكم)، وأرجو أن يكون قد غُفِر لي.
16327- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية, يعني العباسَ وأصحابه، أسروا يوم بدر.
يقول الله: إن عملتم بطاعتي ونصحتم لي ولرسولي، أعطيتكم خيرًا مما أخذ منكم وغفرت لكم.
وكان العباس بن عبد المطلب يقول: لقد أعطانا الله خصلتين، ما شيء هو أفضل منهما: عشرين عبدًا.
وأما الثانية: فنحن في موعود الصادق ننتظر المغفرة من الله سبحانه.
--------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .
(2) الأثر : 16321 - في المطبوعة : " أبي إسحاق " ، والصواب من المخطوطة ، وانظر التعليق التالي .
(3) الأثر : 16322 - هذا الخبر والذي قبله ، ذكرهما الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 8 ، مطولا ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ، ورجال الأوسط رجال الصحيح ، غير ابن إسحاق ، وقد صرح بالسماع " .
وظاهر أنه يعني إسنادًا غير هذين الإسنادين ، فإن الأول لم يصرح فيه السماع ، والثاني فيه " الكلبي " .
وذكره الواحدي في أسباب النزول ، عن الكلبي ، مطولا : 180 ، 181 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " جابر بن عبد الله بن رباب " ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت .
قوله تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيمفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى ياأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
وقيل : له وحده .
وقال ابن عباس رضي الله عنه : الأسرى في هذه الآية عباس وأصحابه .
قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : آمنا بما جئت به ، ونشهد أنك رسول الله ، لننصحن لك على قومك ، فنزلت هذه الآية .
وقد تقدم بطلان هذا من قول مالك .
وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة .
وعن ابن إسحاق : بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم ، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا .
وقال العباس : يا رسول الله ، إني قد كنت مسلما .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فالله يجزيك بذلك فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر .
وقال : ما ذاك عندي يا رسول الله .
قال : فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت في سفري هذا فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقثم ؟
فقال : يا رسول الله ، إني لأعلم أنك رسول الله ، إن هذا لشيء ما علمه غيري وغير أم الفضل ، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، ذاك شيء أعطانا الله منك .
ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ، وأنزل الله فيه : ياأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى الآية .
قال ابن إسحاق : وكان أكثر الأسارى فداء العباس بن عبد المطلب ، لأنه كان رجلا موسرا ، فافتدى نفسه بمائة أوقية من ذهب .
وفي البخاري : وقال موسى بن عقبة قال ابن شهاب : حدثني أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه .
فقال : لا والله لا تذرون درهما .
وذكر النقاش وغيره أن فداء كل واحد من الأسارى كان أربعين [ ص: 409 ] أوقية ، إلا العباس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أضعفوا الفداء على العباس وكلفه أن يفدي ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فأدى عنهما ثمانين أوقية ، وعن نفسه ثمانين أوقية وأخذ منه عشرون أوقية وقت الحرب .
وذلك أنه كان أحد العشرة الذين ضمنوا الإطعام لأهل بدر ، فبلغت النوبة إليه يوم بدر فاقتتلوا قبل أن يطعم ، وبقيت العشرون معه فأخذت منه وقت الحرب ، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية .
فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل ؟
فقال العباس : أي ذهب ؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك قلت لها لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولولدك .
فقال : يا بن أخي ، من أخبرك بهذا ؟
قال : الله أخبرني .
قال العباس : أشهد أنك صادق ، وما علمت أنك رسول الله قط إلا اليوم ، وقد علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر ، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ، وكفرت بما سواه .
وأمر ابني أخويه فأسلما ، ففيهما نزلت ياأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى .
وكان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة ، وكان رجلا قصيرا ، وكان العباس ضخما طويلا ، فلما جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له : لقد أعانك عليه ملك .الثانية قوله تعالى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا أي إسلاما يؤتكم خيرا مما أخذ منكم أي من الفدية .
قيل في الدنيا .
وقيل في الآخرة .
وفي صحيح مسلم أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال من البحرين قال له العباس إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذ .
فبسط ثوبه وأخذ ما استطاع أن يحمله مختصر .
في غير الصحيح : فقال له العباس هذا خير مما أخذ مني ، وأنا بعد أرجو أن يغفر الله لي .
قال العباس : وأعطاني زمزم ، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة .
وأسند الطبري إلى العباس أنه قال : في نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي ، وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى .
وقال : ذلك فيء فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي .
وفي مصنف أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص .
قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال : إن [ ص: 410 ] رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها ؟
فقالوا : نعم .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال : كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها .
قال ابن إسحاق : وذلك بعد بدر بشهر .
قال عبد الله بن أبي بكر : حدثت عن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت : لما قدم أبو العاص مكة قال لي : تجهزي ، فالحقي بأبيك .
قالت : فخرجت أتجهز فلقيتني هند بنت عتبة فقالت : يا بنت محمد ، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟
فقلت لها : ما أردت ذلك .
فقالت ، أي بنت عم ، لا تفعلي ، إني امرأة موسرة وعندي سلع من حاجتك ، فإن أردت سلعة بعتكها ، أو قرضا من نفقة أقرضتك ، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال .
قالت : فوالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ، فخفتها فكتمتها وقلت : ما أريد ذلك .
فلما فرغت زينب من جهازها ارتحلت وخرج بها حموها يقود بها نهارا كنانة بن الربيع .
وتسامع بذلك أهل مكة ، وخرج في طلبها هبار بن الأسود ونافع بن عبد القيس الفهري ، وكان أول من سبق إليها هبار فروعها بالرمح وهي في هودجها .
وبرك كنانة ونثر نبله ، ثم أخذ قوسه وقال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما .
وأقبل أبو سفيان في أشراف قريش فقال : يا هذا ، أمسك عنا نبلك حتى نكلمك ، فوقف عليه أبو سفيان وقال : إنك لم تصنع شيئا ، خرجت بالمرأة على رءوس الناس ، وقد عرفت مصيبتنا التي أصابتنا ببدر فتظن العرب وتتحدث أن هذا وهن منا وضعف خروجك إليه بابنته على رءوس الناس من بين أظهرنا .
ارجع بالمرأة فأقم بها أياما ، ثم سلها سلا رفيقا في الليل فألحقها بأبيها ، فلعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، وما لنا في ذلك الآن من ثؤرة فيما أصاب منا ، ففعل فلما مر به يومان أو ثلاثة سلها ، فانطلقت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أنها قد كانت ألقت - للروعة التي أصابتها حين روعها هبار بن أم درهم - ما في بطنها .الثالثة : قال ابن العربي : لما أسر من أسر من المشركين تكلم قوم منهم بالإسلام ولم يمضوا فيه عزيمة ولا اعترفوا به اعترافا جازما .
ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين ولا يبعدوا من المشركين .قال علماؤنا : إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا .
وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا ، إلا ما كان من الوسوسة التي [ ص: 411 ] لا يقدر على دفعها فإن الله قد عفا عنها وأسقطها .
وقد بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الحقيقة
وهذه نزلت في أسارى يوم بدر، وكان في جملتهم العباس عم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما طلب منه الفداء، ادَّعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم يسقطوا عنه الفداء، فأنزل اللّه تعالى جبرا لخاطره ومن كان على مثل حاله. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} أي: من المال، بأن ييسر لكم من فضله، خيرا وأكثر مما أخذ منكم. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم، ويدخلكم الجنة وقد أنجز اللّه وعده للعباس وغيره، فحصل له ـ بعد ذلك ـ من المال شيء كثير، حتى إنه مرة لما قدم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مال كثير، أتاه العباس فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حمله، فأخذ منه ما كاد أن يعجز عن حمله.
قوله تعالى : ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ) قرأ أبو عمرو وأبو جعفر : " من الأسارى " بالألف ، والباقون بلا ألف .
نزلت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكأن أسر يوم بدر ، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا طعام أهل بدر ، وكان يوم بدر نوبته ، وكان خرج بعشرين أوقية من الذهب ليطعم بها الناس ، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا وبقيت العشرون أوقية معه ، فأخذت منه في الحرب ، فكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحتسب العشرين أوقية من فدائه فأبى وقال : " أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك " وكلف فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ، فقال العباس : يا محمد تركتني أتكفف قريشا ما بقيت؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها : إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا ، فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل وقثم " ، يعني بنيه ، فقال له العباس : وما يدريك؟
قال : أخبرني به ربي - عز وجل - ، قال العباس : أشهد أنك صادق!
وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ، ولم يطلع عليه أحد إلا الله - عز وجل - ، فذلك قوله تعالى : " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى " الذين أخذت منهم الفداء ، ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ) أي إيمانا ، ( يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) من الفداء ، ( ويغفر لكم ) ذنوبكم ( والله غفور رحيم ) قال العباس رضي الله عنه فأبدلني الله عنها عشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان عشرين أوقية ، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربي - عز وجل - .
يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى» وفي قراءة الأسرى «إن يعلم الله في قلوبكم خيرا» إيمانا وإخلاصا «يؤتكم خيرا مما أخذ منكم» من الفداء بأن يضعِّفه لكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة «ويغفر لكم» ذنوبكم «والله غفور رحيم».
يا أيها النبي قل لمن أسرتموهم في "بدر": لا تأسوا على الفداء الذي أخذ منكم، إن يعلم الله تعالى في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أُخذ منكم من المال بأن يُيَسِّر لكم من فضله خيرًا كثيرًا -وقد أنجز الله وعده للعباس رضي الله عنه وغيره-، ويغفر لكم ذنوبكم.
والله سبحانه غفور لذنوب عباده إذا تابوا، رحيم بهم.
ثم أمرت السورة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الأسرى بأنهم إذا فتحوا قلوبهم للحق واستجابوا له - سبحانه - سيعوضهم عما فقدوه خيراً منه ، أما إذا استمروا فى كفرهم وعنادهم فإن الدائرة ستدور عليهم .
استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذا المعنى بأسلوبها البليغ فتقول : ( ياأيها النبي .
.
.
والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .قال : ابن كثير : " عن الزهرى عن جماعة سماهم قالوا : بعثت قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى فداء أسراهم ، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا .وقال العباس : يا رسول الله!
قد كنت مسلماً!
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الله أعلم بإسلامك ، فإن يكن كما تقول ، فإن الله يجزيك .
وأما ظاهرك فقد كان علينا ، فافتد نفسك وابنى أخيك نوفل بن الحارث ، وعقيل بن أبى طالب ، وحليفك عتبة بن عمرو أخى بنى الحارث بن فهر" .
قال العباس : ما ذاك عندى يا رسول الله ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فأين المال الذى دفنته أنت وأم الفضل ، فقلت لها : إن أصبت فى سفرى هذا فهذا المال الذى دفنته لبنىّ : الفضل ، وعبد الله ، وقثم "؟قال : والله يا رسول الله إنى لأعلم أنك رسول الله .
إن هذا الشئ ما علمه أحد غيرى وغير أم الفضل ، فاحسب لى يا رسول الله ما أصبتم منى : - عشرين أوقية من مال كان معى - .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم " لا ، ذاك شئ أعطانا الله منك " .ففدى نفسه وابنى أخويه وحليفه .
فأنزل الله - تعالى - فيه ( ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى ) الآية .قال العباس : فأعطانى الله مكان العشرين الأوقية فى الإسلام ، عشرين عبداً كلهم فى يده مال يضرب به .
مع ما أجرو من مغفرة الله - تعالى - " .وفى صحيح البخارى " عن أنس : أن رجالاً من الأنصار قالوا : يا رسول الله ائنذ لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه .فقال - صلى الله عليه وسلم - : " لا والله!
لا تذرون منها درهما " هذا والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت فى العباس إلا أنها عامة فى جميع الأسرى : إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولأن الخطاب فيها موجه إلى سائر الأسرى لا إلى فرد منهم دون آخر .والمعنى : ( ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ ) أى : قل للذين تحت تصرف أيدكم ( مِّنَ الأسرى ) أى : من اسرى المشركين فى بدر الذين أخذتم منهم الفداء لتطلقوا سراحهم .قل لهم - أيها النبى الكريم - ( إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ) أى : إيماناً وتصديقاً وعزماً على اتباع الحق ونبذ الكفر والعناد .
.
إن يعلم الله - تعالى - منكم ذلك ( يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ) من فداء ، بأن يخلفه عليكم فى الدنيا ، ويمنحكم الثواب الجزيل فى الآخرة .ولقد صدق الله - تعالى - وعده مع من آمن وعمل صالحاً من هؤلاء الأسرى ، فأعطاهم الكثير من نعمه كما قال العباس - رضى الله عنه -وقوله : ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) زيادة فى حضهم على الدخول فى الإِيمان .وقوله : ( والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تذييل قصد به تأكيد ما قبله من الوعد بالخير والمغفرة .أى : والله - تعالى - واسع المغفرة ، والرحمة لمن استجاب للحق ، وقدم العمل الصالح .والتعبير ، بقوله : ( لِّمَن في أَيْدِيكُمْ ) للإِشعار بأن هؤلاء الأسرى المشركين قد صاروا فى قبضة المؤمنين وتحت تصرفهم ، حتى لكأن أيديهم قابضة عليهم .وأسند وجود الخير فى قلوبهم إلى علم الله - تعالى - للإِشارة إلى أن ادعاء الإِيمان باللسان فقط لا يكفل لهم الحصول على الخير الذى فقدوه ولا يوصلهم إلى مغفرة الله - تعالى - فعليهم أن يخلصوا لله فى إيمانهم حتى ينالوا فضله وثوابه ، فهو - سبحانه - عليم بذات الصدور .
اعلم أن الرسول لما أخذ الفداء من الأسارى وشق عليهم أخذ أموالهم منهم، ذكر الله هذه الآية استمالة لهم فقال: ﴿ رَّحِيمٌ ياأيها النبى قُل لّمَن فِي أَيْدِيكُم مّنَ الاسرى ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في العباس، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحرث، كان العباس أسيراً يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه التوبة حتى أسر، فقال العباس: كنت مسلماً إلا أنهم أكرهوني، فقال عليه السلام: «إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك» فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا.
قال العباس: فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب علي، فقال: أما شيء خرجت لتستعين به علينا فلا قال: وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية، وفداء نوفل بن الحرث، فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني، فإن حدث بي حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل» فقال العباس: وما يدريك؟
قال: «أخبرني به ربي».
قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتاباً في أمرك، فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب.
قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك، لي الآن عشرون عبداً، وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
وروي أنه قدم على رسول الله مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه، فأخذ ما قدر على حمله، وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني، وأنا أرجو المغفرة.
واختلف المفسرون في أن الآية نازلة في العباس خاصة، أو في جملة الأسارى.
قال قوم: إنها في العباس خاصة، وقال آخرون: إنها نزلت في الكل، وهذا أولى، لأن ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه: أحدها: قوله: ﴿ قُل لّمَن فِي أَيْدِيكُم ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ مّنَ الاسرى ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .
ورابعها: قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً ﴾ .
وخامسها: قوله: ﴿ مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ .
وسادسها: قوله: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم، فما الموجب للتخصيص؟
أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول الآية هو العباس، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
أما قوله: ﴿ إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يجب أن يكون المراد من هذا الخير: الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف، والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي، ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول، والتوبة عن محاربته.
المسألة الثانية: احتج هشام بن الحكم على قوله: إنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند حدوثه بهذه الآية، لأن قوله: ﴿ إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ فعل كذا وكذا شرط وجزاء، والشرط هو حصول هذا العلم، والشرط والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى.
والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام، إلا أنه لما دل الدليل على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثاً وجب أن يقال: ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم.
أما قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قرأ الحسن ﴿ مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ على البناء للفاعل.
المسألة الثانية: للمفسرين في هذا الخير أقوال: القول الأول: المراد: الخلف مما أخذ منهم في الدنيا.
قال القاضي: لأنه تعالى عطف عليه أمر الآخرة بقوله: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ فما تقدم يجب أن يكون المراد منه منافع الدنيا.
ولقائل أن يقول: إن قوله: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ المراد منه إزالة العقاب، وعلى هذا التقدير: لم يبعد أن يكون المراد من هذا الخير المذكور أيضاً الثواب والتفضل في الآخرة.
والقول الثاني: المراد من هذا الخير ثواب الآخرة، فإن قوله: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ المراد منه في الآخرة، فالخير الذي تقدمه يجب أيضاً أن يكون في الدنيا.
والقول الثالث: أنه محمول على الكل.
فإن قيل: إذا حملتم الخير على خيرات الدنيا، فهل تقولون إن كل من أخلص من الأسارى قد آتاه الله خيراً مما أخذ منه؟
قلنا: هكذا يجب أن يكون بحكم الآية، إلا أنا لا نعلم من المخلص بقلبه.
حتى يتوجه علينا فيه السؤال، ولا نعلم أيضاً من الذي آتاه الله علماً، وقد علمنا أن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر.
ثم قال: ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهو تأكيد لما مضى ذكره من قوله: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ والمعنى: كيف لا يفي بوعده المغفرة وأنه غفور رحيم؟
أما قوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه الخيانة وجوه: الأول: أن المراد منه الخيانة في الدين وهو الكفر، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل.
الثاني: أن المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء.
الثالث: روي أنه عليه السلام لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاهدة المشركين، وهذا هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر، فقال تعالى: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ﴾ أي نكث هذا العهد فقد خانوا الله من قبل، والمراد أنهم كانوا يقولون: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ ﴿ وَلَئِنِ صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ ثم إذا وصلوا إلى النعمة وتخلصوا من البلية نكثوا العهد ونقضوا الميثاق، ولا يمنع دخول الكل فيه، وإن كان الأظهر هو هذا الأخير.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ قال الأزهري: يقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن ومفعول الإمكان محذوف، والمعنى: فأمكن المؤمنين منهم، والمعنى أنهم خانوا الله بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر فأمكن الله منهم قتلاً وأسراً، وذلك نهاية الإمكان والطفر.
فنبه الله بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه ثم، فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتاً حاصلاً، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده.
ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ أي ببواطنهم وضمائرهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يجازيهم بأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فى أَيْدِيكُم ﴾ في ملكتكم، كأن أيديكم قابضة عليهم وقرئ: ﴿ من الأسرى ﴾ ﴿ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ خلوص إيمان وصحة نية ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ من الفداء، إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة وفي قراءة الأعمش.
﴿ يثبكم خيراً ﴾ وعن العباس رضي الله عنه أنه قال: كنت مسلماً، لكنهم استكرهوني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك» فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا أوكان أحد الذين ضمنوا إطعام أهل بدر وخرج بالذهب لذلك.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: «افد ابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمد، تركتني أتكفف قريشاً ما بقيت.
فقال له: فأين الذهب الذي دفعته إلى أمّ الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل؛ فقال العباس وما يدريك؟
قال: أخبرني به ربي.
قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتاباً في أمرك، فأمّا إذ أخبرتني بذلك فلا ريب.
قال العباس رضي الله عنه: فأبدلني الله خيراً من ذلك، لي الآن عشرون عبداً، إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي» .
وروي: أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه ما قدر على حمله، وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأرجو المغفرة) وقرأ الحسن وشيبة: ﴿ مما أُخِذَ منكم ﴾ ، على البناء للفاعل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو « مَنِ الأسارى» .
﴿ إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا ﴾ إيمانًا وإخْلاصًا.
﴿ يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ مِنَ الفِداءِ.
رُوِيَ «أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ وابْنَيْ أخَوَيْهِ عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ ونَوْفَلَ بْنَ الحَرْثِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ فَقالَ: أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ وقُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ وقُثَمَ، فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ، قالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي تَعالى، قالَ: فَأشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُهُ واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، قالَ العَبّاسُ فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّكم يَعْنِي المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .» ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا ﴾ يَعْنِي الأسْرى.
﴿ خِيانَتَكَ ﴾ نَقْضَ ما عاهَدُوكَ.
﴿ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ ﴾ بِالكُفْرِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ المَأْخُوذِ بِالعَقْلِ.
﴿ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهُمْ ﴾ أيْ فَأمْكَنَكَ مِنهم كَما فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنْ أعادُوا الخِيانَةَ فَسَيُمَكِّنُكَ مِنهم.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها النبي قُل لّمَن فِي أَيْدِيكُم} في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم {مِّنَ الاسرى} جمع أسير من الأسارى أبو عمرو جمع أسرى {إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} خلوص إيمان وصحة نية {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} من الفداء إما أن يخلفكم في الدنيا أضعفاه أو يثيبكم في الآخرة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} رُوي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مال البحرين ثمانون ألفاً فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله وكان يقول هذا خير مما أخذ منى وأرجوا المغفرة وكان له عشرون عبداً وإن أدناهم ليتجر في عشرين ألفاً وكان يقول أنجز الله أحد الوعدين وأنا على ثقة من الآخر
﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ ﴾ أيْ في مَلَكَتِكم واسْتِيلائِكم كَأنَّ أيْدِيَكم قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿ مِنَ الأسْرى ﴾ الَّذِينَ أخَذْتُمْ مِنهُمُ الفِداءَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ مِنَ ( الأُسارى )، ﴿ إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا ﴾ إيمانًا وتَصْدِيقًا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ مِنَ الفِداءِ.
والآيَةُ عَلى ما في رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ نَزَلَتْ في جَمِيعِ أُسارى بَدْرٍ وكانَ فِداءُ العَبّاسِ مِنهم أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وفِداءُ سائِرِهِمْ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ كانَ فِداؤُهم مِائَةَ أُوقِيَّةٍ والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ.
وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ مُسْلِمًا لَكِنِ اسْتَكْرَهُونِي فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”إنْ يَكُنْ ما تَذْكُرُ حَقًّا فاللَّهُ تَعالى يَجْزِيكَ، فَإمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْنا فافْدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخَوَيْكَ نَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ، وعَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو فَقُلْتُ: ما ذاكَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَأيْنَ الَّذِي دَفَنْتَ أنْتَ وأُمُّ الفَضْلِ؟
فَقُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ وقُثَمَ فَقَلْتُ: وما يُدْرِيكَ: فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أخْبَرَنِي رَبِّي فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ العَبّاسُ: أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ»“ ورُوِيَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ بَعْدَ حِينٍ: أبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا وأعْطانِي زَمْزَمَ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّكم بِتَأْوِيلِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فَإنَّهُ وعْدٌ بِالمَغْفِرَةِ مُؤَكَّدٌ بِالِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ، ورُوِيَ أنَّهُ «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مالُ البَحْرِينِ ثَمانُونَ ألْفًا فَتَوَضَّأ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ، فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي وأرْجُو المَغْفِرَةَ»، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِسائِرِ الأُسارى عَلى ما يَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الجَمْعِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ رِوايَةُ أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ لَمّا قالُوا مِن أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُثِبْكم خَيْرًا ) والحُسْنُ وشَيْبَةُ ( مِمّا أخَذَ مِنكم ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى، قرأ أبو عمرو من الأسارى بالضم وزيادة الألف، وقرأ الباقون الْأَسْرى بالنصب وبغير الألف.
فمن قرأ بالأسرى فهو جماعة الأسير، يقال: أسير وأسرى، مثل جريح وجرحى، ومريض ومرضى، وقتيل وقتلى.
من قرأ بالأسارى فهو جمع الجمع ويقال: هما لغتان بمعنى واحد.
وذلك أن النبيّ لما وضع الفداء على كل إنسان من الأسارى أربعين أوقية من ذهب، فكان مع العباس عشرون أوقية من ذهب، فأخذ منه ولم يحسبها من فدائه، وكان قد خرج بها معه ليطعم بها أهل بدر من المشركين لأنه كان أحد الثلاثة عشر الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، وقد جاءت توبته فأراد أن يطعمهم، فاقتتلوا يومئذ فلم يطعمهم، حتى أخذ وأخذ ما معه فكلَّم العباس رسول الله أن يجعل العشرين أوقية من فدائه، فأبى عليه وقال: «هذا شَيْءٌ خَرَجْتَ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَيْنَا فَلا أتركه لَكَ» ، فوضع عليه فداءه وفداء ابن أخيه عقيل، فقال العباس: «أتترك عمك يسأل الناس بكفه؟» فقال له رسول الله : «أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي أعْطَيْتَ لأمِّ الفَضْلِ، وَقُلْتَ لَهَا كَيْتَ وَكَيْتَ» ؟
فقال له: من أعلمك بهذا يا ابن أخي؟
قال: «الله أخْبَرَنِي» .
فأسلم العباس وأمر ابن أخيه أن يسلم (١) إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً، يعني: معرفة وصدقاً وإيمانا، كقوله: لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً [هود: 31] يعني: إيماناً.
يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ، يعني يعطيكم في الدنيا من الفداء، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم.
وَاللَّهُ غَفُورٌ لما كان في الشرك، رَحِيمٌ به في الإسلام.
روى سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: بعث العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله من البحرين بثمانين ألفاً، ما أتاه من مال أكثر منه لا قبل ولا بعد، قال: فنثرت على حصير ونودي بالصلاة، فجاء رسول الله ، فمثل على المال قائماً وجاء أهل المسجد، فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلا قبضا.
قال: فجاء العباس فقال: يا رسول الله، أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر، ولم يكن لعقيل مال، فأعطني من هذا المال.
فقال: خُذْ مِنْ هذا المَالِ، قال: فحثى في خميصته فأراد أن يقوم فلم يستطع، فرفع رأسه إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، ارفع عَلَيَّ.
فتبسم رسول الله فقال: «أعِدْ مِنَ المَالِ طَائِفَةً وَقُمْ بِمَا تُطِيقُ» .
قال: ففعل، فجعل العباس يقول وهو منطلق: أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزها، فلا ندري ما يصنع في الأُخرى وهو قوله: يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وعن أبي صالح أنه قال: رأيت للعباس بن عبد المطلب عشرين عبداً، كل واحد منهم يتجر بعشرة آلاف، قال العباس: أنجزني الله أحد الوعدين، فأرجو أن ينجز الوعد الثاني (٢) ويقال: يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ يعني الجنة.
(١) عزاه السيوطي: 4/ 111 إلى الحاكم وصححه والبيهقي في سننه.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 112 إلى ابن سعد والحاكم وصححه.
<div class="verse-tafsir"
أنْ تُقْتَلَ الأَسْرَى، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ...
الآية: نصٌّ عَلَى إِباحة المال الذي أُخِذَ من الأسْرَى، وإِلحاقٌ له بالغنيمة التي كان تقدّم تحليها.
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، روي أنّ الأسرى ببدر أعلموا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّ لهم مَيْلاً إِلى الإِسلام، وأنهم إِنْ رجعوا إِلى قومهم، سَعَوْا في جلبهم إِلى الإِسلام، قال ابن عَبَّاس: الأَسْرَى في هذه الآية: عبّاس وأصحابه «١» ، قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: آمنا بما جئْتَ به، ونشهد إِنك لَرَسُولُ اللَّه، ولَنَنْصَحَنَّ لك علَى قومنا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، ومعنى الكلام: إِن كان هذا عَنْ جِدٍّ منكم، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَنفسكم الخَيْرَ والإِسلام، فإِنه سيجبر عليكم أَفْضَلَ مما أَعطيتم فديةً، ويغفرْ لكم جميعَ ما اجترمتموه، وروي أنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي اللَّه عنه قال: فيَّ وفي أصْحَابِي نَزَلَتْ هذه الآية، وقال حين أعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ ما قَدِّرَ أنْ يقول: هذا خَيْرٌ ممَّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا بَعْدُ أَرجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهِ «٢» لِي، وروي عنه أنه قال: ما أَوَدُّ أَنَّ هذه الآية لَمْ تَنْزِلْ «٣» ، ولي الدنيا بأجمعها وذلك أن اللَّه تعالى قد أتاني خَيْراً مما أُخِذَ مني، وأنا أرجو أَنْ يَغْفِرَ لي، وقوله:
فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي: بالكُفْر، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ أي: بأن جعلهم أسْرَى، وَاللَّهُ عَلِيمٌ فيما يبطنونه، حَكِيمٌ فيما يجازيهم به.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الفاءُ لَلْجَزاءِ.
والمَعْنى: قَدْ أحْلَلْتُ لَكُمُ الفِداءَ فَكُلُوا.
والحَلالُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِما أخَذْتُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ حِلِّها، رَحِيمٌ بِكم إذْ أحَلَّها لَكم.
«فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وخَبّابَ بْنَ الأرَتِّ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى القَبْضِ، وقَسَّمَها النَّبِيُّ بِالمَدِينَةِ، وانْطَلَقَ بِالأسارى، فِيهِمُ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المَطَّلِبِ.
وكانَ مَعَ العَبّاسِ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، فَلَمْ تُحْسَبْ لَهُ مِن فِدائِهِ، وكُلِّفَ أنْ يَفْدِيَ ابْنَيْ أخِيهِ، فَأدّى عَنْهُما ثَمانِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ.
وقالَ النَّبِيُّ : "أضْعِفُوا عَلى العَبّاسِ الفِداءَ" فَأخَذُوا مِنهُ ثَمانِينَ أُوقِيَّةً، وكانَ فِداءُ كُلِّ أسِيرٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً.
فَقالَ العَبّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ : لَقَدْ تَرَكْتَنِي ما حَيِيتُ أسْألُ قُرَيْشًا بِكَفِّي.
فَقالَ لَهُ: "أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي تَرَكْتُهُ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ"؟
فَقالَ: أيِ الذَّهَبُ؟
فَقالَ: "إنَّكَ قُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ، فَهو لَكَ ولِوَلَدِكَ" فَقالَ: ابْنُ أخِي، مَن أخْبَرَكَ؟
فَقالَ: "اللَّهُ أخْبَرَنِي" فَقالَ العَبّاسُ: أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ، وما عَلِمْتُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ اليَوْمِ؛ وأمَرَ ابْنَيْ أخِيهِ فَأسْلَما.
وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى ﴾ الآَيَةُ.» ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في جَمِيعِ مَن أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ، أتاهُ رِجالٌ، فَقالُوا: لَوْلا أنّا نَخافُ هَؤُلاءِ القَوْمِ لَأسْلَمْنا، ولَكِنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ المُشْرِكُونَ: لا يَتَخَلَّفُ عَنّا أحَدٌ إلّا هَدَمْنا دارَهُ واسْتَحْلَلْنا مالَهُ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ القَوْمُ فَقُتِلَتْ طائِفَةٌ مِنهم وأُسِرَتْ طائِفَةٌ فَأمّا الَّذِينَ قُتِلُوا، فَهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ .
وأمّا الَّذِينَ أُسِرُوا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ تَعْلَمُ أنّا كُنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
وإنَّما خَرَجْنا مَعَ هَؤُلاءِ خَوْفًا مِنهم.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ » .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا ﴾ فَمَعْناهُ إسْلامًا وصِدْقًا ﴿ يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ مِنَ الفِداءِ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أكْثَرُ مِمّا أُخِذَ مِنكم.
والثّانِي: أحَلُّ وأطْيَبُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ" بِفَتْحِ الخاءِ؛ يُشِيرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَغْفِرُ لَكم كُفْرَكم وقِتالَكم رَسُولَ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: يَغْفِرُ لَكم خُرُوجَكم مَعَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في تَمامِ كَلامِهِ الأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ رُوِيَ أنَّ الأسْرى بِبَدْرٍ أعْلَمُوا رَسُولَ اللهِ أنَّهم لَهم مَيْلٌ إلى الإسْلامِ، وأنَّهم يُؤَمِّلُونَهُ، وأنَّهم إنْ فُدُوا ورَجَعُوا إلى قَوْمِهِمُ التَزَمُوا جَلْبَهم إلى الإسْلامِ، وسَعَوْا في ذَلِكَ، ونَحْوَ هَذا الغَرَضِ، فَفي ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الأسْرى في هَذِهِ الآيَةِ عَبّاسٌ وأصْحابُهُ، قالُوا لِلنَّبِيِّ : آمَنّا بِما جِئْتَ بِهِ ونَشْهَدُ أنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلى قَوْمِنا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِنَ الأسْرى"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "مِنَ الأُسارى"، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وقَتادَةَ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مِنَ لَسْرى" بِالإدْغامِ، ومَعْنى الكَلامِ: إنْ كانَ هَذا عن جِدٍّ مِنكم وعَلِمَ اللهُ مِن نُفُوسِكُمُ الخَيْرَ والإسْلامَ سَيُجْبِرُ عَلَيْكم أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيتُمْ فِدْيَةً، وسَيَغْفِرُ لَكم جَمِيعَ ما اجْتَرَحْتُمُوهُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُثِيبُكم خَيْرًا".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أُخِذَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الخاءِ، وقَرَأ شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "أخَذَ" بِفَتْحِهِما.
ورُوِيَ أنَّ أسْرى بَدْرٍ افْتَدَوْا بِأرْبَعِينَ أُوقِيَّةً أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً إلّا العَبّاسَ فَإنَّهُ افْتُدِيَ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وقالَ قَتادَةُ: فادَوْهم بِأرْبَعَةِ آلافٍ أرْبَعَةِ آلافٍ، وقالَ عُبَيْدَةُ السِلْمانِيُّ: كانَ فِداءُ أسْرى بَدْرٍ مِائَةَ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، ومِنَ الدَنانِيرِ سِتَّةُ دَنانِيرَ، ورُوِيَ «أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: فِيَّ وفي أصْحابِي نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ حِينَ أعْطاهُ رَسُولُ اللهِ مِن مالِ البَحْرِينِ ما قَدَرَ أنْ يُقِلَّ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرْجُو أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي،» وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أيْضًا إلى العَبّاسِ أنَّهُ قالَ: «فِيَّ نَزَلَتْ حِينَ أعْلَمْتُ رَسُولَ اللهِ بِإسْلامِي وسَألْتُهُ أنْ يُحاسِبَنِي بِالعِشْرِينِ الأُوقِيَّةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنِّي قَبْلَ المُفاداةِ فَأبى وقالَ: "ذَلِكَ فَيْءٌ" فَأبْدَلَنِي اللهُ مِن ذَلِكَ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهم تاجَرَ بِمالِي،» ورُوِيَ عَنِ العَبّاسِ أنَّهُ قالَ: ما أوَدُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ ولِيَ الدُنْيا بِأجْمَعِها، وذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ آتانِي مِمّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرْجُو أنْ يَغْفِرَ لِي.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ ﴾ الآيَةُ.
قَوْلٌ أُمِرَ أنْ يَقُولَهُ لِلْأسْرى ويُورِدَ مَعْناهُ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: إنْ أخْلَصُوا فَعَلَ بِهِمْ كَذا، وإنْ أبَطَنُوا خِيانَةَ ما زَعَمُوا أنْ يُؤْتَمَنُوا عَلَيْهِ مِنَ العَهْدِ فَلا يَسُرَّهم ذَلِكَ ولا يَسْكُنُوا إلَيْهِ، فَإنَّ اللهَ بِالمِرْصادِ لَهُمُ الَّذِي خانُوهُ قَبْلُ بِكُفْرِهِمْ وتَرْكِهِمُ النَظَرَ في آياتِهِ، وهو قَدْ بَيَّنَها لَهم إدْراكًا يُحَصِّلُونَها بِهِ فَصارَ كَعَهْدٍ مُتَقَرِّرٍ، فَجُعِلَ جَزاؤُهم عَلى خِيانَتِهِمْ إيّاهُ أنْ مَكَّنَ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ، وجَعَلَهم أسْرى في أيْدِيهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ صِفَتانِ مُناسِبَتانِ، أيْ: عَلِيمٌ بِما يُبْطِنُونَهُ مِن إخْلاصٍ أو خِيانَةٍ، حَكِيمٌ فِيما يُجازِيهِمْ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِقِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يُحَرَّرَ، فَإنْ جُلِبَتْ قِصَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ عَلى أنَّها مِثالٌ كَما يُمْكِنُ أنْ تُجْلَبَ أمْثِلَةٌ في عَصْرِنا مِن ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وإنْ جُلِبَتْ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ فَخَطَأٌ، لِأنَّ ابْنَ أبِي سَرْحٍ إنَّما تَبَيَّنَ أمْرَهُ في يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عُقَيْبَ بَدْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي، وهو إقبال على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء يتعلّق بحال سرائر بعض الأسرى، بعد أن كان الخطاب متعلقا بالتحريض على القتال وما يتبعه، وقد كان العباس في جملة الأسرى وكان ظهر منه ميل إلى الإسلام.
قبل خروجه إلى بدر، وكذلك كان عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد فدى العباسُ نفسه وفدى ابنَي أخَوَيْه: عُقيلاً ونوْفلاً.
وقال للنبيء صلى الله عليه وسلم تَركتني أتكفّف قريشاً.
فنزلت هذه الآية في ذلك، وهي ترغيب لهم في الإسلام في المستقبل، ولذلك قيل لهم هذا القول قبل أن يفارقوهم.
فمعنى ﴿ من في أيديكم ﴾ من في مَلكتكم ووثاقكم، فالأيدي مستعارة للمِلك.
وجمعها باعتبار عدد المالكين.
وكان الأسرَى مشركين، فإنّهم ما فَادوا أنفسهم إلاّ لقصد الرجوع إلى أهل الشرك.
والمراد بالخير محبّة الإيمان والعزم عليه، أي: فإذا آمنتم بعد هذا الفِداء يؤتكم الله خيراً ممّا أخذ منكم.
وليس إيتاء الخير على مجرّد محبة الإيمان والميل إليه، كما أخبر العبّاس عن نفسه، بل المراد به ما يترتّب على تلك المحبّة من الإسلام بقرينة قوله: ﴿ ويغفر لكم ﴾ .
وكذلك ليس الخير الذي في قلوبهم هو الجزم بالإيمان: لأنّ ذلك لم يدَّعوه ولا عرِفوا به، قال ابن وهب عن مالك: كان أسرى بدر مشركين ففادوا ورجعوا ولو كانوا مسلمين لأقاموا.
و«ما أخذ» هو مال الفداء، والخيرُ منه هو الأوفر من المال بأن ييسِّر لهم أسباب الثروة بالعطاء من أمْوال الغنائم وغيرها.
فقد أعطَى رسول الله صلى الله عليه وسلم العباسَ بعد إسلامه مِن فَيْءِ البَحرين.
وإنّما حملنا الخير على الأفضل من المال؛ لأنّ ذلك هو الأصل في التفضيل بين شيئين أن يكون تفضيلاً في خصائص النوع، ولأنّه عطف عليه قوله: ﴿ ويغفر لكم ﴾ وذلك هو خير الآخرة المترتّب على الإيمان، لأنّ المغفرة لا تحصل إلاّ للمؤمن.
والتذييلُ بقوله: ﴿ والله غفور رحيم ﴾ للإيماء إلى عظم مغفرته التي يغفر لهم، لأنّها مغفرة شديدِ الغفران رحيممٍ بعبَاده، فمثال المبالغة وهو غفور المقتضي قوةَ المغفرة وكثرتها، مستعمل فيهما باعتبار كثرة المخاطبين وعِظم المغفرة لكلّ واحد منهم.
وقرأ الجمهور ﴿ من الأسرى ﴾ بفتح الهمزة وراء بعد السين مثل أسرى الأولى، وقرأها أبو عَمرو، وأبو جعفر <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أحَلُّ مِمّا أُخِذَ مِنكم.
الثّانِي: أكْثَرُ مِمّا أُخِذَ مِنكم.
قِيلَ «إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مَعَ أسْرى بَدْرٍ وأخَذَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ فِداءَ نَفْسِهِ وابْنَيْ أخَوَيْهِ عَقِيلٍ ونَوْفَلٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ مُسْلِمًا وأُخْرِجْتُ مُكْرَهًا ولَقَدْ تَرَكْتَنِي فَقِيرًا أتَكَفَّفُ النّاسَ.
قالَ: (فَأيْنَ الأمْوالُ الَّتِي دَفَعْتَها إلى أُمِّ الفَضْلِ عِنْدَ خُرُوجِكَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُنا ثِقَةً بِنُبُوَّتِكَ.
قالَ العَبّاسُ.
فَصَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ فِيما آتانِي وإنَّ لِي لَعِشْرِينَ مَمْلُوكًا كُلُّ مَمْلُوكٍ يَضْرِبُ بِعِشْرِينَ ألْفًا في التِّجارَةِ فَقَدْ أعْطانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنِّي يَوْمَ بَدْرٍ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت «لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم.
بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة لها في فداء زوجها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها؟
وقال العباس رضي الله عنه: إني كنت مسلماً يا رسول الله.
قال: الله أعلم بإسلامك، فإن تكن كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وحليفك عتبة بن عمر، وقال: ما ذاك عندي يا رسول الله.
قال: فأين الذي دفنت أنت وأم الفضل؟
فقلت لها: إن أصبت فإن هذا المال لبني.
فقال: والله يا رسول الله إن هذا لشيء ما علمه غيري وغيرها، فاحسب لي ما أحببتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال: افعل.
ففدي نفسه وابني أخويه وحليفه، ونزلت ﴿ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ﴾ فأعطاني مكان العشرين أوقية في الإِسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال نصرت به مع ما أرجو من مغفرة الله» .
وأخرج ابن سعد والحاكم وصححه عن أبي موسى «أن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً أكثر منه فنثر على حصير، وجاء الناس فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم وما كان يومئذ عدد ولا وزن، فجاء العباس فقال: يا رسول الله، إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر، أعطني من هذا المال، فقال: خذ، فحثى في قميصه ثم ذهب ينصرف فلم يستطع، فرفع رأسه وقال: يا رسول الله، أرفع علي.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أما أخذ ما وعد الله فقد نجز ولا أدري الأخرى ﴿ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم ﴾ هذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع في المغفرة» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أسر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر سبعين من قريش منهم العباس وعقيل، فجعل عليهم الفداء أربعين أوقية من ذهب، وجعل على العباس مائة أوقية، وعلى عقيل ثمانين أوقية، فقال العباس رضي الله عنه: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت؟
فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ حين ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامي وسألته أن يقاسمني بالعشرين أوقية التي أخذت مني، فعوّضني الله منها عشرين عبداً كلهم تاجر يضرب بمالي مع ما أرجو من رحمة الله ومغفرته.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان العباس رضي الله عنه قد أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب فقال حين نزلت ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ ، لقد أعطاني خصلتين ما أحب أن لي بهما الدنيا، إني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية فأعطاني الله أربعين عبداً، وإني أرجو المغفرة التي وعدنا الله.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ قال: عباس وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول الله، فنزل ﴿ إن يعلم الله في قلوبكم خيراً ﴾ أي إيماناً وتصديقاً يخلف لكم خيراً مما أصبت منكم، ويغفر لكم الشرك الذي كنتم عليه، فكان عباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن لي ما في الدنيا من شيء، فلقد أعطاني الله خيراً مما أخذ مني مائة ضعف، وأرجو أن يكون غفر لي.
وأخرج ابن سعد وابن عساكرعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى...
﴾ الآية.
قال: نزلت في الأسارى يوم بدر، منهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحرث، وعقيل بن أبي طالب رضي الله عنهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى ﴾ ، قال المفسرون يعني أسرى المشركين الذين أخذ منهم الفداء ﴿ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا ﴾ : إسلامًا (١) قال الزجاج: إرادة للإيمان (٢) (٣) ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ﴾ من الفدية.
قال أبو إسحاق: فجائز أن يكون: يجازيكم في الآخرة، وجائز أن يكون: يخلف عليكم في الدنيا (٤) ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ أي: ما كان من كفركم به، وقتالكم رسوله.
قال ابن عباس وغيره: نزلت هذه الآية في العباس، كان أحد العشرة (٥) (٦) (٧) (٨) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 48 واللفظ له، و"تفسير الثعلبي" 6/ 73 ب، والبغوي 3/ 378.
(٢) ليس موجودًا في كتاب "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع.
(٣) لم أقف عليه، وفي "البرهان" للحوفي 11/ 116 أ: إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا.
(٤) ليس موجودًا في كتاب "معاني القران وإعرابه" المطبوع.
(٥) ذكر ابن إسحاق أن المطعمين في بدر اثنا عشر رجلاً هم: العباس بن عبد == المطلب، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام بن خويلد، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر السهمي، وسهيل بن عمرو.
انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 311.
(٦) الأوقية: اسم لأربعين درهمًا، انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 5/ 2178، و"لسان العرب" (وقي) 1/ 4903.
(٧) ساقط من (س).
(٨) رواه الثعلبي 6/ 73 أ- ب وفيه زيادة، وبنحوه المصنف في "أسباب النزول" ص 245، عن الكلبي.
وقد روي الأثر بمعاه بعدة روايات مطولًا ومختصرًا، فرواه أحمد في "المسند" 1/ 353، وابن جرير 10/ 49 - 50، وابن أبي حاتم 5/ 1736، والحاكم في "المستدرك" كتاب معرفة الصحابة 3/ 324، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 102: رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" باختصار ورجال "الأوسط" رجال "الصحيح"، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.
وأصل قضية فداء العباس في "صحيح البخاري" (3049) كتاب الجهاد، باب.
فداء المشركين 4/ 161.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ ﴾ إباحة للغنائم ولفداء الأسارى ﴿ إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ أي إن علم في قلوبكم إيماناً جبر عليكم ما أخذ منكم من الفدية، قال العباس: فيّ نزلت وكان قد افتدى يوم بدر، ثم أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال ما لا يقدر أن يحمله، فقال: قد أعطاني الله خيراً مما أخذ مني، وأنا أرجو أن يغفر لي.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن تكون ﴾ بالتاء الفوقانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ﴿ أسارى ﴾ يزيد والمفضل.
الآخرون ﴿ أسرى ﴾ من الأسارى.
يزيد أبو عمرو والمفضل.
الباقون من الأسرى.
﴿ من ولايتهم ﴾ بكسر الواو حمزة.
والباقون: بفتحها.
الوقوف: ﴿ في الأرض ﴾ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ حتى يهاجروا ﴾ ج ﴿ ميثاق ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حقا ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ في كتاب الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.
التفسير: هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ومعنى ما كان ما صح وما استقام والإثخان كثرة القتل وإشاعته من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة والمعنى فيه تذليل الكفر وإضعافه وإعزاز الإسلام وإظهاره بإشاعة القتل في الكفرة.
روي أن رسول الله أتى بسبعين أسيراً - فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب - فاستشار أبا بكر.
فيهم فقال: قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك.
وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم.
فقال النبي : "إن الله ليليِّن قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح قال ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" .
وروي إنه قال لهم: "إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم.
فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية" .
وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً.
"وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية فدخل عمر على رسول الله صل الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه" .
وروي أنه قال: "لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر.
وسعد بن معاذ لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إليّ" .
واعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام تمسكوا في هذا المقام بوجوه: الأول: ﴿ وما كان لنبي ﴾ صريح في النهي وقد حصل الأسر بدليل ﴿ قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ الثاني: أنهم أمروا بالقتل يوم بدر في قوله ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ فكان الأسر معصية.
وأجيب بأن قوله ﴿ حتى يثخن ﴾ يدل على أن الأسر كان مشروعاً ولكن بشرط الإثخان ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً فلعل العتاب إنما ترتب لأن الإثخان أمر غير مضبوط فظنوا أن ذلك القدر من القتل بلغ حد الإثخان فأخطأوا في الاجتهاد وكان قوله ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ تكليفاً مختصاً بحالة الحرب فلم يتناول الأسر بعد انهزام الكفار.
الثالث: قالوا: الحكم بأخذ الفداء معصية وإلا لم يتوجه الذم في قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ أي حطامها سمي بذلك لأنه سريع الزوال كالعرض قسيم الجوهر ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ أي ثوابها أو ما هو سبب الجنة وهو إعزاز الإسلام بإشاعة القتل في أعدائه.
وقرىء بجر الآخرة أي عرض الآخرة على التقابل.
﴿ والله عزيز ﴾ يغلب أولياؤه على أعدائه ويقهرونهم ويلجئونهم إلى القتل والفداء بعد الأسر ولكنه ﴿ حكيم ﴾ لا يرخص في أخذ الفداء إلا بعد إفشاء القتل في الأعداء.والجواب أن كل ذلك محمول على ترك الأولى وكذا الكلام في قوله ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحداً يخطىء في الاجتهاد لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم وحصول أولاد منهم مسلمين، وإن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعزّ للإسلام وأهيب لمن وراءهم.
قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر لأن المسلمين كانوا قليلين فلما كثروا وقوي إسلامهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ﴾ قال بعض العلماء: هذا الكلام يوهم أن مقتضى الآيتين مختلف وليس كذلك فإن كلتاهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان على الداء.
وعن سعيد بن جبير ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ بأنه سيحل لكم الفدية وكأن قرب الوقت من التحليل يوجب تخفيف العقاب.
وقال محمد بن إسحق ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي.
وحاصل هذا القول يرجع إلى ترك الأولى ذلك أن الأولى وغير الأولى يشتركان في كونهما مباحين وإنما يعاتب على ترك الأولى لا على سبيل العقوبة بل على سبيل الحث على فعل الأولى.
وعن بعضهم المراد حكم الله بأنه لا يعذب من شهد بدراً.
واعترض بأنه يلزم أن لا يكونوا مكلفين.
والجواب أن عدم العقاب على الذنب لا يوجب عدم التكليف فلعل التكليف لأجل زيادة الثواب.
وقيل: لولا كتاب سبق بالعفو عن هذه الواقعة لكان استحقاق مس العذاب حاصلاً.
روي أنهم أمسكوا عن الغنائم أو عن أخذ الفداء لأنه من جملة الغنائم فنزلت ﴿ فكلوا ﴾ والفاء للتسبيب ومعنى الآية قد أبحت لكم الغنائم فكلوا و ﴿ حلالاً ﴾ نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً ﴿ واتقوا الله ﴾ فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم تؤمروا به ﴿ إن الله غفور ﴾ لما فرط منكم من ترك الأولى ﴿ رحيم ﴾ فبذلك رخص لكم فيما رخص من أخذ الفداء ثم قال لاستمالة قلوب الأسارى ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله ﴾ إن يظهر معلومه أن ﴿ في قلوبكم خيراً ﴾ وهو الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول والتوبة عن محاربته ﴿ يؤتكم ﴾ في الدنيا ﴿ خيراً مما أخذ منكم ﴾ من المنافع العاجلة ﴿ ويغفر لكم ﴾ في الآخرة، أو المراد بالخير إيصال الثواب وبالمغفرة إزالة العقاب.
ثم إنا قد نعلم أن كل من خلص من الأسر وآمن فقد آتاه الله في الدنيا خيراً لدلالة الآية على ذلك إجمالاً، وذلك الخير إن كان دينياً فلا شك أن كلهم قد وجدوا ذلك لأن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر، وإن كان دنيوياً فتفضيل ذلك غير معلوم إلا ما روي عن بعضهم كالعباس روى أن رسول الله قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة.
وقال ابن عباس: نزلت الآية في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث.
وكان العباس أسر بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر فقال العباس.
كنت مسلماً إلا أنهم استكرهوني فقال : إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا.
قال العباس: وكلمت رسول الله أن يترك ذلك الذهب عليّ فقال: أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا.
قال: وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية وفداء نوفل بن الحرث.
فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً: فقال رسول الله عليه وسلم: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي فإن حدث فيّ حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل.
فقال العباس: وما يدريك؟
قال: أخبرني به ربي.
قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب.
قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جمع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
ثم قال ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ أي نكث ما بايعوك عليه، روي أنه لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاضدة المشركين كما هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر.
وقيل: المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء.
﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه.
﴿ فأمكن ﴾ أي المؤمنين ﴿ منهم ﴾ يوم بدر قتلاً وأسراً فذاقوا وبال أمرهم فسيمكن المؤمنين منهم مرة أخرى إن أعادوا الخيانة ﴿ والله عليم ﴾ بأحوالهم ﴿ حكيم ﴾ فيجازيهم على حسب أعمالهم.
واعلم أن رسول الله إنما ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ثم انتقل منها إلى المدينة، فمن المؤمنين من وافقه في الهجرة وهم المهاجرون الأولون، ومنهم من لم يوافقه في ذلك، ومنهم من هاجر بعد هجرته فذكر في خاتمة هذه السورة أحكام هذه الأصناف وأحوالهم مع ذكر أنصاره بالمدينة ومع ذكر الكفار أيضاً فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ويدخل فيه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والانقياد لجميع التكاليف ﴿ وهاجروا ﴾ فارقوا الأوطان وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ أما المجاهدة بالأموال فلأنهم إذا فارقوا الديار ضاعت مساكنهم ومزارعهم وضيعاتهم وبقيت في أيدي الأعداء واحتاجوا إلى الإنفاق في تلك العزيمة والسفرة وفي الغزوات والمحاربات، وأما المجاهدة بالأنفس فيكفي في وصف ذلك أنهم أقدموا على قتال أهل بدر من غير آلة ولا عدّة والأعداء في غاية الكثرة ونهاية الشدّة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وكانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الخصال، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وذلك أن غيرهم يقتدي بهم وتقوى دواعيهم بما يرون منهم، والمحن تخف على القلوب بالمشاركة، ولأن المهاجرين لهم سابقة في الإسلام ذكر الله الأنصار بعدهم فقال ﴿ والذين آووا ونصروا ﴾ أي الذين أنزلوا المهاجرين بهم وجعلوا لهم مأوى أي نصروهم على أعدائهم ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ أطبق جم غفير من المفسرين كابن عباس وغيره على أن المراد بهذه الولاية الإرث؛ كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون القرابة حتى نسخ ذلك بقوله ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ واستبعد الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله هذا التفسير لأنه يستلزم النسخ واستلزام النسخ محذور منه ما أمكن، ولأن لفظ الولاية يشعر بالقرب حيث يطلق دون الإرث كقولهم: السلطان ولي من لا ولي له.
وقال ﴿ ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ﴾ فإذن المراد أن المهاجرين والأنصار يعظم بعضهم بعضاً وبينهم معاونة وتناصر وأنهم يد واحدة على الأعداء، وأن حب كل واحد لغيره جار مجرى حبه لنفسه، أما قوله ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ﴾ فوجهت قراءة حمزة بأن تولي بعضهم بعضاً شبه بالعمل والصناعة والتجارة والقصارة كأنه بتولية صاحبه يزاول أمراً ويباشر عملاً.
قال المفسرون: لا يجوز أن يكون المراد بهذه الولاية النصرة والمعونة وإلا لم يصح عطف ﴿ وإن استنصروكم ﴾ عليه لأن الشيء لا يعطف على مثله، فالمراد بها الإرث كما مر.
وأجيب بأنا لو حملناهما على التعظيم زال الإشكال وحصل التغاير لأن أهل الإيمان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض الأحوال مع أنهم لا يوالونهم بمعنى الإجلال والتعظيم، وكذا قد ينصر المرء عبده ولا تعظيم جعل الله حكم هؤلاء المؤمنين متوسطاً بين الأولين وبين الكفرة من حيث إنه نفى عنهم الولاية قبل أن يهاجروا وأثبت لهم النصرة عند الاستنصار إلا على الكفار المعاهدين لأنهم لا يبدأون بالقتال.
ثم قال ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴾ ظاهره إثبات الموالاة بينهم والغرض نهي المسلمين عن مولاتهم وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارث بعضهم بعضاً.
وفيه أن المشركين واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وإن كان كل واحد منهم في نهاية الإنكار لصاحبه وذلك من أدل الدلائل أن تلك العداوة ليست لأجل الدين ولكنها محض الحسد والعناد، ومن جعل الولاية في هذه الآيات بمعنى الإرث استدل بذلك على أن الكفار في التوارث على اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي، واليهودي يرث النصراني وبالعكس.
ثم قال ﴿ لا تفعلوه ﴾ أي ما أمرتكم به من موالاة المسلمين المهاجرين ومن عدم موالاة غير المهاجرين إلا في حالة الاستنصار ومن عدم موالاة الكفرة أصلاً ﴿ تكن فتنة ﴾ أي تحصل مفاسد عظيمة ﴿ في الأرض ﴾ من تفرق الكلمة واختلاط المؤمن بالكافر ووقوع الهرج والمرج.
ثم كرر تعظيماً لشأن المؤمنين وثناء عليهم قوله ﴿ والذين آمنوا وهاجروا ﴾ الآية.
فوصفهم بأنهم هم المؤمنون حقاً و ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد تقدم تفسير مثله في أول السورة.
والحاصل أن هذه السعادات العالية إنما حصلت لهم لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال، وفيه تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات.
ثم وصف اللاحقين بالهجرة بعد السابقين إليها فقال ﴿ والذين آمنوا من بعد ﴾ نقل الواحدي عن ابن عباس: أن المراد بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية.
وقيل: بعد نزول الآية.
وقيل: بعد يوم بدر والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ﴿ فأولئك منكم ﴾ ألحقهم بالأولين تشريفاً للآخرين وتعظيماً لشأن السابقين، ولولا كون القسم الأول أشرف لما صح هذا الإلحاق.
ثم ختم الكلام بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ أي ذوو القرابات ﴿ بعضهم أولى ببعض ﴾ أي أحق بهم وأجدر ﴿ في كتاب الله ﴾ أي في حكمه وقسمته أو في اللوح أو في القرآن وهو آية المواريث.
وهذه الآية ناسخة عند الأكثرين للتوارث بالهجرة والنصرة، أما الذين فسروا تلك الولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم فإنهم قالوا: لما كانت تلك الولاية مخالفة للولاية بسبب الميراث بيّن الله في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة ذلك الوهم أعني إزالة وهم من يجعل الولاية بمعنى الإرث.
وقد تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام وهم ذوو قرابة ليست بسبب فرض ولا عصوبة أو كل قريب يخرج عن أصحاب الفروض والعصبات وإنهم عشرة أصناف: الجد أو الأم وكل جد وجدة ساقطين، وأولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وبنو الإخوة للأم والعم للأم، وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات.
والخلاف في أنه إذا لم يوجد ذو فرض أو عصبة فهل يورث ذوو الأرحام أو يوضع المال في بيت المال؟
فقدمهم أبو حنيفة على بيت المال للآية، وعكس الشافعي وقال: إن الآية مجملة في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية فلما قال ﴿ في كتاب الله ﴾ كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه فصارت هذه الآية مقيدة بأحكام آية الميراث فلا تبقى حجة في توريث ذوي الأرحام.
واعلم أنه قال في أول الآيات ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ في براءة بتقديم ﴿ في سبيل الله ﴾ لأن في هذه السورة تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة في قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ وفي قوله ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ أي من الفداء وفي قوله ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ وفي براءة تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله وهو قوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ﴾ وفي قوله ﴿ كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ﴾ ثم إنه حذف من الآية الثانية ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ اكتفاء بما في الأولى وحذف في الثالثة ﴿ في سبيل الله ﴾ أيضاً اكتفاء بما في الآيتين قبلها والله أعلم.
ثم ختم السورة بقوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكم وصواب وصلاح وليس فيها عيب وعبث، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أن الملائكة لما ﴿ قال أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ قال مجيباً لهم ﴿ أني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .
التأويل: ﴿ ما كان لنبي ﴾ الروح ﴿ أن يكون له أسرى ﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿ والله يريد الاخرة ﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿ عذاب عظيم ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿ حلالاً طيباً ﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم.
﴿ واتقوا الله ﴾ عما سواه ﴿ إن الله غفور ﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿ رحيم ﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به.
﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عنداستيلاء سلطان الذل عليها ﴿ أن يعلم الله في قلوبكم خيراً ﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿ يؤتكم خيراً ﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿ فأمكن منهم ﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿ والله عليم ﴾ بأحوالهم ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها.
﴿ والذين آووا ﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ ونصروا ﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿ والذين آمنوا ﴾ بأن الطلب حق ﴿ ولم يهاجروا ﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي.
﴿ وإن استنصروكم ﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿ فعليكم النصر ﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿ إلا على قوم ﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿ فأولئك منكم ﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم"
قوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: عاتب الله رسوله وأصحابه في أخذ الأسارى بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وبالغ في العتاب في أخذ الفداء من الأسارى بقوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ .
وكذلك روي عن رسول الله "أنه لما استشار أصحابه في الأسارى، أشار أبو بكر إلى أخذ الفداء، وعمر إلى القتل، فقال: لو نزل من السماء عذاب ما نجا إلا عمر" عاتبهم بالأخذ أخذ الأسارى، واشتد العتاب في أخذ الفداء، وأمر بالقتل وضرب الرقاب بقوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ إنما أمر بضرب الرقاب وضرب البنان، وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ...
﴾ الآية [الأنفال: 68] على العتاب؛ إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.
وعن ابن عباس قال: لم يكن الأنبياء - صلوات الله عليهم - فيما مضى يكون لهم أسارى حتى يثخنوا في الأرض.
وعن سعيد بن جبير قال: لا يفادى أسارى المشركين، ولا يمن عليهم حتى يثخنوا بالقتل، ثم تلا: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ﴾ الآية [محمد: 4]؛ إلى هذا ذهب هؤلاء.
وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ ﴾ .
يخرج تأويل الآية على وجهين: أحدهما: يقول: ما كان لنبي أن يأخذ من الأسرى الفداء، ﴿ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: يغلب، حتى إذا أخذ الفداء وسرحهم بعد ما غلب في الأرض، يكون رجوعهم إلى غير منعة وشوكة، وإذا لم يغلب في الأرض، أي: حتى يصير الدين كله لله؛ كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ الآية [البقرة: 193]، هذا كان لمن قبله، فرخص لرسوله ذلك.
وقيل في قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ بوجوه: أحدها: ما قال أبو بكر الأصم: تأويله: لولا كتاب من الله سبق ألا يعذب المخطئين في عملهم على خلاف أمره، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم من الأسارى والفداء منهم عذاب عظيم.
وقال آخرون: قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : أي: أحل الغنائم لهذه الأمة، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم واستحللتم عذاب عظيم.
وقال بعضهم: لولا كتاب من الله سبق أنهم يتوبون عما عملوا من الأخذ وغيره، وأنه يتوب عليهم، وإلا لمسكم العذاب [بذلك وأمكن أن يكون] التأويل في غير هذا كان في قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ دلالة إباحة الأمر ورخصته؛ لأنه قال: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ هو الإبانة من المفصل الذي تبان به الرءوس، وذلك قلما يمكن في القتال، ولا يقدر إبانه الرءوس في الحرب، إنما يمكن ذلك بعد ما أخذوا أو وقعوا في أيديهم.
وأما ما ذكر من ضرب البنان: فهو في الحرب؛ لأنه في الحرب إنما يضرب فيما ظفر ووجد السبيل إلى ذلك، ففيه دلالة.
وتأويل قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ...
﴾ الآية: يحتمل أن يكون ملحقاً على ما سبق من قوله: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [الأنفال: 5-6]، أي: لولا [أن] من حكم الله أن يجعل لكم الظفر على إحدى الطائفتين، وإلا لمسكم العذاب بمجادلتكم رسول الله ومخالفتكم إياه في الخروج وإرادتكم العير.
أو أن يقال: لولا أن من حكم الله ألا يعذب أحداً ولا يؤاخذه في الخطأ في العمل بالاجتهاد وإلا لمسكم ﴿ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ أَخَذْتُمْ ﴾ أي: عملتم.
ثم قالت المعتزلة: في قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ دلالة على أن الله لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعصية؛ لأنه أخبر أنهم أرادوا عرض الدنيا، وهو يريد الآخرة، فهم أرادوا المعصية، وهو يريد لهم الآخرة.
ولكن التأويل عندنا أن قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ ، أي: تريدون عرض الدنيا، والله يريد حياة الآخرة وعرضها.
وبعد، فإنه قد كان الله أراد لهم الآخرة وحياتها، وهم أرادوا العير وعرض الدنيا، وقد كان ما أراد الله لهم لا ما أرادوا هم، أي: اختار لهم غير ما اختاروا هم.
وأصله أن الله - عز وجل - أراد الآخرة لأهل بدر، فكان ما أراد، ولأولئك الكفرة النار، فكان ما أراد؛ كقوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .
والأشبه أن تكون الإرادة - هاهنا - المودة والمحبة، أي: تودون وتحبون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ ، كانوا يودون أن القتال مع غير ذات الشوكة؛ حتى تكون لهم الغنائم.
والإرادة التي تضاف إلى الله تخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: الرضا؛ كقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ ، كانوا يستدلون بتركه إياهم على أن الله قد رضي بصنيعهم.
والثاني: الإرادة: الأمر؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
والثالث: الإرادة هي صفة فعل كل فاعل يخرج فعله على غير سهو وغفلة ولا طبع؛ بل يخرج على الاختيار.
وقال بعض أهل التأويل: "إن رسول الله استشار في أسارى يوم بدر أصحابه، فقال لأبي بكر: يا أبا بكر، ما تقول فيهم؟
فقال: يا رسول الله؛ قومك وأهلك، فاستبقهم [واستأمنهم] لعل الله يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله؛ كذبوك وأخرجوك، قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب، فأدخلهم فيه وأضرمه عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله فلم يجبهم شيئاً، ثم قام فدخل، فقال ناس: يقول بقول أبي بكر، وقال ناس: يقول بقول عمر، وقال ناس: يقول بقول عبد الله، ثم خرج عليهم رسول الله فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى؛ حيث قال: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ وإن مثلك يا عمر كمثل موسى؛ حيث قال: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، وقال: يا عمر، إن مثلك كمثل نوح؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً ﴾ ، ولا يسألن أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق، قال عبد الله: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله : إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ ﴾ إلى آخر ما ذكر" .
ثم يحتمل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قبلكم، وأما أنتم فقد أحلت لكم الأسارى والغنيمة، ويدل - أيضاً - ما روي من الأخبار والآيات على أنه إذا أثخن في الأرض جاز له الأسر؛ لأنه لو لم يجز ذلك كما لا يجوز قبل الإثخان في الأرض، زالت فائدة الخصوص، وقد بين الله ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ﴾ .
ثم اختلف أهل العلم في فداء الأسارى بالمال؛ قال ابن عباس - - كان ذلك يوم بدر والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله - - في الأسارى: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ ، فجعل النبي والمؤمنين بالخيار: إن شاءوا فدوهم.
وعن الحسن قال: يصنع به ما صنع رسول الله بأسارى بدر يمن عليه أو يفادي.
وقال غيرهم بخلاف ذلك.
وقال أصحابنا: إن احتاج الإمام إلى مال فاداهم.
وقد دل ما ذكرنا من الآيات والأخبار على جواز الفداء بعد الإثخان فيهم، فإن لم يكن إلى المال محتاجاً فله قتلهم، لأن ذلك إنكاء في العدو وأشد لرهبتهم من المؤمنين، وقال: وله أن يسترقهم، فهو كما قالوا: إذا كان الأسير من أهل الكتاب أو من العجم، فأما عرب عبدة الأوثان فلا يسترقون؛ لأنا لا نعلم أحداً منهم استرقه النبي لما أسره، ولم يبلغنا أن أبا بكر استرق واحداً من أهل الردة، وكيف يجوز استرقاقهم وقد قال الله - -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ .
وأمّا الفداء والقتل: فقد ظهر من فعل رسول الله في أسارى بدر.
وفيما روي من الاستشارة - استشارة النبي أصحابه في الأسارى - دلالة العمل بالاجتهاد، وفيما روي في الخبر عن نبي الله - - قال لأبي بكر، وعمر: "يا أبا بكر ويا عمر، إن ربي يوحي إلي أن أشاوركما، ولولا أنكما تختلفان ما عصيتكما، أو ما عملت بخلاف رأيكما فيه" - أنه لا يجوز لأحد أن يخالفهما، ورسول الله يقول: "لولا أنكما تختلفان ما عصيتكما، أو ما عملت بخلاف رأيكما" ثم ما أخذ من الأسارى من الفداء لا يدري على أي وجه أخذ على الترك أو الردّ إلى أوطانهم من غير أن تركهم بالجزية؛ إذ من قولهم ألا يجوز الجزية [منهم] والترك على ذلك.
وفي الآية دلالة ذلك، وهو قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ .
وفي الخبر: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" إلا أن يقال: إن المفاد إلا التي ذكر كان هذا، وهذا كان بعده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ واحد، كل حلال طيب، وكل حرام خبيث، وإنما يطيب إذا حل، ويخبث إذا حرم، ولكن يحتمل قوله: ﴿ حَلاَلاً ﴾ بالشرع، ﴿ طَيِّباً ﴾ في الطبع، وكذلك الحرام هو حرام بالشرع، وخبيث بالطبع، وإنما يتكلم بالحل والحرمة من جهة الشرع، والطيب والخبيث بالطبع.
والطيب: هو الذي يتلذذ به ولا تبعة فيه؛ لأن خوف التبعة ينغص عليه ويذهب بطيبه ولذته.
وجائز ما ذكر من الطيب - هاهنا - لما أن أهل الشرك كانوا يأخذون الأموال ويجمعونها من وجه لا يحل، وبأسباب فاسدة، فيكرهون التناول منها إذا غنموها لتلك الأسباب الفاسدة، فطيب قلوبهم بقوله: ﴿ طَيِّباً ﴾ .
وفيه دليل جواز التقلب في البيع الفاسد وطيب التناول منه، وإن كان مكتسباً بأسباب فاسدة بعد أن يكون بإذن؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا.
وفيه دلالة أن أهل الكفر لا يؤاخذون بالأفعال التي كانت لهم في الكفر، ولا ما كانوا تركوا من العبادات؛ لما ليست عليهم، إنما يؤاخذون بالاعتقاد.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
فيما أمركم به ونهاكم عنه فلا تعصوه.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
لمن تاب ورجع عما فعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ قال عامة أهل التأويل: إن الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب وأصحابه، وكذلك يقول ابن عباس: قالوا للنبي: آمنا بما جئت به، ونشهد إنك رسول الله؛ فنزل: ﴿ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ ، أي: إن يعلم الله اعتقاد الإيمان والتصديق له في قلوبكم، ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ ، أي: إيماناً وتصديقاً، فيخلف عليكم خيراً مما أصيب عليكم.
لكنها فيه وفي غيره: من فعل مثل فعله فهو في ذلك سواء، يكون له من الموعود الذي ذكر ما يكون له.
وقوله: ﴿ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ .
وهو الإيمان الذي علم أنهم اعتقدوا في قلوبهم.
وقوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ .
أي: آتاكم خيراً - وهو الإيمان - مما أخذ منكم من المال الذي ذكر في القصة.
ويجوز "يفعل" مكان "فعل"؛ كقوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ، أي: قال المنافقون، وذلك كثير في القرآن؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ ﴾ أيضاً، أي: يثيبكم ويعطيكم أفضل مما أخذ منكم في الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لما كان في الشرك؛ كقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ ﴾ للذنوب، وذو تجاوز، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ يرحم في الإسلام.
ويحتمل قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ من الفداء، أو ما أخذ منهم بمكة؛ أخبر أنه يؤتهم خيراً من ذلك في الدنيا من الأموال وغيرها.
والإثخان: قال ابن عباس: القتل.
قال أبو معاذ: (يثخنون)، أي: يذلون، المثخن: الذليل.
[و] قال أبو عوسجة: ﴿ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ \[أي: يثخن في أهل الأرض\]، يكثر القتلى والجراحات؛ يقال: أثخنت في القوم: إذا أكثرت فيهم القتل والجراحات، ويقال: ضربه حتى أثخنه، أي: ضربه حتى لا يقدر على القيام، وهو ما ذكر محمد في بعض مسائله: أنه إذا رمى صيداً بسهم فأصابه حتى أثخنه، ثم رمى آخر بسهم فأصابه - فإنه للأول؛ لما أنه صيره بالإثخان خارجاً من أن يكون صيداً، وهو الضرب الذي وصفناه.
وثخن يثخن ثخانة فهو ثخين، وثخن يثخن ثخونة واحد، أي: غلظ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ .
يحتمل أن تكون الآية صلة ما سبق من الآيات، وهو قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 56]، وقوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 62] وغير ذلك ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ ونحوه، فقال: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ﴾ : في نقض العهد وغير ذلك الأمانات، ﴿ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ \[يحتمل قوله: فقد خانوا الله من قبل\] فيما عاهدوا أن يوفوا ذلك كقولهم: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ فقد أنجاهم الله عن ذلك فلم يكونوا من الشاكرين، وكقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، فقد آتاهم الله ذلك فلم يفوا ما عاهدوا، وغير ذلك من العهود التي عاهدوا، والأمانات التي أؤتمنوا فيها، فخانوا الله في ذلك.
أو ما عهد إليهم في أمر محمد، وإظهار نعته وصفته في كتبهم، فكتموا ذلك، وحرفوه، وأظهروا خلاف نعته وصفته، فذلك منهم خيانة، فيقول: إنهم قد خانوا الله من قبل، فأمكن الله منهم، فإذا خانوك يمكنك الله منهم أيضاً.
وقوله: ﴿ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ \[قال بعضهم: أمكن منهم\] أي: انتقم منهم جزاء خيانتهم، وقال [بعضهم]: أمكنك حتى انتقمت منهم.
وقوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ﴾ ليس على الإرادة، ولكن على وقوع فعل الخيانة؛ كأنه قال: وإن خانوك فقد خانوا الله من قبل، لكنه ذكر الإرادة؛ لما هي صفة كل فاعل مختار؛ لما لا تكون الأفعال إلا بإرادة.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ : بما يسرون ويضمرون من الخيانة ونقض العهود، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره وحكمه حيث أمكنك منهم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ أي: خانوك بعد إسلامهم بالكفر بك.
﴿ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ أي: فقد كفروا بالله قبل هذا؛ يقول: إن خانوك أمكنك منهم فقتلتهم وأسرتهم، كما فعلت بهم ببدر.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بخلقه، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها النبي، قل لمن وقع في أيديكم من أسرى المشركين الذين أسرتموهم يوم بدر: إن يعلم الله في قلوبكم بصد الخير، وصلاح النية يعطكم خيرًا مما أُخِذ منكم من الفداء فلا تحزنوا على ما أُخِذ منكم منه، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم به، وقد تحقق وعد الله للعباس عم النبي وغيره ممن أسلم.
<div class="verse-tafsir" id="91.MVJaY"