الآية ٩ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٩ من سورة الأنفال

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ال الإمام أحمد : حدثنا أبو نوح قراد ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل ، حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : لما كان يوم بدر نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه ، وهم ثلاثمائة ونيف ، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة ، فاستقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - القبلة ، ثم مد يديه ، وعليه رداؤه وإزاره ، ثم قال : اللهم أين ما وعدتني ، اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا ، قال : فما زال يستغيث ربه [ عز وجل ] ويدعوه حتى سقط رداؤه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه ، ثم التزمه من ورائه ، ثم قال : يا رسول الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله - عز وجل - : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) فلما كان يومئذ والتقوا ، فهزم الله المشركين ، فقتل منهم سبعون رجلا وأسر منهم سبعون رجلا واستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر وعليا وعمر فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية ، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار ، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما ترى يا ابن الخطاب ؟

قال : قلت : والله ما أرى ما رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين ، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم ، فهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، وأخذ منهم الفداء ، فلما كان من الغد - قال عمر - غدوت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وهما يبكيان ، فقلت : يا رسول الله ، [ أخبرني ] ما يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما !

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء ، قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة ، وأنزل الله [ عز وجل ] ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) إلى قوله : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ) [ الأنفال : 67 ، 68 ] من الفداء ، ثم أحل لهم الغنائم ، فلما كان يوم أحد من العام المقبل ، عوقبوا مما صنعوا يوم بدر ، من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون ، وفر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، فأنزل الله [ عز وجل ] ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) [ آل عمران : 165 ] بأخذكم الفداء .

.

ورواه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن مردويه ، من طرق عن عكرمة بن عمار ، به .

وصححه علي بن المديني والترمذي ، وقالا لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليماني .

وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي ، عن ابن عباس : أن هذه الآية الكريمة قوله : ( إذ تستغيثون ربكم [ فاستجاب لكم ] ) أنها في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا قال يزيد بن يثيع ، والسدي ، وابن جريج .

وقال أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح قال : لما كان يوم بدر ، جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يناشد ربه أشد النشدة يدعو ، فأتاه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : يا رسول الله ، بعض نشدتك ، فوالله ليفين الله لك بما وعدك .

وقال البخاري في " كتاب المغازي " ، باب قول الله - عز وجل - : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ) إلى قوله : ( فإن الله شديد العقاب ) حدثنا أبو نعيم ، حدثنا إسرائيل ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب قال : سمعت ابن مسعود يقول : شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين ، فقال : لا نقول كما قال قوم موسى لموسى : ( اذهب أنت وربك فقاتلا ) [ المائدة : 24 ] ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ، وبين يديك وخلفك ، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرق وجهه وسره - يعني قوله .

وحدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر : اللهم أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد ، فأخذ أبو بكر بيده ، فقال : حسبك !

فخرج وهو يقول : (سيهزم الجمع ويولون الدبر ) [ القمر : 45 ] .

ورواه النسائي عن بندار عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي .

وقوله تعالى : ( بألف من الملائكة مردفين ) أي : يردف بعضهم بعضا ، كما قال هارون بن عنترة عن ابن عباس : ( مردفين ) متتابعين .

ويحتمل أن [ يكون ] المراد ) مردفين ) لكم ، أي : نجدة لكم ، كما قال العوفي ، عن ابن عباس : ( مردفين ) يقول : المدد ، كما تقول : ائت الرجل فزده كذا وكذا .

وهكذا قال مجاهد ، وابن كثير القارئ ، وابن زيد : ( مردفين ) ممدين .

وقال أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) قال : وراء كل ملك ملك .

وفي رواية بهذا الإسناد : ( مردفين ) قال : بعضهم على أثر بعض .

وكذا قال أبو ظبيان ، والضحاك ، وقتادة .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري ، حدثني عبد العزيز بن عمران ، عن الزمعي ، عن أبي الحويرث ، عن محمد بن جبير ، عن علي - رضي الله عنه - قال : نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها أبو بكر ، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا في الميسرة .

وهذا يقتضي - لو صح إسناده - أن الألف مردفة بمثلها ؛ ولهذا قرأ بعضهم : مردفين بفتح الدال ، فالله أعلم .

والمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : وأمد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بألف من الملائكة ، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة ، وميكائيل في خمسمائة مجنبة .

وروى الإمام أبو جعفر بن جرير ، ومسلم ، من حديث عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل سماك بن وليد الحنفي ، عن ابن عباس ، عن عمر ، الحديث المتقدم .

ثم قال أبو زميل حدثني ابن عباس قال : بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول : " أقدم حيزوم " إذ نظر إلى المشرك أمامه ، فخر مستلقيا قال : فنظر إليه ، فإذا هو قد خطم أنفه ، وشق وجهه كضربة السوط ، فاخضر ذلك أجمع ، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : صدقت ، ذلك من مدد السماء الثالثة ، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين .

وقال البخاري : " باب شهود الملائكة بدرا " : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا جرير ، عن يحيى بن سعيد ، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي ، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال : جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما تعدون أهل بدر فيكم ؟

قال : من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال : وكذلك من شهد بدرا من الملائكة .

انفرد بإخراجه البخاري وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج ، وهو خطأ والصواب رواية البخاري ، والله [ تعالى ] أعلم .

وفي الصحيحين : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر لما شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة : إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ، حين تستغيثون ربكم= ف " إذْ" من صلة " يبطل ".

* * * ومعنى قوله: (تستغيثون ربكم)، تستجيرون به من عدوكم, وتدعونه للنصر عليهم=" فاستجاب لكم " فأجاب دعاءكم، (1) بأني ممدكم بألف من الملائكة يُرْدِف بعضهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا.

(2) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

* ذكر الأخبار بذلك: 15734- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك, عن عكرمة بن عمار قال، حدثني سماك الحنفي قال، سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر، ونظرَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعِدّتهم, ونظر إلى أصحابه نَيِّفا على ثلاثمئة, فاستقبل القبلة, فجعل يدعو يقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني!

اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض!

"، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه, وأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوضع رداءه عليه, ثم التزمه من ورائه, (3) ثم قال: كفاك يا نبي الله، بأبي وأمي، مناشدتَك ربك, فإنه سينجز لك ما وعدك!

فأنـزل الله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) .

(4) 15735- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: لما اصطفَّ القوم, قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره!

ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا!

15736- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم ربنا أنـزلت علي الكتاب, وأمرتني بالقتال, ووعدتني بالنصر, ولا تخلف الميعاد!

فأتاه جبريلُ عليه السلام, فأنـزل الله: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ، (5) [سورة آل عمران: 124-125] .

15737- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي إسحاق, عن زيد بن يُثَيْع قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: اللهم انصر هذه العصابة, فإنك إن لم تفعل لن تعبد في الأرض!

قال: فقال أبو بكر: بعضَ مناشدتك مُنْجِزَك ما وعدك.

(6) 15738- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ويستغيثه ويستنصره, فأنـزل الله عليه الملائكة.

15739- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (إذ تستغيثون ربكم)، قال: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .

15740- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (إذ تستغيثون ربكم)، أي: بدعائكم، حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم= " فاستجاب لكم "، بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم معه.

(7) 15741- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي حصين, عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر جعل النبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه أشد النِّشدة يدعو، (8) فأتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، بعض نِشْدَتك, فوالله ليفيَنَّ الله لك بما وعدك!

* * * وأما قوله: (أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)، فقد بينا معناه.

(9) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15742- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)، يقول: المزيد, كما تقول: " ائت الرجل فزده كذا وكذا ".

15743- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أحمد بن بشير, عن هارون بن عنترة [عن أبيه]، عن أبيه, عن ابن عباس: (مردفين)، قال: متتابعين.

(10) 15744- .

.

.

.

قال، حدثني أبي, عن سفيان, عن هارون بن عنترة, [عن أبيه]، عن ابن عباس, مثله.

(11) 15745- حدثني سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت قال، حدثنا أبو كدينة, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس: (ممدكم بألف من الملائكة مردفين)، قال: وراء كل ملك ملك.

(12) 15746 - حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن أبي كدينة يحيى بن المهلب, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس: (مردفين)، قال: متتابعين.

(13) 15747- .

.

.

.

قال، حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج بن أرطأة, عن قابوس قال: سمعت أبا ظبيان يقول: (مردفين)، قال: الملائكة، بعضهم على إثر بعض.

(14) 15748- .

.

.

.

قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: (مردفين)، قال: بعضهم على إثر بعض.

15749- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

15750- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (مردفين)، قال: ممدِّين= قال ابن جريج, عن عبد الله بن كثير قال: (مردفين)، " الإرداف "، الإمداد بهم.

15751- حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (بألف من الملائكة مردفين)، أي متتابعين.

15752- حدثنا [محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور] قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بألف من الملائكة مردفين)، يتبع بعضهم بعضًا.

(15) 15753- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (مردفين)، قال: " المردفين "، بعضهم على إثر بعض, يتبع بعضهم بعضًا.

15754- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (بألف من الملائكة مردفين)، يقول: متتابعين، يوم بدر.

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: " مُرْدَفِينَ"، بنصب الدال.

* * * وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين والبصريين: (مُرْدِفِينَ) .

* * * وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك, ويقول فيما ذكر عنه: هو من " أردف بعضهم بعضًا ".

* * * وأنكر هذا القول من قول أبي عمرو بعض أهل العلم بكلام العرب وقال: إنما " الإرداف "، أن يحمل الرجل صاحبه خلفه.

قال: ولم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر.

* * * واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قرئ بفتح الدال أو بكسرها.

فقال بعض البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قرئ بالكسر: أن الملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضًا، على لغة من قال: " أردفته ".

وقالوا: العرب تقول: " أردفته ".

و " رَدِفته ", بمعنى " تبعته " و " أتبعته "، واستشهد لصحة قولهم ذلك بما قال الشاعر: (16) إِذَا الْجَـــوْزَاءُ أرْدَفَــتِ الثُّرَيَّــا ظَنَنْــتُ بِــآلِ فَاطِمَــةَ الظُّنُونَـا (17) قالوا: فقال الشاعر: " أردفت ", وإنما أراد " ردفت "، جاءت بعدها, لأن الجوزاء تجئ بعد الثريا.

وقالوا معناه إذا قرئ(مردَفين)، أنه مفعول بهم, كأن معناه: بألف من الملائكة يُرْدِف الله بعضهم بعضًا.

(18) * * * وقال آخرون: معنى ذلك، إذا كسرت الدال: أردفت الملائكة بعضها بعضًا= وإذا قرئ بفتحها: أردف الله المسلمين بهم.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ )، بكسر الدال، لإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم، أن معناه: يتبع بعضهم بعضًا، ومتتابعين= ففي إجماعهم على ذلك من التأويل، الدليلُ الواضح على أن الصحيح من القراءة ما اخترنا في ذلك من كسر الدال, بمعنى: أردف بعض الملائكة بعضًا, ومسموع من العرب: " جئت مُرْدِفًا لفلان "، أي: جئت بعده.

وأما قول من قال: معنى ذلك إذا قرئ " مردَفين " بفتح الدال: أن الله أردفَ المسلمين بهم= فقولٌ لا معنى له، إذ الذكر الذي في " مردفين " من الملائكة دون المؤمنين.

وإنما معنى الكلام: أن يمدكم بألف من الملائكة يُرْدَف بعضهم ببعض.

ثم حذف ذكر الفاعل, وأخرج الخبر غير مسمَّى فاعلُه, فقيل: (مردَفين)، بمعنى: مردَفٌ بعض الملائكة ببعض.

ولو كان الأمر على ما قاله من ذكرنا قوله، وجب أن يكون في " المردفين " ذكر المسلمين، لا ذكر الملائكة.

وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر القرآن.

وقد ذكر في ذلك قراءة أخرى, وهي ما:- 15755- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال عبد الله بن يزيد: " مُرَدِّفِينَ" و " مُرِدِّفِينَ" و " مُرُدِّفِينَ", مثقَّل (19) على معنى: " مُرْتَدِفين ".

15756- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الزمعي, عن أبي الحويرث, عن محمد بن جبير, عن علي رضي الله عنه قال: نـزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله عنه, ونـزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم , وأنا فيها.

(20) ---------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " استجاب " فيما سلف ص : 321 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(2) انظر تفسير " الإمداد " فيما سلف 1 : 307 ، 308 7 : 181 .

(3) " التزمه " ، احتضنه أو اعتنقه .

(4) الأثر : 15734 - " عكرمة بن عمار اليمامي العجلي " ، ثقة ، مضى برقم : 849 ، 2185 ، 8224 ، 13832 .

و " سماك الحنفي " ، هو " سماك بن الوليد الحنفي " ، " أبو زميل " ، ثقة .

مضى برقم : 13832 .

وهذا الخبر ، رواه مسلم في صحيحه 12 : 84 - 87 ، مطولا من طريق هناد بن السري ، عن عبد الله بن المبارك ، عن عكرمة .

رواه أحمد في مسنده رقم : 208 ، 221 ، من طريق أبي نوح قراد ، عن عكرمة ابن عمار .

مطولا .

وروى بعضه أبو داود في سننه 3 : 82 .

ورواه الترمذي في كتاب التفسير ، مختصرًا ، من طريق محمد بن بشار ، عن عمر بن يونس اليمامي ، عن عكرمة ، وقال " هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه من حديث عمر ، إلا من حديث عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل " .

ورواه أبو جعفر الطبري في تاريخه ، من الطريق نفسها 2 : 280 .

(5) الأثر : 15736 - هذا الخبر لم يذكره أبو جعفر في تفسير آية سورة آل عمران 7 : 173 - 190 .

(6) الأثر : 15737 - " أبو إسحاق " ، هو الهمداني السبيعي ، وكان في المطبوعة " ابن إسحاق " غير ما في المخطوطة ، فأساء .

و " زيد بن يثيع الهمداني " ، ويقال : " ...

أثيع " و " أثيل " .

آخره لام .

روى عن أبي بكر الصديق ، وعلي ، وحذيفة ، وأبي ذر ، وعنه أبو إسحاق السبيعي فقط .

ذكره ابن حبان في الثقات ، مترجم في التهذيب ، وابن سعد : 155 ، والكبير 2 1 373 ، وابن أبي حاتم 1 2 573 في " زيد بن نفيع الهمداني " ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه ، ولكن العجب أنه كان هناك في المطبوعة والمخطوطة ، " زيد بن نفيع " أيضًا .

و " يثيع " بالياء والثاء، مصغرًا ، هكذا ضبط .

وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق : 249 : "يثيع" "يفعل" من "ثاع، يثيع" ، إذا اتسع وانبسط .

(7) الأثر : 15740 - سيرة ابن هشام 2 : 322 ، 323 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15731 ، وليس في سيرة ابن هشام " معه " ، في آخر الخبر .

(8) " النشدة " ( بكسر فسكون ) مصدر : " نشدتك الله " ، أي سألتك به واستحلفتك .

(9) انظر ما سلف ص : 409 .

(10) الأثر : 15743 - " أحمد بن بشير الكوفي " ، مضى برقم 7819 ، 11084 .

و " هارون بن عنترة بن عبد الرحمن " ، مضى مرارًا كثيرة آخرها : 11084 .

وأبوه " عنترة بن عبد الرحمن " ، مضى أيضًا ، انظر رقم 11084 .

(11) الأثر : 15744 .

زيادة " عن أبيه " بين قوسين ، هو ما أرجح أنه الصواب ، وأن إسقاطها من الناسخ .

انظر الإسناد السالف .

(12) الأثر : 15745 - " سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 5994 ، 9745 .

و " محمد بن الصلت بن الحجاج الأسدي " ، مضى برقم : 3002 ، 5994 ، 9745 .

و " أبو كدينة " ، " يحيى بن المهلب البجلي " ، مضى برقم : 4193 ، 5994 ، 9745 .

و " قابوس بن أبي ظبيان الجنبي " ، مضى برقم : 9745 ، 10683 .

وأبوه " أبو ظبيان " ، هو : " حصين بن جندب الجنبي " ، مضى برقم : 9745 ، 10683 .

(13) الأثر : 15746 - انظر رجال الأثر السالف .

(14) الأثر : 15747 - " هانئ بن سعيد النخعي " ، شيخ ابن وكيع ، سلف برقم : 13159 ، 13965 ، 14836 .

(15) الأثر : 15752 - صدر هذا الإسناد خطأ لا شك فيه .

وهو كما وضعته بين القوسين ، جاء في المطبوعة .

أما المخطوطة ، فهو فيها هكذا : " حدثنا محمد بن عبد الله قال ، حدثنا محمد ابن ثور قال ، حدثنا بن عبد الأعلى قال حدثنا أحمد بن المفضل ...

" ، وهو خلط لا ريب ، وهما إسنادان .

فالإسناد الأول ، هو : " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد ثور ، عن معمر ...

" ، وهو إسناد دائر في التفسير .

والإسناد الثاني ، وهو هذا كما يجب أن يكون : " حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل ...

" ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم : 15738 .

وظاهر أنه قد سقط تمام إسناد " محمد بن عبد الأعلى " .

(16) هو : حزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، من قدماء الشعراء في الجاهلية .

و " حزيمة " بالحاء المهملة المفتوحة ، وكسر الزاي ، هكذا ضبطه في تاج العروس ، وقال : " وحزيمة بن نهد " في قضاعة .

وهو في كتب كثيرة " خزيمة بن نهد " ، أو " خزيمة بن مالك بن نهد " ( اللسان : ردف ) .

وقد قرأت في جمهرة الأنساب لابن حزم : 418 ، أن " نهد بن زيد " ، ولد " خزيمة " و " حزيمة " ، فهذا يقتضي التوقف والنظر في ضبطه ، وأيهما كان صاحب القصة والشعر .

وإن كان الأرجح هو الأول .

(17) الأغاني 13 : 78 ، معجم ما استعجم : 19 ، سمط اللآلئ : 100 ، شرح ديوان أبي ذؤيب : 145 .

المعارف لا بن قتيبة : 302 ، الأزمنة والأمكنة 2 : 130 ، جمهرة الأمثال : 31 ، الأمثال للميداني 1 : 65 ، اللسان ( ردف ) ، ( قرظ ) .

وسبب هذا الشعر : أن حزيمة بن نهد كان مشئومًا فاسدًا متعرضًا للنساء ، فعلق فاطمة بنت يذكر ابن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، ( وهو أحد القارظين المضروب بهما المثل ) ، فاجتمع قومه وقومها في مربع ، فلما انقضى الربيع ، ارتحلت إلى منازلها فقيل له : يا حزيمة : لقد ارتحلت فاطمة !

قال : أما إذا كانت حية ففيها أطمع !

ثم قال في ذلك : إِذَا الْجَـــوْزَاءُ أرْدَفَــتِ الثُّرَيَّــا ظَنَنْــتُ بِـــآلِ فَاطِمَــةَ الظُّنُونَـا ظَنَنْـتُ بِهَـا , وَظَـنُّ المـرء حُوبٌ وَإنْ أَوْفَــى , وَإِنْ سَــكَنَ الحَجُونـا وَحَــالَتْ دُونَ ذَلِـكَ مِـنْ هُمُـومِي هُمُــومٌ تُخْــرِيُج الشَّـجَنَ الدَّفينَـا أَرَى ابْنَـةَ يَذْكُــرٍ ظَعَنَـتْ فَحَـلَّتْ جَـنُوبَ الْحَـزْنِ , يـا شَـحَطًا مُبِينَا !

فبلغ ذلك ربيعة ، فرصدوه ، حتى أخذوه فضربوه .

فمكث زمانًا ، ثم أن حزيمة قال ليذكر ابن عنزة : أحب أن تخرج حتى نأتي بقرظ .

فمرا بقليب فاستقيا ، فسقطت الدلو ، فنزل يذكر ليخرجها .

فلما صار إلى البئر ، منعه حزيمة الرشاء ، وقال : زوجني فاطمة !

فقال : على هذه الحال ، اقتسارًا !

أخرجني أفعل !

قال : لا أخرجك !

فتركه حتى مات فيها .

فلما رجع وليس هو معه ، سأله عنه أهله ، فقال : فارقني ، فلست أدري أين سلك !

فاتهمته ربيعة ، وكان بينهم وبين قومه قضاعة في ذلك شر ، ولم يتحقق أمر فيؤخذ به ، حتى قال حزيمة : فَتَــاةٌ كَــأَنَّ رُضَــابَ العَبِــيرِ بِفِيهَــا , يُعَــلُّ بِــهِ الزَّنْجَــبِيلُ قَتَلْــتُ أَبَاهَــا عَــلَى حُبِّهَــا , فَتَبْخَـــلُ إنْ بَخِـــلَتْ أوْ تُنِيــلُ عندئذ ، ثارت الحرب بين قضاعة وربيعة .

قال أبو بكر بن السراج في معنى بيت الشاهد : " إن الجوزاء تردف الثريا في اشتداد الحر ، فتتكبد السماء في آخر الليل ، وعند ذلك تنقطع المياه وتجف ، فيتفرق الناس في طلب المياه ، فتغيب عنه محبوبته ، فلا يدري أين مضت ، ولا أين نزلت " .

وانظر أيضًا شرحه في الأزمنة والأمكنة 2 : 130 ، 131 .

(18) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 404 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 241 .

(19) ضبطها القرطبي في تفسيره 7 : 371 .

(20) الطبري : 15756 - " عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري " ، الأعرج ، يعرف " بابن أبي ثابت " ، كان صاحب نسب وشعر ، ولم يكن صاحب حديث ، وكان يشتم الناس ويطعن في أحسابهم .

قال البخاري " منكر الحديث ، لا يكتب حديثه " ، وقال ابن أبي حاتم : " منكر الحديث جدًا " .

مضى برقم : 8012 .

و" الزمعي " ، هو " موسى بن يعقوب الزمعي القرشي " ، ثقة ، متكلم فيه مضى برقم : 9923 ، زكان في المطبوعة هناك " الربعي " ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وهذا صوابه ، وهو الذي يروى عن أبي الحويرث .

و " أبو الحويرث " هو : " عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث الأنصاري الزرقي " ، ثقة ، متكلم فيه حتى قالوا : " لا يحتج بحديثه ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/284 ، و"محمد بن جبير بن مطعم" ، ثقة تابعي مضى برقم: 9269.

وهو إسناد ضعيف جداً .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفينقوله تعالى : إذ تستغيثون ربكم الاستغاثة : طلب الغوث والنصر .

غوث الرجل قال : واغوثاه .

والاسم الغوث والغواث والغواث .

واستغاثني فلان فأغثته ; والاسم الغياث ; عن الجوهري .

وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا ; فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ، ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني .

اللهم ائتني ما وعدتني .

اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض .

فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه .

فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك .

فأنزل الله تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله بالملائكة .

وذكر الحديث .

" مردفين " بفتح الدال قراءة نافع .

والباقون بالكسر اسم فاعل ، أي متتابعين ، تأتي فرقة بعد فرقة ، وذلك أهيب في العيون .

و " مردفين " بفتح الدال على ما لم يسم فاعله ; لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة ، أي أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار .

فمردفين بفتح الدال نعت لألف .

وقيل : هو حال من الضمير المنصوب في ممدكم .

أي ممدكم في حال إردافكم بألف من الملائكة ; وهذا مذهب مجاهد .

وحكى أبو عبيدة أن ردفني وأردفني واحد .

وأنكر أبو عبيد أن يكون أردف بمعنى ردف ; قال لقول الله عز وجل : تتبعها الرادفة ولم يقل المردفة .

قال النحاس ومكي وغيرهما : وقراءة كسر الدال أولى ; لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسرون .

أي أردف بعضهم بعضا ، ولأن فيها معنى الفتح على ما حكى أبو عبيدة ، ولأن عليه أكثر القراء .

قال سيبويه : وقرأ بعضهم " مردفين " بفتح الراء وشد الدال .

وبعضهم " مردفين " بكسر الراء .

وبعضهم " مردفين " بضم الراء .

والدال مكسورة مشددة في القراءات الثلاث .

فالقراءة الأولى تقديرها عند سيبويه مرتدفين ، ثم أدغم التاء في الدال ، وألقى حركتها على الراء لئلا [ ص: 333 ] يلتقي ساكنان .

والثانية كسرت فيها الراء لالتقاء الساكنين .

وضمت الراء في الثالثة إتباعا لضمة الميم ; كما تقول : رد ورد ورد يا هذا .

وقرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدري : " بآلف " جمع ألف ; مثل فلس وأفلس .

وعنهما أيضا بألف .

وقد مضى في آل عمران ذكر نزول الملائكة وسيماهم وقتالهم .

وتقدم فيها القول في معنى قوله : وما جعله الله إلا بشرى .

والمراد الإمداد .

ويجوز أن يكون الإرداف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: اذكروا نعمة اللّه عليكم، لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم فَاسْتَجَابَ لَكُمْ وأغاثكم بعدة أمور:.

منها: أن اللّه أمدكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ أي: يردف بعضهم بعضا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إذ تستغيثون ربكم ) تستجيرون به من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر .

روي عن ابن عباس قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين ، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا دخل العريش هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ، واستقبل القبلة ومد يده فجعل يهتف بربه - عز وجل - : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ، فما زال يهتف بربه - عز وجل - مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك .

فأنزل الله - عز وجل - " إذ تستغيثون ربكم " ( فاستجاب لكم أني ممدكم ) مرسل إليكم مددا وردءا لكم ، ( بألف من الملائكة مردفين ) قرأ أهل المدينة ويعقوب " مردفين " بفتح الدال ، أي : أردف الله المسلمين وجاء بهم مددا .

وقرأ الآخرون بكسر الدال ، أي : متتابعين بعضهم في إثر بعض ، يقال : أردفته وردفته بمعنى تبعته .

يروى أنه نزل جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رءوسهم عمائم بيض ، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم .

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ناشد ربه - عز وجل - وقال أبو بكر : إن الله منجز لك ما وعدك فخفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفقة وهو في العريش ثم انتبه ، فقال : " يا أبا بكر أتاك نصر الله ، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا عبد الوهاب ، ثنا خالد ، عن عكرمة عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر : " هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب " .

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم حنين عمائم خضر ، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام ، وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا .

وروي عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قد شهد بدرا أنه قال بعدما ذهب بصره : لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «إذ تستغيثون ربَّكم» تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم «فاستجاب لكم أني» أي بأني «مُمدُّكم» معينكم «بألف من الملائكة مردفين» متتابعين يردف بعضهم بعضا وعدهم بها أوَّلا ثم صارت ثلاثة آلاف ثم خمسة كما في آل عمران وقرئ بآلُف كأفُلس جمع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اذكروا نعمة الله عليكم يوم "بدر" إذ تطلبون النصر على عدوكم، فاستجاب الله لدعائكم قائلا إني ممدُّكم بألف من الملائكة من السماء، يتبع بعضهم بعضًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعض مظاهر تدبيره المحكم فى هذه الغزوة ، وبعض النعم التى أنعم بها على المؤمنين ، وبعض البشارات التى تقدمت تلك الغزوة أو صاحبتها ، والتى كانت تدل دلالة واضحة على أن النصر سيكون للمسلمين فقال - تعالى - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ .

.

عَذَابَ النار ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) الاستغاثة : طلب الغوث والنصر ، يقال : غّوث الرجل ، أى : قال واغوثاه ، والاسم الغوث والغواث ، واستغاثنى فلان فأغثته ، والاسم الغياث .وقوله ( مُمِدُّكُمْ ) من الإِمداد بمعنى الزيادة والإِغاثة ، وقد جرت عادة القرآن أن يستعمل الإِمداد فى الخير ، وأن يستعمل المد فى الشر والذم .قال - تعالى - : ( واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) وقال - تعالى - : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) قال - تعالى - : ( قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ) وقال - تعالى - : ( الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) وقوله : ( مُرْدِفِينَ ) من الإِرداف بمعنى التتابع .قال الفخر الرازى : قرأ نافع وأبو بكر عن عصام ( مُرْدِفِينَ ) - بفتح الدال - وقرأ الباقون بكسرها ، والمعنى على الكسر ، أى : ممتابعين يأتى بعضهم فى إثر البعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب .والمعنى على قراءة الفتح ، أى : فعل بهم ذلك ، ومعناه أن الله - تعالى - أردف المسلمين وأمدهم بهم أى جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم .والمعنى : اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم - وأنتم على أبواب بدر - ( تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) أى : تطلبون منه الغوث والنصر على عدوكم ( فاستجاب لَكُمْ ) دعاءكم ، وكان من مظاهر ذلك أن أخبركم على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - بأنى ( مُمِدُّكُمْ ) أى : معينكم وناصركم بألف من الملائكة مردفين ، أى : متتابعين ، بعضهم على إثر بعض ، أو أن الله - تعالى - جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم وتثبيتهم .ويروى الإِمام مسلم عن ابن عباس قال : " حدثنى عمر بن الخطاب قال : كان يوم بدر ، فاستقبل نبى الله - القبلة ، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ويقول : اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد فى الأرض ، فما زال يهتف بربه ويقول : اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد فى الأرض ، فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه منكبيه .فأتاه أبو بكر ، فأخذ رداءه ، فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من وراءه ، وقال : يا نبى الله!!

كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك .

فأنزل الله - عز وجل - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ ) " الآية فأمده الله بالملائكة .وروى البخارى عن ابن عباس قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ، " اللهم أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد ، فأخذ أبو بكر بيده ، فقال حسبك ، فخرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : " سيهزم الجمع ويولون الدبر " " .وروى سعيد بن منصور عن طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : " لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وتكاثرهم ، وإلى الله فاستقلهم ، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى صلاته : " اللهم لا تودع منى اللهم لا تخذلنى ، اللهم لا تترنى - أى لا تقطعنى عن أهلى وأنصارى - أولا تنقضى شيئاً من عطائك - اللهم أنشدك ما وعدتنى - أى : أستنجزك وعدك " " .وروى ابن إسحاق فى سيرته أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذى وعدتنى .فإن قيل : إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟فالجواب : أن المؤمنين كانوا يؤمنون على دعائه - صلى الله عليه وسلم - ويتأسون به فى الدعاء ، إلا ان الروايات ذكرت دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو قائد المؤمنين ، وهو الذى يحرص الرواة على نقل دعائه ، أكثر من حرصهم على نقل دعاء غيره من أصحابه .وقيل : إن الضمير فى قوله ( تَسْتَغِيثُونَ ) للرسول - صلى الله عليه وسلم - وجئ به مجموعا على سبيل التعظيم ، ويعكر على هذا القبل أن السياق بعد ذلك لا يلتئم معه ، لأنه خطاب للمؤمنين بالنعم التى أنعم بها - سبحانه - عليهم .وعبر - سبحانه - بالمضارع ( تَسْتَغِيثُونَ ) مع أن استغاثتهم كانت قبل نزول الآية - استحضارا للحال الماضية ، حتى يستمروا على شكرهم لله ، ولذلك عطف عليه .

فاستجاب لكم ، بصيغة الماضى مسايرة للواقع .وكان العطف بالفاء للإِشعار بأن إجابة دعائهم كانت فى أعقاب تضرعهم واستغنائهم وهذا من فضل الله عليهم ، ورحمته بهم ، حيث أجارهم من عدوهم ، ونصرهم عليه - مع قلتهم عنه - نصرا مؤزرا .والسين والتاء فى قوله : ( تَسْتَغِيثُونَ ) للطلب ، أى : تطلبون منه الغوث بالنصر .فإن قيل : إن الله - تعالى - ذكر هنا انه أمدهم بألف من الملائكة ، وذكر فى سورة آل عمران أنه امدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما؟فالجواب أن الله - تعالى - أمد المؤمنين بألف من الملائكة فى يوم بدر ، كما بين هنا فى سورة الأنفال ، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال - تعالى - فى سورة آل عمران : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ .

.

.

)ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى خمسة آلاف ، قال - تعالى - ( بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ ) وقد صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير .

.

فكان المدد خمسة آلاف .واختار ابن جرير أنهم وعدوا بالمدد بعد الألف ، ولا دلالة فى الآيات على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك ، ولا على أنهم لم يمدوا ، ولا يثبت شئ من ذلك إلا بنص .وهذا بناء على أن المدد الذى وعد الله به المؤمنين فى آيات سورة آل عمران كان خاصاً بغزوة بدر .أما على الرأى القائل بأن هذا المدد الذى بتلك الآيات كان خاصا بغزوة أحد فلا يكون هناك إشكال بين ما جاء فى السورتين .وقد بسط القول فى هذه المسألة الإِمام ابن كثير فقال ما ملخصه :" اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين :أحدهما : أن قوله - تعالى - : ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة ) متعلق بقوله : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ ) وهذا قول الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم .

.

.فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآيات - التى فى سورة آل عمران وبين قوله فى سورة الأنفال - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ ) .فالجواب : أن التنصيص على الألف هنا ، لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى - ( مُرْدِفِينَ ) بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف آخر مثلهم .قال الربيع بن أنس : أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف .والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد - وهو قوله - تعالى - : ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة ) متعلق بقوله - قبل ذلك - ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ) وذلك يوم احد .وهو قول مجاهد ، وعكرمة ، والضحالك ، وغيرهم .لكن قالوا : لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف ، لأن المسلمين يومئذ فروا .وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى ( بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ ) فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا ملك واحد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه يحق الحق ويبطل الباطل، بين أنه تعالى نصرهم عند الاستغاثة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: يجوز أن يكون العامل في ﴿ إِذْ ﴾ هو قوله: ﴿ وَيُبْطِلَ الباطل ﴾ فتكون الآية متصلة بما قبلها، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير واذكروا إذ تستغيثون.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ﴾ قولان: القول الأول: أن هذه الاستغاثة كانت من الرسول عليه السلام.

قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلثمائة ونيف، استقبل القبلة ومد يده وهو يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ورده أبو بكر ثم التزمه ثم قال: كفاك يا نبي الله مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فنزلت هذه الآية ولما اصطفت القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور.

القول الثاني: أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين لأن الوجه الذي لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلاً فيهم، بل خوفهم كان أشد من خوف الرسول، فالأقرب أنه دعا عليه السلام وتضرع على ما روي، والقوم كانوا يؤمنون على دعائه تابعين له في الدعاء في أنفسهم فنقل دعاء رسول الله لأنه رفع بذلك الدعاء صوته، ولم ينقل دعاء القوم، فهذا هو طريق الجمع بين الروايات المختلفة في هذا الباب.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ﴾ أي تطلبون الإغاثة يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني.

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم الاستغاثة بين أنه تعالى إجابهم.

وقال: ﴿ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الملئكة مُرْدِفِينَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَنّي مُمِدُّكُمْ ﴾ أصله بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه استجاب، فنصب محله، وعن أبي عمرو: أنه قرأ ﴿ أَنّي مُمِدُّكُمْ ﴾ بالكسر على إرادة القول أو على إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول.

المسألة الثانية: قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ بفتح الدال والباقون بكسرها.

قال الفراء: ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ أي متتابعين يأتي بعضهم في أثر بعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب و ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ أي فعل بهم ذلك، ومعناه أنه تعالى أردف المسلمين وأيدهم بهم.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الملائكة هل قاتلوا يوم بدر؟

فقال قوم نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة، وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرجال عليهم ثيابهم بيض وقاتلوا.

وقيل قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين، وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً قال هو من الملائكة فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم، وروى أن رجلاً من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالصوت فوقه فنظر إلى المشرك وقد خر مستلقياً وقد شق وجهه فحدث الأنصاري رسول الله فقال صدقت.

ذاك من مدد السماء، وقال آخرون: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك الدنيا كلها فإن جبريل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط وأهلك بلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة، والكلام في كيفية هذا الإمداد مذكور في سورة آل عمران بالاستقصاء والذي يدل على صحة أن الملائكة ما نزلوا للقتال قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى ﴾ قال الفراء: الضمير عائد إلى الأرداف والتقدير: ما جعل الله الأرداف إلا بشرى.

وقال الزجاج: ما جعل الله المردفين إلا بشرى، وهذا أولى لأن الأمداد بالملائكة حصل بالبشرى.

قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في العريش قاعداً يدعو، وكان أبو بكر قاعداً عن يمينه ليس معه غيره، فخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه نعساً، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر وقال: «أبشر بنصر الله ولقد رأيت في منامي جبريل يقدم الخيل».

وهذا يدل على أنه لا غرض من إنزالهم إلا حصول هذه البشرى، وذلك ينفي إقدامهم على القتال.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين، إلا أن الواجب على المؤمن أن لا يعتمد على ذلك بل يجب أن يكون اعتماده على إغاثة الله ونصره وهدايته وكفايته لأجل أن الله هو العزيز الغالب الذي لا يغلب، والقاهر الذي لا يقهر، والحكيم فيما ينزل من النصرة فيضعها في موضعها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت بم يتعلق ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ﴾ ؟

قلت: هو بدل من ﴿ إِذْ يَعِدُكُمُ ﴾ [الأنفال: 7] وقيل بقوله: ﴿ لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل ﴾ واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لابد من القتال، طفقوا يدعون الله ويقولون: أي ربنا انصرنا على عدوّك، يا غياث المستغيثين أغثنا.

وعن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلثمائة، فاستقبل القبلة ومدّ يديه يدعو: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض- فما زال كذك حتى سقط رداؤه فأخذه أبو بكر رضي الله عنه فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك» ﴿ أَنّي مُمِدُّكُمْ ﴾ أصله بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه استجاب فنصب محله.

وعن أبي عمرو أنه قرأ: ﴿ إني ممدكم ﴾ بالكسر، على إرادة القول، أو على إجراء استجاب مجرى ﴿ قَالَ ﴾ لأنّ الاستجابة من القول.

فإن قلت: هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟

قلت: اختلف فيه، فقيل: نزل جبريل في يوم بدر في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها عليّ بن أبي طالب في صور الرجال، عليهم ثياب بيض وعمائم بيض وقد أرخوا أذنابها بين أكتافهم.

فقاتلت: وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.

وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً؟

قال: من الملائكة، فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم: وروي: أنّ رجلاً من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين: إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه، فنظر إلى المشرك قد خر مستلقياً وشقّ وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقت ذاك من مدد السماء» وعن أبي داود المازني: تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي، وقيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإنّ جبريل عليه السلام أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح بصيحة واحدة.

وقرئ ﴿ مردفين ﴾ بكسر الدال وفتحها، من قولك: ردفه إذا تبعه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذى تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ [النمل: 72] بمعنى ردفكم.

وأردفته إياه: إذا أتبعته.

ويقال: أردفته، كقولك أتبعته، إذا جئت بعده، فلا يخلو المكسور الدال من أن يكون بمعنى متبعين، أو متبعين، فإن كان بمعنى متبعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى: متبعين بعضهم بعضاً، أو متبعين بعضهم لبعض، أو بمعنى: متبعين إياهم المؤمنين، أي يتقدمونهم فيتبعونهم أنفسهم، أو متبعين لهم يشيعونهم ويقدمونهم بين أيديهم وهم على ساقتهم، ليكونوا على أعينهم وحفظهم.

أو بمعنى متبعين أنفسهم ملائكة أخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة: ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ مّنَ الملئكة مُنزَلِينَ ﴾ [آل عمران: 124] .

﴿ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملئكة مُسَوّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125] ومن قرأ: ﴿ مردفين ﴾ بالفتح فهو بمعنى متبعين أو متبعين.

وقرئ ﴿ مردّفين ﴾ ، بكسر الراء وضمها وتشديد الدال: وأصله مرتدفين، أي مترادفين أو متبعين، من ارتدفه، فأدغمت تاء الافتعال في الدال، فالتقى ساكنان فحرّكت الراء بالكسر على الأصل، أو على إتباع الدال.

وبالضم على إتباع الميم.

وعن السدي: بآلاف من الملائكة.

على الجمع ليوافق ما في سورة آل عمران.

فإن قلت: فبم يعتذر لمن قرأ على التوحيد ولم يفسر المردفين بإرداف الملائكة ملائكة آخرين، والمردفين بارتدافهم غيرهم؟

قلت: بأن المراد بالألف من قاتل منهم.

أو الوجوه منهم الذين من سواهم أتباع لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ يَعِدُكُمُ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ﴾ ، أوْ عَلى إضْمارِ اذْكُرْ، واسْتَغاثَتُهم أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنْ لا مَحِيصَ عَنِ القِتالِ أخَذُوا يَقُولُونَ: أيْ رَبِّ انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ أغِثْنا يا غَيّاثَ المُسْتَغِيثِينَ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ وإلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَيْهِ يَدْعُو: « اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إنْ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ» فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ يا نَبِيَّ اللَّهِ: كَفاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ.» ﴿ فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكُمْ ﴾ بِأنِّي مُمِدُّكم، فَحَذَفَ الجارَّ وسَلَّطَ عَلَيْهِ الفِعْلَ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ اسْتَجابَ مَجْرى قالَ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ القَوْلِ.

﴿ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ مُتَّبَعِينَ المُؤْمِنِينَ أوْ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أرْدَفْتُهُ أنا إذا جِئْتُ بَعْدَهُ، أوْ مُتَّبَعِينَ بَعْضَهم بَعْضَ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ مِن أرْدَفْتُهُ إيّاهُ فَرَدَفَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدّالِّ أيْ مُتَّبَعِينَ أوْ مُتَّبِعِينَ بِمَعْنى أنَّهم كانُوا مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ أوْ ساقَتُهم.

وقُرِئَ « مُرِدِفِينَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها وأصْلُهُ مُرْتَدِفَيْنِ بِمَعْنى مُتَرادِفَيْنِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فالتَقى ساكِنانِ فَحُرِّكَتِ الرّاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ أوْ بِالضَّمِّ عَلى الِإتْباعِ.

وقُرِئَ « بِآلافٍ» لِيُوافِقَ ما في سُورَةِ « آلِ عِمْرانَ»، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُورِ أنَّ المُرادَ بِالألِفِ الَّذِينَ كانُوا عَلى المُقَدِّمَةِ أوِ السّاقَةِ، أوْ وُجُوهُهم وأعْيانُهم، أوْ مَن قاتَلَ مِنهم واخْتُلِفَ في مُقاتَلَتِهِمْ وقَدْ رُوِيَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلَيْها.

﴿ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ ﴾ أيِ الإمْدادُ إلّا بُشْرى إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ.

﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ فَيَزُولُ ما بِها مِنَ الوَجَلِ لِقِلَّتِكم وذِلَّتِكم.

﴿ وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ وإمْدادُ المَلائِكَةِ وكَثْرَةُ العَدَدِ والأُهَبِ ونَحْوُهُما وسائِطُ لا تَأْثِيرَ لَها فَلا تَحْسَبُوا النَّصْرَ مِنها ولا تَيْأسُوا مِنهُ بِفَقْدِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إذ تستغيثون ربكم} بدل من إذا يَعِدُكُمُ أو متعلق بقوله لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل واستغاثتهم أغثنا وهى طلب الغوث وهو التخلص من المكروه {فاستجاب لكم} فأجاب وأصله {أني ممدكم} بانى ممدكم فحذف الجار وسط عليه استجاب

فنصب محله {بألف من الملائكة مردفين} مدنى غيره بكسر الدال وفتحها فكسر على أنهم أردفوا غيرهم والفتح على أنه أردف كل ملك ملكاً آخر يقال ردفه إذا تبعه واردفته إياه إذا اتبعته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن ( إذْ يَعِدُكُمُ ) وإنْ كانَ زَمانُ الوَعْدِ غَيْرَ زَمانِ الِاسْتِغاثَةِ لِأنَّهُ بِتَأْوِيلِ أنَّ الوَعْدَ والِاسْتِغاثَةَ وقَعا في زَمَنٍ واسِعٍ كَما قالَ الطِّيبِيُّ، قِيلَ: وهو يَحْتَمِلُ بَدَلَ الكُلِّ إنْ جُعِلا مُتَّسِعَيْنِ وبَدَلَ البَعْضِ إنْ جُعِلَ الأوَّلُ مُتَّسَعًا والثّانِي مِعْيارًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيُحِقَّ ﴾ .

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِنَصْبِهِ بِأنْ، (وإذْ) لِلزَّمانِ الماضِي فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِها.

وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النُّحاةِ كابْنِ مالِكٍ مِن أنَّ (إذْ) قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى إذا لِلْمُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ ﴾ .

وقَدْ يُجْعَلُ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الجَوابِ: إنَّ كَوْنَ الإحْقاقِ مُسْتَقْبَلًا إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ ما هو غايَةٌ لَهُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الِاسْتِغاثَةِ حَتّى لا يَعْمَلَ فِيهِ بَلْ هُما في وقْتٍ واحِدٍ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ زَمانِها بِإذْ نَظَرًا إلى زَمَنِ النُّزُولِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في (تَسْتَغِيثُونَ) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ أيِ اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِ (تَوَدُّونَ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والِاسْتِغاثَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: طَلَبُ الغَوْثِ وهو التَّخْلِيصُ مِنَ الشِّدَّةِ والنِّقْمَةِ والعَوْنُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ إلّا كَذَلِكَ، وقَدْ يَتَعَدّى بِالحَرْفِ كَقَوْلِهِ: حَتّى اسْتَغاثَ بِماءٍ لا رَشادَ لَهُ مِنَ الأباطِحِ في حافاتِهِ البِرَكُ وكَذا اسْتَعْمَلَهُ سِيبَوَيْهِ وزَعَمَ أنَّهُ خَطَأٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُسْتَغِيثَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قِيلَ: إنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنْ لا مَحِيصَ مِنَ القِتالِ أخَذُوا يَقُولُونَ: أيْ رَبِّ، انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ، أغِثْنا يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا إلى المُشْرِكِينَ فَإذا هم ألْفٌ وزِيادَةٌ فاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ، فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ: كَفاكَ مُناشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».

وعَلَيْهِ فالجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ ﴿ فاسْتَجابَ لَكُمْ ﴾ أيْ: فَأجابَ دُعاءَكم عَقِيبَ اسْتِغاثَتِكم إيّاهُ سُبْحانَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ: ﴿ أنِّي مُمِدُّكُمْ ﴾ أيْ: بِأنِّي فَحَذَفَ الجارَّ، وفي كَوْنِ المُنْسَبِكِ بَعْدَ الحَذْفِ مَنصُوبًا أوْ مَجْرُورًا خِلافٌ.

وقَرَأ أبُو عُمَرَ بِالكَسْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ اسْتَجابَ مَجْرى قالَ؛ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِن جِنْسِ القَوْلِ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وحَمْلُهُ عَلى تَنْزِيلِ غَيْرِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ المُنْكَرِ عِنْدِي، والمُرادُ بِمُمِدِّكم مُعِينُكم وناصِرُكم ﴿ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ أيْ: وراءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورَدَفَ وأرْدَفَ بِمَعْنًى كَتَبِعَ وأتْبَعُ في قَوْلٍ.

وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا فَرَدَفْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنى رَكِبْتُ خَلْفَهُ وأرْدَفْتُهُ بِمَعْنى أرْكَبْتُهُ خَلْفِي، وقالَ بَعْضُهُمْ: رَدَفْتُ وأرْدَفْتُ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَإذا فَعَلْتَهُ بِغَيْرِكَ فَأرْدَفْتُ لا غَيْرُ، وجاءَ أرْدَفَ بِمَعْنى اتَّبَعَ مُشَدَّدًا وهو يَتَعَدّى لِواحِدٍ وبِمَعْنى أتْبَعَ مُخَفَّفًا وهو يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ عَلى ما هو المَشْهُورُ، وبِكُلٍّ فُسِرَ هُنا، وقَدَّرُوا المَفْعُولَ والمَفْعُولَيْنِ حَسْبَما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى ويَقْتَضِيهِ، وجَعَلُوا الِاحْتِمالاتِ خَمْسَةً، احْتِمالانِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ جُمْلَةَ المَلائِكَةِ والمَفْعُولُ المُقَدَّرُ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى مُتَّبَعِينَ المُؤْمِنِينَ أيْ: جائِينَ خَلْفَهُمْ، وثانِيهِما أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بَعْضَ المَلائِكَةِ، والمَفْعُولُ بَعْضٌ آخَرُ، والمَعْنى مُتَّبِعًا بَعْضُهم بَعْضًا آخَرَ مِنهم كَرُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ عَلى المَعْنى الثّانِي، الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ كُلَّ المَلائِكَةِ والمَفْعُولانِ بَعْضُهم عَلى مَعْنى أنَّهم جَعَلُوا بَعْضَهم يَتْبَعُ بَعْضًا، الثّانِي كَذَلِكَ إلّا أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ بَعْضُهم والثّانِي المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ اتَّبَعُوا بَعْضُهُمُ المُؤْمِنِينَ فَجَعَلُوا بَعْضًا مِنهم خَلْفَهُمْ، والثّالِثُ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ المَفْعُولِينَ أنْفُسَهم والمُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ اتَّبَعُوا أنْفُسَهم وجُمْلَتَهُمُ المُؤْمِنِينَ فَجَعَلُوا أنْفُسَهم خَلْفَهم.

وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ: (مُرْدَفِينَ) بِفَتْحِ الدّالِ، وفِيهِ احْتِمالانِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتَّبَعِينَ بِالتَّشْدِيدِ أيِ اتَّبَعَهم غَيْرُهُمْ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبَعِينَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: جَعَلُوا أنْفُسَهم تابِعَةً لِغَيْرِهِمْ، وأُرِيدَ بِالغَيْرِ في الِاحْتِمالَيْنِ المُؤْمِنُونَ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى الأوَّلِ مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ وعَلى الثّانِي ساقَتَهُمْ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالغَيْرِ آخَرُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُهُ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْمَنَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيها أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ونَزَلَ مِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا فِيها».

لَكِنْ في الكَشّافِ بَدَلَ الألْفِ في المَوْضِعَيْنِ خَمْسُمِائَةٍ، وقُرِئَ (مُرِدَفِينَ) بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها، وأصْلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُرْتَدِفِينَ بِمَعْنى مُتَرادِفِينَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما وأُدْغِمَتْ في مِثْلِها فالتَقى السّاكِنانِ فَحُرِّكَتِ الرّاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ، أوْ لِإتْباعِ الدّالِ أوْ بِالضَّمِّ لِإتْباعِ المِيمِ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ يَجُوزُ في الرّاءِ الفَتْحُ أيْضًا لِلتَّخْفِيفِ أوْ لِنَقْلِ حَرَكَةِ التّاءِ وهي القِراءَةُ الَّتِي حَكاها الخَلِيلُ عَنْ بَعْضِ المَكِّيِّينَ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ والرّاءِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِمْ أنَّ مُرَدَّفًا بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِن رَدَّفَ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ أوْ أنَّ التَّشْدِيدَ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ كَ أفْرَحْتُهُ وفَرَّحْتُهُ.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الِارْتِدافَ بِرُكُوبِ الشَّخْصِ خَلْفَ الآخَرِ وأنْكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قُرِئَ (بِآلافٍ) عَلى الجَمْعِ فَيُوافِقُ ما وقَعَ في سُورَةٍ أُخْرى ﴿ بِثَلاثَةِ آلافٍ ﴾ و ﴿ بِخَمْسَةِ آلافٍ ﴾ قِيلَ: ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُورِ أنَّ المُرادَ بِالألْفِ الَّذِينَ كانُوا عَلى المُقَدِّمَةِ أوِ السّاقَةُ أوْ وُجُوهُهم أوْ مَن قاتَلَ مِنهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ ألْفٌ مُرْدَفِينَ وثَلاثَةُ آلافٍ مُنْزَلِينَ وهو جَمْعٌ لَيْسَ بِالجَيِّدِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهم أُمِدُّوا أوَّلًا بِألْفٍ ثُمَّ آلافٍ ثُمَّ أكْمَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى خَمْسَةَ آلافٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ يَقْتَضِي أنَّ ما في الآيَةِ ألْفانِ في الحَقِيقَةِ، وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ ما فِيها بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِما في تِلْكَ السُّورَةِ بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى مُرْدَفِينَ جاعِلِينَ غَيْرَهم مِنَ المَلائِكَةِ رَدِيفًا لِأنْفُسِهِمْ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالألْفِ الرُّؤَساءُ المُسْتَتْبِعُونَ لِغَيْرِهِمْ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَكَرُوا أنَّها لَمْ تُقاتِلْ يَوْمَ الأحْزابِ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في السِّيَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، وذلك أن النبيّ  لما رأى كثرة المشركين، علم أنه لا قوة لهم إلا بالله، فدعا ربه فقال: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ» .

فَاسْتَجابَ له ربه ونزل إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ يقول: واذكروا إذ تسألون ربكم وتدعونه يوم بدر بالنصرة على عدوكم.

فَاسْتَجابَ لَكُمْ، يعني: فأجابكم ربكم: أَنِّي مُمِدُّكُمْ، يعني: أزيدكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، يعني: متتابعين بعضهم على إثر بعض.

قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر مُرْدِفِينَ بالنصب، وقرأ الباقون بالكسر، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد، وهو التتابع.

وقال عكرمة: أمدهم يوم بدر بألف من الملائكة، ووعد لهم ثلاثة آلاف من الملائكة لغزوة بعدها بدعائه، وزاده ألفين، فذلك خمسة آلاف من الملائكة، ويقال: هذا كله كان في يوم بدر.

ثم قال عز وجل: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى يقول: وما أنزل الله الملائكة إلا للبشارة.

وقال بعضهم: الملائكة لم يقاتلوا، وإنّما كانوا مبشرين.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «قاتلت الملائكة يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ولا يوم حنين» وَما جَعَلَهُ اللَّهُ، يعني: مدد الملائكة إِلَّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ يعني: لتسكن إليه قلوبكم.

وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يعني: ليس النصر بقلة العدد ولا بكثرة العدد، ولكن النصر من عند الله.

إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عَزِيزٌ بالنقمة، حَكِيمٌ حكم بالنصرة للنبي  وللمؤمنين، والهزيمة للمشركين.

قوله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ، يقول: ألقى عليكم النوم أَمَنَةً مِنْهُ، يعني: أمناً من عند الله.

وروى عاصم، عن ابن رزين، عن عبد الله بن مسعود قال: «النعاس عند القتال أمنة من الله، وهو في الصلاة من الشيطان» .

قرأ نافع يُغَشِّيكُمُ بضم الياء وجزم الغين ونصب النعاس، ومعناه: يُغْشِيكُمْ الله النُّعَاسَ.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يُغَشِّيكُمُ بالألف ونصب الياء وضم النعاسُ، يعني: أخذكم، النعاسُ وقرأ الباقون: بضم الياء وتشديد الشين ونصب النعاس ومعناه: يغشيكم الله النعاس أمنةً منه، والتشديد للمبالغة.

ثم قال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مآء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، يعني: بالماء من الأحداث والجنابة، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، يعني: وسوسة الشيطان وكيده.

وقال القتبي: أصل الرجز العذاب، كقوله تعالى: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [البقرة: 59] ثم سمي كيد الشيطان رجزاً، لأنه سبب للعذاب.

ثم قال: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ، يعني: يشدد قلوبكم بالنصرة منه عند القتال، وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ، يعني: لتستقر الأرجل على الرمل، حتى أمكنهم الوقوف عليه.

ويقال: وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ في الحرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التي هي إِخْرَاجُهُ من بيته بالقِصَّةِ المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأَنْفَال، كأنهم سألوا عن النَّفَلِ، وتشاجروا، فأَخرج اللَّه ذلك عنهم، فكانت فيه الخِيَرَةُ، كما كَرِهُوا في هذه القصة انبعاث النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخرجه اللَّه من بَيْتِهِ، فكانت في ذلك الخِيَرَةُ، وعلى هذا التأويل يُمْكِنُ أن يكون قوله: يُجادِلُونَكَ كلاماً مُسْتَأْنَفاً يراد به الكفار، أي: يجادلونك في شريعة الإسلام من بَعْد ما تَبَيَّنَ الحَقُّ فيها، كأنما يساقون إلى المَوْتِ في الدُّعَاءِ إلى الإيمان، وهذا الذي ذكرت من أن يُجادِلُونَكَ في الكُفَّار منصوص.

وقال مجاهد وغيره: المعنى في الآية: كما أخرجك ربك من بَيْتِكَ على كَرَاهِيَةٍ من فريق منهم، كذلك يُجَادِلُونَكَ في قتال كفار «مكة» ، ويوَدُّونَ غير ذَاتِ الشَّوْكَة من بعد ما تَبَيَّنَ لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يُريدُون «١» هم، وقائل هذه المَقَالَةِ يقول: إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المُجَادِلِينَ هم المشركون، وهذان القولان يتم بهما المَعْنَى، ويحسن رَصْفُ اللفظ.

وقيل غير هذا.

وقوله: مِنْ بَيْتِكَ يريد من «المدينة» «يثرب» قاله الجمهور.

وقوله سبحانه: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ...

الآية: في هذه الآية قَصَصٌ حَسَنٌ، محل استيعابه «كتاب سيرة رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم» لابن هشام، واختصاره: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما بلغه، وقيل: أوحي إليه أن أبا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، قد أَقبل من «الشام» بالعِيرِ التي فيها تجارة قُرَيْشٍ وأموالها قال لأصحابه: إن عِيرَ قريش قد عَنّتْ لكم، فاخرجوا إليها، لعل اللَّه أن يَنْفُلَكُمُوها.

قال: فانبعث معه من خَفَّ، وثَقُلَ قوم، وكرهوا الخروج، وأسرع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يَلْوِي على من تَعَذَّرَ، ولا ينظر من غاب ظهره، فسار في ثلاث

مائة وثلاثة عشر، أو نحو ذلك من أصحابه بين مُهَاجِرِيٍّ وأَنْصَارِيٍّ، وقد ظَنَّ الناس بأجمعهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يلقى حَرْباً، فلم يكثر اسْتِعْدَادُهُمْ، وكان أبو سُفْيَانَ في خلال ذلك يَسْتَقْصِي، ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث ضَمْضَمَ بْنَ عَمْروٍ الغفاري إلى «مكة» يَسْتَنْفِرُ أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل «مكة» في ألف رَجُل، أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خروجهم أوحى اللَّه إِليه وَحْياً غير مَتْلُو يعده إحدى الطّائفتين، فعرّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه بذلك، فَسرُّوا، وَوَدُّوا أن تكون لهم العِيرُ التي لا قِتَالَ معها، فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منه أخذ طَرِيقَ الساحل، وأبعد وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل «مكة» ، وأشار بعض الكُفَّارِ على بَعْضِ بالانصراف، وقالوا:

هذه عِيرُنَا قد نَجَتْ، فلننصرف/ فحرش «١» أبو جهل وَلَجَّ، حتى كانَ أَمْرُ الواقعة.

وقال بعضٍ المؤمنين: نحن لم نخرج لِقِتَالٍ، ولم نَسْتَعِدَّ له، فجمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَصْحَابَهُ، وهو بِوَادٍ يسمى «دَقران» وقال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فقام أبو بَكْرٍ، فتكلم، وأحسن، وحَرَّضَ الناس على لقاء العدو، فأعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الاسْتِشَارَةَ، فَقَامَ عمر بِمِثْلِ ذلك، فأعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الاسْتِشَارَةَ، فتكلم المِقْدَادُ بْنُ الأسود الكندي «٢» ، فقال: لا نقول لك يَا رَسُولَ اللَّه كما قالت بَنُو إِسرائيل: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكن نَقُولُ: إِنا معكما مقاتلون، واللَّه لو أردت بنا برك الغماد يعني مدينة «الحبشة» لَقَاتَلْنَا معك من دُونِهَا، فسر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكلامه، ودعا له بخير، ثم قال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فكلمه سعد بنُ مُعَاذٍ، وقيل: سعد بن عبادة، ويحتمل هما معاً فقال: يا رسول اللَّه، كأنك إيانا تُريدُ معشر الأنصار، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أجل، فقال: إنا قد آمَنَّا بك، واتبعناك،

وبايعناك، فامض لأمر الله، فو الله لو خُضْتَ بنا هذا البَحْرَ لَخُضْنَاهُ معك، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:

«امضوا على بَرَكَةِ اللَّه، فكأني أنظر إلى مَصَارِعِ القوم» فالتقوا وكانت وقعة بدر.

ت: وفي «صحيح البخاري» من حَدِيثِ عائشة، في خروج أبي بكر من «مكة» فلقيه ابن الدّغنة عند برك الغمَادِ «١» الحديث، وليست بمدينة «الحبشة» من غير شَكٍّ.

فاللَّه أعلم، ولعلهما موضعان.

انتهى.

والشَّوْكَةِ عبارة عن السِّلاَحِ والحِدَّةِ.

وقوله سبحانه: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ المعنى:

ويريد اللَّه أن يُظْهِرَ الإِسلام، ويعلي دعوة الشَّرْعِ بكلماته التي سَبَقَتْ في الأَزَلِ، والدابر الذي يدبر القَوْمَ، أي يأتي آخرهم، وإِذا قطع فقد أتى على آخرهم بشَرْطِ أَن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهَلاَكُ عليه.

وقوله سبحانه: لِيُحِقَّ الْحَقَّ أي: ليظهر الحق الذي هو دين الإسلام، ويُبْطِلَ الْباطِلَ، أي: الكفر، وتَسْتَغِيثُونَ معناه: تطلبون الغوث، ومُمِدُّكُمْ أي: مكثركم، ومقويكم من: أمددت، ومُرْدِفِينَ معناه: متبعين.

وقرأ سائر السبعة «٢» غير نافع: «مردفين» - بكسر الدال-، ونافع بفتحها، وروي عن ابن عَبَّاسٍ: خَلْفَ كل مَلَكٍ مَلَكٌ «٣» ، وهذا معنى التتابع، يقال: رَدِفَ وأَرْدَفَ إِذا اتبع، وجاء بعد الشَّيْءِ، ويحتمل أن يُرَادُ مُرْدِفِينَ للمؤمنين، ويحتمل أن يُرَادَ مردفين بعضهم بَعْضَاً، وأنشد الطبري «٤» شَاهِداً على أن أرْدَفَ بمعنى جاء تَابِعاً قَوْلَ الشاعر: [الوافر]

إِذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ...

ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا «٥»

والثرَيَّا تطلع قبل الجوزاء.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: "إذْ" قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي مِن صِلَةِ "يُبْطِلُ" .

وفي قَوْلِهِ: ﴿ تَسْتَغِيثُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَسْتَنْصِرُونَ.

والثّانِي: تَسْتَجِيرُونَ.

والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُسْتَنْصِرَ يَطْلُبُ الظَّفْرَ، والمُسْتَجِيرَ يَطْلُبُ الخَلاصَ.

وفي المُسْتَغِيثِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  والمُسْلِمُونَ قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَأمّا الإمْدادُ فَقَدْ سَبَقَ في [آَلِ عِمْرانَ:١٢٤] .

وقَوْلُهُ: بِألْف قَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ: "بِآَلافٍ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وبِألِفٍ عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "بِأُلُوفٍ" بِرَفْعِ الهَمْزَةِ واللّامِ وبِواوٍ بَعْدَها عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ حَذْلَمَ، والجَحْدَرِيُّ: "بِأُلُفٍ" بِضَمِّ الألِفِ واللّامِ مِن غَيْرِ واوٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "بَيَلِفٍ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ واوٍ ولا ألِفٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مُرْدِفِينَ" بِكَسْرِ الدّالِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ: هُمُ المُتَتابِعُونَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونُوا مُرْدَفِينَ مِثْلَهم، تَقُولُ أرْدَفْتُ زَيْدًا دابَّتِي؛ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا في الآَيَةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونُوا جاؤُوا بَعْدَهُمْ؛ تَقُولُ العَرَبُ: بَنُو فُلانٍ مَرْدُوفُونا، أيْ: هم يَجِيؤُونَ بَعْدَنا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُرْدَفِينَ: جاؤُوا بَعْدُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: "مُرْدِفِينَ" بِفَتْحِ الدّالِ.

قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: فِعْلَ ذَلِكَ بِهِمْ، أيْ: إنَّ اللَّهَ أرْدَفَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ: "مُرَدَّفِينَ" بِفَتْحِ الرّاءِ والدّالِ مَعَ التَّشْدِيدِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "مُرُدِفِينَ" بِرَفْعِ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدَفْتُ الرَّجُلَ: إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ، وأرْدَفْتُهُ: إذا أرْكَبْتُهُ خَلْفِي.

ويُقالُ: هَذِهِ دابَّةٌ لا تُرادِفُ، ولا يُقالُ: لا تُرْدِفُ.

ويُقالُ: أرْدَفْتُ الرَّجُلَ: إذا جِئْتُ بَعْدَهُ.

فَمَعْنى "مُرْدِفِينَ" يَأْتُونَ فِرْقَةً.

بَعْدَ فِرْقَةٍ ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: مُرَدِّفِينَ ومُرُدِّفِينَ ومُرِدِّفِينَ، فالدّالُ مَكْسُورَةٌ مُشَدِّدَةٌ عَلى كُلِّ حالِ، والرّاءُ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والضَّمُّ والكَسْرُ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: الأصْلُ مُرْتَدِفِينِ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَصارَتْ مُرَدِّفِينَ لِأنَّكَ طَرَحْتَ حَرَكَةَ التّاءِ عَلى الرّاءِ؛ وإنْ شِئْتَ لَمْ تَطْرَحْ حَرَكَةَ التّاءِ، وكَسَرْتَ الرّاءَ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

والَّذِينَ ضَمُّوا الرّاءَ، جَعَلُوها تابِعَةً لَضَمَّةِ المِيمِ.

وقَدْ سَبَقَ في (آَل عِمْرانَ) تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى  ﴾ ، وكانَ مُجاهِدٌ يَقُولُ: ما أمَدَّ اللَّهُ النَّبِيَّ  بِأكْثَرِ مِن هَذِهِ الألْفِ الَّتِي ذُكِرَتْ في [الأنْفالِ:١٠]، وما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ إلّا بُشْرى، ولَمْ يَمُدُّوا بِها؛ والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَهم في عَدَدِ المَلائِكَةِ في [آَلِ عِمْرانَ:١٢٦] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ ﴿ وَما جَعَلَهُ اللهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهُ إنَّ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ﴾ أيْ: لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ وهو الإسْلامُ، ﴿ وَيُبْطِلَ الباطِلَ ﴾ أيِ:الكُفْرُ، ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ﴾ أيْ: وكَراهِيَتُهم واقِعَةٌ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

"إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ، وهو الفِعْلُ الأوَّلُ الَّذِي عَمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ  ﴾ ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "لِيُحِقَّ"..

و"وَيُبْطِلَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيها "يَعِدُكُمُ" فَإنَّ الوَعْدَ كانَ في وقْتِ الِاسْتِغاثَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ الذالِ في التاءِ، واسْتَحْسَنَها أبُو حاتِمٍ، و"تَسْتَغِيثُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ، ولَيْسَ يَبِينُ مِن ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلِمُوا قَبْلَ القِتالِ بِكَوْنِ المَلائِكَةِ مَعَهُمْ، فَإنَّ "اسْتَجابَ" يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ في غَيْبِهِ تَعالى، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ قَبْلَ القِتالِ، ومَعْنى التَأْنِيسِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُ- "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: قالَ إنِّي، و"مُمِدُّكُمْ"، أيْ: مُكَثِّرُكم ومُقَوِّيكُمْ، مِن أمْدَدْتُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بِألْفٍ"، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "بِآلُفٍ"، عَلى مَثَلِ فَلْسٍ وأفْلُسٍ فَهي جَمْعُ "ألْفٍ"، والإشارَةُ بِها إلى الآلافِ المَذْكُورَةِ في آلِ عِمْرانَ، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ أيْضًا "بِآلافٍ".

و ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ مَعْناهُ: مُتْبِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُرْدَفِينَ، المُؤْمِنِينَ، أيْ: أُرْدِفُوا بِالمَلائِكَةِ، فَـ "مُرْدَفِينَ" -عَلى هَذا- حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ مُمِدُّكُمْ ﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ: المَلائِكَةُ، أيْ: أُرْدِفَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ بِفَتْحِ الدالِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ.

وقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ بِكَسْرِ الدالِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والمَعْنى فِيها: تابِعٌ بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَلْفَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ"، وهَذا مَعْنى التَتابُعِ، يُقالُ: رَدَفَ وأرْدَفَ إذا أتْبَعَ وجاءَ بَعْدَ الشَيْءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: مُرْدِفِينَ المُؤْمِنِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: مُرْدِفِينَ بَعْضُهم بَعْضًا، ومَن قالَ: "مُرْدِفِينَ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ مَلَكٍ أرْدَفَ مَلَكًا وراءَهُ" فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِمُقْتَضاهُ رِوايَةٌ.

وقَرَأ رَجُلٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ -رَواهُ عنهُ الخَلِيلُ- "مُرَدِّفِينَ" بِفَتْحِ الراءِ وكَسْرِ الدالِ وشَدِّها.

ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أيْضًا أنَّها بِضَمِّ الراءِ كالَّتِي قَبْلَها وفي غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ بَعْضُ الناسِ بِكَسْرِ الراءِ مِثْلَهُما في غَيْرِ ذَلِكَ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو عن سِيبَوَيْهِ، وحَكاهُ أبُو حاتِمٍ قالَ: كَأنَّهُ أرادَ: "مُرْتَدِفِينَ" فَأدْغَمَ وأتْبَعَ الحَرَكَةَ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ كَسْرُ المِيمِ ولا أحْفَظُهُ قِراءَةً.

وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ شاهِدًا عَلى أنَّ "أرْدَفَ" بِمَعْنى: "جاءَ تابِعًا" قَوْلَ الشاعِرِ: إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتً بِآلِ فاطِمَةَ الظُنُونا والثُرَيّا تَطْلُعُ قَبْلَ الجَوْزاءِ.

ورُوِيَ في الأشْهَرِ أنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، واخْتُلِفَ -فِي غَيْرِهِ- مِن شاهِدِ رَسُولِ اللهِ  ، وقِيلَ: لَمْ تُقاتِلْ يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّما وقَفَتْ وحَضَرَتْ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ «عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ في ألْفِ مَلَكٍ عَلى مَيْمَنَةِ النَبِيِّ  وفِيها أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ونَزَلَ مِيكائِيلُ في ألْفِ مَلَكٍ في المَيسرَةِ وأنا فِيها،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانا في خَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وقالَ الزَجّاجُ: قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ خَمْسَةُ آلافٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: تِسْعَةُ آلافٍ، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ هي مُسْتَوْعَبَةٌ في كِتابِ السِيَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلَهُ اللهُ ﴾ الآيَةُ.

الضَمِيرُ في ( جَعَلَهُ ) عائِدٌ عَلى الوَعْدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي أمْكَنُ الأقْوالِ مِن جِهَةِ المَعْنى.

وقالَ الزَجّاجُ: "الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى المَدَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإمْدادِ، وهَذا يَحْسُنُ مَعَ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تُقاتِلْ، وإنَّما آنَسَتْ بِحُضُورِها مَعَ المُسْلِمِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ تَرُدُّهُ الأحادِيثُ الوارِدَةُ بِقِتالِ المَلائِكَةِ، وما رَأى مِن ذَلِكَ أصْحابُ النَبِيِّ  كابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الإرْدافِ" وهو قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا أيْضًا يَجْرِي مَجْرى القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الألْفِ"، وهَذا أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ البُشْرى بِالشَيْءِ إنَّما هي ما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والبُشْرى: مَصْدَرٌ مَن بَشَرْتُ، والطُمَأْنِينَةُ: السُكُونُ والِاسْتِقْرارُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وأنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يُغْنِي إذا لَمْ يُساعِدْهُ القَدَرُ وإنْ كانَ مُطالَبًا بِالجِدِّ، كَما ظاهَرَ رَسُولُ اللهِ  بَيْنَ دِرْعَيْنِ.

وهَذِهِ القِصَّةُ كُلُّها -مِن قِصَّةِ الكُفّارِ وغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُمْ- تَلِيقُ بِها مِن صِفاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ العِزَّةُ والحِكْمَةُ إذا تُؤُمِّلَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يتعلق ظرف ﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ بفعل ﴿ يريد الله ﴾ [الأنفال: 7] لأن إرادة الله مستمر تعلقها بأزمنة منها زمانُ استغاثة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمينَ ربّهم على عدوهم، حين لقائهم مع عدوهم يومَ بدر، فكانت استجابة الله لهم بإمدادهم بالملائكة، من مظاهر إرادته تحقيقَ الحق فكانت الاستغاثةُ يوم القتال في بدر وإرادة الله أن يُحِق الحق حصلت في المدينة يوم وعَدَهم الله إحدى الطائفتين، ورشح لهم أن تكون إحدى الطائفتين ذات الشوكة، وبيْنَ وقت الإرادة ووقت الاستغاثة مدةَ أيام، ولكن لما كانت الإرادة مستمرة إلى حين النصر يوم بدر صح تعليق ظرف الاستغاثة بفعلها، لأنه اقترن ببعضها في امتدادها، وهذا أحسن من الوجوه التي ذكروها في متعلق هذا الظرف أو موقعه.

وقد أشارت الآية إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، أخرج الترمذي عن عمر بن الخطاب قال «نظر نبيء الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فاستقبل نبيء الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تَهْلك هذه العصابة من أهل الإسلام (لا) تُعَبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمَه من ورائه فقال يا نبيء الله كفَاك مُناشَدَةُ ربّك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردَفين ﴾ أي فأنزل الله في حكاية تلك الحالة.

وعلى هذه الرواية يكون ضمير ﴿ تستغيثون ﴾ مراداً به النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عنه بضمير الجماعة لأنه كان يدعو لأجلهم، ولأنه كان معلنا بدعائه وهم يسمعونه، فهم بحال من يدعون، وقد جاء في «السيرة» أن المسلمين لما نزلوا ببدر ورأوا كثرة المشركين استغاثوا الله تعالى فتكون الاستغاثة في جميع الجيش والضمير شاملاً لهم.

والاستغاثة: طلب الغوث، وهو الإعانة على رفع الشدة والمشقة ولما كانوا يومئذ في شدة ودعوا بطلب النصر على العدو القوي كان دعاؤهم استغاثة.

﴿ فاستجاب لكم ﴾ أي وعدكم بالإغاثة.

وفعل استجاب يدل على قبول الطلب، والسين والتاء فيه للمبالغة أي تحقيق المطلوب.

وقوله: ﴿ أني ممدكم بألف من الملائكة ﴾ هو الكلام المستجاب به ولذلك قدره في «الكشاف» بأن أصله بأني ممدكم أي فحذف الجار وسلط عليه ﴿ استجاب ﴾ فنصب محله.

وأرى أن حرف (أن) المفتوحة الهمزة المشددة النون إذا وقعت بعد (ما) فيه معنى القول دون حروفه أن تكون مفيدة للتفسير مع التأكيد كما كانت تفيد معنى المصدرية مع التأكيد، فمن البيّن أن (أن) المفتوحة الهمزة مركبة من (أنْ) المفتوحة الهمزة المخففة النون المصدرية في الغالب، يجوز أن يُعتبر تركيبها من (أنْ) التفسيرية إذا وقعت بعد (ما) فيه معنى القول دون حروفه، وذلك مظنة (أن) التفسيرية، وأعْتضِدُ بما في «اللسان» من قول الفراء: «إذا جاءت [أن:] بعد القول وما تصرف من القول كانت حكاية، فلم يقع عليها (أي القول) فهي مكسورة، وإن كانت تفسيراً للقول نصبتَها ومثله: قد قلت لك كلاماً حسناً أن أباك شريف، فحتَ أن لأنها فسرت الكلام.

قلت: ووقوع (أن) موقع التفسير كثير: في الكلام.

وفي القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 45] الآية، ومن تأمل بإنصاف وجد متانة معنى قوله: ﴿ أني ممدكم بألف من الملائكة ﴾ في كون (أن) تفسيرية، دون كونها مجرورة بحرف جر محذوف.

مع أن معنى ذلك الحرف غير بين.

والإمداد إعطاء المدد وهو الزيادة من الشيء النافع.

وقرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب: بفتح الدال من ﴿ مردَفين ﴾ أي يَرِدُ فهم غيرُهم من الملائكة، وقرأ البقية: بكسر الدال أي تكون الألف رادِفاً لغيرهم قبلَهم.

والإرداف الإتباع والإلحاق فيكون الوعد بألف وبغيرها على ما هو متعارف عندهم من إعداد نجدة للجيش عند الحاجة تكون لهم مدداً، وذلك أن الله أمدهم بآلاف من الملائكة بلغوا خمسة آلاف كما تقدم في سورة آل عمران، ويجوز أن يكون المراد بألف هنا مطلق الكثرة فيفسره قوله: ﴿ بثلاثة آلافٍ ﴾ في سورة آل عمران (124)، وهم مردَفون بألفين، فتلك خمسة آلاف، وكانت عادتهم في الحرب إذا كان الجيش عظيماً أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى لأن ذلك أرهب للعدو.

ويوجه سيوفهم، وحلول الملائكة في المسلمين كان بكيفية يعلمها الله تعالى: إما بتجسيم المجردات فيراهم من أكرمه الله برؤيهم، وإما بإراءة الله الناس ما ليس من شأنه أن يُرى عادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَسْتَنْصِرُونَ.

الثّانِي: تَسْتَجِيرُونَ.

والفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَنْصِرِ والمُسْتَجِيرِ أنَّ المُسْتَنْصِرَ: طالِبٌ الظَّفْرَ، والمُسْتَجِيرَ: طالِبٌ الخَلاصَ.

والفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَغِيثِ والمُسْتَعِينِ أنَّ المُسْتَغِيثَ: المَسْلُوبُ القُدْرَةِ، والمُسْتَعِينُ الضَّعِيفُ القُدْرَةِ.

﴿ فاسْتَجابَ لَكُمْ ﴾ أيْ فَأعانَكم.

والفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِجابَةِ والإجابَةِ أنَّ الإجابَةَ ما لَمْ يَتَقَدَّمْها امْتِناعٌ.

﴿ أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فَتَكُونُ الألْفُ ألْفَيْنِ.

قالَ الشّاعِرُ: إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا الثّانِي: مَعْناهُ مُتَتابِعِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: مَعْنى مُرْدِفِينَ أيْ مُمِدِّينَ، والإرْدافُ إمْدادُ المُسْلِمِينَ بِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى هي في مَدَدِهِمْ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ بَشَّرُوهم بِالنَّصْرِ فَكانَتْ هي البُشْرى الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى.

والثّانِي: البُشْرى النُّصْرَةُ الَّتِي عَمِلَها اللَّهُ لَهم.

﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالبُشْرى.

والثّانِي: بِالمَلائِكَةِ.

واخْتَلَفُوا في قِتالِ المَلائِكَةِ مَعَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لَمْ يُقاتِلُوا وإنَّما نَزَلُوا بِالبُشْرى لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُهم، وإلّا فَمَلَكٌ واحِدٌ يُهْلِكُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ كَما أهْلَكَ جِبْرِيلُ قَوْمَ لُوطٍ.

الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَتْ مَعَ النَّبِيِّ  كَما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَألَهُ أبُو جَهْلٍ: مِن أيْنَ كانَ يَأْتِينا الضَّرْبُ ولا نَرى الشَّخْصَ؟

قالَ: (مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ فَقالَ: هم غَلَبُونا لا أنْتُمْ).

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ النَّصْرَ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو عوانة وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم مد يده وجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض» .

فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ .

فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً رضي الله عنهم؟

فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضداً.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قلت: ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه حتى يعلم الله تعالى أنه ليس في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.

فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر رضي الله عنه: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وهما يبكيان.

فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما...؟!

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي عرض على أصحابك من أخذ الفداء قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة الشجرة قريبة» ، وأنزل الله تعالى ﴿ ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ [ الأنفال: 67] إلى قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ﴾ من الفداء ثم أحل لهم الغنائم، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه.

فأنزل الله تعالى ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ﴾ [ آل عمران: 165] بأخذكم الفداء.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالصوت فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد خطم وشق وجهه كضربة السوط، فاحضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقت، ذاك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين» .

وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال: نزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة رضي الله عنه «أن رسول الله قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب» .

وأخرج سنيد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: ما أمد النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله تعالى في الأنفال، وما ذكر الثلاثة آلاف أو الخمسة آلاف إلا بشرى، ثم أمدوا بالألف ما أمدوا بأكثر منه.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه وكان من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟

قال «من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها.

قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة» .

وأخرج أبو الشيخ عن عطية بن قيس رضي الله عنه قال: وقف جبريل عليه السلام على فرس أخضر أنثى قد علاه الغبار، وبيد جبريل عليه السلام رمح وعليه درع فقال: يا محمد إن الله بعثني إليك فأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى فهل رضيت؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مردفين ﴾ يقال: المدد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مردفين ﴾ يقال: المدد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مردفين ﴾ قال: وراء كل ملك ملك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال: كان ألف مردفين وثلاثة آلاف منزلين فكانوا أربعة آلاف، وهم مدد المسلمين في ثغورهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ مردفين ﴾ قال: ممدين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ مردفين ﴾ قال: متتابعين، أمدهم الله تعالى بألف، ثم بثلاثة، ثم أكملهم خمسة آلاف ﴿ وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم ﴾ قال: يعني نزول الملائكة عليهم السلام قال: وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة عليهم السلام كانوا معنا، وأما بعد ذلك فالله أعلم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ مردفين ﴾ قال: بعضهم على أثر بعض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما جعله الله إلا بشرى ﴾ قال: إنما جعلهم الله يستبشر بهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ الآية، يجوز أن يكون العامل في (إذ)، (ويبطل الباطل) فتكون الآية متصلة بما قبلها (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ تَسْتَغِيثُونَ ﴾ أي تطلبون منه المغوثة (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ : تستجيرون به من عدوكم وتدعونه للنصر عليهم، وذلك أن المهاجرين والأنصار لما رأوا أنفسهم في قلة عدد استغاثوا، قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب [  ] (٧)  إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف (٨) (٩) (١٠) ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ﴾ (١١) وذكرنا معنى الإمداد في آخر سورة الأعراف وفي سورة آل عمران.

وقوله تعا لي: ﴿ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ وقرأ نافع (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) واختلف أهل اللغة في (ردف وأردف) والأكثرون على أنهما بمعنى.

[قال] (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) إذا الجوزاء أردفت الثريا ...

ظننت بآل فاطمة الظنونا (٢١) (٢٢) (٢٣) وفصل آخرون بينهما، فقال الزجاج: ردفت الرجل: إذا ركبت خلفه، وأردفته: أركبته خلفي، وأردفت الرجل: إذا جئت بعده (٢٤) وقال شَمِر: ردفت وأردفت: إذا فعلت ذلك بنفسك، فإذا فعلت بغيرك: فأردفت لا غير (٢٥) فمن قرأ (مردِفين) بكسر الدال (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) ومن قرأ بفتح الدال فمعناه: بألفٍ أردف الله المسلمين بهم وأمدهم بهم، وهو قول مجاهد، قال: الإرداف: إمداد المسلمين بهم (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) ويقوي هذا الوجه الذي ذكره أبو علي ما قال عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يريد ألفًا بعد ألف (٣٩) قال: والوجه الآخر في (مردفين) أن يكونوا جاءوا بعد المسلمين، قال الأخفش: تقول العرب: بنو فلان يردفوننا، أي: يجيئون بعدنا (٤٠) (٤١) ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ الآية، فقوله (مردفين) جائين بعد لاستغاثتكم (٤٢) (٤٣) (١) وهذا ما ذهب إليه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 189.

(٢) في (ج) و (س): التذكر.

(٣) في (م): (المعونة).

(٤) ما بين المعقوفين مكرر في (ح).

(٥) انظر: "معجم مقاييس اللغة" (غوث) 4/ 400.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 189، والثعلبي 6/ 41 ب، والبغوي 3/ 332.

(٧) من (م).

(٨) النيف: من واحد إلى ثلاث، وكل ما زاد على العقد فهو نيف.

انظر" "لسان العرب" 8/ 4579 (نوف).

ورواية المصنف هذه موافقة لرواية الإمام أحمد في "المسند"، وفي "صحيح مسلم": ثلاثمائة وتسعة عشر، وفي "سنن الترمذي": ثلاثمائة وبضعة عشر.

(٩) ساقط من (ح).

(١٠) ساقط من (م).

(١١) رواه بلفظ مقارب مع زيادة: مسلم في "صحيحه" (1863) كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر 3/ 1383 (1863)، والترمذي (3275) "كتاب تفسير القرآن"، سورة الأنفال، وأحمد في "المسند" 1/ 30.

(١٢) هو: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم المدني، أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.

(١٣) انظر: كتاب "التيسير في القراءات السبع" لأبي عمرو الداني ص 116، و"تقريب النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ص 118، وقد قرأ بالفتح أيضاً أبو جعفر ويعقوب، انظر: المصدر السابق، و"إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر" للدمياطي ص 236.

(١٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 404.

(١٥) في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج: فمعنى.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 402.

(١٧) إضافة من المحقق.

(١٨) هو: محمد بن زياد بن الأعرابي أبو عبد الله الكوفي الهاشمي مولاهم، تقدمت ترجمته.

(١٩) "تهذيب اللغة" 2/ 1394 (ردف)، ونصه: ردفته وأردفته بمعنى واحد.

(٢٠) هو: سعدي بن أوس بن ثابت الأنصاري أبو زيد البصري، صاحب النحو واللغة، كان صدوقًا علامة حافظًا لنوادر والشعر، توفي سنة 214 هـ.

انظر: "مراتب النحويين" ص 73، و"نزهة الألباء" ص 101، و"إنباه الرواة" 2/ 30، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 494.

(٢١) البيت لحزيمة بن نهد بن زيد بن ليث القضاعي، وهو شاعر جاهلي قديم.

وحزيمة: بالحاء المهملة المفتوحة، وكسر الزاي، وانظر: " الأغاني" 13/ 78، و"معجم ما استعجم" 1/ 19، و"المعارف" ص 342.

وقيل إن البيت لخزيمة -بالخاء المعجمة- ابن مالك بن زيد.

انظر "اللسان" (ردف) 3/ 1625.

والمعنى: إذا الجوزاء تبعت الثريا، وذلك إبان اشتداد الحر وجفاف المياه، وتفرق الناس في طلبها، فحينئذٍ تغيب عنه محبوبته فتسيء ظنونه، وتشتد همومه.

(٢٢) انظر: قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" 2/ 1394 (ردف).

(٢٣) في (س): (وردفت).

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 402.

(٢٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1394 (ردف).

(٢٦) وهي قراءة السبعة غير نافع، انظر: كتاب "السبعة" ص 304، و"التيسير في القراءات السبع" ص 116، و"تقريب النشر" ص 118.

(٢٧) "معاني القرآن" 1/ 404.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 402.

(٢٩) رواه عنهما ابن جرير 9/ 191، وابن أبي حاتم 5/ 1663.

(٣٠) هكذا في جميع النسخ.

(٣١) انظر: قول أبي حاتم في "الوسيط" 2/ 446.

(٣٢) انظر قول أبي عمرو في: "تفسير ابن جرير" 9/ 191، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 307.

(٣٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 199، و"الدر المصون" 5/ 576.

(٣٤) في "تفسير الإمام مجاهد" ص 352، و"تفسير ابن جرير" 13/ 413، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" 4/ 30، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ قال: ممدّين اهـ.

فلعل المصنف ذكر قول مجاهد بالمعنى.

(٣٥) انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 307.

(٣٦) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 404: (مردَفين): فعل بهم اهـ.

"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 241: ومن قرأها بفتح الدال وضعها في موضع (مفعولين) من أردفهم الله من بعد من قبلهم وقدامهم.

(٣٧) رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 192 بإسناد فيه قابوس بن أبي ظبيان، وهو ضعيف لا يحتج به كما في الكاشف 2/ 334.

(٣٨) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 124.

(٣٩) أكثر المؤلف من ذكر رواية عطاء عن ابن عباس بل بنى عليها تفسيره هذا وكذلك، و"الوسيط" ، و"الوجيز"، ولم أجد لها ذكرًا في كتب التفسير كـ"تفسر عبد الرزاق" ، == و"ابن جرير"، و"ابن أبي حاتم"، و"الثعلبي"، و"البغوي"، و"الدر المنثور"، وغيرها.

وقد يذكرها في أحيان قليلة الفخر الرازي وابن الجوزي، وهما يكثران النقل من "البسيط"، وفي القلب شيء من صحة هذه الرواية لما يأتي: 1 - أن هذه الرواية مفسرة لجميع آيات القرآن، وهذا غير معهود عن السلف، قال الخليلي: هذه التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضية ورواتها مجاهيل.

"الإتقان" 2/ 241.

2 - أن الإِمام الشافعي رحمه الله قال: لم يثبت في التفسير عن ابن عباس إلا شبيه بمائة حديث.

انظر: المصدر السابق ص 242، ولعل الشافعي لم تصح عنده رواية علي بن أبي طلحة الوالبي إذ هي في الأصل منقطعة، لكن عرفت الواسطة وهو ثقة.

انظر: "التفسير والمفسرون" 1/ 78.

3 - أن هذه الرواية قد تخالف الرواية الصحيحة عن ابن عباس.

أقول: تبين لي فيما بعد أن هذه الرواية موضوعة، وقد تقدم ذلك عند الحديث عن مصادر المؤلف، في مقدمة التحقيق.

(٤٠) "الحجة للقراء السبعة"4/ 125، و"فتح الباري" 8/ 307، ولم أجده في "معاني القرآن".

(٤١) قول أبي عبيدة هذا ذكره بنصه أبو علي الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 125، ونص قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 241 (مردفين) مجازه: مجاز فاعلين، من أردفوا، أي جاءوا بعد قوم قبلهم، وبعضهم يقول: ردفني.

أي جاء بعدي، وهما لغتان.

(٤٢) في (ح): (استغاثتكم).

(٤٣) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 125، وقد تصرف الواحدي في عبارة أبي علي واختصرها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ إذ بدل من إذ يعدكم، وقيل: يتعلق بقوله ليحق الحق أو بفعل مضمر واستغاثتهم دعاؤهم بالغوث والنصر ﴿ مُمِدُّكُمْ ﴾ أي مكثركم ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ من قولك ردفه إذا تبعه، واردفته إياه إذا أتبعته إياه.

والمعنى: يتبع بعضهم بعضاً، فمن قرأه بفتح الدال فهو اسم مفعول، ومن قرأه بالكسر فهو اسم فاعل، وصح معنى القراءتين؛ لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضاً، فمنهم تابعون ومتبوعون ﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله ﴾ الضمير عائد على الوعد، أو على الإمداد بالملائكة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مردفين ﴾ بفتح الدال: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون: بالكسر.

الوقوف: ﴿ عن الأنفال ﴾ ط ﴿ والرسول ﴾ ج لعطف المختلفين مع الفاء ﴿ ذات بينكم ﴾ ص ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ج لاحتمال جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ والوصل أولى فيكون الوقف على ﴿ ينفقون ﴾ ويكون الثناء بحقيقة الإيمان منصرفاً إلى قوله ﴿ هم المؤمنون ﴾ ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ج لما يجيء في التفسير ﴿ بالحق ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لكارهون ﴾ ه ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ج لاحتمال كون "إذ" متعلقاً بمحذوف وهو "اذكر" أو بقوله ﴿ ويحق ﴾ ﴿ مردفين ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ج لابتداء النفي مع احتمال الحال ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله  : من فعل كذا فله كذا، فذهب شبان الرجال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت القسمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردأ لكم فأنزل الله  ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ فقسمها بينهم بالسواء.

وعن عبادة بن الصامت قال: لم هزم العدوّ يوم بدر واتبعتهم طائفة يقتلونهم، أحدقت طائفة برسول الله  واستولت طائفة بالعكسر والنهب، فلما نفى الله العدوّ رجع الذين طلبوهم وقالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدوّ وبنا قفاهم الله وهزمهم.

وقال الذين أحدقوا برسول الله  : ما أنتم بأحق به منا نحن أحدقنا برسول الله لا ينال العدوّ منه  غرة.

وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: نحن أخذناه واستولينا عليه فهو لنا فنزلت الآية، فقسمها رسول الله  بينهم بالسواء.

وعن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص فأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله  فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف.

فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض أي في المقبوض من الغنائم، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله  وقد أنزلت سورة الأنفال عليه فقال: "يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وإنه الآن قد صار لي فاذهب فخذه" والنفل بالتحريك الغنيمة وجمعه الأنفال وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً.

قال الأزهري: هو ما كان زيادة على الأصل فسميت الغنائم بذلك لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم.

وصلاة التطوّع نافلة لأنها زائدة على الفرض وقال  ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة  ﴾ أي زيادة على ما سأل.

والضمير في ﴿ يسألونك ﴾ عائد إلى جامع معينين من الصحابة لهم تعلق بالغنائم كما قررنا.

وحسن العود وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ لدلالة الحال عليهم، ولفظ السؤال وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن المراد أنهم سألوا عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها.

قال الزجاج: إنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم.

وضعف بأن الآية دلت على أنها مسبوقة بالتنازع والتنافس فسألوا عن كيفية قسمتها لا عن حلها وحرمتها.

وعن عكرمة أن المراد من هذا السؤال الاستعطاء أي يطلبون منك الغنائم وقال في الكشاف: النفل ما ينفله الغازي أي يعطاه زائداً على سهمه من المغنم وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب.

من قتل قتيلاً فله سلبه.

أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم أو فلكم نصفه أو ربعه.

ولا يخمس النفل ويلزم الإمام الوفاء بما وعد به.

وهذا التفسير يناسب خبر سعد بن أبي وقاص في إعطاء السيف إياه.

وعن ابن عباس في بعض الروايات أن المراد بالأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من دابة أو عبد أو متاع فهو إلى النبي  يضعه حيث يشاء.

وعن مجاهد: إن الأنفال الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس.

وعلى هذا فالقوم إنما سألوا عن الخمس فنزلت الآية.

ثم أمر بالشروع في الجواب فقال ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد.

قال مجاهد وعكرمة والسدي: إنها منسوخه بقوله ﴿ واعلموا أن ما غنمتم  ﴾ الآية.

وضعف بأن جعل أربعة أخماسها ملكاً للغانمين لا ينافي كون الحكم فيها لله والرسول، ولو فسر الأنفال بالخمس أو بالسلب فلا إشكال.

ثم حثهم على ترك المنازعة وعلى المؤاخاة والمصافاة فقال ﴿ فاتقوا الله ﴾ أي عقابه ولا تقدموا على معصيته واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ أي التي هي بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومودة وموافقة.

لما كانت الأحوال واقعة في البين قيل لها ذات البين كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي كاملي الإيمان تنبيهاً على أن كمال الإيمان موقوف وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله.

ثم وصف المؤمنين الكاملين فقال ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أي فزعت لذكره استعظاماً لجلاله وحذراً من أليم عقابه.

وقد يطمئن القلب بعد ذلك إذا تذكر كمال رأفته وجزيل ثوابه كقوله ﴿ ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله  ﴾ وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم لمعصية فيقال له اتق الله فينزع ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ قالت العلماء: زيادة الإيمان تكون على ثلاثة أنحاء: الأوّل: بقوّة الدليل وبكثرته، فإن كل دليل مركب لا محالة من مقدمات.

ولا شك في أن النفوس مختلفة في الإشراق والإنارة، والأذهان متفاوتة بالذكاء والغباوة، فكل من كان جزمه بالمقدمات أكثر وأدوم كان علمه بالنتيجة أكمل وأتم، وكذا من سنح له على المطلوب دليلان كان علمه أتم ممن لا يجد على المطلوب دليل واحد ولذا يورد العلماء دلائل متعددة على مدلول واحد ولله در القائل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

الثاني: بتعدد التصديق وتجدده؛ فمن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدقه في شيء واحد، فمعنى الآية أنهم كلما سمعوا آية متجددة أتوا بإقرار جديد.

الثالث: أن يقال: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل كما ينبىء عنه ظاهر الآية لأنه لما ذكر الأمور الخمسة قال ﴿ أولئك هم المؤمنون ﴾ فدل ذلك على أن كل تلك الخصال داخلة في مسمى الإيمان ويؤيده ما رواه أبو هريرة أن النبي  قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" وإذا كان الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة فبسبب التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وإن لم يكن التفاوت في الإقرار والاعتقاد متصوراً.

أما قوله ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيفيد الحصر أي لا يتوكلون إلا على ربهم وهذه الصفات مرتبة على أحسن جهات الترتيب؛ فالأولى الفزع من عقاب الله، والثانية الانقياد لتكاليفه، والثالثة الانقطاع بالكلية عما سواه.

ثم لما فرغ من أعمال القلوب وهي الخشية والتسليم والتوكل شرع في وصفهم بأعمال الجوارح وذكر منها رأسها وسنامها وهما الصلاة والصدقة، ثم عظمهم بقوله ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ وفي ﴿ أولئك ﴾ وفي توسيط الفصل وتعريف الخبر وإيراد ﴿ حقاً ﴾ من المبالغات ما لا يخفى و ﴿ حقاً ﴾ صفة مصدر محذوف أي إيماناً حقاً وهو مصدر مؤكد للجملة قبله، وقال الفراء: معناه أخبركم بذلك إخباراً حقاً، وقيل: إنه منوط بما بعده أي حقاً لهم درجات.

واعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الرجل المؤمن يجوز له أن يقول أنا مؤمن، ثم اختلفوا في أنه هل يجوز له أن يضيف إليه حقاً أو لا بل يستثني فيقول إن شاء الله.

والأوّل مذهب أصحاب أبي حنيفة لما ورد في الآية، ولأن الشك في الإيمان لا يجوز لأن التصديق والإقرار كلاهما محقق.

والثاني مذهب أصحاب الشافعي، وأجابوا عن الآية بأنه لا نزاع في أن الموصوف بالصفات المذكورة مؤمن حقاً إنما النزاع في أن القائل أنا مؤمن هل هو موصوف بتلك الصفات جزماً أم لا.

وأما حديث الشك فمبني على أن الإيمان عبارة عن الأركان الثلاثة، ولا ريب أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية، فإن النزاع لفظي على أنا لا نسلم أن الاستثناء لأجل الشك وإنما هو لزوال العجب أو لعدم القطع بحسن الخاتمة، أو لنوع من الأدب ففيه تفويض بالأمر إلى علم الله وحكمه كقوله ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين  ﴾ وإنه تعالى منزه عن الشك والريب.

عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟

قال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا.

وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية.

وهذا إلزام منه يعني كما لا يقع بأنه من أهل الجنة حقاً فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً.

ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟

فقال: اتباعاً لإبراهيم في قوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي  ﴾ فقال له: هلا اقتديت به في قوله ﴿ أو لم تؤمن قال بلى  ﴾ قيل: وكان لقتادة أن يقول ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ وفيه ما فيه.

ثم أخبر عن مآل حالهم فقال ﴿ لهم درجات عند ربهم ﴾ أي سعادات روحانية متفاوتة في الصعود والارتفاع، ولكن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به يمنعه عن التألم من حال من فوقه كما قال  ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ، ﴿ ومغفرة  ﴾ وتجاوز عن سيئاتهم ﴿ ورزق كريم ﴾ هو نعيم الجنة المقرون بالدوام والتعظيم.

والكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه نقله الواحدي عن أهل اللغة.

فالله  موصوف بأنه كريم لأنه محمود في كل ما يحتاج إليه، والقرآن كريم لأنه يوجد فيه بيان كل شيء ﴿ وقال إني ألقي إليّ كتاب كريم  ﴾ وقال ﴿ من كل زوج كريم  ﴾ وقال ﴿ وقل لهما قولاً كريماً  ﴾ قال بعض العارفين: المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله.

والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته.

قوله عز من قائل ﴿ كما أخرجك ﴾ يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوهاً: الأوّل: أن المشبه محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك.

والمعنى أن حالهم في كراهة ما صنعت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، وذلك أنه  لما رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ وقلة المسلمين قال: " من قتل قتيلاً فله كذا وكذا.

ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا" .

ترغيباً لهم في القتال، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق كثير بغير شيء فنزلت ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة.

والثاني: أن ينتصب الكاف على أنه صفة مصدر الفعل المقدّر في قوله ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي ثبت الحكم واستقر بأن الأنفال لله وإن كرهوا ثباتاً مثل إخراج ربك إياك إلى القتال وإن كرهوا، ووجه تخصيص هذا المشبه به بالذكر من بين سائر أحكام الله أن القصة واحدة ووجه جعل الإخراج مشبهاً به كونه أقوى في وجه الشبه لأن مدار القصة عليه.

وقيل: التقدير هو أن الحكم بكونهم مؤمنين حق كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك لأجل القتال حق.

الثالث: قال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده وهو قوله ﴿ يجادلونك ﴾ والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه.

والبيت بيته صلى الله عليه وآله بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مهاجره ومسكنه فلها به اختصاص كاختصاص البيت بساكنه، ومعنى بالحق أي إخراجاً ملتبساً بالحكمة والصواب ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهة بعضهم.

ثم بين الكراهة بقوله ﴿ يجادلونك ﴾ ويجوز أن تكون الجملة بدلاً أو خبراً بعد خبر.

روي أن قريش أقبلت من الشأم فيها تجارة عظيمة ومعهم أربعون راكباً - منهم أبو سفيان وعمر بن العاص وعمرو بن هشام - فأخبر جبريل رسول الله  فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً.

وقد رأت أخت العباس ابن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً رأيت كأن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل فرمى بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة.

فحدث بها العباس فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبأوا حتى تتنبأ نساؤهم.

فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير على ما قيل في المثل السائر: "لا في العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمداً لم يصب العير.

فمضى بهم إلى بدر ونزل جبرائيل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا فاستشار النبي صلىالله عليه وسلم أصحابه وقال: ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟

قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ.

فتغير وجه رسول الله  ثم ردّ عليهم فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدوّ.

فقام عند غضب النبي  أبو بكر وعمر فأحسنا أي الكلام، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر فامض فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار.

ثم قال: المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون  ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين تطرف.

فضحك رسول الله  ثم قال: "أشيروا عليّ أيها الناس" .

وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان النبي  يتخوف أن يكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة.

فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟

قال: أجل.

قال: قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أدرت فوالذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا، إنا بالصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك بنا ما تقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله  ونشطه قول سعد ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" .

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ في الحق ﴾ أي في تلقي النفير بعد ما تبين أي بعد إعلام النبي  بأنهم هم المنصورون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير.

وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب وذلك لكراهتهم القتال ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ المتيقن لمشاهدة أسبابه من قلة العدد والعدد.

روي أنه ما كان منهم إلا فارسان.

وانتصب بإضمار "اذكر".

قوله ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ﴾ وقوله ﴿ أنها لكم ﴾ بدل من ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ وهما العير أو النفير ﴿ وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدّة.

والشوكة الحدّة مستعارة من واحدة الشوك ﴿ ويريد الله أن يحق الحق ﴾ يثبته ويعليه ﴿ بكلماته ﴾ بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة من إنزال الملائكة وأسر الكفرة وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ أي يستأصلهم.

والدابر الآخر يعني أنكم تريدون العاجل وسفساف الأمور والله يريد معاليها وما يرجع إلى تقوية الدين وشتان ما بين المرادين.

قوله ﴿ ليحق الحق ﴾ متعلق بمحذوف أي لإظهار الإسلام وإبطال الكفر.

فعل ما فعل وإنما قدّر المحذوف متأخراً ليفيد معنى الاختصاص أي ما فعل ذلك إلا لتحقيق الحق وإبطال الباطل وقيل: يتعلق بـ ﴿ يقطع ﴾ فإن قيل: الحق حق لذاته والباطل باطل في ذاته وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل.

قلنا: المراد إظهار كون الحق حقاً والباطل باطلاً وذلك يكون تارة بإظهار الدلائل والبيان، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل.

فإن قيل: أليس في الكلام تكرار؟

قلنا: لا إذ المراد بالأوّل تثبيت ما وعده في هذه الواقعة من الظفر بالأعداء، والمراد الثاني إعلاء الإسلام ومحق الكفر.

والحاصل أن الأول جزئي أي أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني كلي يشمل هذه القضية وغيرها من القضايا التي حصل في ضمنها إعلاء كلمة الله وقمع بكلمة الكفر.

احتجت الأشاعرة بقوله ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ وقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ على أن الأعمال والعقائد كلها بخلق الله وبتكوينه ولا يمكن أن يقال: المراد من إظهار الحق وضع الدلائل عليه لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى المسلم والكافر وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يبقى للتخصيص فائدة.

والمعتزلة تمسكوا بالآية على إبطال قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله مريد له، لأن ذلك ينافي إرادة تحقيق الحق وإبطال الباطل.

واجيب بأن اللام في ﴿ الحق ﴾ ينصرف إلى المعهود السابق أي في هذه القضية فلم قلتم: إنه كذلك في جميع الصور ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ أي الكافرون أو المشركون كقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يُتم نوره ولو كره الكافرون  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولو كره المشركون  ﴾ وقوله ﴿ إذ تستغيثون ﴾ بدل من قوله ﴿ وإذ يعدكم ﴾ وقيل: يتعلق بقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون: يا غياث المستغيثين أغثنا.

وعن عمر أن رسول الله  نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه ثلثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدّتك بالدعاء ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.

ويروى أنه لما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره.

ورفع رسول الله  يده بالدعاء المذكور.

ومعنى تستغيثون تطلبون الإغاثة، يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني ﴿ فاستجاب لكم ﴾ ، ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ ممدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ بكسر الدال وفتحها من أردفته إياه إذا أتبعته متعدياً إلى مفعولين، أو من ردفته إذا أتبعته أي جئت بعده متعدياً إلى مفعول واحد.

ومعنى الأوّل جاعلين بعضهم أو مجعولين بعضهم تابعاً لبعض أو أنفسهم تابعين للمؤمنين يحرسونهم أو لملائكة أخرى.

ومعنى الثاني تابعين بعضهم للبعض أو للمؤمنين يقدمونهم على ساقتهم يحفظونهم أو لغيرهم من الملائكة.

واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبرائيل في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت، وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.

وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً؟

قال: من الملائكة.

فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم.

وروي أن رجلاً من المسلمين بينا هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقياً وشق وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله  فقال  : "صدقت ذاك من مدد السماء" .

وعن أبي داود المازني قال: تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي.

قيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا، وقد أجبنا عن هذه الشبهة في تفسير سورة آل عمران وكذا في تفسير قوله ﴿ وما جعله الله ﴾ الآية.

وقد مر هنالك وقد بقي علينا بيان المتشابه فنقول: حذف ﴿ لكم ﴾ ههنا لأن المخاطبين معلومون في قوله ﴿ فاستجاب لكم ﴾ وقدم ﴿ قلوبكم ﴾ وأخر به في "آل عمران" ازدواجاً بين الخطابين وعكس ههنا ازدواجاً بين الغائبين.

ثم إن قصة بدر سابقة على قصة أحد فقيل في الأنفال ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ ليستقر الخبر وجعله في آل عمران صفة لأن الخبر قد سبق والله أعلم.

التأويل: كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ما تمنوا.

وقيل: الأنفال لله والرسول قطعاً لطريق الاعتراض والسؤال.

وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ بالتسليم والائتمار ﴿ زادتهم إيماناً ﴾ بحسب تزايد الأنوار ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ فيه أنه أخرج المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية ﴿ كما أخرجك ﴾ من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وإن فريقاً ﴾ هم القلب والروح ﴿ لكارهون ﴾ للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود ﴿ يجادلونك ﴾ أي الروح والقلب ﴿ في ﴾ مجيء ﴿ الحق بعد ما تبين ﴾ مجيئه كأنهم ينظرون إلى الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت ﴿ وإذ يعدكم الله ﴾ أيها السائرون ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية.

﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة ﴾ أي أردتم أن لا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه كما قال ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ أي بجذباته ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ النفوس الأمارة بالسوء.

﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ يعني استغاثة الروح والقلب من النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها ﴿ بألف من الملائكة ﴾ هم الصفات الملكية والروحانية ﴿ إلا بشرى لكم ﴾ بتبديل الأخلاق ﴿ وما النصر ﴾ بإهلاك النفس وصفاتها إلا بتجلي صفته القهارية ﴿ إن الله عزيز ﴾ لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود ﴿ حكيم ﴾ في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾ كيف خافوا كل هذا الخوف حتى وصفهم بشدة الخوف كأنما يساقون إلى الموت وقد وعد لهم النصر والظفر بقوله: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾ وكيف استغاثوا ربهم في ذلك وقد سبق منه لهم الوعد بالظفر والنصر.

[قيل:] قد يمكن أن تصرف الآية إلى المنافقين، وهو قوله: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ غير أنه ذكر في بعض القصة أنه لم يكن ببدر منافق بل كانوا كلهم مؤمنين حتى افتخر بذلك من شهد بدرا، أو إن كان في المؤمنين فهو ما ذكرنا لقلة عددهم وضعفهم وكثرة أولئك وعدتهم كانوا كما وصف، والله أعلم.

لكن الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: أمكن أن يكون الوعد لهم بالنصر بين لرسوله ولم يبين لهم؛ فألقى في قلوبهم الرعب والخوف لما لم يبين لهم الوعد بالنصر.

أو بين لهم وبلغهم الوعد بذلك لكن لم يبين لهم الوقت متى يكون ذلك؛ ألات ترى أنهم أمروا بالخروج ولا يدرون إلى ماذا يؤمرون.

والثالث: يجوز أيضاً أن بين لهم الوعد بالنصر وبلغهم ذلك، غير أنهم خافوا ذلك وكرهوا خوف طبع وكراهة النفس لا كراهة الاختيار، وجائز الخوف في مثل هذا وكراهة الطبع وإن كانوا على يقين بالنصر والظفر وتحقيق ذلك لهم.

والرابع: يجوز أن يكون الوعد لهم بالنصر والظفر بالتضرع إليه والاستغاثة منه، على ما يكون في الدعوات، يكون شقاوة بعض ودخوله النار بمعاصي يرتكبها، وسعادة آخر ودخوله الجنة بخيرات يأتي بها فيصير من أهلها.

والخامس: جائز أن يكون ذلك من الله لهم محنة يمتحنهم بها كقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، يحتمل معنى الآية الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ...

﴾ الآية؛ قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ  ﴾ .

قالوا قوله: ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ ألفان، وقوله: ﴿ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ  ﴾ فيكون خمسة آلاف مسومين.

ومنهم من يقول: ثلاثة كان في أحد؛ إذ ذكر على أثر قصة أحد، فإن كان ما ذكروا فكأن قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ إما في أرداف الكفرة وهو المتتابع، تابع أهل بدر المشركين وهم منهزمون، أو أن يكون الإرداف الإمداد فيكون ألفان.

وقال بعض أهل التأويل: إن قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾ هو رسول الله، وذلك أن النبي  [لما] رأى كثرة المشركين ببدر علم أنه لا قوة لهم إلا بالله، فدعا ربه وتضرع [إليه]، ولكن ذلك قولهم عندنا والله أعلم، أعني قول المؤمنين؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ  ﴾ بكذا والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، سوى أن فيه البشارة لهم بالنصر والطمأنينة لقلوبهم وإنباء أن حقيقة النصر إنما يكون بالله لا بأحد سواه، وذلك قوله: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يذله شيء ولا يعجزه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في أمره ونهيه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء إلا وفيه حكمة، وفائدة ما ذكر من بعث مدد ألف ملك وثلاثة آلاف، وما ذكر لطمأنينة قلوب أولئك المؤمنين، وإلا ملك واحد كاف لهم وإن كثروا لأنه يراهم ولا يرونه، وإهلاك مثله سهل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا يوم بدر حين طلبتم الغوث من الله بالنصر على عدوكم، فاستجاب الله لكم بأنه ممدكم -أيها المؤمنون- ومعينكم بألف من الملائكة، متتابعين يتبع بعضهم بعضًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.MGYpx"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله