الآية ١٤ من سورة الانشقاق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 84 الانشقاق > الآية ١٤ من سورة الانشقاق

إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة الانشقاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٤ من سورة الانشقاق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما والحور هو الرجوع.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ* بَلَى ) يقول تعالى ذكره: إنّ هذا الذي أُوتي كتابه وراء ظهره يوم القيامة، ظنّ في الدنيا أن لن يرجع إلينا، ولن يُبعث بعد مماته، فلم يكن يبالي ما ركب من المآثم؛ لأنه لم يكن يرجو ثوابًا، ولم يكن يخشى عقابًا، يقال منه: حار فلان عن هذا الأمر: إذا رجع عنه، ومنه الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: " اللَّهُمَّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ" يعني بذلك: من الرجُوع إلى الكفر، بعد الإيمان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ) يقول: يُبعث .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى ) قال: أن لا يرجع إلينا .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ) : أن لا مَعَادَ له ولا رجعة .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( أَنْ لَنْ يَحُورَ ) قال: أن لن ينقلب: يقول: أن لن يبعث .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، ( ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ) قال: يرجع .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( أَنْ لَنْ يَحُورَ ) قال: أن لن ينقلب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إنه ظن أن لن يحور أي لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب ، ثم يثاب أو يعاقب .

يقال : حار يحور إذا رجع ; قال لبيد :وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطعوقال عكرمة وداود بن أبي هند ، يحور كلمة بالحبشية ، ومعناها يرجع .

ويجوز أن تتفق الكلمتان فإنهما كلمة اشتقاق ; ومنه الخبز الحوارى ; لأنه يرجع إلى البياض .

وقال ابن عباس : ما كنت أدري : ما يحور ؟

حتى سمعت أعرابية تدعو بنية لها : حوري ، أي ارجعي إلي ، فالحور في كلام العرب الرجوع ; ومنه قوله - عليه السلام - : اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور يعني : من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة ، وكذلك الحور بالضم .

وفي المثل ( حور في محارة ) أي نقصان في نقصان .

يضرب للرجل إذا كان أمره يدبر ، قال الشاعر :واستعجلوا عن خفيف المضغ فازدردوا والذم يبقى وزاد القوم في حوروالحور أيضا : الاسم من قولك : طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا ; أي ما ردت شيئا من الدقيق .

والحور أيضا الهلكة ; قال الراجز :في بئر لا حور سرى ولا شعر[ ص: 236 ] قال أبو عبيدة : أي بئر حور ، و ( لا ) زائدة .

وروي ( بعد الكون ) ومعناه من انتشار الأمر بعد تمامه .

وسئل معمر عن الحور بعد الكون ، فقال : هو الكنتي .

فقال له عبد الرزاق : وما الكنتي ؟

فقال : الرجل يكون صالحا ثم يتحول رجل سوء .

قال أبو عمرو : يقال للرجل إذا شاخ : كنتي ، كأنه نسب إلى قوله : كنت في شبابي كذا .

قال :فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا وشر خصال المرء كنت وعاجنعجن الرجل : إذا نهض معتمدا على الأرض من الكبر .

وقال ابن الأعرابي : الكنتي : هو الذي يقول : كنت شابا ، وكنت شجاعا ، والكاني هو الذي يقول : كان لي مال وكنت أهب ، وكان لي خيل وكنت أركب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولم يظن أنه راجع إلى ربه وموقوف بين يديه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إنه ظن أن لن يحور"، أن لن يرجع إلينا ولن يبعث.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنه ظن أن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي أنه «لن يحور» يرجع إلى ربه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأمَّا مَن أُعطي صحيفة أعماله من وراء ظهره، وهو الكافر بالله، فسوف يدعو بالهلاك والثبور، ويدخل النار مقاسيًا حرها.

إنه كان في أهله في الدنيا مسرورًا مغرورًا، لا يفكر في العواقب، إنه ظنَّ أن لن يرجع إلى خالقه حيا للحساب.

بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله، إن ربه كان به بصيرًا عليمًا بحاله من يوم خلقه إلى أن بعثه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال القرطبى : قوله ( إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ) أى : لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب .

ثم يثاب أو يعاقب .

يقال : حار فلان يحور إذا رجع ، ومنه قول لبيد :وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ...

يحور رمادا بعد إذ هو ساطعفالحور فى كلام العرب : ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم إنى أعوذ بك من الحَوْر بعد الكَوْر " يعنى : من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فاعلم أن الحور هو الرجوع والمحار المرجع والمصير وعن ابن عباس.

ما كنت أدري ما معنى يحور، حتى سمعت إعرابية تقول لابنتها حوري أي ارجعي، ونقل القفال عن بعضهم أن الحور هو الرجوع إلى خلاف ما كان عليه المرء كما قالوا: نعوذ بالله من الحور بعد الكور فعلى الوجه الأول معنى الآية أنه ظن أن لن يرجع إلى الآخرة أي لن يبعث، وقال مقاتل وابن عباس: حسب أن لا يرجع إلى الله تعالى، وعلى الوجه الثاني أنه ظن أن لن يرجع إلى خلاف ما هو عليه في الدنيا من السرور والتنعم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الكدح: جهد النفس في العمل والكدّ فيه حتى يؤثر فيها، من كدح جلده: إذا خدشه ومعنى ﴿ كَادِحٌ إلى رَبّكَ ﴾ جاهد إلى لقاء ربك، وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء ﴿ فملاقيه ﴾ فملاق له لا محالة لا مفرّ لك منه، وقيل: الضمير في ملاقيه للكدح ﴿ يَسِيراً ﴾ سهلاً هينا لا يناقش فيه ولا يعترض بما يسوءه ويشق عليه، كما يناقش أصحاب الشمال.

وعن عائشة رضي الله عنها: هو أن يعرّف ذنوبه، ثم يتجاوز عنه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يحاسب يعذب» فقيل يا رسول الله: فسوف يحاسب حساباً يسيراً.

قال: «ذلكم العرض، من نوقش في الحساب عذب» ﴿ إلى أَهْلِهِ ﴾ إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين.

أو إلى فريق المؤمنين.

أو إلى أهله في الجنة من الحور العين ﴿ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴾ قيل: تغلّ يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من روءا ظهره.

وقيل تخلع يده اليسرى من وراء ظهره، ﴿ يَدْعُو ثُبُوراً ﴾ يقول: يا ثبوراه.

والثبور: الهلاك.

وقرئ ﴿ ويصلى سعيراً ﴾ كقوله: ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾ [الواقعة: 94]، ويصلى: بضم الياء والتخفيف، كقوله: ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ [النساء: 115] ، ﴿ فِى أَهْلِهِ ﴾ فيما بين ظهرانيهم، أو معهم، على أنهم كانوا جميعاً مسرورين، يعني أنه كان في الدنيا مترفا بطرا مستبشراً كعادة الفجار الذين لا يهمهم أمر الآخرة ولا يفكرون في العواقب.

ولم يكن كئيباً حزيناً متفكراً كعادة الصلحاء والمتقين وحكاية الله عنهم ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ [الطور: 26] ﴿ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ﴾ لن يرجع إلى الله تعالى تكذيباً بالمعاد.

يقال: لا يحور ولا يحول، أي: لا يرجع ولا يتغير.

قال لبيد: يَحُورُ رَمَاداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها: حوري، أي: أرجعي ﴿ بلى ﴾ إيجاب لما بعد النفي في ﴿ لَّن يَحُورَ ﴾ أي: بلى ليحورنّ ﴿ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً ﴾ وبأعماله لا ينساها ولا تخفى عليه، فلا بدّ أن يرجعه ويجازيه عليها.

وقيل: نزلت الآيتان في أبي سلمة بن عبد الأشدّ وأخيه الأسود بن عبد الأشد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ ﴾ أيْ في الدُّنْيا.

﴿ مَسْرُورًا ﴾ بَطِرًا بِالمالِ والجاهِ فارِغًا عَنِ الآخِرَةِ.

﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ بَلى ﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ لَنْ.

﴿ إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ عالِمًا بِأعْمالِهِ فَلا يُهْمِلُهُ بَلْ يُرْجِعُهُ ويُجازِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} لن يرجع إلى ربه تكذيباً بالبعث قال ابن عباس رضى الله عنهما ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها حوري أي ارجعي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ مَسْرُورًا ﴾ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَخْطُرُ بِبالِهِ أُمُورُ الآخِرَةِ ولا يَتَفَكَّرُ في العَواقِبِ ولَمْ يَكُنْ حَزِينًا مُتَفَكِّرًا في حالِهِ ومَآلِهِ كَسُنَّةِ الصُّلَحاءِ والمُتَّقِينَ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عِلَّةِ ما قَبْلَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِسُرُورِهِ في الدُّنْيا؛ أيْ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى تَكْذِيبًا لِلْمَعادِ، وقِيلَ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى العَدَمِ؛ أيْ: ظَنَّ أنَّهُ لا يَمُوتُ وكانَ غافِلًا عَنِ المَوْتِ غَيْرَ مُسْتَعِدٍّ لَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والحَوْرُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْؤُهُ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ والتَّقْيِيدُ هُنا بِقَرِينَةِ المَقامِ و«أنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الظَّنِّ عَلى المَشْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ قال مقاتل: ظن أن لن يرجع إلى الله تعالى في الآخرة، وهي لغة الحبشة، وقال قتادة: يعني: ظن أن لن يبعثه الله تعالى.

وقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الحبشي، إذا قيل له حر يعني: أرجع إلى أهلك.

ثم قال: بَلى يعني: ليرجعنّ إلى ربه في الآخرة إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً يعني: كان عالماً به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه.

قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ يعني: أقسم بالشفق، والشفق الحمرة، والبياض الذي بعد غروب الشمس.

وهذا التفسير، يوافق قول أبي حنيفة رحمه الله.

وروي عن مجاهد، أنه قال: الشفق هو ضوء النهار.

وروي عنه أنه قال: الشفق النهار كله، وروي عن ابن عمر أنه قال: الشفق الحمرة، وهذا يوافق قول أبي يوسف، ومحمد، رحمهما الله.

ثم قال: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ يعني: ساق وجمع وضم.

وقال القتبي أي: حمل وجمع منه الوسق، وهو الحمل، وقال الزجاج أي: ضم وجمع وقال مقاتل: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ يعني: ما يساق معه من الظلمة والكواكب، وقال الكلبي يعني: ما دخل فيه وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ يعني: إذا استوى، وتم إلى ثلاثة عشرة ليلة، ويقال: إذا اتسق يعني: تم وتكامل.

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي لتركبن بنصب التاء، والباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب، فمعناه لتركبن يا محمد من سماء إلى سماء، ومن قرأ بالضم فالخطاب لأمته أجمعين، يعني: لتركبن حالاً بعد حال، حتى يصيروا إلى الله تعالى من إحياء، وإماتة، وبعث.

ويقال: يعني: مرة نطفة ومرة علقة، ويقال: حالاً بعد حال، مرة تعرفون ومرة لا تعرفون، يعني: يوم القيامة.

ويقال: يعني: السماء لتحولن حالاً بعد حال، مرة تتشقق بالغمام، ومرة تكون كالدهان.

قرأ بعضهم ليركبن بالياء، يعني: ليركبن هذا المكذب طبقاً عن طبق، يعني: حالاً بعد حال، يعني: الموت ثم الحياة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ يريدُ في الدنيا، مَسْرُوراً أي: تَمَلَّكَهُ ذلكَ لاَ يدرِي إلا السرورَ بأهلهِ دونَ معرفةِ ربه.

وقوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ معناه: أن لن يرجِعَ إلى اللَّه مبعوثاً محشُوراً، قال ابن عباس: لم أعلم ما معنى يَحُورَ حتى سَمِعْتُ امرأة أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَهَا:

حُورِي أي: ارجعي «١» ، - ص-: بَلى إيجابٌ بَعْدَ النفي، أي: بلى لَيَحُورَنَّ أي:

ليرجعنّ، انتهى.

فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)

وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)

وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ «لا» / زائِدةٌ وقيل: «لا» ردّ على أقوال الكفار، وبِالشَّفَقِ الحُمْرَةُ التي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشمسِ مع البياضِ التابع لها في الأغلب، ووَسَقَ معناه: جُمِعَ وَضُمَّ ومنه الوَسْقُ أي: الأَصْوُعُ المجموعةُ، والليل يَسِق الحيوانَ جملة أي:

يجمَعَها وَيَضُمُّها، وكذلك جميعُ المخلوقاتِ التي في الأرض والهواء من البحار والجبال والرياح وغير ذلك، واتساقُ القمر كمالُه وتمامُه بدراً، والمعنى امتلأَ من النور، وقرأ نافع وأبو عَمْرٍو وابن عامر: «لَتَرْكَبُنَّ» - بضم الباءِ «٢» - والمعنى: لتركبُنَّ الشدائِدَ: الموتَ والبعثَ والحسابَ حالاً بعد حالٍ، و «عن» تجيءُ بمعنى «بعد» كما يقال: ورثَ المجدَ كَابِراً عن كابرٍ، وقيلَ: غير هذا، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: «لَتَرْكَبَنَّ» «٣» - بفَتْحِ الباءِ- على معنى أنتَ يا محمد، فقيلَ: المعنى حالاً بعد حالٍ من معالَجةِ الكفارِ، وقال ابن عبّاس:

سماءً بعد سماءٍ في الإسراء «١» ، وقيل: هي عِدَةٌ بالنَّصْرِ أي لتركبَنَّ أمْرَ العربِ قَبِيلاً بعد قَبِيل كما كان، وفي البخاري عن ابن عبَّاس: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ حَالاً بعد حال هكذا قال نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم «٢» ، انتهى، ثم قال تعالى: فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، أي: ما حجتُهم مع هذهِ البراهين الساطعة، ويُوعُونَ معناه: يَجْمَعُونَ من الأعمالِ والتكذيبِ كأنهم يجعلونَها أوعية، تقول وعيت العلم، وأوعيت المتاع، ومَمْنُونٍ معناه: مقطوع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الِانْشِقاقِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: انْشِقاقُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ.

وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ.

[الفُرْقانِ: ٢٢٥، الرَّحْمَنِ: ٣٧، الحاقَّةِ: ١٦] ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها ﴾ أيِ: اسْتَمَعَتْ وأطاعَتْ في الِانْشِقاقِ، مِنَ الأذْنِ، وهو الِاسْتِماعُ لِلشَّيْءِ والإصْغاءُ إلَيْهِ، وأنْشَدُوا: صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ فَإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهَمْ أذِنُوا ﴿ وَحُقَّتْ ﴾ أيْ: حُقَّ لَها أنْ تُطِيعَ رَبَّها الَّذِي خَلَقَها ﴿ وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ، ويُزادُ في سَعَتِها.

وقالَ مُقاتِلٌ: لا يَبْقى جَبَلٌ ولا بِناءٌ إلّا دَخَلَ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَتْ ما فِيها ﴾ مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ ﴿ وَتَخَلَّتْ ﴾ أيْ: خَلَتْ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ في باطِنِها شَيْءٌ.

واخْتَلَفُوا في جَوابِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُوراتِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ قَدْ تَرَدَّدَ في القُرْآنِ.

والثّانِي: أنَّهُ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ ، كَقَوْلِ القائِلِ: إذا كانَ كَذا وكَذا فَيا أيُّها النّاسُ تَرَوْنَ ما عَمِلْتُمْ، فَيُجْعَلُ: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ هو الجَوابَ، وتُضْمَرُ فِيهِ الفاءُ، كَأنَّ المَعْنى: يَرى الثَّوابَ والعِقابَ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾ ﴿ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ ﴾ قالَهُ المُبَرِّدُ.

والرّابِعُ: أنَّ الجَوابَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمُلاقِيهِ ﴾ .

فالمَعْنى: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَقِيَ الإنْسانُ عَمَلَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنَّكَ عامِلٌ لِرَبِّكَ عَمَلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ساعٍ إلى رَبِّكَ سَعْيًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: و" الكَدْحُ " في اللُّغَةِ: السَّعْيُ، والدَّأْبُ في العَمَلِ في بابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

قالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى رَبِّكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عامِلٌ لِرَبِّكَ.

وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلى لِقاءِ رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمُلاقِيهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَمُلاقٍ عَمَلَكَ.

والثّانِي: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، كَما ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ﴾ وهو أنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ سَيِّئاتُهُ، ثُمَّ يَغْفِرُها اللَّهُ لَهُ.

وفي " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «مَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا " ؟!

قالَ: ذَلِكَ العَرْضُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ ﴾ يَعْنِي: في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العَيْنِ والآدَمِّيّاتِ ﴿ مَسْرُورًا ﴾ بِما أُوتِيَ مِنَ الكَرامَةِ ﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تُغَلُّ يَدُهُ اليُمْنى إلى عُنُقِهِ، وتُجْعَلُ يَدُهُ اليُسْرى وراءَ ظَهْرِهِ ﴿ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُ: يا ويْلاهُ، يا ثُبُوراهُ، وهَذا يَقُولُهُ كُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَصْلى سَعِيرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: " ويُصَلّى " بِضَمِّ الياءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: " ويَصْلى " بِفَتْحِ الياءِ خَفِيفَةً، إلّا أنَّ حَمْزَةَ والكِسائِيَّ يُمِيلانِها.

وقَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ [النِّساءُ: ١١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا ﴿ مَسْرُورًا ﴾ بِاتِّباعِ هَواهُ، ورُكُوبِ شَهَواتِهِ ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الآخِرَةِ، ولَنْ يُبْعَثَ وهَذِهِ صِفَةُ الكافِرِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحَوْرُ في اللُّغَةِ: الرُّجُوعُ، وأنْشَدُوا لِلْبَيْدٍ: ؎ وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا السَماءُ انْشَقَّتْ ﴾ ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ ﴾ ﴿ وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ ﴾ ﴿ وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ ﴾ ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ ﴿ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ﴾ ﴿ وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ ﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ ﴾ ﴿ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ﴾ ﴿ وَيَصْلى سَعِيرًا ﴾ ﴿ إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ ﴿ بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ  ﴾ ، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها.

قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.

و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.

و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".» و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.

و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ.

وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.

واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.

وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ.

وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾ ، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ.

فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.

ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ.

و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ  لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ﴾ الآيَةُ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟

-يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ  يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟

فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.

والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.

ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي.

والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ".

ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تفصيل الإِجمال الذي في قوله: ﴿ إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ﴾ [الانشقاق: 6] أي رجوع جميع الناس أولئك إلى الله، فمن أوتي كتابه بيمينه فريق من الناس هم المؤمنون ومن أوتي كتابه وراء ظهره فريق آخر وهم المشركون كما دلّ عليه قوله: ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ ، وبين منتهاهما مراتب.

وإنما جاءت هذه الآية على اعتبار تقسيم الناس يومئذ بين أتقياء ومشركين.

والكِتاب: صحيفة الأعمال، وجعل إيتاؤه إياه بيمينه شعاراً للسعادة لِما هو متعارف من أن اليد اليمنى تتناول الأشياء الزكية وهذا في غريزة البشر نشأ عن كون الجانب الأيمن من الجسد أقدر وأبدر للفعل الذي يتعلق العزم بعمله فارتكز في النفوس أن البركة في الجانب الأيمن حتى سَموا البركة والسعادة يُمناً، ووسموا ضدها بالشؤم فكانت بركة اليمين مما وضعه الله تعالى في أصل فطرة الإنسان، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ في سورة [الصافات: 28]، وقوله: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ﴾ [الواقعة: 27].

وقوله: ﴿ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ في سورة [الواقعة: 41]، وقوله: ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ﴾ في سورة [الواقعة: 8، 9].

والباء في قوله: بيمينه } للملابسة أو المصاحبة، أو هي بمعنى (في)، وهي متعلقة ب ﴿ أوتي ﴾ .

وحرف (سوف) أصله لحصول الفعل في المستقبل، والأكثر أن يراد به المستقبل البعيد وذلك هو الشائع، ويقصد به في الاستعمال البليغ تحقق حصول الفعل واستمراره ومنه قوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ في سورة [يوسف: 98]، وهو هنا مفيد للتحقق والاستمرار بالنسبة إلى الفعل القابل للاستمرارِ وهو ينقلب إلى أهله مسروراً وهو المقصود من هذا الوعد.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فسوف نصليه ناراً ﴾ في سورة [النساء: 30].

والحساب اليسير: هو عَرْض أعماله عليه دون مناقشة فلا يَطول زمنه فيعجَّلُ به إلى الجنة، وذلك إذا كانت أعماله صالحة، فالحساب اليسير كناية عن عدم المؤاخذة.

ومن أوتي كتابه وراء ظهره } هو الكافر.

والمعنى: إنه يؤتى كتابه بشماله كما تقتضيه المقابلة ب ﴿ من أوتي كتابه بيمينه ﴾ وذلك أيضاً في سورة الحاقة قوله: ﴿ وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ﴾ ، أي يعطى كتابه من خلفه فيأخذه بشماله تحقيراً له ويناول له من وراء ظهره إظهاراً للغضب عليه بحيث لا ينظر مُناوِلُه كتابَه إلى وجهه.

وظرف ﴿ وراء ظهره ﴾ في موضع الحال من ﴿ كتابه ﴾ .

و ﴿ ينقلب إلى أهله ﴾ أي يرجع.

والانقلاب: الرجوع إلى المكان الذي جيء منه، وقد تقدم قريباً في سورة المطففين.

والأهل: العشيرة من زوجة وأبناء وقرابة.

وهذا التركيب تمثيل لحال المحاسَب حساباً يسيراً في المسرّة والفوز والنجاة بعد العمل الصالح في الدنيا، بحال المسافر لتجارة حين يرجع إلى أهله سالماً رابحاً لما في الهيئة المشبه بها من وفرة المسرة بالفوز والربح والسلامة ولقاء الأهل وكلهم في مسرة، فذلك وجه الشبه بين الهيْأتين وهو السرور المألوف للمخاطبين فالكلام استعارة تمثيلية.

وليس المراد رجوعه إلى منزله في الجنة لأنه لم يكن فيه من قبل حتى يقال لمصيره إليه انقلاب، ولأنه قد لا يكون له أهل.

وهو أيضاً كناية عن طول الراحة لأن المسافر إذا رجع إلى أهله فارق المتاعب زمان.

والمراد بالدعاء في قوله: ﴿ يدعو ثبوراً ﴾ النداء، أي ينادي الثبور بأن يقول: يا ثبوري، أو يا ثبورا، كما يقال: يا ويلي ويا ويلتنا.

والثبور: الهلاك وسوء الحال وهي كلمة يقولها من وقع في شقاء وتعس.

والنداء في مثل هذه الكلمات مستعمل في التحسر والتوجع من معنى الاسم الواقع بعد حرف النداء.

﴿ ويصلى ﴾ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي بتشديد اللام مضاعف صلاهُ إذا أحرقَه.

وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف ﴿ ويصلى ﴾ بفتح التحتية وتخفيف اللام مضارع صَلِي اللازم إذا مسته النار كقوله: ﴿ يصْلَوْنَها يوم الدين ﴾ [الانفطار: 15].

وانتصب ﴿ سعيراً ﴾ على نزع الخافض بتقدير يُصلَّى بسعير، وهذا الوجه هو الذي يطرد في جميع المواضع التي جاء فيها لفظ النار ونحوه منصوباً بعد الأفعال المشتقة من الصلي والتصلية، وقد قدمنا وجهه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وسيصلون سعيراً ﴾ في سورة [النساء: 10] فانظره.

وقوله: ﴿ إنه كان في أهله مسروراً ﴾ مستعمل في التعجيب من حالهم كيف انقلبت من ذلك السرور الذي كان لهم في الحياة الدنيا المعروف من أحوالهم بما حكي في آيات كثيرة مثل قوله: ﴿ أولي النعمة ﴾ [المزمل: 11] وقوله: ﴿ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين ﴾ [المطففين: 31] فآلوا إلى ألم النار في الآخرة حتى دَعوا بالثبور.

وتأكيد الخبر من شأن الأخبار المستعملة في التعجيب كقول عمر لحذيفة بن اليمان: «إنَّك عَلَيه لجريء» (أي على النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الجملة معترضة.

وموقع جملة: ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ موقع التعليل لمضمون جملة: ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ إلى آخرها.

وحرف (إنّ) فيها مُغْننٍ عن فاء التعليل، فالمعنى: يصلى سعيراً لأنه ظن أن لن يحور، أي لن يرجع إلى الحياة بعد الموت، أي لأنه يُكَذِّبُ بالبعث، يقال: حار يحور، إذا رجع إلى المكان الذي كان فيه، ثم أطلق على الرجوع إلى حالة كان فيها بعدَ أن فارقها، وهو المراد هنا وهو من المجاز الشائع مثل إطلاق الرجوع عليه في قوله: ﴿ ثم إلينا مرجعكم ﴾ [يونس: 23] وقوله: ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ [الطارق: 8] وسُمي يومُ البعث يومَ المعاد.

وجيء بحرف ﴿ لن ﴾ الدال على تأكيد النفي وتأييده لحكاية جزمهم وقطعهم بنفيه.

وحرف ﴿ بلى ﴾ يجاب به الكلام المنفي لإبطال نفيه وأكثر وقوعه بعد الاستفهام عن النفي نحو: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ [الأعراف: 172] ويقع بعد غير الاستفهام أيضاً نحو قوله تعالى: ﴿ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ﴾ [التغابن: 7].

وموقع ﴿ بلى ﴾ الاستئناف كأحرف الجواب.

وجملة: ﴿ إن ربه كان به بصيراً ﴾ مبينة للإِبطال الذي أفاده حرف ﴿ بلى ﴾ على وجه الإجمال يعني أن ظنه باطل لأن ربه أنبأه بأنه يبعث.

والمعنى: إن ربه عليم بمآله.

وتأكيد ذلك بحرف ﴿ إنَّ ﴾ لرده إنكاره البعث الذي أخبر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فآل المعنى الحاصل من حرف الإِبطال ومن حرف التأكيد إلى معنى: أن ربه بصير به وأما هو فغير بصير بحاله كقوله: ﴿ واللَّه يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ [البقرة: 216].

وتعدية ﴿ بصيراً ﴾ بالباء لأنه من بَصُر القاصر بضم الصاد به إذا رآه رؤية محققة، فالباء فيه معناها الملابسة أو الإِلصاق.

وفيه إشارة إلى حكمة البعث للجزاء لأن رب الناس عليم بأحوالهم فمنهم المصلح ومنهم المفسد والكل متفاوتون في ذلك فليس من الحكمة أن يذهب المفسد بفساده وما ألحَقَهُ بالموجودات من مضار وأن يهمل صلاح المصلح، فجَعَل الله الحياة الأبدية وجعلها للجزاء على ما قدّم صاحبها في حياته الأولى.

وأطلق البصر هنا على العلم التام بالشيء.

وعلق وصف (بصير) بضمير الإنسان الذي ظن أن لن يحور، والمراد: العِلم بأحواله لا بذاته.

وتقديم المجرور على متعلَّقه للاهتمام بهذا المجرور، أي بصير به لا محالة مع مراعاة الفواصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الِانْشِقاقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ ﴾ وهَذا مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَنْشَقُّ السَّماءُ مِنَ المَجَرَّةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَحْذُوفُ الجَوابِ وتَقْدِيرُهُ: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ رَأى الإنْسانُ ما قَدَّمَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

الثّانِي: أنَّ جَوابَهُ ﴿ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا ﴾ الثّالِثُ: مَعْناهُ اذْكُرْ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ.

﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ ﴾ مَعْنى أذِنَتْ لِرَبِّها أيْ سَمِعَتْ لِرَبِّها، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  «ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإذانِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ» أيْ ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، وقالَ الشّاعِرُ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا ايْ سَمِعُوا.

﴿ وَحُقَّتْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أطاعَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مَعْناهُ حَقَّ لَها أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلٌ كُثَيِّرٌ فَإنْ تَكُنِ العُتْبى فَأهْلًا ومَرْحَبًا ∗∗∗ وحُقَّتْ لَها العُتْبى لَدَيْنا وقَلَّتْ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنَّها جُمِعَتْ، مَأْخُوذٌ مِنَ اجْتِماعِ الحَقِّ عَلى نافِيهِ وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ " أذِنَتْ لِرَبِّها وحَقَّتْ " جَوابُ القَسَمِ، والواوُ زائِدَةٌ.

﴿ وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَيْتَ كانَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ، فَمُدَّتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

الثّانِي: أنَّها أرْضُ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو أشْبَهُ بِسِياقِ الكَلامِ.

وَفي ﴿ مُدَّتْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُوِّيَتْ، فَدُكَّتِ الجِبالُ ويَبِسَتِ البِحارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: بُسِطَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ مَدَّ اللَّهُ الأرْضَ مَدَّ الأدِيمِ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعُ قَدَمِهِ)» .

﴿ وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ المَوْتى، وتَخَلَّتْ عَمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِن كُنُوزِها ومَعادِنِها وتَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: هو أعَمُّ، أنَّها ألْقَتْ ما اسْتُودِعَتْ، وتَخَلَّتْ مِمّا اسْتُحْفِظَتْ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَوْدَعَها عِبادَهُ أحْياءً وأمْواتًا، واسْتَحْفَظَها بِلادَهُ مَزارِعَ وأقْواتًا.

﴿ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّكَ ساعٍ إلى رَبِّكَ سَعْيًا حَتّى تُلاقِيَ رَبَّكَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ومَضَتْ بَشاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صالِحٍ ∗∗∗ وبَقِيتُ أكْدَحُ لِلْحَياةِ وأنْصَبُ ايْ أعْمَلُ لِلْحَياةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّ الكادِحَ هو الَّذِي يَكْدَحُ نَفْسَهُ في الطَّلَبِ إنْ تَيَسَّرَ أوْ تَعَسَّرَ.

﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ رَوِيَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (يُعْرَضُ النّاسُ ثَلاثَ عَرْضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وفي الثّالِثَةِ تَطِيرُ الكُتُبُ مِنَ الأيْدِي، فَبَيْنَ آخِذٍ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وبَيْنَ آخِذٍ كِتابَهُ بِشِمالِهِ)» .

﴿ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ﴾ وفي الحِسابِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُجازى عَلى الحَسَناتِ ويُتَجاوَزُ لَهُ عَنِ السَّيِّئاتِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: ما رَواهُ صَفْوانُ بْنُ سَلِيمٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الَّذِي يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، فَقالَ: (يُعَرَّفُ عَمَلُهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ، ولَكِنْ مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَذَلِكَ هو الهالِكُ)» .

الثّالِثُ: أنَّهُ العَرْضُ، رَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أنَّها سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ﴾ فَقالَ: (ذَلِكَ العَرْضُ يا عائِشَةُ، مَن نُوقِشَ في الحِسابِ يَهْلَكُ)» .

﴿ وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: إلى أهْلِهِ الَّذِينَ قَدْ أعَدَّهُمُ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يُرِيدَ أهْلَهُ الَّذِينَ كانُوا لَهُ في الدُّنْيا لِيُخْبِرَهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ.

﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ أيْ لَنْ يَرْجِعَ حَيًّا مَبْعُوثًا فَيُحاسَبُ ثُمَّ يُثابُ أوْ يُعاقَبُ، يُقالُ: حارَ يَحُورُ، إذا رَجَعَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « (أعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ»، يَعْنِي مِنَ الرُّجُوعِ إلى النُّقْصانِ بَعْدَ الزِّيادَةِ)، ورُوِيَ: (بَعْدَ الكَوْنِ)، ومَعْناهُ انْتِشارُ الأمْرِ بَعْدَ تَمامِهِ.

وَسُئِلَ مَعْمَرٌ عَنِ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ فَقالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ صالِحًا ثُمَّ يَتَحَوَّلُ امْرَأ سَوْءٍ.

وَقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الكُنَنِيُّ: هو الَّذِي يَقُولُ: كُنْتُ شابًّا وكُنْتُ شُجاعًا، والكانِيُّ: هو الَّذِي يَقُولُ: كانَ لِي مالٌ وكُنْتُ أهَبُ وكانَ لِي خَيْلٌ وكُنْتُ أرْكَبُ، وأصْلُ الحَوْرِ الرُّجُوعُ، قالَ لَبِيدٌ وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: يَحُورُ كَلِمَةٌ بِالحَبَشِيَّةِ، ومَعْناها يَرْجِعُ وقِيلَ لِلْقَصّارِ حِوارِيٌّ لِأنَّ الثِّيابَ تَرْجِعُ بِعَمَلِهِ إلى البَياضِ.

﴿ بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُشاهِدًا لِما كانَ عَلَيْهِ.

الثّانِي: خَبِيرًا بِما يَصِيرُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ فسجد، فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردوية عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ و ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ [ العلق: 1] .

وأخرج البغوي في معجمه والطبراني عن صفون بن عسال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ .

وأخرج ابن خزيمة والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ ونحوها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ قال: تنشق السماء من المجرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذنت ﴾ قال: أطاعت ﴿ وحقت ﴾ قال: حققت بالطاعة.

وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: أطاعت وحق لها أن تطيع.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وأذنت لربها ﴾ سمعت حيث كلمها.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: سمعت وأطاعت ﴿ وإذا الأرض مدت ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ وألقت ما فيها ﴾ أخرجت ما فيها من الموتى ﴿ وتخلت ﴾ عنهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وألقت ما فيها ﴾ قال: سواري الذهب.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن عمرو قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة، وذلك قول الله: ﴿ وإذا الأرض مدت ﴾ قال: مدت من تحته مداً.

وأخرج الحاكم عن ابن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الله الخلائق الإِنس والجن والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء بنطحتها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً، فيراها الكافر فيقول: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .

وأخرج الحاكم بسند جيد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه» .

وأخرج أبو القاسم الختلي في الديباج عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ الآية قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فأجلس جالساً في قبري وإن الأرض تحركت بي، فقلت لها: ما لك؟

فقالت: إن ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي، وأن أتخلى فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ، فذلك قوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: سمعت وأطاعت.

وفي قوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ قال: أخرجت أثقالها وما فيها من الكنوز والناس، وفي قوله: ﴿ يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل له عملاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك ﴿ يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل إلى ربك عملاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل عملاً ﴿ فملاقيه ﴾ قال: ملاق عملك.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن عاشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلك، فقلت: أليس الله يقول: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك» .

وأخرج أحمد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عن عاشة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت يا رسول الله: ما الحساب اليسير؟

قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب هلك» .

وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله: ﴿ فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: يعرف ذنوبه ثم يتجاوز له عنها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عائشة قالت: من حوسب يوم القيامة أدخل الجنة، وقالت: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ ثم تلت ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ [ الرحمن: 41] .

وأخرج البزار والطبراني والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: «ثلاث من كن فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنة برحمته: تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك» .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ وينقلب إلى أهله مسروراً ﴾ قال: إلى أهل له في الجنة، وفي قوله: ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ قال: تخلع يده فتجعل من وراء ظهره.

وأخرج ابن المنذر عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل يدعى إلى الحساب يوم القيامة فيقال: يا فلان هلم إلى الحساب.

قال: حتى يقول أما يراد غيري مما يحضر به من الحساب.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ يدعوا ثبوراً ﴾ قال: الويل.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ إنه كان في أهله مسروراً ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله: ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ قال: تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ قال: لن يبعث.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ أن لن يحور ﴾ قال: أن لن يرجع.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ أن لن يحور ﴾ أن لن يرجع إلينا.

وأخرج الطستي في مسائله والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ أن لن يحور ﴾ قال: أن لن يرجع بلغة الحبشة.

يقول: أن لن يرجع إلى الله في الآخرة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوءه ** يحور رماداً بعد إذ هو ساطع وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ قال: ألم تسمع الحبشي إذا قيل له حر إلى أهلك، أي اذهب؟.

وأخرج ابن أبي شيبة عن العوام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الشفق قال: إن الشفق من الشمس.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر قال: الشفق الحمرة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والليل ما وسق ﴾ قال: وما دخل فيه.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والليل وما وسق ﴾ قال: وما جمع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ والليل وما وسق ﴾ يقول: ما أوى فيه وما جمع من حياته وعقاربه ودوابه.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وما وسق ﴾ قال: ما عمل فيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: إذا استوى.

وأخرج الطستي في مسائله والطبراني وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: اتساقه اجتماعه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول ابن صرمة: إن لنا قلائصاً نقانقا ** مستوسقات لو يجدن سائقاً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: إذا استدار.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ والليل وما وسق ﴾ قال: وما جمع أما سمعت قوله: إن لنا قلائصاً نقانقا ** مستوسقات لو يجدن سائقاً وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: ليلة ثلاث عشرة.

وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: حالاً بعد حال.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: أمراً بعد أمر.

وأخرج البخاري عن ابن عباس ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ حالاً بعد حال.

قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبي عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يعني بفتح الباء قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال.

وأخرج أبو عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يعني بفتح الباء قال: يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال.

وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: يا محمد السماء طبقاً بعد طبق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم في الكنى وابن منده في غرائب شعبة وابن مردويه والطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: لتركبن بالنصب يا محمد سماء بعد سماء.

وأخرج البزار عن ابن مسعود ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يا محمد حالاً بعد حال.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يا محمد حالاً بعد حال.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: يعني السماء تنفطر ثم تنشق ثم تحمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود في الآية قال: السماء تكون ألواناً كالمهل، وتكون وردة كالدهان، وتكون واهية، وتشقق فتكون حالاً بعد حال.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن مكحول في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: في كل عشرين عاماً تحدثون أمراً لم تكونوا عليه.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: قوم كانوا في الدنيا خسيساً أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا أشرافاً فاتضعوا في الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: حالاً بعد حال، بينما صاحب الدنيا في رخاء إذ صار في بلاء، وبينما هو في بلاء إذ صار في رخاء.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مكحول في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: تكونون في كل عشرين سنة على حال لم تكونوا على مثلها.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً ﴾ بالنصب.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً ﴾ بالنصب.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لتركبن ﴾ بالتاء ورفع الباء على الجماع.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ قال: يسرون.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ بما يوعون ﴾ قال: يكتمون، وفي قوله: ﴿ لهم أجر غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لهم أجر غير ممنون ﴾ قال: غير منقوص.

وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول زهير: فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ** يعطي بذلك ممنوناً ولا ترفا

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ لن (١) (٢) قال ابن عباس (٣) (٤) (٥) والحور: الرجوع، والمحار: المرجع والمصير (٦) (٧) ومَا المرءُ إلا كالشهاب وضوءه ...

يحورُ رمَاداً بعد إذ هو سَاطِعُ (٨) وأنشد أيضًا للمُنَحّل اليَشكُريّ: إذا كنت عاذلتي (٩) (١٠) قال الله تعالى: ﴿ بَلَى ﴾ (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١) في (أ): أن.

(٢) وهو قول قتادة، وابن عباس، وسفيان، ابن زيد: "جامع البيان" 30/ 118، وبه قال القراء في: "معاني القرآن" 3/ 251، وابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 521.

(٣) ورد معنى قوله في: "الكشف والبيان" ج: 13: 59/ أ، "المحرر الوجيز" 5/ 458، "التفسير الكبير" 31/ 108، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 522، "الدر المنثور" 8/ 457، وعزاه إلى ابن حاتم.

(٤) "تفسير مقاتل" 234/ ب، "بحر العلوم" 31/ 108، "التفسير الكبير" 31/ 108.

(٥) في (أ): ألا.

(٦) قال الليث: الحَوْر: الرجوع من الشيء إلى غيره، وكل شيء يتغير من حال إلى == حال فإنك تقول حار يحور، والمحاورة مراجعة الكلام في المخاطبة.

وأصل التحوير في اللغة من: حار يحور، وهو الرجوع، والتحوير: الترجيع.

"تهذيب اللغة" 5/ 227: مادة: (حور).

وانظر: "الصحاح" 2/ 638، "لسان العرب" 4/ 217، وكلاهما تحت مادة: (حور).

(٧) لم أجد في "مجاز القرآن" بيت لبيد المذكور، والمعزو إنشاده لأبي عبيدة.

(٨) ورد البيت في: ديوانه: 88، ط.

دار صادر، كما ورد تحت مادة: (حور) في: "تهذيب اللغة" 5/ 227، "لسان العرب" 4/ 217، وانظر أيضًا: "الكشف والبيان" ج 13: 59/ أ، "النكت والعيون" 6/ 236، "زاد المسير" 8/ 211، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 271، "الدر المنثور" 8/ 458: وكلها برواية "وضوئه" بدلاً من "وضوءه"، عدا "زاد المسير" براوية "وضوؤه"، وقد عزاه السيوطي في: الدر إلى ابن عباس، وانظر: "روح المعاني" 30/ 81.

ومعنى البيت: الشهاب: النار، يحور: يصير، ساطع: مشتعل.

يقول كل امرئ يخبو بعد توقد: حين تدركه المنية، كالنار تكون ساطعة الضوء ثم تصبح رمادا.

ديوانه: 88.

انظر: "الشعر والشعراء" 404 - 405، "معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" 351: ت 644.

(٩) في (أ): عاذلي.

(١٠) ورد البيت في: "الأصمعيات" تحقيق أحمد شاكر، وعبد السلام هارون: 58.

(١١) ﴿ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ .

(١٢) لم أعثر على مصدر لقوله؛ سواء في تفسيره، أو غيره من كتب التفسير التي بين يدي، وقد ورد بمثله من غير عَزو في: "الوسيط" 4/ 454.

(١٣) "معاني القرآن" 3/ 251 (١٤) ساقط من (أ) <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ ﴾ يعني: الكافر.

ورُوي أن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان من فضلاء المؤمنين، وفي أخيه أسود، وكان من عتاة الكافرين، ولفظها أعم من ذلك.

فإن قيل: كيف قال من الكافر هنا أن يؤتى كتابه وراء ظهره وقال في الحاقة بشماله؟

فالجواب من وجهين أحدهما: أن يديه تكونان مغلولتين إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه، وقيل: تدخل يده اليسرى في صدره وتخرج من ظهره فيأخذ بها كتابه ﴿ يَدْعُواْ ثُبُوراً ﴾ أي يصيح بالويل والثبور ﴿ إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ أي كان في الدنيا مسروراً مع أهله، متنعماً غافلاً عن الآخرة، وهذا في مقابلة ما حكى عن المؤمن أنه ينقلب إلى أهله مسروراً في الجنة، وهو ضد ما حكي عن المؤمنين في الجنة من قولهم: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ﴾ أي لا يرجع إلى الله، والمعنى أنه يكذب بالبعث ﴿ بلى ﴾ أي يحور ويبعث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ ويصلى ﴾ ثلاثياً مفتوح العين مبنياً للفاعل: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وحمزة وعاصم وخلف.

الباقون ﴿ يصلى ﴾ بالتشديد مبنياً للمفعول ﴿ لتركبن ﴾ بفتح الباء للتوحيد والخطاب للإنسان: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالضم على خطاب أفراد الجنس.

الوقوف ﴿ انشقت ﴾ ه لا ﴿ وحقت ﴾ ه ك ﴿ مدّت ﴾ ه ك ﴿ وتخلت ﴾ ه ك ﴿ وحقت ﴾ ه ط لأن الجواب محذوف أي إذا كانت هذه الأمارات ظهر ما ظهر ﴿ فملاقيه ﴾ ه ط وقد يقال عامل " إذا " ﴿ فملاقيه ﴾ أي إذا السماء انشقت لاقى كدحه فلا وقف إلى قوله ﴿ فملاقيه ﴾ وقيل: قوله ﴿ فأما من أوتي ﴾ الشرط مع جوابه جواب للشرط الأول، وقوله ﴿ يأيها الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ فملاقيه ﴾ اعترض ولا وقف على ﴿ بيمينه ﴾ ﴿ يسيراً ﴾ ه ك ﴿ مسروراً ﴾ ه ط ﴿ ظهره ﴾ ه لا ﴿ ثبوراً ﴾ ه لا ﴿ سعيراً ﴾ ه ط ﴿ مسروراً ﴾ ه ﴿ يحور ﴾ ه لا ﴿ بلى ﴾ ج لجواز تعلق بلى بما قبله وبما بعده ﴿ بصيراً ﴾ ه ط للإبتداء بالقسم ﴿ بالشفق ﴾ ه لا ﴿ وسق ﴾ ه لا ﴿ اتسق ﴾ ه لا ﴿ طبق ﴾ ه ك ﴿ لا يؤمون ﴾ ه ك ﴿ لا يسجدون ﴾ ه ط ﴿ يكذبون ﴾ ه ز للآية والوصل أوجب لأن الواو للحال ﴿ يوعون ﴾ ه ز لفاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه لا ﴿ ممنون ﴾ ه.

التفسير: عن علي  أن السماء تنشق من المجرّة.

ومعنى ﴿ أذنت لربها ﴾ استمعت له ومنه قوله  " "ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " والمراد أنها لم تمتنع عن قبول ما أريد بها من الإنشقاق والانفطار فعل المأمور والمطواع الذي أصغى لحديث آمره ﴿ وحقت ﴾ بذلك لأن الممكن لا بدّ له أن يقع تحت قدرة الواجب لذاته.

ومدّ الأرض تسوية جبالها وآكامها بحيث لا يبقى فيها عوج.

عن ابن عباس: مدّت مدّ الأديم العكاظي لأن الأديم إذا مدّ زال ما فيه من الانثناء واستوى.

وقيل: من مدّه بمعنى أمدّه أي زيد في سعتها أو بسطتها ليمكن وقوف الخلائق الأوّلين والآخرين عليها ﴿ وألقت ما فيها ﴾ أي رمت بما في جوفها من الكنوز والأموات ﴿ وتخلت ﴾ أي خلت غاية الخلو كأنها تكلفت أقصى ما يمكنها من الفراغ.

وقوله ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ ليس بمكرر لأن الأوّل في السماء وهذا في الأرض وحذف جواب " إذا " ليذهب الوهم كل مذهب، أو اكتفاء بما مر في سورتي " التكوير " و " الانفطار ".وقيل: في الكلام تقديم وتأخير.

والمعنى ﴿ يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ﴾ إذا السماء انشقت، والأقرب أن الإنسان للجنس بدليل التفصيل بعده.

وقيل: هو رجل بعينه إما محمد  والمعنى إنك تكدح في تبليغ رسالات الله فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل، وأما أمية بن خلف وإنه يجتهد في إيذاء النبي  قاله ابن عباس.

والكدح جهد النفس في العمل حتى تأثرت من كدحت جلده إذا خدشته أي جاهد إلى وقت لقاء ربك وهو الموت وما بعده.

وفيه أن الدنيا دار عناء وتعب ولا راحة ولا فرح فيها.

والضمير في قوله ﴿ فملاقيه ﴾ للرب أي فملاق له ألبتة فهو كالتأكيد للمذكور، ويجوز أن يكون للكدح أي لجزائه يؤيده التفصيل الذي بعده.

عن عائشة أن الحساب اليسير هو أن يعرّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه.

وعن النبي  أنه قال " من يحاسب يعذب فقيل: يا رسول الله ﴿ فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب" أقول ﴿ سوف ﴾ من الكريم إطماع فيمكن أن تكون الفائدة في إيراده أن يكون المؤمن على ثقة واطمئنان بالوعد، ويمكن أن يكون إشارة إلى طول الامتداد بين مواقف ذلك اليوم ﴿ وينقلب إلى اهله ﴾ من الحور العين في الجنة أو إلى قرنائه من المؤمنين أو إلى عشيرته كقوله ﴿ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم  ﴾ ومعنى ﴿ وراء ظهره ﴾ أن تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله وراء ظهره ويؤتى كتابه بشماله ومن وراء ظهره.

وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره.

وقيل: تجعل وجوههم إلى خلف فيكون الكتاب قد أوتي من جانب ظهره ولكن بشماله كما في " الحاقة ".

والوراء ههنا بمعنى مجرد الجانب، أو معنى قدام.

والثبور الهلاك ودعاؤه أن يقول: واثبوراه ".

وسمي المواطأة على الشيء مثابرة على الشيء مثابرة لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه والنفس تمنعه عن ذلك أنه كان أي في الدنيا مسروراً في أهله كقوله ﴿ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين  ﴾ وفيه أن الفرح في الدنيا يعقب الغم في الآخرة لقوله ﴿ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً  ﴾ ومن كان في الدنيا حزيناً متفكراً في أمر الآخرة كان حاله في الآخرة بالعكس.

والفرح المنهي عنه ما يتولد من البطر والترفه لا الذي يكون من الرضا بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية لقوله ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا  ﴾ ثم بين أن سروره إنما كان لأجل أن البعث والنشور لم يكن محققاً عنده فقال ﴿ إنه ظنّ أن لن يحور ﴾ أي أن يرجع إلى الله أو إلى خلاف حاله من السرور والتنعم.

عن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنت لها: حوري أي ارجعي.

ثم نفى منطوقه بقوله ﴿ بلى ﴾ أي بلى يحور.

وفي قوله ﴿ إن ربه كان بصيراً ﴾ إشارة إلى أن العلم التام بأحوال المكلفين يوجب إيصال الجزاء إليهم، فلا بد من دار سوى دار التكليف وإلا كان قدحاً في القدرة والحكمة.

قال الكلبي: ﴿ كان به بصيراً ﴾ من يوم خلقه إلى أن بعثه.

وقال عطاء: بصيراً بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء ثم أكد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال بقوله ﴿ فلا أقسم بالشفق ﴾ وهو الحمرة الباقية من آثار الشمس في الأفق الغربي قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل.

وعن الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر.

وعن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه البياض، وأنه روى أنه رجع عنه لأن البياض يمتد وقته فلا يصلح للتوقيت، ولأن التركيب يدل على الرقة ومنه الشفقة لرقة القلب.

ثم إن الضوء يأخذ من عند غيبة الشمس في الرقة والضعف.

وعن مجاهد أن الشفق ههنا النهار لما في النور من الرقة واللطافة كما أن في الظلمات الغلظ والكثافة، لأن القسم بالنهار يناسب القسم بالليل في قوله ﴿ والليل وما وسق ﴾ والتركيب يدل على الاجتماع والضم ومنه الوسق لأنه جامع لستين صاعاً.

واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، وقد وسقها الراعي أي جمعها ونظيره في وقوع " افتعل " و " استفعل " مطاوعين لفعل " اتسع " و " استوسع ".

أقسم الله  بجميع ما ضمه الليل وآواه وستره من النجوم والدواب وغيرها.

ويمكن أن يكون من جملته أعمال العباد الصالحين.

ثم أقسم بالقمر إذا اتسق أي اجتمع نوره وتكامل كما يقال " أمور فلان متسقة " أي مجتمعة على الصلاح كما يقال منتظمة.

والطبق ما يطابق غيره ومنه قيل للغطاء " الطبق ".

ثم قيل للحال المطابقة لغيرها طبق.

وقوله ﴿ عن طبق ﴾ حال من فاعل ﴿ لتركبن ﴾ أو صفة أي طبقاً مجاوزاً لطبق، فـ " عن " تفيد البعد والمجاوزة أي حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول.

وجوز أن يكون جمع طبقة أي أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدّة، فبعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة كأنهم لما انكروا البعث أقسم الله  أن ذلك كائن وأن الناس يلقون بعدالموت شدائد متنوّعة وأحوالاً مترتبة حتى يتبين السعيد من الشقي والمحسن من المسيء.

وقيل: لتركبن سنة الأولين من المكذبين المهلكين.

عن مكحول: كل عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه.

والركوب على هذه التفاسير مجاز عن الحصول على تلك الحالة.

وقد يقال على قراءة فتح الباء: إنها صيغة الغائبة والضمير للسماء وأحوالها المختلفة انشقاقها ثم انفطارها، ولعل هذا كمال الانحراف ثم صيرورتها وردة كالدهان أو كالمهل وهذا القول مناسب لأول السورة وهو مرويّ عن ابن مسعود.

وقيل: الخطاب للنبي  والمراد أعباء الرسالة وأنه يجب عليه أن يتلقاه بالصبر والتحمل إلى أوان الظفر والغلبة كقوله ﴿ لتبلوّن في أموالكم وأنفسكم  ﴾ وعن ابن عباس وابن مسعود أن المراد حديث الإسراء وأن النبي  ركب أطباق السماء.

وبين القسم والمقسم عليه مناسبة لأنه أقسم بتغيرات واقعة في الأفلاك والعناصر على صحة إيجاد سائر التغايير من أحوال القيامة وغيرها، ولا شك أن القادر على بعض التغايير المعتبرة قادر على أمثالها فلا جرم قال على سبيل الاستبعاد ﴿ فما لهم لا يؤمنون ﴾ وتأويل الآية أن النفس إذا استغرقت في بعض المجهولات التصورية والتصديقية كان المناسبة شبيهة بالشمس الغاربة، فإذا أقبلت على تحصيل قضية من تلك القضايا المجهولة مثلاً تجلى عليها نور من النفس يترجح به عندها أحد طرفي النقيض على الآخر، لكن ما لم تكن جازمة فذلك النور كالشفق بالنسبة إلى ضياء الشمس، ثم إذا سبحت في لجة المعلومات لها طالبة للحد الأوسط عرضت هناك شبهة شبيهة بالليل وما وسقه، فإذا حصل الحدّ الأوسط بالتحقيق وانتقل الذهن منه إلى النتيجة الحقة صارت المسألة كالبدر التم وهو المستفاد ضوءه من النفس الناطقة القدسية التي يكاد زيتها يضيء ولو ولو لم تمسسه نار.

و ﴿ طبقاً عن طبق ﴾ هي مراتب العلوم النظرية من أوّل بدايتها وهي كونها عقلاً هيولانياً إلى نهايتها وهي كونها عقلاً مستفاداً فكأنه  اقسم بأحوال المعلومات المستخلصة على إمكان حصول العلم بها.

ثم وبخهم على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن.

وقوله ﴿ لا يؤمنون ﴾ و ﴿ لا يسجدون ﴾ في موضع الحال والعامل معنى الفعل في ﴿ فما لهم ﴾ عن ابن عباس، عباس والحسن وعطاء والكسائي ومقاتل: المراد من السجود ههنا الصلاة.

وقال أبو مسلم وغيره: أراد به الخضوع والاستكانة.

والأكثرون على أنه السجود نفسه.

ثم اختلفوا فعن أبي حنيفة وجوبه لأنه ذمهم على الترك.

وعن الحسن وهو قول الشافعي أنه ستة كسائر سجدات التلاوة عنده.

ثم بين بقوله ﴿ بل الذين كفروا يكذبون ﴾ أن الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه وإن كانت جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون بها تقليداً للأسلاف أو عناداً.

ثم أجمل وعيدهم بقوله ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ أي يجمعون ويضمرون في صدورهم من الشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة فهو يجازيهم على ذلك.

وقيل: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء.

ثم صرح بالوعيد قائلاً ﴿ فبشرهم ﴾ وقوله ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ استثناء منقطع عند الزمخشري ولا بأس بكونه متصلاً كأنه قال: إلا من آمن منهم فله أجر غير مقطوع أو هز من المنة، بني الكلام ههنا على الاستئناف فلم يحتج إلى الفاء، وعلى التعقيب في التين فأورد الفاء والاستئناف أجمع مقدّمة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ هو جواب سؤال تقدم؛ لما ذكرنا أن حرف (إذا) حرف جواب، وليس بحرف ابتداء؛ فكأن رسول الله  سئل عن ملاقاة الأعمال متى وقتها؛ فقال -  -: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾ فذلك وقت ملاقاة الأعمال.

وقيل: ذكر في الخبر أن أخوين أحدهما مسلم، والآخر كافر، قال للمسلم: أترانا بعد الموت مبعوثين؟

فقال له: بلى، والذي خلقك والجبلة الأولين؛ فنزلت هذه السورة تبين لهم وقت بعثهم: أنه عند انشقاق السماء ومد الأرض ونحوه.

ثم ذكر الجواب في ابتداء السورة؛ ليكون المرء أذكر لها؛ لأنه [يكون] أوعى لها وإذا ذكر في وسط السورة، لم يتحفظ إلا بالتلاوة؛ ولهذا المعنى - والله أعلم - جعلت "الۤـمۤ"، و"الۤمۤر" و" كۤهيعۤصۤ" و"طه" رءوس السور؛ لأن الكفرة كانت من عادتهم الإعراض عن القرآن وترك الاستماع إليه ليفهموه، فابتئدت السور بما ذكرت من الرموز والإشارات؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه والنظر؛ إذ ليم يكن سبق منهم العلم بمعرفة ما يراد من قوله: "الۤـمۤ" و"الۤمۤر" ثم ذكر انشقاق السماء ومد الأرض وإلقائها لما جعل فيها؛ ليعرفوا شدة ذلك اليوم؛ فيخافوه، ويستعدوا له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾ ، قيل: سمعت لربها، وأطاعت [وأجابت] إلى ما عديت إليه.

ثم المراد من الإذن مختلف؛ فحقه أن يصرف كل شيء إلى ما هو الأولى به؛ ألا ترى أنك إذا قلت: "أذن الرجل لعبده في التجارة"، فلست بقولك: "أذن"، ما تريد به إذا أذنت لغيرك أن يتناول من طعامك، بل تريد بالإذن للعبد بالأمر بأن يتخجر، حتى لو لم يفعل، تلومه على ذلك، وتريد بالآخرة إباحة التناول، ققال الله -  : ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ  ﴾ ، وقال في موضع أخر: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فكان المراد من الإذنين مخلتفا؛ فثبت أن حقه أن نحمله إلى ما إليه أوجَهُ، وهو إلى الطاعة والإجابة هاهنا أوجه؛ لذلك حملوه عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُقَّتْ ﴾ ، أي: حق لها أن تسمع وتطيع.

وجائز أن تكون الإجابة منصرفة إلى أهلها، ثم نسب إليها ذلك وإن كان المراد منه الأهل؛ كقوله  : ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا  ﴾ ، ولا يوجد من القرية عتو، وإنما يوجد من أهلها، فإن كان كذلك، ففيه أنه لا يتخلف أحد من الإجابة إلى ما دعاه إليه الرب -  - خلافا على ماكنوا عليه من الدنيا، فإن كثير من أهل الدنيا، أعرضوا عن طاعته، واشتغلوا بمعصيته.

ثم الإجابة والطاعة والطوع والكره، ومثل هذه الأوصاف إذا أضيفت إلى من هو من أهل الاختيار، فهي على الطوع المعروف والإجابة المعروفة، وإذا أضيفت إلى من ليس هو من أهل الاختيار فهو على تغيير الهيئة؛ على ما عليها، وصارت متهشمة؛ فيراد بها: أنها صارت بهيئة لو وجدت تلك الهيئة في الروحانيين لصار أحدهما علما لحايته، والآخر علما لوفاته، وقال -  -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ ، وهما لا يوصفان بطوع ولا إكراه، ولكن خلقتا على هيئة لو وجدت تلك الهيئة فيمن وصف بالطوع والإكراه، كان ذلك منه طوعا.

وقال إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ، وهي في الحقيقة لا تضل، ولكنها أنشئت على هيئة لو كانت تملك الإضلال، لعد ذلك منها إضلالا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ قيل: بسطت، وسويت بكسر الشعاب والأودية بالجبال، أو بما شاء؛ فصارت: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ ، [أي]: ألقت ما وضع فيها من الموتى والكنوز؛ فتخلت عنها؛ فنسب التخلي إليها، وإن كان فيها من هو الذي خلا عنها، وكانت هي الحابسة؛ لأنه إذا خلا عنها خلت هي عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ ﴾ الكاحد: هو الساعة، وهي الذي اعتاد ذلك، وهذا في كل الإنسان، تراه أبدا ساعيا إما في عمل الخير أو عمل الشر، أو فيما ينفعه أو فيما يضره، حتى لو هم بترك السعي لم يقدر؛ لأن تركه السعي نوع ن السعي.

وروي عن رسول الله  أنه قال حين تلا هذه الآية: "أنا ذلك الإنسان" فهذا ليس [أنه] هو المخصوص بالخطاب؛ لأنه بين الإنسان، فقال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ ، ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ ﴾ ، ولا يجوز أن يكون هو المراد بهذا كله، فكل أحد على الإشارة إليه مراد بقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ ﴾ ، فلذلك قال [النبي] -  -: "أنا ذلك الإنسان" وقوله - عز جل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً ﴾ جائز أن يكون معناه: أن اجعل كدحك إلى ربك في أن تسعى في طاعته وطلب مرضاته؛ فإنك ملاقيه لا محالة؛ أي: تلاقي جزاء عملك: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وجائز أن تكون الملاقاة كناية عن البعث؛ إذ البعث قد يكنى عنه بلقاء الرب، قال الله -  -: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ  ﴾ وسمي ذلك اليوم: يوم المصير إلى الله -  - يوم البروز بقوله -  -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ .

ووجه التسمية بهذه الأسامي ما ذكرنا: أن المقصود من خلق العالم العاقبة؛ فسمي: بروزا؛ لما للبروز أنشئ، وسمى: مصيرا إلى الله  ؛ لمصيرهم إلى ما له خلقوا، وإن كان الخلق كلهم بارزين له قبل ذلك، ولم يكونوا عنه غائبين؛ فيصيرون إليه خصوصا لذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ ، فسماه: [حسابا] يسيرا؛ لوجوه: أحدها: أن المؤمن اعتقد تصديق الرب في كل ما دعاه إليه، وإذا كان على التصديق سهل عليه تذكير ما قد عمله بتفكر الجملة.

ووجه آخر: أنه إذا نظر في كتابه رأى حسناته مقبولة وسيائته مغفورة له، فسمي ذلك اليوم: يسيرا له؛ لما أثبت فيه من الخيرات، ومُحي عنه من السيئات، كما سميت الخيرات: يسرى، وسمي ما يجري عليها: يسرى أيضا، فكذلك من أوتي كتابه بيمينه يجري عليه الخير؛ فسمي: حسابا يسيرا.

وجائز أن يكون المسلم يحاسب في أن يذكر ما أنعم الله عليه في الدنيا، ولا يحاسب حساب توبيخ وتهويل؛ بأن يقال له: لم فعلت كذا؟

والكافر يسأل سؤال توبيخ، فيقال له: لم فعلت كذا؟!

على [الإنكار منه لما فعل]، وفي ذلك تعسير عليه.

وروي عن عائشة -  ا - أنها قالت: سمعت رسول الله  يقول: "من نوقش الحساب فهو معذب" ، وفي بعضها: "من حوسب عذب قالت: قلت: يا رسول الله، ألم يقل الله  : ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ ؟

قال: يا عائش، ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب هلك" قال الفقيه - رحمه الله -: في الظاهر قوله -  -: "من نوقش الحساب عذب" دفع لما قالته عائشة -  ا - لأن الفهم من قوله -  -: "من نوقش الحساب" غير الفهم من قوله -  -: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ ؛ فليس في ظاهر قوله جواب لها؛ فكان الظاهر من الكلام الأول على ما فهمته عائشة  .

ولكن وجه الجواب فيه: أن قوله -  -: "من حوسب عذب" ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ ﴾ ليس على كل حساب، وإنما هو على الحساب الذي لا يناقش فيه، فأما الذي هو عرض فليس مما يعذب عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يفهم بالخطاب العام عموم المراد كما فهمته عائشة -  ا - بل يجوز أن يكون الخطاب عاما، والمراد منه خاصا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ ، وقال في شأن الذي أوتي كتابه وراء ظهره ﴿ وَيَصْلَىٰ سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ ؛ فهذا لأن المسلم إنما تأهل على قصد تحصيل النفع لنفسه من العاقبة، ووتكون معنية له على أمور الآخرة؛ فحصل له ذلك النفع بإحرازه السرور الدائم بذلك، والكافر تأهل للمنافع الحاضرة وسر بها سرورا، وأنساه السرور أمر العاقبة؛ فحق عليه العذاب؛ لتركه السعي للآخرة، لا لسروره بأهله، وهو كقوله  : ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ...

 ﴾ ، والكل منا يريد العاجلة ولا بد له منها، لكن الذي يصلى جهنم هو الذي ابتغى العاجلة ابتغاء أنساه ذلك عن الآخرة، فكذلك المسرور بأهله إنما حلت به النقمة؛ لما منعه السرور عن النظر للعاقبة، لا لنفس السرور؛ إذ كل متأهل لا يخلو عن السرور بأهله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ ﴾ ، فالإيتاء من وراء الظهر يحتمل وجهين: أحدهما: أن استقذر منه؛ لخبث منظره؛ فأوتي من وراء ظهره؛ مجازاة له بما سبق من صنعه، وصنعه أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره، وترك أوامره ونواهيه كذلك وراء ظهره؛ فجوزي - أيضا - بدفع كتابه وراء ظهره، ودفع إلى المؤمن كتابه بيمينه؛ لما في كتابه من المحاسن والبركات، واليمين أنشئت؛ لتستعمل في البركات وأنواع الخير، وسميت - أيضا - باسم مشتق من اليمن والبركة، والشمال جعلت لتستعمل في الأقذار والأنجاس، فدفع كتابه من خبث عمله إليه بشماله أيضا أو من وراء ظهره.

ولأن أهل الإيمان قبلوا أمر الله -  - ونواهيه واستقبلوها بالتعظيم والتجبيل، ومن أراد تعظيم الآخر في الشاهد وتبجيله، أخذ بيمينه، فجوزوا في الآخرة بالتعظيم لهم بأن أوتوا كتبهم بأيمانهم، وأما الكافر فإنه استخف بأمر الله -  - وطاعته، فجوزي في الآخرة بأن أوتي كتابه بشماله التي تستعمل في الأقذار؛ إهانة له وتحقيرا.

وقوله - عزو جل -: ﴿ فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً ﴾ : الثبور والويل حرفان يتكلم بهما عند الوقوع في المهالك؛ فيكون في ذكر [الثبور ذكر] وقوعه في المهلكة التي يحق له دعاء الثبور والويل على نفسه، دعا به أو لم يدع؛ على سبيل الكناية عن الوقوع في الهلاك، وهو كقوله -  -: ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً  ﴾ ، فالضحك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ فمعناه: أنه يستقبله ما يحزن له طويلا، كان هناك بكاء أو لم يكن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَىٰ ﴾ فيه دلالة أنه إنما حل به ما ذكر من العذاب؛ لأنه كان للبعث ظانا، ولم يكن به متيقينا؛ وكذلك الله -  وتعالى - حيث قسم الوعد والوعيد بين الفريقين ذكر في آخره ما يبين أن الذي أوعد بالعذاب هو المكذب، وذكر الوعيد هاهنا وبين أن الذي يحل به هذا الوعيد هو الذي كان ظانا بالميعاد ولم يكن متحققا، وقال الله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ فبين أن الوعيد في المكذبين، وقال -  -: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 104-105\]؛ ليعلم أن الوعيد الدائم في المكذبين خاصة؛ فيكن فيه دفع قول المعتزلة: إن أهل الكبائر يخلدون في النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً ﴾ ، أي: كان بصيرا بما سبق من أعماله الخبيثة؛ فيحاسبه على علم منه بما كسبت يداه، ويعذبه على علم من باكتساب ما استوجب من العذاب، خلافا لأمر ملوك الدنيا: أ،هم يحاسبون على تذكير لهم ما عليه من الحساب، ويعذبون على تعريف الغير لهم ما استوجب به التعذيب، لا على علم منهم بذلك.

أو يكون معناه: أنه كان به بصيرا في الازل: أنه ماذا يعمل إذا أنشأه؟

وإلى ماذا ينقلب أمره: إلى النار أو إلى الجنة؟

فخلقه على علم منه أنه يعادي أولياءه، ويعمل بمعاصيه.

ولقائل أن يقول بأن المرء في الشاهد لا يشرع في الأمر الذي يعلم أنه في العاقبة يضره ولا ينفعه، ولو شرع فيه، وأتمه كان مذموما عند الناس، ولم يكن محمودا، فأي حكمة في إنشاء عدوه وهو عالم أنه يسعى في معاداته؟!.

فجوابه - والله أعلم -: أن الذي يشرع في الأمر الذي علم أن إتمامه يضره ولا ينفعه، إنما لحقته المذمة؛ لما سعى في إضرار نفسه، فأما الذي أعرض عن إطاعة الله -  - وكفر به فإنما اكتسب الضرر على نفسه خاصة بأن أوقعها في المهالك، ولم يضر غيره؛ لذلك لم تلحقه المذمة في خلقه وإنشائه، وفي هذا دلالة أن الله -  - حيث خلق الخلق لم يخلقهم لمنفعة له ولا لمضرة تلحقه من جهتهم؛ بل منافعهم ومضارهم راجعة إلى أنفسهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنه ظن أنَّه لن يرجع إلى الحياة بعد موته.

<div class="verse-tafsir" id="91.gboDl"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

انشقاق السماء: مثل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة الانفطار ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ  ﴾ ، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام، واختل نظامها حال ظهوره.

﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا  ﴾ أي استمعت لأمر ربها، وفعلت -حين أراد انشقاقها- فعل المطواع الذي إذا أورد عليه الأمر من جهة آمره أنصت له وأذعن، فكأن قال: امتثلت له.

(وحقت) أي حق لها أن تمتثل، أي يجدر بها ذلك، وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع لأنها مخلوقة له وهي في قبضته، وهو الذي يمسكها أن تزول، فإذا أراد تبديد نظامها بدده، وما يكون لها أن تعصى إرادته.

ومتى فسد نظام السماء، فتساقط من كواكبها بعض على بعض، أصاب الأرض من ذلك أشد ما يصيبها من الاضطراب فتدك جبالها، وتنقطع أوصالها، وتفقد التماسك بينها فلا يبقى لها هذا الاندماج الذي هي عليه الآن، فتمد مد الأديم العكاظي كما روي عن ابن عباس ولا تكون إلا كتلة مائرة تتساوى أعاليها وأسافلها، وعظمت بهذا الانتفاش، وزادت أقطار حجمها، فهذا قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ .

ولا ريب أن هذا المد يتبعه أن جميع ما في جوف الأرض ينقذف إلى خارج، وربما قذفته الحركة العنيفة إلى ما يبعد عن سطحها فتخلو الأرض منه حتى لا يبقى له أثر في باطنها، وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ  ﴾ .

وهي في ذلك كله تحت سلطان الجلال الإلهي وقهره، خاضعه لأوامره، منقادة، لمشيئته كما قال: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ  ﴾ .

ولا يخفى أن الاستماع والطاعة من السماء والأرض تمثيل لكونهما في قبضة القدرة الإلهية تصرفهما في الفناء كما تصرفت فيهما بالابتداء، كما قال: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ ، أي أنه خلقهما على الوجه الذي أراد دون أن يكون منه جهد أو كد، أو يصيبه عناء أو نصب، كما يتوهم ضعفاء العقول إذا سمعوا بأن واحدًا وحده يخلق هذا الخلق العظيم، أو يدمر هذا الكون الجسيم، وكما زعم اليهود أن اللَّه ابتدأ الخلق يوم الأحد، واستراح يوم السب، واستلقى على العرش.

قال اللَّه في آية أخرى لإفادة المعنى على الحقيقة دون تمثيل: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ  ﴾ وكل قول أو فعل ينسب إلى من لايصدر عنه في المعروف، فنسبته إليه على طريق التمثيل، إلا أن يكون هناك سبب يسوغ النسبة في عرف الخطاب.

جاء في هذه السورة بشرطين: أحدهما يتعلق بالسماء، والآخر يتعلق بالأرض، وفي ضمن كل منهما ما هو من لوازمه، ولم يأت بجواب للشرطين، بل أعقب قوله: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ إلخ، بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ  ﴾ .

وهو من عجائب إيجاز القرآن حيث يظن لزوم الاطناب فيأتي الايجاز بما لا يأتي به الإطناب.

فإن اللَّه تعالى قد بيّن في سور أخر كثيرًا مما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد، وحضور الأعمال، وشهود الجزاء، والوقوع في ورطة الحساب، وما يأتي بعد ذلك من شقاء ونعيم، فذكر اللَّه بداية ذلك اليوم في هذين الشرطين: انشقاق السماء، وتصدع الأرض وانتفاشها وقذفها لما في جوفها - وترك الجواب يذهب فيه السامع ما شاء من المذاهب، حتى يمر بذهنه جميع ما ورد من حوادث ذلك اليوم، وفي هذا من التهويل ما ربما لا يفيده التطويل.

وقد يقال إن الجواب محذوف يدل عليه ما يفهم من قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ إلخ، كأنه قال: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ  ﴾ إلخ، ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ إلخ، لاقى الإنسان ربه فوفاه حسابه.

(كادح) من الكدح، وهو العمل والسعي والكسب والخدش.

والكدح عمل الإنسان لنفسه من خير أو شر، ووصل الوصف (بالي) إذ قال ﴿ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ  ﴾ ولم يقل (لربك) ليدل على أنه أراد من الكدح معنى فيه سير وانتهاء، كأنه يقول -والله أعلم- يا أيها الإنسان السادر في غلوائه، الصادر في عمله عن أهوائه، الغافل عن مصيره، الجائر عن جادة الحق في مسيره .

.

لا تظن أنك خالد، وأنك مقيم فيما أنت جاهد له، وأنك إن آذيت الخلق، وازدريت الحق، واغتررت بالحول والقوة، وسلمت عنانك للشهوة، ضمنت لنفسك التمتع بما تكسب، والبقاء فيما فيه تتعب وتنصب.

كلا.

إنك مجد في السير إلى ربك وإن كنت لا تشعر بجدك، أو إن شعرت به لهوت عنه، وكل خطوة في عملك فهي في الحقيقة خطوة إلى أجلك، فكل جهد وتعب يحدث في القوي أثر ضعف، ولا يزال الضعف يتبع بعضه بعضًا حتى ينتهي إلى الموت الذي لا محيد عنه، وهناك لقاء اللَّه، فإن الموت يكشف عن الروح غطاء الغفلة، ويجلو لها وجه الحق، فتعرف من اللَّه ما كانت تنكره، فقد لقيته كما يلاقي الغائب من يقدم هو عليه.

وما بعد الموت من رجعة إلا يوم البعث، يوم يقوم الناس للعرض على ملك يوم الدين، كما قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ  ﴾ .

وهناك يرتفع الالتباس، ويعرف كل عامل ما جر إليه عمله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ  فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا  ﴾ والذين يؤتون كتبهم بأيمانهم هم الصالحون، أهل البر وفعلة الخير ممن ذكر اللَّه أوصافهم وأعمالهم في الآيات الأخر.

﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا  ﴾ أي يرجع إلى من هم من قبيله من المؤمنين الصادقين العاملين مسرورًا بما لاقاه من سهولة الحساب والنجاة من العقاب، أما الذي يؤتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا، أي يقول: واثبوراه!

أي واهلاكاه!

فهو يتمنى أن يهلك بأن يموت ويفقد الشعور بما يلقاه كقوله يا ليتني كنت ترابًا، ﴿ وَيَصْلَى سَعِيرًا  ﴾ يقاسى حر نار شديدة اللذع والاحراق.

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ  ﴾ وقبيله من أمثاله ﴿ مَسْرُورًا  ﴾ بما كان فيه من الترف والنعيم ومعاقرة اللذات ومداعبة الشهوات، فاليوم ينعكس عليه حاله، ويسوء مآله، ويجد حزنًا بدل سرور، وألمًا مكان لذة.

والحساب اليسير السهل أن تعرض عليه أعماله فيعرف منها ما يسر نسبته إليه، وما قد يؤاخذ عليه، ثم لا يناقش ولا يعترض بما يسوءه ويشق عليه.

أما الكلام في إيتاء الكتاب باليمين أو وراء الظهر فإليك ما يليق منه بكتاب اللَّه وحكمته الباهرة.

اليمين تذكر في كتاب اللَّه عبارة عن القوة أو اليمن والخير، قال اللَّه تعالى في سورة الصافات: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ  قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ  قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

قال صاحب الكشاف، بعد أن ذكر شرف اليمين وما يناط بها من الأعمال، واستعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل أتاه عن اليمين -أي من قبل الخير وناحيته- فصده عن وأضله .

وقال البيضاوي: عن أقوى الوجوه وأيمنها، أو عن الدين أو الخير.

وجاء في الكشاف أيضًا: وجاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده فلم يصل رحمًا ولم يود زكاة.

وقال في سورة الحاقة: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ﴾ أي لو أدعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا.

قال البيضاوي: وهو تصدير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه، وقيل اليمين بمعنى القوة.

وقال البيضاوي في تفسير قوله ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ  ﴾ .

تقييده باليمين للدلالة على قوته، لأن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل.

فاذا استعملت اليمين لتمثيل القوة قابلتها اليسار أو الشمال في تصوير الضعف، وكذلك يقال في الخير أو الشر وما يقابلهما.

ثم مما لا يحتاج إلى بيان أن اليمين هنا آلة الأخذ لا آلة الإعطاء، لأنها مضافة إلى ضمير العبد، فيكون المعنى: فأما من أوتي كتابه فأخذه أو تناوله بيمينه، فكأنه يقول: فأما من عرض عليه كتابه، وقدم إليه سجل أعماله، فتناوله بيمينه فأمره كيت وكيت.

ومن يتناول شيئًا بيمينه يكون قد توجه إليه بعزمه، واندفع نحوه بقوة نفسه -بخلاف من يتناول ما يعطاه ويأخذ بيساره، فإن مد اليسار إليه دليل كراهته له.

وأظهر في الدلالة على الكراهة النفور مما يعرض عليه أن يستدبره ويعرض عنه فيكون وراء ظهره.

فمعنى آية الحاقة والآية التي نحن بصددها: فأما من عرض عليه كتابه، وقدم إليه ليأخذه، فاندفع إليه بعزيمة نفسه لشعوره بأنه مستودع الصالحات وسجل البر والمكرمات فشأنه كذا، وأما من قدم إليه كتابه، وعرض عليه عمله، فخزيت نفسه، وخارت عزيمته، فمد إليه يساره لعله لا يستطيع ضبطه فيسقط منه فلا يرى ما فيه، أو يعرض عنه فيوليه ظهره لشعوره بأنه ديوان السيئات وسجِّين المخازي، فأمره كيت وكيت.

ويرشد إلى ذلك ما رد من التفصيل في سورة الحاقة فإنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ  إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ  ﴾ .

ودعوة الناس إلى القراءة دليل الفرح والنشاط وقوة العزيمة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ  وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ  يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ  مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ  هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ  ﴾ ، وهذا قول المخذول الكاره لما عرض عليه.

فإيتاء الكتاب باليمين أو اليسار أو وراء الظهر تمثيل وتصوير لحالة المطلع على أعماله في ذلك اليوم، فمن الناس من إذا كشف له عمله ابتهج واستبشر-وهو التناول باليمين- ومنهم من إذا تكشفت له سوابق أعماله عبس وبسر، وأعرض عنها وأدبر، وتمنى لو لم تكشف له -وهذا هو التناول باليسار أو وراء الظهر-، وبهذا اتفق المعنيان في الآيتين، ولم تبق حاجة إلى الجمع بين الشمال ووراء الظهر باختراع معنى لا يليق بكتاب اللَّه كما جرى عليه كثير من المفسرين.

﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ  ﴾ أي رجح في حكمه أن لن يرجع إلى ربه فيحاسبه على ما يقترف من ذنبه، أو يثيبه على الأفضل من كسبه.

وفي الآية شهادة بأن المسخرين لشهواتهم وأهوائهم في أعمالهم لا يمكن أن يكونوا ظانين، فضلًا من كونهم موقنين بأنهم يرجعون إلى اللَّه ليحاسبهم، بل الراجح عندهم أن لا يحاسبون، أو أن اللَّه مخلف وعده، وهذا هو الذي ينسيهم ذكره عند كل جرم يجرمونه، فهم -وإن كانوا يزعمون الإيمان باللَّه وبوعده ووعيده- يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويبتلون دائمًا بسوء الخاتمة والعياذ باللَّه (بلى) إيجاب لما بعد النفي في لنيحور، أي بلى ليحورن وليرجعن إلى ربه، وليحاسبن على عمله، فيجزى عليه: الخير بالخير، والشر بالشر.

ثم علل ذلك بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا  ﴾ والبصر بالشيء تمام العلم به نشأة وغاية، والذي يخلق الإنسان مستعدًا لما لا يتناهى من الكمال بما وهبه من العقل الذي لا يقف عند حد في العلم، وإرسال أشعة الفهم إلى أسرار الكائنات ودقائق الموجودات، لا ينشئه هذه النشأة الرفيعة لتكون غايته غاية سائر الحيوان، ممن لم يعط استعداده، ولم يمد إمداده، بل تقضي حكمته في هذا الخلق العظيم أن يجعل له حياة بعد هذه الحياة، يستثمر فيها أعماله ويوافي فيها كماله.

ولو أنه أسدى إلى الإنسان من المواهب ما أسدى، ثم تركه بعد ذلك سدى، لم يكن ذلك إلا من عمل الجزاف، الخالي من البصر والحكمة، بل من العدل والانصاف.

وهذا الذي فسرنا به هو الأليق بنسق الكلام، دون الذي سبقنا إليه بعض قصار الأفهام.

ولتأكيد ذلك أقسم اللَّه بآيات له في الكائنات، ظاهرات باهرات، ليدل على عظم شأنه في وضع الكون عليها، وقد تقدم أن ﴿ فَلَا أُقْسِمُ  ﴾ عبارة من عبارات القسم.

والشفق النهار في رأي الزجَّاج، وبقية ضوء الشمس والحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة عند غيره، والنهار زمان يسعى فيه الكاسبون لتحصيل أرزاقهم، والأبرار يشغلونه بإصلاح أحوالهم وأحوال غيرهم، وتكميل عقولهم وأخلاقهم.

ففيه الشفق، وهو الخوف من الإخفاق، فيجدر أن يسمى شفقًا، وما يبقى في الأفق من الحمرة وقليل من البياض ينذرك بليل لا تدرى ما يكون فيه، فله من مسمى الشفق -وهو الخوف- نصيب.

و(وسق)، أي ضم وجمع، ولا يخفى عليك أن ما انتشر بالنهار يجتمع بالليل حتى أن جناحيك اللذين تمدها إلى العمل بياض النهار تضمها إلى جنبيك للراحة سواد الليل.

والغادون في النهار يروحون بالليل، والليل يضم الأمهات إلى أفراخها، ويرد السائمات إلى مناخها، وبالجملة كل ما نشره النهار بالحركة يضمه الليل ويجمعه بالسكون.

﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا  ﴾ .

واتساق القمر تمامه واجتماع نوره ليلة أربع عشرة أو ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.

ولا يخفى ما للناس من المنافع في هذه الأمور الثلاثة التي أقسم اللَّه بها، وما فيها من الآيات الناطقة بحكمة واضع نظامها، فهي جديرة أن يقسم اللَّه بها لينبه الغافلين إلى ما أودع فيها.

﴿ لَتَرْكَبُنَّ  ﴾ قرئ بفتح الباء خطاب للإنسان، وبضمها خطاب للناس.

( والطبق) عند ابن الأعرابي الحال على اختلافها.

وقال الزجَّاج في معنى الآية: لتركبن حالًا بعد حال حتى تصيروا إلى اللَّه، والأحوال هي: الإحياء الأول، ثم الإماتة، ثم البعث، وقد قارب الزجَّاج في تفسيره، وأصل المادة طبق فيها المطابقة والمساواة.

والمعنى الذي يعول عليه لتركبن حالة بعد حالة، على أن الحالة الثانية تطابق الحالة الأولى، أي لتكونن في حياة أُخرى تماثل هذه الحياة التي أنتم فيها وتطابقها من حيث الحس والإدراك والألم واللذة على الإطلاق، أي أنها حياة حقيقية وإن خالفت في بعض شؤونها هذه الحياة الأولى.

فإذا كان اللَّه قد خلق الإنسان على أن تكون له حياتان -وقد أقام الدليل على ذلك من طريقة تكوينه، ثم أقسم عليه في صادق كلامه- ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ  ﴾ وهو المنبه لسماع حديث الفطرة، الصارف إلى داعي الغريزة ﴿ لَا يَسْجُدُونَ  ﴾ لا يستكينون ولا يخضعون، لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر أغلاق قلوبهم، ولم يبلغ صوته أعماق ضمائرهم، بلى قد بلغ، وأقنع فيما بَلَّغ، ولكن العناد هو الذي يمنعهم عن الإيمان، ويصدهم عن الإذعان فليس منشأ التكذيب قصور الدليل، وإنما هو تقصير المستدل وإعراضه عن هدايته.

فالإضراب في قوله ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ  ﴾ يرمي إلى محذوف من القول يدل عليه السابق واللاحق.

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ  ﴾ أي بما يجمعون في صدورهم من الإعراض والجحود والحسد والبغي.

﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ جزاء لهم على إعراضهم عن الأدلة القائمة لهم من أنفسهم ومن بين أيديهم، وإصرارهم على سيء العمل وفاسد الاعتقاد، أما الذين أصلحوا اعتقادهم بالإيمان الصادق القائم على الدليل الصحيح المستمد من الوجدان الفطري، واستقاموا في عملهم على النهج الواضح في العمل الصالح، فلهم أجر لا ينقطع، فالاستثناء في ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ منقطع، كأنه قال لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر إلخ.

ولهذا جاء قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ  ﴾ بغير فاء، و ﴿ غَيْر مَمْنُونٍ  ﴾ أي غير مقطوع.

واللَّه أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله