الإسلام > القرآن > سور > سورة 84 الانشقاق > الآية ٢٣ من سورة الانشقاق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣ من سورة الانشقاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
قال مجاهد وقتادة يكتمون في صدورهم.
وقوله: ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ) يقول تعالى ذكره: والله أعلم بما تُوعيه صدور هؤلاء المشركين من التكذيب بكتاب الله ورسوله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( يُوعُونَ ) قال: يكتمون .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ) قال: المرءُ يُوعِي متاعه وماله هذا في هذا، وهذا في هذا، هكذا يعرف الله ما يوعون من الأعمال، والأعمال السيئة مما تُوعيه قلوبهم، ويجتمع فيها من هذه الأعمال الخير والشر، فالقلوب وعاء هذه الأعمال كلها، الخير والشرّ، يعلم ما يسرّون وما يعلنون، ولقد وَعَى لكم ما لا يدري أحد ما هو من القرآن وغير ذلك، فاتقوا الله وإياكم أن تدخلوا على مكارم هذه الأعمال بعض هذه الخبث ما يفسدها .
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( يُوعُونَ ) قال في صدورهم.
والله أعلم بما يوعون أي بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب .
كذا روى الضحاك عن ابن عباس .
وقال مجاهد : يكتمون من أفعالهم .
ابن زيد : يجمعون من الأعمال الصالحة [ ص: 243 ] والسيئة ; مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه ; يقال : أوعيت الزاد والمتاع : إذا جعلته في الوعاء ; قال الشاعر :الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زادووعاه أي حفظه ; تقول : وعيت الحديث أعيه وعيا ، وأذن واعية .
وقد تقدم .
{ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } أي: بما يعملونه وينوونه سرًا، فالله يعلم سرهم وجهرهم، وسيجازيهم بأعمالهم.
"والله أعلم بما يوعون".
في صدورهم من التكذيب.
قال مجاهد: يكتمون.
«والله أعلم بما يوعون» يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب وأعمال السوء.
فأيُّ شيء يمنعهم من الإيمان بالله واليوم الآخر بعد ما وُضِّحت لهم الآيات؟
وما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون لله، ولا يسلِّمُون بما جاء فيه؟
إنما سجية الذين كفروا التكذيب ومخالفة الحق.
والله أعلم بما يكتمون في صدورهم من العناد مع علمهم بأن ما جاء به القرآن حق، فبشرهم -أيها الرسول- بأن الله- عز وجل- قد أعدَّ لهم عذابًا موجعًا، لكن الذين آمنوا بالله ورسوله وأدَّوْا ما فرضه الله عليهم، لهم أجر في الآخرة غير مقطوع ولا منقوص.
وقوله - سبحانه - : ( والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ) كلام معترض بين سابقه ولا حقه ، والمقصود به التهديد والوعيد .ومعنى " يوعون " يضمرون ويخفون ويسرون ، وأصل الإِيعاء حفظ الأمتعة فى الوعاء ، يقال : أوعى فلان الزاد والمتاع ، إذا جعله فى الوعاء ، والمراد به هنا : الإِضمار والإِخفاء ، كما فى قوله الشاعر :والشر أخبث ما أوعيت من زاد ...
أى : والله - تعالى - أعلم من كل أحد ، بما يضمره هؤلاء الكافرون ، وبما يخفونه فى صدورهم من تكذيب للحق ، ومن جحود للقرآن الكريم ، ومن معاداة للمؤمنين .
فأصل الكلمة من الوعاء، فيقال: أوعيت الشيء أي جعلته في وعاء كما قال: ﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴾ والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من الشرك والتكذيب فهو مجازيهم عليه في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ يَسْجُدُونَ ﴾ لا يستكينون ولا يخضعون.
وقيل: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ﴿ واسجد واقترب ﴾ [العلق: 19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر، فنزلت وبه احتج أبو حنيفة رضي الله عنه على وجوب السجدة، وعن ابن عباس ليس في المفصل سجدة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سجد فيها وقال: والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.
وعن أنس: صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان فسجدوا وعن الحسن: هي غير واجبة ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ إشارة إلى المذكورين ﴿ بِمَا يُوعُونَ ﴾ بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والبغي والبغضاء.
أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب ﴿ إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ ﴾ استثناء منقطع.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة انشقت أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره» .
﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ.
﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ بِما يُضْمِرُونَ في صُدُورِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والعَداوَةِ.
﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ.
﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ، والمُرادُ مَن تابَ وآمَنَ مِنهم.
﴿ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ مَقْطُوعٍ أوْ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ.
وَعَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ الِانْشِقاقِ أعاذَهُ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ» .
{والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر وتكذيب النبى صلى الله عليه وسلم أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب
﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ أيْ: بِالَّذِي يُضْمِرُونَهُ في صُدُورِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والحَسَدِ والبَغْضاءِ والبَغْيِ، فَما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وأصْلُ الإيعاءِ جَعْلُ الشَّيْءِ في وِعاءٍ.
وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: الإيعاءُ: حِفْظُ الأمْتِعَةِ في وِعاءٍ ومِنهُ قَوْلُهُ: والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ.
وأُرِيدَ بِهِ هُنا الإضْمارُ مَجازًا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الآيَةِ في حَقِّ المُنافِقِينَ مَعَ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً كَما لا يَخْفى، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالجَمْعِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَهُ في صُحُفِهِمْ مِن أعْمالِ السُّوءِ، وأيًّا ما كانَ فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: المُرادُ الإشارَةُ إلى أنَّ لَهم وراءَ التَّكْذِيبِ قَبائِحَ عَظِيمَةً كَثِيرَةً يَضِيقُ عَنْ شَرْحِها نِطاقُ العِبارَةِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن أدِلَّةِ كَوْنِهِ أيِ القُرْآنِ حَقًّا فَيَكُونُ المُرادُ المُبالَغَةَ في عِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ عَلى خِلافِ عِلْمِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يُكَذِّبُونَ ﴾ وكَوْنُها كَذَلِكَ عَلى ما قِيلَ مِنَ الإشارَةِ خِلافُ الظّاهِرِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: «بِما يَعُونَ» مِن وعى يَعِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: كفار مكة لاَ يصدقون بالقرآن وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ يعني: لا يخضعون لله تعالى ولا يوحدونه.
ويقال: ولا يستسلمون لربهم، ولا يسلمون ولا يطيعون.
ويقال: لا يصلون لله تعالى.
قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ يعني: يجحدون بالقرآن والبعث، أنه لا يكون.
وقال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير، وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم.
ويقال: هذا في جميع الكفار.
ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ يعني: يكتمون في صدورهم من الكذب والجحود.
ويقال: مما يجمعون في قلوبهم من الخيانة.
ويقال: معناه والله أعلم بما يقولون ويخفون.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يعني: شديداً دائماً، وقال مقاتل: ثم استثنى الاثنين اللذين أسلما فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا يقال: هذا الاستثناء لجميع المؤمنين، يعني: الذين صدقوا بتوحيد الله تعالى.
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: أدوا الفرائض والسنن.
لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: غير منقوص، ويقال: غير مقطوع، ويقال: لهم أجر لا يمن عليهم، ومعنى قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يعني: اجعل مكان البشارة للمؤمنين بالرحمة، والجنة للكفار بالعذاب الأليم، على وجه التعبير، لأن ذلك لا يكون بشارة في الحقيقة، والله الموفق بمنه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ يريدُ في الدنيا، مَسْرُوراً أي: تَمَلَّكَهُ ذلكَ لاَ يدرِي إلا السرورَ بأهلهِ دونَ معرفةِ ربه.
وقوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ معناه: أن لن يرجِعَ إلى اللَّه مبعوثاً محشُوراً، قال ابن عباس: لم أعلم ما معنى يَحُورَ حتى سَمِعْتُ امرأة أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَهَا:
حُورِي أي: ارجعي «١» ، - ص-: بَلى إيجابٌ بَعْدَ النفي، أي: بلى لَيَحُورَنَّ أي:
ليرجعنّ، انتهى.
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)
وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)
وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ «لا» / زائِدةٌ وقيل: «لا» ردّ على أقوال الكفار، وبِالشَّفَقِ الحُمْرَةُ التي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشمسِ مع البياضِ التابع لها في الأغلب، ووَسَقَ معناه: جُمِعَ وَضُمَّ ومنه الوَسْقُ أي: الأَصْوُعُ المجموعةُ، والليل يَسِق الحيوانَ جملة أي:
يجمَعَها وَيَضُمُّها، وكذلك جميعُ المخلوقاتِ التي في الأرض والهواء من البحار والجبال والرياح وغير ذلك، واتساقُ القمر كمالُه وتمامُه بدراً، والمعنى امتلأَ من النور، وقرأ نافع وأبو عَمْرٍو وابن عامر: «لَتَرْكَبُنَّ» - بضم الباءِ «٢» - والمعنى: لتركبُنَّ الشدائِدَ: الموتَ والبعثَ والحسابَ حالاً بعد حالٍ، و «عن» تجيءُ بمعنى «بعد» كما يقال: ورثَ المجدَ كَابِراً عن كابرٍ، وقيلَ: غير هذا، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: «لَتَرْكَبَنَّ» «٣» - بفَتْحِ الباءِ- على معنى أنتَ يا محمد، فقيلَ: المعنى حالاً بعد حالٍ من معالَجةِ الكفارِ، وقال ابن عبّاس:
سماءً بعد سماءٍ في الإسراء «١» ، وقيل: هي عِدَةٌ بالنَّصْرِ أي لتركبَنَّ أمْرَ العربِ قَبِيلاً بعد قَبِيل كما كان، وفي البخاري عن ابن عبَّاس: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ حَالاً بعد حال هكذا قال نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم «٢» ، انتهى، ثم قال تعالى: فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، أي: ما حجتُهم مع هذهِ البراهين الساطعة، ويُوعُونَ معناه: يَجْمَعُونَ من الأعمالِ والتكذيبِ كأنهم يجعلونَها أوعية، تقول وعيت العلم، وأوعيت المتاع، ومَمْنُونٍ معناه: مقطوع.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: بَلى لَيَحُورَنَّ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: بَصِيرًا عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.
فَأمّا " الشَّفَقُ " فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُما شَفَقانِ: الأحْمَرُ، والأبْيَضُ، فالأحْمَرُ: مِن لَدُنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى وقْتِ صَلاةِ العِشاءِ ثُمَّ يَغِيبُ، ويَبْقى الشَّفَقُ الأبْيَضُ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ " بِالشَّفَقِ " هاهُنا سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الحُمْرَةُ الَّتِي تَبْقى في الأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقَدْ رَوى ابْنُ عُمَرَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " الشَّفَقُ: الحُمْرَةُ "»، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِهِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعُبادَةَ، وأبِي قَتادَةَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٍ، ومَكْحُولٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وأبِي يُوسُفَ، والشّافِعِيِّ، وأبِي عُبَيْدٍ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ وعَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ: كَأنَّهُ الشَّفَقُ، وكانَ أحْمَرَ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّهارُ.
والثّالِثُ: الشَّمْسُ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: السَّوادُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ ذَهابِ البَياضِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.
والسّادِسُ: أنَّهُ البَياضُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ وما وسَقَ ﴾ أيْ: وما جَمَعَ وضَمَّ.
وأنْشَدُوا: إنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقًا مُسْتَوْسِقاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سائِقًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ وَما وسَقَ ﴾ ما عَلا فَلَمْ يَمْنَعْ مِنهُ شَيْءٌ، فَإذا جَلَّلَ اللَّيْلُ الجِبالَ، والأشْجارَ، والبِحارَ، والأرْضَ، فاجْتَمَعَتْ لَهُ، فَقَدْ وسَقَها.
وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى: " ما وسَقَ ": ما جَمَعَ مِمّا كانَ مُنْتَشِرًا بِالنَّهارِ في تَصَرُّفِهِ إلى مَأْواهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: اتِّساقُهُ: اجْتِماعُهُ واسْتِواؤُهُ لَيْلَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشْرَةَ، إلى سِتَّ عَشْرَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ، وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ .
ثُمَّ في مَعْناهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَتَرْكَبَنَّ سَماءً بَعْدَ سَماءٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: هو نَبِيُّكم.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الإشارَةَ إلى السَّماءِ.
والمَعْنى: أنَّها تَتَغَيَّرُ ضُرُوبًا مِنَ التَّغْيِيرِ، فَتارَةً كالمُهْلِ، وتارَةً كالدِّهانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.
وَقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " لَتَرْكَبُنَّ " بِفَتْحِ التّاءِ، وضَمِّ الباءِ، وهو خِطابٌ لِسائِرِ النّاسِ.
ومَعْناهُ: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو الأشْهَبِ " لَيَرْكَبَنَّ " بِالياءِ، ونَصْبِ الباءِ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ يَعْمَرَ " لَيَرْكَبُنَّ " بِالياءِ، وضَمِّ الباءِ.
و " عَنْ " بِمَعْنى " بَعْدَ " .
وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ، وأنْشَدُوا لِلْأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ.
إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الشَّدائِدُ، والأهْوالُ، ثُمَّ المَوْتُ، ثُمَّ البَعْثُ، ثُمَّ العَرْضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الرَّخاءُ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والشِّدَّةُ بَعْدَ الرَّخاءِ، والغِنى بَعْدَ الفَقْرِ، والفَقْرُ بَعْدَ الغِنى، والصِّحَّةُ بَعْدَ السَّقَمِ، والسَّقَمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، [قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كَوْنُ الإنْسانِ رَضِيعًا ثُمَّ فَطِيمًا ثُمَّ غُلامًا شابًّا ثُمَّ شَيْخًا]، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَغَيُّرُ حالِ الإنْسانِ في الآخِرَةِ بَعْدَ الدُّنْيا، فَيَرْتَفِعُ مَن كانَ وضِيعًا، ويَتَّضِعُ مَن كانَ مُرْتَفِعًا، وهَذا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ رُكُوبُ سَنَنِ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأوَّلِينَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وَكانَ بَعْضُ الحُكَماءِ يَقُولُ: مَن كانَ اليَوْمَ عَلى حالَةٍ، وغَدًا عَلى حالَةٍ أُخْرى، فَلْيَعْلَمْ أنَّ تَدْبِيرَهُ إلى سِواهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿ وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يُصَلُّونَ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: لا يَخْضَعُونَ لَهُ، ويَسْتَكِينُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يُعْلى.
قالَ: وقَدِ احْتَجَّ بِها قَوْمٌ عَلى وُجُوبِ سُجُودِ التِّلاوَةِ، ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما المَعْنى: لا يَخْشَعُونَ، ألا تَرى أنَّهُ أضافَ السُّجُودَ إلى جَمِيعِ القُرْآنِ، والسُّجُودُ يَخْتَصُّ بِمَواضِعَ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴾ بِالقُرْآنِ، والبَعْثِ، والجَزاءِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ في صُدُورِهِمْ ويُضْمِرُونَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يُوعُونَ ": يَجْمَعُونَ في قُلُوبِهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ووَعَيْتُ العِلْمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ أيْ: أخْبِرْهم بِذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلْ لِلْكَفّارِ بَدَلَ البِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ والرَّحْمَةِ، العَذابَ الألِيمَ.
و " المَمْنُونُ " عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: المَقْطُوعُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ وما وسَقَ ﴾ ﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ ﴾ ﴿ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ "لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها.
و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ : وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم.
/ ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ.
و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ.
و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي: فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
اعتراض بين جملة ﴿ بل الذين كفروا يكذبون ﴾ [الانشقاق: 22]، وجملة: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ [الانشقاق: 24] وهو كناية عن الإِنذار والتهديد بأن الله يجازيهم بسوء طويتهم.
ومعنى ﴿ بما يوعون ﴾ بما يُضمرون في قلوبهم من العناد مع علمهم بأنَّ ما جاء به القرآن حق ولكنهم يظهرون التّكذيب به ليكون صدودهم عنه مقبولاً عند أتباعهم وبين مجاوريهم.
وأصل معنى الإِيعاء: جعل الشيء وعاء والوعاء بكسر الواو الظرف لأنه يُجمع فيه، ثم شاع إطلاقه على جمع الأشياء لئلا تفوت فصار مشعراً بالتقتير، ومنه قوله تعالى: ﴿ وجَمَع فأوعى ﴾ [المعارج: 18] وفي الحديث: «لا تُوعي فيُوعي الله عليكِ» واستعمل في هذه الآية في الإِخفاء لأنّ الإِيعاء يستلزم الإِخفاء فهو هنا مجاز مرسل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَفَقُ اللَّيْلِ وهو الحُمْرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ بَقِيَّةُ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ النَّهارُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
﴿ واللَّيْلِ وما وسَقَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما جَمَعَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الرّاجِزُ إنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقًا مُسْتَوْسِقاتٍ أوْ يَجِدْنَ سائِقًا الثّانِي: وما جَنَّ وسَتَرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: وما ساقَ، لِأنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسُوقُ كُلَّ شَيْءٍ إلى مَأْواهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: وما عَمِلَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ الشّاعِرُ ويَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً ∗∗∗ تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ ايْ كالعامِلِ.
﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا اسْتَوى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُمُ اتَّسَقَ الأمْرُ إذا انْتَظَمَ واسْتَوى.
قالَ الضَّحّاكُ: لَيْلَةُ أرْبَعَ عَشْرَةَ هي لَيْلَةُ السَّواءُ.
الثّانِي: والقَمَرُ إذا اسْتَدارَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: إذا اجْتَمَعَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: إذا طَلَعَ مُضِيئًا.
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: حالًا بَعْدَ حالٍ، فَطِيمًا بَعْدَ رَضِيعٍ وشَيْخًا بَعْدَ شابٍّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ كَذَلِكَ المَرْءُ إنْ يُنْسَأْ لَهُ أجَلٌ ∗∗∗ يَرْكَبْ عَلى طَبَقٍ مِن بَعْدِهِ طَبَقٌ الثّالِثُ: أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ، رَخاءً بَعْدَ شِدَّةٍ، وشِدَّةً بَعْدَ رَخاءٍ، وغِنًى بَعْدَ فَقْرٍ، وفَقْرًا بَعْدَ غِنًى، وصِحَّةً بَعْدَ سَقَمٍ، وسَقَمًا بَعْدَ صِحَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَنزِلَةٌ بَعْدَ مَنزِلَةٍ، قَوْمٌ كانُوا في الدُّنْيا مُتَّضِعِينَ فارْتَفَعُوا في الآخِرَةِ، وقَوْمٌ كانُوا مُرْتَفِعِينَ في الدُّنْيا فاتَّضَعُوا في الآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الخامِسُ: عَمَلًا بَعْدَ عَمَلٍ، يَعْمَلُ الآخَرُ عَمَلَ الأوَّلِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّادِسُ: الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
السّابِعُ: شِدَّةٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، حَياةٌ ثُمَّ مَوْتٌ ثُمَّ بَعْثٌ ثُمَّ جَزاءٌ، وفي كُلِّ حالٍ مِن هَذِهِ شِدَّةٌ، وقَدْ رَوى مَعْناهُ جابِرٌ مَرْفُوعًا.
﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِما يُسِرُّونَ في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: بِما يَجْمَعُونَ مِن سَيِّئاتِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوِعاءِ الَّذِي يَجْمَعُ ما فِيهِ وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
﴿ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: غَيْرُ مَنقُوصٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: غَيْرُ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ والأذى، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ فسجد، فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردوية عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ و ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ [ العلق: 1] .
وأخرج البغوي في معجمه والطبراني عن صفون بن عسال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ .
وأخرج ابن خزيمة والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ ونحوها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ قال: تنشق السماء من المجرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذنت ﴾ قال: أطاعت ﴿ وحقت ﴾ قال: حققت بالطاعة.
وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: أطاعت وحق لها أن تطيع.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وأذنت لربها ﴾ سمعت حيث كلمها.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: سمعت وأطاعت ﴿ وإذا الأرض مدت ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ وألقت ما فيها ﴾ أخرجت ما فيها من الموتى ﴿ وتخلت ﴾ عنهم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وألقت ما فيها ﴾ قال: سواري الذهب.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن عمرو قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة، وذلك قول الله: ﴿ وإذا الأرض مدت ﴾ قال: مدت من تحته مداً.
وأخرج الحاكم عن ابن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الله الخلائق الإِنس والجن والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء بنطحتها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً، فيراها الكافر فيقول: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .
وأخرج الحاكم بسند جيد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه» .
وأخرج أبو القاسم الختلي في الديباج عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ الآية قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فأجلس جالساً في قبري وإن الأرض تحركت بي، فقلت لها: ما لك؟
فقالت: إن ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي، وأن أتخلى فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ، فذلك قوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: سمعت وأطاعت.
وفي قوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ قال: أخرجت أثقالها وما فيها من الكنوز والناس، وفي قوله: ﴿ يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل له عملاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك ﴿ يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل إلى ربك عملاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل عملاً ﴿ فملاقيه ﴾ قال: ملاق عملك.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن عاشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلك، فقلت: أليس الله يقول: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك» .
وأخرج أحمد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عن عاشة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت يا رسول الله: ما الحساب اليسير؟
قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب هلك» .
وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله: ﴿ فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: يعرف ذنوبه ثم يتجاوز له عنها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عائشة قالت: من حوسب يوم القيامة أدخل الجنة، وقالت: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ ثم تلت ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ [ الرحمن: 41] .
وأخرج البزار والطبراني والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: «ثلاث من كن فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنة برحمته: تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك» .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ وينقلب إلى أهله مسروراً ﴾ قال: إلى أهل له في الجنة، وفي قوله: ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ قال: تخلع يده فتجعل من وراء ظهره.
وأخرج ابن المنذر عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل يدعى إلى الحساب يوم القيامة فيقال: يا فلان هلم إلى الحساب.
قال: حتى يقول أما يراد غيري مما يحضر به من الحساب.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ يدعوا ثبوراً ﴾ قال: الويل.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ إنه كان في أهله مسروراً ﴾ قال: في الدنيا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله: ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ قال: تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ قال: لن يبعث.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ أن لن يحور ﴾ قال: أن لن يرجع.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ أن لن يحور ﴾ أن لن يرجع إلينا.
وأخرج الطستي في مسائله والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ أن لن يحور ﴾ قال: أن لن يرجع بلغة الحبشة.
يقول: أن لن يرجع إلى الله في الآخرة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوءه ** يحور رماداً بعد إذ هو ساطع وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ قال: ألم تسمع الحبشي إذا قيل له حر إلى أهلك، أي اذهب؟.
وأخرج ابن أبي شيبة عن العوام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الشفق قال: إن الشفق من الشمس.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر قال: الشفق الحمرة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والليل ما وسق ﴾ قال: وما دخل فيه.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والليل وما وسق ﴾ قال: وما جمع.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ والليل وما وسق ﴾ يقول: ما أوى فيه وما جمع من حياته وعقاربه ودوابه.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وما وسق ﴾ قال: ما عمل فيه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: إذا استوى.
وأخرج الطستي في مسائله والطبراني وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: اتساقه اجتماعه.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول ابن صرمة: إن لنا قلائصاً نقانقا ** مستوسقات لو يجدن سائقاً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: إذا استدار.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ والليل وما وسق ﴾ قال: وما جمع أما سمعت قوله: إن لنا قلائصاً نقانقا ** مستوسقات لو يجدن سائقاً وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: ليلة ثلاث عشرة.
وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: حالاً بعد حال.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: أمراً بعد أمر.
وأخرج البخاري عن ابن عباس ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ حالاً بعد حال.
قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أبي عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يعني بفتح الباء قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال.
وأخرج أبو عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يعني بفتح الباء قال: يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال.
وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: يا محمد السماء طبقاً بعد طبق.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم في الكنى وابن منده في غرائب شعبة وابن مردويه والطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: لتركبن بالنصب يا محمد سماء بعد سماء.
وأخرج البزار عن ابن مسعود ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يا محمد حالاً بعد حال.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يا محمد حالاً بعد حال.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: يعني السماء تنفطر ثم تنشق ثم تحمر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود في الآية قال: السماء تكون ألواناً كالمهل، وتكون وردة كالدهان، وتكون واهية، وتشقق فتكون حالاً بعد حال.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن مكحول في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: في كل عشرين عاماً تحدثون أمراً لم تكونوا عليه.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: قوم كانوا في الدنيا خسيساً أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا أشرافاً فاتضعوا في الآخرة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: حالاً بعد حال، بينما صاحب الدنيا في رخاء إذ صار في بلاء، وبينما هو في بلاء إذ صار في رخاء.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مكحول في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: تكونون في كل عشرين سنة على حال لم تكونوا على مثلها.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً ﴾ بالنصب.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً ﴾ بالنصب.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لتركبن ﴾ بالتاء ورفع الباء على الجماع.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ قال: يسرون.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ بما يوعون ﴾ قال: يكتمون، وفي قوله: ﴿ لهم أجر غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لهم أجر غير ممنون ﴾ قال: غير منقوص.
وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول زهير: فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ** يعطي بذلك ممنوناً ولا ترفا
(قوله) (١) ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون.
قاله ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) وتفسير الإيعاء قد تقدم (٦) (١) ساقط من (ع) (٢) ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" 6/ 238، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 28، "البحر المحيط" 8/ 448.
(٣) ورد معنى قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 360، "جامع البيان" 30/ 126، "الكشف والبيان" ج: 13: 62/ ب، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 524، "الدر المنثور" 8/ 461.
(٤) "الوسيط" 4/ 456، والذي ورد عنه في تفسيره قوله: "أعلم بما يوعون" يقول: بما يجمعون عليه من الإثم والفسوق: 235/ أ.
(٥) ساقط من (أ).
(٦) راجع في ذلك سورة الحاقة: 12 <div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الضمير لكفار قريش، والمعنى أي شيء يمنعهم من الإيمان ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القرآن لاَ يَسْجُدُونَ ﴾ هذا موضع سجدة عند الشافعي وغيره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها وليست عند مالك من عزائم السجدات ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني المذكورين ووضع الظاهر موضع الضمير ليصفهم بالكفر ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ أي بما يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب أو بما يجمعون في صحائفهم، يقال أوعيت المال وغيره إذا جمعته ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ وضع الباشرة في موضع النذارة تهكماً بهم ﴿ إِلاَّ الذين آمَنُواْ ﴾ يعني من قضى له بالإيمان من هؤلاء الكفار، فالاستثناء على هذا متصل، وإلى هذا أشار ابن عطية، وقال الزمخشري: هو منقطع ﴿ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ قد ذكر.
القراءات ﴿ ويصلى ﴾ ثلاثياً مفتوح العين مبنياً للفاعل: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وحمزة وعاصم وخلف.
الباقون ﴿ يصلى ﴾ بالتشديد مبنياً للمفعول ﴿ لتركبن ﴾ بفتح الباء للتوحيد والخطاب للإنسان: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون: بالضم على خطاب أفراد الجنس.
الوقوف ﴿ انشقت ﴾ ه لا ﴿ وحقت ﴾ ه ك ﴿ مدّت ﴾ ه ك ﴿ وتخلت ﴾ ه ك ﴿ وحقت ﴾ ه ط لأن الجواب محذوف أي إذا كانت هذه الأمارات ظهر ما ظهر ﴿ فملاقيه ﴾ ه ط وقد يقال عامل " إذا " ﴿ فملاقيه ﴾ أي إذا السماء انشقت لاقى كدحه فلا وقف إلى قوله ﴿ فملاقيه ﴾ وقيل: قوله ﴿ فأما من أوتي ﴾ الشرط مع جوابه جواب للشرط الأول، وقوله ﴿ يأيها الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ فملاقيه ﴾ اعترض ولا وقف على ﴿ بيمينه ﴾ ﴿ يسيراً ﴾ ه ك ﴿ مسروراً ﴾ ه ط ﴿ ظهره ﴾ ه لا ﴿ ثبوراً ﴾ ه لا ﴿ سعيراً ﴾ ه ط ﴿ مسروراً ﴾ ه ﴿ يحور ﴾ ه لا ﴿ بلى ﴾ ج لجواز تعلق بلى بما قبله وبما بعده ﴿ بصيراً ﴾ ه ط للإبتداء بالقسم ﴿ بالشفق ﴾ ه لا ﴿ وسق ﴾ ه لا ﴿ اتسق ﴾ ه لا ﴿ طبق ﴾ ه ك ﴿ لا يؤمون ﴾ ه ك ﴿ لا يسجدون ﴾ ه ط ﴿ يكذبون ﴾ ه ز للآية والوصل أوجب لأن الواو للحال ﴿ يوعون ﴾ ه ز لفاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه لا ﴿ ممنون ﴾ ه.
التفسير: عن علي أن السماء تنشق من المجرّة.
ومعنى ﴿ أذنت لربها ﴾ استمعت له ومنه قوله " "ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " والمراد أنها لم تمتنع عن قبول ما أريد بها من الإنشقاق والانفطار فعل المأمور والمطواع الذي أصغى لحديث آمره ﴿ وحقت ﴾ بذلك لأن الممكن لا بدّ له أن يقع تحت قدرة الواجب لذاته.
ومدّ الأرض تسوية جبالها وآكامها بحيث لا يبقى فيها عوج.
عن ابن عباس: مدّت مدّ الأديم العكاظي لأن الأديم إذا مدّ زال ما فيه من الانثناء واستوى.
وقيل: من مدّه بمعنى أمدّه أي زيد في سعتها أو بسطتها ليمكن وقوف الخلائق الأوّلين والآخرين عليها ﴿ وألقت ما فيها ﴾ أي رمت بما في جوفها من الكنوز والأموات ﴿ وتخلت ﴾ أي خلت غاية الخلو كأنها تكلفت أقصى ما يمكنها من الفراغ.
وقوله ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ ليس بمكرر لأن الأوّل في السماء وهذا في الأرض وحذف جواب " إذا " ليذهب الوهم كل مذهب، أو اكتفاء بما مر في سورتي " التكوير " و " الانفطار ".وقيل: في الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى ﴿ يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ﴾ إذا السماء انشقت، والأقرب أن الإنسان للجنس بدليل التفصيل بعده.
وقيل: هو رجل بعينه إما محمد والمعنى إنك تكدح في تبليغ رسالات الله فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل، وأما أمية بن خلف وإنه يجتهد في إيذاء النبي قاله ابن عباس.
والكدح جهد النفس في العمل حتى تأثرت من كدحت جلده إذا خدشته أي جاهد إلى وقت لقاء ربك وهو الموت وما بعده.
وفيه أن الدنيا دار عناء وتعب ولا راحة ولا فرح فيها.
والضمير في قوله ﴿ فملاقيه ﴾ للرب أي فملاق له ألبتة فهو كالتأكيد للمذكور، ويجوز أن يكون للكدح أي لجزائه يؤيده التفصيل الذي بعده.
عن عائشة أن الحساب اليسير هو أن يعرّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه.
وعن النبي أنه قال " من يحاسب يعذب فقيل: يا رسول الله ﴿ فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب" أقول ﴿ سوف ﴾ من الكريم إطماع فيمكن أن تكون الفائدة في إيراده أن يكون المؤمن على ثقة واطمئنان بالوعد، ويمكن أن يكون إشارة إلى طول الامتداد بين مواقف ذلك اليوم ﴿ وينقلب إلى اهله ﴾ من الحور العين في الجنة أو إلى قرنائه من المؤمنين أو إلى عشيرته كقوله ﴿ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم ﴾ ومعنى ﴿ وراء ظهره ﴾ أن تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله وراء ظهره ويؤتى كتابه بشماله ومن وراء ظهره.
وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره.
وقيل: تجعل وجوههم إلى خلف فيكون الكتاب قد أوتي من جانب ظهره ولكن بشماله كما في " الحاقة ".
والوراء ههنا بمعنى مجرد الجانب، أو معنى قدام.
والثبور الهلاك ودعاؤه أن يقول: واثبوراه ".
وسمي المواطأة على الشيء مثابرة على الشيء مثابرة لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه والنفس تمنعه عن ذلك أنه كان أي في الدنيا مسروراً في أهله كقوله ﴿ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ﴾ وفيه أن الفرح في الدنيا يعقب الغم في الآخرة لقوله ﴿ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً ﴾ ومن كان في الدنيا حزيناً متفكراً في أمر الآخرة كان حاله في الآخرة بالعكس.
والفرح المنهي عنه ما يتولد من البطر والترفه لا الذي يكون من الرضا بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية لقوله ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ﴾ ثم بين أن سروره إنما كان لأجل أن البعث والنشور لم يكن محققاً عنده فقال ﴿ إنه ظنّ أن لن يحور ﴾ أي أن يرجع إلى الله أو إلى خلاف حاله من السرور والتنعم.
عن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنت لها: حوري أي ارجعي.
ثم نفى منطوقه بقوله ﴿ بلى ﴾ أي بلى يحور.
وفي قوله ﴿ إن ربه كان بصيراً ﴾ إشارة إلى أن العلم التام بأحوال المكلفين يوجب إيصال الجزاء إليهم، فلا بد من دار سوى دار التكليف وإلا كان قدحاً في القدرة والحكمة.
قال الكلبي: ﴿ كان به بصيراً ﴾ من يوم خلقه إلى أن بعثه.
وقال عطاء: بصيراً بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء ثم أكد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال بقوله ﴿ فلا أقسم بالشفق ﴾ وهو الحمرة الباقية من آثار الشمس في الأفق الغربي قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل.
وعن الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر.
وعن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه البياض، وأنه روى أنه رجع عنه لأن البياض يمتد وقته فلا يصلح للتوقيت، ولأن التركيب يدل على الرقة ومنه الشفقة لرقة القلب.
ثم إن الضوء يأخذ من عند غيبة الشمس في الرقة والضعف.
وعن مجاهد أن الشفق ههنا النهار لما في النور من الرقة واللطافة كما أن في الظلمات الغلظ والكثافة، لأن القسم بالنهار يناسب القسم بالليل في قوله ﴿ والليل وما وسق ﴾ والتركيب يدل على الاجتماع والضم ومنه الوسق لأنه جامع لستين صاعاً.
واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، وقد وسقها الراعي أي جمعها ونظيره في وقوع " افتعل " و " استفعل " مطاوعين لفعل " اتسع " و " استوسع ".
أقسم الله بجميع ما ضمه الليل وآواه وستره من النجوم والدواب وغيرها.
ويمكن أن يكون من جملته أعمال العباد الصالحين.
ثم أقسم بالقمر إذا اتسق أي اجتمع نوره وتكامل كما يقال " أمور فلان متسقة " أي مجتمعة على الصلاح كما يقال منتظمة.
والطبق ما يطابق غيره ومنه قيل للغطاء " الطبق ".
ثم قيل للحال المطابقة لغيرها طبق.
وقوله ﴿ عن طبق ﴾ حال من فاعل ﴿ لتركبن ﴾ أو صفة أي طبقاً مجاوزاً لطبق، فـ " عن " تفيد البعد والمجاوزة أي حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول.
وجوز أن يكون جمع طبقة أي أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدّة، فبعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة كأنهم لما انكروا البعث أقسم الله أن ذلك كائن وأن الناس يلقون بعدالموت شدائد متنوّعة وأحوالاً مترتبة حتى يتبين السعيد من الشقي والمحسن من المسيء.
وقيل: لتركبن سنة الأولين من المكذبين المهلكين.
عن مكحول: كل عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه.
والركوب على هذه التفاسير مجاز عن الحصول على تلك الحالة.
وقد يقال على قراءة فتح الباء: إنها صيغة الغائبة والضمير للسماء وأحوالها المختلفة انشقاقها ثم انفطارها، ولعل هذا كمال الانحراف ثم صيرورتها وردة كالدهان أو كالمهل وهذا القول مناسب لأول السورة وهو مرويّ عن ابن مسعود.
وقيل: الخطاب للنبي والمراد أعباء الرسالة وأنه يجب عليه أن يتلقاه بالصبر والتحمل إلى أوان الظفر والغلبة كقوله ﴿ لتبلوّن في أموالكم وأنفسكم ﴾ وعن ابن عباس وابن مسعود أن المراد حديث الإسراء وأن النبي ركب أطباق السماء.
وبين القسم والمقسم عليه مناسبة لأنه أقسم بتغيرات واقعة في الأفلاك والعناصر على صحة إيجاد سائر التغايير من أحوال القيامة وغيرها، ولا شك أن القادر على بعض التغايير المعتبرة قادر على أمثالها فلا جرم قال على سبيل الاستبعاد ﴿ فما لهم لا يؤمنون ﴾ وتأويل الآية أن النفس إذا استغرقت في بعض المجهولات التصورية والتصديقية كان المناسبة شبيهة بالشمس الغاربة، فإذا أقبلت على تحصيل قضية من تلك القضايا المجهولة مثلاً تجلى عليها نور من النفس يترجح به عندها أحد طرفي النقيض على الآخر، لكن ما لم تكن جازمة فذلك النور كالشفق بالنسبة إلى ضياء الشمس، ثم إذا سبحت في لجة المعلومات لها طالبة للحد الأوسط عرضت هناك شبهة شبيهة بالليل وما وسقه، فإذا حصل الحدّ الأوسط بالتحقيق وانتقل الذهن منه إلى النتيجة الحقة صارت المسألة كالبدر التم وهو المستفاد ضوءه من النفس الناطقة القدسية التي يكاد زيتها يضيء ولو ولو لم تمسسه نار.
و ﴿ طبقاً عن طبق ﴾ هي مراتب العلوم النظرية من أوّل بدايتها وهي كونها عقلاً هيولانياً إلى نهايتها وهي كونها عقلاً مستفاداً فكأنه اقسم بأحوال المعلومات المستخلصة على إمكان حصول العلم بها.
ثم وبخهم على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن.
وقوله ﴿ لا يؤمنون ﴾ و ﴿ لا يسجدون ﴾ في موضع الحال والعامل معنى الفعل في ﴿ فما لهم ﴾ عن ابن عباس، عباس والحسن وعطاء والكسائي ومقاتل: المراد من السجود ههنا الصلاة.
وقال أبو مسلم وغيره: أراد به الخضوع والاستكانة.
والأكثرون على أنه السجود نفسه.
ثم اختلفوا فعن أبي حنيفة وجوبه لأنه ذمهم على الترك.
وعن الحسن وهو قول الشافعي أنه ستة كسائر سجدات التلاوة عنده.
ثم بين بقوله ﴿ بل الذين كفروا يكذبون ﴾ أن الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه وإن كانت جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون بها تقليداً للأسلاف أو عناداً.
ثم أجمل وعيدهم بقوله ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ أي يجمعون ويضمرون في صدورهم من الشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة فهو يجازيهم على ذلك.
وقيل: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء.
ثم صرح بالوعيد قائلاً ﴿ فبشرهم ﴾ وقوله ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ استثناء منقطع عند الزمخشري ولا بأس بكونه متصلاً كأنه قال: إلا من آمن منهم فله أجر غير مقطوع أو هز من المنة، بني الكلام ههنا على الاستئناف فلم يحتج إلى الفاء، وعلى التعقيب في التين فأورد الفاء والاستئناف أجمع مقدّمة.
قوله - -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ ﴾ منهم من حمل قوله: ﴿ فَلاَ ﴾ على دفع منازعة وقعت فيما بين القوم؛ على ما نذكر في سورة ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ [إن شاء الله]، وإنما القسم قوله - عز وجل -: ﴿ أُقْسِمُ ﴾ .
ومنهم من جعل "لا" بحق الصلة.
فإن كان على الوجه الأول، لم يجز حذف "لا" من الكلام؛ بل حقه أن يقرأ ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ .
وإن كان بحق الصلة استقام حذفه، كما قرأ بعض القراء: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ ﴾ .
ثم الشفق هو أثر النهار، فجائز أن يكون القسم واقعا على النهار كله، وإن كان ذكر طرفا منه.
والثاني: أن الشفق يجتمع فيه أثر النهار - وهو النور الذي فيه - وأثر الشمس - وهو الحمرة التي تكون فيه - فيكون القسم واقعا على النهار بما فيه، كما كان واقعا على الليل بما فيه؛ لقوله: ﴿ ٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴾ ؛ فيكون فيه حجة لقول أبي حنيفة [- رضي الله عنه -]: إن وقت العشاء لا يدخل حتى يغيب البياض؛ لأن وقتها يدخل بغيبوبة الشفق، والشفق وجدناه مشتملا على البياض والحمرة، فما لم يتم الغيبوبة لم يهجم وقتها؛ ألا ترى أن الصلاة التي تلي الغروب لا يدخل وقتها حتى يتم غروب الشمس، فعلى ذلك الصلاة التي تلي غروب الشفق لا يدخل وقتها حتى يتم الغيبوبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَسَقَ ﴾ ، أي: وما وسق وحمل معه من الظلمة والنجم والدابة، وغير ذلك.
والوسق: الحمل، يقال: وسق بعير، أي: حمل بعير.
وقال بعضهم: وسق، أي: جمع وساق كل شيء إلى مأواه من الطير والسباع، فذكر النهار والليل؛ لما فيهما من المنافع.
وقوله: ﴿ وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ ﴾ فالاتساق: الاجتماع، ومعناه: استوى، وكمل؛ إذ ذلك اجتماعه، وذلك في ليالي البيض.
وقال أبو بكر الأصم: معناه: أنه جُمع وسوي بعد أن كان كالعرجون القديم فيذكرهم قوته؛ ليعلما أنه قادر على بعثهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ ﴾ قرئ بنصب الباء ورفعها، وكلا القراءتين في المعنى واحد، وإن كان في الظاهر إحداهما للجمع والأخرى للوحدان، وإحدى القراءتين بحرف الجمع ليذكر بالرفع، فإن قوله: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ منصرف إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ليس في قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ ﴾ إشارة إلى شخص بعينه، ولكن المراد منه الجملة؛ فثبت أن الخطاب منصرف إلى الجملة.
ثم قوله: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ ﴾ قيل: حالا بعد حال.
ثم جائز أن يصرف إلى دار الآخرة، فكأنه قال: لتركبن حال الآخرة بعد حال الدنيا؛ فيكون فيه تصريح القول على إيجاب البعث.
ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا، فينتقل إلى حال المضغة بعد كونه مضغة، وإلى حال العلقة، وإلى حال الطفولة، إلى أن يبلغ أشده، فلا يزال يركب حالة بعد حالة؛ فيكون في تنقله من حال إلى حال إبانة أنه لم يرد من إنشائه أن تتغير عليه الأحوال فقط، بل أريد به العاقبة التي بها صار إنشاء الخلق حكمة لا عبثا؛ فيكون قوله: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ منصرفا إلى كل إنسان في نفسه خاصة، لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ذكرنا.
ومنهم من قال: إنما أراد بهذا الخطاب رسول الله ؛ ذكر عن ابن مسعود وابن عباس - ما - لكن قال ابن مسعود - -: لتركبن يا محمد.
وقال ابن عباس: لتركبن السماء حالا بعد حال.
فإن التأويل على ما ذكره ابن مسعود، ففيه بشارة له بإسلام قومه، وإجابتهم له؛ فيقول: إنهم سيطيعونك ويصيرون لك أنصارا بعد صدهم الناس عن الإيمان وجفوتهم إياك.
ومن قال: لتركبن سما ء بعد سماء، فيقول: ذلك ليلة أسري به.
والتأويل الأول أقرب؛ لأن موقع القسم في قوله: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ ، والإسراء لم يكن يعرفه قومه حتى يكون في ذكره دفع الاشتباه عن أولئك القوم، فأما ظهور الإسلام وعلو النبي على أعدائه فمما يشاهده الناس؛ فيتحقق في الآخرة ما أخبر النبي - - عن الغيب؛ فيكون تأكيدا لرسالته؛ فلذلك قلنا: إن الحمل على المعنى الأول أحق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الأصل أن كل من اعتقد مذهبا فإنما يعتقده لحجة تقررت عنده، أو شبهة اعترضت له، ظنها حجة، فأما أن يعتقده حراما، فليس يفعله، فقال الله في هؤلاء: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: أي حجة لهم تمنعهم عن الإيمان بالله - - وبرسوله، وتدعوهم إلى الشرك والتدين به.
ثم قد ذكرنا أن ما خرج مخرج الاستفهام من الله - - فحقه أن ينظر ما يقتضي ذلك الكلام من الجواب أن لو كان من مستفهم؛ فيحمل الأمر عليه، وحق جواب هذه الكلام أن نقول: لا شيء يمنعه عن ذلك؛ فقوله: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: لا حجة لهم فيما اختاروا من الشرك، وإنما يتدينون به تشهيا وتمنيا؛ فيكون هذا على النفي في أن لا حجة لهم.
أو كأنه يخاطب رسوله - - فيقول: سلهم لماذا لا يؤمنون؟
وإذا سألهم لم يجدوا لأنفسهم حجة في الإعراض عن الإيمان؛ فيرجع الأمر إلى ابتغاء الحجة أيضا.
ثم المعتزلة احتجت علينا بهذه الآية في تثبيتهم القدرة قبل الفعل، وزعمت أنه لو لم يكن أعطي قوة الإيمان، لم يكن يعاتب على تركه؛ لأن لا عذر للعبد أعظم من أن يقول إذا قيل له: لم لا تؤمن؟
فيقول: لأني لم أقدر عليه.
ولأن قوله - -: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ حرف تعجيب، ولو كانت القوة ممنوعة قبل الفعل، لكان له أن يقول: إنما لم نؤمن؛ لأن يمنعت عنه؛ فيترفع عنه التعجيب؛ فدل أنه أعطي القوة؛ فلم يبق له في التخلف عن الإيمان عذر.
والجواب عن الفصل الأول: أن الكافر إنما لحقته كلفة الإيمان؛ لأنه هو الذي ضيع القوة باختياره فعل الكفر، وإنما ترتفع الكفة إذا منعت عنه الطاقة، فأما إذا كان هو الذي ضيعها، فالكلفة عليه قائمة.
والأصل أن القدرة في الصحيح السليم تحديث تباعا على قدر حرصه على العبادة وميله إليها.
ثم العبد متى اشتغل بفعل صار مضيعا لضده من الأفعال، لا أن كان ممنوعا من الفعل الذي هو ضد هذا؛ فلذلك إذا آثر الكفر، وأتى به، فقد صار باختياره الكفر مضيعا لقوة الإيمان، لا أن صار ممنوعا عنها؛ لذلك لحقته كلفة الإيمان.
وأما ما ذكر من أمر التعجيب فقد وصفنا وجه التعجيب في ذلك، وهو أنه لم يلزموا الكفر بحجة دعتهم إلى القول به، والمرء إذا قلد مذهبا - قلده لا عن حجة وبرهان - تعجب الخلق باختيارهم الكفر لا عن حجة.
ثم لو كان الأمر على ما ظنت المعتزلة: أن الله - - قد أعطاهم جميع أسباب الهداية، ولم يُبْقِ في خزانته شيئا منعه عنهم، لكنه التعجب راجعا إليه، لا إلى الذين لم يؤمنوا، فيقول: ما لي لا أصل إلى هدايتهم، ولم يَبْق عندي شيء به هدايتهم إلا وقد أعطيتهم، لا أن يعجب الخلق من صنعهم؛ فليس الذي اختاروه في القول سوى وصفهم رب العالمين بالعجز، والعاجز لا يصلح أن يكون ربّاً، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ ﴾ منهم منصرف التأويل إلى سجود الصلاة، والمراد منه عندنا: سجود التلاوة، وهو سجود الاستسلام والخضوع على الشكر؛ لما أكرم المرء [به] من الإيمان وهدى الله؛ لأن سجود الصلاة يكون عند فعل الصلاة، لا عند ذكر التلاوة.
ثم في الآية وجوب السجدة على السامع؛ لأنهم عوتبوا بتركهم السجود عندما يتلى عليهم، وقرعوا به، والتقريع يجري في ترك اللازم، لا في ترك ما ليس عليه.
ولأن المعنى الذي له وجب السجود على التالي قائم في السامع؛ إذ التالي إنما لزمه السجود؛ لما ذكر من آيات الله - - وقامت عليه من الحجج؛ فلزمه أن ينقاد لها ويخضع، والسامع قد قامت عليه الحجج؛ فيلزمه أن يخضع لها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يكذبون رسوله محمدا عليه الصلاة واالسلام؛ فيحملهم ذلك على التكذيب بالقرآن؛ لأنهم إذا كذبوا رسالته لم يصدقوه فيما يأتي من الأخبار، لا أن يكون في الأخبار معنى يحملهم على التكذيب؛ بل القرآن يحملهم على التصديق والإيمان لو أنعموا النتظر فيه، وبذلوا من أنفسهم الإنصاف.
أو يكون معناه: أن الذين كفروا هم المكذبون؛ فيكون الكفر منهم تكذيبا، والتكذيب منهم كفرا.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: ما يضمرون من الكيد والمكر برسول الله ، فالله أعلم بكيدهم، لا يتهيأ لهم أن ينفذوا كيدهم فيه إلا ما كتب الله عليه؛ فيكون فيه بشارة له بالنصر والتأييد.
والثاني: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ في قلوبهم من التصديق، ويظهرون من التكذيب بألسنتهم، وإنما يوعون من التكذيب بألسنتهم وقلوبهم معا، وذلك أن البعض منهم كان قد أيقن برسالته؛ فكان يصدقه بقلبه، ويكذبه بلسانه على العناد منه والتمرد.
ومنهم من لم يكن عرف صدقه بقلبه؛ لما ترك الإنصاف من نفسه بإعراضه عن النظر في حجج الله - - فكان يكذبه بقلبه ولسانه جميعا.
وقوله - عزو جل -: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ البشارة إذا فسرت، استقام حملها على الحزن والسرور جميعا، وأما البشارة المطلقة إنما تستعمل في موضع إدخال الفرح والسرور في القلب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ﴾ جائز أن يكون هذا منصرفا إلى كل من آمن.
وجائز أن يصرف إلى من آمن من الذين كانوا يوعون ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ نذكره في سورة "وَالِتّينِ وَالزَّيْتُونِ"، إن شاء الله .
والله أعلم بما تحويه صدورهم، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.yMN7J"
انشقاق السماء: مثل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة الانفطار ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ ، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام، واختل نظامها حال ظهوره.
﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا ﴾ أي استمعت لأمر ربها، وفعلت -حين أراد انشقاقها- فعل المطواع الذي إذا أورد عليه الأمر من جهة آمره أنصت له وأذعن، فكأن قال: امتثلت له.
(وحقت) أي حق لها أن تمتثل، أي يجدر بها ذلك، وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع لأنها مخلوقة له وهي في قبضته، وهو الذي يمسكها أن تزول، فإذا أراد تبديد نظامها بدده، وما يكون لها أن تعصى إرادته.
ومتى فسد نظام السماء، فتساقط من كواكبها بعض على بعض، أصاب الأرض من ذلك أشد ما يصيبها من الاضطراب فتدك جبالها، وتنقطع أوصالها، وتفقد التماسك بينها فلا يبقى لها هذا الاندماج الذي هي عليه الآن، فتمد مد الأديم العكاظي كما روي عن ابن عباس ولا تكون إلا كتلة مائرة تتساوى أعاليها وأسافلها، وعظمت بهذا الانتفاش، وزادت أقطار حجمها، فهذا قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ .
ولا ريب أن هذا المد يتبعه أن جميع ما في جوف الأرض ينقذف إلى خارج، وربما قذفته الحركة العنيفة إلى ما يبعد عن سطحها فتخلو الأرض منه حتى لا يبقى له أثر في باطنها، وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ .
وهي في ذلك كله تحت سلطان الجلال الإلهي وقهره، خاضعه لأوامره، منقادة، لمشيئته كما قال: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾ .
ولا يخفى أن الاستماع والطاعة من السماء والأرض تمثيل لكونهما في قبضة القدرة الإلهية تصرفهما في الفناء كما تصرفت فيهما بالابتداء، كما قال: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ ، أي أنه خلقهما على الوجه الذي أراد دون أن يكون منه جهد أو كد، أو يصيبه عناء أو نصب، كما يتوهم ضعفاء العقول إذا سمعوا بأن واحدًا وحده يخلق هذا الخلق العظيم، أو يدمر هذا الكون الجسيم، وكما زعم اليهود أن اللَّه ابتدأ الخلق يوم الأحد، واستراح يوم السب، واستلقى على العرش.
قال اللَّه في آية أخرى لإفادة المعنى على الحقيقة دون تمثيل: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾ وكل قول أو فعل ينسب إلى من لايصدر عنه في المعروف، فنسبته إليه على طريق التمثيل، إلا أن يكون هناك سبب يسوغ النسبة في عرف الخطاب.
جاء في هذه السورة بشرطين: أحدهما يتعلق بالسماء، والآخر يتعلق بالأرض، وفي ضمن كل منهما ما هو من لوازمه، ولم يأت بجواب للشرطين، بل أعقب قوله: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ إلخ، بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ .
وهو من عجائب إيجاز القرآن حيث يظن لزوم الاطناب فيأتي الايجاز بما لا يأتي به الإطناب.
فإن اللَّه تعالى قد بيّن في سور أخر كثيرًا مما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد، وحضور الأعمال، وشهود الجزاء، والوقوع في ورطة الحساب، وما يأتي بعد ذلك من شقاء ونعيم، فذكر اللَّه بداية ذلك اليوم في هذين الشرطين: انشقاق السماء، وتصدع الأرض وانتفاشها وقذفها لما في جوفها - وترك الجواب يذهب فيه السامع ما شاء من المذاهب، حتى يمر بذهنه جميع ما ورد من حوادث ذلك اليوم، وفي هذا من التهويل ما ربما لا يفيده التطويل.
وقد يقال إن الجواب محذوف يدل عليه ما يفهم من قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ ﴾ إلخ، كأنه قال: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ إلخ، ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ إلخ، لاقى الإنسان ربه فوفاه حسابه.
(كادح) من الكدح، وهو العمل والسعي والكسب والخدش.
والكدح عمل الإنسان لنفسه من خير أو شر، ووصل الوصف (بالي) إذ قال ﴿ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ ﴾ ولم يقل (لربك) ليدل على أنه أراد من الكدح معنى فيه سير وانتهاء، كأنه يقول -والله أعلم- يا أيها الإنسان السادر في غلوائه، الصادر في عمله عن أهوائه، الغافل عن مصيره، الجائر عن جادة الحق في مسيره .
.
لا تظن أنك خالد، وأنك مقيم فيما أنت جاهد له، وأنك إن آذيت الخلق، وازدريت الحق، واغتررت بالحول والقوة، وسلمت عنانك للشهوة، ضمنت لنفسك التمتع بما تكسب، والبقاء فيما فيه تتعب وتنصب.
كلا.
إنك مجد في السير إلى ربك وإن كنت لا تشعر بجدك، أو إن شعرت به لهوت عنه، وكل خطوة في عملك فهي في الحقيقة خطوة إلى أجلك، فكل جهد وتعب يحدث في القوي أثر ضعف، ولا يزال الضعف يتبع بعضه بعضًا حتى ينتهي إلى الموت الذي لا محيد عنه، وهناك لقاء اللَّه، فإن الموت يكشف عن الروح غطاء الغفلة، ويجلو لها وجه الحق، فتعرف من اللَّه ما كانت تنكره، فقد لقيته كما يلاقي الغائب من يقدم هو عليه.
وما بعد الموت من رجعة إلا يوم البعث، يوم يقوم الناس للعرض على ملك يوم الدين، كما قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ .
وهناك يرتفع الالتباس، ويعرف كل عامل ما جر إليه عمله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ والذين يؤتون كتبهم بأيمانهم هم الصالحون، أهل البر وفعلة الخير ممن ذكر اللَّه أوصافهم وأعمالهم في الآيات الأخر.
﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ أي يرجع إلى من هم من قبيله من المؤمنين الصادقين العاملين مسرورًا بما لاقاه من سهولة الحساب والنجاة من العقاب، أما الذي يؤتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا، أي يقول: واثبوراه!
أي واهلاكاه!
فهو يتمنى أن يهلك بأن يموت ويفقد الشعور بما يلقاه كقوله يا ليتني كنت ترابًا، ﴿ وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴾ يقاسى حر نار شديدة اللذع والاحراق.
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ ﴾ وقبيله من أمثاله ﴿ مَسْرُورًا ﴾ بما كان فيه من الترف والنعيم ومعاقرة اللذات ومداعبة الشهوات، فاليوم ينعكس عليه حاله، ويسوء مآله، ويجد حزنًا بدل سرور، وألمًا مكان لذة.
والحساب اليسير السهل أن تعرض عليه أعماله فيعرف منها ما يسر نسبته إليه، وما قد يؤاخذ عليه، ثم لا يناقش ولا يعترض بما يسوءه ويشق عليه.
أما الكلام في إيتاء الكتاب باليمين أو وراء الظهر فإليك ما يليق منه بكتاب اللَّه وحكمته الباهرة.
اليمين تذكر في كتاب اللَّه عبارة عن القوة أو اليمن والخير، قال اللَّه تعالى في سورة الصافات: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ .
قال صاحب الكشاف، بعد أن ذكر شرف اليمين وما يناط بها من الأعمال، واستعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل أتاه عن اليمين -أي من قبل الخير وناحيته- فصده عن وأضله .
وقال البيضاوي: عن أقوى الوجوه وأيمنها، أو عن الدين أو الخير.
وجاء في الكشاف أيضًا: وجاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده فلم يصل رحمًا ولم يود زكاة.
وقال في سورة الحاقة: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴾ أي لو أدعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا.
قال البيضاوي: وهو تصدير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه، وقيل اليمين بمعنى القوة.
وقال البيضاوي في تفسير قوله ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴾ .
تقييده باليمين للدلالة على قوته، لأن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل.
فاذا استعملت اليمين لتمثيل القوة قابلتها اليسار أو الشمال في تصوير الضعف، وكذلك يقال في الخير أو الشر وما يقابلهما.
ثم مما لا يحتاج إلى بيان أن اليمين هنا آلة الأخذ لا آلة الإعطاء، لأنها مضافة إلى ضمير العبد، فيكون المعنى: فأما من أوتي كتابه فأخذه أو تناوله بيمينه، فكأنه يقول: فأما من عرض عليه كتابه، وقدم إليه سجل أعماله، فتناوله بيمينه فأمره كيت وكيت.
ومن يتناول شيئًا بيمينه يكون قد توجه إليه بعزمه، واندفع نحوه بقوة نفسه -بخلاف من يتناول ما يعطاه ويأخذ بيساره، فإن مد اليسار إليه دليل كراهته له.
وأظهر في الدلالة على الكراهة النفور مما يعرض عليه أن يستدبره ويعرض عنه فيكون وراء ظهره.
فمعنى آية الحاقة والآية التي نحن بصددها: فأما من عرض عليه كتابه، وقدم إليه ليأخذه، فاندفع إليه بعزيمة نفسه لشعوره بأنه مستودع الصالحات وسجل البر والمكرمات فشأنه كذا، وأما من قدم إليه كتابه، وعرض عليه عمله، فخزيت نفسه، وخارت عزيمته، فمد إليه يساره لعله لا يستطيع ضبطه فيسقط منه فلا يرى ما فيه، أو يعرض عنه فيوليه ظهره لشعوره بأنه ديوان السيئات وسجِّين المخازي، فأمره كيت وكيت.
ويرشد إلى ذلك ما رد من التفصيل في سورة الحاقة فإنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ .
ودعوة الناس إلى القراءة دليل الفرح والنشاط وقوة العزيمة.
﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ ، وهذا قول المخذول الكاره لما عرض عليه.
فإيتاء الكتاب باليمين أو اليسار أو وراء الظهر تمثيل وتصوير لحالة المطلع على أعماله في ذلك اليوم، فمن الناس من إذا كشف له عمله ابتهج واستبشر-وهو التناول باليمين- ومنهم من إذا تكشفت له سوابق أعماله عبس وبسر، وأعرض عنها وأدبر، وتمنى لو لم تكشف له -وهذا هو التناول باليسار أو وراء الظهر-، وبهذا اتفق المعنيان في الآيتين، ولم تبق حاجة إلى الجمع بين الشمال ووراء الظهر باختراع معنى لا يليق بكتاب اللَّه كما جرى عليه كثير من المفسرين.
﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ أي رجح في حكمه أن لن يرجع إلى ربه فيحاسبه على ما يقترف من ذنبه، أو يثيبه على الأفضل من كسبه.
وفي الآية شهادة بأن المسخرين لشهواتهم وأهوائهم في أعمالهم لا يمكن أن يكونوا ظانين، فضلًا من كونهم موقنين بأنهم يرجعون إلى اللَّه ليحاسبهم، بل الراجح عندهم أن لا يحاسبون، أو أن اللَّه مخلف وعده، وهذا هو الذي ينسيهم ذكره عند كل جرم يجرمونه، فهم -وإن كانوا يزعمون الإيمان باللَّه وبوعده ووعيده- يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويبتلون دائمًا بسوء الخاتمة والعياذ باللَّه (بلى) إيجاب لما بعد النفي في لنيحور، أي بلى ليحورن وليرجعن إلى ربه، وليحاسبن على عمله، فيجزى عليه: الخير بالخير، والشر بالشر.
ثم علل ذلك بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ والبصر بالشيء تمام العلم به نشأة وغاية، والذي يخلق الإنسان مستعدًا لما لا يتناهى من الكمال بما وهبه من العقل الذي لا يقف عند حد في العلم، وإرسال أشعة الفهم إلى أسرار الكائنات ودقائق الموجودات، لا ينشئه هذه النشأة الرفيعة لتكون غايته غاية سائر الحيوان، ممن لم يعط استعداده، ولم يمد إمداده، بل تقضي حكمته في هذا الخلق العظيم أن يجعل له حياة بعد هذه الحياة، يستثمر فيها أعماله ويوافي فيها كماله.
ولو أنه أسدى إلى الإنسان من المواهب ما أسدى، ثم تركه بعد ذلك سدى، لم يكن ذلك إلا من عمل الجزاف، الخالي من البصر والحكمة، بل من العدل والانصاف.
وهذا الذي فسرنا به هو الأليق بنسق الكلام، دون الذي سبقنا إليه بعض قصار الأفهام.
ولتأكيد ذلك أقسم اللَّه بآيات له في الكائنات، ظاهرات باهرات، ليدل على عظم شأنه في وضع الكون عليها، وقد تقدم أن ﴿ فَلَا أُقْسِمُ ﴾ عبارة من عبارات القسم.
والشفق النهار في رأي الزجَّاج، وبقية ضوء الشمس والحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة عند غيره، والنهار زمان يسعى فيه الكاسبون لتحصيل أرزاقهم، والأبرار يشغلونه بإصلاح أحوالهم وأحوال غيرهم، وتكميل عقولهم وأخلاقهم.
ففيه الشفق، وهو الخوف من الإخفاق، فيجدر أن يسمى شفقًا، وما يبقى في الأفق من الحمرة وقليل من البياض ينذرك بليل لا تدرى ما يكون فيه، فله من مسمى الشفق -وهو الخوف- نصيب.
و(وسق)، أي ضم وجمع، ولا يخفى عليك أن ما انتشر بالنهار يجتمع بالليل حتى أن جناحيك اللذين تمدها إلى العمل بياض النهار تضمها إلى جنبيك للراحة سواد الليل.
والغادون في النهار يروحون بالليل، والليل يضم الأمهات إلى أفراخها، ويرد السائمات إلى مناخها، وبالجملة كل ما نشره النهار بالحركة يضمه الليل ويجمعه بالسكون.
﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ .
واتساق القمر تمامه واجتماع نوره ليلة أربع عشرة أو ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.
ولا يخفى ما للناس من المنافع في هذه الأمور الثلاثة التي أقسم اللَّه بها، وما فيها من الآيات الناطقة بحكمة واضع نظامها، فهي جديرة أن يقسم اللَّه بها لينبه الغافلين إلى ما أودع فيها.
﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ قرئ بفتح الباء خطاب للإنسان، وبضمها خطاب للناس.
( والطبق) عند ابن الأعرابي الحال على اختلافها.
وقال الزجَّاج في معنى الآية: لتركبن حالًا بعد حال حتى تصيروا إلى اللَّه، والأحوال هي: الإحياء الأول، ثم الإماتة، ثم البعث، وقد قارب الزجَّاج في تفسيره، وأصل المادة طبق فيها المطابقة والمساواة.
والمعنى الذي يعول عليه لتركبن حالة بعد حالة، على أن الحالة الثانية تطابق الحالة الأولى، أي لتكونن في حياة أُخرى تماثل هذه الحياة التي أنتم فيها وتطابقها من حيث الحس والإدراك والألم واللذة على الإطلاق، أي أنها حياة حقيقية وإن خالفت في بعض شؤونها هذه الحياة الأولى.
فإذا كان اللَّه قد خلق الإنسان على أن تكون له حياتان -وقد أقام الدليل على ذلك من طريقة تكوينه، ثم أقسم عليه في صادق كلامه- ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ ﴾ وهو المنبه لسماع حديث الفطرة، الصارف إلى داعي الغريزة ﴿ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ لا يستكينون ولا يخضعون، لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر أغلاق قلوبهم، ولم يبلغ صوته أعماق ضمائرهم، بلى قد بلغ، وأقنع فيما بَلَّغ، ولكن العناد هو الذي يمنعهم عن الإيمان، ويصدهم عن الإذعان فليس منشأ التكذيب قصور الدليل، وإنما هو تقصير المستدل وإعراضه عن هدايته.
فالإضراب في قوله ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴾ يرمي إلى محذوف من القول يدل عليه السابق واللاحق.
﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ أي بما يجمعون في صدورهم من الإعراض والجحود والحسد والبغي.
﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ جزاء لهم على إعراضهم عن الأدلة القائمة لهم من أنفسهم ومن بين أيديهم، وإصرارهم على سيء العمل وفاسد الاعتقاد، أما الذين أصلحوا اعتقادهم بالإيمان الصادق القائم على الدليل الصحيح المستمد من الوجدان الفطري، واستقاموا في عملهم على النهج الواضح في العمل الصالح، فلهم أجر لا ينقطع، فالاستثناء في ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ منقطع، كأنه قال لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر إلخ.
ولهذا جاء قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ ﴾ بغير فاء، و ﴿ غَيْر مَمْنُونٍ ﴾ أي غير مقطوع.
واللَّه أعلم.