الإسلام > القرآن > سور > سورة 85 البروج > الآية ١٠ من سورة البروج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة البروج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ) أي حرقوا قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبزى ( ثم لم يتوبوا ) أي لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا ( فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) وذلك أن الجزاء من جنس العمل قال الحسن البصري انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة
وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) يقول: إن الذين ابْتَلَوُا المؤمنين والمؤمنات بالله بتعذيبهم، وإحراقهم بالنار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) حرّقوا المؤمنين والمؤمنات.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا ) قَالَ: عَذَّبُوا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) قال: حرّقوهم بالنار.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) يقول: حرّقوهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) حرّقوهم.
وقوله: ( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ) يقول: ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم الذي فعلوا بالمؤمنين والمؤمنات من أجل إيمانهم بالله ( فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ) في الآخرة ( وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) في الدنيا.
كما حُدثت عن عمار، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع ( فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ) في الآخرة ( وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) في الدنيا.
قوله تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أي حرقوهم بالنار .
والعرب تقول : فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته .
ودينار مفتون .
ويسمى الصائغ الفتان ، وكذلك الشيطان ، وورق فتين ، أي فضة محترقة .
ويقال للحرة فتين ، أي كأنها أحرقت حجارتها بالنار ، وذلك لسوادها .ثم لم يتوبوا أي من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد الغلام .فلهم عذاب جهنم لكفرهم .
ولهم عذاب الحريق في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار .
وقد تقدم عن ابن عباس .
وقيل : ولهم عذاب الحريق أي ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين .
وقيل : لهم عذاب ، وعذاب جهنم الحريق .
والحريق : اسم من أسماء جهنم ; كالسعير .
والنار دركات وأنواع ولها أسماء .
وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم ، ثم يعذبون بعذاب الحريق .
فالأول عذاب ببردها ، والثاني عذاب بحرها .
ثم وعدهم، وأوعدهم، وعرض عليهم التوبة، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } أي: العذاب الشديد المحرق.قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولياءه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة.
( إن الذين فتنوا ) عذبوا وأحرقوا ( المؤمنين والمؤمنات ) يقال : فتنت الشيء إذا أحرقته ، نظيره " يوم هم على النار يفتنون " ( الذاريات - 13 ( ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ) بكفرهم ( ولهم عذاب الحريق ) بما أحرقوا المؤمنين .
وقيل : ولهم عذاب الحريق [ في الدنيا ، وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي ] أحرقوا بها المؤمنين ، ارتفعت إليهم من الأخدود ، قاله الربيع بن أنس والكلبي .
«إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات» بالإحراق «ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم» بكفرهم «ولهم عذاب الحريق» أي عذاب إحراقهم المؤمنين في الآخرة، وقيل في الدنيا بأن أخرجت النار فأحرقتهم كما تقدم.
إن الذين حرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار؛ ليصرفوهم عن دين الله، ثم لم يتوبوا، فلهم في الآخرة عذاب جهنم، ولهم العذاب الشديد المحرق.
ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير ، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق ) .وقوله : ( فتنوا ) من الفتن ، بمعنى الاختبار والامتحان .
تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته ، والمراد به هنا : والتحريق بالنار .أى : إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم ، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات ، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم ، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق .والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات : كفار قريش ، كأبى جهل وأمية ابن خلف .
وغيرهما ، فقد عذبوا بلالا ، وعمار بن ياسر ، وأباه وأمه سمية .ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش ، قوله - تعالى - : ( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ ) لأن هذه الجملة تحريض على التوبة ، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم .ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، ويدخل فيه أصحاب الأخدود ، وكفار قريش دخولا أوليا .وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم ، وبين عذاب الحريق ، لبيان أن العذاب لهم مضاعف ، بسبب طغيانهم وشركهم .
اعلم أنه سبحانه لما ذكر قصة أصحاب الأخدود، أتبعها بما يتفرع عليها من أحكام الثواب والعقاب فقال: ﴿ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: يحتمل أن يكون المراد منه أصحاب الأخدود فقط، ويحتمل أن يكون المراد كل من فعل ذلك وهذا أولى لأن اللفظ عام والحكم عام فالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل.
المسألة الثانية: أصل الفتنة الابتلاء والامتحان، وذلك لأن أولئك الكفار امتحنوا أولئك المؤمنين وعرضوهم على النار وأحرقوهم، وقال بعض المفسرين الفتنة هي الإحراق بالنار وقال ابن عباس ومقاتل: ﴿ فَتَنُواْ المؤمنين ﴾ حرقوهم بالنار، قال الزجاج: يقال فتنت الشيء أحرقته والفتن أحجار سود كأنها محترقة، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ ﴾ يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا عن هذا الوعيد وذلك يدل على القطع بأن الله تعالى يقبل التوبة، ويدل على أن توبة القاتل عمداً مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس.
المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق ﴾ قولان: الأول: أن كلا العذابين يحصلان في الآخرة، إلا أن عذاب جهنم وهو العذاب الحاصل بسبب كفرهم، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب أنهم أحرقوا المؤمنين، فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد والثاني عذاب إحراق وأن يكون الأول عذاب إحراق والزائد على الإحراق أيضاً إحراق، إلا أن العذاب الأول كأنه خرج عن أن يسمى إحراقاً بالنسبة إلى الثاني، لأن الثاني قد اجتمع فيه نوعا الإحراق فتكامل جداً فكان الأول ضعيفاً، فلا جرم لم يسم إحراقاً.
القول الثاني: أن قوله: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ إشارة إلى عذاب الآخرة: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق ﴾ إشارة إلى ما ذكرنا أن أولئك الكفار ارتفعت عليهم نار الأخدود فاحترقوا بها.
<div class="verse-tafsir"
ويجوز أن يريد بالذين فتنوا: أصحاب الأخدود خاصة، وبالذين آمنوا: المطروحين في الأخدود.
ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم ﴿ فَلَهُمْ ﴾ في الآخرة ﴿ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ بكفرهم ﴿ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق ﴾ وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق بإحراقهم المؤمنين.
أو لهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا، لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.
ويجوز أن يريد: الذين فتنوا المؤمنين، أي: بلوهم بالأذى على العموم؛ والمؤمنين: المفتونين؛ وأن للفاتنين عذابين في الآخرة: لكفرهم، ولفتنتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ بَلَوْهم بِالأذى.
﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ بِكُفْرِهِمْ.
﴿ وَلَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ العَذابُ الزّائِدُ في الإحْراقِ بِفِتْنَتِهِمْ.
بَلِ المُرادُ بِ ﴿ الَّذِينَ فَتَنُوا ﴾ أصْحابُ الأُخْدُودِ وبِ ﴿ عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ ما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم.
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ ﴾ إذِ الدُّنْيا وما فِيها تَصْغُرُ دُونَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات} يجوز أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة وبالذين آمنوا المطروحين في الأخدود ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} لم يرجعوا عن كفرهم {فَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابُ جَهَنَّمَ} بكفرهم {وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق} في الدنيا لما رُوي أن النار
انقلبت عليهم فأحرقتهم ويجوز أن يريد الذين فتنوا المؤمنين أي بلوهم بالأذى على العموم والمؤمنين المفتونين وأن للفاتنين عذابين فى الآخرة لكفرهم ولفتنتهم
﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيْ: مَحَنُوهم في دِينِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْهُ، والمُرادُ بِالَّذِينِ فَتَنُوا وبِالمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ المَفْتُونِينَ، أمّا أصْحابُ الأُخْدُودِ والمَطْرُوحُونَ فِيهِ خاصَّةً وأمّا الأعَمُّ، ويَدْخُلُ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو الأظْهَرُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقَوِّي أنَّ الآيَةَ فِي قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ فِيهِمْ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عُلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِها مَن تابَ وآمَنَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يُعَكِّرُ عَلى أظَهْرِيَّةِ العُمُومِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا مِن فِتَنِهِمْ ﴿ فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ فَتْنِهِمْ ذَلِكَ.
﴿ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ وهو نارٌ أُخْرى زائِدَةُ الإحْراقِ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ فَعِيلٍ لِعَدَمِ تَوْبَتِهِمْ ومُبالاتِهِمْ بِما صَدَرَ مِنهم.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أيْ: ﴿ فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ فَإنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ مِن غَيْرِ الكافِرِ ﴿ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ بِسَبَبِ فَتْنِهِمُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وفي جَعْلِ ذَلِكَ جَزاءَ الفِتَنِ مِنَ الحُسْنِ ما لا يَخْفى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ عُنْوانَ الكُفْرِ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في جانِبِ الصِّلَةِ، وإنَّما المُصَرَّحُ بِهِ الفِتَنُ وعَدَمُ التَّوْبَةِ، فالأظْهَرُ اعْتِبارُهُما سَبَبَيْنِ في جانِبِ الخَبَرِ عَلى التَّرْتِيبِ، وقِيلَ: أيْ: فَلَهم جَهَنَّمُ في الآخِرَةِ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ ومَن سَمِعْتَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم وقَدْ عَلِمْتَ حالَهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ يَأْبى عَنْهُ لِأنَّ أُولَئِكَ المُحْرِقِينَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ وفِيهِ نَظَرٌ، وعَلَيْهِ إنَّما أخَّرَ ﴿ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ أوْ لِلتَّتْمِيمِ والتَّرْدِيفِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ وهو العُقُوبَةُ العُظْمى كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذا أيْضًا لا يَتَجاوَزُونَهُ.
وفي الكَشْفِ: الوَجْهُ أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ وعَذابَ الحَرِيقِ واحِدٌ، وصْفٌ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلْمَبْعُودِينَ جِدًّا عَنْ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى أنَّهُ عَذابٌ هو مَحْضُ الحَرِيقِ وهو الحَرْقُ البالِغُ وكَفى بِهِ عَذابًا.
والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ الحَرِيقَ مَصْدَرًا، والإضافَةَ بَيانِيَّةً ولا بَأْسَ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الوَحْدَةَ الَّتِي ادَّعاها خِلافُ ظاهِرِ العَطْفِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ جُعِلَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ لَأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ بِالزَّمْهَرِيرِ والإحْراقِ وغَيْرِهِما كانَ أقْرَبَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أبْعَدُ عَنِ القالِ والقِيلِ.
وجُمْلَةُ ﴿ فَلَهم عَذابُ ﴾ إلَخْ وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، أوِ الخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ، و«عَذابُ» مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو الأحْسَنُ والفاءُ لِما في المُبْتَدَأِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ ولا يَضُرُّ نَسْخُهُ بِأنَّ، وإنْ زَعَمَهُ الأخْفَشُ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى بَعْضِ أوْجُهِها عَلى أنَّ عَذابَ الكُفّارِ يُضاعَفُ بِما قارَنَهُ مِنَ المَعاصِي.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِذْ هُمْ عَلَيْها يعني: القوم عند النار حضور.
قال سفيان: إذ هم عليها على السرر قُعُودٌ عند النار وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يعني: أن خدامهم وأعوانهم، يفعلون بالمؤمنين ذلك، وهم هناك شهود.
يعني: حضوراً.
ويقال: يفعلون بالمؤمنين ذلك، وهم شهود.
يعني: يشهدون بأن المؤمنين في ضلال، تركوا عبادة آلهتهم.
ويقال: على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، يشهدون على أنفسهم يوم القيامة.
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ يعني: وما طعنوا فيهم.
إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يعني: سوى أنهم صدقوا بتوحيد الله تعالى الْعَزِيزِ في ملكه الْحَمِيدِ في فعاله.
ويقال وما نقموا منهم يعني: وما أنكروا عليهم، إلا أن يؤمنوا بالله يعني: إلا إيمانهم بالله الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ثم بيّن ما أعد الله لأولئك الكفار.
فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا يعني: عذبوا وأحرقوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: في الدنيا ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا يعني: لم يرجعوا عن دينهم، ولم يتوبوا إلى الله تعالى فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخرة وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ يعني: العذاب الشديد.
وقال الزجاج: المعنى والله أعلم، لهم عذاب بكفرهم، ولهم عذاب بما حرقوا المؤمنين.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ جزاءً لهم.
<div class="verse-tafsir"
هو الجوابُ فهو خَبَرٌ انتهى، وصَاحِبُ الأخدودِ: مذكورٌ في السِّيَرِ وغيرِها وحديثُه في مُسْلِمٍ مُطَوَّلٌ وهو مَلكٌ دَعَا المؤمنينَ باللَّهِ إلى الرجوعِ عن دينِهم إلى دينهِ، وخَدَّ لَهُمْ في الأرْضِ أخَادِيدَ طويلةً وأضْرَمَ لهم ناراً وجَعَلَ يَطْرَحُ فيها من لم يرجعْ عن دينه حتى جاءت امرأة معها صبيٌّ فَتَقَاعَسَتْ فقال لها الطفل: يا أُمَّهْ اصْبِرِي فِإنَّكِ عَلى الحق، فاقْتَحَمَتِ النارَ.
وقوله: النَّارِ بدلٌ من الأخدودِ وهو بدلُ اشتمالٍ، قال ع «١» : وقال الربيع بن أنس وأبو إسحاق وأبو العالية: بعثَ اللَّهُ على أولئك المؤمنين ريحا فقبضت أرواحهم أبو نحوَ هذا، وخَرَجَتِ النارُ فأحْرَقَتِ الكافرينَ الذينَ كانُوا على حَافَّتَيِ الأخْدُودِ وعلى هذا يجيءُ قُتِلَ خبرا لا دعاء «٢» .
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ...
الآية، فَتَنُوهُمْ، أي:
أحرقوهم، ت: قال الهروي: قولُه تعالى: فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ أي: لهم/ عذابٌ لكفرِهم وعذابٌ بِإحْرَاقِهم المؤمنينَ، انتهى، قال ع «٣» :
ومَنْ قَال: إنَّ هذه الآياتِ الأواخِرَ في قريشٍ جَعلَ الفِتنةَ الامتحانَ والتعذيبَ، ويقوِّي هذا التأويلَ بعضَ التقويةِ قولُه تعالى: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، لأنَّ هذا اللفظُ في قريشٍ أشْبَهُ منه في أولئك، والبطش: الأخذ بقوة.
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)
وقوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ قال الضحاك وابن زيد: معناه: يُبْدِىءُ الخلقَ بالإنْشَاءِ، ويُعيدُهم بالحَشْرِ «٤» ، وقال ابن عباس ما معناه: إنَّ ذلكَ عامُّ في جميع الأشياء،
فهي عبارةٌ على أنَّه يفعلُ كلَّ شيءٍ، أي: يُبْدِىءُ كل ما يُبْدَأُ ويُعِيدُ كلَّ مَا يُعَادُ، وهذانِ قسمانِ يستوفيانِ جميعَ الأشياءِ «١» ، والْجُنُودِ الجموع، وفِرْعَوْنَ وَثَمُودَ في موضعِ خفضٍ على البدلِ من الجنودِ، ثم تركَ القولَ بحالِهِ، وأضْرَبَ عنه إلى الإخبارِ بأن هؤلاء الكفارَ بمحمدٍ وشرعِه لا حجةَ لهم ولا برهانَ بلْ هُو تكذيبٌ مُجرَّدٌ سببُه الحسَدُ، ثم تَوَعَّدَهم سبحانَه بقوله: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ أي: عذابُ اللَّهِ ونقمتُه مِن ورائهم، أي: يأتي بَعْدَ كفرِهم وعِصْيانهم، وقَرأ الجمهورُ: «في لوح محفوظٍ» بالخفضِ صفةً ل «لوح» وقرأ نافعٌ «٢» : «محفوظٌ» بالرفعِ، أي: محفوظ في القلوبِ لاَ يدركُه الخطأ والتبديل.
سُورَةُ البُرُوجِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا البُرُوجَ في [الحِجْرِ: ١٦] ﴿ واليَوْمِ المَوْعُودِ ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ بِإجْماعِهِمْ ﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قَوْلًا.
أحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وبِهِ قالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
فَعَلى هَذا سُمِّيَ يَوْمُ الجُمُعَةِ شاهِدًا، لِأنَّهُ يَشْهَدُ عَلى كُلِّ عامِلٍ بِما فِيهِ، وسُمِّي يَوْمُ عَرَفَةَ مَشْهُودًا، لِأنَّ النّاسَ يَشْهَدُونَ فِيهِ مَوْسِمَ الحَجِّ، وتَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ.
والثّانِي: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّ الشّاهِدَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ.
والسّادِسُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ القِيامَةِ، والمَشْهُودَ: النّاسُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والسّابِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّامِنُ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والتّاسِعُ: أنَّ الشّاهِدَ: هو اللَّهُ، والمَشْهُودَ: بَنُو آدَمَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والعاشِرُ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والحادِي عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّانِي عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: ابْنُ آدَمَ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، والمَشْهُودَ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ.
والرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: الإنْسانُ، والمَشْهُودَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والخامِسَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: يَوْمُ النَّحْرِ، والمَشْهُودَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
والسّادِسَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: أُمَّتُهُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ .
والسّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: مُحَمَّدٌ ، والمَشْهُودَ: أمَّتُهُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، وبَيانُهُ ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ .
الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، والمَشْهُودَ: سائِرُ النّاسِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، ودَلِيلُهُ ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ .
والتّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَفَظَةُ، والمَشْهُودَ: بَنُو آدَمَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ، وحُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوُهُ.
والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَقُّ، والمَشْهُودَ: الكَوْنُ، قالَهُ الجُنَيْدُ.
والحادِي والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ، والمَشْهُودَ: الحاجُّ.
والثّانِي والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَشْهُودَ: مُحَمَّدٌ ، وبَيانُهُ ﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
.
.
﴾ الآيَةُ [آلُ عِمْرانَ: ٨١] .
والثّالِثُ والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَلائِكَةُ، وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبَيانُهُ ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ ، حَكى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الثَّعْلَبِيُّ.
والرّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ الشّاهِدَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَشْهُودَ: الأُمَمُ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَفِي جَوابِ القَسَمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ ، كَما أنَّ القَسَمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ أيْ: لُعِنُوا.
والأُخْدُودُ: شَقٌّ يُشَقُّ في الأرْضِ، والجَمْعُ: أخادِيدُ.
وهَؤُلاءِ قَوْمٌ حَفَرُوا حَفائِرَ في الأرْضِ وأوْقَدُوا فِيها النّارَ، وألْقَوْا فِيها مَن لَمْ يَكْفُرْ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِمْ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ كانَ لَهُ ساحِرٌ فَبَعَثَ إلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ، وكانَ الغُلامُ يَمُرُّ عَلى راهِبٍ، فَأعْجَبَهُ أمْرُهُ، فَتَبِعَهُ، فَعَلِمَ بِهِ المَلِكُ، فَأمَرَهُ أنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فاجْتَهَدَ المَلِكُ في إهْلاكِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ، فَقالَ الغُلامُ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ بِهِ.
اجْمَعِ النّاسَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، واصْلُبْنِي عَلى جِذْعٍ، وارْمِنِي بِسَهْمٍ مِن كِنانَتِي، وقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، فَفَعَلَ، فَماتَ الغُلامُ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَخَدَّ الأخادِيدَ، وأضْرَمَ فِيها النّارَ، وقالَ: مَن لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأقْحِمُوهُ فِيها، فَفَعَلُوا، وهَذا مُخْتَصَرُ الحَدِيثِ، وفِيهِ طُولٌ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ في " المُغْنِي " و " الحَدائِقِ " بِطُولِهِ مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: أنَّ مَلِكًا مِنَ المُلُوكِ سَكِرَ، فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ، فَلَمّا أفاقَ قالَ لَها: وَيْحَكِ: كَيْفَ المَخْرَجُ؟
فَقالَتْ لَهُ: اجْمَعْ أهْلَ مَمْلَكَتِكَ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ، فَإذا ذَهَبَ هَذا في النّاسِ وتَناسَوْهُ، خَطَبْتَهم فَحَرَّمْتَهُ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهُ، فَبَسَطَ فِيهِمُ السَّوْطَ، ثُمَّ جَرَّدَ السَّيْفَ، فَأبَوْا، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وأوْقَدَ فِيهِ النّارَ، وقَذَفَ مَن أبى قَبُولَ ذَلِكَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم ناسٌ اقْتَتَلَ مُؤْمِنُوهم وكُفّارُهُمْ، فَظَهَرَ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ تَعاهَدُوا أنْ لا يَغْدِرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَغَدَرَ كُفّارُهُمْ، فَأخَذُوهُمْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أوْقِدُوا نارًا، واعْرِضُوا عَلَيْها، فَمَن تابَعَكم عَلى دِينِكُمْ، فَذاكَ الَّذِي تُحِبُّونَ، ومَن لَمْ يَتْبَعْكم أُقْحِمَ النّارَ فاسْتَرَحْتُمْ مِنهُ، فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ يَقْتَحِمُونَها، ذَكَرَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُؤْمِنِينَ اعْتَزَلُوا النّاسَ في الفَتْرَةِ، فَأُرْسِلَ إلَيْهِمْ جَبّارٌ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في دِينِهِ فَأبَوْا، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وألْقاهم فِيهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والخامِسُ: أنَّ جَماعَةً آمَنُوا مِن قَوْمِ يُوسُفَ بْنِ ذِي نُواسٍ بَعْدَما رُفِعَ عِيسى، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا، وأوْقَدَ فِيهِ النّارَ، فَأحْرَقَهم كُلَّهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ وهُمْ: يُوسُفُ بْنُ ذِي نُواسٍ وأصْحابُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا، ومَعَهم قَوْمٌ يَكْتُمُونَ إيمانَهُمْ، فَعَلِمُوا بِهِمْ، فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، وقَذَفُوهم فِيهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُحْرِقُوا عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
والثّانِي: مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مِن أهْلِ اليَمَنِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا مِن نَصارى اليَمَنِ، وذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً.
والرّابِعُ: مِن أهْلِ نَجْرانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: مِنَ النَّبَطِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفِي عَدَدِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ وهْبٌ.
والثّانِي: سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: ثَمانُونَ رَجُلًا، وتِسْعَةُ نِسْوَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النّارِ ذاتِ الوَقُودِ ﴾ هَذا بَدَلٌ مِنَ " الأُخْدُودِ " كَأنَّهُ قالَ: قُتِلَ أصْحابُ النّارِ.
و " الوَقُودُ " مُفَسَّرٌ في [البَقَرَةِ: ٢٤] .
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الوُقُودِ " بِضَمِّ الواوِ ﴿ إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ ﴾ أيْ: عِنْدَ النّارِ.
وكانَ المَلِكُ وأصْحابُهُ جُلُوسًا عَلى الكَراسِيِّ عِنْدَ الأُخْدُودِ يَعْرِضُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفْرِ، فَمَن أبى ألْقَوْهُ ﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ أيْ: حُضُورٌ، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآياتِ بِقِصَّةِ قَوْمٍ بَلَغَ مِن إيمانِهِمْ ويَقِينِهِمْ أنْ صَبَرُوا عَلى التَّحْرِيقِ بِالنّارِ، ولَمْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا مِنهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " نَقِمُوا " بِكَسْرِ القافِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ إيمانُهم.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " نَقَمُوا " في [المائِدَةِ: ٥٩] و [بَراءَةٍ: ٧٤] وشَرَحْنا مَعْنى ﴿ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ في [البَقَرَةِ: ١٢٩، ٢٦٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أيْ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ ما صَنَعُوا، فَهو شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيْ: أحْرَقُوهُمْ، وعَذَّبُوهم.
كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ مِن شِرْكِهِمْ وفِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿ فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ بِكَفْرِهِمْ ﴿ وَلَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ بِما أحْرَقُوا المُؤْمِنِينَ، وكِلا العَذابَيْنِ في جَهَنَّمَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.
وذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ في جَماعَةٍ إلى أنَّ النّارَ ارْتَفَعَتْ إلى المَلِكِ وأصْحابِهِ فَأحْرَقَتْهُمْ، فَذَلِكَ عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا.
قالَ الرَّبِيعُ: وقَبَضَ اللَّهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُمُ النّارُ.
وحَكى الفَرّاءُ أنَّ المُؤْمِنِينَ نَجَوْا مِنَ النّارِ، وأنَّها ارْتَفَعَتْ فَأحْرَقَتِ الكَفَرَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ ﴾ لِأنَّهم فازُوا بِالجَنَّةِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: فازُوا مِن عَذابِ الكُفّارِ، وعَذابِ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أخْذَهُ بِالعَذابِ إذا أخَذَ الظَّلَمَةَ والجَبابِرَةَ لَشَدِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يُبْدِئُ الخَلْقَ ويُعِيدُهُمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: يُبْدِئُ العَذابَ في الدُّنْيا عَلى الكُفّارِ ثُمَّ يُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ شَرَحْنا في [هُودٍ: ٩٠] مَعْنى " الوَدُودِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ " المَجِيدِ " بِالخَفْضِ، وقَرَأ غَيْرُهم بِالرَّفْعِ، فَمَن رَفَعَ " المَجِيدُ " جَعَلَهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَن كَسَرَ جَعَلَهُ مِن صِفَةِ العَرْشِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ حَدِيثُ ﴿ الجُنُودِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَن هُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ فِي تَكْذِيبٍ ﴾ لَكَ والقُرْآنِ، أيْ: لَمْ يَعْتَبِرُوا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ أيْ: كَرِيمٌ، لِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، ولَيْسَ كَما يَقُولُونَ بِشِعْرٍ، ولا كِهانَةٍ، ولا سِحْرٍ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ﴿ بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وبِخَفْضِ " مَجِيدِ " ﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، مِنهُ نُسِخَ القُرْآنُ وسائِرُ الكُتُبِ، فَهو مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ، مَحْرُوسٌ بِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، ومِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ.
وقَرَأ نافِعٌ " مَحْفُوظٌ " رَفَعًا عَلى نَعْتِ القُرْآنِ.
فالمَعْنى: أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ ﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ ﴾ ﴿ وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ﴾ ﴿ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ ﴾ ﴿ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ "فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها.
ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا.
و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إن كان هذا جواباً للقسم على قول بعض المفسرين كما تقدم كان ما بين القسم وما بين هذا كلاماً معترضاً يقصد منه التوطئة لوعيدهم بالعذاب والهلاك بذكر ما توعّد به نظيرهم، وإن كان الجواب في قوله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ [البروج: 4] كان قوله: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين ﴾ بمنزلة الفذلكة لما أقسم عليه إذ المقصود بالقسم وما أقسمَ عليه هو تهديد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات من مشركي قريش.
وتأكيد الخبر ب ﴿ إنَّ ﴾ للرد على المشركين الذين ينكرون أن تكون عليهم تبعةً من فتن المؤمنين.
والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: هم مشركو قريش وليس المراد أصحاب الأخدود لأنه لا يلاقي قوله: ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ إذ هو تعريض بالترغيب في التوبة، ولا يلاقي دخول الفاء في خبر ﴿ إنَّ ﴾ من قوله: ﴿ فلهم عذاب جهنم ﴾ كما سيأتي.
وقد عُدّ من الذين فتنوا المؤمنين أبو جهل رأسُ الفتنة ومِسْعَرها، وأميةُ بن خلف وصفوانُ بن أمية، والأسودُ بن عبد يغوث، والوليدُ بن المغيرة، وأمُّ أنْمار، ورجل من بني تَيْم.
والمفتونون: عد منهم بلالُ بن رباح كان عبداً لأمية بن خلف فكان يعذبه، وأبو فُكيهة كان عبداً لصفوان بن أمية، وخَبَّابُ بن الأرتِّ كان عبداً لأمّ أنمار، وعَمّار بن ياسر، وأبوه ياسِر، وأخوه عبد الله كانوا عبيداً لأبي حذيفة بن المغيرة فوكَل بهم أبا جهل، وعامرُ بن فُهيرة كان عبداً لرجل من بني تَيْم.
والمؤمنات المفتونات منهنّ: حَمَامَةُ أمُّ بلال أمَةُ أمية بن خلف.
وزِنِّيرَة، وأمُّ عنَيْس كانت أمة للأسود بن عبد يغوث والنهدية.
وابنتها كانتا للوليد بن المغيرة، ولطيفةُ، ولبينةُ بنت فهيرة كانت لعُمر بن الخطاب قبل أن يسلم كان عمر يَضربها، وسُمية أمُّ عمار بن ياسر كانت لعمّ أبي جهل.
وفُتِن ورجَع إلى الشرك الحارثُ بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعليُّ بن أمية بن خلف، والعاصي بن المنبه بن الحجاج.
وعَطفُ ﴿ المؤمنات ﴾ للتنويه بشأنهن لئلا يظنّ أن هذه المزية خاصة بالرجال، ولزيادة تفظيع فعل الفاتنين بأنهم اعتدَوا على النساء والشأن أن لا يتعرض لهن بالغلظة.
وجملة: ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ معترضة.
و ﴿ ثُمّ ﴾ فيها للتراخي الرتبي لأن الاستمرار على الكفر أعظم من فتنة المؤمنين.
وفيه تعريض للمشركين بأنهم إن تابوا وآمنوا سلِمُوا من عذاب جهنم.
والفَتْن: المعاملة بالشدة والإِيقاع في العناء الذي لا يجد منه مخلصاً إلا بعناء أو ضرّ أخف أو حيلة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ في سورة البقرة (191).
ودخول الفاء في خبر (إنّ) من قوله: فلهم عذاب جهنم } لأنّ اسم (إن) وقعَ مَوصولاً والموصول يضمَّن معنى الشرط في الاستعمال كثيراً: فتقدير: إن الذين فتنوا المؤمنين ثم إنْ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم، لأن عطف قوله: ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ مقصود به معنى التقييد فهو كالشرط.
وجملة: ﴿ ولهم عذاب الحريق ﴾ عطف في معنى التوكيد اللفظي لجملة: ﴿ لهم عذاب جهنم ﴾ .
واقترانُها بواو العطف للمبالغة في التأكيد بإيهام أن من يريد زيادة تهديدهم بوعيد آخر فلا يُوجد أعظم من الوعيد الأول.
مع ما بين عذاب جهنم وعذاب الحريق من اختلاف في المدلول وإن كان مآل المدلولين واحداً.
وهذا ضرب من المغايرة يحسن عطف التأكيد.
على أن الزج بهم في عذاب جهنم قبل أن يذوقوا حريقها لما فيه من الخزي والدفع بهم في طريقهم قال تعالى: ﴿ يوم يدعون إلى نار جهنم دعّاً ﴾ [الطور: 13] فحصل بذلك اختلاف ما بين الجملتين.
ويجوز أن يراد بالثاني مضاعفة العذاب لهم كقوله تعالى: ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللَّه زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ [النحل: 88].
ويجوز أن يراد بعذاب الحريق حريق بغير جهنم وهو ما يضرم عليهم من نار تعذيب قبل يوم الحساب كما جاء في الحديث: " القبر حفرة من حفر جهنم أو روضة من رياض الجنة " رواه البيهقي في «سننه» عن ابن عمر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ البُرُوجِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ ﴾ هَذا قَسَمٌ، وفي البُرُوجِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ذاتُ النُّجُومِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: ذاتُ القُصُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: ذاتُ الخُلُقِ الحَسَنِ، قالَهُ المُنْهالُ بْنُ عَمْرٍو.
الرّابِعُ: ذاتُ المَنازِلِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ وهي اثْنا عَشَرَ بُرْجًا رَصَدَتْها العَرَبُ والعَجَمُ، وهي مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
﴿ واليَوْمِ المَوْعُودِ ﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهم وُعِدُوا فِيهِ بِالجَزاءِ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿ وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، رَوى ذَلِكَ أبُو عَرَفَةَ، رَوى ذَلِكَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: أنَّ الشّاهِدَ يَوْمُ النَّحْرِ، والمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّالِثُ: أنَّ الشّاهِدَ المَلائِكَةُ، والمَشْهُودَ الإنْسانُ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: أنَّ الشّاهِدَ الجَوارِحُ، والمَشْهُودَ النَّفْسُ، وهو مُحْتَمَلٌ.
الخامِسُ: أنَّ المَشْهُودَ يَوْمُ القِيامَةِ.
وَفي الشّاهِدِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو اللَّهُ تَعالى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الرّابِعُ: هو مُحَمَّدٌ ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ الزُّبَيْرِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ الخامِسُ: هو الإنْسانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ، وقالَ غَيْرُهُ: الجَوابُ ﴿ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ والأُخْدُودُ: الشَّقُّ العَظِيمُ في الأرْضِ، وجَمْعُهُ أخادِيدُ، ومِنهُ الخَدُّ لِمَجارِي الدُّمُوعِ فِيهِ، والمِخَدَّةِ لِأنَّ الخَدَّ يُوضَعُ عَلَيْها، وهي حَفائِرُ شُقَّتْ في الأرْضِ وأُوقِدَتْ نارًا وأُلْقِيَ فِيها مُؤْمِنُونَ امْتَنَعُوا مِنَ الكُفْرِ.
واخْتُلِفَ فِيهِمْ، فَقالَ عَلِيٌّ: إنَّهم مِنَ الحَبَشَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا مِن أهْلِ نَجْرانَ، وقالَ عِكْرِمَةُ كانُوا نَبَطًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: هم دانْيالُ وأصْحابُهُ، وقالَ الحَسَنُ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ زَمانَ قُسْطَنْطِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا بِاليَمَنِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً، أخَذَهم يُوسُفُ بْنُ شَراحِيلَ بْنِ تُبَّعٍ الحَمِيرِيُّ وكانُوا نَيِّفًا وثَمانِينَ رَجُلًا، وحَفَرَ لَهم أُخْدُودًا أحْرَقَهم فِيهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: الأُخْدُودُ ثَلاثَةٌ: واحِدٌ بِالشّامِ وواحِدٌ بِالعِراقِ، وواحِدٌ بِاليَمَنِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أُهْلِكَ المُؤْمِنُونَ.
الثّانِي: لُعِنَ الكافِرُونَ الفاعِلُونَ، وقِيلَ إنَّ النّارَ صَعِدَتْ إلَيْهِمْ وهم شُهُودٌ عَلَيْها فَأحْرَقَتْهم، فَلِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.
﴿ وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هم عَلى عَذابِ المُؤْمِنِينَ فِيها شُهُودٌ، وهو ظاهِرٌ مِن قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّانِي: أنَّهم شُهُودٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالضَّلالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: البروج قصور في السماء.
وأخرج ابن المنذر عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقولون في قوله: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ ذات القصور.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ ذات البروج ﴾ قال: النجوم العظام.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ فقال: الكواكب، وسئل عن ﴿ الذي جعل في السماء بروجاً ﴾ فقال: الكواكب.
قيل: فبروج مشيدة فقال: قصور» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ قال: بروجها نجومها ﴿ واليوم الموعود ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: يومان عظيمان عظمهما الله من أيام الدنيا كنا نحدث أن الشاهد يوم القيامة والمشهود يوم عرفة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ قال: حبكت بالخلق الحسن، ثم حبكت بالنجوم ﴿ واليوم الموعود ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ قال: ذات النجوم ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قول الله: ﴿ واليوم الموعود وشاهد ومشهود ﴾ قال: اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو الحج الأكبر، فيوم الجمعة جعله الله عيداً لمحمد وأمته، وفضّلهم بها على الخلق أجمعين، وهو سيد الأيام عند الله، وأحب الأعمال فيه إلى الله، وفيه ساعة لا يوافقها عبد قائم يصلي يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن أبي الدنيا في الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس، ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ بشيء إلا أعاذه الله منه» .
وأخرج الحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة رفعه ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد يوم عرفة ويوم الجمعة، والمشهود هو الموعود يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طريق شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة دخره الله لنا، والصلاة الوسطى صلاة العصر» .
وأخرج سعيد بن منصور عن شريح بن عبيد مرسلاً.
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: «الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة» .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وأبي هريرة موقوفاً مثله.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة» .
وأخرج ابن جرير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة» .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب في قوله: ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن بن علي أن رجلاً سأله عن قوله: ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: هل سألت أحداً قبلي؟
قال: نعم، سألت ابن عمرو وابن الزبير فقالا: يوم الريح ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ﴾ [ الأحزاب: 45] ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ [ النحل: 89] والمشهود يوم القيامة ثم قرأ ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ [ هود: 103] ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ [ هود: 103] .
وأخرج الطبراني في الأوسط وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن ابن عباس ﴿ واليوم الموعود ﴾ يوم القيامة ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ قال: الشاهد محمد والمشهود يوم القيامة، وتلا ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس ﴾ [ هود: 103] ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ [ هود: 103] .
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال: الشاهد الله والمشهود يوم القيامة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: الشاهد الذي يشهد على الإِنسان بعمله والمشهود يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نجي عن عليّ بن أبي طالب قال: كان نبي أصحاب الأخدود حبشياً.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق الحسن عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ أصحاب الأخدود ﴾ قال: هم الحبشة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ قال: كانوا من النبط.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ قال: هم ناس من بني إسرائيل خددوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الأخدود شق بنجران كانوا يعذبون الناس فيه.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن نفير قال: كانت الأخدود زمان تبع.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ قال: هم قوم خددوا في الأرض، ثم أوقدوا فيه ناراً ثم جاؤوا بأهل الإِسلام فقالوا: اكفروا بالله واتبعوا ديننا، وإلا ألقيناكم في هذه النار، فاختاروا النار على الكفر فألقوا فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ قال: حدثنا أن علي بن أبي طالب كان يقول: هم أناس بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر مؤمنوهم على كفارهم، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق لا يغدر بعضهم ببعض، فغدرهم الكفار فأخذوهم، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال: هل لكم إلى خير، توقدون ناراً ثم تعرضوننا عليه فمن بايعكم على دينكم، فذلك الذي تشتهون، ومن لا اقتحم فاسترحتم منه، فأججوا لهم ناراً وعرضوهم عليها، فجعلوا يقتحمونها حتى بقيت عجوز فكأنها تلكأت، فقال طفل في حجرها: امضي ولا تقاعسي، فقص الله عليكم نبأهم وحديثهم فقال: ﴿ النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود ﴾ قال: يعني بذلك المؤمنين ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ﴾ يعني بذلك الكفار.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ قال: حرقوا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ قال: عذبوا.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كان بعض الجبابرة خد أخدوداً في الأرض، وجعل فيها النيران، وعرض المؤمنين على ذلك فمن تابعه على كفره خلى عنه، ومن أبى ألقاه في النار، فجعل يلقي حتى أتى على امرأة ومعها بني لها صغير، فكأنها أنفت النار فكلمها الصبيّ فقال: يا أمه قعي في النار ولا تقاعسي، فألقيت في النار، والله ما كانت إلا نقطة من نار حتى أفضوا إلى رحمة الله تعالى.
قال: الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فما ذكرت أصحاب الأخدود إلا تعوذت بالله من جهد البلاء» .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نجي قال: شهدت علياً وأتاه أسقف نجران فسأله عن أصحاب الأخدود، فقص عليه القصة، فقال عليّ: أنا أعلم بهم منك بعث نبي من الحبشة إلى قومه ثم قرأ علي ﴿ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ [ غافر: 78] فدعاهم فتابعه الناس فقاتلهم فقتل أصحابه، وأخذ فأوثق، فانفلت فأنس إليه رجال، يقول: اجتمع إليه رجال فقاتلهم فقتلوا وأخذ فأوثق فخدوا أخدوداً في الأرض وجعلوا فيه النيران، فجعلوا يعرضون الناس فمن تبع النبي رمي به فيها، ومن تابعهم ترك، وجاءت امرأة في آخر من جاء معها صبي لها، فجزعت، فقال الصبي: يا أمه اطمري ولا تماري فوقعت.
وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن كهيل قال: ذكروا أصحاب الأخدود عند عليّ فقال: أما إن فيكم مثلهم فلا تكونن أعجز من قوم.
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: كان المجوس أهل كتاب، وكانوا مستمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناول منها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته أو ابنته فوقع عليها، فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت؟
وما المخرج منه؟
قالت: المخرج منه أن تخطب الناس فتقول أيها الناس إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات والبنات، فإذا ذهب ذا في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيباً فقال: يا أيها الناس إن الله أحل لكم نكاح الأخوات أو البنات، فقال الناس جماعتهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقر به، أو جاءنا به نبي، أو نزل علينا في كتاب، فرجع إلى صاحبته فقال: ويحك إن الناس قد أبوا عليّ ذلك.
قالت: إذا أبوا عليك ذلك فابسط فيهم السوط، فبسط فيهم السوط، فأبوا أن يقروا، فرجع إليها فقال: قد بسطت فيهم السوط فأبوا أن يقروا.
قالت: فجرد فيهم السيف، فجرد فيهم السيف، فأبوا أن يقروا.
قالت: خدّ لهم الأخدود، ثم أوقد فيه النيران فمن تابعك فخلّ عنه.
فخدَّ لهم أخدوداً وأوقد فيه النيران، وعرض أهل مملكته على ذلك، فمن أبى قذفه في النار، ومن لم يأب خلّى عنه، فأنزل الله فيهم ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ إلىقوله: ﴿ ولهم عذاب الحريق ﴾ .
أخرج ابن أبي شيبة عن عوف قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والنسائي والترمذي عن صهيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس، فقيل له: إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست، فقال: «إن نبياً من الأنبياء كان أعجب بأمته، فقال: من يقوم لهؤلاء فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن ينتقم منهم، وبين أن يسلط عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفاً قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال له ذلك الكاهن: انظروا إلى غلاماً فهماً أو قال: فطناً لقناً فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت فينقطع هذا العلم منكم، ولا يكون فيكم من يعلمه قال: فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وإن يختلف إليه، فجعل الغلام يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعته، فجعل الغلام يسأل الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله، فجعل الغلام يمكث عند الراهب ويبطيء على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك: أين كنت؟
فقل: عند أهلي، وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟
فقل: عند الكاهن.
فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثيرة قد حبستهم دابة يقال كانت أسداً، فأخذ الغلام حجراً فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقاً فأسألك أن أقتل هذه الدابة، وإن كان ما يقوله الكاهن حقاً فأسألك أن لا أقتلها، ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس: من قتلها؟
فقالوا: الغلام.
ففزع الناس وقالوا: قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد، فسمع أعمى فجاءه، فقال له: إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا، فقال الغلام: لا أريد منك هذا ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك؟
قال: نعم، فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم، فأتى بهم فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه.
فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع الغلام فأمر الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلق به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه الله.
فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني إلا أن تصلبني وترميني وتقول: بسم الله رب الغلام، فأمر به فصلب ثم رماه وقال: بسم الله رب الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات.
فقال الناس: لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك؟
قال: فخدّ أخدوداً ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار.
فجعل يلقيهم في تلك الأخدود فقال: يقول الله: ﴿ قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ﴾ حتى بلغ ﴿ العزيز الحميد ﴾ فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرج» ، فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب واصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك ممن كان قبلكم، وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إليّ غلاماً أعلمه السحر.
فدفع إليه غلاماً فكان يعلمه السحر.
وكان بين الساحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، فكان إذا أتى على الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟
فإذا أتى أهله جلس عند الراهب فيبطئ فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟
فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر.
فبينما هو كذلك إذ أتى ذات يوم على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال الغلام: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر.
فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى لك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يجوز الناس.
فرماها فقتلها، ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ.
وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان جليس الملك قد عمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة، فقال له: اشفني ولك ما هاهنا أجمع، فقال: ما أشفي أنا أحداً إنما يشفي الله، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا له فشفاه.
ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟
قال: ربي، قال: أنا.
قال: لا.
قال: أو لك رب غيري؟
قال: نعم.
فلم يزل به يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه الملك فقال: أي بني قد بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟
قال: ما أشفي أنا أحداً ما يشفي غير الله.
قال: أنا؟
قال: لا.
قال: وإن لك رباً غيري؟
قال: نعم ربي وربك الله.
فأخذه أيضاً بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب.
فقال له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرقه حتى وقع شقاه على الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه من فوقه، فذهبوا به، فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت.
فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعين.
وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟
قال: كفانيهم الله.
فبعث به في قرقور مع نفر فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فأغرقوه.
فلجوا به البحر فقال الغلام: اللهم أكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعين.
وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك.
فقال: ما فعل أصحابك؟
قال: كفانيهم الله.
ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لن تستطيع قتلي.
قال: وما هو؟
قال: تجمع الناس في صعيد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني.
ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثم رماه، وقال: بسم الله رب الغلام.
فوقع السهم في صدغه.
فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام.
فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك هذا من الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخدود، وأضرمت فيها النيران وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فاقحموه فيها.
فكانوا يتقارعون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها صغير فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي: يا أمه اصبري فإنك على الحق» .
<div class="verse-tafsir"
(وقوله تعالى) (١) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (قال الزجاج) (٧) (٨) (٩) ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ .
قولى تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه (١٠) ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ .
(بكفرهم.
﴿ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ بما أحرقوا المؤمنين.
قاله الزجاج) (١١) (١٢) وقال الربيع بن أنس: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ يعني في الدنيا، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قال مقاتل: ثم ذكر مَا أعد للمؤمنين الذين أُحرقوا بالنار فقال: (١) ساقط من (ع).
(٢) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ .
(٣) "جامع البيان" 30/ 137، التفسير الكبير" 31/ 122، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 529.
(٤) "تفسير مقاتل" 235/ ب، "التفسير الكبير" 31/ 122.
(٥) ساقط من (أ).
(٦) "جامع البيان" 3/ 137، "تفسير القرآن العظيم " 4/ 529.
(٧) ساقط من (أ).
(٨) في كلا النسختين: افتنت، وأثبت ما جاء عند الزجاج.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 308.
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١١) ما بين القوسين من قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 308.
(١٢) قال القرطبي: والنار دركات وأنواع ولها أسماء، وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم ثم يعذبون بعذاب الحريق، فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها.
"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 293.
(١٣) "جامع البيان" 30/ 137 مختصرًا، "معالم التنزيل" 4/ 470 - 471، "زاد المسير" 8/ 220، "لباب التأويل" من غير عزو: 4/ 367، "فتح القدير" 5/ 413، "روح المعاني" 30/ 91.
(١٤) "معالم التنزيل" 4/ 470 - 471، "فتح القدير" 5/ 413.
(١٥) في (أ): وذكر.
(١٦) "معاني القرآن" 3/ 253 معناه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ﴾ إن كانت هذه الآية في أصحاب الأخدود فالفتنة هنا بمعنى الإحراق، وإن كانت في كفار قريش فالفتنة بمعنى المحنة والتعذيب، وهذا أظهر لقوله: ثم لم يتوبوا، لأن أصحاب الأخدود لم يتوبوا بل ماتوا على كفرهم.
وأما قريش فمنهم من أسلم وتاب، وفي الآية دليل على أن الكافر إذا أسلم يغفر له ما فعل في حال كفره لقوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجبُّ ما قبله» ﴿ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق ﴾ يحتمل أن يكون في الآخرة، فيكون تأكيداً لعذاب جهنم، أو نوعاً من العذاب زيادة إلى عذاب جهنم.
ويحتمل أن يريد في الدنيا، وذلك على رواية أن الكفار أصحاب الأخدود أحرقتهم النار.
<div class="verse-tafsir"
القراآت ﴿ المجيد ﴾ بالجر صفة للعرش: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الآخرون: بالرفع خبراً بعد خبر ﴿ محفوظ ﴾ بالرفع صفة للقرآن: نافع.
الوقوف ﴿ البروج ﴾ ه لا ﴿ ألموعود ﴾ ه ﴿ ومشهود ﴾ ه ط بناء على أن جواب القسم محذوف وأن معنى قتل لعن وأصحاب الأخدود هم أهل الظلم، وإن جعل قتل بمعناه الأصلي وأصحاب الأخدود هم المظلومون صح جواباً للقسم بتقدير: لقد قتل ولا وقف على ﴿ الأخدود ﴾ لأن النار بدل اشتمال منه ﴿ الوقود ﴾ ه لا ﴿ قعود ﴾ ه لا ﴿ شهود ﴾ ه ط ﴿ الحميد ﴾ ه لا ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ط ﴿ الحريق ﴾ ه ط ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط إلا لمن جعل ﴿ إن بطش ربك ﴾ جواباً للقسم وسائر الوقوف ههنا لا بد منها لطول الكلام ﴿ لشديد ﴾ ه ك ﴿ ويعيد ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ الودود ﴾ ه لا ﴿ المجيد ﴾ ه لا ﴿ يريد ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام ﴿ الجنود ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ وثمود ﴾ ه ط للإضراب ﴿ تكذيب ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ محيط ﴾ ه ج ﴿ مجيد ﴾ ه لا ﴿ محفوظ ﴾ ه.
التفسير: لما أخبر في خاتمة السورة المتقدمة أن في الأمة مكذبين سلى نبيه بأن سائر الأمم السالفة كانوا كذلك كأصحاب الأخدود وكفرعون وثمود.
أما البروج فأشهر الأقوال أنها الأقسام الاثنا عشر من الفلك الحمل والثور إلى آخرها.
وإنما أقسم بها لشرفها حيث نيط تغيرات العالم السفلي بحلول الكواكب فيها.
وقيل: هي منازل القمر الثمانية والعشرون.
وقيل: وقت انشقاق السماء وانفطارها وبطلان بروجها.
أما الشاهد والمشهود فأقوال المفسرين فيهما كثيرة، وقد ضبطها القفال بأن اشتقاقهما إما من الشهود الحضور، وإما من الشهادة والصلة محذوفة أي مشهود عليه أو به.
والاحتمال الأول فيه وجوه الأول: وهو مروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن بن عليّ وابن المسيب والنخعي والثوري، أن المشهود يوم القيامة والشاهد الجمع الذي يحضرون فيه من الملائكة والثقلين الأولين والآخرين لقوله ﴿ من مشهد يوم عظيم ﴾ ﴿ ذلك ﴾ ﴿ يوم مجموع له الناس ﴾ قال جار الله: وطريق تنكيرهما ما مرّ في قوله ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود.
ويجوز أن يكون للتعظيم أي شاهد ومشهود لا يكتنه وضفهما.
وإنما حسن القسم بيوم القيامة لأنه يوم الفصل والجزاء وتفرد الله بالحكم والقضاء.
الثاني وهو قول ابن عمر وابن الزبير أن المشهود يوم الجمعة وأن الشاهد الملائكة.
روى أبو الدرداء أن رسول الله قال " "أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة " .
الثالث أنّه يوم عرفة والشاهد من يحضرة من الحجاج فقال الله ﴿ يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ﴾ وحسن القسم به تعظيماً لأمر الحج.
يروى أنه يقول للملائكة يوم عرفة " انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب على رأسه لما يرى في ذلك اليوم من نزول الرحمة" " الرابع أنه يوم النحر لأن أهل الدنيا يحضرون في ذلك اليوم بمنى والمزدلفة.
الخامس أنهما كل يوم فيه اجتماع عظيم للناس فيتناول الأقوال المذكورة كلها، والدليل عليه تنكيرهما لأن القصد لم يكن فيه إلى يوم بعينه.
والاحتمال الثاني فيه أيضاً وجوه أحدها: أن الشاهد هو الله والمشهود به هو التوحيد لقوله ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وثانيها الشاهد هو الأنبياء والمشهود عليه النبي لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ وثالثها العكس لقوله ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ ورابعها الشاهد الحفظة والمشهود عليه المكلفون لقوله ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ ﴿ وإن عليكم لحافظين ﴾ وخامسها وهو قول عطاء الخراساني: الشاهد الجوارح والمشهود عليه الإنسان ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ﴾ وسادسها الشاهد والمشهود عيسى وأمته كقوله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ﴾ وسابعها أمة محمد وسائر الأمم ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وثامنها قال الإمام في تفسيره: الشاهد جميع الممكنات والمشهود له واجب الوجود أخذاً من قول الأصوليين إنه استدلال بالشاهد على الغائب.
وتاسعها الحجر الأسود والحجيج للحديث " الحجر الأسود يمين الله في أرضه يؤتى به يوم القيامة له عينان يبصر بهما يشهد على من زاره" أو لفظ هذا معناه.
وعاشرها الأيام والليالي وأعمال بني آدم كما روي عن الحسن: ما من يوم إلا وينادي إني يوم جديد وإني على ما تعمل فيّ شهيد.
أما جواب القسم فعن الأخفش أنه ﴿ قتل ﴾ واللام مقدّر والكلام على التقديم والتأخير أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج.
وعن ابن مسعود وقتادة واختاره الزجاج أن الجواب هو قوله ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ وقيل: إن الذين فتنوا وما بينهما اعتراض.
واختار الزمخشري وطائفة من المتقدمين أنه محذوف.
ثم اختلفوا فقال المتقدمون: المحذوف هو إن الأمر حق في الجزاء على الأعمال.
وقال في الكشاف: هو ما دل عليه قتل فكأنه أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن يقال فيهم قتلت قريش، أي لعنوا كما قتل أصحاب الأخدود وهو الخد أي الشق في الأرض يحفر مستطيلاً ونحوهما بناء.
ومعنى الخق والأخقوف بالخاء الفوقانية منه الحديث " فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان" " عني به فرس سراقة حين تبع رسول الله بعد خروجه من الغار.
والمعتمد من قصص أصحاب الأخدود ما جاء في الصحاح عن النبي أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه السحر.
وكان في طريق الغلام راهب يتكلم بالمواعظ لأجل الناس، فمال قلب الغلام إلى حديثه.
فرأى في طريقه ذات يوم دابة أوحية قد حبست الناس فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها بهذا الحجر فقتلها.
وكان الغلام بعد ذلك يتعلم من الراهب إلى أن صار بحيث يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الداء، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله: من ردّ عليك بصرك؟
فقال: ربي.
فغضب فعذبه فدل على الغلام، فعذب الغلام حتى دل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقدّ بالمنشار، وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قرقور وهي سفينة صغيرة فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا.
قوال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام.
ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام.
فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد في أفواه السكك، وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غميضة فصبرت واقتحمت.
وعن علي أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس، وكان بعض ملوكهم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها فسكر فوقع على أخته، فلما صحا ندم وطلب المخرج فقال: إن المخرج أن تخطب الناس فتقول: إن الله عز وجل أحل لكم نكاح الأخوات ثم تخطبهم إن الله حرمه.
فخطب فلم يقبلوا منه قالت له: ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا.
فقالت: ابسط فيهم السيف فلم يقبلوا.
فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها.
وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد.
وقيل: سبعين ألفاً.
وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه اثنا عشر وقد أشار إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله ﴿ ذات الوقود ﴾ أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس.
وهذه الروايات لا تعارض بينها ولا منافاة فيحتمل أن يكون الكل واقعاً والمجموع مراد الله أو بعضه هو أعلم به.
وعن النبي أنه كان إذا وصل إلى ذكر أصحاب الأخدود قال: نعوذ بالله من جهد البلاء.
و ﴿ إذ ﴾ ظرف لقتل و ﴿ هم ﴾ عائد إلى الأصحاب و ﴿ قعود ﴾ جمع قاعد فإن كانوا مقتولين فمعنى قعودهم على النار إما أن يكون هو أن طرحوا عليها وقعدوا حواليها للإحراق وذلك أنهم كانوا يعرضون المؤمنين على النار فكل من ترك دينه تركوه ومن صبر على دينه ألقوه في النار، وإما أن يكون " على " بمعنى " عند " كقوله ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ أي عندي فالمراد بالقتل على هذا التفسير اللعن ويعضده قوله ﴿ وهم ﴾ أي الظالمون ﴿ على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ أي حضور، وفيه وصفهم بقسوة القلب، ووصف المؤمنين بالصلابة في دينهم حيث لم يلتفتوا إليهم وبقوا مصرين عل الحق، أو هو من الشهادة والمعنى أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهوداً يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به من التعذيب، ويجوز أن يراد شهادة جوارحهم على ذلك يوم القيامة.
ثم ذم أولئك الجبابرة بما في ضمنه مدح المؤمنين قائلاً ﴿ وما نقموا منه ﴾ أي وما عابوا وما أنكروا عليهم ﴿ إلا أن يؤمنوا ﴾ وإنما اختير بناء الاستقبال رمزاً إلى أنهم كانوا يطلبون منهم ترك الإيمان في المستقبل ولم يعذبوهم على الإيمان في الماضي أي عذبوهم على ثباتهم وصبرهم على إيمانهم بمن يستحق أن يؤمنوا به لكونه إلهاً قادراً لا يغالب بليغاً في الكمال بحيث استأهل الحمد كله مالكاً لجميع المخلوقات.
وفيه إشارة إلى أنه لو شاء لمنعهم عن ذلك التعذيب لكنه أخرهم إلى يوم الجزاء ودل عليه بقوله ﴿ والله على كل شيء شهيد ﴾ ثم عم الوعيد في آيتين أخريين والفتنة البلاء والإيذاء والإحراق.
وفي قوله ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ دلالة على أن توبة القاتل عمداً مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس.
وعذاب جهنم وعذاب الحريق أما متلازمان كقوله: إلى الملك القرم *** وابن الهمام والغرض التأكيد وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم، والثاني لأنهم فتنوا أهل الإيمان.
وجوز أن يكون الحريق في الدنيا لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.
ثم رغب ورهب بوجه آخر في آيات والبطش الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدّة كان نهاية.
ثم أكده بقوله ﴿ إنه هو يبدىء ﴾ البطش ﴿ ويعيد ﴾ أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة.
ويجوز أن يدل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه وقوته.
وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم كما بدأهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء وكذوبوا بالإعادة.
قال ابن عباس: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً ثم يعيدهم خلقاً جديداً فذلك قوله ﴿ هو يبدىء ويعيد ﴾ والودود بليغ الودادة والمراد به إيصال الثواب لأهل طاعته إلى الوجه الأتم فيكون كقوله ﴿ ويحبهم ﴾ وإن شئت قلت: هو بمعنى مفعول فيكون كقوله ﴿ ويحبونه ﴾ وقال القفال: ويكون بمعنى الحليم من قولهم " فرس ودود " وهو المطيع القياد.
قال في الكشاف ﴿ فعال ﴾ خبر مبتدأ محذوف.
قلت: الأصل عدم الإضمار فالأولى أن يكون خبراً آخر بعد الأخبار السابقة، ولعله حمله على ذلك كونه نكرة وما قبله معارف والعذر عنه من وجهين: أحدهما قطع النسق بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ ولا سيما عند من يجوّز ﴿ المجيد ﴾ صفة العرش.
والثاني تخصيص ﴿ فعال لما يريد ﴾ فإنه صيره مضارعاً للمضاف.
قال: وإنما قيل ﴿ فعال ﴾ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.
قلت: ويجوز أن يكون المعنى أن ما يريده فإنه يفعله ألبتة لا يصرفه عنه صارف.
ثم ذكرهم وسلى نبيه بقصة ﴿ فرعون وثمود ﴾ من متأخري الكفار ومتقدميهم، والمراد بفرعون هو وجنوده.
ثم أضرب عن التذكير إلى التصريح بتكذيب كفار قريش والتنبيه على أنه محيط أي عالم بهم فيجازيهم، ويجوز أن يكون مثلاً لغاية اقتداره عليهم وأنهم في قبضة حكمه كالمحاط إذا أحيط به من روائه فسدّ عليه مسلكه بحيث لا يجد مهرباً.
ويجوز أن تكون الإحاطة بمعنى الإهلاك ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ ثم سلى رسول بوجه آخر وهو أن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حد الإعجاز وهو مصون عن التغيير والتحريف بقوله ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرأونه وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ ﴾ ، فقوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ ﴾ على القسم، وكذلك ما ذكر عقبيه.
ثم اختلف في موضع القسم في هذه السورة: فمنهم من ذكر أن القسم لمكان قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ﴾ .
ومنهم من يقول: القسم موضعه على قوله: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ ، وهو أشبه؛ لأنه في موضع الاحتجاج على الكفرة.
ولو حمل القسم على قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ﴾ ، كان ذلك منصرفا إلى المؤمنين، والمسلمون قد تيقنوا بصدق ما يأتي به الرسول من الأنباء، والقسم يذكر على تأكيد ما يقصد إليه؛ ليزال عنه الريب، فإذا كان المسلمون غير مرتابين من نبئه استغنوا عن تأكيده بالقسم؛ فلذلك قلنا: إن صرفه إلى قوله - -: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ أليق؛ فيكون فيه تحذير لمن كذب رسوله أن بطشه لمن كذب رسوله لشديد، وقد علموا ذلك بما وصل إليهم من نبأ عاد، وثمود، وفرعون، و غيرهم.
وجائز أن يكون موضع القسم على قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ﴾ ، وذلك أن أهل مكة كانوا أهل تعذيب، وصبر أولئك المعذبين على دينهم، وضنهم به، وحسن ثناء الله - - عليهم تصبير لهم، وتهوين على ما يلقون من العذاب؛ لينالوا من حسن ثناء الله - - عليهم ما ناله من صبر تقدمهم من السلف.
وكذلك ذكر سحرة فرعون، وأحسن الثناء عليهم بصبرهم على تعذيب فرعون، فقالوا: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ ﴾ ؛ ليكون ذلك عونا لهم على الصبر بما يلقون من الكفرة من التعذيب، ثم أكد الأمر بالقسم؛ لأنه لا كل مسلم يبتلى بتعذيبهم يبلغ يقينه مبلغا لا يعتريه الشك، ولا يتخالجه شبهة في ذلك؛ فأكد الأمر بالقسم؛ لرفع الريب والإشكال.
وقال - -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ ، وفي بعض القراءات (قتل معه ربيون كثير)، ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ ﴾ ، فذكّر المؤمنين ما لقي السلف من الكفرة، وابتلوا بقتل الرسل وثباتهم على الدين؛ ليستعينوا به على ما يصيبهم في سبيل الله، ولا ينقلبوا على أعقابهم إذا أخبروا بقتل الرسول.
وفي ذكر هذه الأنباء دلالة أن قول الرسول - - لعمار : "إن عادوا فعد" حين أكره على إجراء كلمة الكفر على لسانه، فأجرى وقلبه مطمئن بالإيمان - ليس لعى الأمر به والإيجاب عليه، والتحصيل بطريق العزم؛ بل معناه: إن عادوا فلك العود؛ على سبيل الرخصة؛ لأنه لو كان على الأمر، لم يكن في ذكر نبأ أصحاب الأخدود وسحرة فرعون فائدة، سوى أن يترك العمل بهما، ومعلوم أن تلك الأنباء إنما ذكرت؛ ليعلم به لا ليترك بها العمل؛ لذلك حمل قوله: "فعد" على الرخصة، لا على الأمر به، ويكون المراد من قوله - - أيضا: "من لم يقبل رخصنا كما يقبل عزائمنا فليس منا" ، أي: لم ير العمل به موسعا بل استنكره، وأبى قبوله، لا أن يكون فيه أمر بترك العزيمة وإيجاب العمل بالرخصة، والله أعلم.
ثم نرجع إلى قوله - -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ ﴾ .
فقال بعضهم: هي البروج المعروفة وهي أطراف البناء، وإذا بني بناء اتخذ على طرفه برج؛ ليشدد بناؤه به.
ومنهم من قال: البروج: القصور.
ومنهم من قال: البروج: النجوم؛ لقوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ ، وزينة السماء هي الكواكب بقوله: ﴿ بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴾ .
ومنهم من قال: هي مجاري الشمس والقمر والكواكب، فمنازلها هي البروج.
ثم ذكر السماء بالبروج؛ ليعرف حدثها ودخولها تحت تدبير الغير؛ إذ ذكرها بالمنافع المجعولة فيها؛ ليعلم الخلق أنها سخرت للمنافع؛ فيعرفوا بها حدثها؛ إذ المسخر لمنافع الغير دخال تحت قدرة من سخره، والمقدور محدث، وهم لم يشهدوا بدأها؛ ليعرفوا به حثدها، ولا كل أحد يعرف حديثه الشيء؛ لكونه محدودا في نفسه إذا لم يشاهدوا بدأه، فذكرها حيث ذكرها بما فيها من المنافع المجعولة للخلق؛ إذ ذلك أظهر وجوه الدلالة على الحديثة؛ ليعلموا بها حدثها؛ ألا ترى إن إبراهيم - - احتج على قومه بنفي الإلهية عن الكواكب بأفولها؛ إذ ذلك أظهر وجوه الحديثة، ولم يحتج عليها بانتقالها من موضع إلى موضع، ولا بكونها محدودة في نفسها؛ بل احتج عليهم بما ذكرنا؛ ليتحقق عندهم حدوثها ودخولها تحت سلطان الغير.
وقوله: ﴿ وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ ﴾ قيل: هو يوم القيامة؛ فسمي: موعودا؛ لما وعد من جميع الأولين والآخرين في ذلك اليوم، ثم أقسم بذلك اليوم وإن كانوا منكرين له؛ لما قرره عليهم بالحجج، وألزمهم القول به.
وقيل: اليوم الموعود، هو كل يوم يأتي، فيأتي بما عد فيه من الرزق وغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ اختلف في تأويله: فمنهم من قال: الشاهد هو الله ، والمشهود هوالخلق، واستدل على ذلك بقوله: ﴿ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .
وقيل: الشاهد الرسول ، والمشهود أمته؛ قال الله - -: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .
ومنهم من يقول: الشاهد هو الكاتبان اللذان يكتبان على بني آدم أعمالهم، والمشهود هو الإنسان الذي يكتب عليه.
ومنهم من يقول: الشاهد والمشهود هو الإنسان نفسه؛ أي: جعل عليه من نفسه شهودا بقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
ومنهم من يقول: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة؛ فسمي يوم الجمعة شاهدا؛ لأنه هو الذي يشهدهم ويأتيهم، وسمي يوم عرفة: مشهودا؛ لأن عرفة اسم مكان، والناس يأتونها ويشهدونها، ولا يأتيهم؛ فعظم شأن عرفة لما يعظمها أهل الأديان كلها، وعظم يوم الجمعة؛ لأنه يوم عيد المسلمين، ولكل أهل دين يوم يعظمونه، فأكرم الله - - المؤمنين بهذا اليوم؛ ليعظموه مكان اليوم الذي يعظمه غيرهم من أهل الأديان، فأقسم بهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ﴾ ا ختلف في تأويله: فمنهم من صرفه إلى المعَذَّبين.
ومنهم من صرفه إلى المعَذِّبين.
فمن صرف إلى المعذِّبين حمل قوله: ﴿ قُتِلَ ﴾ على اللعن؛ أي: لعنوا؛ كقوله : ﴿ قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ ﴾ ، أي: لعنوا.
ومن صرفه [إلى] الذين عذبوا، حمله على القتل المعروف.
ثم اختلف في قصة أولئك الذين عذبوا؛ فإن كان القسم في الكفرة، فما ينبغي أن يفسر على وجه من ذلك ما لم يتواتر فيه الخبر عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، بل حقه أن يقتصر على ما جاء به الكتاب؛ لأن هذه الأناء حجة لرسالة نبيه - - لأنهم وجدوها موافقة للأنباء المذكورة في كتبهم، وقد علموا أنه لم يصل إلى تعرفها إلا بالله ؛ إذ لم يروه يختلف إلى من عنده علم الأنباء؛ ليصل إلى معرفتها بهم، فإذا فسرت على وجه أمكن أن يقع فيها زيادة أو نقصان على ما ذكر في الكتاب؛ فيجدوا به موضع الطعن والقدح؛ لذلك لم يسع أن يزاد على القدر الذي جرى ذكره في الكتاب إلا من الوجه الذي ذكرنا.
وإن كان القسم في المؤمنين، وسع القول بحمل التأويلات التي ذكرها أصحاب التفسير؛ لارتفاع المعنى الذي ذكرنا في الكفرة، والله أعلم.
[ثم في ذكر هذه الأنباء] تقرير رسالته ونبوته - - عند الكفرة؛ لما ذكرنا أنه لم يختلف، إلى من عنده علم هذه الأنباء؛ ليعلم بها، فإذا أنبأهم [بها] على وجهها، تيقنوا أنه بالله علم.
وفيه تصبير لرسول الله ، وتخفيف الأمر عليه؛ لأنه يخبره أن قومك ليسوا بأول من آذوك وعاندوك، بل لم يزل سلفهم تلك عادتهم بأهل الإسلام.
وفادئة أخرى: ما ذكرنا أن في ذكره بعض ما يستعين به من ابتلي بأذى الكفرة.
وفيه أن أولئك الكفرة بلغ من ضنهم بدينهم ما يقاتلون عليه من أظهر مخالفتهم في الدين؛ ليعلموا أن القتال لمكان الدين ليس بأمر شاق خارج من الطباع؛ بل الطباع جبلت على القتال مع من عاداهم في الدين؛ فيكون فيه ترغيب للمسلمين على القتال مع الكفرة إذا امتحنوا به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ ﴾ منه من جعل الوقود من ألقي فيها من المؤمنين.
ومنهم من جعل الوقود صفة تلك النار التي عذبوا بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴾ ، أي: عظماؤهم وكبراؤهم جلوس عند الأخدود؛ ففيه أتباعهم هم الذين كانوا يتولون إلقاء المؤمنين في النار، وكبراؤهم جلوس هنالك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الشهود هم العظماء والفراعنة.
أو يكون منصرفا إلى الأتباع، وهو أن الأتباع كانوا يلقون المؤمنين في النار، ويشهدون أنهم على الضلال، وأنهم ورؤساؤهم على الهدى والحق، وهو كما قال في موضع آخر: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ : ذكر ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ ليعلم أنه لا يلحقه ذل بما يحل من الذل بأوليائه وأهل طاعته، ولا في حمده قصور بقهر أوليائه، خلافا لما عليه ملوك الدنيا، وذلك أن ملوك الدنيا إذا حل بأولياء واحد منهم ذل، كان الذل حالا فيه أيضا، وإذا قهر بعض أتباعه فترك نصرهم وهو قادر على نصرهم واستنقاذهم لم يحمد ذلك مه، ولحقته المذمة؛ وذلك لأن الملك إنما استفاد العز بأتباعه وأنصاره، فإذا استذل أتباعه، زال ما به نال العز؛ فلحقه الذل، ونال الحمد - أيضا - بالإحسان إلى مملكته، فإذا ترك نصرهم وهو ممكن من ذلك، فقد ترك إحسانه إليهم؛ فصار به غير ممدوح و لامحمود، والله - - استحق العز والحمد بذاته لا بأحد من خلائقه؛ فلم يكن في إذلال أوليائه ما يوجب النقص في وصف الحمد، ولا ما يوجب قصورا في العز.
والثاني: [أن] الدنيا وما فيها أنشئت للأهلاك، ولعل الإهلاك بما ذكر أيسر عليهم من هلاكهم حتف أنفهم، وكان في ذلك النوع من الهلاك نيل درجة الشهداء، وهي التي ذكرها الله - - في قوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ...
﴾ ، ولا ينال تلك الدرجة بموتهم حتف أنفهم، فهذا أبلغ نصرا منه إياهم.
ثم للجزاء والعقاب دار أخرى فيها يظهر تعزيز الأولياء وقمع الأعداء؛ فلم يكن [في] ترك النصر في الدنيا ما يوجب وها ولا ذلا، وأما ملوك الدنيا إذا تركوا نصرهم وقت ملكهم لأوليائهم، لم يتوقع منهم النصر بعد ذلك؛ إذ ليست في أيديهمه إلا المنافع الحاضرة؛ لذلك لحقتهم المذمة بترك النصر، والله أعلم.
ثم ليس في إهلاك أولئك القوم الذين آمنوا واقتدارهم عليهم إيهام أنهم كانوا على الحق والصواب، وأن المؤمنين كانوا على الخطأ؛ لأن الإهلاك إنما يصير آية إذا كان على خلاف المعتاد، وإهلاكهم لم يكن كذلك؛ لأن عددهم كان كثيرا، وكان في المؤمنين قلة، وإهلاك الكثير للقليل غير مستبعد؛ بل هو أمر معتاد، وغلبة الفئة القليلة الفئة الكثيرة هي التي تخرج من حد الاعتياد؛ فيكون فيها آية: أن الفئة القليلة على الحق والأخرى على الباطل، وذلك نحو غلبة رسول الله يوم بدر بمن معه من المسلمين مع قلة أعدادهم وضعفهم في أنفسهم، وكثرة أتباع الكفرة وقوتهم وجلادتهم في أنفسهم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ ، أي: لم يكن من المؤمنين بمكانهم جرم لينتقم منهم بالإحراق سوى أن آمنوا بالله .
وقيل: ما عابوا عليهم، وما أنكروا منهم سوى أن آمنوا بالله ، وفي هذا تبيين سفههم وعتوهم؛ لأنهم علموا أن مالهم من النعم كلها من الله ، وكن الذي يحق عليهم أن يؤمنوا بالله - - ويشكروه بما خولهم من النعم، ويدعوا غيرهم إلى الإيمان به، لا أن يقتلوا ويعذبا من آمن به.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ العزيز: هو الذي لا وجود له، أو هو عزيز لا يلحقه ذل؛ فيكون العز مقابل الذل.
وقال أهل التفسير: العزيز: المنيع، والعزيز هو الذي لا يعجزه شيء، وهو الحميد المستوجب للحمد من كل أحد بذاته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ \[الآية\].
ذكر هذا؛ ليعلم أنه لا يدخل في ملكه قصور بقتل أوليائه وأنصار دينه؛ لأن الخلق كلهم عبيد لله - - وإماؤه، والسيد إذا قتل بعض مماليكه بعضا، لم يلحق السيد بذلك ذل ولا نقص، وإما يدخل عليه الذل إذا قتلهم غير مماليكه، فإذا كان الخلق بأجمعهم عبيداً لله - - لم يكن في قتل بعض بعضا نقص يدخل في ملكه.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ، أي: يحفظ عليهم أعمالهم؛ فيجازيهم بها، لا يعزب عنه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ القتنة: المحنة، وهي مأخوذة من فتن الذهب إذا أذابه؛ لأنه يذيبه؛ ليميز به بين ما خبث منه وبين ما صفا، وبين الذهب وبين ما ليس بذهب؛ فاستعملت في موضع المحنة؛ لأن المحنة هي الابتلاء؛ ليتبين بها الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، وذلك يكون بالأمر والنهي؛ فسمي الأمر والنهي من الله - - امتحانا لهذا، وإن كان الله - - لا يخفى عليه شيء.
ثم وجه فتنتهم: أنهم اتخذوا الأخاديد وأوقدوا فيها النيران؛ ليلقوا فيها من ثبت على الإيمان ودام عليه، ويتركوا إلقاء من رجع عن دينه، فقيل: فتنوا؛ لهذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ ﴾ : فيه أنهم لو تابوا لكان يعفى عنهم، ولا يعاقبون مع عظم جرمهم بربهم في ذات الله - - فيكون فيه إظهار كرمه وعطفه على خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ ﴾ : منهم من صرف قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ ﴾ إلى الدنيا، فقال بأن تلك النار التي عذبوا بها المؤمنين سلطت عليم حتى أحرقتهم.
وجائز أن يكون ذلك في جهنم أيضا؛ فيكون فيه إخبار [بأن] نار جهنم تدوم عليهم بالإحراق، ولا تفتر عنهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : منهم من صرف هذا الخطاب إلى الذين عذبوا من المؤمنين.
ومنهم من صرفه إلى المعذبين، وهو أنهم لو آمنوا مع عظم جرمهم وإساءتهم بأولياء الله - - لكان يعفو عنهم، وتسعهم رحمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ فقوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من تحت أهلها.
والثاني: من تحت أشجارها.
والجنة: اسم للمكان الذي في الأشجار الملتفة؛ فيخبر أن الماء يجري من تحت ما به صار جنة هي الأشجار، وليس يراد بقوله: تحت الجنة، أي: تحت تربتها؛ لأن تحتها تكون قناة أو بئرا، وليس بهما كثير نزهة.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ الفائد هو الذي يظفر بما يأمل، وينجو عما يخاف، ويحذر، ووصف أه كبير؛ لأنه ليس لما أنعم زوال ولا انقطاع.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين عذَّبوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ليصرفوهم عن الإيمان بالله وحده , ثم لم يتوبوا إلى الله من ذنوبهم، فلهم يوم القيامة عذاب جهنم، ولهم عذاب النار التي تحرقهم؛ جزاء على ما فعلوه بالمؤمنين من الإحراق بالنار.
<div class="verse-tafsir" id="91.PRJn2"
(البروج): جمع برج، يطلق في اللغة على الحصن وعلى القصر، وعلى البروج الاثني عشر التي ترى صورها في الأشكال الحاصلة من اجتماع بعض الكواكب على نسب خاصة، وتنتقل فيها الشمس في ظاهرة الرؤية، وهي ستة في شمال خط الاستواء وستة أخرى في جنوبه، فأما التي في شماله فهي: الحمل والثور والجوزاء، وهذه الثلاثة تقطعها الشمس في ثلاثة أشهر، وهي فصل الربيع: أوله عندما تكون الشمس في الحمل في ٢٠ مارس، أو ٢١ مارس، أو ١٢ برهمات، أو ١٣ برهمات، وتنتهي عمدما تكون في آخر الجوزاء في ٢٠ أو ٢١ يونيه، و١٤ بؤنة ثم تبتدئ أشهر الصيف من ٢١ أو ٢٢ يونيه عندما تدخل الشمس في برج السرطان، ثم تنتقل إلى الأسد، ومن الأسد إلى السنبلة، وتكون في نهاية هذا البرج في ٢٢ سبتمبر وهو آخر فصل الصيف، وبالسنبلة تتم الستة الشمالية.
وأول لستة الجنوبية برج الميزان، وبحلول الشمس فيه يبتدئ الخريف في ٢٣ أو ٢٤ سبتمبر و١٤ توت، ثم تنتقل منه إلى العقرب، ومن العقرب إلى القوس، وفي نهايته ينتهي الخريف، ويبتدئ الشتاء عند حلول الشمس في برج الجدي في ٢٢ أو ٢٣ ديسمبر و١٣ أو ١٤ كيهك، ثم تصعد منه إلى الدلو ومن الدلو إلى الحوت، وهو آخر البروج الجنوبية، وفي نهايته ينتهي الشتاء.
ويبتدئ الربيع الثاني عند حلول الشمس في الحمل مرة ثانية وهكذا.
وقد فسرت البروج في الآية بالنجوم، وبالبروج المذكورة، وبالقصور على التشبيه.
ولا ريب في أن النجوم أبنية فخيمة عظيمة، فيصح إطلاق البروج عليها تشبيهًا لها بما يبنى من الحصون والقصور في الأرض، (واليوم الموعود) هو يوم القيامة لأن الله وعد به ولما نصل إليه..
(والشاهد والمشهود) كل ما له حس يشهد به، وكل محس يشهد بالحس، كما هو حقيقة معنى اللفظ.
أقسم سبحانه أولًا بما فيه غيب وشهود، وهو السماء ذات البروج: فإن كواكبها مشهود نورها، مرئي ضوؤها، معروفة حركاتها في طلوعها ومغيبها بحس البصر.
(والسماء) ما علاك مما تسميه بهذا الاسم، وفيه البروج تشاهدها، ولكن فيها غيب لا تعرفه بالحس، وهو حقيقة الكواكب، وما أودع الله فيها من القوى، وما أسكنها من الملك أو غيره.
كل ذلك غيب لا تدركه حواسنا، وإن وصل إلى الاعتقاد بشيء منه عقلنا.
ثم اقسم -جل شأنه- بما هو غيب صرف، وهو اليوم الموعود، لأنه أخبرنا بأنه سيكون، وعما يكون فيه من حوادث البعث والحساب والعقاب والثواب، ولكن شيئًا من ذلك لا يمكن أن نشهده في حياتنا هذه.
وبعد ذلك أقسم بما هو شهادة صرفة، وهو الشاهد: أي صاحب الحس، فإنه مرئي، والمشهود هو ما وقع عليه الحس.
فكأنه -جل شأنه- أقسم بالعوالم كلها -مع هذا التقسيم البديع- ليلفتك إلى ما فيها من العظم والفخامة لتعتبر بما حضرك، وتبذل الوسع في درك ما استتر عمك، وتستعد لما يستقبلك.
روي عن الحسن في تفسير قوله ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ ، أنه قال "ما من يوم إلا وينادي: إني يوم جديد، وإني على ما يعمل في شهيد.
فاغتنمني، فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة".
أما المقسم عليه فمحذوف دل عليه ما ذكره في قوله ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾ إلخ وحذفه لطوله مع تبادره للذهن عند أهل اللسان، فكأنه قال: أقسم بهذا الكون العظيم، وبذلك اليوم الذي يهلك فيه ما يهلك ويقوم الناس لرب العالمين -لقد ابتلى من قبلكم من المؤمنين الموحدين ببطش أعدائهم، واشتدادهم في إيذائهم، حتى خدوا لهم الأخاديد، وملأوها بالنيران، وقذفوهم فيها، ولم تأخذهم بهم رأفة، بل كانوا يتشفون برؤية ما يحل بالمؤمنين.
وأقسم: لقد صبروا، ولقد انتقم الله ممن أوقع بهم، وأخذه بذنبه أخذ العزيز المقتدر.
ولئن صبرتم ليوفينكم أجركم، وليأخذن الله أعداءكم، ولينزلن بهم من بطشه ما لا قبل لهم به- فهذا كله قد فهم من الآيات الآتية جوابًا للقسم.
وقد أقام مقام الجواب حكاية مثل الماضين، ووعيده للكافرين، ووعده للصالحين، وما بعد ذلك تثبيتًا لقلوب المؤمنين، وحملًا لهم على الصبر والمجاهدة في سبيله.
(الأخدود): الخد في الأرض، وهو الشق، وقتل أصحابه: أي أخذوا بذنوبهم ونزل بهم نكال الدنيا وعذاب الآخرة.
وأصحاب الأخدود، قوم كافرون، ذوو بأس وقوة، أصابوا قومًا مؤمنين غاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر، وأكرهوهم أن يرتدوا إليه، فأبوا فشقوا لهم شقًا في الأرض، وحشوه بالنار وجاءوا بالمؤمنين واحدًا واحدًا وألقوهم في النار، وهؤلاء القساة قعود على جوانب الشق حول النار يشاهدون احتراق الأجساد الحية وما تفعل بها النيران.
فقوله (النار) بدلًا من الأخدود: أي أن أصحاب الأخدود، هم أصحاب النار ذات الوقود، أي الشديدة لها من الحطب الكثير ما يشتد به لهبها.
(والقعود) جمع قاعد: أي قاعدون حولها ينظرون إلى ما يصلاه المؤمنون، لا يغمضون جفنًا ولا يصرفون نظرًا، حتى كأنهم يريدون أن يستثبتوا في أذهانهم أطوار العذاب ووقائعه ليؤدوا به شهادة، وذلك منتهى القسوة (وما نقموا منهم) أي ما عابوا عليهم، ولا كان للمؤمنين ذنب إليهم سوى أنهم آمنوا بالله (العزيز)، الذي لا تغلب قوته، ولا يفلت أحد من قدرته (الحميد)، الذي يحمد على كل حال، وكل فعاله حسان، حتى لو أصابك، وأنت مؤمن به -ما ظاهره النقمة، فهو: إما تهذيب لك ليربيك بالصبر، أو ابتلاء لقلبك ليعظم لك فيه الأجر.
أما تعيين أصحاب الأخدود، وأنى كانوا، ومن هم أولئك المؤمنون، وأين كان منزلهم من الأرض؟
فقد كثرت فيه الروايات.
والأشهر أن المؤمنين كانوا نصارى نجران عندما كان دينهم دين توحيد ليس فيه حدث ولا بدعة.
وأن الكافرين كانوا أمراء اليمن أو اليهود الذين لا يبعدون عن هؤلاء في حقيقة الوثنية.
غير أن المؤمن لا يحتاج في الاعتبار وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم والجهة -وخاصة الدين الذي كان عليه أولئك أو هؤلاء- حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات.
وإنما الذي عليه: هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولًا.
ولو علم الله خيرًا في أكثر من ذلك لتفضل علينا به.
وقال ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ليدل على أنه لا مفر لأولئك الظالمين من سلطانه.
وقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ليقرر أنه عليم بكل ما يكون من خلقه، فلا تخفى عليه خافية من أفعالهم، وهومجازيهم عليها.
(فتنوا المؤمنين) أي بلوهم بالأذى، وامتحنوهم بالتعذيب ليردوهم عن دينهم.
(ولهم عذاب الحريق) معطوف على قوله: (فلهم عذاب جهنم) عطف التفسير والتوضيح مع التأكد وزيادة التهويل كما تقول -لمن قرف ذنبًا- ستلقى ما يستحقه جرمك، وستلقى حبسًا في السجن وغلًا بالحديد.
فالعذاب الذي أُعد لهم في جهنم هو عذاب الحريق.
والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يكفوا عن إيذائهم، وثبتوا على كفرهم وعنادهم، حتى أخذهم الموت، وأوعدهم الله أن يعذبهم في جهنم بالحريق: هم الضالون من كل قوم، الذين يؤذون أهل الحق والدعاة إليه من كل أمة، حرصًا على ما ألفوا من الباطل، وتشيعًا للذي وجدوا عليه أنفسهم وآباءهم الأقربين على غير بصيرة ولا استشارة للعقل الصحيح.
(البطش): الأخذ بالعنف.
وقوله: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ﴾ إلخ، تعظيم لأمر الله، جل ذكره، بما فيه وعيد لأعدائه وتعزية لأوليائه.
فذكر شدة بطشه ليرهب قريشًا ومن معها ويعزي النبي ومن معه، وبرهن على سعة القدرة بقوله إنه هو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده، وهو في كل يوم يبتدئ خلقًا من نبات وحيوان وغيرهما، ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى.
ثم هو يعيد الناس في اليوم الآخر على النحو الذي يعلمه، ثم هو الغفور لمن يرجع إليه بالتوبة.
وهو الودود لمن خلصت نفسه له بالمحبة.
و(ذو العرش) أي صاحب العظمة والسلطان.
و(المجيد) السامي الرفيع.
وأصل المجد في كلام العرب: الشرف الواسع.
(فعال) خبر لمبتدأ محذوف، وهو من صيغ المبالغة أي إنه كثير الفعل لما يريده، فلا يريد شيئًا إلا فعله طبق إرادته.
فإذا أراد إهلاك الجاحدين المماحكين، ونصر أهل الحق الصادقين، لم يعجزه ذلك.
وأين هؤلاء ممن سبقهم ممن كانوا أضل منهم، وأشد قوة.
(هل أتاك حديث الجنود) أي هل بلغك قصص أولئك الجنود، وأولي البأس من الأشداء الأقوياء، مثل فرعون وقومه وثمود وأبطالها؟
فقد كانوا أشد بأسًا وأعظم قوة من قومك، ومع ذلك فقد أخذهم الله بذنوبهم -وهكذا كل من تعلق بالباطل سقط به الباطل في الدمار.
وثمود قبيلة عظيمة من بائدة العرب لا يعرف من أخبارها -على الحقيقة- إلا ما قص الله علينا منها.
وقد أرسل الله إليها نبيه صالحًا فكفرت به، واستمرت في تمردها على الحق والعدل حتى أهلكها الله بظلمها.
فقوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴾ استئناف قول في ذكر عبر ماضية لو نظر فيها العاقل لاهتدى إلى سنن الله في خلقه.
فهل نظر منكرو أمره في سير من قبلهم، والتفتوا ببصائرهم إلى حال من تقدمهم، ثم أقبلوا على ما يذكرهم به، فإن وجدوا خيرًا قبلوه وإن وجدوا شرًا نبذوه؟
لا.
لم يكن منهم شيء من ذلك بل انحصر أمر أولئك الذين كفروا في التكذيب، أي أنهم غرقوا في شهوة التكذيب فغمرهم التكذيب، والولوع به حتى لم يدع لعقلهم مجالًا لنظر، او متسعًا لتدبر، ولا يزالون في تلك الغمرة حتى يؤخذوا على غرة.
﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ تميل لحالهم مع القهر الإلهي، وأنهم في قبضة العزة لا يفلتون منها ولا يفوتون الله ولا يعجزونه، كما لا يفوت الشيء ما يحيط به.
﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ : أي شريف، رفعه على غيره علو أسلوبه، وخلوص ما فيه للحق الذي لا يشوبه باطل.
وإتيانه بالجملة مصحوبة بحرف الإضراب يشير إلى ما أشعر به استغراقهم في التكذيب من التماسهم العذر في عدم الإيمان به من أنه أساطير الأولين، وأن ما جاء به بدعة في الدين لم يعرفها آباؤهم السابقون.
فدفع ذلك بقوله: بل هو، إلخ.
(واللوح المحفوظ): شيء أخبر الله به، وأنه أودعه كتابه ولم يعرفنا حقيقته.
فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود، وأن الله قد حفظ فيه كتابه إيمانًا بالغيب.
وأما دعوى أنه جرم مخصوص في سماء معينة، ووصفه بما جاء في روايات مختلفة، هو مما لم يثبت عن المعصوم بالتواتر، فلا ينبغي أن يدخل في عقائد أهل اليقين من المؤمنين.
وما أجدرنا -لو أردنا التأويل- بأن نأخذ بما قيل من أن اللوح المحفوظ، هو لوح الوجود الحق، ومعاني القرآن وقضاياه الشريفة: لما كانت لا يأتيها الباطل ولا يدانيها الخطأ، كانت ثابتة في لوح الواقع المحفوظ الذي لا حق إلا ما وافقه، ولا باطل إلا ما خالفه، ولا باقي إلا ما رسم فيه، ولا ضائع إلا ما لم يتطبق عليه.