الآية ١١٤ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١١٤ من سورة التوبة

وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ ١١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 163 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٤ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٤ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية ، فقال : " أي عم ، قل : لا إله إلا الله .

كلمة أحاج لك بها عند الله ، عز وجل " .

فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟

[ قال : فلم يزالا يكلمانه ، حتى قال آخر شيء كلمهم به : على ملة عبد المطلب ] .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " .

فنزلت : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) قال : ونزلت فيه : ( إنك لا تهدي من أحببت ) [ القصص : 56 ] أخرجاه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، أخبرنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الخليل ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه ، وهما مشركان ، فقلت : أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان ؟

فقال : أولم يستغفر إبراهيم لأبيه ؟

فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) إلى قوله : ( فلما تبين له أنه عدو لله ) قال : " لما مات " ، فلا أدري قاله سفيان أو قاله إسرائيل ، أو هو في الحديث " لما مات " .

قلت هذا ثابت عن مجاهد أنه قال : لما مات .

وقال الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا زهير ، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي عن محارب بن دثار ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب ، فصلى ركعتين ، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان ، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم ، وقال : يا رسول الله ، ما لك ؟

قال : " إني سألت ربي ، عز وجل ، في الاستغفار لأمي ، فلم يأذن لي ، فدمعت عيناي رحمة لها من النار ، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، لتذكركم زيارتها خيرا ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، فكلوا وأمسكوا ما شئتم ، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية ، فاشربوا في أي وعاء ولا تشربوا مسكرا " .

وروى ابن جرير ، من حديث علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر ، فجلس إليه ، فجعل يخاطب ، ثم قام مستعبرا .

فقلنا : يا رسول الله ، إنا رابنا ما صنعت .

قال : " إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي ، فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي " .

فما رئي باكيا أكثر من يومئذ .

وقال ابن أبي حاتم ، في تفسيره : حدثنا أبي ، حدثنا خالد بن خداش ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن ابن جريج عن أيوب بن هانئ ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر ، فاتبعناه ، فجاء حتى جلس إلى قبر منها ، فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب ، فدعاه ثم دعانا ، فقال : " ما أبكاكم ؟

" فقلنا : بكينا لبكائك .

قال : " إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة ، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي " ثم أورده من وجه آخر ، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبا منه ، وفيه : " وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي ، وأنزل علي : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة ، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإنها تذكر الآخرة " .

حديث آخر في معناه : قال الطبراني : حدثنا محمد بن علي المروزي ، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر ، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه : أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم ، فذهب فنزل على قبر أمه ، فناجى ربه طويلا ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه ، وبكى هؤلاء لبكائه ، وقالوا : ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث في أمته شيء لا تطيقه .

فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم ، فقال : " ما يبكيكم ؟

" .

قالوا : يا نبي الله ، بكينا لبكائك ، فقلنا : لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه ، قال : " لا وقد كان بعضه ، ولكن نزلت على قبر أمي فدعوت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة ، فأبى الله أن يأذن لي ، فرحمتها وهي أمي ، فبكيت ، ثم جاءني جبريل فقال : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) فتبرأ أنت من أمك ، كما تبرأ إبراهيم من أبيه ، فرحمتها وهي أمي ، ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعا ، فرفع عنهم اثنتين ، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين : دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض ، وألا يلبسهم شيعا ، وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع الله عنهم الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج " .

وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كداء وكانت عسفان لهم .

وهذا حديث غريب وسياق عجيب ، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب " السابق واللاحق " بسند مجهول ، عن عائشة في حديث فيه قصة أن الله أحيا أمه فآمنت ثم عادت .

وكذلك ما رواه السهيلي في " الروض " بسند فيه جماعة مجهولون : أن الله أحيا له أباه وأمه فآمنا به .

وقد قال الحافظ ابن دحية : [ هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع ، قال الله تعالى : ( ولا الذين يموتون وهم كفار ) [ النساء : 18 ] .

وقال أبو عبد الله القرطبي : إن مقتضى هذا الحديث .

.

.

ورد على ابن دحية ] في هذا الاستدلال بما حاصله : أن هذه حياة جديدة ، كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها فصلى علي العصر ، قال الطحاوي : وهو [ حديث ] ثابت ، يعني : حديث الشمس .

قال القرطبي : فليس إحياؤهما يمتنع عقلا ولا شرعا ، قال : وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب ، فآمن به .

قلت : وهذا كله متوقف على صحة الحديث ، فإذا صح فلا مانع منه والله أعلم .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) الآية ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه ، فنهاه الله عن ذلك فقال : " فإن إبراهيم خليل الله استغفر لأبيه " ، فأنزل الله : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) الآية .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في هذه الآية : كانوا يستغفرون لهم ، حتى نزلت هذه الآية ، فلما [ نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا ] ثم أنزل الله : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ) الآية .

وقال قتادة في هذه الآية : ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا نبي الله ، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الأرحام ، ويفك العاني ، ويوفي بالذمم ؛ أفلا نستغفر لهم ؟

قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بلى ، والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه " .

فأنزل الله : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) حتى بلغ : ( الجحيم ) ثم عذر الله تعالى إبراهيم ، فقال : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) قال : وذكر لنا أن نبي الله قال : " أوحي إلي كلمات ، فدخلن في أذني ووقرن في قلبي : أمرت ألا أستغفر لمن مات مشركا ، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له ، ومن أمسك فهو شر له ، ولا يلوم الله على كفاف " .

وقال الثوري ، عن الشيباني ، عن سعيد بن جبير قال : مات رجل يهودي وله ابن مسلم ، فلم يخرج معه ، فذكر ذلك لابن عباس فقال : فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ، ويدعو له بالصلاح ما دام حيا ، فإذا مات وكله إلى شأنه ثم قال : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) لم يدع .

[ قلت ] وهذا يشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره ، عن علي بن أبي طالب قال : لما مات أبو طالب قلت : يا رسول الله ، إن عمك الشيخ الضال قد مات .

قال : " اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " .

وذكر تمام الحديث .

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال : " وصلتك رحم يا عم " .

وقال عطاء بن أبي رباح : ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا ؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا على المشركين ، يقول الله ، عز وجل : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) .

وروى ابن جرير ، عن ابن وكيع ، عن أبيه ، عن عصمة بن زامل ، عن أبيه قال : سمعت أبا هريرة يقول : رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه .

قلت : ولأبيه ؟

قال : لا .

قال : إن أبي مات مشركا .

وقوله : ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) قال ابن عباس : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه .

وفي رواية : لما مات تبين له أنه عدو لله .

وكذا قال مجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وغيرهم ، رحمهم الله .

وقال عبيد بن عمير ، وسعيد بن جبير : إنه يتبرأ منه [ في ] يوم القيامة حين يلقى أباه ، وعلى وجه أبيه الغبرة والقترة فيقول : يا إبراهيم ، إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك .

فيقول : أي ربي ، ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون ؟

فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ؟

فيقال : انظر إلى ما وراءك ، فإذا هو بذيخ متلطخ ، أي : قد مسخ ضبعانا ، ثم يسحب بقوائمه ، ويلقى في النار .

وقوله : ( إن إبراهيم لأواه حليم ) قال سفيان الثوري وغير واحد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : الأواه : الدعاء .

وكذا روي من غير وجه ، عن ابن مسعود .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى : حدثنا الحجاج بن منهال ، حدثنا عبد الحميد بن بهرام ، حدثنا شهر بن حوشب ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس قال رجل : يا رسول الله ، ما الأواه ؟

قال : " المتضرع " ، قال : ( إن إبراهيم لأواه حليم ) ورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك ، عن عبد الحميد بن بهرام ، به ، قال : المتضرع : الدعاء .

وقال الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن مسلم البطين عن أبي العبيدين أنه سأل ابن مسعود عن الأواه ، فقال : هو الرحيم .

وبه قال مجاهد ، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل ، والحسن البصري ، وقتادة : أنه الرحيم ، أي : بعباد الله .

وقال ابن المبارك ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الأواه : الموقن بلسان الحبشة .

وكذا قال العوفي ، عن ابن عباس : أنه الموقن .

وكذا قال مجاهد ، والضحاك .

وقال علي بن أبي طلحة ، ومجاهد ، عن ابن عباس : الأواه : المؤمن - زاد علي بن أبي طلحة عنه : المؤمن التواب .

وقال العوفي عنه : هو المؤمن بلسان الحبشة .

وكذا قال ابن جريج : هو المؤمن بلسان الحبشة .

وقال أحمد : حدثنا موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن علي بن رباح ، عن عقبة بن عامر ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له " ذو البجادين " : " إنه أواه " ، وذلك أنه رجل كثير الذكر لله في القرآن ويرفع صوته في الدعاء .

ورواه ابن جرير .

وقال سعيد بن جبير ، والشعبي : الأواه : المسبح .

وقال ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير ، عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، قال : لا يحافظ على سبحة الضحى إلا أواه .

وقال شفي بن ماتع ، عن أيوب : الأواه : الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها .

وعن مجاهد : الأواه : الحفيظ الوجل ، يذنب الذنب سرا ، ثم يتوب منه سرا .

ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم ، رحمه الله .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا المحاربي ، عن حجاج ، عن الحكم ، عن الحسن بن مسلم بن يناق : أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إنه أواه " .

وقال أيضا حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن يمان ، حدثنا المنهال بن خليفة ، عن حجاج بن أرطأة ، عن عطاء ، عن ابن عباس ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن ميتا ، فقال : " رحمك الله إن كنت لأواها " !

يعني : تلاء للقرآن وقال شعبة ، عن أبي يونس الباهلي قال : سمعت رجلا بمكة - وكان أصله روميا ، وكان قاصا - يحدث عن أبي ذر قال : كان رجل يطوف بالبيت الحرام ويقول في دعائه : " أوه أوه " ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنه أواه .

قال : فخرجت ذات ليلة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح .

هذا حديث غريب رواه ابن جرير ومشاه .

وروي عن كعب الأحبار أنه قال : ( إن إبراهيم لأواه ) قال : كان إذا ذكر النار قال : " أوه من النار " .

وقال ابن جريج عن ابن عباس : ( إن إبراهيم لأواه ) قال : فقيه .

قال الإمام العلم أبو جعفر بن جرير : وأولى الأقوال قول من قال : إنه الدعاء ، وهو المناسب للسياق ، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه ، وقد كان إبراهيم كثير الدعاء حليما عمن ظلمه وأناله مكروها ؛ ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه في قوله : ( أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا .

قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ) [ مريم : 46 ، 47 ] ، فحلم عنه مع أذاه له ، ودعا له واستغفر ؛ ولهذا قال تعالى : ( إن إبراهيم لأواه حليم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه يقول تعالى ذكره : ما كان ينبغي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به أن يستغفروا , يقول : أن يدعوا بالمغفرة للمشركين , ولو كان المشركون الذين يستغفرون لهم أولي قربى , ذوي قرابة لهم .

{ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } يقول : من بعد ما ماتوا على شركهم بالله وعبادة الأوثان تبين لهم أنهم من أهل النار ; لأن الله قد قضى أن لا يغفر لمشرك فلا ينبغي لهم أن يسألوا ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله.

فإن قالوا : فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه وهو مشرك , فلم يكن استغفار إبراهيم لأبيه إلا لموعدة وعدها إياه { فلما تبين له } وعلم أنه لله عدو خلاه وترك الاستغفار له , وآثر الله وأمره عليه , فتبرأ منه حين تبين له أمره .

واختلف أهل التأويل في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه , فقال بعضهم : نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر له بعد موته , فنهاه الله عن ذلك.

ذكر من قال ذلك : 13466 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية , فقال : " يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله !

" فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك !

" فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } , ونزلت : { إنك لا تهدي من أحببت } .

28 56 13467 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب , قال : ثنا عمي عبد الله بن وهب , قال : ثني يونس , عن الزهري , قال : أخبرني سعيد بن المسيب , عن أبيه , قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله !

" قال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟

فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب , وأبى أن يقول : لا إله إلا الله , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك !

" فأنزل الله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } وأنزل الله في أبي طالب , فقال لرسول الله : { إنك لا تهدي من أحببت } 28 56 الآية .

13468 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } قال : يقول المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافرا , فأنزل الله : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } الآية .

13469 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن عمرو بن دينار : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك , فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي " فقال أصحابه : لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمه !

فأنزل الله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } إلى قوله : { تبرأ منه } .

13470 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن سفيان بن عيينة , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب قال : لما حضر أبا طالب الوفاة أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل بن هشام , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أي عم إنك أعظم الناس علي حقا وأحسنهم عندي يدا , ولأنت أعظم علي حقا من والدي , فقل كلمة تجب لي بها الشفاعة يوم القيامة , قل لا إله إلا الله !

" ثم ذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى , عن محمد بن ثور .

وقال آخرون : بل نزلت في سبب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم , وذلك أنه أراد أن يستغفر لها فمنع من ذلك .

ذكر من قال ذلك : 13471 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا فضيل , عن عطية قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس , رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها , حتى نزلت : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } إلى قوله : { تبرأ منه }.

13472 - قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا قيس , عن علقمة بن مرثد , عن سليمان بن بريدة , عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى رسما - قال : وأكثر ظني أنه قال قبرا - فجلس إليه , فجعل يخاطب , ثم قام مستعبرا , فقلت : يا رسول الله , إنا رأينا ما صنعت !

قال : " إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي , واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي " فما رئي باكيا أكثر من يومئذ .

13473 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { ما كان للنبي والذين آمنوا } إلى : { أنهم أصحاب الجحيم } أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه , فنهاه عن ذلك , فقال : " وإن إبراهيم خليل الله قد استغفر لأبيه " فأنزل الله : { وما كان استغفار إبراهيم } إلى : { لأواه حليم } .

وقال آخرون : بل نزلت من أجل أن قوما من أهل الإيمان كانوا يستغفرون لموتاهم من المشركين , فنهوا عن ذلك .

ذكر من قال ذلك : 13474 - حدثني المثنى , قال : ثني عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } الآية , فكانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية , فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم , ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا.

ثم أنزل الله : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } .

الآية .

13475 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } الآية , ذكر لنا أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا نبي الله , إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم , أفلا نستغفر لهم ؟

قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بلى والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه !

" قال : فأنزل الله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } حتى بلغ : { الرحيم } ثم عذر الله إبراهيم فقال : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } .

قال : وذكر لنا أن نبي الله قال : " أوحي إلي كلمات , فدخلن في أذني ووقرن في قلبي , أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركا , ومن أعطى فضل ماله فهو خير له , ومن أمسك فهو شر له , ولا يلوم الله على كفاف " .

واختلف أهل العربية في معنى قوله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : ما كان لهم الاستغفار , وكذلك معنى قوله : { وما كان لنفس أن تؤمن } وما كان لنفس الإيمان { إلا بإذن الله } .

10 100 وقال بعض نحويي الكوفة : معناه : ما كان ينبغي لهم أن يستغفروا لهم .

قال : وكذلك إذا جاءت " أن " مع " كان " , فكلها بتأويل " ينبغي " { ما كان لنبي أن يغل } 3 161 ما كان ينبغي له ليس هذا من أخلاقه , قال : فلذلك إذا دخلت " أن " تدل على الاستقبال , لأن " ينبغي " تطلب الاستقبال .

وأما قوله : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } فإن أهل العلم اختلفوا في السبب الذي أنزل فيه , فقال بعضهم : أنزل من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يستغفرون لموتاهم المشركين ظنا منهم أن إبراهيم خليل الرحمن قد فعل ذلك حين أنزل الله قوله خبرا عن إبراهيم , قال : { سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا } وقد ذكرنا الرواية عن بعض من حضرنا ذكره , وسنذكره عمن لم نذكره .

13476 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الخليل , عن علي قال : سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان , فقلت : أيستغفر الرجل لوالديه وهما مشركان ؟

فقال : أولم يستغفر إبراهيم لأبيه ؟

قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم , فذكرت ذلك له , فأنزل الله : { وما كان استغفار إبراهيم } إلى { تبرأ منه }.

13477 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الخليل , عن علي : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر لأبويه وهما مشركان , حتى نزلت : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه } إلى قوله : { تبرأ منه } .

وقيل : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة } , ومعناه : إلا من بعد موعدة , كما يقال : ما كان هذا الأمر إلا عن سبب كذا , بمعنى : من بعد ذلك السبب أو من أجله , فكذلك قوله : { إلا عن موعدة } : من أجل موعدة وبعدها .

وقد تأول قوم قول الله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } الآية , أن النهي من الله عن الاستغفار للمشركين بعد مماتهم , لقوله : { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } وقالوا : ذلك لا يتبينه أحد إلا بأن يموت على كفره , وأما هو حي فلا سبيل إلى علم ذلك , فللمؤمنين أن يستغفروا لهم .

ذكر من قال ذلك : 13478 - حدثنا سليمان بن عمر الرقي , ثنا عبد الله بن المبارك , عن سفيان الثوري , عن الشيباني , عن سعيد بن جبير قالا : مات رجل يهودي وله ابن مسلم , فلم يخرج معه , فذكر ذلك لابن عباس , فقال : كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ما دام حيا , فإذا مات وكله إلى شأنه !

ثم قال : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } لم يدع .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا فضيل , عن ضرار بن مرة , عن سعيد بن جبير , قال : مات رجل نصراني , فوكله ابنه إلى أهل دينه , فأتيت ابن عباس , فذكرت ذلك له فقال : ما كان عليه لو مشى معه وأجنه واستغفر له !

ثم تلا { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } الآية .

وتأول آخرون الاستغفار في هذا الموضوع بمعنى الصلاة .

ذكر من قال ذلك : 13479 - حدثني المثنى , قال : ثني إسحاق , قال : ثنا كثير بن هشام , عن جعفر بن برقان , قال : ثنا حبيب بن أبي مرزوق , عن عطاء بن أبي رباح , قال : ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا , لأني لم أسمع أن الله يحجب الصلاة إلا عن المشركين , يقول الله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } .

وتأوله آخرون بمعنى الاستغفار الذي هو دعاء .

ذكر من قال ذلك : 13480 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عصمة بن راشد , عن أبيه قال : سمعت أبا هريرة يقول : رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه !

قلت : ولأبيه ؟

قال : لا إن أبي مات وهو مشرك.

قال أبو جعفر : وقد دللنا على أن معنى الاستغفار : مسألة العبد ربه غفر الذنوب ; وإذ كان ذلك كذلك , وكانت مسألة العبد ربه ذلك قد تكون في الصلاة وفي غير الصلاة , لم يكن أحد القولين اللذين ذكرنا فاسدا , لأن الله عم بالنهي عن الاستغفار للمشرك بعدما تبين له أنه من أصحاب الجحيم , ولم يخصص من ذلك حالا أباح فيها الاستغفار له .

وأما قوله : { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } فإن معناه : ما قد بينت من أنه من بعد ما يعلمون بموته كافرا أنه من أهل النار .

وقيل : { أصحاب الجحيم } لأنهم سكانها وأهلها الكائنون فيها , كما يقال لسكان الدار : هؤلاء أصحاب هذه الدار , بمعنى سكانها .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 13481 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرازق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , في قوله : { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } قال : تبين للنبي صلى الله عليه وسلم أن أبا طالب حين مات أن التوبة قد انقطعت عنه .

* - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , قال : تبين له حين مات , وعلم أن التوبة قد انقطعت عنه , يعني في قوله : { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } .

13482 - حدثنا عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك في قوله : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } الآية , يقول : إذا ماتوا مشركين , يقول الله : { ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } 5 72 الآية .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } قال بعضهم : معناه : فلما تبين له بموته مشركا بالله تبرأ منه وترك الاستغفار له .

ذكر من قال ذلك : 13483 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن حبيب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات , فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن حبيب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات , فلما مات تبين له أنه عدو لله .

* - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان , عن حبيب بن أبي ثابت , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات , فلما مات لم يستغفر له .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إنه عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } يعني استغفر له ما كان حيا , فلما مات أمسك عن الاستغفار له.

13484 - حدثني مطر بن محمد الضبي , قال : ثنا أبو عاصم وأبو قتيبة مسلم بن قتيبة , قالا : ثنا شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , في قوله : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } قال : لما مات .

* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , مثله .

13485 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فلما تبين له أنه عدو لله } قال : موته وهو كافر .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثني أبي , عن شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , مثله .

13486 - قال : ثنا البراء بن عتبة , عن أبيه , عن الحكم : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } قال : حين مات ولم يؤمن .

13487 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن عمرو بن دينار : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } : موته وهو كافر.

13488 - حدثني عمرو بن عون , قال : ثنا هشيم عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } قال : لما مات.

13489 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } لما مات على شركه تبرأ منه .

13490 - حدثنا عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه } كان إبراهيم صلوات الله عليه يرجو أن يؤمن أبوه ما دام حيا ; فلما مات على شركه تبرأ منه .

* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } قال : موته وهو كافر .

* - حدثنا محمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن حبيب بن أبي ثابت , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات , فلما مات تبين له أنه عدو له فلم يستغفر له .

13491 - قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا أبو إسرائيل , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { فلما تبين له أنه عدو لله } قال : فلما مات .

وقال آخرون : معناه تبين له في الآخرة ; وذلك أن أباه يتعلق به إذا أراد أن يجوز الصراط فيمر به عليه , حتى إذا كاد أن يجاوزه حانت من إبراهيم التفاتة فإذا هو بأبيه في صورة قرد أو ضبع , فخلى عنه وتبرأ منه حينئذ .

ذكر من قال ذلك : 13492 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا حفص بن غياث , قال : ثنا عبد الله بن سليمان , قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : إن إبراهيم يقول يوم القيامة : رب والدي !

رب والدي !

فإذا كان الثالثة أخذ بيده , فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرأ منه .

13493 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن عبيد بن عمير , قال : إنكم مجموعون يوم القيامة في صعيد واحد يسمعكم الداعي وينفذكم البصر , قال : فتزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع لركبتيه ترعد فرائصه .

قال : فحسبته يقول : نفسي نفسي !

قال : ويضرب الصراط على جسر جهنم كحد السيف , وحضر من له ; وفي جانبيه ملائكة معهم خطاطيف كشوك السعدان .

قال : فيمضون كالبرق وكالريح وكالطير , وكأجاويد الركاب , وكأجاويد الرجال , والملائكة يقولون : رب سلم سلم !

فناج سالم , ومخدوش ناج , ومكدوس في النار.

يقول إبراهيم لأبيه : إني آمرك في الدنيا فتعصيني ولست تاركك اليوم , فخذ بحقوي !

فيأخذ بضبعيه , فيمسخ ضبعا , فإذا رآه قد مسخ تبرأ منه .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول الله , وهو خبره عن إبراهيم أنه لما تبين له أن أباه لله عدو يبرأ منه , وذلك حال علمه ويقينه أنه لله عدو وهو به مشرك , وهو حال موته على شركه .إن إبراهيم لأواه حليم القول في تأويل قوله تعالى : { إن إبراهيم لأواه حليم } اختلف أهل التأويل في " الأواه " , فقال بعضهم : هو الدعاء .

ذكر من قال ذلك : 13494 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله , قال : الأواه : الدعاء .

* - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا : ثنا أبو بكر , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله , قال : الأواه : الدعاء .

* - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني جرير بن حازم , عن عاصم بن بهدلة , عن زر بن حبيش , قال : سألت عبد الله عن الأواه , فقال : هو الدعاء .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن بشر , عن ابن أبي عروبة , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله مثله .

* - قال : ثنا قبيصة , عن سفيان , عن عبد الكريم , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال : الأواه : الدعاء .

* - قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله , مثله .

* - حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان وإسرائيل , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله مثله .

13495 - حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع , قالا : ثنا ابن علية , قال : ثنا داود بن أبو هند , قال : نبئت عن عبيد بن عمير , قال : الأواه : الدعاء .

* - حدثني إسحاق بن شاهين , قال : ثنا داود , عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي , عن أبيه , قال : الأواه : الدعاء .

وقالا آخرون : بل هو الرحيم .

ذكر من قال ذلك : 13496 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن سلمة , عن مسلم البطين , عن أبي العبيدين , قال : سئل عبد الله عن الأواه , فقال : الرحيم .

* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , قال : سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن أبي العبيدين رجل ضرير البصر , أنه سأل عبد الله عن الأواه فقال : الرحيم.

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا المحاربي ; وحدثنا خلاد بن أسلم قال : أخبرنا النضر بن شميل جميعا , عن المسعودي , عن سلمة بن كهيل , عن أبي العبيدين أنه سأل ابن مسعود , فقال : ما الأواه ؟

قال : الرحيم .

* - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا ابن إدريس , عن الأعمش , عن الحكم , عن يحيى بن الجزار , عن أبي العبيدين , أنه جاء إلى عبد الله , وكان ضرير البصر , فقال : يا أبا عبد الرحمن , من نسأل إذا لم نسألك ؟

فكأن ابن مسعود رق له , قال : أخبرني عن الأواه , قال : الرحيم .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن سلمة بن كهيل , عن مسلم , عن البطين , عن أبي العبيدين , قال : سألت عبد الله عن الأواه , فقال : هو الرحيم .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن الأعمش , عن الحكم , عن يحيى بن الجزار , قال : جاء أبو العبيدين إلى عبد الله , فقال له ما حاجتك ؟

قال : ما الأواه ؟

قال : الرحيم .

* - قال : ثنا ابن إدريس , عن الأعمش , عن الحكم , عن يحيى بن الجزار , عن أبي العبيدين رجل من بني سوأة , قال : جاء رجل إلى عبد الله فسأله عن الأواه , فقال له عبد الله : الرحيم .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا المحاربي وهانئ بن سعيد , عن حجاج , عن الحكم , عن يحيى بن الجزار , عن أبي العبيدين , عن عبد الله , قال : الأواه : الرحيم.

* - حدثني يعقوب وابن وكيع , قالا : ثنا ابن علية , عن شعبة , عن الحكم , عن يحيى بن الجزار أن أبا العبيدين رجل من بين نمير - قال يعقوب : كان ضرير البصر ; وقال ابن وكيع : كان مكفوف البصر - سأل ابن مسعود فقال : ما الأواه ؟

قال : الرحيم .

13497 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو أسامة , عن زكريا , عن أبي إسحاق , عن أبي ميسرة , قال : الأواه : الرحيم .

* - قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي ميسرة , مثله .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي ميسرة , مثله .

13498 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن بشر , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن , قال : هو الرحيم .

13499 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : كنا نحدث أن الأواه الرحيم .

* - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة : { إن إبراهيم لأواه } قال : رحيم .

* - قال عبد الكريم الجزري , عن أبي عبيدة , عن ابن مسعود مثل ذلك .

* - حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن عبد الكريم , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال : الأواه : الرحيم .

* - حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد قال : ثنا سفيان , عن سلمة , عن مسلم البطين , عن أبي العبيدين , أنه سأل عبد الله عن الأواه , فقال الرحيم .

13500 - قال : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن عمرو بن شرحبيل , قال : الأواه : الرحيم .

* - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا مبارك , عن الحسن , قال : الأواه : الرحيم بعباد الله .

* - قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو خيثمة زهير , قال : ثنا أبو إسحاق الهمداني , عن أبي ميسرة , عن عمرو بن شرحبيل , قال : الأواه : الرحيم بلحن الحبشة .

وقال آخرون : بل هو الموقن .

ذكر من قال ذلك : 13501 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن قابوس , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : الأواه : الموقن .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي بن آدم , عن ابن مبارك , عن خالد , عن عكرمة , عن ابن عباس قال : الأواه : الموقن بلسان الحبشة .

* - قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن حسن , عن مسلم , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : الأواه : الموقن بلسانه الحبشة .

13502 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : سمعت سفيان يقول : الأواه : الموقن .

وقال بعضهم : الفقيه الموقن .

13503 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان , عن جابر , عن عطاء , قال : الأواه : الموقن بلسان الحبشة.

13504 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن رجل , عن عكرمة , قال : هو الموقن بلسان الحبشة .

13505 - قال : ثنا ابن نمير , عن الثوري , عن مجالد , عن أبي هاشم , عن مجاهد , قال : الأواه : الموقن.

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن مسلم , عن مجاهد , قال : الأواه : الموقن .

* - قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قابوس , عن أبي ظبيان , عن ابن عباس , قال : الأواه : الموقن .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : " أواه " : موقن .

13506 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : أواه , قال : مؤتمن موقن .

* - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { إن إبراهيم لأواه حليم } قال : الأواه : الموقن .

وقال آخرون : هي كلمة بالحبشية معناها : المؤمن .

ذكر من قال ذلك : 13507 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { لأواه حليم } قال : الأواه : هو المؤمن بالحبشية .

* - حدثنا علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { إن إبراهيم لأواه } يعني : المؤمن التواب .

* - حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا حسن بن صالح , عن مسلم , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : الأواه : المؤمن .

13508 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج : الأواه : المؤمن بالحبشية.

وقال آخرون : هو المسبح الكثير الذكر لله .

ذكر من قال ذلك : 13509 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن سالم , عن سعيد , قال : الأواه : المسبح .

13510 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا المحاربي , عن حجاج , عن الحكم , عن الحسن بن مسلم بن يناق , أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح , فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فقال : " إنه أواه " .

13511 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يزيد بن حيان , عن ابن لهيعة , عن الحارث بن يزيد , عن علي بن رباح , عن عقبة بن عامر , قال : الأواه : الكثير الذكر لله.

وقال آخرون : هو الذي يكثر تلاوة القرآن .

ذكر من قال ذلك : 13512 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , قال : ثنا المنهال بن خليفة , عن حجاج بن أرطأة , عن عطاء عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن ميتا , فقال : " يرحمك الله إن كنت أواها " يعني : تلاء للقرآن.

وقال آخرون : هو من التأوه .

ذكر من قال ذلك : 13513 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي يونس القشيري , عن قاص كان بمكة : أن رجلا كان في الطواف , فجعل يقول : أوه !

قال : فشكاه أبو ذر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " دعه إنه أواه ".

13514 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن شعبة , عن أبي يونس الباهلي , قال : سمعت رجلا بمكة كان أصله روميا يحدث عن أبي ذر , قال : كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه : أوه أوه !

فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إنه أواه ".

زاد أبو كريب في حديثه , قال : فخرجت ذات ليلة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح .

13515 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا زيد بن الحباب , عن جعفر بن سليمان , قال : ثنا عمران , عن عبيد الله بن رباح , عن كعب , قال : الأواه : إذا ذكر النار قال : أوه !

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا عبد العزيز , عن عبد الصمد القمي , عن أبي عمران الحوفي , عن عبد الله بن رباح , عن كعب , قال : كان إذا ذكر النار قال : أواه !

.

* - حدثنا الحسن , قال : أخبرنا عبد الرزاق , عن جعفر بن سليمان , قال : أخبرنا أبو عمران , قال سمعت عبد الله بن رباح الأنصاري يقول : سمعت كعبا يقول : { إن إبراهيم لأواه } قال : إذا ذكر النار قال : أوه من النار .

وقال آخرون : معناه أنه فقيه .

ذكر من قال ذلك : 13516 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد : { إن إبراهيم لأواه } قال : فقيه .

وقال آخرون : هو المتضرع الخاشع .

ذكر من قال ذلك : 13517 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا عبد الحميد بن بهرام , قال : ثنا شهر بن حوشب , عن عبد الله بن شداد بن الهاد , قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس , قال رجل : يا رسول الله ما الأواه ؟

قال : " المتضرع " .

قال : " إن إبراهيم لأواه حليم " .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرحمن بن مغراء , عن عبد الحميد , عن شهر , عن عبد الله بن شداد , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأواه : الخاشع المتضرع " .

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه زر أنه الدعاء .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب , لأن الله ذكر ذلك ووصف به إبراهيم خليله صلوات الله عليه بعد وصفه إياه بالدعاء والاستغفار لأبيه , فقال : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين لا أنه عدو لله تبرأ منه } وترك الدعاء والاستغفار له , ثم قال : إبراهيم لدعاء ربه شاك له حليم عمن سبه وناله بالمكروه ; وذلك أنه صلوات الله عليه وعد أباه بالاستغفار له , ودعاء الله له بالمغفرة عند وعيد أبيه إياه , وتهدده له بالشتم بعد ما رد عليه نصيحته في الله , وقوله : { أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا } فقال له صلوات الله عليه : { سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا } 19 47 : 48 فوفى لأبيه بالاستغفار له حتى تبين له أنه عدو لله , فوصفه الله بأنه دعاء لربه حليم عمن سفه عليه.

وأصله من التأوه وهو التضرع والمسألة بالحزن والإشفاق , كما روى عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم , وكما روى عقبة بن عامر الخبر الذي : 13518 - حدثنيه يحيى بن عثمان بن صالح السهمي , قال : ثنا أبي , قال : ثنا ابن لهيعة , قال : ثني الحارث بن يزيد , عن علي بن رباح , عن عقبة بن عامر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين : " إنه أواه !

" وذلك أنه رجل كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء ويرفع صوته .

ولذلك قيل للمتوجع من ألم أو مرض : لم تتأوه ؟

كما قال المثقب العبدي : إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين ومنه قول الجعدي : ضروح مروح تتبع الورق بعدما يعرسن تشكو آهة وتذمرا ولا تكاد العرب تنطق منه بفعل يفعل , وإنما تقول فيه : تفعل يتفعل , مثل تأوه يتأوه , وأوه يؤوه , كما قال الراجز : فأوه الراعي وضوضى أكلبه وقالوا أيضا : أوه منك !

ذكر الفراء أن أبا الجراح أنشده : فأوه من الذكرى إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض بيننا وسماء قال : وربما أنشدنا " فأو من الذكرى " بغير هاء .

ولو جاء فعل منه على الأصل لكان آه يئوه أوها .

ولأن معنى ذلك : توجع وتحزن وتضرع , اختلف , أهل التأويل فيه الاختلاف الذي ذكرت , فقال من قال معناه الرحمة : أن ذلك كان من إبراهيم على وجه الرقة على أبيه والرحمة له ولغيره من الناس .

وقال آخرون : إنما كان ذلك منه لصحة يقينه وحسن معرفته بعظمة الله وتواضعه له.

وقال آخرون : كان لصحة إيمانه بربه.

وقال آخرون : كان ذلك منه عند تلاوته تنزيل أحد الذي أنزل عليه .

وقال آخرون : كان ذلك منه عند ذكر ربه .

وكل ذلك عائد إلى ما قلت , وتقارب معنى بعض ذلك من بعض ; لأن الحزين المتضرع إلى ربه الخاشع له بقلبه , ينوبه ذلك عند مسألته ربه ودعائه إياه في حاجاته , وتعتوره هذه الخلال التي وجه المفسرون إليها تأويل قول الله : { أن إبراهيم لأواه حليم } .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليمفيه ثلاث مسائل :الأولى : روى النسائي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : أتستغفر لهما وهما مشركان ؟

فقال : أولم يستغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه .

فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فنزلت : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه .

والمعنى : لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة .

وقال ابن عباس : كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد فلما مات على الكفر علم أنه عدو الله فترك الدعاء له ، فالكناية في قوله : ( إياه ) ترجع إلى إبراهيم والواعد أبوه .

وقيل : الواعد إبراهيم أي وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له فلما مات مشركا تبرأ منه .

ودل على هذا الوعد قوله : سأستغفر لك ربي .

قال القاضي أبو بكر بن العربي : تعلق النبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأبي طالب بقوله تعالى : سأستغفر لك ربي فأخبره الله تعالى أن استغفار إبراهيم لأبيه كان وعدا قبل أن يتبين الكفر منه فلما تبين له الكفر منه تبرأ منه فكيف تستغفر أنت لعمك يا محمد وقد شاهدت موته كافرا .[ ص: 194 ] الثانية : ظاهر حالة المرء عند الموت يحكم عليه بها فإن مات على الإيمان حكم له به وإن مات على الكفر حكم له به وربك أعلم بباطن حاله بيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له العباس : يا رسول الله هل نفعت عمك بشيء ؟

قال : نعم .

وهذه شفاعة في تخفيف العذاب لا في الخروج من النار على ما بيناه في كتاب التذكرة .الثالثة : قوله تعالى إن إبراهيم لأواه حليم اختلف العلماء في الأواه على خمسة عشر قولا :الأول : أنه الدعاء الذي يكثر الدعاء ; قاله ابن مسعود وعبيد بن عمير .الثاني : أنه الرحيم بعباد الله قاله الحسن وقتادة ، وروي عن ابن مسعود .

والأول أصح إسنادا عن ابن مسعود ؛ قاله النحاس .

الثالث : أنه الموقن ؛ قاله عطاء وعكرمة ورواه أبو ظبيان عن ابن عباس .الرابع : أنه المؤمن ؛ بلغة الحبشة ؛ قاله ابن عباس أيضا .الخامس : أنه المسبح الذي يذكر الله في الأرض القفر الموحشة ; قاله الكلبي وسعيد بن المسيب .السادس : أنه الكثير الذكر لله تعالى ؛ قاله عقبة بن عامر وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل يكثر ذكر الله ويسبح فقال : إنه لأواه .السابع : أنه الذي يكثر تلاوة القرآن .

وهذا مروي عن ابن عباس .قلت : وهذه الأقوال متداخلة ؛ وتلاوة القرآن يجمعها .

الثامن : أنه المتأوه ; قاله أبو ذر وكان إبراهيم عليه السلام يقول : " آه من النار قبل ألا تنفع آه " .

وقال أبو ذر : كان رجل يكثر الطواف بالبيت ويقول في دعائه : أوه أوه ; فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : دعه فإنه أواه فخرجت ذات ليلة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح .التاسع : أنه الفقيه ؛ قاله مجاهد والنخعي .العاشر : أنه المتضرع الخاشع ؛ رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال أنس : تكلمت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم بشيء كرهه فنهاها عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوها فإنها أواهة .

قيل : يا رسول الله ، وما الأواهة ؟

قال : الخاشعة .

الحادي عشر : أنه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها ؛ قاله أبو أيوب .

الثاني عشر : أنه الكثير التأوه من الذنوب ؛ قاله الفراء .

الثالث عشر : أنه المعلم للخير ؛ قاله سعيد بن جبير الرابع عشر : أنه الشفيق ؛ قاله عبد العزيز بن يحيى .

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يسمى الأواه لشفقته [ ص: 195 ] ورأفته .الخامس عشر : أنه الراجع عن كل ما يكره الله تعالى ؛ قاله عطاء وأصله من التأوه ، وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء .

قال كعب : كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار تأوه .

قال الجوهري : قولهم عند الشكاية أوه من كذا ( ساكنة الواو ) إنما هو توجع .

قال الشاعر :فأوه لذاكرها إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض بيننا وسماءوربما قلبوا الواو ألفا فقالوا : آه من كذا .

وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا : أوه من كذا .

وربما حذفوا مع التشديد الهاء فقالوا : أو من كذا بلا مد .

وبعضهم يقول : أوه بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية .

وربما أدخلوا فيها التاء فقالوا : أوتاه يمد ولا يمد .

وقد أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إذا قال أوه ، والاسم منه الآهة بالمد .

قال المثقب العبدي :إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزينوالحليم : الكثير الحلم وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى .

وقيل : الذي لم يعاقب أحدا قط إلا في الله ولم ينتصر لأحد إلا لله .

وكان إبراهيم عليه السلام كذلك وكان إذا قام يصلي سمع وجيب قلبه على ميلين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولئن وجد الاستغفار من خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام لأبيه فإنه ‏{‏عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ‏}‏ في قوله ‏{‏سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا‏}‏ وذلك قبل أن يعلم عاقبة أبيه‏.‏ فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو للّه، سيموت على الكفر، ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير ‏{‏تَبَرَّأَ مِنْهُ‏}‏ موافقة لربه وتأدبا معه‏.‏ ‏{‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ‏}‏ أي‏:‏ رجَّاع إلى اللّه في جميع الأمور، كثير الذكر والدعاء، والاستغفار والإنابة إلى ربه‏.‏ ‏{‏حَلِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ ذو رحمة بالخلق، وصفح عما يصدر منهم إليه، من الزلات، لا يستفزه جهل الجاهلين، ولا يقابل الجاني عليه بجرمه، فأبوه قال له‏:‏ ‏{‏لَأَرْجُمَنَّكَ‏}‏ وهو يقول له‏:‏ ‏{‏سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي‏}‏ فعليكم أن تقتدوا به، وتتبعوا ملة إبراهيم في كل شيء ‏{‏إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ‏}‏ كما نبهكم اللّه عليها وعلى غيرها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) قال بعضهم : الهاء في إياه عائدة إلى إبراهيم عليه السلام .

والوعد كان من أبيه ، وذلك أن أباه كان وعده أن يسلم ، فقال له إبراهيم : سأستغفر لك ربي يعني إذا أسلمت .

وقال بعضهم : الهاء راجعة إلى الأب ، وذلك أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه .

وهو قوله : " سأستغفر لك ربي " .

يدل عليه قراءة الحسن : " وعدها أباه " بالباء الموحدة .

والدليل على أن الوعد من إبراهيم ، وكان الاستغفار في حال شرك الأب ، قوله تعالى : " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم " ، إلى أن قال : " إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك " ( الممتحنة - 4 ) فصرح أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار ، وإنما استغفر له وهو مشرك لمكان الوعد رجاء أن يسلم .

( فلما تبين له أنه عدو لله ) لموته على الكفر ، ( تبرأ منه ) وقيل : فلما تبين له في الآخرة أنه عدو لله تبرأ منه أي : يتبرأ منه وذلك ما : أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، حدثني أخي عبد الحميد عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة ، وعلى وجه آزر قترة وغبرة ، فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني؟!

فيقول له أبوه : فاليوم لا أعصيك ، فيقول إبراهيم عليه السلام : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟

فيقول الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين .

ثم يقال يا إبراهيم : ما تحت رجليك؟

فينظر فإذا هو بذبح ملتطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " وفي رواية : يتبرأ منه يومئذ .

قوله تعالى : ( إن إبراهيم لأواه حليم ) اختلفوا في معنى الأواه جاء في الحديث : " إن الأواه الخاشع المتضرع " .

وقال عبد الله بن مسعود : الأواه الدعاء .

وعن ابن عباس قال : هو المؤمن التواب .

وقال الحسن وقتادة : الأواه الرحيم بعباد الله .

وقال مجاهد : الأواه الموقن .

وقال عكرمة : هو المستيقن بلغة الحبشة .

وقال كعب الأحبار : هو الذي يكثر التأوه ، وكان إبراهيم عليه السلام يكثر أن يقول : آه من النار ، قبل أن لا ينفع آه .

وقيل : هو الذي يتأوه من الذنوب .

وقال عقبة بن عامر : الأواه الكثير الذكر لله تعالى .

وعن سعيد بن جبير قال : الأواه المسبح .

وروي عنه : الأواه : المعلم للخير .

وقال النخعي : هو الفقيه .

وقال عطاء : هو الراجع عن كل ما يكره الله .

وقال أيضا : هو الخائف من النار .

وقال أبو عبيدة : هو المتأوه شفقا وفرقا المتضرع يقينا .

يريد أن يكون تضرعه يقينا ولزوما للطاعة .

قال الزجاج : قد انتظم في قول أبي عبيدة أكثر ما قيل في الأواه .

وأصله : من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء ، والفعل منه أوه وتأوه ، والحليم الصفوح عمن سبه أو ناله بالمكروه ، كما قال لأبيه ، عند وعيده ، وقوله : " لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي " [ مريم - 46 ] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : الحليم السيد

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه) بقوله "" سأستغفر لك ربي "" رجاء أن يسلم (فلما تبين له أنه عدو لله) بموته على الكفر (تبرأ منه) وترك الاستغفار له (إن إبراهيم لأواه) كثير التضرع والدعاء (حليم) صبور على الأذى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما كان استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه المشرك، إلا عن موعدة وعدها إياه، وهي قوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (19:47)}.

فلما تبيَّن لإبراهيم أن أباه عدو لله ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير، وأنه سيموت كافرًا، تركه وترك الاستغفار له، وتبرأ منه.

إن إبراهيم عليه السلام عظيم التضرع لله، كثير الصفح عما يصدر مِن قومه من الزلات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - السبب الذى حمل إبراهيم على الاستغفار لأبيه ، ثم على ترك هذا الاستغفار فقال : ( وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) .قال القرطبى : روى النسائى عن على بن أبى طالب قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان .

فقلت : أتستغفر لهما وهما مشركان؟

فقال : أو لم يستغفروا إبراهيم لأبيه .

فأتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فنزلت ( وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ ) الآية .والمعنى : لا حجة لكم أيها المؤمنون فى استغفار إبراهيم ، لأن استغفاره له إنما كان بسبب وعد صدر له بذلك .

فلما أصر " آزر " أبو إبراهيم على كفره ، ومات مشركا بالله تبرأ إبراهيم ومن عمله .والمراد هذا الوعد ما جاء فى القرآن من قوله له : ( قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ) وقوله : ( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيْءٍ ) وقوله : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان الداعى الذى دعا إبراهيم إلى الاستغفار لأبيه قبل التبين .أى : إن إبراهيم لكثير التأوه والتوجع من خشية الله ، وكثير الحلم والصفح عمن آذاه .قال الآلوسى : قوله ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) أى لكثير التأوه ، وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين .

.

وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة .

ورقة القلب .

وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما " عن عبد الله بن شداد ، قال رجل : يا رسول الله ما الأواه؟

قال : " الخاشع المتضرع الكثير الدعاء " " .ويؤخذ من هاتين الآيتين ، أنه لا يجوز لمسلم أن يستغفر لمشكر بعد موته على الشكر مهما بلغت درجة قرابته له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم، وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان كالأب والأم، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً.

الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما فتح الله تعالى مكة سأل النبي عليه الصلاة والسلام أي أبويه أحدث به عهداً قيل أمك، فذهب إلى قبرها ووقف دونه، ثم قعد عند رأسها وبكى فسأله عمر وقال: نهيتنا عن زيارة القبور والبكاء، ثم زرت وبكيت، فقال: قد أذن لي فيه، فلما علمت ما هي فيه من عذاب الله وإني لا أغني عنها من الله شيئاً بكيت رحمة لها.

الثاني: روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب.

فقال: أنا على ملة عبد المطلب فقال عليه الصلاة والسلام: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فنزلت هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ قال الواحدي: وقد استبعده الحسين بن الفضل لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولاً، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في أول الإسلام، وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد، فأي بأس أن يقال إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية، فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة فلعل المؤمنين كان يجوز لهم أن يستغفروا لأبويهم من الكافرين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً يفعل ذلك، ثم عند نزول هذه السورة منعهم الله منه، فهذا غير مستبعد في الجملة.

الثالث: يروى عن علي أنه سمع رجلاً يستغفر لأبويه المشركين قال: فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟

فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية.

الرابع: يروى أن رجلاً أتى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: كان أبي في الجاهلية يصل الرحم، ويقري الضيف، ويمنح من ماله.

وأي أبي؟

فقال: أمات مشركاً؟

قال: نعم.

قال: في ضحضاح من النار، فولى الرجل يبكي فدعاه عليه الصلاة والسلام، فقال: إن أبي وأباك وأبا إبراهيم في النار، إن أباك لم يقل يوماً أعوذ بالله من النار المسألة الثانية: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ يحتمل أن يكون المعنى ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف، وأن يكون معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي: فالأول: معناه أن النبوة والإيمان يمنع من الاستغفار للمشركين.

والثاني: معناه لا تستغفروا والأمران مقاربان.

وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم ﴾ وأيضاً قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار.

فطلب الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده وأنه لا يجوز.

وأيضاً لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم.

فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين، وذلك يوجب نقصان درجة النبي عليه الصلاة والسلام وحظ مرتبته، وأيضاً أنه قال: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ وقال عنهم أنهم أصحاب الجحيم فهذا الاستغفار يوجب الخلف في أحد هذين النصين، وإنه لا يجوز وقد جوز أبو هاشم أن يسأل العبد ربه شيئاً بعد ما أخبر الله عنه أنه لا يفعله، واحتج عليه بقول أهل النار ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا  ﴾ مع علمهم بأنه تعالى لا يفعل ذلك، وهذا في غاية البعد من وجوه: الأول: أم هذا مبني على مذهبه أن أهل الآخرة لا يجهلون ولا يكذبون، وذلك ممنوع، بل نص القرآن يبطله.

وهو قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ  ﴾ والثاني: أن في حقهم يحسن ردهم عن ذلك السؤال وإسكاتهم، أما في حق الرسول عليه الصلاة والسلام فغير جائز، لأنه يوجب نقصان منصبه.

والثالث: أن مثل هذا السؤال الذي يعلم أنه لا فائدة فيه إما أن يكون عبثاً أو معصية.

وكلاهما جائزان على أهل النار وغير جائزين على أكابر الأنبياء عليهم السلام.

المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار، وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأقارب أو من الأباعد، فلهذا السبب قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى ﴾ وكون سبب النزول ما حكينا، يقوي هذا الذي قلناه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمداً من بعض ما أذن لإبراهيم فيه.

والثاني: أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم.

ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد عليه الصلاة والسلام، بل المبالغة في تقرير وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضاً في دين إبراهيم عليه السلام، فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى.

الثالث: أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليماً أي قليل الغضب، وبكونه أواها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس، والمقصود أن من كان موصوفاً بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديداً، فكأنه قيل: إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفاً بالأواهية والحليمية منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر، فلأن يكون غيره ممنوعاً من هذا المعنى كان أولى.

المسألة الثانية: دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه.

قال تعالى حكاية عنه ﴿ واغفر لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين  ﴾ وأيضاً قال عنه: ﴿ رَبَّنَا اغفر لِى وَلِوَالِدَىَّ  ﴾ وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال: ﴿ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  ﴾ وثبت أن الاستغفار للكافر لا يجوز.

فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه السلام.

واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ وفيه قولان: الأول: أن يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام، والمعنى: أن أباه وعده أن يؤمن، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأجل أن يحصل هذا المعنى، فلما تبين له أنه لا يؤمن وأنه عدو لله تبرأ منه، وترك ذلك الاستغفار.

الثاني: أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ والدليل على صحة هذا التأويل قراءة الحسن ﴿ وَعَدَهَا أَبَاهُ ﴾ بالباء، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين آخرين.

الوجه الأول: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان والإسلام، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران، وكان يتضرع إلى الله في أن يرزقه الإيمان الذي يوجب المغفرة، فهذا هو الاستغفار، فلما أخبره الله تعالى بأنه يموت مصراً على الكفر ترك تلك الدعوة.

والوجه الثاني: في الجواب أن من الناس من حمل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ على صلاة الجنازة، وبهذا الطريق فلا امتناع في الاستغفار للكافر لكون الفائدة في ذلك الاستغفار تخفيف العقاب.

قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه، أنه تعالى منع من الصلاة على المنافقين، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً  ﴾ وفي هذه الآية عم هذا الحكم، ومنه من الصلاة على المشركين، سواء كان منافقاً أو كان مظهراً لذلك الشرك وهذا قول غريب.

المسألة الثالثة: اختلفوا في السبب الذي به تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله.

فقال بعضهم: بالإصرار والموت.

وقال بعضهم: بالإصرار وحده.

وقال آخرون: لا يبعد أن الله تعالى عرفه ذلك بالوحي، وعند ذلك تبرأ منه.

فكان تعالى يقول: لما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه، فكونوا كذلك، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله: ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة.

قال: ﴿ إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ واعلم أن اشتقاق الأواه من قول الرجل عند شدة حزنه أوه، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في داخل القلب ويشتد حرقه، فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ، وللمفسرين فيه عبارات، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأواه: الخاشع المتضرع».

وعن عمر: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأواه، فقال: الدعاء ويروى أن زينب تكلمت عند الرسول عليه الصلاة والسلام بما يغير لونه، فأنكر عمر، فقال عليه الصلاة والسلام: «دعها فإنها أواهة» قيل يا رسول الله وما الأواهة؟

قال: «الداعية الخاشعة المتضرعة» وقيل: معنى كون إبراهيم عليه السلام أواها، كلما ذكر لنفسه تقصيراً أو ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقاً من ذلك واستعظاماً له.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الأواه، المؤمن بالخشية.

وأما وصفه بأنه حليم فهو معلوم.

واعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام، لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل، ومن كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه وأولاده، فبين تعالى أنه مع هذه العادة تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه، لما ظهر له إصراره على الكفر، فأنتم بهذا المعنى أولى، وكذلك وصفه أيضاً بأنه حليم، لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب، وشدة العطف لأن المرء إذا كان حاله هكذا اشتد حلمه عند الغضب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ طلحة وما استغفر إبراهيم لأبيه، وعنه: وما يستغفر إبراهيم، على حكاية الحال الماضية ﴿ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ أي وعدها إبراهيم أباه، وهو قوله: ﴿ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ [الممتحنة: 4] ويدلّ عليه قراءة الحسن وحماد الراوية: وعدها أباه.

فإن قلت: كيف خفي على إبراهيم أن الاستغفار للكافر غير جائز حتى وعده؟

قلت: يجوز أن يظن أنه ما دام يرجى منه الإيمان جاز الاستغفار له، على أن امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي، لأنّ العقل يجوّز أن يغفر الله للكافر.

ألا ترى إلى قوله عليه السلام لعمه: لأستغفرنّ لك ما لم أنه.

وعن الحسن قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فلاناً يستغفر لأبائه المشركين، فقال: ونحن نستغفر لهم فنزلت.

وعن علي رضي الله عنه: رأيت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له، فقال: أليس قد استغفر إبراهيم فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ ؟

قلت: معناه: فلما تبين له من جهة الوحي أنه لن يؤمن وأنه يموت كافراً وانقطع رجاؤه عنه، قطع استغفاره فهو كقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم ﴾ [التوبة: 113] .

﴿ أَوَّاهٌ ﴾ فعال، من أوه كلأل من اللؤلؤ، وهو الذي يكثر التأوه.

ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته وحلمه كان يتعطف على أبيه الكافر ويستغفر له، مع شكاسته عليه، وقوله: ﴿ لأرجمنك ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ رُوِيَ: «أنَّهُ  قالَ لِأبِي طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ: « قُلْ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ» فَأبى فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْهُ» فَنَزَلَتْ» وقِيلَ لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ خَرَجَ إلى الأبْواءِ فَزارَ قَبْرَ أُمِّهِ ثُمَّ قامَ مُسْتَعْبِرًا فَقالَ: «إنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأذِنَ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وأنْزَلَ عَلَيَّ الآيَتَيْنِ» .

﴿ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاسْتِغْفارِ لِأحْيائِهِمْ فَإنَّهُ طَلَبُ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ وبِهِ دَفْعُ النَّقْضِ بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ فَقالَ: ﴿ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴾ وعَدَها إبْراهِيمُ أباهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ أيْ لَأطْلُبَنَّ مَغْفِرَتَكَ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ فَإنَّهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ « أباهُ»، أوْ « وعَدَها إبْراهِيمَ أبُوهُ» وهي الوَعْدُ بِالإيمانِ ﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، أوْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ﴿ تَبَرَّأ مِنهُ ﴾ قَطَعَ اسْتِغْفارَهُ.

﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ ﴾ لَكَثِيرُ التَّأوُّهِ وهو كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ تَرَحُّمِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ.

﴿ حَلِيمٌ ﴾ صَبُورٌ عَلى الأذى، والجُمْلَةُ لِبَيانِ ما حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ مَعَ شَكاسَتِهِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم ذكر عذر إبراهيم فقال {وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} أي وعد أبوه إياه أن يسلم أو هو وعد أباه أن يستغفر وهو قوله لأستغفر لك دليله قراءة الحسن وَعَدَهَا أَبَاهُ ومعنى استغفاره سؤاله المغفرة له بعد ما أسلم أو سؤاله إعطاء الإسلام الذي به يغفر له {فلما تبين} من جهة الوحى {له} لابراهيم {أَنَّهُ} أن أباه {عَدُوٌّ لِلَّهِ} بأن يموت كافراً وانقطع رجاؤه عنه {تَبَرَّأَ مِنْهُ} وقطع استغفاره {إن إبراهيم

لأواه} وهو المتأوه شفقاً وفرقاً ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته كان يتعطف على أبيه الكافر {حَلِيمٌ} هو الصبور على البلاء الصفوح عن الأذى لأنه كان يستغفر لأبيه وهو يقول لأرجمنك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ ﴾ آزَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واغْفِرْ لأبِي ﴾ أيْ بِأنْ تُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ وتَهْدِيَهُ إلَيْهِ كَما يَلُوحُ بِهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ ودَفْعُ ما يَتَراءى بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِنَ المُخالَفَةِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: «لَمّا ماتَ أبُو طالِبٍ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: رَحِمَكَ اللَّهُ وغَفَرَ لَكَ لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ حَتّى يَنْهانِي اللَّهُ تَعالى فَأخَذَ المُسْلِمُونَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهُمُ الَّذِينَ ماتُوا وهم مُشْرِكُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الآيَةَ فَقالُوا: قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ ﴾ » وقَرَأ طَلْحَةُ: (وما اسْتَغْفَرَ) وعَنْهُ (وما يَسْتَغْفِرُ) عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لا أنَّ الِاسْتِغْفارَ سَوْفَ يَقَعُ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ كَما يُتَوَهَّمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ لَمْ يَكُنِ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ ناشِئًا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ ﴿ وعَدَها ﴾ أيْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إيّاهُ ﴾ أيْ أباهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ فالوَعْدُ كانَ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وحَمّادٍ الرّاوِيَةِ وابْنِ السَّمَيْقَعِ وابْنِ نَهِيكٍ ومُعاذٍ القارِئِ أنَّهم قَرَأُوا (وعَدَها أباهُ) بِالمُوَحَّدَةِ وعَدَّ ذَلِكَ أحَدَ الأحْرُفِ الثَّلاثِ (1) الَّتِي صَحَّفَها ابْنُ المُقَفَّعِ في القُرْآنِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بَعْدَ قِراءَةِ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ بِهِ وإنْ كانَتْ شاذَّةً وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ ما كانَ لَكُمُ الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ التَّبَيُّنِ واسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما كانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ قَبْلَ التَّبَيُّنِ ومَآلُهُ أنَّ اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ التَّبَيُّنِ ويُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ أيْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أنَّهُ ﴾ أيْ أنَّ أباهُ ﴿ عَدُوٌّ لِلَّهِ ﴾ أيْ مُسْتَمِرٌّ عَلى عَداوَتِهِ تَعالى وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ وذَلِكَ بِأنْ أوْحى إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مُصِرٌّ عَلى الكُفْرِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ ذَلِكَ التَّبَيُّنَ كانَ بِمَوْتِهِ كافِرًا وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ قِيلَ: والأنْسَبُ بِوَصْفِ العَداوَةِ هو الأوَّلُ والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ ﴿ تَبَرَّأ مِنهُ ﴾ أيْ قَطَعَ الوَصْلَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ والمُرادُ تَنَزَّهَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ وتَجانَبَ كُلَّ التَّجانُبِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَرْكِهِ ونَظائِرِهِ ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ ﴾ أيْ لَكَثِيرُ التَّأوُّهِ وهو عِنْدُ جَماعَةٍ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ الرَّأْفَةِ ورِقَّةِ القَلْبِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الأوّاهُ؟

قالَ: الخاشِعُ المُتَضَرِّعُ الدَّعّاءِ» وأخْرُجُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ الدَّعّاءُ المُسْتَكِنُ إلى اللَّهِ تَعالى كَهَيْئَةِ المَرِيضِ المُتَأوِّهِ مِن مَرَضِهِ وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ: إنَّهُ المُوقِنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أنَّهُ الرَّحِيمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ وأطْلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ المُسَبِّحُ وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ أنَّهُ الَّذِي قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهُ عَنْ كَعْبٍ أنَّ إبْراهِيمَ وُصِفَ بِالأوّاهِ لِأنَّهُ كانَ إذا ذَكَرَ النّارَ قالَ أوْهٍ مِنَ النّارِ أوَّهَ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ مِثْلَهُ وإذا صَحَّ تَفْسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ.

نَعَمْ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَماعَةُ غَيْرُ مُنافٍ لَهُ ومُناسَبَتُهُ لِما نَحْنُ فِيهِ ظاهِرَةٌ كَما لا يَخْفى وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ فَعّالٌ لِلْمُبالَغَةِ مِنَ التَّأوُّهِ وقِياسُ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ ثُلاثِيًّا لِأنَّ أمْثِلَةَ المُبالَغَةِ إنَّما يَطَّرِدُ أخْذُها مِنهُ وحَكى قُطْرُبٌ لَهُ فِعْلًا ثُلاثِيًّا فَقالَ: يُقالُ آهَ يَؤُوهُ كَقامَ يَقُومُ أوْهًا وأنْكَرَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وقالَ: لا يُقالُ إلّا أوَّهَ وتَأوَّهَ قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ: إذا ما قُمْتُ أُرَحِّلُها بِلَيْلٍ تَأوَّهَ آهَةُ الرَّجُلِ الحَزِينِ وأصْلُ التَّأوُّهِ قَوْلُهُ آهْ ونَحْوُهُ مِمّا يَقُولُهُ الحَزِينُ وفي الدُّرَّةِ لِلْحَرِيرِيِّ أنَّ الأفْصَحَ أنْ يُقالَ في التَّأوُّهِ: أوِّهِ بِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّها وفَتْحِها والكَسْرُ أغْلَبُ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَأوِّهِ لِذِكْراها إذا ما ذَكَرْتَها ∗∗∗ ومِن بَعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءٍ وقَدْ شَدَّدَ بَعْضُهُمُ الواوَ وأسْكَنَ الهاءَ فَقالَ: أوَّهْ وقَلَبَ بَعْضُهُمُ الواوَ ألِفًا فَقالَ: آهْ ومِنهم مَن حَذَفَ الهاءَ وكَسَرَ الواوَ فَقالَ: أوِ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ تَصْرِيفَ الفِعْلِ مِن ذَلِكَ أوَّهَ وتَأوَّهَ وأنَّ المَصْدَرَ الآهَةُ والأهَّةُ وإنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ المُثَقَّبِ السّابِقَ ﴿حَلِيمٌ 114﴾ أيْ صَبُورٌ عَلى الأذى صَفُوحٌ عَنِ الجِنايَةِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَ مِن حِلْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ إذا آذاهُ الرَّجُلُ مِن قَوْمِهِ قالَ لَهُ: هَداكَ اللَّهُ تَعالى، ولَعَلَّ تَفْسِيرَهُ بِالسَّيِّدِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ مَجازٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما حَمَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المَوْعِدَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ مَعَ شَكاسَتِهِ عَلَيْهِ وسُوءِ خُلُقِهِ مَعَهُ كَما يُؤْذَنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُشْعِرُ بِظاهِرِهِ أنَّ اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ عَنْ وُفُورِ الرَّحْمَةِ وزِيادَةِ الحِلْمِ وهو يُخالِفُ صَدْرَ الآيَةِ حَيْثُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ لَيْسَ إلّا ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ سَبَبَ الِاسْتِغْفارَ لَيْسَ إلّا المَوْعِدَةَ النّاشِئَةَ عَمّا ذَكَرَ فَلا إشْكالَ وفِيها تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِ الِاجْتِنابِ بَعْدَ التَّبَيُّنِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبَرَّأ مِنهُ بَعْدَ التَّبَيُّنِ وهو في كَمالِ رِقَّةِ القَلْبِ والحِلْمِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أكْثَرَ مِنهُ اجْتِنابًا وتَبَرُّؤًا وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ فاعِلَ وعَدَ ضَمِيرَ الأبِ (وإيّاهُ) ضَمِيرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إبْراهِيمَ أبُوهُ وهي الوَعْدُ بِالإيمانِ قالَ شَيْخُ مَشايِخِنا صِبْغَةُ اللَّهِ أفَنْدِيُّ الحَيْدَرِيِّ: لَعَلَّ هَذا هو الأظْهَرُ في التَّفْسِيرِ فَإنَّ ظاهِرَ السِّياقِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَفْعٌ لِما يَرِدُ عَلى الآيَةِ الأُولى مِنَ النَّقْضِ بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ الكافِرِ ويَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ في حَياةِ أبِيهِ حَيْثُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ لَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ كَما قَرَّرَ سابِقًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَدِيثِ المَوْعِدَةِ فَيَصِيرُ ﴿ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴾ كالحَشْوِ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ لِلضَّمِيرِيْنِ بِخِلافِ هَذا التَّوْجِيهِ فَإنَّ مُحَصِّلَهُ عَلَيْهِ هو أنَّهُ لا يَرِدُ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ نَقْضًا عَلى ما ذَكَرْنا إذْ هو إنَّما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإيمانِهِ حَيْثُ سَبَقَ وعْدُهُ بِهِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَظَنَّ أنَّهُ وفّى بِالوَعْدِ وجَرى عَلى مُقْتَضى العَهْدِ فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لَنْ يَفِيَ ولَنْ يُؤْمِنَ قَطُّ أوْ لَمَ يَفِ ولَمْ يُؤَمِّنْ تَبَرَّأ مِنهُ ويُمْكِنُ أنْ يُوَجَّهَ ذِكْرُ المَوْعِدَةِ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ أيْضًا بِأنْ يُقالَ: أرادَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَضْمِينَ الجَوابِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ في حالِ حَياةِ المُسْتَغْفَرِ لَهُ وحَمْلُهُ عَلى الطَّلَبِ المَذْكُورِ فائِدَةٌ أُخْرى هي أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِغايَةِ تَصَلُّبِهِ في الدِّينِ وفَرْطِ تَعَصُّبِهِ عَلى اليَقِينِ ما كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ وإنْ كانَ جائِزًا لَكِنْ تَأوَّهَ وتَحَلَّمَ فاسْتَغْفَرَ لَهُ وفاءً بِالمَوْعِدَةِ الَّتِي وعَدَها إيّاهُ فَتَفَطَّنْ.

انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى التَّوْجِيهِ الثّانِي لا يَسْتَقِيمُ ما قالُوهُ في اسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ مِن أنَّهُ لِبَيانِ الحامِلِ وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَذْكُرَ وجْهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وأيْضًا قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في بَيانِ الفائِدَةِ: لَكِنَّهُ تَأوَّهَ وتَحَلَّمَ حَيْثُ نَسَبَ فِيهِ الحِلْمَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ مَعَ وصْفِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالحَلِيمِ عَثْرَةً لا يُقالُ لِصاحِبِها لَعا وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى المُشاكَلَةِ مَعَ إرادَةِ فِعْلٍ مِمّا لا يُوافِقُ غَرَضَهُ وسَوْقَ كَلامِهِ فالحَقُّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ لِلْآيَةِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وذَكَرَ حَدِيثَ المَوْعِدَةِ لِبَيانِ الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَأْكِيدِ الِاجْتِنابِ وتَقْوِيَةِ الفَرْقِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَرْقٌ بَيِّنٌ بَيْنَ الِاسْتِغْفارِ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ واسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اسْتِغْفارَهُ كانَ قَبْلَ التَّبَيُّنِ وكانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ دَعاهُ إلَيْها فَرْطُ رَأْفَتِهِ وحِلْمِهِ وما نُهِيتُمْ عَنْهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَقِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ يُخالِفُها ظاهِرُ ما رَواهُ البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أباهُ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِهِ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ: لا تَعْصِنِي فَيَقُولُ أبُوهُ: اليَوْمَ لا أعْصِيكَ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ؟

فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ ثُمَّ يُقالُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟

فَيَنْظُرُ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» .

ورَواهُ غَيْرُهُ بِزِيادَةِ: فَيَتَبَرَّأُ مِنهُ.

فَإنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في انْقِطاعِ رَجاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اتِّصافُ أبِيهِ بِالإيمانِ وجَزْمُهُ بِأنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ ولِذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ وتَرَكَ الِاسْتِغْفارَ لَهُ فَإنَّ الِاسْتِغْفارَ لَهُ مَعَ الجَزْمِ بِأنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ مِنَ العارِفِ لا سِيَّما مِثْلَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ طَلَبَ المَغْفِرَةِ لِلْمُشْرِكِ طَلَبٌ لِتَكْذِيبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ والحَدِيثُ ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَطْلُبُ ذَلِكَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَيْأسُ مِن نَجاتِهِ إلّا بَعْدَ المَسْخِ فَإذا مُسِخَ يَئِسَ مِنهُ وتَبَرَّأ وأجابَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ المُخالَفَةِ بِجَوابَيْنِ بَحَثَ فِيهِما بَعْضُ فُضَلاءِ الرُّومِ ومِنَ الغَرِيبِ قَوْلُهُ في الجَوابِ الثّانِي: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَوْتَ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ آمَنَ في نَفْسِهِ ولَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ذَلِكَ ويَكُونُ وقْتُ تَبَرِّيهِ مِنهُ بَعْدَ الحالَةِ الَّتِي وقَعَتْ في الحَدِيثِ فَإنَّهُ مُخالِفٌ مُخالَفَةً ظاهِرَةً لِما يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ مِن أنَّ التَّبَيُّنَ والتَّبَرِّيَ كانَ كُلٌّ مِنهُما في الدُّنْيا وأجابَ ذَلِكَ البَعْضُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ التَّخالُفَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ وإنَّما يَكُونُ بَيْنَهُما ذَلِكَ لَوْ كانَ في الحَدِيثِ دَلالَةٌ عَلى وُقُوعِ الِاسْتِغْفارِ مِن إبْراهِيمَ لِأبِيهِ وطَلَبِ الشَّفاعَةِ لَهُ ولَيْسَ فَلَيْسَ وقَوْلُهُ: يا رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي إلَخْ أرادَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَحْضَ الِاسْتِفْسارِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ فَإنَّهُ اخْتَلَجَ في صَدْرِهِ الشَّرِيفِ أنَّ هَذِهِ الحالُ الواقِعَةُ عَلى أبِيهِ خِزْيٌ لَهُ وأنَّ خِزْيَ الأبِ خِزْيُ الِابْنِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى خُلْفِ الوَعْدِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الخَبَرَ ظاهِرٌ في الشَّفاعَةِ وهي اسْتِغْفارٌ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ المُتَكَلِّمِينَ في ذَلِكَ المَقامِ ويَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا أنَّ الحاكِمَ أخْرَجَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا وصَحَّحَهُ وقالَ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَلْقى رَجُلٌ أباهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: يا أبَتِ أيُّ ابْنٍ كُنْتُ لَكَ؟

فَيَقُولُ: خَيْرُ ابْنٍ.

فَيَقُولُ: هَلْ أنْتَ مُطِيعِيَّ اليَوْمَ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: خُذْ بِإزْرَتِي.

فَيَأْخُذُ بِإزْرَتِهِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهَ تَعالى وهو يَفْصِلُ بَيْنَ الخَلْقِ فَيَقُولُ: يا عَبْدِي ادْخُلْ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ شِئْتَ.

فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ وأبِي مَعِي فَإنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخْزِيَنِي.

قالَ: فَيَمْسَخُ أباهُ ضَبُعًا فَيَهْوِي في النّارِ فَيَأْخُذُ بِأنْفِهِ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: يا عَبْدِي هَذا أبُوكَ.

فَيَقُولُ: لا وعِزَّتِكَ» وقالَ الحافِظُ المُنْذِرِيُّ: إنَّهُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ وذَكَرَ القِصَّةَ إذْ يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ في حَدِيثِ الحاكِمِ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وطَلَبُهُ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ فِيهِ وإدْخالُهُ الجَنَّةَ أظْهَرُ مِنهُما في حَدِيثِ البُخارِيِّ وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُخالِفٌ عَلى ما قِيلَ: لِما شاعَ عَنِ المُعْتَزِلَةِ أنَّ امْتِناعَ جَوازِ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ إنَّما عُلِمَ بِالوَحْيِ لا بِالعَقْلِ لِأنَّ العَقْلَ يُجَوِّزُ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى لِلْكافِرِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأبِي طالِبٍ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ لا يَنْفَعُ في هَذا الغَرَضِ إلّا إذا ضُمَّ إلَيْهِ عَدَمُ عِلْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ بِالوَحْيِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو مِمّا لا يَكادُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ عاقِلٌ فَضْلًا عَنْ فاضِلٍ وأجابَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِكُفْرِ أبِيهِ ومُتَيَقِّنًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ إلّا أنَّ الشَّفَقَةَ والرَّأْفَةَ الطَّبِيعِيَّةَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ حِينَ رَأى أباهُ في عَرَصاتِ يَوْمِ القِيامَةِ وعَلى وجْهِهِ قَتَرَةٌ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أنْ طَلَبَ ما طَلَبَ ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهِ قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الفَسادِ بِمَكانٍ ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ ظَنَّ اسْتِثْناءَ أبِيهِ مِن عُمُومِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَهُ أنْ لا يُخْزِيَهُ فَقَدِمَ عَلى الشَّفاعَةِ لَهُ ولَعَمْرِي لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ إلّا جاهِلٌ بِجَهْلِهِ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ تَغْلِبَهم أنْفُسُهم عَلى الإقْدامِ عَلى ما فِيهِ تَكْذِيبُ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ لِذَلِكَ الظَّنِّ أصْلٌ ما كانَ يَتَبَرَّأُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّنْيا بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وهو الأوّاهُ الحَلِيمُ وقِيلَ: إنَّ الأحْسَنَ في الجَوابِ التِزامُ أنَّ ما في الخَبَرَيْنِ لَيْسَ مِنَ الشَّفاعَةِ في شَيْءٍ ويُقالُ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَنَّ أنَّ خِزْيَ أبِيهِ في مَعْنى الخِزْيِ لَهُ فَطَلَبَ بِحُكْمِ وعْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ أنْ لا يُخْزِيَهُ تَخْلِيصَهُ مِن ذَلِكَ حَسْبَما يُمْكِنُ فَخَلَّصَهُ مِنهُ بِمَسْخِهِ ذِيخًا ولَعَلَّ ذَلِكَ مِمّا يَعُدُّهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَخْلِيصًا لَهُ مِنَ الخِزْيِ لِاخْتِلافِ النَّوْعِ وعَدَمِ مَعْرِفَةِ العارِفِينَ لِأبِيهِ بَعْدُ أنَّهُ أبُوهُ فَكَأنَّ الأُبُوَّةَ انْقَطَعَتْ مِنَ البَيْنِ ويُؤْذَنُ بِذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ المَسْخِ يَأْخُذُ سُبْحانَهُ بِأنْفِهِ فَيَقُولُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا عَبْدِي هَذا أبُوكَ؟

فَيَقُولُ: لا وعِزَّتِكَ ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ التَّبَرِّي في الرِّوايَةِ السّابِقَةِ في الخَبَرِ الأوَّلِ هو هَذا القَوْلُ وتَوْسِيطُ حَدِيثِ تَحْرِيمِ الجَنَّةِ عَلى الكافِرِينَ لَيْسَ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ طالِبًا إدْخالَ أبِيهِ فِيها بَلْ لِإظْهارِ عَدَمِ إمْكانِ هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّخْلِيصِ إقْناطًا لِأبِيهِ وإعْلامًا لَهُ بِعِظَمِ ما أتى بِهِ ويُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في خَبَرِ الحاكِمِ حِينَ يُقالُ لَهُ: يا عَبْدِي ادْخُلْ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ شِئْتَ أيْ رَبِّ وأبِي مَعِي؟

عَلى مَعْنى أأدْخُلُ وأبِي واقِفٌ مَعِي والمُرادُ لا أدْخُلُ وأبِي في هَذِهِ الحالِ وإنَّما أدْخُلُ إذا تَغَيَّرَتْ ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخْزِيَنِي تَعْلِيلًا لِلنَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرِ وحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الأمْرُ إلى طَلَبِ التَّخْلِيصِ عَمّا ظَنَّهُ خِزْيًا لَهُ أيْضًا فَيُمْسَخُ ضَبُعًا لِذَلِكَ ولا يَرِدُ أنَّ التَّخْلِيصَ مُمْكِنٌ بِغَيْرِ المَسْخِ المَذْكُورِ لِأنّا نَقُولُ لَعَلَّ اخْتِيارَ ذَلِكَ المَسْخِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ ما عَدا دُخُولَ الجَنَّةِ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو سُبْحانَهُ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ حِكْمَةَ مَسْخِهِ ضَبُعًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَواناتِ أنَّ الضَّبُعَ أحْمَقُ الحَيَواناتِ ومِن حُمْقِهِ أنَّهُ يَغْفُلُ عَمّا يَجِبُ لَهُ التَّيَقُّظُ ولِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: لا أكُونُ كالضَّبُعِ يَسْمَعُ الكَدْمَ فَيَخْرُجُ لَهُ حَتّى يُصادَ وآزَرَ لَمّا لَمْ يَقْبَلِ النَّصِيحَةَ مِن أشْفَقِ النّاسِ عَلَيْهِ زَمانَ إمْكانِ نَفْعِها لَهُ وأخَذَ بِإزْرَتِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا كانَ أشْبَهَ الخَلْقِ بِالضَّبُعِ فَمُسِخَ ضَبُعًا دُونَ غَيْرِهِ لِذَلِكَ ولَمْ يَذْكُرُوا حِكْمَةَ اخْتِيارِ المَسْخِ دُونَ غَيْرِهِ وهو لا يَخْلُو عَنْ حِكْمَةٍ والجَهْلُ بِها لا يَضُرُّ انْتَهى ولا يَخْفى ما في هَذا الجَوابِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأوْلى مِنهُ التِزامُ كَوْنِ فاعِلِ (وعْدُ) ضَمِيرَ الأبِ وضَمِيرَ (إيّاهُ) راجِعًا إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَوْنُ التَّبَيُّنِ والتَّبَرِّي واقِعَيْنِ في الآخِرَةِ حَسْبَما تَضَمَّنَهُ الخَبَرانِ السّابِقانِ فَحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ مُسْتَغْفِرًا لِأبِيهِ بَعْدَ وعْدِهِ إيّاهُ بِالإيمانِ طالِبًا لَهُ الجَنَّةَ لِظَنِّ أنَّهُ وفّى بِوَعْدِهِ حَتّى يُمْسَخَ دِيخًا لَكِنْ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ ولا المَأْثُورُ عَنْ سَلَفِ الأُمَّةِ وإنْ صَحَّ كَوْنُ الآيَةَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِما يَرِدُ عَلى الآيَةِ الأُولى مِنَ النَّقْضِ أيْضًا بِالعِنايَةِ ولَعَلَّ أخَفَّ الأجْوِبَةِ مُؤْنَةً كَوْنُ مُرادِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تِلْكَ المُحاوَرَةِ الَّتِي تَصْدُرُ مِنهُ في ذَلِكَ المَوْقِفِ إظْهارُ العُذْرِ فِيهِ لِأبِيهِ وغَيْرِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لا طَلَبُ المَغْفِرَةِ حَقِيقَةً وهَذا كَما قالَ المُعْتَزِلَةُ في سُؤالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى مَعَ العِلْمِ بِامْتِناعِها في زَعْمِهِمْ والقَوْلُ بِأنَّ أهْلَ المَوْقِفِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرُهم مِن سائِرِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ سَواءٌ في العِلْمِ بِامْتِناعِ المَغْفِرَةِ لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا في حَيِّزِ المَنعِ ورُبَّما يُدَّعى عَدَمُ المُساواةِ لِظاهِرِ طَلَبِ الكُفّارِ العَفْوَ والإخْراجَ مِنَ النّارِ ونَحْوَ ذَلِكَ بَلْ في الخَبَرَيْنِ السّابِقَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ عِلْمِ الأبِ بِحَقِيقَةِ الحالِ وأنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ وبَقِيَ أيْضًا أنَّهُ اسْتَشْكَلَ القَوْلُ بِأنَّ اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ حَتّى تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ كانَ في حَياتِهِ بِما في سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ حَيْثُ مُنِعَ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِ فِيهِ ولَوْ كانَ في حَياتِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنهُ لِأنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِغْفارُ بِمَعْنى طَلَبِ الإيمانِ لِأحْياءِ المُشْرِكِينَ وأُجِيبُ بِأنَّهُ إنَّما مُنِعَ مِنَ الِاقْتِداءِ بِظاهِرِهِ وظَنَّ أنَّهُ جائِزٌ مُطْلَقًا كَما وقَعَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وسَيَأْتِي إنْ شاءُ اللَّهِ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى الهادِي <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا، يعني: ما ينبغي وما جاز للنبي والذين آمنوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: «سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟» فقال: ألم يستغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان؟

فذكرت ذلك للنبي  ، فنزل مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.

وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، يعني: ذا قرابة في الرحم.

مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ، يعني: أهل النار وماتوا على الكفر وهم في النار.

ويقال أراد النبيّ  أن يستغفر لأبويه وهما مشركان، واستأذن منه المسلمون أن يستغفروا لآبائهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وقال: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.

وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «خرج رسول الله  وخرجنا معه، حتى انتهينا إلى قبر فجلس إليه فناجاه طويلاً، ثم رفع رأسه باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله  .

ثم إن النبيّ  أقبل إلينا، فتلقاه عمر  فقال: «ما الذي أبكاك يا رسول الله؟» فأخذ بيد عمر وأقبل إلينا، فأتيناه فقال: «أفْزَعَكُمْ بُكَائِي» ؟

فقلنا: نعم يا رسول الله.

فقال: «إنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتُ وَهْبٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي بِالاسْتِغْفَارِ لَهَا، فَلَمْ يَأْذَنْ لي، فأنزل الله تعالى مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدَ لِلْوَالِدَيْنِ مِنَ الرِّقَّةِ، فذلك الَّذِي أبْكَانِي» (١) وروى أبو هريرة، عن النبيّ  أنه قال «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِوَالِدَيَّ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاْستَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهُمَا، فَأَذِنَ لِي» (٢) ثم قال تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ وذلك أن أباه وعد إبراهيم أن يسلم، فكان يستغفر له رجاء أن يسلم.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: «ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فَلَمَّا مات، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ يعني: ترك الدعاء ولم يستغفر له بعد لأنه مات على الكفر» (٣)  ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية، فقال النبيّ  لأبي طالب: «يَا عَمِّ، قُلْ لا إله إِلا الله كَلِمة النَّجَاةِ، أشْهَدْ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى» .

فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب؟

فلم يزل النبي  يعرضها عليه ويعانده أبو جهل بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر مما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبيّ  «أمَا وَالله لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عنه» (٤) قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ.

وروى سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: «كل القرآن أعلمه إلا أربعة: «غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم» .

وروي عن عبد الله بن عباس، في رواية أُخرى أنه قال: الأواه الذي يذكر الله في أرض الوحشة» .

وروي عن ابن مسعود أنه قال: «الأواه الرحيم» .

وقال مجاهد: الأواه الموقن.

وقال الضحاك: الأواه الداعي الذي يلح في الدعاء إلى الله تعالى، المقبل إليه بطاعته.

ويقال: الأواه المؤمن بلغة الحبشة.

ويقال: الأواه معلم الخير.

وقال كعب: الأواه الذي إذا ذكر الله، قال: أواه من النار.

وقال القتبي: المتأوه حزناً وخوفاً حَلِيمٌ يعني: حليما عن الجهل.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 302 إلى ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وابن ماجة (1571) والحاكم 2/ 336 وأصله في مسلم (976) (108) وأبي داود (3234) وابن ماجة (1572) والبيهقي: 4/ 76.

(٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم (976) وأبو داود (3234) والنسائي: 4/ 90 وابن ماجة (1572) والبيهقي 4/ 76 وأحمد 2/ 442 والبغوي (1554) .

(٣) عزاه السيوطي: 4/ 300 إلى الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر والحاكم والترمذي والنسائي وابن مردويه.

(٤) أخرجه البخاري (1360) و (3884) و (4675) و (6681) ومسلم (24) وأحمد 5/ 433 والنسائي: 4/ 90.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: قِيل: هو لفظ عامّ، أمر صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يبشِّر أمته جميعاً بالخير من اللَّه، وقيل: بل هذه الألفاظ خاصَّة لمن لم يَغْزُ، أي: لما تقدَّم في الآية وعْدُ المجاهدين وفضلهم، أمر صلّى الله عليه وسلّم، أنْ يبشِّر سائر المؤمنين ممَّن لم يَغْزُ بأنَّ الإيمان مُخَلِّص من النَّار، والحمد للَّه رب العالمين.

مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)

وقوله سبحانه: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ...

الآية:

جمهورُ المفسِّرين أنَّ هذه الآية نزلَتْ في شَأْن أبي طالب، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دَخَلَ عَلَيْهِ حين احتضر، فَوَعَظَهُ، وقَالَ: «أَيْ عَمِّ قُلْ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» ، وَكَانَ بالحَضْرة أَبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَترغَبُ عن ملَّة عَبْدِ المطَّلِبِ؟

فَقالَ أبو طَالِبٍ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ إذ لم يسمع منه صلّى الله عليه وسلّم ما قال العبَّاس، فنزلَتْ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وَاللَّهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» ، فَكَانَ يستغفر له حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية «١» ، فترك نبيُّ اللَّه الاستغفار لأَبي طالب، وروي أنَّ المؤمنين لما رأَوْا نبيَّ اللَّه يستغفرُ لأبي طالب، جعلوا يَسْتَغْفِرُونَ لموتاهم، فلذلك دَخَلُوا في النّهي، والآية على هذا ناسخة

لفعله صلّى الله عليه وسلّم إِذ أفعاله في حُكْم الشرعِ المستقِرِّ، وقال ابن عبَّاس وقتادة «١» وغيرهما: إِنما نزلَتِ الآية بسببِ جماعةٍ من المؤمنين قالوا: نَسْتَغْفِرُ لموتانا كما استغفر إِبراهيمُ عليه السلام، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقوله سبحانه: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ ...

الآية: المعنى: لا حجَّة أَيُّها المؤمنون في استغفار إِبراهيم عليه السلام، فإِن ذلك لم يكُنْ إِلا عن موعدةٍ، واختلف في ذلك، فقيلَ: عن مَوْعِدَةٍ من إِبراهيم، وذلك قوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم: ٤٧] وقيل: عن موعِدَةٍ من أبيه له في أنَّهُ سيؤمن، فَقَوِيَ طمعه، فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نُهِيَ عنه، ومَوْعِدَة مِنَ الوَعْدِ، وأما تبيُّنه أنه عَدُوٌّ للَّه، قيل: ذلك بموت آزر على الكُفْر، وقيل: ذلك بأنه نُهِيَ عنه، وهو حيٌّ، وقوله سبحانه: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ثَنَاءٌ مِنَ اللَّه تعالَى على إِبراهيم، و «الأَوَّاهُ» معناهُ الخَائِفُ الذي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ مِنْ خَوفِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، والتَّأَوُّهُ: التوجُّع الذي يَكْثُرُ حَتَّى ينطق الإِنسان معه ب «أَوَّهْ» ومن هذا المعنَى قولُ المُثَقِّب العَبْدِي: [الوافر]

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ ...

تَأَوَّهُ أَهَّةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ «٢»

ويروى: آهَة.

وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يُسْمَعُ وَجِيبُ قَلْبِهِ «٣» من الخشية، كما تُسْمَعُ أَجنحة النُّسُور، وللمفسِّرين في «الأَوَّاه» عباراتٌ كلُّها ترجعُ إِلى ما ذكرتُه.

ت: روى ابن المبارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا عبدُ الحميدِ بْنُ بَهْرَام، قال:

حدَّثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الأَوَّاهُ؟

قالَ: «الأَوَّاهُ الخَاشِعُ الدَّعَّاءُ المُتَضَرِّعُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» «٤» انتهى.

وحَلِيمٌ مَعناه: صابرٌ، محتملٌ، عظيمُ العَقْل، والحِلْمُ: العقل.

وقوله سبحانَهُ:

وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ ...

الآية: معناه التأنيسُ للمؤمنين، وقيل: إن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ أبا طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  ، وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، فَقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ مَعِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أُحاجِّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ"، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وابْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ، أتُرَغِّبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟!

فَلَمْ يَزالا يُكَلِّمانِهِ، حَتّى قالَ آَخِرُ شَيْءٍ كَلَّمَهم بِهِ: أنّا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

فَقالَ النَّبِيُّ  "لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فَنَزَلَتْ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا.

﴾ الآَيَةُ، ونَزَلَتْ ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ  ﴾ ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ.

وقِيلَ: «إنَّهُ لَمّا ماتَ أبُو طالِبٍ، جَعَلَ النَّبِيُّ  يَسْتَغْفِرُ لَهُ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: ما يَمْنَعُنا أنْ نَسْتَغْفِرَ لِآَبائِنا ولِذَوِي قَراباتِنا، وقَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وهَذا مُحَمَّدٌ يَسْتَغْفِرُ لِعَمِّهِ؟

فاسْتَغْفِرُوا لَلْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قالَ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ المُنادِي: هَذا لا يَصِحُّ، إنَّما قالَ النَّبِيُّ  لَعَمِّهِ « "لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"» قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، وَهُوَ في السِّياقِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَلا، فانْقَلَبَ ذَلِكَ عَلى الرُّواةِ، وبَقِيَ عَلى انْقِلابِهِ.

والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ  مَرَّ بِقَبْرِ أُمِّهِ آَمِنَةَ، فَتَوَضَّأ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَكى، فَبَكى النّاسُ لِبُكائِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما الَّذِي أبْكاكَ؟

فَقالَ: "مَرَرْتُ بِقَبْرِ أُمِّي فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها، فَنُهِيتُ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ عُدْتُ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، واسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها، فَزُجِرْتُ زَجْرًا، فَأبْكانِي"، ثُمَّ دَعا بِراحِلَتِهِ فَرَكِبَها؛ فَما سارَ إلّا هُنَيْأةً، حَتّى قامَتِ النّاقَةُ لِثِقَلِ الوَحْيِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ والآَيَةُ الَّتِي بَعْدَها،» رَواهُ بُرَيْدَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّالِثُ: «أنَّ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبَوَيْهِ، وكانا مُشْرِكَيْنِ، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أتَسْتَغْفِرُ لَهُما وهُما مُشْرِكانِ؟

فَقالَ: أوْلَمَ يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؟

فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ لِلنَّبِيِّ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها،» رَواهُ أبُو الخَلِيلِ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والرّابِعُ: «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ مِن آَبائِنا مَن كانَ يُحْسِنُ الجِوارَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفُكُّ العانِيَ، ويُوفِي بِالذِّمَمِ، أفَلا نَسْتَغْفِرُ لَهُمْ؟

فَقالَ: "بَلى، واللَّهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لِأبِي كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، وبَيَّنَ عُذْرَ إبْراهِيمَ،» قالَهُ قَتادَةُ.

ومَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما بانَ أنَّهم ماتُوا كُفّارًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ إبْراهِيمَ وعَدَ أباهُ الِاسْتِغْفارَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي  ﴾ ، وما كانَ يَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لَلْمُشْرِكِينَ مَحْظُورٌ حَتّى أُخْبَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ أنَّهُ إنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ آَمَنَ؛ فَلَمّا تَبَيَّنَ لِإبْراهِيمَ عَداوَةَ أبِيهِ لَلَّهِ تَعالى: بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ، تَرَكَ الدُّعاءَ لَهُ.

فَعَلى الأوَّلِ، تَكُونُ هاءُ الكِنايَةِ في "إيّاهُ" عائِدَةً عَلى آَزَرَ، وعَلى الثّانِي، تَعُودُ عَلى إبْراهِيمَ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهْيِكٍ: "وَعَدَها أباهُ" بِالباءِ وَفِي الأوّاهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الخاشِعُ الدُّعاءَ المُتَضَرِّعُ، رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، رَواهُ زِرٌّ عَنْ عَبْدِ اللهِ، وبِهِ قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: الرَّحِيمُ، رَواهُ أبُو العَبِيدِ بْنُ العامِرِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو مَيْسَرَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المُوقِنُ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ، رَواهُ العَوْفِيُّ، ومُجاهِدٌ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ المُسَبِّحُ، رَواهُ أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والسّابِعُ: أنَّهُ المُتَأوِّهُ لِذِكْرِ عَذابِ اللَّهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ أوّاهٍ مَجازُ فَعّالٍ مِنَ التَّأوُّهِ، ومَعْناهُ: مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وفَرَقًا ولُزُومًا لِطاعَةِ رَبِّهِ، قالَ المُثَّقَبُ: إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تَأوَّهَ آَهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ والثّامِنُ: أنَّهُ الفَقِيهُ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

فَأمّا الحَلِيمُ، فَهو الصَّفُوحُ عَنِ الذُّنُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عن مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ المَعْنى: لا حُجَّةَ أيُّها المُؤْمِنُونَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِأبِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا عن مَوْعِدَةٍ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن إبْراهِيمَ في أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا  ﴾ ، وقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن أبِيهِ لَهُ مِن أنَّهُ سَيُؤْمِنُ، فَكانَ إبْراهِيمُ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ في إيمانِهِ فَحَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ حَتّى نُهِيَ عنهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَما يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ" ورُوِيَ عنهُ: "وَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ"، و"مَوْعِدَةٌ" مَفْعِلَةٌ مِنَ الوَعْدِ، وأمّا تَبَيُّنُهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَقِيلَ: بِمَوْتٍ آزَرَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: ذَلِكَ بِأنَّهُ نُهِيَ عنهُ وهو حَيٌّ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ في الحَدِيثِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَلْقاهُ فَيَعْرِفُهُ ويَتَذَكَّرُ قَوْلَهُ: "سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي" فَيَقُولُ لَهُ: الزَمْ حَقْوِي فَلَنْ أدَعَكَ اليَوْمَ لِشَيْءٍ، فَيَلْزَمُهُ حَتّى يَأْتِيَ الصِراطَ فَيَلْتَفِتُ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ مُسِخَ ضِبْعانًا أمْذَرَ، فَيَتَبَرَّأُ مِنهُ حِينَئِذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ أمْرِ الِاسْتِغْفارِ بِالآخِرَةِ ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ ثَناءٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ، والأوّاهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الدَعّاءُ، وقِيلَ: هو الداعِي بِتَضَرُّعٍ، وقِيلَ: هو المُوقِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: هو الرَحِيمُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وقِيلَ: هو المُؤْمِنُ التَوّابُ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الكَثِيرُ الذِكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو التَلّاءُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَقُولُ مِن خَوْفِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أبَدًا: أوّاهُ ويُكْثِرُ ذَلِكَ.

ورُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَمِعَ رَجُلًا يُكْثِرُ ذَلِكَ في طَوافِهِ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ  فَقالَ: "دَعْهُ فَإنَّهُ أوّاهُ"»، والتَأوُّهُ: التَفَجُّعُ الَّذِي يَكْثُرُ حَتّى يَنْطِقَ الإنْسانُ مَعَهُ بِـ "أوهِ"، قالَ المُؤَلِّفُ: ويُقالُ: أوَّهْ، فَمِنَ الأوَّلِ «قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  لِبِلالٍ في بَيْعٍ أو شِراءٍ أنْكَرَهُ عَلَيْهِ: (أوهِ، ذَلِكَ الرِبا بِعَيْنِهِ)،» ومِنَ الثانِي قَوْلُ الشاعِرِ: فَأوهٍ لِذِكْراها إذا ما ذَكَرْتُها ∗∗∗ ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ: إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّهَ آهَةَ الرَجُلِ الحَزِينِ ويُرْوى: آهَّةَ، ومِن ذَلِكَ «قَوْلُ النَبِيِّ  : "أوَّهِ لِأفْراخِ مُحَمَّدٍ"»، وحَلِيمٌ مَعْناهُ: صابِرٌ مُحْتَمِلٌ عَظِيمُ العَقْلِ، والحِلْمُ العَقْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: التَأْنِيسُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: إنَّ بَعْضَهم خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ دُونَ أمْرٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً، أيْ: ما كانَ اللهُ -بَعْدَ أنْ هَدى إلى الإسْلامِ وأنْقَذَ مِنَ النارِ- لِيُحْبِطَ ذَلِكَ ويُضِلَّ أهْلَهُ لِمُواقَعَتِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نَهْيٌ عنهُ، فَأمّا إذا بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ مِنَ الأُمُورِ ويَتَجَنَّبُونَ مِنَ الأشْياءِ فَحِينَئِذٍ مَن واقَعَ -بَعْدَ النَهْيِ- اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  كانُوا غَيْبًا فَحُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلَّوْا -قَبْلَ أنْ يَصِلَهم ذَلِكَ- إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وآخَرِينَ شَرِبُوا الخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وتَكَلَّمُوا في ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ وألْيَقُ بِالآيَةِ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها يَجِبُ أيُّها المُؤْمِنُونَ ألّا تَجْزَعُوا مِن عَدُوٍّ وإنْ كَثُرَ، ولا تَهابُوا أحَدًا فَإنَّ المَوْتَ المَخُوفَ والحَياةَ المَحْبُوبَةَ إنَّما هُما بِيَدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الَّذِي قالَ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: "إنَّ القَصْدَ بِالآيَةِ إنَّما هو لِهَذا" قَوْلٌ يَبْعُدُ، والظاهِرُ في الآيَةِ إنَّما هو لَمّا نَصَّ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ نِعْمَتَهُ وفَضْلَهُ عَلى عَبِيدِهِ في أنَّهُ مَتى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِدايَةٍ فَفَضْلُهُ أسْبَغُ مِن أنْ يَصْرِفَهم ويُضِلَّهم قَبْلَ أنْ تَقَعَ مِنهم مَعْصِيَةٌ ومُخالَفَةُ أمْرٍ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأوصافٍ فِيها تَمْجِيدُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وتَعْظِيمُهُ وبَعْثُ النُفُوسِ عَلى إدْمانِ شُكْرِهِ والإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معطوفة على جملة ﴿ ما كان للنبيء ﴾ [التوبة: 113] الخ.

وهي من تمام الآية باعتبار ما فيها من قوله: ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ [التوبة: 113] إذ كان شأن ما لا ينبغي لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام أن لا ينبغي لغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام لأن معظم أحكامهم متحدة إلا ما خص به نبينا من زيادة الفضل.

وهذه من مسألة (أن شرع من قبلنا شرع لنا) فلا جرم ما كان ما ورد من استغفار إبراهيم قد يثير تعارضاً بين الآيتين، فلذلك تصدّى القرآن للجواب عنه.

وقد تقدم آنفاً ما روي أن هذه سبب نزول الآية.

والموعدة: اسم للوعد.

والوعد صدر من أبي إبراهيم لا محالة، كما يدل عليه الاعتذار لإبراهيم لأنه لو كان إبراهيم هو الذي وعد أباه بالاستغفار وكان استغفاره له للوفاء بوعده لكان يتجه من السؤال على الوعد بذلك وعلى الوفاء به ما اتجه على وقوع الاستغفار له.

فالتفسير الصحيح أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم بالإيمان، فكان بمنزلة المؤلفة قلوبهم بالاستغفار له لأنه ظنه متردداً في عبادة الأصنام لما قال له: ﴿ واهجرني ملياً ﴾ [مريم: 46] فسأل الله له المغفرة لعله يرفض عبادة الأصنام كما يدل عليه قوله: ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ﴾ .

وطريق تبين أنه عدو لله إما الوحي بأن نهاه الله عن الاستغفار له، وإما بعد أن مات على الشرك.

والتبرؤ: تفعل من برئ من كذا إذا تنزه عنه، فالتبرؤ مبالغة في البراءة.

وجملة: ﴿ إن إبراهيم لأواه حليم ﴾ استئنافٌ ثَناءٌ على إبراهيم.

و ﴿ أواه ﴾ فُسّر بمعان ترجع إلى الشفقة إما على النفس فتفيد الضراعة إلى الله والاستغفار، وإما على الناس فتفيد الرحمة بهم والدعاء لهم.

ولفظ ﴿ أواه ﴾ مثالُ مبالغة: الذي يكثر قول أوّهْ بلغاته الثلاثَ عشرة التي عدها في «القاموس»، وأشهَرُها أوَّهْ بفتح الهمزة وواو مفتوحة مشددة وهاء ساكنة.

قال المرادي في «شرح التسهيل»: وهذه أشهر لغاتها.

وهي اسم فعل مضارع بمعنى أتوجع لإنشاء التوجع، لكن الوصف ب ﴿ أواه ﴾ كناية عن الرأفة ورقة القلب والتضرع حين يُوصف به من ليس به وَجع.

والفعل المشتق منه (أواه) حقهُ أن يكون ثلاثياً لأن أمثلة المبالغة تصاغ من الثلاثي.

وقد اختلف في استعمال فعللٍ ثلاثي له، فأثبته قطرب وأنكره عليه غيره من النحاة.

وإتباع (لأواه) بوصف (حليم) هنا وفي آيات كثيرة قرينة على الكناية وإيذان بمثار التأوه عنده.

والحليم: صاحب الحلم.

والحلم بكسر الحاء: صفة في النفس وهي رجاحة العقل وثباتة ورصانة وتباعد عن العدوان.

فهو صفة تقتضي هذه الأمور، ويجمعها عدم القسوة.

ولا تنافي الانتصار للحق لكن بدون تجاوز للقدر المشروع في الشرائع أو عند ذوي العقول.

قال: حليم إذا ما الحلم زين أهله *** مع الحلم في عين العدو مهيب <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَوى مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى المَقابِرِ فاتَّبَعْناهُ فَجاءَ حَتّى جَلَسَ إلى قَبْرٍ مِنها فَناجاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكى، فَبَكَيْنا لِبُكائِهِ، ثُمَّ قامَ، فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَدَعاهُ ثُمَّ دَعانا فَقالَ: (ما أبْكاكُمْ؟

قُلْنا: بَكَيْنا لِبُكائِكَ، قالَ: (إنَّ القَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ آمِنَةَ، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَتِها فَأذِنَ لِي، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في الدُّعاءِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ﴾ الآيَةَ.

فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ لِلْوالِدِ، وكُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها فَإنَّها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ).» والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ  وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالَ  : أيْ عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةٌ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟

فَكانَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهم بِهِ أنْ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ النَّبِيُّ  : لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ (فَنَزَلَتْ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ) الآيَةَ.

» والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيما رَواهُ أبُو الخَلِيلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ، فَقُلْتُ: تَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ؟

قالَ: أوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إبْراهِيمُ لِأبَوَيْهِ؟

فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ  ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ » قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴾ الآيَةَ.

عَذَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في اسْتِغْفارِهِ لِأبِيهِ مَعَ شِرْكِهِ لِسالِفِ مَوْعِدِهِ ورَجاءِ إيمانِهِ.

وَفي مَوْعِدِهِ الَّذِي كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مِن أجْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أباهُ وعَدَهُ أنَّهُ إنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ آمَنَ.

والثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ وعَدَ أباهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ لَمّا كانَ يَرْجُوهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ.

﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ﴾ وذَلِكَ بِمَوْتِهِ عَلى شِرْكِهِ وإياسِهِ مِن إيمانِهِ ﴿ تَبَرَّأ مِنهُ ﴾ أيْ مِن أفْعالِهِ ومِنِ اسْتِغْفارِهِ لَهُ، فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.

﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأوّاهَ: الدَّعّاءُ، أيِ الَّذِي يُكْثِرُ الدُّعاءَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الرَّحِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المُوقِنُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وعَطاءٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ المُسَبِّحُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

السّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي يُكْثِرُ تِلاوَةَ القُرْآنِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

السّابِعُ: أنَّهُ المُتَأوِّهُ، قالَهُ أبُو ذَرٍّ.

الثّامِنُ: أنَّهُ الفَقِيهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

التّاسِعُ: أنَّهُ المُتَضَرِّعُ الخاشِعُ، رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِّ عَنِ النَّبِيِّ  .

العاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي إذا ذَكَرَ خَطاياهُ اسْتَغْفَرَ مِنها، قالَهُ أبُو أيُّوبَ.

وَأصْلُ الأوّاهِ مِنَ التَّأوُّهِ وهو التَّوَجُّعُ، ومِنهُ قَوْلُ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ: ؎ إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تَأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أي عم، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله.

فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبدالله يعاونانه بتلك المقالة.

فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك.

فنزلت ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ الآية.

وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ [ القصص: 56] » .

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟

فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟

فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت امسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله تعالى ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ﴾ الآية.

يعني استغفر له ما كان حياً، فلما مات أمسك عن الاستغفار.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: لما مرض أبو طالب أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المسلمون: هذا محمد صلى الله عليه وسلم يستغفر لعمه وقد استغفر إبراهيم لأبيه فاستغفروا لقراباتهم من المشركين.

فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ ثم أنزل الله تعالى ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ قال: كان يرجوه في حياته ﴿ فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق شبل عن عمرو بن دينار «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي.

وقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمه، فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ إلى قوله: ﴿ نبرأ منه ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أي عم، إنك أعظم عليَّ حقاً من والدي فقل كلمة يجب لك بها الشفاعة يوم القيامة، قل لا إله إلا الله.

فذكر نحو ما تقدم» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم «والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه.

فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...

﴾ الآية ثم عذر الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ إلى قوله: ﴿ تبرأ منه ﴾ وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: أوحى إليّ كلمات قد دخلن في أذني ووقرن في قلبي، أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركاً، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف» .

وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن علي قال: «أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب، فبكى فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه.

ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته، حتى نزل جبريل عليه السلام عليه بهذه الآية ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ » .

وأخرج ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال: لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحمك الله وغفر لك، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون، فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...

﴾ الآية.

فقالوا: قد استغفر إبراهيم لأبيه فنزلت ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه...

﴾ الآية.

قال: فلما مات على كفره تبين له أنه عدوّ لله» .

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لما مات أبو طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن إبراهيم استغفر لأبيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ، فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ﴾ يعني به أبا طالب فاشتد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ يعني حين قال: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً ﴾ [ مريم: 47] ﴿ فلما تبين له أنه عدوّ لله ﴾ يعني مات على الشرك ﴿ تبرأ منه ﴾ » .

وأخرج ابن جرير من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا...

﴾ الآية.

قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبيه، فنهاه الله عن ذلك قال: «فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه.

فنزلت ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ﴾ الآية.

قلت إن هذا الأثر ضعيف معلول، فإن عطية ضعيف وهو مخالف لرواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السابقة، وتلك أصح وعلى ثقة جليل» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه آمنة، فناجى ربه طويلاً، ثم انه بكى فاشتد بكاؤه، فبكى هؤلاء لبكائه فقالوا: يا نبي الله بكينا لبكائك.

قلنا لعله أحدث في أمتك شيء لم يطقه فقال: لا، وقد كان بعضه ولكني نزلت على قبر أمي فدعوت الله تعالى ليأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت، ثم جاءني جبريل عليه السلام فقال: ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ الآية.

فتبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه فرحمتها وهي أمي، فدعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربع فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين.

دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى أن يرفع عنهم القتل والهرج.

قال: وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كدي» وكانت عسفان لهم وبها ولد النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر، فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر، فدعاه ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟

قلنا: بكينا لبكائك.

قال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل علي ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ﴾ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني» .

وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ وقف على عسفان، فنظر يميناً وشمالاً فأبصر قبر أمه آمنة، ورد الماء فتوضأ ثم صلى ركعتين ودعا فلم يفجأنا إلا وقد علا بكاؤه فعلا بكاؤنا لبكائه، ثم انصرف إلينا فقال: ما الذي أبكاكم؟

قالوا: بكيت فبكينا يا رسول الله.

قال: وما ظننتم؟

قالوا: ظننا أن العذاب نازل علينا بما نعمل.

قال: لم يكن من ذلك شيء.

قالوا: فظننا أن أمتك كلفت من الأعمال ما لا يطيقون فرحمتها.

قال: لم يكن من ذلك شيء، ولكن مررت بقبر أمي آمنة فصليت ركعتين، فاستأذنت ربي أن استغفر لها فنهيت، فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجراً فعلا بكائي ثم دعا براحلته فركبها، فما سار إلا هنية حتى قامت الناقة لثقل الوحي، فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...

﴾ الآيتين» .

وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «جاء ابنا مليكة- وهما من الأنصار- فقالا: يا رسول الله إن أمنا كانت تحفظ على البعل وتكرم الضيف، وقد وُئدت في الجاهلية فأين أمنا؟

فقال: أمكما في النار.

فقاما وقد شق ذلك عليهما، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعا، فقال: ألا أن أمي مع أمكما فقال منافق من الناس: أما ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما ونحن نطأ عقبيه.

فقال شاب من الأنصار لم أر رجلاً أكثر سؤالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه: يا رسول الله وأين أبواك؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما.

وفي لفظ: فيطعمني فيهما، وإني لقائم يومئذ المقام المحمود، فقال المنافق للشاب الأنصاري: سله وما المقام المحمود؟

قال: يا رسول الله وما المقام المحمود؟

قال: ذاك يوم ينزل الله فيه على كرسيه يئط فيه كما يئط الرحل الجديد من تضايقه، وهو كسعة ما بين السماء والأرض، ويجاء بكم حفاة عراة غرلاً، فيكون أول من يكسى إبراهيم.

يقول الله: اكسوا خليلي.

فيؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الجنة ثم اكسى على أثره، فأقوم عن يمين الله مقاماً يغبطني فيه الأوّلون والآخرون، ويشق لي نهر من الكوثر إلى حوضي قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط لقلما جرى نهر قط إلا في إحالة أو رضراض، فسله فيم يجري النهر إليهم؟

قال: في إحالة من المسك ورضراض.

قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط.

والله لقلما جرى نهر قط إلا كان له نبات، فسله هل لذلك النهر نبات؟

فقال الأنصاري: يا رسول الله هل لذلك النهر نبات؟

قال: نعم.

قال: ما هو؟

قال: قضبان الذهب.

قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط والله ما نبت قضيب إلا كان له ثمر، فسله هل لتلك القضبان ثمار؟

فسأل الأنصاري قال: يا رسول الله هل لتلك القضبان ثمار؟

قال: نعم، اللؤلؤ والجوهر.

فقال المنافق: لم أسمع كاليوم قط، فسله عن شراب الحوض؟

فقال الأنصاري: يا رسول الله ما شراب الحوض؟

قال: أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من سقاه الله منه شربة لم يظمأ بعدها، ومن حرمه لم يرو بعدها» .

وأخرج ابن سعد عن الكلبي وأبي بكر بن قيس الجعفي قالا: كانت جعفى يحرمون القلب في الجاهلية، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان منهم قيس بن سلمة، وسلمة بن يزيد، وهما أخوان لأُم، فاسلما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «بلغني أنكما لا تأكلان القلب.

قالا: نعم.

قال: فإنه لا يكمل إسلامكما إلا بأكله.

ودعا لهما بقلب فشوي وأطعمه لهما.

فقالا: يا رسول الله إن أمنا مليكة بنت الحلو، كانت تفك العاني، وتطعم البائس، وترحم الفقير، وإنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة فما حالها؟

فقال: الوائدة والموءودة في النار.

فقاما مغضبين.

فقال: إلي.

فارجعا، فقال: وأمي مع أمكما.

فأبيا ومضيا وهما يقولان: والله إن رجلاً أطعمنا القلب وزعم أن أمنا في النار لأهل أن لا يتبع، وذهبا فلقيا رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه إبل من إبل الصدقة، فأوثقاه وطردا الإِبل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله: لعن الله رعلاً وذكوان وعصية ولحيان، وابني مليكة من حريم وحران» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلا إياه ﴾ [ الإِسراء: 23] إلى قوله: ﴿ كما ربياني صغيراً ﴾ [ الإِسراء: 24] قال: ثم استثنى فقال: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ إلى قوله: ﴿ عن موعدة وعدها إياه ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما تبين له أنه عدوّ لله ﴾ قال: تبين له حين مات، وعلم أن التوبة قد انقطعت عنه.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدوّ لله فتبرأ منه.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس ﴿ فلما تبين له أنه عدوّ لله ﴾ يقول: لما مات على كفره.

أما قوله تعالى: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه: أوّه أوّه...

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لأوّاه» .

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال: كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار قال: أوّه من النار أوّه.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجوزاء.

مثله.

وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه «أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل: لو أن هذا خفض صوته.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإنه أوّاه» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين: إنه أوّاه، وذلك أنه كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل ميتاً القبر، وقال: رحمك الله ان كنت لأوّاهاً تلاء للقرآن» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن شداد بن الهاد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأوّاه: الخاشع المتضرع» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: الأوّاه: الدعاء.

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: الأوّاه الدعاء المستكين إلى الله كهيئة المريض المتأوّه من مرضه.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن أبي العبيدين قال: سألت عبدالله بن مسعود عن الأوّاه فقال: هو الرحيم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: الأوّاه المؤمن التوّاب.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الأوّاه الحليم المؤمن المطيع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أيوب قال: الأوّاه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الأوّاه المؤمن بالحبشية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: الأوّاه الموقن، وهي كلمة حبشية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد قال: الأوّاه الفقيه الموقن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: الأوّاه الشيخ.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي ميسرة قال: الأوّاه الشيخ.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عمرو بن شرحبيل قال: الأوّاه الرحيم بلسان الحبشة.

وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل قال: الأوّاه الدعاء بلسان الحبشة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: الأوّاه المسيح.

وأخرج البخاري في تاريخه عن الحسن قال: الأوّاه الذي قلبه معلق عند الله.

وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم قال: كان إبراهيم يسمى الأوّاه لرقته ورحمته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال: الحليم الرحيم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال: كان من حلمه أنه كان إذا أذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما أنزل شيء من القرآن إلا وأنا أعلمه إلا أربع آيات.

إلا ﴿ الرقيم ﴾ [ الكهف: 9] فإني لا أدري ما هو فسألت كعباً؟

فزعم أنها القرية التي خرجوا منها ﴿ وحناناً من لدنا وزكاة ﴾ [ مريم: 13] قال: لا أدري ما الحنان ولكنها الرحمة ﴿ والغسلين ﴾ [ الحاقة: 36] لا أدري ما هو ولكني أظنه الزقوم.

قال الله: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ [ الدخان: 42- 43] قال: والأوّاه هو الموقن بالحبشية.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: الأوّاه المؤمن.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: الأوّاه المنيب الفقير.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عقبة بن عامر قال: الأوّاه الكثير ذكر الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ قال: بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته عامة ما فعلوا أو تركوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ قال: ما يأتونه وما ينتهون عنه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

[التوبة: 17] نزلت في شأن أبي طالب؛ فإنه لما امتنع أن يقول: لا إله إلا الله عند موته، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك، فكان يستغفر حتى نزلت هذه الآية، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فنزلت الآية، وقيل: إن المسلمين أرادوا أن يستغفروا لآبائهم المشركين؛ فنزلت الآية ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ ﴾ المعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلا لوعد تقدم، وهو قوله سأستغفر لك ربي ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ قيل: تبين له ذلك بموت أبيه على الكفر، وقيل: لأنه نهي عن الاستغفار له ﴿ لأواه ﴾ قيل: كثير الدعاء، وقيل: موقن، وقيل: فقيه، وقيل: كثير الذكر لله، وقيل: كثير التأوّه من خوف الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فيقتلون ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ويقتلون ﴾ مبنياً للفاعل: حمزة علي وخلف الآخرون على العكس.

﴿ ويقتلون ﴾ بالتشديد: أبو عون عن قنبل.

﴿ إبراهام ﴾ وكذلك ما بعده: هشام ﴿ يزيغ ﴾ بياء الغيبة.

حمزة وحفص والمفضل.

والباقون بتاء التأنيث.

﴿ خلفوا ﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس.

الباقون بالتشديد مجهولاً.

الوقوف: ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ ويقتلون ﴾ ط ﴿ والقرآن ﴾ ط ﴿ بايعتهم به ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لحدود الله ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ إياه ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ج ﴿ حليم ﴾ ه ط ﴿ ما يتقون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ تاب عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿ خلفوا ﴾ ط ﴿ إلا إليه ﴾ ط ﴿ ليتوبوا ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه فقال: ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.

قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله  ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.

قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟

قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.

قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم.

وقال جعفر الصادق  : والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.

واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه.

ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها.

والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع.

وههنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه  هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات.

وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات العاليات؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ وفي قوله ﴿ يقاتلون ﴾ معنى الأمر كقوله ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  ﴾ وهو كالتفسير لتلك المبايعة ﴿ فيقتلون ويقتلون ﴾ أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين.

ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان.

ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ .

والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال  لعلي  : " لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس" ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال: "هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قوله ﴿ وعداً عليه ﴾ قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ كأنه قيل: وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال ﴿ ومن أوفى ﴾ استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد ﴿ من الله ﴾ لأنه الغني عن كل الحاجات القادر على كل المقدورات.

وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: ﴿ إن الله اشترى ﴾ وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً.

ومنها أنه قال ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة.

ومنها قوله ﴿ وعداً ﴾ و ﴿ إنه لا يخلف الميعاد ﴾ .

ومنها قوله ﴿ عليه ﴾ وكلمة "على" للوجوب ظاهراً.

ومنها قوله: ﴿ حقاً ﴾ وهو تأكيد التحقيق.

ومنها قوله: ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة.

ومنها قوله: ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف ألبتة.

ومنها قوله: ﴿ فاستبشروا ﴾ والبشارة الخبر الصدق الأول.

ومنها قوله: ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ ثم وصف الفوز بـ ﴿ العظيم ﴾ واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها ﴿ ذلك الفوز ﴾ بغير "هو" وإنه في ستة مواضع: في "براءة" موضعان، وفي "النساء والمائدة والصف والتغابن" وما في "النساء" بزيادة واو.

والآخر ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ بزيادة "هو" وذلك في ستة مواضع أخرى في "براءة" موضعان و "يونس" و "المؤمن" و "الدخان" و "الحديد" وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في "المؤمن".

وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها.

وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة.

وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد.

وكذلك في "المؤمن" وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية ﴿ فاغفر ﴾ ﴿ وقهم ﴾ ﴿ وأدخلهم ﴾ قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله  للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة.

ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: ﴿ التائبون ﴾ قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى  ﴾ وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في ﴿ يقاتلون ﴾ وقيل: مبتدأ خبره ﴿ العابدون ﴾ وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.

أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق.

ومال آخرون الى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص ﴿ والعابدون ﴾ قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم.

وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع.

وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.

و ﴿ الحامدون ﴾ هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ و ﴿ السائحون ﴾ قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله: " سياحة أمتي الصيام" .

ثم قيل: هذا صوم الفرض.

وقيل: الذين يديمون الصيام.

قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم.

وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع.

وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول.

وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل.

قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثراً عظيماً في تكميل النفس لأنه يلقى أنواعاً من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على الله فيصير ذلك ملكه له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال والأخلاق والسير والآثار ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ يعني المصلين قال بعض العلماء: إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود.

وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع.

ثم قال: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن ههنا بحثاً آخر وهو أنه لم أدخل الواو في قوله: ﴿ والناهون ﴾ ﴿ والحافظون ﴾ دون سائر الأوصاف؟

وأجيب بأن النسق يجيء بالواو وبغيرها كقوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب  ﴾ أو المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه الواو تنبيهاً على هذه المخالفة والمباينة.

ولبعض النحويين جواب عام يشمل هذه الآية وما في "الكهف" في قوله: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم  ﴾ وما في "الزمر" في قوله في ذكر الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وما في "التحريم" في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وذلك أنهم سموا هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها في القرآن والأخبار.

فالثمانية تجري مجرى استنئاف كلام فلهذا فصل بالواو.

وأما قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ فكإجمال بعد تفصيل؛ وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات.

وإنها إما لجلب المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية.

فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها.

والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها كحالة الإحرام.

ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في المسجد.

والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال والبحث عنها إما من جهة الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بيع العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئاً في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع الكاليء بالكالىء المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس.

وأما دفع المضار والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو السرقة.

وههنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولاً إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى والبينات.

فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله  وأحكامه وحدوده، وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.

ولكن قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ يشمل ذلك أيضاً بل رعايته أهم من رعاية أحوال الظواهر.

ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه.

ولما بين من أول السورة إلى ههنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضاً وإن كانوا أقارب فقال: ﴿ ما كان للنبي ﴾ ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك.

ثم علل المنع بقوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال  : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فطلب غفرانهم جارٍ مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا يستجاب له.

وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا بالغ فيه بقوله: ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله  - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية - فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.

فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟

فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب.

فقال النبي  : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآيتان.

وقيل عن ابن عباس: لما افتتح  مكة سأل أي أبويه أحدث به  عهداً أي آخرهما موتاً؟

فقيل: أمك آمنة.

فزار  قبرها ثم قام باكياً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل عليّ ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآية.

فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة في آخر القرآن نزولاً، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام.

ويمكن أن يوجه الأول بأنه  لعله بقي مستغفراً إلى حين نزول الآية.

ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد.

﴿ فلما تبين ﴾ لإبراهيم ﴿ أنه عدو لله ﴾ إما بإصراره على الكفر أو بموته على ذلك أو بطريق الوحي ﴿ تبرأ منه ﴾ وترك الاستغفار.

ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم  ويوافقه قراءة الحسن ﴿ وعدها أباه ﴾ بالباء الموحدة وذلك في قوله: ﴿ لأستغفرن لك  ﴾ وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه.

وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع إلى الله  أن يرزقه الإيمان.

وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة فكان قوله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم  ﴾ في حق المنافقين خاصة وهذه في حق الكافرين عامة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال أهل اللغة: أوّاه "فعال" مأخوذ من حروف "أوه" كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، وعن النبي  أنه قال: "الأوّاه الخاشع المتضرع" والحلم ضد السفه، وصفه  بشدّة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى أولى.

ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال أو يخذلهم أو يوقع الضالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به العقاب ﴿ بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ ما يجب عليهم أن يحترزوا عنه.

والحاصل أن الله لا يسمي قوماً ضلالاً بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب الخمر والربا قبل تحريمهما.

وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض المحظورات داخلاً في حكم الضلال.

ثم قال: ﴿ إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ﴾ والمراد أن من كان عالماً قادراً هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب.

وأجيب بأن له ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر عادة، وفي قوله: ﴿ إن الله له ملك السموات والأرض ﴾ فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية نصرته لمن أراد استظهاراً للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب والأنصار كأنه قال: وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي.

ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الآية.

ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها.

فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم.

الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى.

والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي  بقوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم  ﴾ ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله  أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص.

ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب.

السؤال الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟

فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته.

والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد.

وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿ لا تنفروا في الحر  ﴾ وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله  في غزوة الخندق ﴿ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر  ﴾ الثالث: ما معنى ﴿ كاد يزيغ ﴾ وكيف إعرابه؟

والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد.

معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر.

وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان.

وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا.

وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية.

الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ ؟

الجواب إن عاد الضمير في ﴿ عليهم ﴾ الى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي  والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك.

وإليه الإشارة بقوله:  : "إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" .

وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ يريد ازداد عنهم رضا.

ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿ إنه بهم رؤوف رحيم ﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة.

أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.

الخامس: الثلاثة الذين خلفوا من هم؟

الجواب هم المرجون لأمر الله كما مرّ، سّمُّوا مخلفين كما سمو مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد أولئك.

وقيل: لأنهم خلفوا عن الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين.

وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، وقرأ جعفر الصادق  : ﴿ خالفوا ﴾ .

﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ﴾ مع سعتها وهو مثل للحيره في الأمر، ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور ﴿ وظنوا ﴾ أي علموا وتيقنوا ﴿ أن لا ملجأ من ﴾ سخط ﴿ الله إلا ﴾ إلى استغفاره كقوله  : "أعوذ بك منك" .

وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون المدة قصيرة وجواب "إذا" محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، وحسن حذفه لتقدم ذكره.

عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله  سلمت عليه فرد عليّ كالمغضب بعدما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه.

فقال: معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا - أيها الثلاثة - فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع - وهو جبل بالمدينة - أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي ﴿ وضاقت عليهم الأرض بما رحبت  ﴾ وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله  فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة.

وقال رسول الله  وهو يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية.

سئل أبو بكر الورّاق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.

السادس: قد عرفنا فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ ؟

الجواب معناه رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علماً منهم بأن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم.

وقالت الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله  حتى إنه لو لم يتب عليهم لم يتوبوا.

وأيضاً قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر، ثم إنه  لم يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوماً.

ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أوّل الأمر فلهذا تأخر القبول دليله قوله  : ﴿ حتى إذا ضاقت ﴾ الآية.

ثم حث  المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل الصدق لا النفاق فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية.

قال بعض العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة.

والكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين.

ثم إنه ثبت بالتواتر من دين محمد  أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة علىالمكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصاً بالكون مع الرسول وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك.

ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصراً في الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على شيء كانوا صادقين فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهراً وباطناً.

وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا عليه من الطاعة نية وقولاً وعملاً.

وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في الصدق والثبات.

وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، وقيل: الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري.

وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته.

ومن خصائص الصدق ما روي أن أعرابياً جاء إلى رسول الله  وقال: إني أريد أن أؤمن بك إلا إني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم.

فلما خرج من عند رسول الله  عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله  عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله  وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل.

ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرّده وكفره استنكف منه حتى استثنى في قوله ﴿ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين  ﴾ .

ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذباً عند المعتزلة وكونه مفضياً إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم.

التأويل: ﴿ إن الله اشترى ﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة.

﴿ التائبون ﴾ عما سوى الله ﴿ العابدون ﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿ الحامدون ﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿ السائحون ﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿ الراكعون ﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿ الساجدون ﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿ الآمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي ﴿ الناهون ﴾ عما سواه ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره.

﴿ ما كان للنبي ﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿ إن إبراهيم لأواه ﴾ الأواه هو المتبرىء من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق.

﴿ حليم ﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال  لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا ﴿ وما كان الله ليضل قوماً ﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿ بعد إذ هداهم ﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن الله  بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.

﴿ إن الله له ملك السموات ﴾ سموات القلوب ﴿ والأرض ﴾ أرض النفوس ﴿ يحيي ﴾ بنور ربوبيته ﴿ من يشاء ويميت ﴾ عن صفات بشريته ﴿ من يشاء ومالكم من دون الله من ولي ﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي  على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها.

أو نقول ﴿ لقد تاب الله ﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿ والأنصار ﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل.

﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم ﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

دلت الآية بما نهانا أن نستغفر لمن علمنا أنه من أهل النار؛ لما أن الله لا يغفر له؛ لما علم أنه لا يؤمن، فعلى ما علمنا أنه لا يغفر له لم نستغفر له فلم يجز لنا أن نقول: إنه أراد الإيمان لمن يعلم أنه لا يؤمن أبداً؛ كما لم يجب أن يغفر لمن وجبت له النار، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله قد أراد لكل كافر الإيمان، لكنه لم يؤمن.

ثم قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: "إن رسول الله قد استغفر لأحد والديه، وذكر أنه دخل على أبي طالب عمه فدعاه إلى شهادة أن لا إله إلا الله فأبى، ثم استغفر له وقال: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه أو كلام نحو هذا، فنزل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ...

﴾ الآية" .

قال الحسن: لا يحتمل أن يكون رسول من رسل الله لا يعلم أن الله لا يغفر للكافر؛ إذ في العقل والحكمة ألا يغفر له والتعذيب له أبداً، وعندنا في الحكمة تعذيب الكافر أبداً وألا يغفر له لوجوه: أحدها: أن في ذلك تسوية بين العدو ووليه، ومن سوى بين عدوه ووليه فهو ليس بحكيم؛ إذ في الحكمة التمييز بينهما.

والثاني: أنه إذا عبد غير الله معه إنما يعبد غيره لجهله، وتلك الجهالة لا ترتفع أبداً؛ لأنه إذا غفر له فيقع عنده أنه إنما جزى وغفر له لعبادة غير الله.

والثالث: [أنه] لو غفر للكافر لذهبت حكمة الأفعال؛ لأن الأفعال إنما يؤمر بها لعواقب تتأمل: إما حمداً وإما ذمّاً، فإذا غفر له حمد بأفعال كان الحق له الذم بها، ففي ذلك خروجها عن الحكمة.

وجائز أن يكون رسول الله يستغفر للمنافقين، قبل: أن يتبين له أنهم منافقون، فلما تبين له نفاقهم كف عن استغفاره لهم، فأما أن يستغفر للكافر على علم منه أنه كافر فلا يحتمل، على ما يقوله بعض أهل التأويل: إنه استغفر لعمه ولأحد والديه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ ﴾ .

قال بعضهم: وعدها إياه: الإسلام، فكان استغفاره لأبيه على وعد الإسلام، فإنما كان استغفاره بعد إسلامه.

ألا ترى أنه قال: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ  رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فإنما طلب له المغفرة في ذلك اليوم وقد كان وعده الإسلام؛ لذلك كان استغفر له.

ألا ترى أنه تبرأ منه؛ إذ تبين له أنه من أهل النار.

ويحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه طلب السبب الذي به منه يستوجب المغفرة وهو التوحيد [والإسلام]؛ وهو كقول هود [لقومه]: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ  ﴾ ؛ وكقول نوح: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، ليس يأمرهم أن يقولوا: نستغفر الله، ولكن يأمرهم بالإسلام ليغفر لهم ويكونوا من أهل المغفرة، فعلى ذلك استغفار إبراهيم لأبيه؛ وكذلك قوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ  ﴾ ، أي: أعطه السبب الذي به يستوجب المغفرة وهو التوحيد، كان سؤاله سؤال التوحيد؛ إذ لا يحل طلب المغفرة للكافر وفي الحكمة لا يجوز أن يغفر له.

فإن قيل: فإن كان على ما ذكرتم كيف استثنى قول إبراهيم: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  ﴾ بعد ما أخبرنا أن في إبراهيم قدوة بقوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ ؟

قيل: يحتمل الاستثناء لقول إبراهيم: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  ﴾ لأبيه، أي: حتى نعلم المعنى من استغفاره؛ لأنا لا نعرف مراد إبراهيم من استغفاره لأبيه؛ وكذلك استغفار الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لقومهم والمتصلين بهم، فاستثنى ذلك إلى أن نعلم مرادهم من استغفارهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ .

قيل: الأواه: الدعاء، وعلى ذلك روي عن رسول الله  "أنه سئل عن الأواه؟

فقال: الدعاء الخاشع المتضرع" وعن ابن عباس -  - قال: الأواه: المؤمن.

وقيل: الأواه: الفقيه، الموقن.

وقيل: المسبح.

وقيل: الأواه: المتأوه حزناً وخوفاً.

و"حليم" قيل: الحليم ضد السفيه.

وقيل: العليم.

والحليم: هو الذي لا يغضب ولا يسفه عند سفه السفيه.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ اختلف أهل التأويل: قال بعضهم: الآية في استغفار المؤمنين للمشركين.

وقال بعضهم: الآية في نسخ الأحكام والشرائع التي تحتمل النسخ.

فإن كانت في الاستغفار للمشركين، فإنه ليس هنالك نسخ؛ لأنه لم يسبق لهم الأمر بالاستغفار ولا الإباحة لهم في ذلك، فكأنه قال: ما كان الله ليجعل قوماً ضلالاً بالاستغفار بعد أن جعلهم مهتدين حتى يعلموا بالنهي عن ذلك، والله أعلم.

وهو يحتمل ما ذكرنا من استغفارهم للمنافقين قبل أن يتبين لهم؛ يقول: لا يجعلهم ضلالاً بذلك.

﴿ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ ، أي: حتى يعلموا بالذي يلزمهم الانتهاء عنه، وهو النسخ؛ هذا في الأحكام التي تحتمل النسخ.

وأما الأحكام التي لا تحتمل النسخ فلا.

وأصله: أن كل ما كان في العقل امتناع نسخة فإنه لا يرد فيه النسخ، وكل ما كان في العقل لا امتناع على نسخه فإنه يجوز أن يرد فيه النسخ.

ثم المسألة فيما عملوا بالمنسوخ قبل العلم بالنسخ ما حال العمل الذي عملوا به يجرحون ويأثمون في عملهم بذلك في حال نسخه، أو يثابون ويؤجرون على ذلك؟

فإن كان الفعل فعل طاعة وقربة، فإنه يثاب في قصده وفعله ولا يجرح فيه.

وإن كان فعله ليس بفعل قربة وطاعة، ولكن فعل حل وحرمة - فإنه في فعله قبل بلوغ العلم بنسخه لا يجرح في فعله؛ نحو ما روي أنهم كانوا يشربون الخمر ثم أتاهم آت فقال: ألا إن الخمر قد حرمت، فصبّوها وكفوا عنها، فهم في شربهم بعد التحريم قبل بلوغ الخبر إليهم لا يجرحون.

وأما الفعل الذي هو فعل قربة وطاعة: فإن لهم القربة في فعلهم وهو الصلاة؛ ونحوه ما روي أن نفراً كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فمرّ عليهم مار فقال: ألا إن القبلة قد حولت - وهم في الركوع - إلى الكعبة، فتحولوا نحوها، فأخبروا عن ذلك رسول الله فلم يأمرهم بالإعادة؛ لأن الفعل فعل قربة وطاعة، فالطاعة والقربة موجودة في فعلهم؛ لأن الأفعال التي فرضت لم تفرض لنفس الأفعال إنما فرضت للطاعة والقربة لله فيها، فإنه يؤجر على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ؟

بما فيه مصالح الخلق وما ليس فيه؛ كأن هذا - والله أعلم - خرج لإنكار من أنكر النسخ في الشرائع؛ يقول: إن الله يعلم بما فيه مصالح الخلق وأنتم لا تعلمون، وفي الناسخ مصالح لهم وأنتم لا تعلمون، ويؤكد ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .

وأنتم عبيده، وليس للعبد إنكار [شيء] على سيده، وإنما على العبد الطاعة لسيده والائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه.

﴿ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .

أي: كما له أن يميت بعد الحياة ويحيي بعد الموت، فله أن يتعبدهم في حال بعبادة، وفي حال بعبادة أخرى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما كان طلب إبراهيم المغفرة لأبيه إلا بسبب وعده إياه ليطلبنّها له؛ رجاء أن يسلم، فلما اتضح لإبراهيم أن أباه عدو لله لعدم نفع النصح فيه، أو لعلمه بوحي أنَّه يموت كافرًا تبرأ منه، وكان استغفاره له اجتهادًا منه، لا مخالفة لحكم أوحى الله إليه به، إن إبراهيم  كثير التضرع إلى الله، كثير الصفح والتجاوز عن قومه الظالمين.

<div class="verse-tafsir" id="91.o3nNz"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله