الآية ١٢٥ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢٥ من سورة التوبة

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ١٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٥ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٥ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) أي : زادتهم شكا إلى شكهم ، وريبا إلى ريبهم ، كما قال تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] ، وقال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] ، وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم ، كما أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالا ونقصا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وأما الذين في قلوبهم مرض), نفاق وشك في دين الله, (7) فإن السورة التي أنـزلت =(زادتهم رجسًا إلى رجسهم)، وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله, فلم يؤمنوا بها ولم يصدّقوا, فكان ذلك زيادة شكٍّ حادثةً في تنـزيل الله، لزمهم الإيمان به عليهم، بل ارتابوا بذلك, فكان ذلك زيادة نَتْنٍ من أفعالهم، إلى ما سلف منهم نظيره من النتن والنفاق.

وذلك معنى قوله: (فزادتهم رجسا إلى رجسهم) (8) =(وماتوا) ، يعني: هؤلاء المنافقين أنهم هلكوا =(وهم كافرون) ، يعني: وهم كافرون بالله وآياته.

---------------------- الهوامش : (7) انظر تفسير " المرض " فيما سلف 1 : 278 - 281 / 10 : 404 / 14 : 12 .

(8) انظر تفسير " الرجس " فيما سلف ص : 425 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون قوله تعالى وأما الذين في قلوبهم مرض أي شك وريب ونفاق .

وقد تقدم .قوله تعالى فزادتهم رجسا إلى رجسهم أي شكا إلى شكهم وكفرا إلى كفرهم .

وقال مقاتل : إثما إلى إثمهم ; والمعنى متقارب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏}‏ أي‏:‏ شك ونفاق ‏{‏فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ مرضا إلى مرضهم، وشكا إلى شكهم، من حيث إنهم كفروا بها، وعاندوها وأعرضوا عنها، فازداد لذلك مرضهم، وترامى بهم إلى الهلاك ‏{‏و‏}‏ الطبع على قلوبهم، حتى ‏{‏مَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ‏}‏ وهذا عقوبة لهم، لأنهم كفروا بآيات اللّه وعصوا رسوله، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأما الذين في قلوبهم مرض ) شك ونفاق ، ( فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) أي : كفرا إلى كفرهم ، فعند نزول كل سورة ينكرونها يزداد كفرهم بها .

قال مجاهد : هذه الآية إشارة إلى الإيمان : يزيد وينقص .

وكان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول : تعالوا حتى نزداد إيمانا .

وقال علي بن أبي طالب : إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب ، فكلما ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله ، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد حتى يسود القلب كله ، وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود .

قوله : ( وماتوا وهم كافرون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأما الذين في قلوبهم مرض» ضعف اعتقاد «فزادتهم رجسا إلى رجسهم» كفرا إلى كفرهم لكفرهم بها «وماتوا وهم كافرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأما الذين في قلوبهم نفاق وشك في دين الله، فإن نزول السورة يزيدهم نفاقًا وشكًا إلى ما هم عليه من قبلُ من النفاق والشك، وهلك هؤلاء وهم جاحدون بالله وآياته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

هذا شأن المؤمنين بالنسيبة لنزول السورة القرآنية ، وأما المنافقون ، فقد صور القرآن حالهم بقوله ( وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ ) .أى : وأما الذين فى قلوبهم شك ونفاق وارتياب .

فزادهم نزول السورة كفرا على كفرهم السابق .وسمى - سبحانه - الكفر رجسا ، لأنه أقبح الأشياء وأسوؤها .وقوله : ( وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) تذييل قصد به بيان سوء عقابتهم فى الآخرة بعد بيان سوء أعمالهم فى الدنيا .أى : لقد قضى هؤلاء المنافقون حياتهم فى الكفر والفسوق والعصان ، ثم لم يتوبوا عن ذلك ولم يرجعوا عنه ، بل ماتوا على الكفر والنفاق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر مخازي المنافقين وذكر أعمالهم القبيحة فقال: وإذا ما أنزلت سورة، فمن المنافقين من يقول أيكم زادته هذه إيماناً؟

واختلفوا فقال بعضهم: يقول بعض المنافقين لبعض، ومقصودهم تثبيتهم قومهم على النفاق، وقال آخرون: بل يقولونه لأقوام من المسلمين، وغرضهم صرفهم عن الإيمان.

وقال آخرون: بل ذكروه على وجه الهزؤ، والكل محتمل.

ولا يمكن حمله على الكل، لأن حكاية الحال لا تفيد العموم.

ثم إنه تعالى أجاب فقال إنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران، وحصل للكافرين أيضاً أمران.

أما الذي حصل للمؤمنين: فالأول: هو أنها تزيدهم إيماناً إذ لابد عند نزولها من أن يقروا بها ويعترفوا بأنها حق من عند الله، والكلام في زيادة الإيمان ونقصانه قد ذكرناه في أول سورة الأنفال بالاستقصاء.

والثاني: ما يحصل لهم من الاستبشار.

فمنهم من حمله على ثواب الآخرة، ومنهم من حمله على ما يحصل في الدنيا من النصر والظفر، ومنهم من حمله على الفرح والسرور الحاصل بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل به إلى مزيد في الثواب، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للأمرين المذكورين في المؤمنين، فقال: ﴿ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ يعني المنافقين ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ والمراد من الرجس إما العقائد الباطلة أو الأخلاق المذمومة، فإن كان الأول كان المعنى أنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة، فقد انضم كفر إلى كفر، وإن كان الثاني كان المراد أنهم كانوا في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر والكيد، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة.

والأمر الثاني: أنهم يموتون على كفرهم، فتكون هذه الحالة كالأمر المضاد للاستبشار الذي حصل في المؤمنين، وهذه الحالة أسوأ وأقبح من الحالة الأولى، وذلك لأن الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرجاسة، وهذه الحالة عبارة عن مداومة الكفر وموتهم عليه.

واحتج أصحابنا بقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويصرف عنه، قالوا: إنه تعالى كان عالماً بأن سماع هذه السورة يورث حصول الحسد والحقد في قلوبهم، وأن حصول ذلك الحسد يورث مزيد الكفر في قلوبهم، أجابوا وقالوا نزول تلك السورة لا يوجب ذلك الكفر الزائد، بدليل أن الآخرين سمعوا تلك السورة وازدادوا إيماناً.

فثبت أن تلك الرجاسة هم فعلوها من قبل أنفسهم.

قلنا: لا ندعي أن استماع هذه السورة سبب مستقل بترجيح جانب الكفر على جانب الإيمان، بل نقول استماع هذه السورة للنفس المخصوصة والموصوفة بالخلق المعين والعادة المعينة.

يوجب الكفر.

والدليل عليه أن الإنسان الحسود لو أراد إزالة خلق الحسد عن نفسه، يمكنه أن يترك الأفعال المشعرة بالحسد، وأما الحالة القلبية المسماة بالحسد، فلا يمكنه إزالتها عن نفسه، وكذا القول في جميع الأخلاق فأصل القدرة غير، والفعل غير، والخلق غير، فإن أصل القدرة حاصل للكل أما الأخلاق فالناس فيها متفاوتون.

والحاصل أن النفس الطاهرة النقية عن حب الدنيا الموصوفة باستيلاء حب الله تعالى والآخرة إذا سمعت السورة صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا، وأما النفس الحريصة على الدنيا المتهالكة على لذاتها الراغبة في طيباتها الغافلة عن حب الله تعالى والآخرة، إذا سمعت هذه السورة المشتملة على الجهاد وتعريض النفس للقتل والمال للنهب ازداد كفراً على كفره.

فثبت أن إنزال هذه السورة في حق هذا الكافر موجب لأن يزيد رجساً على رجس، فكان إنزالها سبباً في تقوية الكفر على قلب الكافر وذلك يدل على ما ذكرنا أنه تعالى قد يصد الإنسان ويمنعه عن الإيمان والرشد ويلقيه في الغي والكفر.

بقي في الآية مباحث: الأول: ما في قوله: ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ صلة مؤكدة.

الثاني: الاستبشار استدعاء البشارة، لأنه كلما تذكر تلك النعمة حصلت البشارة، فهو بواسطة تجديد ذلك التذكر يطلب تجديد البشارة.

الثالث: قوله: ﴿ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ يدل على أن الروح لها مرض، فمرضها الكفر والأخلاق الذميمة، وصحتها العلم والأخلاق الفاضلة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ﴾ فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض ﴿ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه ﴾ السورة ﴿ إيمانا ﴾ إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به.

وأيكم: مرفوع بالابتداء.

وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ أيكم ﴾ بالفتح على إضمار فعل يفسره ﴿ زَادَتْهُ ﴾ تقديره: أيكم زادت زادته هذه إيماناً ﴿ فَزَادَتْهُمْ إيمانا ﴾ لأنها أزيد لليقين والثبات، وأثلج للصدر.

أو فزادتهم عملاً، فإن زيادة العمل زيادة في الإيمان، لأنّ الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ كفراً مضموماً إلى كفرهم، لأنهم كلما جدّدوا بتجديد الله الوحي كفراً ونفاقاً، ازداد كفرهم واستحكم وتضاعف عقابهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهُمْ ﴾ فَمِنَ المُنافِقِينَ ﴿ مَن يَقُولُ ﴾ إنْكارًا واسْتِهْزاءً.

﴿ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ ﴾ السُّورَةُ.

﴿ إيمانًا ﴾ وقُرِئَ « أيَّكم» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ زادَتْهُ ﴾ .

﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا ﴾ بِزِيادَةِ العِلْمِ الحاصِلِ مِن تَدَبُّرِ السُّورَةِ وانْضِمامِ الإيمانِ بِها وبِما فِيها إلى إيمانِهِمْ.

﴿ وَهم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ بِنُزُولِها لِأنَّهُ سَبَبٌ لِزِيادَةِ كَمالِهِمْ وارْتِفاعِ دَرَجاتِهِمْ.

﴿ وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ كُفْرٌ.

﴿ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ كُفْرًا بِها مَضْمُومًا إلى الكُفْرِ بِغَيْرِها.

﴿ وَماتُوا وهم كافِرُونَ ﴾ واسْتَحْكَمَ ذَلِكَ فِيهِمْ حَتّى ماتُوا عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق فهو فساد يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} كفروا مضموماً إلى كفرهم {وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون} هو إخبار عن إصرارهم عليه إلى الموت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ نِفاقٌ ﴿ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ أيْ نِفاقًا مَضْمُومًا إلى نِفاقِهِمْ فالزِّيادَةُ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الضَّمِّ ولِذا عُدِّيَتْ بِإلى، وقِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ ولا حاجَةَ إلَيْهِ ﴿وماتُوا وهم كافِرُونَ 125﴾ واسْتَحْكَمَ ذَلِكَ فِيهِمْ إلى أنْ يَمُوتُوا عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، يعني: ما حولكم وبقربكم من عدوكم، وهم بنو قريظة والنضير وفدك وخيبر، فأمر الله تعالى كل قوم بأن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار.

قال أبو جعفر الطحاوي: منع الله تعالى نبيه عن قتال الكفار بقوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثم أباح قتال من يليه بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، ثم أباح قتال جميع الكفار بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] .

ثمّ قال: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً يعني: شدّة عليهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، ينصرهم على عدوهم.

قوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يعني: القرآن على رسول الله  ، فَمِنْهُمْ يعني: من المنافقين مَنْ يَقُولُ بعضهم لبعض: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيماناً، يعني: تصديقا استهزاء بها.

قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا يعني: أصحاب محمد  ، فَزادَتْهُمْ إِيماناً: يعني: تصديقاً بهذه السورة مع تصديقهم بالله تعالى وثباتاً على الإيمان.

وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، يقول: يفرحون بما أنزل الله من القرآن.

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل، وأبو القاسم الشنابازي قالا: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل العابد قال: حدثنا يحيى بن عيسى قال: حدّثنا أبو مطيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة أنه قال: جاء وفد ثقيف إلى رسول الله  ، فقالوا: يا رسول الله  الإيمان يزيد وينقص؟

قال: «لا، الإيمانُ مُكَمَّلٌ فِي القَلْبِ.

زِيَادَتُهُ وَنُقْصَانُهُ كُفْرٌ» .

قال الفقيه: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستلم قال: حدثنا أبو عمران المؤدب الدستجردي قال: حدثنا صخر بن نوح قال: حدثنا مسلم بن سالم، عن أبي الحويرث، عن عون بن عبد الله قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خطبته: «لو كان الأمر على ما يقول الشكاك الضلال، إن الذنوب تنقص الإيمان، لأمسى أحدنا حين ينقلب إلى أهله وهو لا يدري ما ذهب من إيمانه أكثر أو ما بقي» .

قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني: شكا ونفاقا، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ، قال الكلبي: أي شكاً إلى شكهم، وقال مقاتل: إثماً على إثمهم، وقال القتبي: أصل الرجس النتن، ثم قال: الكفر والنفاق رجس لأنهما نتنان.

وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ، يعني: ماتوا على الكفر، لأنهم كانوا كفاراً في السر، ولم يكونوا مؤمنين في الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق «١» وهذا هو الذي يُفْهَمُ من استدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم، وقد قالت فرقة: إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفزوا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضاً كذلك قال ابن المبارك في «رقائقه» أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال:

إِذا أراد اللَّه تبارك وتعالَى بِعَبْدٍ خيراً، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ: فقْهاً في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه «٢» .

انتهى.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (١٢٧)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قيل: إِنَّ هذه الآية نزَلَتْ قبل الأمر بقتال الكُفَّار كافَّة، فهي من التدريجِ الذي كان في أوَّل الإِسلام.

قال ع «٣» : وهذا ضعيفٌ فإِن هذه السورة من آخر ما نَزَلَ.

وقالتْ فرقة: معنى الآية أنَّ اللَّه تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أنْ يقاتل كُلُّ فريقٍ منهم الجنْسَ الذي يليه من الكَفَرة.

وقوله سبحانه: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً: أي: خشونةً وبأساً، ثم وعَدَ سبحانه في آخر الآية وحَضَّ على التقوَى التي هي مِلاَكُ الدِّينِ والدنيا، وبها يُلْقَى العَدُوُّ، وقد قال

بعضُ الصحابة: إِنما تُقَاتِلُونَ النَّاس بأَعمالكم، وَوَعَد سبحانه أنه مع المتَّقِينَ، وَمَنْ كان اللَّه مَعِهُ، فَلَنْ يُغْلَبَ.

وقوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ...

الآية: هذه الآية نزلَتْ في شأن المنافقين، وقولهم: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً يحتمل أنْ يكون لمنافقينَ مِثْلِهِمْ، أو لقومٍ من قراباتهم علَى جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السُّورة، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ الردَّ عليهم بقوله: فَأَمَّا/ الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وذلك أنه إذا نزلَتْ سورةٌ، حَدَثَ للمؤمنين بها تصديقٌ خاصٌّ، لم يكنْ قبلُ، فتصديقهم بما تضمَّنته السورةُ مِنْ أخبار وأمرٍ ونَهْيٍ أمرٌ زائد على الذي كان عِنْدهم قبلُ، وهذا وجْهٌ من زيادة الإِيمان.

ووجه آخر أنَّ السورة ربَّما تضمَّنت دليلاً أو تنبيهاً على دليل، فيكون المؤمن قد عَرَفَ اللَّه بعدَّة أدلَّة، فإِذا نزلت السورةُ، زادَتْ في أدلَّته، وَوَجْهٌ آخر من وجوه الزيادة أنَّ الإِنسان ربَّما عرضه شكٌ يسيرٌ، أو لاحَتْ له شبهة مشغِّبة، فإِذا نزلَتِ السورة، ارتَفَعَتْ تلك الشبهة، وقَوِيَ إِيمانه وارتقى اعتقاده عن معارَضَة الشبهات، والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:

هم المنافقون، و «الرجْسُ» في اللغة: يجيء بمعنى القَذَرِ، ويجيء بمعنى العذاب، وحالُ هؤلاء المنافقين هي قَذَرٌ، وهي عذابٌ عاجلٌ، كفيلٌ بآجِلٍ، وإِذا تَجدَّد كفْرُهم بسورةٍ، فقد زاد كُفْرهم، فذلك زيادةُ رجْسٍ إِلى رِجْسهم.

وقوله سبحانه: أَوَلا يَرَوْنَ يعني: المنافقين، وقرأ حَمزة: «أَوَلاَ تَرَوْنَ» - بالتاء من فوق- على معنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ، أي: يُخْتَبرُونَ، وقرأ مجاهدٌ: «مَرْضَةً أَوْ مَرْضَتَيْنِ» ، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها أَنَّ الفتنة والاختبار إِنما هي بكَشْفِ اللَّه أَسرارهم وإِفشائه عقائدهم إِذ يعلمون أنَّ ذلك مِنْ عند اللَّه، وبهذا تقومُ الحُجَّة عليهم، وأما الاختبار بالمَرَضِ فهو في المؤمنين.

وقوله سبحانه: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ: المعنى: وإِذا ما أنزلَتْ سورةٌ فيها فضيحةُ أسرار المنافقين، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ: أي: هلْ معكم مَنْ يَنْقُلُ عَنْكم، هَلْ يراكم من أحدٍ حين تدبِّرون أموركم، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ طريق الاهتداء وذلك أنهم وقْتَ كشْف أسرارهم والإِعلام بمغيِّبات أمورهم، يقع لهم لا مَحَالة تَعَجُّب وتوقُّف ونَظَر، فلو أريد بهم خَيْرٌ، لكان ذلك الوَقْتُ مَظِنَّةَ الاهتداء، وقد تقدَّم بيانُ قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُها: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّانِي: قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وخَيْبَرُ، وفَدْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الدَّيْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: العَرَبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ عامٌّ في قِتالِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقاتِلَ أهْلَ كُلِّ ثَغْرٍ الَّذِينَ يَلُونَهم.

قالَ: وقِيلَ: «كانَ النَّبِيُّ  رُبَّما تَخَطّى في حَرْبِهِ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ الأعْداءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أهْيَبُ لَهُ، فَأمَرَ بِقِتالِ مَن يَلِيهِ لِيُسْتَنَّ بِذَلِكَ.» وفي الغِلْظَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ: غِلْظَةٌ، بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ وبِها قَرَأ الأكْثَرُونَ.

وغَلْظَةٌ، بِفَتْحِ الغَيْنِ، رَواها جَبَلَةٌ عَنْ عاصِمٍ.

وغُلْظَةٌ، بِضَمِّ الغَيْنِ، رَواها المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ.

ومِثْلُها: جَذْوَةٌ وجِذْوَةٌ وجُذْوَةٌ، ووَجْنَةٌ ووِجْنَةٌ ووُجْنَةٌ، ورَغْوَةٌ ورِغْوَةٌ ورُغْوَةٌ، ورَبْوَةٌ ورِبْوَةٌ ورُبْوَةٌ، وقَسْوَةٌ وقِسْوَةٌ وقُسْوَةٌ، وألْوَةٌ وإلْوَةٌ وأُلْوَةٌ، في اليَمِينِ.

وشاةٌ لَجْبَةٌ ولِجْبَةٌ ولُجْبَةٌ: قَدْ ولّى لَبَنُها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ "غِلْظَةٌ": شَجاعَةٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: شِدَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ هَذا قَوْلُ المُنافِقِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا ﴾ لِأنَّهم إذا صَدَّقُوا بِها وعَمِلُوا بِما فِيها، زادَتْهم إيمانًا.

﴿ وَهم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِنُزُولِها.

﴿ وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ: شَكٌّ ونِفاقٌ.

وَفِي المُرادِ بِالرِّجْسِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الإثْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الكُفْرُ، لِأنَّهم كُلَّما كَفَرُوا بِسُورَةٍ زادَ كُفْرُهُمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أوَلا تَرَوْنَ" بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لَلْمُؤْمِنِينَ.

وفي مَعْنى يَفْتِنُونَ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَكْذِبُونَ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ يَضِلُّونَ بِها، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.

والثّانِي: يُنافِقُونَ ثُمَّ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يُنافِقُونَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: يُبْتَلَوْنَ بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: يُفْتَنُونَ بِالسَّنَةِ والجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: بِالأوْجاعِ والأمْراضِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والسّادِسُ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ يَمانُ.

والسّابِعُ: يَكْفُرُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ  بِما تَكَلَّمُوا بِهِ إذْ خَلَوْا، عَلِمُوا أنَّهُ نَبِيٌّ، ثُمَّ يَأْتِيهِمُ الشَّيْطانُ فَيَقُولُ: إنَّما بَلَغَهُ هَذا عَنْكُمْ، فَيُشْرِكُونَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والثّامِنُ: يُفْضَحُونَ بِإظْهارِ نِفاقِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ﴾ أيْ: مِن نِفاقِهِمْ.

﴿ وَلا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ ويَتَّعِظُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُنافِقِينَ مِثْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ مِن قَراباتِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ، ويَثِقُونَ بِسَتْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِفاقِ.

ومَعْنى ﴿ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ الِاسْتِخْفافُ والتَحْقِيرُ لِشَأْنِ السُورَةِ كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا؟

أو أيُّ دَلِيلٍ؟

ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ والحُكْمَ بِما يَهْدِمُ لَبْسَهم فَأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا، وأنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مِن ألْفاظِها ومَعانِيها بِرَحْمَةِ اللهِ ورِضْوانِهِ، والزِيادَةُ في الإيمانِ مَوْضِعُ تَخَبُّطٍ لِلنّاسِ وتَطْوِيلٍ، وتَلْخِيصُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو نَفْسُ التَصْدِيقِ لَيْسَ مِمّا يَقْبَلُ الزِيادَةَ والنَقْصَ في نَفْسِهِ، وإنَّما تَقَعُ الزِيادَةُ في المُصَدِّقِ بِهِ، فَإذا نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَدَثَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِها تَصْدِيقٌ خاصٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فَتَصْدِيقُهم بِما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ مِن أخْبارٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ أمْرٌ زائِدٌ عَلى الَّذِي كانَ عِنْدَهم قَبْلُ، فَهَذا وجْهٌ مِن زِيادَةِ الإيمانِ، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ السُورَةَ رُبَّما تَضَمَّنَتْ دَلِيلًا أو تَنْبِيهًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ عَرَفَ اللهَ بِعِدَّةِ أدِلَّةٍ، فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ زادَتْ في أدِلَّتِهِ، وهَذِهِ أيْضًا جِهَةٌ أُخْرى مِنَ الزِيادَةِ، وكُلُّها خارِجَةٌ عن نَفْسِ التَصْدِيقِ إذا حَصَلَ تامًّا، فَإنَّهُ لَيْسَ يَبْقى فِيهِ مَوْضِعُ زِيادَةٍ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن وُجُوهِ الزِيادَةِ أنَّ الرَجُلَ رُبَّما عارَضَهُ شَكٌّ يَسِيرٌ أو لاحَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مُشَغِّبَةٌ فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الشُبْهَةُ واسْتَراحَ مِنها، فَهَذا أيْضًا زِيادَةٌ في الإيمانِ إذْ يَرْتَقِي اعْتِقادُهُ عن مَرْتَبَةِ مُعارَضَةِ تِلْكَ الشُبْهَةِ إلى الخُلُوصِ مِنها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطاعاتِ إيمانًا -وَذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ- فَتَتَرَتَّبُ الزِيادَةُ بِالسُورَةِ، إذْ تَتَضَمَّنُ أوامِرَ ونَواهِيَ وأحْكامًا، وهَذا حُكْمُ مَن يَتَعَلَّمُ العِلْمَ في مَعْنى زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تَعَلُّمَ الإنْسانِ العِلْمَ بِمَنزِلَةِ نُزُولِ سُورَةِ القُرْآنِ.

و ﴿ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وهَذا تَشْبِيهٌ، وذَلِكَ أنَّ السالِمَ المُعْتَقَدِ المُنْشَرِحَ الصَدْرِ بِالإيمانِ يُشْبِهُهُ الصَحِيحُ، والفاسِدُ المُعْتَقَدِ يُشْبِهُهُ المَرِيضُ، فَفي العِبارَةِ مَجازٌ فَصِيحٌ لِأنَّ المَرَضَ والصِحَّةَ إنَّما هي خاصَّةٌ في الأعْضاءِ، فَهي في المُعْتَقَداتِ مَجازٌ، والرِجْسُ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عن حالِهِمُ الَّتِي جَمَعَتْ مَعْنى الرِجْسِ في اللُغَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرِجْسَ في اللُغَةِ يَجِيءُ بِمَعْنى القَذَرِ، ويَجِيءُ بِمَعْنى العَذابِ، وحالُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي قَذَرٌ وهي عَذابٌ عاجِلٌ كَفِيلٌ بِآجِلٍ، وزِيادَةُ الرِجْسِ إلى الرِجْسِ هي عَمَهُهم في الكُفْرِ وخَبْطُهم في الضَلالِ، يُعاقِبُهُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ بِالخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ والخَتْمِ بِالنارِ عَلَيْهِمْ، وإذْ كَفَرُوا بِسُورَةٍ فَقَدْ زادَ كُفْرُهم فَذَلِكَ زِيادَةُ رِجْسٍ إلى رِجْسِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَ لا يَرَوْنَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: أو لا يَرى المُنافِقُونَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أو لا تَرَوْنَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ، فَهَذا تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: "أو لا تَرى" أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.

ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أيْضًا: "أو لَمْ تَرَوْا".

وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ: "أو لَمْ يَرَوْا"، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُفْتَنُونَ" مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالسَنَةِ والجُوعِ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ: مَرْضَةً أو مَرْضَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالأمْرِ بِالجِهادِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِمّا قَبْلَ الآيَةِ ومِمّا بَعْدَها أنَّ الفِتْنَةَ والِاخْتِبارَ إنَّما هي بِكَشْفِ اللهِ تَعالى أسْرارَهم وإفْشائِهِ عَقائِدَهُمْ، فَهَذا هو الِاخْتِبارُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِرُؤْيَتِهِ وتَرْكِ التَوْبَةِ، وأمّا الجِهادُ أوِ الجُوعُ فَلا يُتَرَقَّبُ مَعَهُما ما ذَكَرْناهُ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلا يَزْدَجِرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تُفْضَحُ سَرائِرُهم كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ بِحَسَبِ واحِدٍ واحِدٍ، ويَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتُوبُونَ ويَتَذَكَّرُونَ وعْدَ اللهِ ووَعِيدَهُ، وأمّا الِاخْتِبارُ في المَرَضِ فَهو في المُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ الحَسَنُ يُنْشِدُ: أفِي كُلِّ عامٍ مَرْضَةٌ ثُمَّ نَقْهَةٌ ∗∗∗ فَحَتّى مَتى حَتّى مَتى وإلى مَتى؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: يُفْتَنُونَ بِما يُشِيعُهُ المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللهِ  مِنَ الأكاذِيبِ، فَكانَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُفْتَنُونَ في ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عن حُذَيْفَةَ وهو غَرِيبٌ مِنَ المَعْنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطَّول منهم ﴾ [التوبة: 86] وهذا عود إلى بيان أحوال المنافقين وما بينهما اعتراضات.

وهذه الآية زيدت فيها (ما) عَقب (إذا) وزيادتها للتأكيد، أي لتأكيد معنى (إذَا) وهو الشرط، لأن هذا الخبر لغرابته كان خليقاً بالتأكيد، ولأن المنافقين ينكرون صدوره منهم بخلاف الآية السابقة لأن مضمونها حكاية استيذانهم وهم لا ينكرونه.

ولم يذكر في هذه الآية إجمال ما اشتملت عليه السور التي أنزلت كما ذكر في قوله: ﴿ وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ﴾ [التوبة: 86].

ووجه ذلك أن سور القرآن كلها لا تخلو عن دعاء إلى الإيمان والصالحات والإعجاز ببلاغتها.

فالمراد إذا أنزلت سورة مَّا من القرآن.

وضمير ﴿ فمنهم ﴾ عائد إلى المنافقين للعلم بالمعاد من المقام ومن أواخر الكلام في قوله: ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض ﴾ ، ولما في قوله قبل هذا: ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾ [التوبة: 123] من التعريض بالمنافقين كما تقدم، فالمنافقون خاطرون بذهن السامع فيكون الإتيان بضمير يعود عليهم تقوية لذلك التعريض.

وقولهم: ﴿ أيكم زادته هذه إيماناً ﴾ خطاب بعضهم لبعض على سبيل التهكم بالمؤمنين وبالقرآن، لأن بعض آيات القرآن مصرحة بأن القرآن يزيد المؤمنين إيماناً قال تعالى: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ [الأنفال: 2].

ولعل المسلمين كانوا إذا سمعوا القرآن قالوا: قد ازددنا إيماناً، كقول معاذ بن جبل للأسود بن هلال: اجلس بنا نُؤمن ساعة، يعني بمذاكرة القرآن وأمور الدين (رواه البخاري في كتاب الإيمان).

ولما كان الاستفهام في قولهم: ﴿ أيّكم ﴾ للاستهزاء كان متضمناً معنى إنكار أن يكون نزول سور القرآن يزيد سامعيها إيماناً توهماً منهم بأن ما لا يزيدهم إيماناً لا يزيد غيرهم إيماناً، يقيسون على أحوال قلوبهم.

والفاء في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ للتفريع على حكاية استفهامهم بحملهِ على ظاهر حاله وصرفه عن مقصدهم منه.

وتلك طريقة الأسلوب الحكيم، وهو: تلقي المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده لنكتة، وهي هنا إبطال ما قصدوه من نفي أن تكون السورة تزيد أحداً إيماناً قياساً على أحوال قلوبهم فأجيب استفهامهم بهذا التفصيل المتفرع عليه، فأثبت أن للسورة زيادة في إيمان بعض الناس وأكثرَ من الزيادة، وهو حصول البشر لهم.

وارتُقِيَ في الجواب عن مقصدهم من الإنكار بأن السورة ليست منفياً عنها زيادة في إيمان بعض الناس فقط بل الأمر أشد إذ هي زائدة في كفرهم، فالقِسم الأول المؤمنون زادتهم إيماناً وأكسبتهم بشرى فحصل من السورة لهم نفعان عظيمان، والقسم الثاني الذين في قلوبهم مرض زادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون.

فالوجه أن تكون جملة ﴿ وهم يستبشرون ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ فزادتهم إيماناً ﴾ وأن تكون جملة: ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ فزادتهم رجساً ﴾ لأن مضمون كلتا الجملتين مما أثرته السورة.

أما جملة: ﴿ وهم كافرون ﴾ فهي حال من ضمير ﴿ ماتوا ﴾ .

وقوبل قوله: ﴿ وهم يستبشرون ﴾ في جانب المؤمنين بقوله: ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ في جانب المنافقين تحسيناً بالازدواج، بحيث كانت للسورة فائدتان للمؤمنين ومصيبتان على المنافقين، فجُعل موتهم على الكفر المتسبب على زيادة السورة في كفرهم بمنزلة مصيبة أخرى غير الأولى وإن كانت في الحقيقة زيادة في المصيبة الأولى.

هذا وجه نظم الآية على هذا النسج من البلاغة والبديع، وقد أغفل فيما رأيت من التفاسير، فمنها ما سكت عن بيانه.

ومنها ما نُشرت فيه معاني المفردات وترك جانب نظم الكلام.

والاستبشار: أثر البشرى في النفس، فالسين والتاء للتأكيد مثل استعجم، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ في آل عمران (171)، وتقدم آنفاً في قوله: ﴿ فاستبشروا ببيعكم ﴾ [التوبة: 111].

والمراد بزيادة الإيمان وبزيادة الرجس الرسوخ والتمكن من النفس.

والرجس: هنا الكفر.

وأصله الشيء الخبيث.

كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ في سورة العقود (90).

وقوله: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ في سورة الأنعام (125).

والمرض في القلوب تقدم في قوله تعالى: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ في سورة البقرة (10).

وتعدية زادتهم } ب ﴿ إلى) ﴾ لأن زاد قد ضمن معنى الضم.

ومعنى قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ الخ مثل معنى قوله تعالى: ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ [الإسراء: 82].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ.

وَفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى وجْهِ الإنْكارِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ لِضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ.

﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَزادَتْهم خَشْيَةً، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّانِي: فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ إيمانًا لِأنَّهم قَبْلَ نُزُولِها لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِها، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

﴿ وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ شَكٌّ.

﴿ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إثْمًا إلى إثْمِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فمنهم من يقول أيكم زادته ﴾ قال: من المنافقين من يقول.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً ﴾ قال: كانت إذا أنزلت سورة آمنوا بها فزادهم الله إيماناً وتصديقاً وكانوا بها يستبشرون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ قال: شكاً إلى شكهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون ﴾ قال: يبتلون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يفتنون ﴾ قال: يبتلون ﴿ في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: بالسنة والجوع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: يبتلون بالعدوّ في كل عام مرة أو مرتين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ يفتنون في كل عام ﴾ قال: يبتلون بالغزو في سبيل الله.

وأخرج أبو الشيخ عن بكار بن مالك ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: يمرضون في كل عام مرة أو مرتين.

وأخرج أبو الشيخ عن العتبي قال: إذا مرض العبد ثم عوفي فلم يزدد خيراً قالت الملائكة عليهم السلام هذا الذي داويناه فلم ينفعه الدواء.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: كانت لهم في كل عام كذبة أو كذبتان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة في قوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: في قراءة عبد الله «أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين وما يتذكرون» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ ، قال المفسرون: شك ونفاق (١) وقوله تعالى: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ﴾ ، قال الحسن والأكثرون: زادتهم كفرًا إلى كفرهم (٢) (٣) (٤) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 73، وابن أبي حاتم 6/ 1910، والثعلبي 6/ 164 أ، والبغوي 4/ 114.

(٢) انظر: " تأويل مشكل القرآن" ص 471، "تفسير الطبري" 11/ 73، والسمرقندي 2/ 84، والثعلبي 6/ 164 أ، والبغوي 4/ 114، ولم أجد من ذكره عن الحسن.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 476.

(٤) انظر: قول مقاتل في "تفسيره" ص 137/ أ، والثعلبي 6/ 164/ أ، والماوردي 2/ 416، وابن الجوزي 3/ 519 مختصرًا، ولم أجد من ذكره عن عطاء.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا ﴾ أي من المنافقين من يقول بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه إيماناً على وجه الاستخفاف بالقرآن: كأنهم يقولون أي عجب في هذا؟

وأي دليل في هذا؟

﴿ فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إيمانا ﴾ وذلك لما يتجدد عندهم من البراهين والأدلة عند نزول كل سورة ﴿ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ ﴾ المرض.

عبارة عن الشك والنفاق والمعنى: زادتهم رجساً إلى رجسهم أو زادتهم كفراً ونفاقاً إلى كفرهم ونفاقهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ موطئاً ﴾ ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿ غلظة ﴾ بفتح الغين: المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ أولا ترون ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ط ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ غلظة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ إيماناً ﴾ ط ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ إلى بعض ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ ثم انصرفوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ عزيز ﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿ حسبي الله ﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿ وكونوا مع الصادقين  ﴾ أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم.

والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام.

ومعنى ﴿ ولا يرغبوا ﴾ ولا أن يرغبوا.

يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله  بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.

وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية.

ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله: ﴿ ما كان لهم ﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب.

والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿ يغيظ ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر.

ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك.

قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى.

ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح.

وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية.

وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.

وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً.

قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله  إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.

وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم.

قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد.

قوله: ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ .

قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك.

وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال.

والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل.

﴿ إلا كتب لهم ﴾ ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة.

ثم ذكر غاية الكتب فقال: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل.

وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح.

واعلم أنه  عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .

ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله ﴿ إلا كتب لهم ﴾ لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله  أعلم بمراده.

ثم قال: ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه  لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله  سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية.

قاله ابن عباس.

والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو.

ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً ﴿ فلولا نفر ﴾ أي هلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴾ فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول  لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ النافرين ﴿ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة.

وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته.

فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق.

القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول  فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى ﴿ ليتفقهوا ﴾ ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها.

والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية.

والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.

وفي قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله  بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.

القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله  أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً.

ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ﴿ ولينذروا ﴾ وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ إيجاب للعمل بأخبارهم.

ثم أرشد  إلى ترتيب القتال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد.

والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين.

وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.

وقد حارب رسول الله  قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام.

ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال  : "كل مما يليك" .

فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة.

وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي شدة نظير قوله: { ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله  على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله.

ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ﴾ أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول ﴿ أيكم ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ زادته هذه إيماناً ﴾ .

ثم إنه  حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب.

وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه  يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً.

والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا.

وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر.

ثم عجب من حال المنافقين فقال: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ﴿ ثم لا يتوبون ﴾ من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً.

وقال مجاهد: بالقحط والجوع.

وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.

وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون.

ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك.

والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل.

﴿ ثم انصرفوا ﴾ أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه.

ومعنى ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير.

وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم.

وقال الزجاج: أضلهم الله.

قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه.

وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.

وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك.

يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه  قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟

أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم.

فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.

وقرىء ﴿ من أنفسكم ﴾ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم.

وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام.

ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم.

و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه.

﴿ حريص عليكم ﴾ الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار.

وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار.

ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال ﴿ بالمؤمنين ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ رؤوف رحيم ﴾ قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم.

التأويل: ﴿ ما كان لأهل ﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ ومن حولهم من الأعراب ﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿ أن يتخلفوا عن رسول ﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ من ماء الشهوات ﴿ ولا نصب ﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ ولا مخمصة ﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿ لا يطؤن موطئاً ﴾ من مقامات الفناء ﴿ يغيظ ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ ولا ينالون من عدوّ ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ هي بذل الصفات ﴿ ولا كبيرة ﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح.

﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ﴾ } [السجدة: 17] ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا ﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ من غير الله.

﴿ قاتلوا الذين يلونكم ﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون ﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  ﴾ أي قلب حي ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ ثم انصرفوا ﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب.

﴿ من أنفسكم ﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله.

ومن قرأ ﴿ من أنفسكم ﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله  "أول ما خلق الله  روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ولعلو همته، ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ولرؤيته سر القدر ﴿ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته  عامة للعالمين بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿ فقل حسبي الله ﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ .

قال أهل التأويل: قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ يعني: يقول المنافقون بعضهم لبعض إذا خلوا عن المؤمنين: أيكم زادته هذه إيماناً؟

استهزاء منهم بها وسخرية، فأجاب الله  فقال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ، أي: شك ونفاق، ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ أي: تكذيباً وكفراً إلى تكذيبهم الذي كان منهم؛ لأن أهل النفاق والكفر ليسوا هم بأهل إنصاف يقبلون الحجة والدلالة إذا قامت عليهم، إنما همتهم العناد والتكذيب ورد الحجج والدلائل، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم عناداً في التكذيب والرد، وأما أهل الإيمان فإن همتهم قبول الحجج والإنصاف، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم إيماناً وتصديقاً على ما كان لهم.

ثم قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ : زادتهم ثباتاً ودواماً على ما كانوا من قبل، بما قامت لهم من الحجج والبراهين، وكذلك ازداد أهل النفاق والكفر بها الثبات على العناد في تكذيب الحجج والآيات.

والثاني: ازداد لهم إيماناً بالتفسير على إيمانهم بالجملة، وإذا كانوا مصدقين لذلك كله جملة، فإذا نزلت لهم نوازل وفرائض ازداد لهم بذلك التصديق والثبات.

وأصله أنه لو ما كان منهم من الإيمان والتصديق، لكان هذا منهم ابتداء إيمان وإحداث تصديق، وكذلك لو لم يكن من أهل النفاق ما سبق من العناد، لكان ذلك منهم إحداث تكذيب وعناد، فإذا كان منهم ما ذكرنا كان ذلك زيادة على ما كان لما ذكرنا.

وقال بعضهم: يزداد لأهل الإيمان خيرات، ولأهل النفاق شرّ، ولكن هو واحد وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: زادت المؤمنين إيماناً على الذين كان لهم من الإيمان والتصديق.

والثاني: زاد لهم حجة وبرهاناً لما كان، وكذلك يزداد لأهل النفاق ضد ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ .

قيل: يفرحون بنزولها، ثم إضافة الزيادة إلى السورة بقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ لوجهين: أحدهما: أضيف أليها الزيادة على ما أضيف الغرور إلى الدنيا، وهو لما ذكرنا أنه يبدو منها لهم من التزيين ما لو كان [ذلك] من ذوي الأفعال والتغرير كان ذلك غروراً.

والثاني: إضافة التغرير إليها لما بها اغتر أهلها، وكذلك إضافة الزيادة إلى السورة لما بها ازداد لهم التكذيب والكفر، وازداد لأهل الإيمان بها التصديق، فأضيف الزيادة إليها.

وقال بعضهم: [هو] ما ذكرنا أنها حجة ودلالة، فبالحجة يزداد لأهل [الإيمان] الإيمان بها؛ إذ هم قد اعتقدوا قبول الحجج والدلائل، وأما أهل النفاق والكفر فإنهم أهل عناد ومكابرة؛ إذ قد اعتقدوا العناد ورد الحجج، فكلما [ازداد لهم الحجة] ازداد لهم عناداً وكفراً.

وقال أبو بكر الأصم: إنما أضيف الزيادة إليها؛ لأنها كانت سبب الزيادة، وقد تضاف الأشياء إلى أسبابها كما تضاف إلى حقيقة الأفعال، ولكن [لا] يحتمل أن تكون السورة التي نزلت سبباً لزيادة الكفر، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ .

قيل: يبتلون بالجهاد والغزو فيتخلفون عنه، فيظهر بذلك نفاقهم وكفرهم.

وقيل: يبتلون بالشدة والجوع فيظهر أيضاً بذلك نفاقهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ .

وقيل: يفتنون في كل عام مرة أو مرتين؛ وذلك أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا بالكفر فيما بينهم، ثم إذا أتوا النبي  أخبرهم بما تكلموا به في الخلوة فيفتضحون بذلك، فذلك افتتانه إياهم وابتلاؤه لهم، كان يظهر بما ذكر نفاقهم: مرة في الجهاد في سبيل الله، ومرة بالشدة والخوف، ومرة بما يطلع الله نبيه بما يضمرون ويتكلمون به [في الخلاء].

وتحتمل هذه الآية الوجوه الثلاثة: الجهاد معه، الابتلاء بالشدائد، والإفزاع.

وتحتمل إظهار الأسرار التي أسروا في أنفسهم والافتضاح مما أخفوا، لكن لو كان هذا فذلك مما يكثر منهم، أعني: كتمان النفاق وإسرار الخلاف لهم، لكن ذكر المرة والمرتين يرجع [إلى] الافتضاح والإظهار، فذلك يحتمل أن يكون في العام مرة أو مرتين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ ﴾ : عن نفاقهم.

﴿ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : بما ابتلوا من الافتضاح وظهور النفاق منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ .

قال بعضهم: الآية صلة قوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً  ﴾ ، أي: كان ينظر بعضهم إلى بعض ثم يقولون ما ذكر.

ومنهم من يقول: إذا كانت السورة التي نزلت حجة في إظهار الدين والإيمان، يسمعون ويقولون: ﴿ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ وإذا أنزلت في إظهار نفاقهم وافتضاحهم نظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا ولا يسمعون منه السورة؛ إشفاقاً لئلا يظهر نفاقهم.

وقوله: ﴿ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ .

يحتمل خلق الله منهم انصرافهم فأضيف إليه الصرف، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ عقوبة، أي: عاقبهم الله بصرف قلوبهم باعتقادهم العناد وردهم الحجج وتركهم القبول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأما المنافقون فإن نزول القرآن بما فيه من أحكام وقصص يزيدهم مرضًا وخبثًا بسبب تكذيبهم بما ينزل، فيزداد مرض قلوبهم بزيادة نزول القرآن؛ لأنهم كلما نزل شيء شكّوا بما فيه وماتوا على الكفر.

<div class="verse-tafsir" id="91.XEdoO"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر