الآية ١٣ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٣ من سورة التوبة

أَلَا تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا أيضا تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين لأيمانهم ، الذين هموا بإخراج الرسول من مكة ، كما قال تعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) [ الأنفال : 30 ] .

وقال تعالى : ( يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم [ إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ] ) الآية [ الممتحنة : 1 ] وقال تعالى : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ) [ الإسراء : 76 ] وقوله ( وهم بدءوكم أول مرة ) قيل : المراد بذلك يوم بدر ، حين خرجوا لنصر عيرهم فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجوههم طلبا للقتال ؛ بغيا وتكبرا ، كما تقدم بسط ذلك .

وقيل : المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سار إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، وكان ما كان ، ولله الحمد .

وقوله : ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) يقول تعالى : لا تخشوهم واخشون ، فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي ، فبيدي الأمر ، وما شئت كان ، وما لم أشأ لم يكن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًّا لهم على جهاد أعدائهم من المشركين: (ألا تقاتلون)، أيها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، وطعنوا في دينكم، وظاهروا عليكم أعداءكم، (46) =(وهموا بإخراج الرسول)، من بين أظهرهم فاخرجوه (47) =(وهم بدءوكم أول مرة)، بالقتال, يعني فعلهم ذلك يوم بدر، وقيل: قتالهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة =(أتخشونهم)، يقول: أتخافونهم على أنفسكم فتتركوا قتالهم خوفًا على أنفسكم منهم (48) =(فالله أحق أن تخشوه)، يقول: فالله أولى بكم أن تخافوا عقوبته بترككم جهادهم, وتحذروا سخطه عليكم، من هؤلاء المشركين الذين لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا إلا بإذن الله =(إن كنتم مؤمنين)، يقول: إن كنتم مقرِّين أن خشية الله لكم أولى من خشية هؤلاء المشركين على أنفسكم.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16535- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم)، من بعد عهدهم =(وهموا بإخراج الرسول)، يقول: هموا بإخراجه فأخرجوه =(وهم بدءوكم أول مرة)، بالقتال.

16536- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وهم بدءوكم أول مرة)، قال: قتال قريش حلفاءَ محمد صلى الله عليه وسلم.

16537- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه.

16538- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

16539- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: أمر الله رسوله بجهاد أهل الشرك ممن نقض من أهل العهد الخاص، (49) ومن كان من أهل العهد العامّ، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلا إلا أن يعدُوَ فيها عادٍ منهم، فيقتل بعدائه، (50) ثم قال: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول)، إلى قوله: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .

(51) ------------------------ الهوامش: (46) انظر تفسير " النكث " ، ص : 157 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(47) انظر تفسير " الهم " فيما سلف 9 : 199 / 10 : 100 .

(48) انظر تفسير " الخشية " فيما سلف 10 ، 344 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(49) في المطبوعة والمخطوطة أسقط " الخاص " وأثبتها من ابن هشام .

(50) في المطبوعة : " إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقبل بعد ثم قال " ، وهو كلام لا معنى له البتة وفي المخطوطة : " إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقتل بعدائه ، فقال " ، وقد دخلها تحريف شديد ، فقوله : " يعودوا " ، هو تحريف : " يعدو " و " على دينهم " ، صوابها " عاد منهم " ، فأساء كتابتها ، والصواب من سيرة ابن هشام .

(51) الأثر : 16539 - سيرة ابن هشام 4 : 191 ، وهو تابع الأثر السالف قديما رقم : 16377 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنينقوله تعالى ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم توبيخ وفيه معنى التحضيض ، نزلت في كفار مكة كما ذكرنا آنفا .وهموا بإخراج الرسول أي كان منهم سبب الخروج ، فأضيف [ ص: 24 ] الإخراج إليهم .

وقيل : أخرجوا الرسول عليه السلام من المدينة لقتال أهل مكة للنكث الذي كان منهم ؛ عن الحسن .وهم بدءوكم بالقتال .

أول مرة أي نقضوا العهد وأعانوا بني بكر على خزاعة .

وقيل : بدءوكم بالقتال يوم بدر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج للعير ولما أحرزوا عيرهم كان يمكنهم الانصراف ، فأبوا إلا الوصول إلى بدر وشرب الخمر بها ; كما تقدم .أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه أي تخافوا عقابه في ترك قتالهم من أن تخافوا أن ينالكم في قتالهم مكروه .

وقيل : إخراجهم الرسول منعهم إياه من الحج والعمرة والطواف ، وهو ابتداؤهم .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم حث على قتالهم، وهيج المؤمنين بذكر الأوصاف، التي صدرت من هؤلاء الأعداء، والتي هم موصوفون بها، المقتضية لقتالهم فقال‏:‏ ‏{‏أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ‏}‏ الذي يجب احترامه وتوقيره وتعظيمه‏؟‏ وهم هموا أن يجلوه ويخرجوه من وطنه وسعوا في ذلك ما أمكنهم، ‏{‏وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ حيث نقضوا العهد وأعانوا عليكم، وذلك حيث عاونت قريش ـ وهم معاهدون ـ بني بكر حلفاءهم على خزاعة حلفاء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقاتلوا معهم كما هو مذكور مبسوط في السيرة‏.‏ ‏{‏أَتَخْشَوْنَهُمْ‏}‏ في ترك قتالهم ‏{‏فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ فإنه أمركم بقتالهم، وأكد ذلك عليكم غاية التأكيد‏.‏ فإن كنتم مؤمنين فامتثلوا لأمر اللّه، ولا تخشوهم فتتركوا أمر اللّه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم حض المسلمين على القتال ، فقال جل ذكره : ( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) نقضوا عهودهم ، وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكر على قتال خزاعة .

( وهموا بإخراج الرسول ) من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة ، ( وهم بدءوكم ) بالقتال ، ( أول مرة ) يعني : يوم بدر ، وذلك أنهم قالوا حين سلم العير : لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه .

وقال جماعة من المفسرين : أراد أنهم بدؤوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( أتخشونهم ) أتخافونهم فتتركون قتالهم؟

( فالله أحق أن تخشوه ) في ترك قتالهم ، ( إن كنتم مؤمنين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألا» للتحضيض «تقاتلون قوما نكثوا» نقضوا «أيمانهم» عهودهم «وهمُّوا بإخراج الرسول» من مكة لما تشاوروا فيه بدار الندوة «وهم بدءوكم» بالقتال «أوَّل مرَّة» حيث قاتلوا خزاعة حلفاءكم مع بني بكر فما يمنعكم أن تقاتلوهم «أتخشونهم» أتخافونهم «فاللهُ أحق أن تخشوه» في ترك قتالهم «إن كنتم مؤمنين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا تترددوا في قتال هؤلاء القوم الذين نقضوا عهودهم، وعملوا على إخراج الرسول من (مكة)، وهم الذين بدؤوا بإيذائكم أول الأمر، أتخافونهم أو تخافون ملاقاتهم في الحرب؟

فالله أحق أن تخافوه إن كنتم مؤمنين حقًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد ذكر - سبحانه - هنا ثلاثة أسباب كل واحد منها يحمل المؤمنين على قتال المشركين بغلظة وشجاعة .أما السبب الأول فهو قوله تعالى : ( نكثوا أَيْمَانَهُمْ ) أى : نقضوا عهودهم وحنثوا فى أيمانهم التى حلفوها لتأكيد هذه العهود .ومن مظاهر ذلك أن هؤلاء المشركين الذين تعاهدوا معكم فى صلح الحديبية على ترك القتال عشر سنين .

قد نقضوا عهودهم بمساعدة حلفائهم بنى بكر على قتال حلفائكم بنى خزاعة عند أول فرصة سنحت لهم .والسبب الثانى قوله .

سبحانه .

( وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول ) والهم : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه .أى : وهموا بإخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة التى ولد فيها وعاش بها زمنا طويلا .

.

لكنهم لم يستطيعوا ذلك ، بل خرج باختيار .

وبإذن الله له فى الهجرة .وقد فصل سبحانه .

ما هموا به فى قوله ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين ) وإنما اقتصر ، سبحانه ، فى الآية التى معنا على همهم بإخراجه .

صلى الله عليه وسلم .

من مكة ، مع أن آية الأنفال قد بينت أنهم قد هموا بأحد أمور ثلاثة - لأن الإِخراج هو الذى وقع أثره فى الخارج بحسب الظاهر ، أما القتل والحبس فلم يكن لهما أثر فى الخارج .وقيل : إنه سبحانه .

قد اقتصر على الأدنى وهو الهم بالإِخراج ، ليعلم غيره بالطريق الأولى ، إذ الإِخراج أهون من القتل والحبس .وأما السبب الثالث فهو قوله .

سبحانه .

( وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أى : وهم الذين كانوا بادئين بقتالكم فى أول لقاء بينكم وبينهم وهو يوم بدر ، كما كانوا بادئين بالعدوان عليكم فى كل قتال بعد ذلك ، كما حدث منهم فى أحد والخندق وكما حدث منهم مع حلفائكم من بنى خزاعة .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أى : وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءهم أولا بالكتاب المنير ، وتحداهم به ، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال .

فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم ، فما يمنعكم من أن تقابلوهم بمثله ، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد ذكرت ثلاثة أمور كل واحد منها كفيل بحمل المؤمنين على قتال المشركين .

.

فكيف وقد توفرت هذه الأمور الثلاثة فى هؤلاء المشركين؟

.ولم تكتف الآية الكريمة بهذا التهيج والتحريض للمؤمنين على القتال ، بل أمرتهم بأن تكون خشيتهم من الله وحده ، فقال سبحانه ( أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ) .أى : أتتركون - أيها المؤمنون - قتال هؤلاء المشركين الذين ( نكثوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) خشية منهم .

.

؟

لا ، إن هذا لا يليق بكم ، وإنما الذى يليق بكم - إن كنتم مؤمنين حقا - أن تكون خشيتكم من الله وحده .قال الإِمام الرازى : وهذا الكلام يقوى داعية القتال من وجوه :الأول : أن تعديد الموجبات الموقية وتفصيلها مما يقوى هذه الداعية .الثانى : أنك إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك؟

كان ذلك تحريكا لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه .الثالث : أن قوله : ( فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ) يفيد ذلك كأنه قيل : إن كنت تخشى أحدا فالله أحق أن تخشاه ، لكونه فى غاية القدرة والكبرياء والجلالة .

.الرابع : أن قوله : ( إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ) معناه : إن كنتم مؤمنين إيمانا حقا ، وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة ومعناه : أنكم إذا لم تقدموا لا تكونوا كذلك ، فثبت أن هذا الكلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التى تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ قَاتَلُواْ أَئِمَّةَ الكفر  ﴾ أتبعه بذكر السبب الذي يبعثهم على مقاتلتهم فقال: ﴿ أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُواْ ﴾ .

واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع: أحدها: نكثهم العهد، وكل المفسرين حمله على نقض العهد.

قال ابن عباس والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة وهذه الآية تدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجراً لغيرهم.

وثانيها: قوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول ﴾ فإن هذا من أوكد ما يجب القتال لأجله.

واختلفوا فيه فقال بعضهم: المراد إخراجه من مكة حين هاجر.

وقال بعضهم: بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل.

وقال آخرون: بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد، وإعانة أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعاً لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه.

وقوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول ﴾ إما بالفعل وإما بالعزم عليه، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه.

وثالثها: قوله: ﴿ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني بالقتال يوم بدر، لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

والقول الثاني: أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدؤا بنقض العهد، وهذا قول الأكثرين، وإنما قال: ﴿ بدؤكم ﴾ تنبيهاً على أن البادئ أظلم، ولما شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها، فقال: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ﴾ وهذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه: الأول: أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية، والثاني: أنك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك كان ذلك تحريكاً منه لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه، والثالث: أن قوله: ﴿ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾ يفيد ذلك كأنه قيل: إن كنت تخشى أحداً فالله أحق أن تخشاه لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة، والضرر المتوقع منهم غايته القتل.

أما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدنيا، والرابع: أن قوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ معناه: أنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة، ومعناه أنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا مؤمنين فثبت أن هذا كلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد.

بقي في الآية أبحاث: البحث الأول: حكى الواحدي عن أهل المعاني أنهم قالوا: إذا قلت لا تفعل كذا، فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده، وإذا قلت ألست تفعل فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده، والفرق بينهما أن لا ينفي بها المستقبل، فإذا دخلت عليها الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل، وليس إنما تستعمل لنفي الحال.

فإذا دخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال.

البحث الثاني: نقل عن ابن عباس أنه قال: قوله تعالى: ﴿ أَلاَ تقاتلون قَوْماً ﴾ ترغيب في فتح مكة وقوله: ﴿ قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ أي عهدهم، يعني قريشاً حين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام، فأمر الله رسوله أن يسير إليهم فينصر خزاعة، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأمر الناس أن يتجهزوا إلى مكة وأبو سفيان عند هرقل بالروم، فرجع وقدم المدينة ودخل على فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم يستجير بها فأبت، وقالت ذلك لابنيها الحسن والحسين فأبيا، فخاطب أبا بكر فأبى، ثم خاطب عمر فتشدد، ثم خاطب علياً فلم يجبه، فاستجار بالعباس وكان مصافياً له فأجاره، وأجاره الرسول لإجارته وخلى سبيله.

فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان فيه أبهة فاجعل له شيئاً، فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فعاد إلى مكة ونادى من دخل داري فهو آمن فقاموا إليه وضربوه ضرباً شديداً وحصل الفتح عند ذلك، فهذا ما قاله ابن عباس.

وقال الحسن: لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك، لأن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة بسنة، وتمييز حق هذا الباب من باطله لا يعرف إلا بالأخبار.

البحث الثالث: قال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أنهم كرهوا هذا القتال لقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ  ﴾ فآمنهم الله تعالى بهذه الآيات.

قال القاضي: إنه تعالى قد يحث على فعل الواجب من لا يكون كارهاً له ولا مقصراً فيه، فإن أراد أن مثل هذا التحريض علي الجهاد لا ينفع إلا وهناك كره للقتال لم يصح أيضاً، لأنه يجوز أن يحث الله تعالى بهذا الجنس على الجهاد لكي لا يحصل الكره الذي لولا هذا التحريض كان يقع.

البحث الرابع: دلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه، وأن لا يخشى أحداً سواه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَلاَ تقاتلون ﴾ دخلت الهمزة على ﴿ لاَ تقاتلون ﴾ تقريراً بانتفاء المقاتلة.

ومعناه: الحضّ عليها على سبيل المبالغة ﴿ نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ التي حلفوها في المعاهدة ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول ﴾ من مكة حين تشاوروا في أمره بدار الندوة، حتى أذن الله تعالى له في الهجرة، فخرج بنفسه ﴿ وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أي: وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال فهم البادءون بالقتال والبادئ أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله، وأن تصدموهم بالشرّ كما صدموكم؟

وبخهم بترك مقاتلتهم وحضّهم عليها، ثم وصفهم بما يوجب الحضّ عليها.

ويقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب، حقيق بأن لا تترك مصادمته، وأن يوبخ من فرط فيها ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ تقرير بالخشية منهم وتوبيخ عليها ﴿ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾ فتقاتلوا أعداءه ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلاّ ربه، ولا يبالي بمن سواه، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ﴾ [الأحزاب: 39] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ لِأنَّ الهَمْزَةَ دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ لِلْإنْكارِ فَأفادَتِ المُبالَغَةَ في الفِعْلِ.

﴿ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ ﴾ الَّتِي حَلَفُوها مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْهِمْ فَعاوَنُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ.

﴿ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ ﴾ حِينَ تَشاوَرُوا في أمْرِهِ بِدارِ النَّدْوَةِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .

وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ نَكَثُوا عَهْدَ الرَّسُولِ وهَمُّوا بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ.

﴿ وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ بِالمُعاداةِ والمُقاتَلَةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَأهم بِالدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ بِالكِتابِ والتَّحَدِّي بِهِ، فَعَدَلُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ إلى المُعاداةِ والمُقاتَلَةِ فَما يَمْنَعُكم أنْ تُعارِضُوهم وتُصادِمُوهم.

﴿ أتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ أتَتْرُكُونَ قِتالَهم خَشْيَةَ أنْ يَنالَكم مَكْرُوهٌ مِنهم.

﴿ فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ ﴾ فَقاتِلُوا أعْداءَهُ ولا تَتْرُكُوا أمْرَهُ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ أنْ لا يُخْشى إلّا مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم حرض على القتال فقال {أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم} التي حلفوها في المعاهدة {وهموا بإخراج الرسول} من مكة {وهم بدؤوكم أَوَّلَ مَرَّةٍ} بالقتال والبادىء أظلم فما يمنعكم من أن تقاتلوهم وبخهم بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها من

التوبة (١٣ _ ١٧)

نكث العهد واخرج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب

{أَتَخْشَوْنَهُمْ} توبيخ على الخشية منهم {فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} بأن تخشوه فقاتلوا أعداءه {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فاخشوه أي إن قضية الإيمان الكامل أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألا تُقاتِلُونَ ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ لِلْإنْكارِ، والِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ في مَعْنى النَّفْيِ وقَدْ دَخَلَ النَّفْيَ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، وحَيْثُ كانَ التَّرْكُ مُسْتَقْبَحًا مُنْكَرًا أفادَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ أنَّ إيجادَهُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ فَيُفِيدُ الحَثَّ والتَّحْرِيضَ عَلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: وجْهُ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ أنَّهم حُمِلُوا عَلى الإقْرارِ بِانْتِفائِهِ كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَرِفَ بِهِ طائِعًا لِكَمالِ شَناعَتِهِ فَيَلْجَئُونَ إلى ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الإقْرارِ بِهِ فَيَخْتارُونَ القِتالَ فَيُقاتِلُونَ ﴿ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ ﴾ الَّتِي حَلَفُوها عِنْدَ المُعاهَدَةِ لَكم عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْكم فَعاوَنُوا حُلَفاءَهم بَنِي بَكْرٍ عَلى خُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خُزاعَةَ، والمُرادُ بِهِمْ قُرَيْشٌ ﴿ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ ﴾ مِن مَكَّةَ مَسْقَطِ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وقالَ الجُبّائِيُّ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ وخَرَجُوا مَعَ الأحْزابِ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْباهُ السِّياقُ وعَدَمُ القَرِينَةِ عَلَيْهِ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِما، واعْتُرِضَ بِأنَّ ما وقَعَ في دارِ النَّدْوَةِ هو الهَمُّ بِالإخْراجِ أوِ الحَبْسِ أوِ القَتْلِ والَّذِي اسْتَقَرَّ رَأْيُهم عَلَيْهِ هو القَتْلُ لا الإخْراجُ فَما وجْهُ التَّخْصِيصِ ؟

وأُجِيبُ بِأنَّ التَّخْصِيصَ لِأنَّهُ الَّذِي وقَعَ في الخارِجِ ما يُضاهِيهِ مِمّا تَرَتَّبَ عَلى هَمِّهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلٍ مِنهم بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِحِكْمَةٍ وما عَداهُ لَغْوٌ فَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ المُقْتَضِي لِلتَّحْرِيضِ لا غَيْرَهُ مِمّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ.

وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَصَرَ عَلى الأدْنى لِيَعْلَمَ غَيْرُهُ بِطَرِيقٍ أوْلى، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِأدْنى مِنَ الحَبْسِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ بَقاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في يَدِ عَدُوِّهِ المُقْتَضِي لِلتَّبْرِيحِ بِالتَّهْدِيدِ ونَحْوِهِ أشَدُّ مِنهُ بِلا شُبْهَةٍ ﴿ وهم بَدَءُوكُمْ ﴾ بِالمُقاتَلَةِ ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وقَدْ قالُوا بَعْدَ أنْ بَلَغَهم سَلامَةُ العِيرِ: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: بَدَءُوا بِقِتالِ خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، واخْتارَ جَمْعٌ الأوَّلَ لِسَلامَتِهِ مِنَ التَّكْرارِ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ كُلٌّ مِنها يُوجِبُ مُقاتَلَتَهم لَوِ انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها حالَ الِاجْتِماعِ، فَفي ذَلِكَ مِنَ الحَثِّ عَلى القِتالِ ما فِيهِ ثُمَّ زادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ أتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ ) وقَدْ أُقِيمَ فِيهِ السَّبَبُ والعِلَّةُ مَقامَ المُسَبَّبِ والمَعْلُولِ، والمُرادُ أتَتْرُكُونَ قِتالَهم خَشْيَةَ أنْ يَنالَكم مَكْرُوهٌ مِنهم ﴿ فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ ﴾ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ وتَرْكِ قِتالِ عَدُوِّهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ و( ﴿ أحَقُّ ﴾ ) خَبَرُهُ و ﴿ أنْ تَخْشَوْهُ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَلالَةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ أيْ بِأنْ تَخْشَوْهُ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ بَعْدَ الحَذْفِ عَلى الخِلافِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ أنْ تَخْشَوْهُ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( ﴿ أحَقُّ ﴾ ) والجُمْلَةُ خَبَرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى أحَقُّ أوِ اللَّهُ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِالخَشْيَةِ أوِ اللَّهُ حَشِيَّتُهُ أحَقُّ، وخَيْرُ الأُمُورِ عِنْدِي أوْسَطُها ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ مُقْتَضى إيمانِ المُؤْمِنَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا ضارَّ ولا نافِعَ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَضَرَّةٍ ونَفْعٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ أنْ لا يَخافَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَن خافَ اللَّهَ تَعالى خافَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ، وفي هَذا مِنَ التَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم حث المؤمنين على قتال كفار قريش، وذلك قبل فتح مكة، فقال عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يقول: نقضوا عهودهم من قبل أجلها.

وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ يقول: هموا لقتال الرسول، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة.

أَتَخْشَوْنَهُمْ أي: أفلا تقاتلونهم؟

فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك أمره، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى.

ثم وعد لهم النصرة، فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، يعني: بالقتل والهزيمة وَيُخْزِهِمْ يعني: ويذلهم بالهزيمة، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: على قريش، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يعني: ويفرح قلوب بني خزاعة.

وفي الآية دلالة نبوة محمد  ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبيّ  أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم.

قال الفقيه: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال: حدثنا محمد بن الحسن الجوى باري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال: لما واعد رسول الله  أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله  في الجاهلية، وكان بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله  ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، ثم كان بين بني خزاعة وبين بني بكر قتال: فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم، ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد وجدد الحلف ثانيا، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض عهد- يعني: إن الذي أطعم الطعام فلا يكون عليه نقض عهد (١)  : «قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ» .

فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس، فقال له أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله.

ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر: أن نقضتم، أن نقضتم؟

(٢) ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك، أنت سيد الناس، فجدِّد الحلف وأصلح بين الناس.

فضرب أبو سفيان يمينه على يساره فقال: أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه فأخبرهم بما صنع، فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد قوم والله ما جئتنا بصلح فنأمن، ولا بحرب فنحذر وقدم وافد بني خزاعة على النبيّ  ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً: اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا ...

حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ...

وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ...

وَهُمْ أذلّ وأقلّ عددا هم بيّتونا بالوتين هجدا (٣) إسلامنا قد صحّ لم ننزع يدا ...

فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا ...

فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا (٤) فأمر النبيّ  بالرحيل.

وروي في خبر آخر أن النبيّ  قال: «والله، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً» (٥)  بالناس، حتى نزلوا برمال الظهران، فخرج أبو سفيان من مكة، فرأى العسكر والنيران فقال: ما هذه؟

فقيل: هؤلاء بنو تميم.

فقال: والله هؤلاء أكثر من أهل منًى.

فلما علم أنه رسول الله  ، تنكَّر وأقبل يقول: دلوني على العباس، فأتاه فانطلق به إلى رسول الله  ، حتى أدخله عليه، فقال له: رسول الله  : «يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَسْلِمْ تسلم» .

فقال أبو سفيان: كيف أصنع بالَّلات والعزى؟

قال حماد بن زيد: حدثني أبو الخليل، عن سعيد بن جبير، أن عمر قال وهو خارج من القبة، وفي عنقه السيف: «أخر عليهما، أما والله لو كنت خارجاً عن القبة ما سألت عنهما أبدا، قال: من هذا؟

فقالوا: عمر بن الخطاب، فأسلم أبو سفيان، فانطلق به العباس إلى منزله، فلما أصبح رأى الناس قد تحركوا للوضوء والصلاة، فقال أبو سفيان للعباس: يا أبا الفضل، أو أمروا فيَّ بشيء؟

قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة، فتوضأ ثم انطلق به إلى رسول الله  ، فلما قام رسول الله  إلى الصلاة قاموا، فلما كبر كبروا، فلما ركع ركعوا، فلما سجد سجدوا.

فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، ما رأيت كاليوم طاعة قوم، لا فارس الأكارم، والروم ذات القرون.

قال حماد بن زيد: فزعم يزيد بن حازم، عن عكرمة أنه قال: يا أبا الفضل، أصبح ابن أخيك عظيم الملك، فقال له العباس: إنه ليس بملك ولكن نبوة.

قال: هو ذاك.

فقال حماد: قال أيوب ثم قال: «واصباح قريش» فقال العباس: يا رسول الله، لو أذنت لي فأتيتهم ودعوتهم، وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئاً يذكر به.

قال  : «فَافْعَلْ» فركب العباس بغلة رسول الله  ، ودخل مكة فنادى: يا أهل مكة أسلموا تسلموا فقد استبطأتم بأشهب باذل، قد جاءكم الزبير من أعلى مكة، وجاء خالد من أسفل مكة، وخالد وما خالد، والزبير وما الزبير، ثم قال: من أسلم فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل وأغلق بابه فهو آمن ومن تعلّق بأستار الكعبة فهو آمن.

ثم إن رسول الله  ظهر عليهم، فآمن الناس جميعاً إلا بني بكر من أجل خزاعة، فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله تعالى: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وهم خزاعة.

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ يعني: حقد قلوب خزاعة.

وروى مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة، آمن الناس إلا ستة نفر: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن ضبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وامرأتين فقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» .

وروى عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول الله  حين سار إلى مكة، ذكر إلى أن قال: «دخل صناديد قريش من المشركين إلى الكعبة، وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فطاف رسول الله  بالبيت فصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تَقُولُونَ وما تظنّون؟» قالوا: نقول أخ كريم، وابن عم حليم رحيم.

قال: أقول كما قال يوسف: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» فخرجوا كأنما نشروا من القبور ودخلوا في الإسلام، وخرج رسول الله  من الباب الذي يلي الصفا فخطب والأنصار أسفل منه، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما إن الرجل أخذته الرأفة بقومه وأدركته الرغبة في قرابته، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله  : «أَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟

وَالله إِنِّي رَسُولُ الله حَقّاً، إنّ محياه لمحياكم، وإنّ مماته لَمَمَاتُكُمْ» .

فقالوا: يا رسول الله، قلنا مخافة أن تفارقنا ضناً بك.

قال: «أَنْتُمْ الصَّادِقُونَ عِنْدَ الله وَعِنْدَ رَسُولِهِ» .

قال الله تعالى: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، يعني: من أهل مكة يهديهم الله لدينه.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن يؤمن من خلقه، حَكِيمٌ في أمره.

قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا، وذلك أنه لما أمرهم الله تعالى بالقتال، شق ذلك على بعض المؤمنين، فنزل قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا، يعني: أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها المؤمنون، ولا تبتلوا بالقتال ولا تؤمروا به.

وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، يعني: لم يميز الله الذين جاهدوا مِنكُمْ من الذين لم يجاهدوا.

وقد كان يعلم الله ذلك منهم قبل أن يجاهدوا وقبل أن يخلقهم، ولكن كان علمه علم الغيب، ولا يستوجبون الجنة والثواب بذلك العلم، وإنما يستوجبون الثواب والعقاب بما يظهر منهم من الجهاد.

ويقال: معناه أظننتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد وبغير تعب النفس؟

وهكذا قال في آية أخرى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] .

وكما قال في آية أُخرى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: 2] الآية.

ثم قال: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ، يعني: لم يتخذوا أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله تعالى ولا رسوله، يعني: ولا من دون رسوله، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ، يعني: يميِّزهم من غيرهم، وَلِيجَةً يعني: بطانة من غير أهل دينه، ليفشي إليه سره.

وقال الزجاج: الوليجة البطانة، وهي مأخوذة من ولج الشيء في الشيء إذا دخل، يعني: ولم يتخذوا بينهم وبين أهل الكفر خُلَّةً ومودة.

ويقال: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بأن النبيّ  يريد الخروج إليهم، وأراد بذلك مودة أهل مكة، وفيه نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: 1] الآية.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ، يعني: من الخير والشر والجهاد والتخلف ومودة أهل الكفر.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) في النسخة «ب» نقضتم.

(٣) في النسخة: «ب» بالحطيم.

(٤) قال السيوطي في الدر المنثور: 4/ 138- 139: أخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور ابن مخرمة.

وفيه أن عمرو بن سالم قدم المدينة على رسول الله  بأبيات أنشده إياها.

(٥) حديث ابن عباس: أخرجه أبو داود (3285) والبيهقي: 10/ 47- 48 والطحاوي: 2/ 379 وأبو يعلى (2674) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أحدهما: لا تصديقَ لهم، قال أبو عَليٍّ: وهذا غَيْرُ قويٍّ لأنه تكريرٌ، وذلك أنه وَصَفَ أَئمَّة الكُفْرِ بأنهم لا إِيمان لهم، والوجْه في كَسْر الألفِ أَنَّه مصْدَرٌ من آمَنْتُهُ إِيماناً ومنه قوله تعالى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٤] فالمعنى: أنهم لاَ يُؤَمَّنُونَ كما يُؤَمَّنُ أَهْلُ الذمَّة الكتابيُّون إِذ المشركون ليس لهم إِلا الإِسلام أو السَّيْفَ، قال أبو حاتمْ: فَسَّر الحَسَنُ قراءته: لا إِسلام لهم.

قال ع «١» : والتكريرُ الذي فَرَّ أبو عَلِيٍّ منه متَّجِهٌ، لأنه بيانُ المهمِّ الذي يوجبُ قتلهم.

وقوله عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ...

الآية «ألا» : عَرْضٌ وتحضيضٌ، قال الحسن: والمراد بِإِخْراجِ الرَّسُولِ: إخراجُه من المدينة، وهذا مستقيمٌ كغزوة أُحُدٍ والأحزاب «٢» .

وقال السديُّ: المرادُ مِنْ مَكَّة «٣» .

وقوله سبحانه: وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قيل: يراد أفعالهم بمكَّة بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وبالمؤمنين.

وقال مجاهدٌ: يراد به ما بَدَأَتْ به قريشٌ مِنْ معونة بني بَكْر حلفائِهِمْ، على خزاعة حلفاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكان هذا بَدْءَ النقْض «٤» .

وقال الطبريُّ «٥» : يعني فعْلَهم يَوْمَ بدر.

قال الفَخْر «٦» : قال ابن إِسحاق والسُّدِّيُّ والكَلَبِيُّ: نزلَتْ هذه الآية في كفَّار مَكَّة نكثوا أيمانهم بعد عَهْدِ الحديبية، وأعانوا بني بَكْر عَلَى خُزَاعة «٧» .

انتهى.

وقوله سبحانه: أَتَخْشَوْنَهُمْ: استفهام على معنى التقرير والتوبيخ، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي: كاملي الإيمان.

وقوله سبحانه: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، قرّرت الآياتُ قبلها أفعالَ الكَفَرة، ثم حضَّ على القتال مقترناً بذنوبهم لتنبعث الحميَّة مع ذلك، ثم جزم الأمْرَ بقتالِهِمْ في هذه الآيةَ مقترناً بوَعْدٍ وكِيدٍ يتضمَّن النصْرَ عَلَيْهِم، والظَّفَرَ بهم.

وقوله سبحانه: يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، معناه: بالقتل والأسر، ووَ يُخْزِهِمْ، معناه: يذلَّهم علَى ذنوبهم، يقال: خَزِيَ الرجُلُ يَخْزَى خَزْياً، إِذا ذَلَّ من حيثُ وَقَعَ في عَارٍ، وأَخْزَاهُ غيره، وخزي يخزي خزاية/ إذا استحى، وأما قوله تعالى: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، فيحتمل أنْ يريد جماعةَ المؤمنين، لأن كلَّ ما يهدُّ من الكُفْرِ هو شفاءٌ مِنْ هَمِّ صدور المؤمنين، ويحتمل أنْ يريد تخصيصَ قومٍ من المؤمنين، وروي أنهم خُزَاعَةْ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ «١» ، ووجْه تخصيصهم أنهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان يومئذٍ في خُزَاعَةَ مؤمنون كثير ويقتضي ذلك قول الخزاعيّ المستنصر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: [الرجز] ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا وفي آخر الرجز:

وقتّلونا ركّعا وسجّدا «٢»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا نَزَلَ في نَقْضِ قُرَيْشٍ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ  الَّذِي عاهَدَهم بِالحُدَيْبِيَةَ حَيْثُ أعانُوا عَلى خُزاعَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أبُو سُفْيانَ في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كانُوا فِيمَن هَمَّ بِإخْراجِ النَّبِيِّ  مِن مَكَّةَ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، غَدَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ  ، ونَقَضُوا عَهْدَهُ وهَمُّوا بِمُعاوَنَةِ المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَدَؤُوكم بِإعانَتِهِمْ عَلى حُلَفائِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أتَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِن قِتالِهِمْ مَكْرُوهٌ؟!

فَمَكْرُوهُ عَذابِ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُخْشى إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِعَذابِهِ وثَوابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يَعْنِي خُزاعَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ: كَرْبُها ووَجْدُها بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مُسْتَأْنَفٌ، ولَيْسَ بِجَوابٍ "قاتِلُوهُمْ" وفِيمَن عُنِيَ بِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَنُو خُزاعَةَ، والمَعْنى: ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن بَنِي خُزاعَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في المُشْرِكِينَ كَما تابَ عَلى أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وسُهَيْلٌ.

والله عَلِيم بِنِيّاتِ المُؤْمِنِينَ، "حَكِيمٌ" فِيما قَضى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللهُ عَلى مَن يَشاءُ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تُقاتِلُونَ ﴾ عَرْضٌ وتَحْضِيضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المُرادُ: مِنَ المَدِينَةِ، وهَذا يَسْتَقِيمُ كَغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وقالَ السُدِّيُّ: المُرادُ: مِن مَكَّةَ، فَهَذا عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَمُّوا وفَعَلُوا، أو عَلى أنْ يُقالَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ بِأيْدِيهِمْ فَلَمْ يَصِلُوا إلى ذَلِكَ، بَلْ خَرَجَ بِأمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا يَجْرِي مَعَ إنْكارِ النَبِيِّ  عَلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثَةِ قَوْلَهُ: ورَدَّنِي لِلَّهِ مِن ∗∗∗ طَرَّدْتُهُ كُلَّ مُطَرَّدِ ولا يُنْسَبُ الإخْراجُ إلَيْهِمْ إلّا إذا كانَ الكَلامُ في طَرِيقِ تَذْنِيبِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ  ﴾ ، والأوَّلُ عَلى أنَّ ما فَعَلُوا بِهِ مِن أسْبابِ الإخْراجِ هو الإخْراجُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ قِيلَ: يُرادُ أفْعالُهم بِمَكَّةَ بِالنَبِيِّ  وبِالمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِهِ ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائِهِمْ عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ رَسُولِ اللهِ  ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَقْضِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ أتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاللهُ ﴾ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ و ﴿ أحَقُّ ﴾ خَبَرُهُ، و ﴿ أنْ تَخْشَوْهُ ﴾ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ اللهِ، بَدَلَ اشْتِمالٍ، أو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ خافِضٍ تَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "اللهُ" ابْتِداءً، وأحَقُّ ابْتِداءٌ ثانٍ وأنْ تَخْشَوْهُ خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا، أيْ: رَجُلًا كامِلًا، فَهَذا مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كامِلِي الإيمانِ، لِأنَّ إيمانَهم كانَ قَدِ اسْتَقَرَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللهُ ﴾ الآيَةُ.

قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَها أفْعالَ الكَفَرَةِ، ثُمَّ حَضَّ عَلى القِتالِ مُقْتَرِنًا بِذُنُوبِهِمْ لِتَنْبَعِثَ الحَمِيَّةُ مَعَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَزَمَ الأمْرَ بِقِتالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ مُقْتَرِنًا بِوَعْدٍ وكَيْدٍ يَتَضَمَّنُ النُصْرَةَ عَلَيْهِمْ والظَفَرَ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُعَذِّبْهُمُ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ والأسْرِ وذَلِكَ كُلُّهُ عَذابٌ، ويُخْزِهِمْ مَعْناهُ: يُذِلُّهم عَلى ذُنُوبِهِمْ، يُقالُ: خَزِيَ الرَجُلُ يَخْزى خِزْيًا إذا ذَلَّ مِن حَيْثُ وقَعَ في عارٍ، وأخْزاهُ غَيْرُهُ، وخَزِيَ يَخْزى خِزايَةً إذا اسْتَحْيا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ جَماعَةَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ كُلَّ ما يَهْدِ مِنَ الكُفْرِ هو شِفاءٌ مِن هَمِّ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّهم خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، ووَجَّهَ تَخْصِيصَهم أنَّهُمُ الَّذِينَ نَقَضَ فِيهِمُ العَهْدَ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ قَوْلُ الخُزاعِيِّ عَنِ المُسْتَنْصِرِ بِالنَبِيِّ  : ........................

∗∗∗ ∗∗∗ ثُمَّتْ أسْلَمْنا فَلَمْ تَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَجَزِ يَقُولُ: ..........................

∗∗∗ ∗∗∗ وقَتَّلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَذْهَبْ غَيْظُ قُلُوبِهِمْ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الغَيْظِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَتُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى القِطَعِ مِمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى أنَّ الآيَةَ اسْتَأْنَفَتِ الخَبَرَ بِأنَّهُ قَدْ يَتُوبُ عَلى بَعْضِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ أمَرَ بِقِتالِهِمْ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أو لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ التَوْبَةِ في جَوابِ الشَرْطِ الَّذِي في "قاتِلُوهُمْ" عَلى قِراءَةِ النَصْبِ، وإنَّما الوَجْهُ الرَفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَيَتُوبَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: "وَأنْ يَتُوبَ"، ويَتَوَجَّهَ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذَهَبْتَ إلى أنَّ التَوْبَةَ إنَّما يُرادُ بِها هُنا أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وَكَمالٌ لِإيمانِكُمْ، فَتَدَخَّلُ التَوْبَةُ -عَلى هَذا- في شَرْطِ القِتالِ.

و ﴿ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ﴾ صِفَتانِ نِسْبَتُهُما إلى الآيَةِ واضِحَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تحذير من التواني في قتالهم عدا ما استثني منهم بعد الأمر بقتلهم، وأسرهم، وحصارهم، وسدّ مسالك النجدة في وجوههم، بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلى قوله كل مرصد ﴾ [التوبة: 5].

وبعد أن أثبتت لهم ثمانية خلال تغري بعدم الهوادة في قتالهم، وهي قوله: ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ [التوبة: 7] وقوله: ﴿ كيف وإن يظهروا عليكم ﴾ [التوبة: 8] وقولُه ﴿ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ﴾ [التوبة: 8] وقولُه: ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ [التوبة: 8] وقولُه: ﴿ اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ [التوبة: 9] وقولُه: ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ [التوبة: 10] وقولُه: ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ [التوبة: 10] وقولُه: ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ [التوبة: 12].

فكانت جملة ﴿ ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم ﴾ تحذيراً من التراخي في مبادرتهم بالقتال.

ولفظ ﴿ ألا ﴾ يحتمل أن يكون مجموع حرفين: هما همزة الاستفهام، و(لا) النافيةُ، ويحتمل أن يكون حرفاً واحداً للتحْضيض، مثل قوله تعالى: ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ [النور: 22].

فعلى الاحتمال الأول يجوز أن يكون الاستفهام إنكارياً، على انتفاء مقاتلة المشركين في المستقبل، وهو ما ذهب إليه البيضاوي، فيكون دفعاً لأن يَتوهَّم المسلمون حُرمة لتلك العهود.

ويجوز أن يكون الاستفهام تقريرياً، وهو ظاهر ما حمله عليه صاحب «الكشّاف»، تقريراً على النفي تنزيلاً لهم منزلة من ترك القتال فاستوجب طلب إقراره بتركه، قال في «الكشاف»: ومعناه الحضّ على القتال على سبيل المبالغة، وفي «مغني اللبيب» أن ﴿ ألا التي للاستفهام عن النفي تختصّ بالدخول على الجملة الاسمية، وسلّمه شارحاه، ولا يخفى أنّ كلام الكشاف ﴾ ينادي على خلافه.

وعلى الاحتمال الثاني أن يكون ﴿ ألا ﴾ حرفاً واحداً للتحْضيض فهو تحْضيض على القتال.

وجَعَل في «المغني» هذه الآية مثالاً لهذا الاستعمال على طريقة المبالغة في التحذير ولعلّ موجب هذا التفنّن في التحذير من التهاون بقتالهم مع بيان استحقاقهم إياه: أن كثيراً من المسلمين كانوا قد فرحوا بالنصر يوم فتح مكة ومالوا إلى اجتناء ثمرة السلم، بالإقبال على إصلاح أحوالهم وأموالهم، فلذلك لمّا أمروا بقتال هؤلاء المشركين كانوا مظنّة التثاقل عنه خشية الهزيمة، بعد أن فازوا بسُمعة النصر، وفي قوله عقبه ﴿ أتخشونهم ﴾ ما يزيد هذا وضوحاً.

أمّا نكثهم أيمانهم فظاهر مما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ [التوبة: 4] وقوله ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ﴾ [التوبة: 4] الآية.

وذلك نكثهم عهد الحديبية إذ أعانوا بني بكر على خزاعة وكانت خزاعة من جانب عهد المسلمين كما تقدّم.

وأمّا همّهم بإخراج الرسول فظاهره أنّه همٌّ حصل مع نكث أيمانهم وأن المراد إخراج الرسول من المدينة، أي نفيه عنها لأن إخراجه من مكّة أمر قد مضى منذ سنين، ولأنّ إلجاءه إلى القتال لا يعرف إطلاق الإخراج عليه فالظاهر أنّ همّهم هذا أضمروه في أنفسهم وعلمه الله تعالى ونبّه المسلمين إليه.

وهو أنّهم لمّا نكثوا العهد طمعوا في إعادة القتال وتوهّموا أنفسهم منصورين وأنّهم إن انتصروا أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة.

و (الهم) هو العزم على فعل شيء، سواء فعله أم انصرف عنه.

ومؤاخذتهم في هذه الآية على مجرّد الهمّ بإخراج الرسول تدلّ على أنّهم لم يخرجوه، وإلاّ لكان الأجدر أن ينعى عليهم الإخراج لا الهمّ به، كما في قوله: ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ [التوبة: 40] وتدلّ على أنّهم لم يرجعوا عمّا همّوا به إلاّ لِمَا حيل بينهم وبين تنفيذه، فعن الحسن: همّوا بإخراج الرسول من المدينة حين غزوْه في أحد وحين غزوا غزوة الأحزاب، أي فكفاه الله سوء ما همّوا به، ولا يجوز أن يكون المراد إخراجه من مكة للهجرة لأنّ ذلك قد حدث قبل انعقاد العهد بينهم وبين المسلمين في الحديبية، فالوجه عندي: أنّ المعنيَّ بالذين هَمّوا بإخراج الرسول قبائل كانوا معاهدين للمسلمين، فنكثوا العهد سنة ثمان، يوم فتح مكة، وهمّوا بنجدة أهل مكة يوم الفتح، والغدر بالنَّبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين، وأن يأتوهم وهم غارون، فيكونوا هم وقريش ألباً واحداً على المسلمين، فيُخرجون الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من مكة، ولكنّ الله صرفهم عن ذلك بعد أن همّوا، وفضح دخيلتهم للنبيء صلى الله عليه وسلم وأمره بقتالهم ونبذِ عهدهم في سنة تسع، ولا ندري أقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أم كان إعلان الأمر بقتالهم (وهم يعلمون أنهم المراد بهذا الأمر) سبباً في إسلامهم وتوبة الله عليهم، تحقيقاً للرجاء الذي في قوله: ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ [التوبة: 12] ولعل بعض هؤلاء كانوا قد أعلنوا الحرب على المسلمين يوم الفتح ناكثين العهد، وأمدّوا قريشاً بالعدد، فلمّا لم تنشب حرب بين المسلمين والمشركين يومئذٍ أيسوا من نصرتهم فرجعوا إلى ديارهم، وأغضى النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، فلم يؤاخذهم بغدْرهم، وبقي على مراعاة ذلك العهد، فاستمرّ إلى وقت نزول هذه الآية، وذلك قوله: ﴿ وهم بدوءكم أول مرة ﴾ أي كانوا البادئين بالنكث، وذلك أنّ قريشاً انتصروا لأحلافهم من كنانة، فقاتلوا خزاعة أحلاف المسلمين.

و ﴿ أول مرة ﴾ نَصْب على المصدرية.

وإضافة ﴿ أول ﴾ إلى ﴿ مرة ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف.

والتقدير: مرة أولى والمرّة الوَحدة من حدث يحدث، فمعنى ﴿ بدءوكم أول مرة ﴾ بدأوكم أوّل بدء بالنكث، أي بَدْءا أولَ؛ فالمَرّة اسم مبهم للوحدة من فعل ما، والأغلب أن يفسر إبهامه بالمقام، كما هنا، وقد يفسّره اللفظ.

و ﴿ أوّل ﴾ اسم تفضيل جاء بصيغة التذكير، وإن كان موصوفه مؤنّثاً لفظاً، لأن اسم التفضيل إذا أضيف إلى نكرة يلازم الإفراد والتذكير بدلالة المضاف إليه ويقال: ثاني مرة وثالث مرّة.

والمقصود من هذا الكلام تهديدهم على النكث الذي أضمروه، وأنّه لا تسامح فيه.

وعلى كلّ فالمقصود من إخراج الرسول عليه الصلاة والسلام: إمّا إخراجه من مكة منهزماً بعدَ أن دخلها ظافراً، وإمّا إخراجه من المدينة بعد أن رجع إليها عقب الفتح، بأن يكونوا قد همّوا بغزو المدينة وإخراج الرسول والمسلمين منها وتشتيت جامعة الإسلام.

وجملة ﴿ أتخشونهم ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ ألا تقاتلون ﴾ فالاستفهام فيها إنكار أو تقرير على سبب التردّد في قتالهم، فالتقدير: أينتفي قتالكم إيّاهم لَخشيكم إياهم، وهذا زيادة في التحريض على قتالهم.

وفُرّع على هذا التقرير جملة ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ أي فالله الذي أمركم بقتالهم أحقّ أن تخشوه إذا خطر في نفوسكم خاطر عدم الامتثال لأمره، إن كنتم مؤمنين، لأنّ الإيمان يقتضي الخشية من الله وعدم التردّد في نجاح الامتثال له.

وجيء بالشرط المتعلّق بالمستقبل، مع أنّه لا شكّ فيه، لقصد إثارة همّتهم الدينية فيبرهنوا على أنّهم مؤمنون حقّا يقدمون خشية الله على خشية الناس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخِيانَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ البِطانَةُ، قالَهُ قُطْرُبٌ ومُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وجَعَلْتَ قَوْمَكَ دُونَ ذاكَ ولِيجَةً ساقُوا إلَيْكَ الخَيْرَ غَيْرَ مَشُوبٍ والثّالِثُ: أنَّهُ الدُّخُولُ في وِلايَةِ المُشْرِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ ولَجَ فُلانٌ في كَذا إذا دَخَلَ فِيهِ، قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎ رَأيْتُ القَوافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا ∗∗∗ تُضايِقُ عَنْها أنْ تُولِجَها الإبَرُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم ﴾ قال: قتال قريش حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وهمهم باخراج الرسول، زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام السابع للحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوه منها فذلك همهم باخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قالت قريش لخزاعة: عميتمونا عن اخراجه؟

فقاتلوهم فقتلوا منهم رجالاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال: نزلت في خزاعة ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ من خزاعة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ قال: خزاعة حلفاء رسول صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ قال: هم خزاعة يشفي صدورهم من بني بكر ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قال: هذا حين قتلهم بنو بكر وأعانهم قريش.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في خزاعة حين جعلوا يقتلون بني بكر بمكة.

وأخرج ابن اسحق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور بن خرمة قالا كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش: إن من شاء أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهراً، ثم إن بني بكر الذي كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له الوتير قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا الليل وما يرانا أحد، فاعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب عمرو بن سالم عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيات أنشده اياها: اللهمَّ إني ناشد محمداً ** خلف أبينا وأبيه إلا تلدا كنا والداً وكنت ولداً ** ثَمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر رسول الله نصراً عندا ** وادعُ عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا ** إن شئتم حسنا فوجهه بدر بدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا ** ان قريشاً اخلفوك موعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا ** وزعموا أن ليس تدعو احدا فهم أذل وأقل عددا ** قد جعلوا لي بكداء رصدا هم بيوتنا بالهجير هجدا ** وقتلونا ركَّعا وسجَّدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو بن سالم» ، فما برح حتى مرت غمامة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب» ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاد وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾ الآية، قال ابن عباس: "هذا تحريض من الله لأوليائه على أعدائه" (١) (٢) قال أهل المعاني: "إذا قلت: ألا (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾ يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفارة ليكون ذلك زجرًا لغيرهم، قال محمد بن إسحاق والسدي والكلبي: "نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة" (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ﴾ ، قال المفسرون: "كانوا هموا بذلك بأن (١٤) (١٥) (١٦) فبان بهذا أنهم قصدوا إخراجه، وهموا به فلم يمكنهم الله من ذلك [[لعله يعني على الحالة الفظيعة التي ذكرها؛ وإلا فقد أخرجوا رسول الله  والمؤمنين من مكة كما قال تعالى: ﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا ﴾ \[الممتحنة: == 1\].

وكما قال الرسول  : "لولا أني أخرجت منك ما خرجت"، رواه الإمام أحمد 4/ 305، وغيره وسنده صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" 2/ 1192، ولذا قال المفسرون: هموا بإخراج الرسول وفعلوا، انظر: "تفسير ابن جرير" 10 - 89 - 90، وابن عطية 6/ 428 - 429.]].

قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: بالقطيعه والهجرة والعداوة" (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ ، قال الزجاج: "المعنى: أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم؟

﴿ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ﴾ أي: فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى في ترك قتالهم (٢٢) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: مصدقين بعقاب الله وثوابه" (٢٣) (١) "تنوير المقباس" ص188 بمعناه.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 436.

(٣) في (ى): (لا).

(٤) في (ح): (ألا تفعل ذلك كذا).

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٦) في (ح): (والفرقة).

(٧) في (ى): (وإذا).

(٨) هكذا في جميع النسخ، وكذلك في "تفسير الرازي" 15/ 235، والسياق يقتضي أن يقول: صارت.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٠) في (م): (وإذا).

(١١) كذا في جميع النسخ وكذلك في "تفسير الرازي" 15/ 235 - 236، والسياق يقتضي أن يقول: صارت.

(١٢) ذكره عن أهل المعاني الرازي في "تفسيره" 15/ 235 نقلاً عن الواحدي.

وانظر في (ألا) "شر المفصل" 8/ 113، و"المغني" ص77، و "همع الهوامع" 2/ 70.

(١٣) انظر: قول السدي في "تفسير ابن جرير" 10/ 90، وابن أبي حاتم 6/ 1762، وانظر قول الكلبي في: "تفسير هود بن محكم" 2/ 117، والقرطبي 8/ 85 بمعناه، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص188، عن الكلبي عن ابن عباس.

أما قول محمد بن إسحاق فلم أجده بهذا المعنى، ولفظه كما في "السيرة النبوية" 4/ 10، و"تفسير ابن جرير" 10/ 90: "ثم أمر رسوله  بجهاد أهل الشرك، ممن نقض من أهل العهد الخاص، ومن كان من أهل العهد العام، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلاً إلا أن يعدو فيها عاد منهم فيقتل بعدائه، فقال: ﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ...

﴾ الآيات" اهـ.

ومعلوم أن أهل مكة أسلموا قبل نزول هذه الآيات فالقول بأنها نزلت فيهم فيه نظر.

(١٤) في (م) و (ى): (وأن).

(١٥) في (ح): (حبسوا)، وهو خطأ.

(١٦) انظر: "السيرة النبوية" 2/ 93، 94، و"الكشاف" 2/ 177، و"زاد المسير" 3/ 405، وفي الآية أقوال أخرى انظرها في "المحرر الوجيز" 6/ 428، و"البحر المحيط" 5/ 16.

(١٧) لم أقف عليه.

(١٨) ذكر هذا القول ابن جرير 10/ 90، ورواه عن السدي وهو قول مقاتل، انظر: "تفسيره" 126 ب، وانظر أيضاً: "تفسير الثعلبي" 6/ 83 ب، والبغوي 4/ 18.

(١٩) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 90، وابن أبي حاتم 6/ 1762، والثعلبي 6/ 83 أ، وابن الجوزي 3/ 405، و"الدر المنثور" 3/ 389.

(٢٠) "معاني القرآن" 1/ 425.

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 436.

(٢٢) قوله: "في ترك قتالهم" ليس موجودًا في "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع.

(٢٣) ا.

هـ.

كلام الزجاج.

المصدر السابق، نفس الموضع.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴾ لفظ استفهام، ومعناه استنكار واستبعاد ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قيل: المراد قريش، وقيل: قبائل بني بكر ﴿ فَمَا استقاموا ﴾ ما ظرفية ﴿ كَيْفَ ﴾ تأكيد للأولى، وحذف الفعل بعدها للعلم به تقديره: كيف يكون لهم عهد؟

﴿ لاَ يَرْقُبُواْ ﴾ أي لا يراعوا ﴿ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ الإل القرابة، وقيل: الحلف، والذمة العهد ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ استثنى من قضي له بالإيمان ﴿ أَئِمَّةَ الكفر ﴾ أي رؤساء أهله قيل: إنهم أبو جهل لعنه الله، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكى ذلك الطبري وهو ضعيف لأن أكثر هؤلاء كان قد مات قبل نزول هذه السورة، والأحسن أنها على العموم ﴿ لاَ أيمان لَهُمْ ﴾ أي لا إيمان لهم يوفون بها، وقرئ لا إيمان بكسر الهمزة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ يتعلق بقاتلوا ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول ﴾ قيل: يعني إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأحد، وقيل: يعني إخراجه من مكة إذا تشاوروا فيه بدار الندوة ثم خرج هو بنفسه ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني: إذايَتَهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمكة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ وقد قال: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ الآية [التوبة: 5]، فأمر بالآية الأولى عند الوجود [بالإجارة]، وفي هذه بالقتل والأسر، وأمر في الأولى بتبليغه مأمنه، وفي هذه بأن يقعد له كل مرصد، وحال هذه هي حال الأولى في رأي العين، ويتهيأ له في كل وقت يظفر به أن يستجير؛ لما ذكر، وفي كل حال يرصد له أن يحتال ليرد إلى مأمنه، وفي ذلك زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر، فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعاً.

فقال أصحابنا: إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر أعلام الحرب، ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه؛ بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة، ومن يتعاهد ومن ينادي إليه بالاستجارة - فيجار.

ولو كان مقبلا نحو مأمننا، كالطالب لأحد، عليه أعلام الحرب، لكنه كالغافل عن الذين يرصدون له أو الذين لهم منعة ولا قوة به - فلا يقبل قوله، وذلك على تسليم الأمر الغالب من الأحوال؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك، وعلى ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين، وما ذكرت عن الآية في لزوم ذلك الاعتبار؛ إذ لا وجه له غيره هو دليله، والله أعلم.

ثم دل قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ بعد العلم بأنه من مأمنه لا يقدر على الاستجارة لبعد [مأمن كل من] مأمن الآخر، ثم لا يكون مأمن الفريقين في إحدى الدارين؛ لما كان تحقيق أمن كل فريق منهما نفي أمن الآخر؛ إذ به خوفه؛ فثبت أنه قد يؤذن له بالخروج للاستجارة من مأمنه والدخول في مأمن المسلمين إلى أن يبلغوا مساكنهم فيستجيروا؛ فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق الأسر ولا القتل، ويجب رده لو لم يجر، ولم يسع تعرضه لشيء من ذلك.

ثم قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ من غير أن يبين استجارته لماذا، يحتمل أن يكون ترك بيانه؛ لما في الجواب ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وذلك كقوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ  ﴾ أنه في الجواب بيان ما استفتوا.

ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان.

وذلك قريب؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض، تذهب منفعة التضييق، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام، وحسن رعاية أهل الإسلام، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه، رجاء أن يجيبوا، فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم.

وقد روي عن نبي الله  أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو؛ إلى الإسلام، فيما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه؛ إذ الذي يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع؛ نحو اللسان والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي [يتكلم وقوله]، فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازاً لا حقيقة؛ فعلى ذلك ما قيل من سماع كلام الله.

ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى الله، فقيل بذلك كلام الله؛ لما إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك.

والوجه الثاني: أن يكون [الله] ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعاً من غيره؛ على ما تنسب القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله: "حتى يسمع كلام الله".

والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلاماً، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان الله -  - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال الله -  - ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، فمثله لما قيل: كلام الله.

ثم الله -  - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول [فعلى ذلك صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ولا تقدر بها العقول]، إلا من طريق القول بالحقيقة على ما هن أغيار لهم، فالله -  - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، [فتدبر] فيه.

وقال [الثلجي]: يقال: كلام الله، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد.

وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال: يعرف الله من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه والله [أعلم] من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن الله -  - كذلك سماع كلامه.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ دلالة أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك، ولكان يحق عليه الخروج منها، لا العود إليها.

ثم معلوم أن كلام الله هو حجته، وأن الحجة قد لزمته؛ لوجهين: أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع المقابلين لرسول الله بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم.

والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها مما يشهد العقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما لو قوبل بما فيه من المعنى وما يحدث به من الفائدة، ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابراً، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل [لما لم يكن] يضمن أمانة القبول، ولا [أن] يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه.

والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجازة [بعض]، وعلى ذلك كل مسلم.

ثم سماع كلام الله يخرج على القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع أوامر الله ونواهيه في حق الفرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: ما لهم وما عليهم.

ويحتمل نفي العلم: بما لم ينتفعوا بما علموا.

ويحتمل ذلك تعليم [من] مع رسول الله كيفية معاملة الكفرة؛ إذ هم لم يكونوا يعلمون من قبل، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ ﴾ .

هو - والله أعلم - أن كيف يستحقون العهد، وكيف يُعْطَى لهم العهد، وقد نقضوا العهود التي بينهم وبين ربهم وبين رسول الله؟!

فأما العهود التي بينهم وبين ربهم فهي عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، والشهادة على الرسالة.

وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد ونعته للخلق، فنقضوا ذلك كله ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله ولم يحفظوها؛ يقول - والله أعلم -: كيف يستحقون أن يُعْطَى العهد لهم، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم والعهود التي أعطاهم رسول الله؟!

لا يستحقون ذلك، إلا أن الله - عز وجل - بفضله وإحسانه أذن أن يعطي لهم العهود: ﴿ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ ، أي: أوفوا لهم العهد إذا أوفوا لكم وإن انقضت المدة؛ يقول - والله أعلم -: إذا استقاموا لكم في وفاء العهد، فاستقيموا لهم في وفائه، وإن انقضت المدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

استثنى الذين عاهدوا عند المسجد الحرام، يحتمل ألا يعطى العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ ﴾ ، فإنهم [إن وفوا لكم فأوفوا لهم] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ إن الله يحب من اتقى الشرك واتقى كل جور وظلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ يقول: كيف تعطون لهم العهد وكيف يستحقون العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاًّ ولا ذمة؟!

وقال بعضهم: وكيف لا تقاتلونهم ﴿ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، قال: الإل: الله، والذمة: العهد.

وقيل: الإل: القرابة.

وقيل: الإل: العهد، والذمة، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (لا يرقبوا فيكم عهدا ولا ذمة).

وقال القتبي: الإل: العهد.

قال: ويقال: القرابة.

وقال أبو عوسجة: الإل: القرابة.

وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم.

وقال ابن عباس: الإل: الله، بمنزلة جبريل، تفسيره: عبد الله؛ لما قيل: جبريل هو عبد الله.

وقيل: الإل: الحرم؛ يقول: كيف تعطونهم العهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم القرابة ولا العهد، ولا يرقبوا الحرم فيكم؟!

وقد كانوا يحفظون فيما بينهم القرابة والرحم حتى يعاون بعضهم بعضاً ويناصر، إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم الله حتى لا يقاتلون في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود فيما بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها.

هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، وقد كانوا يرقبون من قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

بأنهم يوفون العهد ويحفظونه.

﴿ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلا النقض.

وقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ في نقض العهد.

والفسق: هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل: حججه وبراهينه.

ويحتمل: آيات القرآن ومحمد.

ويحتمل: آياته: دينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

أي: صدوا الناس عن متابعة النبي.

وقيل: صدوا الناس عن دين الله الإسلام.

﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: بئس ما عملوا بصدهم الناس عن دين الإسلام ومتابعة محمد  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ هذا قد ذكرناه.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ﴾ .

في نقض العهد، والاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: انظروا إلى كرم ربكم وجوده، قوم قد افتروا على الله كذباً، وكذبوا رسول الله، وهموا بقتله وإخراجه من بين أظهرهم، وطعنوا في دينهم، وعملوا كل بلية من نصب الحروب والقتال فيما بينهم، ثم إنه وعدهم التوبة والمغفرة والتجاوز عما كان منهم بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وجعل فيما بينهم الأخوة والمودة بقوله: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ وقال: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ وغير ذلك من الآيات، وفيه أن من كان له بمكان آخر ذنب أو جفاء، فإذا رجع عن ذلك وتاب لزمه أن يتجاوز عنه وألا يذكر بعد ذلك ما كان منه من الذنب؛ على ما جعل الله فيما بين هؤلاء الأخوة والمودة إذا تابوا، وقال: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ وقد كان منهم ما كان، ومن حق الأخوة ألا يذكر ما كان منهم من المساوئ.

ثم قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ من الشرك وما كان منهم.

وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ وجهين: الأول: يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، زكاة المال، وهو ما ذكرنا فيما تقدم من الإقرار بهما والاعتقاد والقبول لذلك دون فعلهما، وهو في الكبراء والقادة الذين كانوا يأنفون عن الخضوع لأحد، ولا يؤتون الزكاة، ولا يتصدقون؛ لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا؛ إشفاقاً على أنفسهم.

والثاني: يحتمل أن يكون المراد من الصلاة: الخضوع والخشوع، لا الصلاة المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها، فإن كان هذا فهو لازم في الأوقات كلها، ما من وقت إلا وله على كل أحد الخضوع [له] والخشوع له، ويزكي نفسه ويصلحها، وهو كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: نبين الآيات لقوم يعلمون ينتفعون بعلمهم.

ويحتمل: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لقوم إذا نظروا فيها وتدبروا يعلمون لا لقوم لا يعلمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ [قوله: أيمانهم: العهود نفسها كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ \[أيمانهم\] أيماناً يحلفونها بعد إعطاء العهد توكيداً؛ لئلا ينقضوا العهد إذ عادتهم نقض العهد ونكثه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ \[طعنهم\] في الدين ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .

أي: أئمة الكفرة، وتخصيص الأمر بمقاتلة الأئمة؛ لما أن الأتباع أبداً يقلدون الأئمة، ويصدرون عن آرائهم وتدبيرهم، فإذا قاتلوهم اتبع الأتباع لهم.

والثاني: لنفي الشبه أي: ليس الأئمة منهم كأصحاب الصوامع، وإن كانوا هم أئمة في العبادة، فلا تترك مقاتلتهم؛ كما تترك مقاتلة أصحاب الصوامع؛ [لأن أصحاب الصوامع] قد عزلوا أنفسهم عن الناس وعن جميع المنافع، وحبسوها للعبادة، والأئمة ليسوا كذلك.

والثالث: خصّ الأئمة بالقتال؛ لأنهم إذا قتلوهم لم يبق لهم إمام في الكفر، فيذهب الكفر رأساً، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ...

﴾ الآية [الأنفال: 39].

[وقوله]: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا عهد لهم بعد نقضهم العهد، أي: لا توفوا لهم العهد الذي كان لهم إذا نقضوا.

ويحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يعطي لهم العهد [مبتدأً بعدما نقضوا العهد؛ لأنهم اعتادوا نقض العهد.

والثاني: قال ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون] أبداً.

وفيه لغة أخرى: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ ، بكسر الألف: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يؤمنون أبداً [فإن كان كذلك وذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً].

وفائدة قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ تخرج على وجهين: أحدهما: أن أهل العهد إذا نقضوا العهد ينقض ذلك، ويتركون على النقض، ويقاتلون بعد النقض، وليس كأهل الذمة إذا نقضوا الذمة لا يتركون على ذلك، ولكن يردون إلى الذمة ولا تنقض الذمة [فيما] بينهم.

وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ يقول: لا تصديق لهم.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ .

عن نقض العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ أي: كيف لا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وأيمانهم ما ذكرنا، وهو حرف الإغراء على مقاتلة من اعتقد نقض العهود والتحريش عليهم ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ : القتل، أي: هموا بقتله، وفي القتل إخراجه.

أو هو إخراجه من المدينة، على ما ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا لرسول الله: إن مكان الأنبياء والرسل بيت المقدس، لا المدينة، فانتقل إليه.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه معلوم أنهم أسروا في أنفسهم وفيما بينهم إخراجه وقتله، لا أنهم أظهروا ذلك، ثم أخبرهم بذلك، دل أنهم إنما علموا أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ في نقض العهد، أي: هم بدءوكم بنقض العهد.

ويحتمل: بدءوكم بالقتال أول مرة والإخراج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾ أي: لا تخشوهم واخشوا الله؛ فإنهم لا يقدرون أن تصل إليكم نكبة إلا بإقدار الله إياهم، فلا تخشوهم واخشوا الله.

ويحتمل قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ فالله القادر بنصركم وبقهر عدوكم ﴿ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ﴾ : إذ هو القادر على منعهم عنكم ونصركم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية.

علم الله - عز وجل - كراهة القتل وثقله على الخلق، فأمر المؤمنين بمقاتلة الكفرة، ووعدهم النصر.

والتعذيب بأيديهم: يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: القتل والإهلاك.

والثاني: يحتمل الأسر والسبي.

﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ يحتمل أيضاً وجهين: الأول: يحتمل: الهزيمة والإذلال.

والثاني: يحتمل قوله: ﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ : في الآخرة؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ ، الخزي: العذاب الذي فيه الفضيحة والذلة.

وفي قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه لا قدرة لله على أفعال الخلق، وقد أخبر أنه يعذبهم بأيديهم، ولو كان غير قادر على أفعالهم، كان يعذبهم بيده لا بأيديهم.

﴿ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

وعدهم النصر عليهم والظفر وخزي الكفرة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ [وكذلك في قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ] دلالة نقض قولهم [أيضا،] لأنه أخبر أنهم يصيبهم العذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين؛ كما ذكرناه.

[و] قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل أن تكون قلوبهم توجعت وتألمت بكفرهم بالله وتكذيبهم الرسول، فوعدهم شفاء صدورهم، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يسلمون، فيصيرون إخواناً، فيدخل فيهم السرور والفرح بإزاء ما حزنوا وتألموا، وذلك شفاء صدورهم.

والثاني: يشف صدورهم بالقتل والهزيمة، يقتلون ويهزمون، ففي ذلك شفاء صدورهم، لما تألمت وتوجعت بالتكذيب والكفر بالله وآياته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل - أيضاً - وجهين: يذهب الغيظ الذي كان في قلوبهم [بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله بإسلامهم يسلمون فيكونون إخواناً.

أو يقتلون ويهلكون فيذهب عنهم الغضب الذي كانوا] غضبوا عليهم بالذي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: من شاء عذب، ومن شاء تاب عليه.

وفي الآية دلالة [الرد] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أن يتوب على جميع الكفرة، لكنهم لا يتوبون، فأخبر أنه يعذب بعضاً ويتوب على بعض، فإنما شاء أن يعذب غير الذي شاء أن يتوب [عليه وشاء أن يتوب على] غير الذي شاء أن يعذبه.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .

بما كان ويكون، أي: عن علم بما كان منهم خلقهم، لا عن جهل؛ إذ خلقه إياهم ليس لمنافع نفسه وحاجته، إنما خلقهم لحاجتهم ومنافعهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ وضع كل شيء موضعه.

ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: فيما جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي كأنه وضع الشيء موضعه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لمَ لا تقاتلون -أيها المؤمنون- قومًا نقضوا عهودهم ومواثيقهم، وسعوا في اجتماعهم في دار الندوة إلى إخراج الرسول  من مكة، وهم بدؤوكم بالقتال أول مرة عندما أعانوا بَكْرًا حلفاء قريش على خُزَاعة حلفاء الرسول  ، أتخافونهم، فلا تقدمون على قتالهم؟!

فالله سبحانه أحق أن تخافوه إن كنتم مؤمنين حقًّا.

من فوائد الآيات دلَّت الآيات على أن قتال المشركين الناكثين العهد كان لأسباب كثيرة، أهمها: نقضهم العهد.

في الآيات دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة فإنه يُقاتَل حتى يؤديهما، كما فعل أبو بكر  .

استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ على وجوب قتل كل من طعن في الدّين عامدًا مستهزئًا به.

في الآيات دلالة على أن المؤمن الذي يخشى الله وحده يجب أن يكون أشجع الناس وأجرأهم على القتال.

<div class="verse-tafsir" id="91.aL9NO"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر