الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٧ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له .
ومن قرأ : " مسجد الله " فأراد به المسجد الحرام ، أشرف المساجد في الأرض ، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له .
وأسسه خليل الرحمن هذا ، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر ، أي : بحالهم وقالهم ، كما قال السدي : لو سألت النصراني : ما دينك ؟
لقال : نصراني ، واليهودي : ما دينك ؟
لقال يهودي ، والصابئي لقال : صابئي ، والمشرك لقال : مشرك .
( أولئك حبطت أعمالهم ) أي : بشركهم ، ( وفي النار هم خالدون ) كما قال تعالى : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ) [ الأنفال : 34 ] ؛ ولهذا قال :
القول في تأويل قوله : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر.
يقول: إن المساجد إنما تعمر لعبادة الله فيها، لا للكفر به, فمن كان بالله كافرًا، فليس من شأنه أن يعمُرَ مساجد الله.
* * * وأما شهادتهم على أنفسهم بالكفر, فإنها كما:- 16552- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر)، يقول: ما ينبغي لهم أن يعمروها.
وأما(شاهدين على أنفسهم بالكفر)، فإن النصراني يسأل: ما أنت؟
فيقول: نصراني = واليهودي, فيقول: يهودي = والصابئ, فيقول: صابئ = والمشرك يقول إذا سألته: ما دينك؟
فيقول: مشرك !
لم يكن ليقوله أحدٌ إلا العرب.
16553- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو العنقزي, عن أسباط, عن السدي: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله)، قال: يقول: ما كان ينبغي لهم أن يعمروها.
16554- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو, عن أسباط, عن السدي: (شاهدين على أنفسهم بالكفر)، قال: النصراني يقال له: ما أنت؟
فيقول: نصراني = واليهودي يقال له: ما أنت؟
فيقول: يهودي = والصابئ يقال له: ما أنت؟
فيقول: صابئ.
* * * وقوله: (أولئك حبطت أعمالهم)، يقول: بطلت وذهبت أجورها, لأنها لم تكن لله بل كانت للشيطان (15) =(وفي النار هم خالدون)، يقول: ماكثون فيها أبدًا, لا أحياءً ولا أمواتًا.
(16) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله)، فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ( مساجد الله ) ، على الجماع.
(17) * * * وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: (مَسْجِدَ اللهِ)، على التوحيد, بمعنى المسجد الحرام.
* * * قال أبو جعفر: وهم جميعًا مجمعون على قراءة قوله: (18) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، على الجماع, لأنه إذا قرئ كذلك، احتمل معنى الواحد والجماع, لأن العرب قد تذهب بالواحد إلى الجماع، وبالجماع إلى الواحد, كقولهم: " عليه ثوب أخلاق ".
(19) ----------------------- الهوامش : (15) انظر تفسير " حبط " فيما سلف 113 : 116 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(16) انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(17) في المطبوعة : " على الجمع " ، وأثبت ما في المخطوطة ، في هذا الموضوع ما يليه جميعا .
(18) يعني أبو جعفر أن جميع القرأة مجمعون على قراءة الآية التالية : " إنما يعمر مساجد الله " ، على الجماع ، بلا خلاف بينهم في ذلك ولذلك زدت تمام الآية ، وكان في المطبوعة والمخطوطة : " مساجد الله " ، دون : " إنما يعمر " .
(19) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 426 ، 427 .
قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدونقوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله الجملة من أن يعمروا في موضع رفع اسم كان .
شاهدين على الحال .
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : أراد ليس لهم الحج بعد ما نودي فيهم بالمنع عن المسجد الحرام ، وكانت أمور البيت كالسدانة والسقاية والرفادة إلى المشركين ، فبين أنهم ليسوا أهلا لذلك ، بل أهله المؤمنون .
وقيل : إن العباس لما أسر وعير بالكفر وقطيعة الرحم قال : تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا .
فقال علي : ألكم محاسن ؟
قال : نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني ، فنزلت هذه الآية ردا عليه .
فيجب إذا على المسلمين تولي أحكام المساجد ومنع المشركين من دخولها .
وقراءة العامة يعمر بفتح الياء وضم الميم ، من عمر يعمر .
وقرأ ابن السميقع بضم الياء وكسر الميم أي يجعلوه عامرا أو يعينوا على عمارته .
وقرئ ( مسجد الله ) على التوحيد أي المسجد الحرام .
وهي قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن كثير وأبي عمرو وابن محيصن ويعقوب .
والباقون مساجد على التعميم .
وهو اختيار أبي عبيد ؛ لأنه أعم وقال : والخاص يدخل تحت العام .
وقد يحتمل أن يراد بقراءة الجمع المسجد الحرام خاصة .
وهذا جائز فيما كان من أسماء الجنس ، كما يقال : فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرسا .
والقراءة مساجد أصوب ؛ لأنه يحتمل المعنيين .
وقد أجمعوا على قراءة قوله : إنما يعمر مساجد الله على [ ص: 27 ] الجمع ، قاله النحاس .
وقال الحسن : إنما قال ( مساجد ) وهو المسجد الحرام ؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها .شاهدين على أنفسهم بالكفر قيل : أراد وهم شاهدون فلما طرح ( وهم ) نصب .
قال ابن عباس : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم ، وإقرارهم أنها مخلوقة .
وقال السدي : شهادتهم بالكفر هو أن النصراني تقول له : ما دينك ؟
فيقول نصراني ، واليهودي فيقول يهودي والصابئ فيقول صابئ .
ويقال للمشرك ما دينك فيقول مشرك .أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون تقدم معناه .
يقول تعالى: {مَا كَانَ} أي: ما ينبغي ولا يليق {لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} بالعبادة، والصلاة، وغيرها من أنواع الطاعات، والحال أنهم شاهدون ومقرون على أنفسهم بالكفر بشهادة حالهم وفطرهم، وعلم كثير منهم أنهم على الكفر والباطل.فإذا كانوا {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} وعدم الإيمان، الذي هو شرط لقبول الأعمال، فكيف يزعمون أنهم عُمَّارُ مساجد الله، والأصل منهم مفقود، والأعمال منهم باطلة؟!!.
ولهذا قال: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي: بطلت وضلت {وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} .
قوله تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) الآية .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم ، وأغلظ علي رضي الله عنه له القول .
فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟
فقال له علي رضي الله عنه : ألكم محاسن؟
فقال نعم : إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ، فأنزل الله عز وجل ردا على العباس : " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله " أي : ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله .
أوجب على المسلمين منعهم من ذلك ؛ لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله وحده ، فمن كان كافرا بالله فليس من شأنه أن يعمرها .
فذهب جماعة إلى أن المراد منه : العمارة المعروفة من بناء المساجد ومرممته عند الخراب فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا تمتثل .
وحمل بعضهم العمارة ها هنا على دخول المسجد والقعود فيه .
قال الحسن : ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام .
قرأ ابن كثير وأهل البصرة : " مسجد الله " على التوحيد ، وأراد به المسجد الحرام ، لقوله تعالى : " وعمارة المسجد الحرام " ، ولقوله تعالى " فلا يقربوا المسجد الحرام " ، وقرأ الآخرون : ( مساجد الله ) بالجمع والمراد منه أيضا المسجد الحرام .
قال الحسن : إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها .
قال الفراء : ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد ، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون فيقول : أخذت في ركوب البراذين ؟
ويقال : فلان كثير الدرهم والدينار ، يريد الدراهم والدنانير؟
قوله تعالى : ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) أراد : وهم شاهدون ، فلما طرحت " وهم " نصبت ، قال الحسن : لم يقولوا نحن كفار ، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر .
وقال الضحاك عن ابن عباس : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام ، وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد ، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ، كلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم ، ولم يزدادوا بذلك من الله تعالى إلا بعدا .
وقال السدي : شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل من أنت؟
فيقول : أنا نصراني ، واليهودي يقول : أنا يهودي ، ويقال للمشرك : ما دينك؟
فيقول : مشرك .
قال الله تعالى : ( أولئك حبطت أعمالهم ) لأنها لغير الله عز وجل ، ( وفي النار هم خالدون ) .
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : معناه شاهدين على رسولهم بالكفر ؛ لأنه ما من بطن إلا ولدته .
«ما كان للمشركين أن يعمُروا مَسْجِدَ الله» بالإفراد والجمع بدخوله والقعود فيه «شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت» بطلت «أعمالهم» لعدم شرطها «وفي النار هم خالدون».
ليس من شأن المشركين إعمار بيوت الله، وهم يعلنون كفرهم بالله ويجعلون له شركاء.
هؤلاء المشركون بطلت أعمالهم يوم القيامة، ومصيرهم الخلود في النار.
ثم أخذت السورة بعد ذلك فى إعلان حكم آخر يتعلق بتعمير مساجد الله ، فبينت أنه يحرم على المشركين أن يعمروا مساجد الله ، وأن المستحقين لذلك هم المؤمنين الصادقون ، فقال - تعالى - : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ .
.
.
مِنَ المهتدين ) .قال الجمل : وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر ، منهم العباس بن عبد المطلب ، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعيرونهم بالشرك .
وجعل على بن أبى طالب يوبخ العباس بسب قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقطيعة الرحم .فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟
فقيل له : وهل لكم محاسن؟
قال : نعم .
ونحن أفضل منكم .
إنا لنعمر المسجد الحرام .
ونحجب الكعبة - أى نخدمها - ، ونسقى الحجيج ، ونفك العانى - أى الأسير - فنزلت هذه الأية .وقال صاحب المنار : والمراد أن هذه الآية تتضمن الرد على ذلك القول الذى كان يقوله ويفخر به العباس وغيره من كبراء المشركين ، لا أنها نزلت عندما قال ذلك القول لأجل الرد عليه فى أيام بدر من السنة الثانية من الهجرة ، بل نزلت فى ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك كما تقدم .وقوله : ( يَعْمُرُواْ ) من العمارة التى هى نقيض الخراب .
يقال : عمر فلان أرضه يعمرها عمارة إذا تعهدها بالخدمة والاصلاح والزراعة .والمراد بعمارة المساجد ، هنا : ما يشمل إقامة العبادة فيها ، وإصلاح بنائها وخدمتها ، ونظافتها ، واحترامها ، وصيانتها عن كل مالا يتناسب مع الغرض الذى ينبت من أجله .وقوله : ( مَسَاجِدَ الله ) قرأ أبو عمر وابن كثير ( مسجد الله ) بالإِفراد ، فيكون المراد به المسجد الحارم : لأنه أشرف فى المساجد فى الأرض ، ولأنه قلبه المساجد كلها .
.
فلا يجوز للمشركين دخوله أو الخدمة فيه .وقرأ الجمهور ( مَسَاجِدَ الله ) بالجمع ، فيكون المراد من المساجد جميعها لأنها جميع مضاف فى سياق النفى فيعم سائر المساجد ، ويدخل فيها المسجد الحرام دخولا أولياً ، لأن تعميره منط افتخارهم ، وأهم مقاصدهم .
وهذه القراءة آكد فى النفى ، لأن نفى الجمع يدل على النفى عن كل فرد ، فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية ، كما لو قلت : فلان لا يقرأ كتب الله ، فإن قولك هذا أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك .قوله : ( شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) حال من الواو فى قوله ( يَعْمُرُواْ ) .وفائدة المجئ بهذه الجملة : الأشعار بأن كفرهم كفر صريح ، وأنهم يعترفون به اعترافاً لا يملكون إنكاره ، ولا يسعهم إلا إقراره .والمعنى : لا ينبغى ولا يصح للمشركين أن يعمروا مساجد الله التى بنيت لعبادته وحده - سبحانه .
وذلك لأن هؤلاء المشركين قد شهدوا على أنفسهم بالكفر شهادة نطقت بها السنتهم ، وأيدتها أعمالهم .فهم لا ينطقون بكلمة التوحيد ، وإنما ينطقون بكلمة التوحيد ، وإنما ينطقون بالكفر والاشراك .
وهم لا يعملون أعمال المؤمنين ، وإنما يعملون الأعمال القبيحة التى تدل على إصرارهم على باطلهم كسجودهم للأصنام عقب الطواف بالكعبة .قال الفخر الرازى : وذكروا فى تفسيره هذه الشهادة وجوها :الأول - وهو الأصح : أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان ، وتكذيب القرآن ، وإنكار نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - وكل ذلك كفر؛ فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر فى نفس الأمر ، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كفرة .الثانى .
قال السدى : شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن يقول عابد الوثن أنا عابد الوثن .الثالث : أنهم كانوا يطوفون عراة؛ وكلما طافوا شوطاً سجدوا للأصنام ، وكانوا يقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك .ثم بين - سبحانه - : فى ختام الآية سوء عاقبتهم فقال ( أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ ) :أى : أولئك المشركون الشاهدون على أنفسهم بالكفر قد فسدت أعمالهم التى كانوا يفتخرون بها مثل العمارة والحاجة والسقاية لأنها مع الكفر ى قيمة لها ، ( وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ ) يوم القيامة بسبب كفرهم وإصرارهم على باطلهم .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بدأ السورة بذكر البراءة عن الكفار وبالغ في إيجاب ذلك وذكر من أنواع فضائحهم وقبائهم ما يوجب تلك البراءة، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهاً احتجوا بها في أن هذه البراءة غير جائزة وأنه يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة، فأولها ما ذكره في هذه الآية، وذلك أنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية وهي توجب مخالطتهم ومعاونتهم ومناصرتهم، ومن جملة تلك الصفات كونهم عامرين للمسجد الحرام قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسر العباس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم، وأغلظ له علي.
وقال: ألكم محاسن فقال: نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله تعالى رداً على العباس ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ .
المسألة الثانية: عمارة المساجد قسمان: إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه، وإما بالعمارة المعروفة في البناء، فإن كان المراد هو الثاني، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد وإنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظماً والكافر يهينه ولا يعظمه، وأيضاً الكافر نجس في الحكم، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى: ﴿ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ ﴾ وأيضاً الكافر لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين.
وأيضاً إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الإنعام على المسلمين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين.
المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ على الواحد، والباقون ﴿ مساجد الله ﴾ على الجمع حجة ابن كثير وأبي عمرو وقوله: ﴿ عمارة المسجد الحرام ﴾ وحجة من قرأ على لفظ الجمع وجوه: الأول: أن يراد المسجد الحرام.
وإنما قيل: مساجد لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد.
والثاني: أن يقال: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ معناه: ما كان للمشركين أن يعمروا شيئاً من مساجد الله، وإذا كان الأمر كذلك، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد وأعظمها.
الثالث: قال الفراء: العرب قد يضعون الواحد مكان الجمع والجمع مكان الواحد أما وضع الواحد مكان الجمع ففي قولهم فلان كثير الدرهم وأما وضع الجمع مكان الواحد ففي قولهم فلان يجالس الملوك مع أنه لا يجلس إلا مع ملك واحد.
الرابع: أن المسجد موضع السجود، فكل بقعة من المسجد الحرام فهي مسجد.
المسألة الرابعة: قال الواحدي: دلت على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته ويمنع عن دخول المساجد، وإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد، ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد، وهم كفار وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر.
أما قوله تعالى: ﴿ شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ﴾ قال الزجاج: قوله: ﴿ شاهدين ﴾ حال والمعنى ما كان لهم أن يعمروا المساجد حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، وذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها: الأول: وهو الأصح أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك كفر، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين الثاني: قال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر، هو أن النصراني إذا قيل له من أنت فيقول: نصراني واليهودي يقول يهودي وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه الأول.
الثالث: أن الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن فلعل المراد ذلك.
الرابع: أنهم كانوا يطوفون عراة يقولون لا نطوف عليها بثياب عصينا الله فيها، وكلما طافوا شوطاً سجدوا للأصنام، فهذا هو شهادتهم على أنفسهم بالشرك.
الخامس: أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.
السادس: نقل عن ابن عباس: أنه قال: المراد أنهم يشهدون على الرسول بالكفر.
قال: وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ قال القاضي: هذا الوجه عدول عن الحقيقة، وإنما يجوز المصير إليه لو تعذر إجراء اللفظ على حقيقته.
أما لما بينا أن ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز.
وأقول: لو قرأ أحد من السلف ﴿ شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ﴾ من قولك: زيد نفيس وعمرو أنفس منه، لصح هذا الوجه من عدول فيه عن الظاهر.
ثم قال: ﴿ أولئك حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ والمراد منه: ما هو الفصل الحق في هذا الكتاب، وهو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر، مثل إكرام الوالدين، وبناء الرباطات، وإطعام الجائع، وإكرام الضيف فكل ذلك باطل، لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الاْشياء فلا يبقى لشيء منها أثر في استحقاق الثواب والتعظيم مع الكفر.
وأما الكلام في الأحباط فقد تقدم في هذا الكتاب مراراً فلا نعيده.
ثم قال: ﴿ وَفِى النار هُمْ خالدون ﴾ وهو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار.
واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلداً في النار من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَفِى النار هُمْ خالدون ﴾ يفيد الحصر، أي هم فيها خالدون لا غيرهم، ولما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار، ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر.
الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار على كفرهم، ولو كان هذا الحكم ثابتاً لغير الله لما صح تهديد الكافر به، ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفاً بصفات أربعة: الصفة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الأخر ﴾ وإنما قلنا إنه لابد من الإيمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه، فما لم يكن مؤمناً بالله، امتنع أن يبني موضعاً يعبد الله فيه، وإنما قلنا إنه لابد من أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى.
فإن قيل: لم لم يذكر الإيمان برسول الله؟
قلنا فيه وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون: إن محمداً إنما ادعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك، فهاهنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيهاً للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر.
الثاني: أنه لما ذكر الصلاة، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافياً.
الثالث: أنه ذكر الصلاة، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ذكر الصلاة دليلاً على النبوة من هذا الوجه.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ والسبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات، فالإنسان ما لم يكن مقراً بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وآتى الزكاة ﴾ .
واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيماً للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به، وإذا كان مؤتياً للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به.
وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضاً لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد نافلة، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤدياً للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد.
والصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن أبا بكر رضي الله عنه بنى في أول الإسلام على باب داره مسجداً وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن والكفار يؤذونه بسببه، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة، يعني إنا وإن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت إليهم ولا يخشاهم ولكنه يبني المسجد للخوف من الله تعالى.
الثاني: يحتمل أن يكون المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال إن فلاناً يبني مسجداً، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله.
فإن قيل: كيف قال: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ والمؤمن قد يخاف الظلمة والمفسدين؟
قلنا: المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في باب الدين، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره.
اعلم أنه تعالى قال: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءَامَنَ بالله ﴾ أي من كان موصوفاً بهذه الصفات الأربعة وكلما وردت ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر وفيه تنبيه على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث وإصلاح مهمات الدنيا.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة» وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» قال عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى: «إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها عمارها طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره» وعنه عليه الصلاة والسلام: «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» وعنه عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في المسجد ضوؤه» وهذه الأحاديث نقلها صاحب الكشاف.
ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال: ﴿ فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال المفسرون: ﴿ عَسَى ﴾ من الله واجب لكونه متعالياً عن الشك والتردد.
الثاني: قال أبو مسلم: ﴿ عَسَى ﴾ هاهنا راجع إلى العباد وهو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ والتحقيق فيه أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز بالثواب، لأنه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد من القيود المعتبرة في حصول القبول.
والثالث: وهو أحسن الوجوه ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن المراد منه تبعيد المشركين عن مواقف الاهتداء، وحسم أطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها، فإنه تعالى بين أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليها الخشية من الله، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائراً بين لعل وعسى فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى وفي هذا الكلام ونحوه لطف بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ما صحّ لهم ما استقام ﴿ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام، لقوله: ﴿ وَعِمَارَةَ المسجد الحرام ﴾ وأما القراءة بالجمع ففيها وجهان، أحدهما: أن يراد المسجد الحرام، وإنما قيل مساجد لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها؛ فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد.
والثاني: أن يراد جنس المساجد، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها، دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته وهو آكد، لأنّ طريقته طريقة الكناية، كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله، كنت أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك.
و ﴿ شاهدين ﴾ حال من الواو في ﴿ يَعْمُرُواْ ﴾ والمعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة متعبدات الله، مع الكفر بالله وبعبادته.
ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر: ظهور كفرهم وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون عراة ويقولون: لا نطوف عليها بثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا بها شوطاً سجدوا لها.
وقيل: هو قولهم لبيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك.
وقيل: قد أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر فعيروهم بالشرك، فطفق عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، وأغلظ له في القول.
فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا.
فقال: أو لكم محاسن؟
قالوا: نعم ونحن أفضل منكم أجراً.
إنا لنعمر المسجد الحرام.
ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج ونفك العاني، فنزلت ﴿ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ التي هي العمارة والحجابة والسقاية وفك العناة.
وإذا هدم الكفر أو الكبيرة الأعمال الثابتة الصحيحة إذا تعقبها، فما ظنك بالمقارن.
وإلى ذلك أشار في قوله: ﴿ شاهدين ﴾ حيث جعله حالاً عنهم ودلّ على أنهم قارنون بين العمارة والشهادة بالكفر على أنفسهم في حال واحدة، وذلك محال غير مستقيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ما صَحَّ لَهم.
﴿ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ فَضْلًا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وقِيلَ هو المُرادُ وإنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها فَعامِرُهُ كَعامِرِ الجَمِيعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ بِالتَّوْحِيدِ.
﴿ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ﴾ بِإظْهارِ الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، وهو حالٌ مِنَ الواوِ والمَعْنى ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ بَيْتِ اللَّهِ وعِبادَةِ غَيْرِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ عَيَّرَهُ المُسْلِمُونَ بِالشِّرْكِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وأغْلَظَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القَوْلِ فَقالَ: ما بالُكم تَذْكُرُونَ « مَساوِينا» وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَفُكَّ العانِيَ فَنَزَلَتْ: ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ وَفِي النّارِ هم خالِدُونَ ﴾ لِأجْلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} ما صح لهم وما استقام {أن يعمروا مساجد الله} مسجد الله مكي وبصري يعني المسجد الحرام وإنما
التوبة (١٧ _ ١٩)
جمع في القراءة بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد ولأن كل بقعة منه مسجد أو أريد جنس المساجد وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس وهو آكد إذ طريقه طريق الكناية كما تقول فلان لا يقرأ كتب الله فإنه أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك {شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} باعترافهم بعبادة الأصنام وهو حال من الواو في يَعْمُرُواْ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم وَفِى النار هُمْ خالدون} دائمون
﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لَهم ولا يَلِيقُ وإنْ وقَعَ ﴿ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُضافٌ فَيَعُمُّ ويَدْخُلُ فِيهِ المَسْجِدُ الحَرامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَعْمِيرُهُ مَناطُ افْتِخارِهِمْ، ونَفْيُ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ عَنِ الفَرْدِ المُعَيَّنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها المُتَوَجِّهَةُ إلَيْهِ مَحارِيبُها فَعامِرُهُ كَعامِرِها، أوْ لِأنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ ناحِيَةٌ مِن نَواحِيهِ المُخْتَلِفَةِ مَسْجِدٌ عَلى حِيالِهِ بِخِلافِ سائِرِ المَساجِدِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ، وابْنِ كَثِيرٍ، وكَثِيرٍ ( مَسْجِدَ ) بِالتَّوْحِيدِ، وحَمَلَ بَعْضُهم ( ما كانَ ) عَلى نَفْيِ الوُجُودِ والتَّحَقُّقِ، وقُدِّرَ بِأنْ يَعْمُرُوا بِحَقٍّ لِأنَّهم عَمَرُوها بِدُونِهِ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْنا ﴿ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ﴾ بِإظْهارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: نَحْنُ كُفّارٌ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ كَفَرْنا بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( ﴿ يَعْمُرُوا ﴾ ) قِيلَ: أيْ ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ البَيْتِ والكُفْرِ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مُحالٌ أنْ يَكُونَ ما سَمَّوْهُ عِمارَةَ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُلابَسَتِهِمْ لِما يُنافِيها ويُحْبِطُها مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ العِمارَةِ في شَيْءٍ، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ المَعْنى ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُعْرِبٍ عَنْ كُنْهِ المَرامِ، فَإنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ الجَمِيعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ إنَّما يَسْتَدْعِي انْتِفاءَ أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ لا انْتِفاءَ العِمارَةِ الَّذِي هو المَقْصُودُ، وظاهِرُهُ أنَّ النَّفْيَ في الكَلامِ راجِعٌ إلى المُقَيِّدِ، وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ( ما كانَ ) نَفْيَ اللِّياقَةِ عَلى ما ذَكَرْنا، والغَرَضُ إبْطالُ افْتِخارِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِ بِما يُنافِيهِ وهو الشِّرْكُ، وجُوِّزَ أنْ يُوَجَّهَ النَّفْيُ إلى القَيْدِ كَما هو الشّائِعُ وتُكَلِّفُ لَهُ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، ولَعَلَّ مَن قالَ في بَيانِ المَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا إلَخْ جُعِلَ مَحَطُّ النَّظَرِ المُقارَنَةَ الَّتِي أشْعَرَ بِها الحالَ، ومَعَ هَذا لا يَأْبى أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ نَظَرًا لِلْمَقامِ نَفْيَ صِحَّةِ الِافْتِخارِ بِالعِمارَةِ والسِّقايَةِ فَتَدَبَّرْ جِدًّا.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقامَ لِنَفْيِ الِافْتِخارِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ عَيَّرَهُ المُسْلِمُونَ بِالشِّرْكِ وقَطِيعَةِ الرَّحْمَنِ وأغْلَظَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في القَوْلِ، فَقالَ: تَذْكُرُونَ مَساوِينا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ ونَقْرِي الحَجِيجَ ونَفُكُّ العانِيَ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوَهُ ( ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ ﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الكُفْرِ فَصارَتْ كَلا شَيْءٍ ﴿ وفِي النّارِ هم خالِدُونَ ﴾ لِعِظَمِ ما ارْتَكَبُوهُ، وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومُراعاةً لِلْفاصِلَةِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ( ﴿ حَبِطَتْ ﴾ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِأُولَئِكَ، وقِيلَ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ كَجُمْلَةِ ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ ﴾ وفائِدَتُهُما تَقْرِيرُ النَّفْيِ السّابِقِ الأُولى مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِتْباعِ الثَّوابِ والثّانِيَةُ مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِدْفاعِ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ، قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مَساجِدَ بلفظ الجماعة، وكذلك الثاني يعني: جميع المساجد.
وقرأ الباقون الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف.
وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف، يعني: المسجد الحرام.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف، يعني: المسجد الحرام.
ومن قرأ مَساجِدَ أيضاً، يجوز أن يحمل على المسجد الحرام، لأنه يذكر المساجد ويريد به مسجدا واحدا، كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: 51] ، يعني به: النبي .
ثم قال تعالى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، يعني: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، يعني: لا ثواب لهم بغير إيمان.
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، يعني: بطل ثواب أعمالهم، ويقال: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: كلامهم يشهد عليهم بالكفر.
وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ، يعني: يكونون في النار هم دائمون، ويقال: شاهدين على أنفسهم يوم القيامة، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان.
وروى أسباط، عن السدي في قوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أنه قال: يسأل النصراني ما أنت؟
فيقول: نصراني، ويسأل اليهودي ما أنت؟
فيقول: يهودي، ويسأل المشرك ما أنت؟
فيقول: مشرك، فذلك قوله تعالى شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ.
ويقال: الآية نزلت في شأن العباس حين أُسِر يوم بدر، فأقبل عليه نفر من المهاجرين وعيّروه بقتال النبيّ وبقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟» فقال له عليّ : «فهل لكم من المحاسن شيء؟» فقال: «نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف» فنزل مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ إلى قوله: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ.
قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، يعني: صدق بوحدانية الله تعالى.
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يعني: آمن بالبعث بعد الموت، لأن عمارة المسجد بإقامة الجماعات، وهم كانوا لا يقيمون الصلاة، فلم يكن ذلك عمارة المسجد، فذلك قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ، يعني: يداوم على الصلوات الخمس، ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها، وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة، وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يعني: ولم يعبد إلا الله ولم يوحّد غيره فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، يعني: أُولئك هم المهتدون لدينه، ولهم ثواب أعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ جمهور الناس: و «يَتُوبُ» «١» - بالرفع-، على القطْع مما قبله، والمعنَى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يَتُوبُ على بعض هؤلاء الكَفَرة الذين أَمَرَ بقتالهم.
وعبارةُ ص: و «يَتُوب» ، الجمهورُ بالرّفْعِ على الاستئناف، وليس بداخلٍ في جوابِ الأمر لأن توبته سبحانه على مَنْ يشاء لَيْسَتْ جزاءً على قتال الكُفَّار.
انتهى.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)
وقوله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ...
الآية: خطابٌ للمؤمنين كقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ...
الآية [آل عمران:
١٤٢] ومعنى الآية: أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحانٍ، والمراد بقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ، أي: لم يعلم اللَّه ذلك موْجُوداً كما عَلِمَهُ أَزلاً بشرط الوجود، وليس يَحْدُثُ له علم تبارك وتعالى عن ذلك، ووَلِيجَةً: معناه: بِطَانَة ودَخِيلة، وهو مأخوذ من الوُلُوج، فالمعنى: أَمْراً باطناً مما يُنْكَر، وفي الآيةِ طَعْنٌ على المنافقين الذين اتخذوا الوَلاَئِجَ، قال الفَخْر «٢» : قال أبو عُبَيْدَة: كلّ شيءٍ أدخلْتَه في شيءٍ ليس منه، فهو وَلِيجةٌ، وأصله من الوُلُوج، قال الواحديُّ يقال: هو وَلِيجَةٌ، للواحدِ والجمع.
انتهى.
وقوله سبحانه: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، إِلى قوله: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ...
الآية، لفظ هذه الآية الخَبَرُ، وفي ضمنها أمر المُؤمنين بِعَمارة المساجد، وروي أبو سعيدٍ الخدريّ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ، فاشهدوا له بالإيمان» «٣» .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ما كانَ لَلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرَوا مَسْجِدَ اللَّهِ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "مَسْجِدُ اللَّهِ" عَلى التَّوْحِيدِ، "إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ" عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى الجَمْعِ فِيهِما.
وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ جَماعَةً مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِيهِمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَعَيَّرُوهم بِالشِّرْكِ، وجَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يُوَبِّخُ العَبّاسَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقالَ العَبّاسُ: ما لَكم تَذْكُرُونَ مَساوِئَنا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا؟
فَقالُوا وهَلْ لَكَمَ مِن مَحاسِنَ؟
قالُوا: نَعَمْ، لَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا؛ إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ، ونَسْقِيَ الحَجِيجَ، ونَفُكَّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ في جَماعَةٍ.
وَفِي المُرادِ بِالعِمارَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: دُخُولُهُ والجُلُوسُ فِيهِ.
والثّانِي: البِناءُ لَهُ وإصْلاحُهُ؛ فَكِلاهُما مَحْظُورٌ عَلى الكافِرِ.
والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ مَنعُهم مِن ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: شاهِدَيْنِ حالٌ.
المَعْنى: ما كانَتْ لَهم عِمارَتُهُ في حالِ إقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ، ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ لِأنَّ كُفْرَهم أذْهَبَ ثَوابَها.
فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم عَلى الصَّوابِ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ اليَهُودِيِّ: أنا يَهُودِيٌّ: وقَوْلُ النَّصْرانِيِّ: أنا نَصْرانِيٌّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهم ثَبَتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الكُفْرَ بِعُدُولِهِمْ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ، وهو حَقٌّ لا يَخْفى عَلى مُمَيَّزٍ، فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم آَمَنُوا بِأنْبِياءٍ شَهِدُوا لَمُحَمَّدٍ بِالتَّصْدِيقِ، وحَرَّضُوا عَلى اتِّباعِهِ، فَلَمّا آَمَنُوا بِهِمْ وكَذَّبُوهُ، دَلُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ هي تَبْيِينٌ وإظْهارٌ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الرَّسُولَ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ؟
فالجَوابُ: أنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى الرَّسُولِ، لَقَوْلِهِ: ﴿ وَأقامَ الصَّلاةَ ﴾ أيِ: الصَّلاةُ الَّتِي جاءَ بِها الرَّسُولُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَإنْ قِيلَ: (فَعَسى) تَرَجٍّ، وفاعِلُ هَذِهِ الخِصال مُهْتَدٍ بِلا شَكٍّ.
فالجَوابُ: أنْ "عَسى" مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ.
فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، كانَ مَن أهْلِ عِمارَتِها؛ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن عَمَّرَها كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهُ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النارِ هم خالِدُونَ ﴾ "أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتِ المُعادِلَةَ، وإنَّما هي المُتَوَسِّطُ في الكَلامِ، وهي عِنْدُ سِيبَوَيْهِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إضْرابًا عَنِ اللَفْظِ لا مَعْناهُ، واسْتِفْهامًا، فَهي تَسُدُّ مَسَدَّ "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، وهي الَّتِي في قَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، التَقْدِيرُ: بَلْ أهِيَ شاءٌ؟
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تُتْرَكُوا ﴾ يَسُدُّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أنْ" وما بَعْدَها مَفْعُولٌ أوَّلُ، والثانِي مَحْذُوفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ تَقْدِيرَهُ: مُهْمَلِينَ، أو سُدًى، ونَحْوُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَمّا" هي "ما" دَخَلَتْ عَلى "لَمْ" وفِيها مُبالَغَةٌ، ومَعْنى الآيَةِ: أظْنَنْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا دُونَ اخْتِبارٍ وامْتِحانٍ؟
فَـ "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشاعِرِ: بِأيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُيُوفَهم ∗∗∗ ولَمْ تَكْثُرِ القَتْلى بِها حِينَ سُلَّتِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ ﴾ لَمّا يَعْلَمْ ذَلِكَ مَوْجُودًا كَما عَلِمَهُ أزَلًا بِشَرْطِ الوُجُودِ، ولَمّا يَظْهَرْ فِعْلُكم واكْتِسابُكُمُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الثَوابُ والعِقابُ، فَفي العِبارَةِ تَجَوُّزٌ، وإلّا فَحَتْمٌ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ اللهُ في الأزَلِ الَّذِينَ وصَفَهم بِهَذِهِ الصِفَةِ مَشْرُوطًا وُجُودُهُمْ، ولَيْسَ يَحْدُثُ لَهُ عِلْمٌ تَبارَكَ وتَعالى عن ذَلِكَ.
و ﴿ وَلِيجَةً ﴾ مَعْناهُ: بِطانَةً ودَخِيلَةً، وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدى ومَحْضَرِ ∗∗∗ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يُتَخَوَّفُ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الوُلُوجِ، فالمَعْنى: أمْرًا باطِنًا مِمّا يُنْكِرُهُ الحَقُّ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُخاطِبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعْناها أنَّهُ لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِهِمْ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ ، وفي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَما فُرِضَ القِتالُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ -فِي رِوايَةِ رُؤَيْسٍ- وسَلامٍ بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ بِحَقِّ الواجِبِ أنْ يَعْمُرُوا، وهَذا هو الَّذِي نَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإلّا فَقَدْ عَمَّرُوا مَساجِدَهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا وتَغَلُّبًا وظُلْمًا، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والجَحْدَرِيِّ: "مَسْجِدَ اللهِ" بِالإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ: "مَساجِدَ" بِالجَمْعِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرٍو: "مَسْجِدَ" بِالإفْرادِ في هَذا المَوْضِعِ الأوَّلِ، و"مَساجِدَ" بِالجَمْعِ في الثانِي، كَأنَّهُ ذَكَرَ أوَّلًا فِيهِ النازِلَةَ ذَلِكَ الوَقْتَ، ثُمَّ عَمَّمَ المَساجِدَ ثانِيًا في الحُكْمِ الثابِتِ ما بَقِيَتِ الدُنْيا، ولَفْظُ الجَمْعِ يَقْتَضِي عُمُومَ المَساجِدِ كُلِّها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ في المَوْضِعَيْنِ وحْدَهُ عَلى أنْ يُقَدَّرَ كُلُّ مَوْضِعِ سُجُودٍ فِيهِ مَسْجِدًا ثُمَّ يُجْمَعُ، ولَفْظُ الإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ يَقْتَضِي خُصُوصَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحْدَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَيَعُمَّ المَساجِدَ كُلَّها، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ إضافَتُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن لا بَصَرَ لَهُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الثانِي في هَذِهِ القِراءَةِ يُرادُ بِهِ الأوَّلُ وسائِرُ المَساجِدِ كُلُّها حُكْمُها حُكْمُ المَسْجِدِ الحَرامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ﴾ إشارَةٌ إلى حالِهِمْ، إذْ أقْوالُهم وأفْعالُهم تَقْتَضِي الإقْرارَ بِالكُفْرِ والتَحَلِّيَ بِهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى قَوْلِهِمْ في التَلْبِيَةِ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ" ونَحْوُ ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ قالَ: الإشارَةُ إلى أنَّ النَصْرانِيَّ كانَ يَقُولُ: أنا نَصْرانِيٌّ، واليَهُودِيُّ كَذَلِكَ، والوَثَنِيُّ يَقُولُ: أنا مُشْرِكٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَمْ يُحْفَظْ، ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ أعْمالَهم قَدْ حَبِطَتْ، أيْ: بَطَلَتْ، ولا أحْفَظُها تُسْتَعْمَلُ إلّا في السَعْيِ والعَمَلِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَبَطِ وهو داءٌ قاتِلٌ يَأْخُذُ السائِمَةَ إذا رَعَتْ وبِيلًا، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ مِمّا يَنْبُتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"» الحَدِيثُ.
<div class="verse-tafsir"
هذا ابتداء غرض من أغراض معاملة المشركين، وهو منع المشركين من دخول المسجد الحرام في العام القابل، وهو مرتبط بما تضمّنته البراءة في قوله: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ﴾ [التوبة: 1] ولِمَا اتّصَل بتلك الآية من بيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل به مع أبي بكر الصديق: أنْ لا يَحُج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عُريان.
وهو توطئة لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ [التوبة: 28].
وتركيب (ما كان لهم أن يفعلوا) يدلّ على أنّهم بُعداء من ذلك، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ﴾ في سورة آل عمران (79)، أي ليسوا بأهل لأن يعمروا مساجد الله بما تعمر به من العبادات.
ومَساجد الله} مواضع عبادته بالسجود والركوع: المراد المسجدُ الحرام وما يتبعه من المسعى، وعرفةُ، والمشعرُ الحرام، والجَمَرات، والمَنْحر من منى.
وعمْر المساجد: العبادةُ فيها لأنّها إنّما وضعت للعبادة، فعَمْرها بمن يحلّ فيها من المتعبّدين، ومن ذلك اشتقّت العُمرة، والمعنى: ما يحقّ للمشركين أن يعبدوا الله في مساجد الله.
وإناطة هذا النفي بهم بوصف كونهم مشركين: إيماء إلى أنّ الشرك موجب لحرمانهم من عمارة مساجد الله.
وقد جاء الحال في قوله: ﴿ شاهدين على أنفسهم بالكفر ﴾ مبيِّناً لسبب براءتهم من أن يعمروا مساجد الله، وهو حال من ضمير ﴿ يعمروا ﴾ فبين عامل الضمير وهو ﴿ يعمروا ﴾ الداخلُ في حكم الانتفاء، أي: انتفى تأهّلهم لأن يعمروا مساجد الله بحال شهادتهم على أنفسهم بالكفر، فكان لهذه الحال مزيد اختصاص بهذا الحرمان الخاص من عمارة مساجد الله، وهو الحرمان الذي لا استحقاق بعده.
والمراد بالكفر: الكفر بالله، أي بوحدانيته، فالكفر مرادف للشرك، فالكفر في حدّ ذاته موجب للحرمان من عمارة أصحابِه مساجد الله، لأنّها مساجد الله فلا حقّ لغير الله فيها، ثم هي قد أقيمت لعبادة الله لا لغيره، وأقام إبراهيم عليه السلام أوّل مسجد وهو الكعبة عنواناً على التوحيد، وإعلاناً به، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً ﴾ في سورة آل عمران (96)، فهذه أوّل درجة من الحرمان.
ثم كونُ كفرهم حاصلاً باعترافهم به موجبٌ لانتفاء أقلّ حظ من هذه العمارة، وللبراءة من استحقاقها، وهذه درجة ثانية من الحرمان.
وشهادتهم على أنفسهم بالكفر حاصلة في كثير من أقوالهم وأعمالهم، بحيث لا يستطيعون إنكار ذلك، مثل قولهم في التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، ومثل سجودهم للأصنام، وطوافهم بها، ووضعهم إيّاها في جوف الكعبة وحولَها وعلى سطحها.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بإفراد مسجد الله } أي المسجد الحرام وهو المقصود، أو التعريف بالإضافة للجنس.
وقرأ الباقون: ﴿ مسَاجد الله ﴾ ، فيعمّ المسجد الحرام وما عددناه معه آنفاً.
وجملة ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ ابتداءُ ذم لهم، وجيء باسم الإشارة لأنّهم قد تميّزوا بوصف الشهادة على أنفسهم بالكفر كما في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] بعد قوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2] الآية.
و ﴿ حبطت ﴾ بطلت، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ في سورة البقرة (217).
وتقديم في النار } على ﴿ خالدون ﴾ للرعاية على الفاصلة ويحصل منه تعجيل المساءة للكفار إذا سمعوه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي المَسْجِدَ الحَرامَ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كانَ لَهم أنْ يَعْمُرُوها بِالكُفْرِ لِأنَّ مَساجِدَ اللَّهِ تَعالى تُعَمَّرُ بِالإيمانِ.
والثّانِي: ما كانَ لَهم أنْ يُعَمِّرُوهُ بِالزِّيارَةِ لَهُ والدُّخُولِ إلَيْهِ.
﴿ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ فِيما يَقُولُونَهُ أوْ يَفْعَلُونَهُ دَلِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ إقْرارُهُمْ، فَكَأنَّ ذَلِكَ مِنهم هو شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: يَعْنِي شاهِدِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِالكُفْرِ لِأنَّهم كَذَّبُوهُ وأكْفَرُوهُ وهو مِن أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا سُئِلَ ما أنْتَ؟
قالَ: نَصْرانِيٌّ، واليَهُودِيُّ إذا سُئِلَ قالَ: يَهُودِيٌّ، وعابِدُ الوَثَنِ يَقُولُ: مُشْرِكٌ، وكانَ هَؤُلاءِ كُفّارًا وإنْ لَمْ يُقِرُّوا بِالكُفْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ في هَذِهِ المَساجِدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَواضِعُ السُّجُودِ مِنَ المُصَلّى، فَعَلى هَذا عِمارَتُها تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالمُحافَظَةِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ.
والثّانِي: بِتَرْكِ الرِّياءِ.
والثّالِثُ: بِالخُشُوعِ والإعْراضِ عَمّا يَنْهى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها بُيُوتُ اللَّهِ تَعالى المُتَّخَذَةُ لِإقامَةِ الصَّلَواتِ، فَعَلى هَذا عِمارَتُها تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّما يُعَمِّرُها بِالإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: إنَّما يُعَمِّرُها بِالزِّيارَةِ لَها والصَّلاةِ فِيها مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: إنَّما يَرْغَبُ في عِمارَةِ بِنائِها مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى.
﴿ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهم تَحْذِيرًا مِن فِعْلِ ما يُخالِفُ هِدايَتَهم.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ (عَسى) مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ وإنْ كانَتْ مِن غَيْرِهِ تَرَجِّيًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ وقال: ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ﴾ فنفي المشركين من المسجد يقول: من وحَّد الله وآمن بما أنزل الله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ يقول: لم يعبد إلا الله ﴿ فعسى أولئك ﴾ يقول: أولئك هم المهتدون كقوله لنبيه ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ [ الاسراء: 79] يقول: إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله ﴾ قال: إنما هو مسجد واحد.
وأخرج ابن المنذر عن حماد قال: سمعت عبد الله بن كثيِّر يقرأ هذا الحروف ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله...، إنما يعمر مسجد الله ﴾ .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان، قال الله: ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله وباليوم الآخر ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ويأتي المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله.
قال الله: ﴿ إنما يعمر مساجد الله ﴾ الآية.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه يقول: إني لأهمُّ بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى عُمّار بيوتي، والمتحابين فيّ، والمستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم» .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن معمر عن رجل من قريش يرفع الحديث قال: يقول الله تبارك وتعالى «إن أحب عبادي إليّ الذين يتحابون فيّ، والذين يعمرون مساجدي، والذين يستغفرون بالأسحار، أولئك الذين إذا أردت بخلقي عذاباً ذكرتهم فصرفت عذابي عن خلقي» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبزار وحسنه والطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كتب إلى سلمان: يا أخي، ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسجد بيت كل تقي» ، وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة، والجواز إلى الصراط إلى رضوان الرب.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة رضي الله عنه قال: كان يقال: ما زي المسلم إلا في ثلاث: في مسجد يعمره، أو بيت يكنه، أو ابتغاء رزق من فضل ربه.
وأخرج أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي في جزئه المشهور بنسخة أبي مسهر عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال: المساجد مجالس الكرام.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للمساجد أوتاد، الملائكة جلساؤهم، إن غابوا يفتقدونهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم، ثم قال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد، أو كلمة محكمة، أو رحمة منتظرة» .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بيوت الله في الأرض المساجد، وإن حقاً على الله أن يكرم الزائر» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في شعب الايمان عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال: أخبرنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن المساجد بيوت الله في الأرض، وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها.
وأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عاهة من السماء أنزلت صرفت عن عُمار المساجد» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: إن للمساجد أوتاداً هم عُمارها، وإن لهم جلساء من الملائكة تفتقدهم الملائكة إذا غابوا، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ألف المسجد ألفه الله» .
وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخاً مستفاداً في الله، وعلماً مستظرفاً، وكلمة تدعوه إلى الهدى، وكلمة تصرفه عن الردى، ويترك الذنوب حياء وخشية أو نعمة أو رحمة منتظرة» .
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر» .
وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان موقوفاً.
وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بشر المشائين في ظلم الليالي بالنور التام يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نوراً يوم القيامة» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغدوّ والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مغفل رضي الله عنه قال: كنا نتحدث أن المسجد حصن حصين من الشيطان.
وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض.
وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً أوسع منه في الجنة» .
وأخرج أحمد والطبراني عن بشر بن حيان قال: جاء واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ونحن نبني مسجدنا، فوقف علينا فسلم ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجداً يصلي فيه بنى الله له بيتاً في الجنة أفضل منه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبزار عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتاً في الجنة» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى مسجداً لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتاً في الجنة» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بنى بيتاً يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتاً في الجنة من در وياقوت» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى مسجداً يذكر اسم الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابنوا المساجد واتخذوها حمى» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمرنا أن نبني المساجد جماً والمدائن شرفاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهينا أن نصلي في مسجد مشرف.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال: إنما كانت المساجد جماً، وإنما شرف الناس حديثاً من الدهر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان يقال: ليأتين على الناس زمان يبنون المساجد يتباهون بها، ولا يعرفونها إلا قليلاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن الأصم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لتزخرفن مساجدكم كما زخرفت اليهود والنصارى مساجدهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رضي الله عنه قال: إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم.
وأخرج الطبراني في مسند الشاميين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من علق قنديلاً في مسجد صلى عليه سبعون ألف ملك، واستغفر له ما دام ذلك القنديل يقد» .
وأخرج سليم الرازي في الترغيب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه» .
وأخرج أبو بكر الشافعي رضي الله عنه في رباعيته والطبراني عن أبي قرصافة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها.
وسمعته يقول: اخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين، وسمعته يقول: من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة.
فقالوا: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطرق؟
فقال: وهذه المساجد التي تبنى في الطرق» .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: «مررت مع النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة، فرأى قبة من لبن فقال: لمن هذه؟
قلت: لفلان.
فقال: إن كلَّ بناء كلَّ على صاحبه يوم القيامة إلا ما كان من مسجد، ثم مر فلم يرها قال: ما فعلت القبة؟
قلت: بلغ صاحبها ما قلت، فهدمها فقال: رحمه الله» .
وأخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: يقول الله «إني لأهمّ بعذاب أهل الأرض، فإذا نظرت إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإِسلام سكن غضبي» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ﴾ الآية، قال ابن عباس: "لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم وأغلظ عليّ القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟
قال له علىّ: ألكم محاسن؟!
فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله -عز وجل- ردًا على العباس ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ (١) ومعنى ما كان لهم ذلك: أنه أوجب على المسلمين منعهم عن ذلك، وأكثر المفسرين حملوا العمارة ههنا على دخول المسجد الحرام (٢) (٣) (٤) (٥) وقال الحسن: "يقول (٦) (٧) (٨) وذهب آخرون إلى (٩) (١٠) (١١) واختلف القراء في قوله: ﴿ مَسَاجِدَ اللَّهِ ﴾ فقرأ أبو عمرو وابن كثير على التوحيد (١٢) ﴿ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ ومن جمع فحجته أن المشركين ليسوا بأولياء لمساجد المسلمين، لا المسجد الحرام ولا غيره [وإذا لم يكونوا أولياءها لم يكن لهم عمارتها، إنما عمارتها للمسلمين الذين هم أولياؤه (١٣) (١٤) ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ﴾ ، قال الفراء في هذه الآية: "ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع، ألا ترى الرجل على البرذون (١٥) (١٦) (١٧) جاء الشتاء وقميصي أخلاق (١٨) وقوله تعالى: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ ، قال الزجاج: "شاهدين" (١٩) (٢٠) (٢١) ومعنى: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ : قال ابن عباس في رواية الضحاك: "شهادتهم على أنفسهم بالكفر: سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنها مخلوقة" (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال الحسن: "لم يقولوا نحن كفار ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بكفرهم" (٢٥) (٢٦) (٢٧) وذكر ابن الأنباري في هذا وجهين: أحدهما: أنه قال: شهادتهم على أنفسهم بالكفر عدولهم عن أمر النبي - - وهو حق لا يخفى على مميز، ولا يرتاب به عاقل، فكانوا (٢٨) والثاني: أنهم آمنوا بأنبياء (٢٩) بالصدق فلما آمنوا بهم وكذبوه دلوا على كفرهم (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: أن أعمالهم لغير الله" (٣٢) وقال الزجاج: "أي كفرهم قد أذهب ثواب أعمالهم" (٣٣) ودلت هذه الآية مع ما ذكرنا من التفسير في العمارة أن الكافر ممنوع من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، ولو أوصى بها (٣٤) وفد ثقيف في المسجد وهم كفار (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (١) ذكره الثعلبي 6/ 84 أ، والمصنف في "أسباب النزول" ص 246 بغير سند، ورواه مختصرًا بن جرير 10/ 95، وابن أبي حاتم 5/ 1765 من طريق الوالبي.
(٢) من (م).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 84 ب، والبغوي 4/ 20، والسمرقندي 2/ 38، والآية التالية وسبب النزول الذي ذكره المؤلف يدلان على أن المراد بالعمارة العمارة المعروفة من البناء والترميم.
(٤) لفظ: (قال) ساقط من (ح).
والقائل ابن عباس، وسيأتي قول الحسن وتخريجه.
(٥) لم أقف عليه فيما بين يديّ من مصادر.
(٦) ساقط من (ى).
(٧) ذكره الثعلبي 6/ 84 ب، والمصنف في "الوسيط" 2/ 482، والبغوي 4/ 20.
(٨) لم أقف عليه يما بين يديّ من مصادر.
(٩) في (ح): زيادة (أن) بعد (إلى).
(١٠) في (ى): (المستهدم، وهما بمعنى واحد، قال في "لسان العرب" (رم) 3/ 1736: "الرم: إصلاح الشيء الذي فسد ..
واسترام الحائط: أي حان له أن يرم إذا بعد عهده بالتطيين".
(١١) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 93، والبغوي 4/ 19، وابن الجوزي 3/ 409، والقرطبي 8/ 90.
(١٢) وكذلك يعقوب، وقرأ باقي العشرة بالجمع.
انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 164، و"تقريب النشر" ص120، و"تحبير التيسير" ص 119.
(١٣) هكذا في (ى) و (م) و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 180 الذي نقك المؤلف النص منه، والسياق يقتضي أن يقول: أولياؤها.
(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(١٥) قال الأزهري في "تهذيب اللغة" (برذن) 1/ 307: "البراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العراب".
(١٦) في (ح) و (ى): (الدراهم، وهو خطأ).
(١٧) صدر بيت وعجزه: شراذم بعجب منه التواق ولم أهتد إلى قائله، وقال البغدادي في "الخزانة" 1/ 234: "نسب أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات هذا البيت إلى بعض الأعراب" اهـ.
والبيت بلا نسبة في "لسان العرب" (توق).
وثوب أخلاق -بالجمع- إذا بلي كله.
وثوب شراذم: قطع، والتواق: اسم ابن الشاعر.
انظر: "خزانة الأدب"، الموضع السابق.
(١٨) اهـ.
كلام الفراء من "معاني القرآن" 1/ 427 مع اختلاف يسير.
(١٩) في (ح): زيادة "على أنفسهم بالكفر" وهذه الزيادة غير موجودة في المصدر.
(٢٠) في (ى): (كان).
(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 437.
(٢٢) رواه الثعلبي 6/ 85 أ، وفي سنده جويبر وهو ضعيف جداً، ثم إن الضحاك لم يلق ابن عباس كما في "تهذيب التهذيب" 2/ 226، ورواه البغوي 4/ 20 مختصرًا.
(٢٣) لم أقف عليه.
(٢٤) في (ى): (قول).
(٢٥) رواه الثعلبي 6/ 85 أ، والبغوي 4/ 20.
(٢٦) ساقط من (ى).
(٢٧) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 93، وابن أبي حاتم 6/ 1765، والثعلبي 6/ 85 أ، والبغوي 4/ 20.
(٢٨) في (م): (كانوا).
(٢٩) في (ي): (بالأنبياء).
(٣٠) هذا الوجه يصح في حق أهل الكتاب دون مشركي العرب فإنهم ما كانوا يؤمنون بالأنبياء، ولا يعرفون الوحي، كما قال تعالى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ﴾ .
(٣١) ذكر قول ابن الأنباري بلفظ مقارب ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 408.
(٣٢) لم أقف عليه.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 437.
(٣٤) أي بالعمارة، وفي (ى): (لها)، أي للمساجد، وأثبت ما في (م) و (ح) لموافقته ما في"تفسير الرازي" 16/ 7 - 8 نقلاً عن الواحدي.
(٣٥) انظر: "مسند الإمام أحمد" 4/ 218، و"سنن أبي داود"، (3025) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر الطائف.
(٣٦) هو: ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي أبو أمامة اليمامي الصحابي، كان سيد أهل اليمامة، وقد حاصر أهل مكة أقتصاديًا ولما ارتد أهل اليمامة في فتنة مسيلمة ثبت هو على إسلامه وقاتل المرتدين من أهل البحرين، وقتل غيلة سنة12هـ.
== انظر: "الاستيعاب" 1/ 287 (282)، و"الإصابة" 1/ 203 (961).
(٣٧) رواه البخاري (469)، كتاب الصلاة، باب دخول المشرك المسجد 1/ 202.
(٣٨) (لأنا) ساقط من (ح).
(٣٩) يعني دخوله المسجد وصلاته فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ أي ليس لهم ذلك بالحق والواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليباً وظلماً، ومن قرأ مساجد بالجمع أراد جميع المساجد، ومن قرأ بالتوحيد أراد المسجد الحرام ﴿ شاهدين على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ أي أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار بالكفر، وقيل: الإشارة إلى قولهم في التلبية: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية: سببها أن قوماً من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام؛ فبين الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه.
وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مسجد الله ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون: على الجمع ﴿ يبشرهم ﴾ خفيفاً: حمزة ﴿ وعشيراتكم ﴾ على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة ﴿ وضاقت ﴾ ونحو ممالة: حمزة ﴿ رحبت ثم ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.
الوقوف: ﴿ بالكفر ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه لئلا يشتبه بالوصف ﴿ وأنفسهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "الذين" ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الإيمان ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ لا لعطف الظرف على الظرف ﴿ حنين ﴾ لا لأن "إذ" ظرف ﴿ نصركم ﴾ .
﴿ مدبرين ﴾ ه ج للآية والعطف.
﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج ﴿ إن شاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: إنه بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها.
قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟
فقال علي ألكم محاسن؟
فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم ﴿ ما كان للمشركين ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿ أن يعمروا مسٰجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام.
ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد.
قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً.
وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات.
وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد.
وقوله ﴿ شاهدين على أنفسهم ﴾ حال من الواو في ﴿ يعمروا ﴾ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به.
وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟
قال: نصراني.
واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن.
وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".
وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر.
وإنما جاز هذا التفسير لقوله ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ ثم بيّن ما هو الحق في هذا الباب فقال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة.
ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه.
وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث: "المصلي يناجي ربه" .
وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره .
وقيل: دل عليه بقوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ لأنهما معلومتان من أفعاله ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة.
ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد.
ثم قال ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له.
فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة.
فقد روي عن النبي أنه قال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وعنه : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" وقال صلى الله عليه وآله: قال الله : "إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره" ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح.
فعن أنس عن النبي : "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه" .
وفي قوله ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟
وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ.
هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب.
وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد.
ثم إنه قال ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر.
قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله ﴿ كمن آمن ﴾ وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج.
وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟
فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل.
وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله ﴿ أولئك أعظم درجة ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة.
وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج.
وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام.
وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية.
ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه.
وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها.
وقال عليّ : ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت.
وعن ابن سيرين: قال عليّ للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي ؟
فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟
فنزلت هذه الآية.
فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا.
فقال النبي : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً" .
والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟
ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ ثم صرح بالمفضول فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله .
وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري.
وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم.
ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.
ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: ﴿ أعظم درجة ﴾ وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة.
وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ .
أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر.
أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة.
ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر.
وفي قوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف عظيم لقوله ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ﴾ وكذا في قوله ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم.
ثم فسر الفوز بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة.
وقوله ﴿ لهم فيها نعيم ﴾ إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات.
ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها ﴿ مقيم ﴾ وثانيها ﴿ خالدين ﴾ وثالثها ﴿ أبداً ﴾ وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به.
وقوله ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية.
وقوله ﴿ جنات ﴾ إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات.
وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها.
ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ ثم أكد المعاني المذكورة بقوله ﴿ الله عنده أجر عظيم ﴾ وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى.
قال الكلبي: لما أمر رسول الله الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ الآيتين.
وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟
فذكر الله أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر.
ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة.
ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك.
وعن النبي : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس" .
وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم..
فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ الآية.
فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك.
وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم.
قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه.
ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع.
ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.
قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه.
والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه.
والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿ فتربصوا ﴾ انتظروا بما تحبون ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة.
وقيل: يعني القتال.
وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد.
ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر.
ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها.
وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد.
والمواطن الكثيرة غزوات الرسول وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح.
﴿ ويوم حنين ﴾ أي يوم حنين.
واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين قال علي: أن الواجب أن يكون يوم ﴿ حنين ﴾ منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ بدل من ﴿ يوم حنين ﴾ فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر".
قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً.
وحنين وداً بين مكة والطائف.
قال المفسرون: لما فتح رسول الله مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.
واختلفوا في عدد عسكر رسول الله حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً.
وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله .
وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.
وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة.
فهذه الكلمة ساءت رسول الله وهي المراد من قوله ﴿ إذ أعجبتكم ﴾ وقيل: قالها أبو بكر.
وقيل: رسول الله وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.
ثم قال ﴿ فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي انهزمتم انهزاماً.
قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب *** وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله حين وقع الهرب.
﴿ وأنزل الله جنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات.
وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا.
واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا.
وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.
ثم قال ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري.
واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله ﴿ وعذب ﴾ على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا ﴾ قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه.
وأجابت الشافعية بأنه قال في هذه الآية ﴿ ذلك ﴾ أي الأخذ والأسر ﴿ جزاء الكافرين ﴾ سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ.
أما قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك ﴾ أي يسلم ناس منهم.
"روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.
قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم.
قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً.
فقام رسول الله فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً.
فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.
قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا.
فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا" .
ثم إنه أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس.
وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس.
قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف.
واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.
وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية.
وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.
وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص.
وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه.
وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك.
وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوهراجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله.
ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم.
وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك.
وقيل:أغناهم من الفيء.
وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم.
واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً.
ومعنى ﴿ إن شاء ﴾ تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عليم ﴾ أي بأحوالكم ﴿ حكيم ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.
التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة ﴿ أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى.
﴿ حبط أعمالهم ﴾ التي صدرت عنهم رياء وسمعة ﴿ إنما يعمر ﴾ القلوب ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية.
﴿ سقاية الحاج ﴾ خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة ﴿ وعمارة المسجد الحرام ﴾ الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ الطالبون والبطالون ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي القلوب المؤمنة ﴿ وهاجروا ﴾ أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب ﴿ وجاهدوا في سبيل الله ﴾ الجهاد الأكبر ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ ببذل الموجود والوجود جميعاً ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره ﴿ لا تتخذوا آباءكم ﴾ الآيتان.
فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي.
﴿ ويوم حنين ﴾ أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة ﴿ وأنزل جنوداً ﴾ من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ﴿ ذلك جزاء الكافرين ﴾ أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلكالعلاج بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ، ﴿ إنما المشركون ﴾ النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى ﴿ فلا يقربوا ﴾ القلب ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس ﴿ فسوف يغنيكم الله ﴾ بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية ﴿ إن الله عليم ﴾ بمستحقي فضله ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من قتال النفوس.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .
وأيضاً قوله: [ ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ وقوله أيضاً]: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ الآية [البقرة: 214]، وقوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ...
﴾ الآية [ العنكبوت: 2] هذه الآيات كلها في المنافقين الذين أظهروا الإيمان باللسان، وأروا المؤمنين الذين حققوا الإيمان وأخلصوا الإسلام الموافقة لهم، فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ ﴾ على ما أظهرتم من الإيمان باللسان فلا تبتلون بالقتال؛ جعل الله - - القتال مع الكفرة - والله أعلم - وأمر به لمعنيين: أحدهما: تطهيراً للأرض من الكفر؛ كقوله - -: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ .
والثاني: امتحاناً للمنافقين؛ ليبين نفاق من أظهر الإيمان باللسان مراءاة، وصدق من أظهره حقيقة؛ ليعرف المحق المخلص من المنافق المرائي؛ لأن القتال هو أرفع أعلام يظهر بها نفاق المنافق؛ لأنهم إنما كانوا يظهرون الموافقة لهم؛ طمعاً في الدنيا؛ لتسلم لهم المنافع التي كانوا ينتفعون بها، وفي الأمر بالقتال خوف الهلاك، فإذا خافوا الهلاك على أنفسهم امتنعوا عنه؛ كقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ الآية [الأحزاب: 18]؛ خوفاً وإشفاقاً على أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم إنما كانوا يظهرون الإيمان باللسان؛ ليسلم لهم ما طمعوا من المنافع؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ الآية [الحج: 11]، هذا وصف المنافق.
وأما المؤمن المحق للإيمان، المخلص للإسلام: فإنه يسلم نفسه لله في جميع أحواله، وإن كان فيه تلف نفسه؛ لما لم تكن عبادته لله على حرف ووجه كالمنافق، ولكن على الوجوه كلها، والأحوال جميعاً، عبادته تكون لله، لا يمنعه خوف الهلاك عن القتال؛ بل نفسه تخضع لذلك وترضى، ولا كذلك المنافق.
وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب والإلزام.
ثم قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قد حسبتم أن تتركوا على ما أظهرتم من الموافقة والخلاف في السر، ولا تبتلون وتمتحنون بما يظهر منكم ما أضمرتم، فلا تحسبوا ذلك.
والثاني: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أي: لا تحسبوا أن تتركوا على ذلك، ولا تمتحنوا بالجهاد والقتال.
أحد التأويلين يخرج على النهي، والثاني على الإخبار عما حسبوا، وعما عندهم.
ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .
أي: ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهداً، ويعلم ما قد علم أنه يكون كائناً، لا على حدوث علمه بذلك؛ إذ هو موصوف بالعلم بكل ما يكون في وقت ما يكون على ما يكون؛ فيكون قوله: ليعلم المجاهدين من كذا، وليعلم الصابرين من كذا؛ أي: ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهداً، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً؛ لأنه لا يجوز أن يوصف الله بالعلم بما ليس يكون أنه يعلمه كائناً، كما لا يجوز أن يوصف أنه يعلم من الجالس القيام في حال جلوسه، ومن المتحرك السكون في حال حركته، ومن المتكلم السكوت في حال كلامه، إنما يوصف بالعلم على الحال الذي عليه الخلق، لا يوصف بالعلم في حال غير الحال الذي هو عليه، والله الموفق.
ويحتمل هذا وجهاً آخر: أن فيما أضاف العلم إلى نفسه كان المراد منه أولياؤه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، أي: إن تنصروا أولياءه ينصركم، أو إن تنصروا دينه ينصركم، أو إن تنصروا رسوله ينصركم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، أي: ليعلم أولياءه المنافق المرائي، والمؤمن المحقق المخلص، وليبين لهم، كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ أي: يخادعون أولياءه إذ الله لا يخادع ولا ينصر؛ إذ هو ناصر كل أحد، ولا يخفى عليه شيء، عالم بما يكون في وقت ما يكون.
أو أن يكون المراد من العلم الذي ذكر المعلوم، وذلك جائز في اللغة جار، وفي القرآن كثير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ﴾ .
أي: لم يجدوا ملجأ يلجئون إليه من دون ما ذكر، ولو وجدوا ذلك لاتخذوا ذلك، ولكن لما لم يجدوا لم يتخذوا؛ كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً ﴾ [الآية [التوبة: 56-57]؛ أخبر أنهم لو وجدوا ملجأ يلجئون إليه لولوا، ولا يظهرون ذلك.
وقوله: ﴿ وَلِيجَةً ﴾ قال بعض أهل الأدب : الوليجة: البطانة من غير المسلمين، وأصلها من الولوج، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلاً من المشركين وخليطاً ودوداً، وجمعه: الولائج.
وقال البعض: الوليجة أصلها من الدخول؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ يقال أيضاً: فلان وليجة فلان، أي: خاصته.
وقال بعضهم: الوليجة: الخيانة.
وقال بعضهم: الوليجة: ما يلجأ إليه.
وقال بعضهم: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة؛ وبعضه قريب من بعض.
﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
هو على الوعيد خرج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ قال بعض أهل التأويل: نزلت الآية في العباس بن عبد المطلب أنه أسر يوم بدر، فأقبل ناس من المهاجرين والأنصار، منهم علي بن أبي طالب وغيره، وعيروه بالكفر بالله، والقتال مع النبي، وقطيعة الرحم، فقال: ما لكم تذكرون مساوئنا وتذرون محاسننا؟!
فقالوا أو لكم محاسن؟
قال: أي والله، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب البيت، ونسقي [الحاج و] نفك العاني.
فأنزل الله ردّاً عليه.
لكن في آخر الآية دلالة أنه لا يحتمل أن تكون في العباس؛ على ما قالوا؛ لأنه قال: ﴿ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ والعباس قد أسلم من بعد، فلا يحتمل هذا الوعيد بعد الإسلام.
وقال غيرهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ ، أي: ما كان بالمشركين عمارة مساجد الله، إنما كان بهم خراب مساجد الله، إن المساجد إنما تعمر بالذكر فيها، والصلاة وإقامة الخيرات؛ كقوله: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ الآية [النور: 36]، وهم لم يعمروها لذكر اسم الله فيها، إنما عمروها لذكر الأصنام والأوثان، فكان بهم خراب المسجد، لا العمارة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ على ما عندهم؛ لأن الذي منعهم عن الإيمان بالله حبهم الدنيا وميلهم إليها، فما ينبغي لهم أن يعمروها وينفقوها، ويضيعوا أموالهم فيها، ولا ينتفعوا، [أي الذي] منعهم عن التوحيد والإيمان حبهم الدنيا، وشهواتهم، وميلهم إليها؛ فعلى ما عندهم ما ينبغي لهم أن يعمروها.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ أي: ما كان على المشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم لا ينتفعون بها في الآخرة، [و] لا يؤمنون بالآخرة، وإنما يقصد بعمارة المساجد والإنفاق عليها الثواب في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها، فتضيع نفقتهم في ذلك؛ إذ لا مقاصد لهم ولا منفعة، إنما ذلك على المسلمين.
ويجوز "له" بمعنى عليه؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، أي: فعليها.
وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ يحتمل هذا: أي: ما كان بالمشرك عمارة مساجد الله، إنما تكون عمارته بمن آمن بالله واليوم الآخر، لا بمن أشرك بالله وكفر بالآخرة.
وقوله: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: على نفس محمد ومن آمن معه؛ سماهم أنفسهم؛ لأنهم من قرابتهم وأرحامهم، وقد سمى الله المتصلين بهم بذلك؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا.
أو ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ عند الضرورات عند نزول العذاب بهم، وعند الهلاك؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ الآية [غافر: 84]، وغير ذلك من الأحوال التي كانوا يقرون بالكفر [و] يرجعون عنه، شهدوا عليهم بالكفر.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ \[أي أنفسهم\] تشهد بالكفر عليهم؛ لأن خلقتهم تشهد على وحدانية الله، وأنفسهم تشهد على فعلهم بالكفر، وهو ما قال الله - -: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، قيل: بل الإنسان من نفسه بصيرة، أي: بيان من نفسه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ إلى آخر الآية.
في قوم ماتوا على الكفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ., الوجوه التي ذكرنا في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ إن لم يكن عليهم، فذلك كله على المسلمين أي: عليهم عمارة المساجد، وبهم تعمر المساجد، ولهم ينبغي أن يعمروها.
﴿ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ﴾ أمر أن يخشوا الله، ولا يخشوا غيره، ثم ذكر - هاهنا - ﴿ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
وقال بعضهم: الخشية: العبادة؛ كأنه قال: ولم يعبد إلا الله.
﴿ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ والعسى من الله واجب، أي كانوا من المهتدين.
<div class="verse-tafsir"
ما ينبغى للمشركين أن يعمروا مساجد الله بالعبادة وأنواع الطاعة، وهم مُقِرُّون على أنفسهم بالكفر بما يظهرونه منه، أولئك بطلت أعمالهم لفقد شرط قبولها الذي هو الإيمان، وهم يوم القيامة سيدخلون النار ماكثين فيها أبدًا إلا إن تابوا من الشرك قبل موتهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.jzRAG"