الآية ١٩ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٩ من سورة التوبة

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 120 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ، قال : إن المشركين قالوا : عمارة بيت الله ، وقيام على السقاية ، خير ممن آمن وجاهد ، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره ، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم ، فقال لأهل الحرم من المشركين : ( قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون ) [ المؤمنون : 66 ، 67 ] يعني : أنهم كانوا يستكبرون بالحرم قال : ( به سامرا ) كانوا يسمرون به ، ويهجرون القرآن والنبي - صلى الله عليه وسلم - فخير الله الإيمان والجهاد مع نبي الله - صلى الله عليه وسلم - على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به إن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه .

قال الله : ( لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة ، فسماهم الله " ظالمين " بشركهم ، فلم تغن عنهم العمارة شيئا .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية ، قال : نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال : لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد ، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونسقي [ الحاج ] ونفك العاني ، قال الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج ) إلى قوله : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) يعني أن ذلك كان في الشرك ، ولا أقبل ما كان في الشرك .

وقال الضحاك بن مزاحم : أقبل المسلمون على العباس وأصحابه ، الذين أسروا يوم بدر ، يعيرونهم بالشرك ، فقال العباس : أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونفك العاني ، ونحجب البيت ، ونسقي الحاج ، فأنزل الله : ( أجعلتم سقاية الحاج [ وعمارة المسجد الحرام ] ) الآية .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة ، عن إسماعيل ، عن الشعبي قال : نزلت في علي ، والعباس - رضي الله عنهما - تكلما في ذلك .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرت عن أبي صخر قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار ، وعباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت ، معي مفتاحه ، ولو أشاء بت فيه .

وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها ، ولو أشاء بت في المسجد .

فقال علي - رضي الله عنه - : ما أدري ما تقولان ، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد ، فأنزل الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآية كلها .

وهكذا قال السدي ، إلا أنه قال : افتخر علي ، والعباس ، وشيبة بن عثمان ، وذكر نحوه .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن عمرو ، عن الحسن قال : نزلت في علي ، وعباس وعثمان ، وشيبة ، تكلموا في ذلك ، فقال العباس : ما أراني إلا تارك سقايتنا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أقيموا على سقايتكم ، فإن لكم فيها خيرا .

ورواه محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن فذكر نحوه .

وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع ، فلا بد من ذكره هاهنا ، قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير [ عن رجل ] عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - أن رجلا قال : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام ، إلا أن أسقي الحاج .

وقال آخر : ما أبالي ألا أعمل بعد الإسلام ، إلا أن أعمر المسجد الحرام .

وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم .

فزجرهم عمر - رضي الله عنه - وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا عليه .

فنزلت ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) إلى قوله : ( لا يستوون عند الله ) طريق أخرى : قال الوليد بن مسلم : حدثني معاوية بن سلام ، عن جده أبي سلام الأسود ، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال : كنت عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من أصحابه ، فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج .

وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام .

وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم .

فزجرهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيته فيما اختلفتم فيه .

قال : ففعل ، فأنزل الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) إلى قوله : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) رواه مسلم في صحيحه ، وأبو داود - وابن جرير وهذا لفظه - وابن مردويه ، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) قال أبو جعفر: وهذا توبيخ من الله تعالى ذكره لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت, فأعلمهم جل ثناؤه أن الفخر في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، لا في الذي افتخروا به من السِّدانة والسقاية.

(25) * * * وبذلك جاءت الآثار وتأويل أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16557- حدثنا أبو الوليد الدمشقي أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني معاوية بن سلام, عن جده أبي سلام الأسود, عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه, فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام, إلا أن أسقي الحاج!

وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام !

وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم !

فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم = وذلك يوم الجمعة = ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه.

قال: ففعل, فأنـزل الله تبارك وتعالى: (أجعلتم سقاية الحاج) إلى قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين).

(26) 16558- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر)، قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد, لقد كنا نعمر المسجد الحرام, ونسقي الحاج, ونفك العاني !

(27) قال الله: (أجعلتم سقاية الحاج)، إلى قوله: (الظالمين)، يعني أن ذلك كان في الشرك, ولا أقبل ما كان في الشرك.

16559- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (أجعلتم سقاية الحاج)، إلى قوله: (الظالمين)، وذلك أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون، (28) من أجل أنهم أهله وعُمَّاره.

فذكر الله استكبارهم وإعراضهم, فقال لأهل الحرم من المشركين: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [سورة المؤمنون: 66، 67]، يعني أنهم يستكبرون بالحرم.

وقال: بِهِ سَامِرًا ، لأنهم كانوا يسمرون، ويهجرون القرآن والنبيَّ صلى الله عليه وسلم.

فخيَّر الإيمان بالله والجهاد مع نبي الله صلى الله عليه وسلم، على عمران المشركين البيتَ وقيامهم على السقاية.

ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، أن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه.

قال الله: ( لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين)، يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة, فسماهم الله " ظالمين "، بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئًا.

16560- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير, عن النعمان بن بشير, أن رجلا قال: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج !

وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أعمر المسجد الحرامَ !

وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم!

فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم = وذلك يوم الجمعة = ولكن إذا صلى الجمعة دخلنا عليه!

فنـزلت: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام)، إلى قوله: (لا يستوون عند الله)، (29) 16561- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عمرو, عن الحسن قال: نـزلت في علي، وعباس، وعثمان، وشيبة, تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا !

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقيموا على سقايتكم، فإن لكم فيها خيرًا.

16562-...

قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن إسماعيل, عن الشعبي قال: نـزلت في علي، والعباس, تكلما في ذلك.

16563- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرت عن أبي صخر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار, وعباس بن عبد المطلب, وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة، أنا صاحب البيت، معي مفتاحه, لو أشاء بِتُّ فيه !

وقال عباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها, ولو أشاء بِتُّ في المسجد !

وقال علي: ما أدري ما تقولان, لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس, وأنا صاحب الجهاد !

فأنـزل الله: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام)، الآية كلها.

16564- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن قال: لما نـزلت (أجعلتم سقاية الحاج)، قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا ".

16565- حدثني محمد بن الحسن قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله)، قال: افتخر علي، وعباس، وشيبة بن عثمان, فقال للعباس: أنا أفضلكم, أنا أسقي حُجَّاج بيت الله !

وقال شيبة: أنا أعمُر مسجد الله !

وقال علي: أنا هاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجاهد معه في سبيل الله !

فأنـزل الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إلى: نَعِيمٌ مُقِيمٌ .

16566- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أجعلتم سقاية الحاج)، الآية, أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسرُوا يوم بدر يعيِّرونهم بالشرك, فقال العباس: أما والله لقد كنَّا نَعمُر المسجدَ الحرام, ونفُكُّ العاني, ونحجب البيتَ, ونسقي الحاج !

فأنـزل الله: (أجعلتم سقاية الحاج)، الآية.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أجعلتم، أيها القوم، سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله =(لا يستوون) هؤلاء، وأولئك, ولا تعتدل أحوالهما عند الله ومنازلهما، لأن الله تعالى لا يقبل بغير الإيمان به وباليوم الآخر عملا =(والله لا يهدي القوم الظالمين)، يقول: والله لا يوفّق لصالح الأعمال من كان به كافرًا ولتوحيده جاحدا.

* * * ووضع الاسم موضع المصدر في قوله: (كمن آمن بالله)، إذ كان معلومًا معناه, كما قال الشاعر: (30) لَعَمْـرُكَ مَـا الفِتْيَـانُ أَنْ تَنْبُـتَ اللِّحَى وَلَكِنَّمَــا الفِتْيَـانُ كُـلُّ فَتًـى نَـدِي (31) فجعل خبر " الفتيان "، " أن ", وهو كما يقال: " إنما السخاء حاتم، والشعر زهير ".

--------------------- الهوامش : (25) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

(26) الأثر : 16557 - " أحمد بن عبد الرحمن بن بكار القرشي ، الدمشقي " ، " أبو الوليد " ، شيخ الطبري ، مضى مرارا ، آخرها رقم : 11416 .

و " الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي " ، سلف مرارا ، آخرها رقم : 9071 روى له الجماعة .

و " معاوية بن سلام بن أبي سلام ممطور الحبشي " ، " أبو سلام الدمشقي " ، روى له الجماعة ، روى عن جده أبي سلام.

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 /1 / 335 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 383 .

و " أبو سلام الأسود " واسمه " ممطور " ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 15654 ، 15655 .

وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه ( 13 : 25 ، 26 ) ، من طريق أبي توبة ، عن معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام ، أنه سمع أبا سلام قال : حدثني النعمان بن بشير ، ثم رواه من طريق يحيى بن حسان ، عن معاوية ، عن زيد ، بمثله .

وذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 131 ، ونسبه لأبي داود ، ولم استطع أن عليه في السنن .

وزاد السيوطي في الدر المنثور 3 : 218 نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه .

وسيأتي بإسناد آخر رقم : 16560 ، من طريق أخرى مرسلة .

(27) " العاني " ، الأسير .

(28) في المطبوعة : " يستكبرون به " ، بزيادة " به " ، وليست في المخطوطة ، وفيها " يستكثرون " وهو خطأ .

(29) الأثر 16560 - " يحيى بن أبي كثير الطافي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، روى عن زيد بن سلام بن أبي سلام ، وأرسل عن أبي سلام الحبشي وغيره وهذا من مرسله عن النعمان بن بشير ، أو عن أبي سلام .

وقد مضى برقم: 9189 ، 11505 - 11507 .

(30) لم أعرف قائله .

(31) معاني القرآن للفراء 1 : 427 ، شرح شواهد المغني : 325 .

و " الندي " ، السخي .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمينفيه مسألتان :الأولى : أجعلتم سقاية الحاج التقدير في العربية : أجعلتم أصحاب سقاية الحاج أو أهل سقاية الحاج مثل من آمن بالله وجاهد في سبيله .

ويصح أن يقدر الحذف في " من آمن " أي أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل من آمن .

وقيل : التقدير كإيمان من آمن .

والسقاية مصدر كالسعاية والحماية .

فجعل الاسم بموضع المصدر إذ علم معناه ، مثل إنما السخاء حاتم ، وإنما الشعر زهير .

( وعمارة المسجد الحرام ) مثل ( واسأل القرية ) .

وقرأ أبو وجزة " أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " ، سقاة : جمع ساق ، والأصل سقية على فعلة ، كذا يجمع المعتل من هذا ، نحو قاض وقضاة وناس ونساة .

فإن لم يكن معتلا جمع على فعلة ، نحو ناسئ ونسأة ، للذين كانوا ينسئون الشهور .

وكذا قرأ ابن الزبير وسعيد بن جبير " سقاة وعمرة " إلا أن ابن جبير نصب " المسجد " على إرادة التنوين في " عمرة " وقال الضحاك : ( سقاية ) بضم السين ، وهي لغة .

والحاج اسم جنس الحجاج .

وعمارة المسجد الحرام : معاهدته والقيام بمصالحه .

وظاهر هذه الآية أنها مبطلة قول من افتخر من المشركين [ ص: 29 ] بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، كما ذكره السدي .

قال : افتخر عباس بالسقاية ، وشيبة بالعمارة ، وعلي بالإسلام والجهاد ، فصدق الله عليا وكذبهما ، وأخبر أن العمارة لا تكون بالكفر ، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة .

وهذا بين لا غبار عليه .

ويقال : إن المشركين سألوا اليهود وقالوا : نحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام ، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه ؟

فقالت لهم اليهود عنادا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم أفضل .

وقد اعترض هنا إشكال وهو ما جاء في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج .

وقال آخر : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام .

وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم .

فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يوم الجمعة - ولكن إذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه .

فأنزل الله عز وجل : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر إلى آخر الآية .

وهذا المساق يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال .

وحينئذ لا يليق أن يقال لهم في آخر الآية : والله لا يهدي القوم الظالمين فتعين الإشكال .

وإزالته بأن يقال : إن بعض الرواة تسامح في قوله ، فأنزل الله الآية .

وإنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآية على عمر حين سأله فظن الراوي أنها نزلت حينئذ .

واستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر ، فاستفتى لهم فتلا عليه ما قد كان أنزل عليه ، لا أنها نزلت في هؤلاء .

والله أعلم .فإن قيل : فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في الكافرين ، ومعلوم أن أحكامهم مختلفة .

قيل له : لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين .

وقد قال عمر : إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفة وترفع أخرى ولكنا سمعنا قول الله تعالى : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها .

وهذه الآية نص في الكفار ، ومع ذلك ففهم منها عمر الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة .

فيمكن أن تكون هذه الآية من هذا النوع .

وهذا نفيس ، وبه يزول الإشكال ويرتفع الإبهام ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما اختلف بعض المسلمين، أو بعض المسلمين وبعض المشركين، في تفضيل عمارة المسجد الحرام، بالبناء والصلاة والعبادة فيه وسقاية الحاج، على الإيمان باللّه والجهاد في سبيله، أخبر اللّه تعالى بالتفاوت بينهما، فقال‏:‏ ‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ‏}‏ أي‏:‏ سقيهم الماء من زمزم كما هو المعروف إذا أطلق هذا الاسم، أنه المراد ‏{‏وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ فالجهاد والإيمان باللّه أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بدرجات كثيرة، لأن الإيمان أصل الدين، وبه تقبل الأعمال، وتزكو الخصال‏.‏ وأما الجهاد في سبيل اللّه فهو ذروة سنام الدين، الذي به يحفظ الدين الإسلامي ويتسع، وينصر الحق ويخذل الباطل‏.‏ وأما عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج، فهي وإن كانت أعمالا صالحة، فهي متوقفة على الإيمان، وليس فيها من المصالح ما في الإيمان والجهاد، فلذلك قال‏:‏ ‏{‏لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذين وصفهم الظلم، الذين لا يصلحون لقبول شيء من الخير، بل لا يليق بهم إلا الشر‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآية .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، حدثنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، حدثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوزان ، حدثنا أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المعافري ، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام ، عن أبي سلام ، حدثنا النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل : ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج .

وقال الآخر : ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام .

وقال الآخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتما ، فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يوم الجمعة ، ولكن إذا صليت دخلت ، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه ، ففعل فأنزل الله عز وجل : " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام " ، إلى قوله : " والله لا يهدي القوم الظالمين " .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قال العباس حين أسر يوم بدر : لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد ، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونسقي الحاج ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لا ينفعهم مع الشرك بالله ، والإيمان بالله والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم خير مما هم عليه .

وقال الحسن ، والشعبي ، ومحمد بن كعب القرظي ، نزلت في علي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، وطلحة بن شيبة ، افتخروا فقال طلحة : أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها ، وقال علي : ما أدري ما تقولون لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله عز وجل هذه الآية : ( أجعلتم سقاية الحاج ) .

والسقاية : مصدر كالرعاية والحماية .

قوله : ( وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ) فيه اختصار تقديره : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله وجهاد من جاهد في سبيل الله ؟

وقيل : السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر .

وتقديره : أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟

وهذا كقوله تعالى : " والعاقبة للتقوى " أي : للمتقين ، يدل عليه قراءة عبد الله بن الزبير وأبي بن كعب " أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " ، على جمع الساقي والعامر .

( كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثني إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا يحيى بن مهلب ، عن حسين ، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى ، فقال العباس : يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها ، فقال : اسقني ، فقال : يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه ، قال : اسقني ، فشرب منه ، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها ، فقال : اعملوا فإنكم على عمل صالح ، ثم قال : لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه ، وأشار إلى عاتقه .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثني محمد بن منهال الضرير ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني قال : كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال : ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟

أمن حاجة بكم؟

أم من بخل؟

فقال ابن عباس : الحمد لله ما بنا حاجة ولا بخل ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى ، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة ، وقال : أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا ، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام» أي أهل ذلك «كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله» في الفضل «والله لا يهدي القوم الظالمين» الكافرين، نزلت ردا على من قال ذلك وهو العباس أو غيره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أجعلتم -أيها القوم- ما تقومون به من سقي الحجيج وعِمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟

لا تتساوى حال المؤمنين وحال الكافرين عند الله، لأن الله لا يقبل عملا بغير الإيمان.

والله سبحانه لا يوفق لأعمال الخير القوم الظالمين لأنفسهم بالكفر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها : ما رواه مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر النبى - صلى الله عليه وسلم - فى نفر من أصحابه فقال رجل : ما أبالى لا أعمل عملا بعد الإِسلام إلا أن أسقى الحاج .

وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام وقال آخر بل الجهاد فى سبيل الله خير مما قلتم ، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبى - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستنفيته فيما اختلفتم فيه .

فأنزل الله .

تعالى : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج .

.

.

.

) الآية .وأخرج ابن جرير عن عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول فى قوله : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ) : أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك .

فقال العباس : أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام .

ونفك العانى ، ونحجب البيت ، ونسقى الحاج فأنزل الله .

تعالى .

: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج .

.

) .وقال صاحب المنار ، بعد أن ساق عدداً من الروايات فى سبب نزول هذه الآيات .

والمعتمد فى هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده ، وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها فى المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجابه .

من أعمال البر الهينة المسلتذلة .

وبين الإِيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة وهى أشق العبادات البدنية والمالية .والسقاية والعمارة : مصدران من سقى وعمر .

يتخفيف الميم .والمراد بسقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ فى الماء ، وكان العباس .

رضى الله عنه .

هو الذى يتولى إدارة هذا العمل .قال الجمل : السقاية هى المحل الذى يتخذ فيه الشراب فى الموسم .

كان يشترى الزبيب فينبذ فى ماء زمزم ويسقى للناس ، وكان يليها العباس جاهلية وإسلاماً ، وأقرها النبى - صلى الله عليه وسلم - له .

.

ويظهر أن المراد بها هنا المصدر .

أى إسقاء الحجاج وإعطاء الماء لهم .والمراد بعمارة المسجد الحرام : ما يشمل العبادة فيه ، وإصلاح بنائه ، وخدمته ، وتنظيفه .

.

.

كما سبق أن بينا .والهمزة فى قوله .

( أَجَعَلْتُمْ ) للاستفهام الإِنكارى المتضمن معنى النهى .والكلام على حذف مضاف ، لأن العمارة والسقاية مصدران ولا يتصور تشبيههما بالأعيان ، فلا بد من تقدير مضاف فى أحد الجانبين حتى يتأتى التشبيه والمعنى : أجلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ، وجاهد فى سبيل الله؟

ويؤديه قراءة ( أَجَعَلْتُمْ سُقَايَةَ الحاج ) بضم السين .

جمع ساق .

( وعمرة المسجد الحرام ) بفتح العين والميم جمع عامر .وعلى هذا المعنى يكون التقدير فى جانب الصفة ، ويجوز أن يكون التقدير فى جانب الذات فيكون المعنى .أجعلتموهما ، أى السقاية والعمارة .

كإيمان من آمن وجهاد من جاهد؟

والخطاب يشمل بعض المؤمنين الذين آثروا السقاية والعمارة على الجهاد كما جاء فى حديث النعمان .

كما يشمل المشركين الذين كانوا يتفاخرون بأنهم سقاة الحجيج ، وعمارة المسجد الحرام .والمقصود من الجملة الكريمة إنكار التسوية بين العملين وبين الفريقين .

وقد جاء هذا الانكار صريحاً فى قوله تعالى .

( لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله ) .أى : لا يساوى الفريق الأول الثانى فى حكم الله ، إذ أن الفريق الثانى له بفضل إيمانه الصادق .

وجهاده الخالص الأجر الجزيل عند الله .فالجملة الكريمة مستأنفة لتقرير الانكار المذكور وتأكيده ثم ختم - سبحانه .

الآية الكريمة بقوله .

( والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) .أى .

والله تعالى .

لا يوفق القوم الضالمين إلى معرفة الحق ، وتمييزه من الباطل ، لأنهم قد آثروا الشر على الخير والضلالة على الهداية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر المفسرون أقوالاً في نزول الآية.

قال ابن عباس في بعض الروايات عنه أن علياً لما أغلظ الكلام للعباس، قال العباس: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام، والهجرة، والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فنزلت هذه الآية، وقيل إن المشركين قالوا لليهود، نحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام، فنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت اليهود لهم أنتم أفضل.

وقيل: إن علياً عليه السلام قال للعباس رضي الله عنه بعد إسلامه: يا عمي ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: ألست في أفضل من الهجرة؟

أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام فلما نزلت هذه الآية قال: ما أراني إلا تارك سقايتنا.

فقال عليه الصلاة والسلام: «أقيموا على سقياتكم فإن لكم فيها خيراً».

وقيل افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه، ولو أردت بت فيه.

قال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها.

قال علي: أنا صاحب الجهاد.

فأنزل الله تعالى هذه الآية.

قال المصنف رضي الله عنه: حاصل الكلام أنه يحتمل أن يقال: هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين ويحتمل أنها جرت بين المسلمين والكافرين.

أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين: ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عَندَ الله  ﴾ وهذا يقتضي أيضاً أن يكون للمرجوح أيضاً درجة عند الله، وهذا يقتضي أيضاً أن يكون للمرجوح أيضاً درجة عند الله، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن وسنجيب عن هذا الكلام إذا انتهينا إليه.

وإما الذين قالوا: إنها جرت بين المسلمين والكافرين، فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: ﴿ كَمَنْ ءامَنَ بالله ﴾ وبين من آمن بالله وهذا هو الأقرب عندي.

وتقرير الكلام أن نقول: إنا قد نقلنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله  ﴾ أن العباس احتج على فضائل نفسه، بأنه عمر المسجد الحرام وسقى الحاج فأجاب الله عنه بوجهين: الوجه الأول: ما بين في الآية الأولى أن عمارة المسجد، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة.

والوجه الثاني: من الجواب كل ما ذكره في هذه الآية، وهو أن يقال: هب أنا سلمنا أن عمارة المسجد الحرام وسقي الحاج، يوجب نوعاً من أنواع الفضيلة، إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان بالله، والجهاد قليل جداً.

فكان ذكر هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد خطأ، لأنه يقتضي مقابلة الشيء الشريف الرفيع جداً بالشيء الحقير التافه جداً، وأنه باطل، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الآية، وبهذا الطريق يحصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية.

واعلم أن السقاية والعمارة فعل، قوله: ﴿ مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ إشارة إلى الفاعل، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل، والصفة بالذات وأنه محال، فلابد من التأويل وهو من وجهين: الأول: أن نقول التقدير أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كم آمن بالله؟

ويقويه قراءة عبد الله بن الزبير ﴿ سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام ﴾ والثاني: أن نقول التقدير أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله؟

ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله  ﴾ .

المسألة الثالثة: قال الحسن رحمه الله تعالى: كانت السقاية بنبيذ الزبيب، وعن عمر أنه وجد نبيذ السقاية من الزبيب شديداً فكسر منه بالماء ثلاثاً، وقال إذا اشتد عليكم فاكسروا منه بالماء وأما عمارة المسجد الحرام فالمراد تجهيزه وتحسين صورة جدرانه، ولما ذكر تعالى وصف الفريقين قال: ﴿ لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ ولكن لما كان نفي المساواة بينهما لا يفيد أن الراجح من هو؟

نبه على الراجح بقوله: ﴿ والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ فبين أن الكافرين ظالمون لأنفسهم فإنهم خلقوا للإيمان وهم رضوا بالكفر وكانوا ظالمين، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه وأيضاً ظلموا المسجد الحرام، فإنه تعالى خلقه ليكون موضعاً لعبادة الله تعالى، فجعلوه موضعاً لعبادة الأوثان، فكان هذا ظلماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

السقاية والعمارة: مصدران من سقى وعمر، كالصيانة والوقاية.

ولا بدّ من مضاف محذوف تقديره ﴿ أَجَعَلْتُمْ ﴾ أهل ﴿ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ ءامَنَ بالله ﴾ تصدقه قراءة (ابن الزبير وأبي وجزة السعدي) وكان من القراء: ﴿ سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام ﴾ ، والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة، وأن يسوي بينهم.

وجعل تسويتهم ظلماً بعد ظلمهم بالكفر.

وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت لهم اليهود: أنتم أفضل.

وقيل: إن علياً رضي الله عنه قال للعباس: يا عمّ ألا تهاجرون، ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال: ألست في أفضل من الهجرة: أسقي حاجّ بيت الله، وأعمر المسجد الحرام، فلما نزلت قال العباس: ما أراني إلاّ تارك سقايتنا.

فقال عليه السلام: «أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرُ أسْقى وعَمَرَ فَلا يُشَبَّهانِ بِالجُثَثِ بَلْ لا بُدَّ مِن إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ كَمَن آمَنَ، أوْ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ كَإيمانِ مَن آمَنَ.

ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ « سُقاةُ الحاجِّ وعُمْرَةُ المَسْجِدِ» والمَعْنى إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالِهِمِ المُثْبَتَةِ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وبَيَّنَ عَدَمَ تُساوِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ الكَفَرَةُ ظَلَمَةٌ بِالشِّرْكِ ومُعاداةٌ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْهَمِكُونَ في الضَّلالَةِ فَكَيْفَ يُساوُونَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ووَفَّقَهم لِلْحَقِّ والصَّوابِ، وقِيلَ المُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)

{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمن بالله واليوم الأخر وجاهد فِى سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية ولا بد من مضاف محذوف تقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله وقيل المصدر بمعنى الفاعل يصدقه قراء ابن الزبير سقاة الحاج وعمارة المسجد الحرام والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين وأعمالهم المحيطة بأعمالهم المثبتة وأن يسوي بينهم وجعل تسويتهم ظلماً بعد ظلمهم بالكفر لأنهم وضعوا المدح والفخر في غير موضعهما نزلت جواباً لقول العباس حين أسر فطفق على رضى الله عنه يوبخه بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم تذكر

التوبة (٢٠ _ ٢٥)

مساوينا وتدع محاسننا فقيل أولكم محاسن فقال نعمر المسجد ونسقي الحاج ونفك العاني وقيل افتخر العباس بالسقاية وشيبة بالعمارة وعلى رضى الله عنه بالإسلام والجهاد فصدق الله تعالى علياً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرُ أسْقى وعَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ إذْ عَمَّرَ المُشَدَّدُ يُقالُ في عُمْرِ الإنْسانِ لا في العِمارَةِ كَما يَتَوَهَّمُهُ العَوامُّ، وصَحَّتِ الياءُ في سِقايَةٍ لِأنَّ بَعْدَها هاءُ التَّأْنِيثِ، وظاهِرُ الآيَةِ تَشْبِيهُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ والصِّفَةِ بِالذّاتِ وأنَّهُ لا يَحْسُنُ هُنا فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، إمّا في جانِبِ الصِّفَةِ أيْ أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ كَمَن آمَنَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وأبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ وهو مِنَ القُرّاءِ وإنِ اشْتُهِرَ بِالشِّعْرِ ( أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ ) بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ ساقٍ ( وعَمَرَةَ المَسْجِدِ ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عامِرٍ، وكَذا قِراءَةُ الضَّحّاكِ ( سُقايَةَ ) بِالضَّمِّ أيْضًا مَعَ الياءِ والتّاءِ ( وعَمَرَةَ ) كَما في القِراءَةِ السّابِقَةِ، ووَجْهُ سُقايَةٍ فِيها أنْ يَكُونَ جَمْعًا جاءَ عَلى فُعالٍ ثُمَّ أُنِّثَ كَما أُنِّثَ مِنَ الجُمُوعِ نَحْوَ حِجارَةٍ، فَإنَّ في كِلا القِراءَتَيْنِ تَشْبِيهَ ذاتٍ بِذاتٍ، وإمّا في جانِبِ الذّاتِ أيْ أجَعَلْتُمُوهُما كَإيمانِ مَن آمَنَ وجِهادِ مَن جاهَدَ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ في شَيْءٍ وإنَّما المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ إمّا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ واخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ وهو المُتَبادَرُ مِنَ النَّظْمِ، وتَخْصِيصُ ذِكْرِ الإيمانِ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَيْرَ الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى عُمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلى العَبّاسِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، فَقالَ العَبّاسُ: أما واللَّهِ لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَفُكُّ العانِيَ ونَحْجُبُ البَيْتَ ونَسَقِي الحاجَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿ أجَعَلْتُمْ ﴾ ) الآيَةَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ الخِطابَ لَهم وهم مُشْرِكُونَ.

وإمّا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ المُؤْثِرِينَ لِلسِّقايَةِ والعِمارَةِ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وجَماعَةٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ تَعالى بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ فَزَجَرَهم عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُمُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ » وبِما رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والعَبّاسِ، وذَلِكَ أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ لَهُ: يا عُمَرُ لَوْ هاجَرْتَ إلى المَدِينَةِ؟

فَقالَ لَهُ: أوَلَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ وألَسْتُ أسْقِي الحاجَّ وأعْمُرُ البَيْتَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ العَبّاسَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ إذْ ذاكَ مُسْلِمًا عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمِ بَعْضُها، وأيَّدَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِاكْتِفاءِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ عَدَمِ مُساواتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقِ الثّانِي وبَيانِ أعْظَمِيَّةِ دَرَجَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرِ دُخُولِهِ في الرَّدِّ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِ الأوَّلِينَ بِالكُلِّيَّةِ لِمَكانِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وجُعِلَ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ اسْتِطْرادًا لِتَفْضِيلِ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ خِلافَ الظّاهِرِ، وكَذا القَوْلُ بِأنَّهُ سِيقَ لِتَفْضِيلِهِمْ عَلى أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ الكَفَرَةِ وهم وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جاءَ عَلى زَعْمِهِمْ ومَدْعاهم، عَلى أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يُشْعِرْ بِعَدَمِ الحِرْمانِ فَلَيْسَ بِمُشْعِرٍ بِالحِرْمانِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ ومَدارُهُ إنْكارُ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِوَصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِالمُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِالإيمانِ والجِهادِ، أوْ عَلى إنْكارِ تَشْبِيهِ وصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ في حَدِّ ذاتِهِما مَعَ الإغْماضِ عَنْ مُقارَنَتِهِما لِلشِّرْكِ بِالإيمانِ والجِهادِ.

والقَوْلُ بِاعْتِبارِ المُقارَنَةِ مِمّا أغْمَضَ عَنْهُ المُحَقِّقُونَ لِإباءِ المَقامِ إيّاهُ، كَيْفَ لا وقَدْ بُيِّنَ حُبُوطُ أعْمالِهِمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وكَوْنُها بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَتَوْبِيخُهم بَعْدُ عَلى تَشْبِيهِها بِالإيمانِ والجِهادِ، ثُمَّ رُدَّ ذَلِكَ بِما يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِهِمْ عَنْ أصْلِ الفَضِيلَةِ بِالكُلِّيَّةِ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، ولَوِ اعْتُبِرَ لَما احْتِيجَ إلى تَقْرِيرِ إنْكارِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ إذْ لا شَيْءَ أظْهَرُ بُطْلانًا مِن نِسْبَةِ المَعْدُومِ إلى المَوْجُودِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِها، ويُقْطَعُ النَّظَرُ عَمّا تَقَدَّمَ مِن بَيانِ الحُبُوطِ، وعَدَمُ الحِرْمانِ المَشْعُورِ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، والمَعْنى أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ في الفَضِيلَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ أوْ أجَعَلْتُمُوهُما في ذَلِكَ كالإيمانِ والجِهادِ وشَتّانَ ما بَيْنَهُما، فَإنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ وإنْ كانَتا في أنْفُسِهِما مِن أعْمالِ البَرِّ والخَيْرِ لَكِنَّهُما وإنْ خَلَتا عَنِ القَوادِحِ بِمَعْزِلِ أنْ يُشَبَّهَ أهْلُهُما بِأهْلِ الإيمانِ والجِهادِ أوْ يُشَبَّهُ نَفْسُهُما بِنَفْسِ الإيمانِ والجِهادِ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ لا يُساوِي الفَرِيقُ الأوَّلُ الثّانِيَ وبِظاهِرِهِ يَتَرَجَّحُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ، وإذا كانَ المُرادُ لا يَسْتَوُونَ بِأوْصافِهِمْ يَرْجِعُ إلى نَفْيِ المُساواةِ في الأوْصافِ فَيُوافِقُ الإنْكارَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، وإسْنادُ عَدَمِ الِاسْتِواءِ إلى المَوْصُوفَيْنِ لِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ تَفاوُتِهِمْ، وتَوْجِيهُ النَّفْيِ هَهُنا والإنْكارُ فِيما سَلَفَ إلى الِاسْتِواءِ والتَّشْبِيهِ مَعَ أنَّ دَعْوى المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ إنَّما هي الأفْضَلِيَّةُ دُونَ التَّساوِي والتَّشابُهِ لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فَإنَّ نَفْيَ التَّساوِي والتَّشابُهِ نَفْيٌ لِلْأفْضَلِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الأفْضَلِيَّةَ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ تُشْعِرُ بِثُبُوتِ أصْلِ الفَضِيلَةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقادِ ذَلِكَ، وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهم أنَّ في جِهادِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَضِيلَةً أوْ أنَّ في الإيمانِ المُسْتَلْزِمِ لِتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ فَضِيلَةً، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ المُجاراةِ فَلا تَغْفُلْ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ المَذْكُورِ وتَأْكِيدِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولَيِ الجَعْلَ والرّابِطُ ضَمِيرُ الجَمْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: سَوَّيْتُمْ بَيْنَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُتَفاوِتِينَ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ أُرِيدَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ وبِالظُّلْمِ الشِّرْكُ أوْ وُضِعَ الشَّيْءُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ شِرْكًا كانَ أوْ غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ ظُلْمُهم في ذَلِكَ الجَعْلِ وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، والمُرادُ مِنَ الهِدايَةِ الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ لا مُطْلَقُ الدَّلالَةِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ، وهَذا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُوَفِّقُ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ وتَمْيِيزِ الرّاجِحِ مِنَ المَرْجُوحِ ولَعَلَّهُ سِيقَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ عَدَمِ التَّساوِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: كإيمان من آمن بالله وَجاهَدَ في طاعة الله.

وقال القتبي: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ، يعني: صاحب سقاية الحاج كمن آمن بالله؟

ويقال: أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله؟

كما قال في آية أخرى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج: 40] والصلوات لا تهدم، وإنما أراد به بيوت الصلوات، كما قال مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: 13] ، يعني: أهل قريتك.

كذلك هاهنا سقاية الحاج، أراد به صاحب السقاية.

قرأ بعضهم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام يعني: جمع الساقي والعامر، وهي قراءة شاذة.

ثم قال: لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: لا يستوون في الثواب والعمل عند الله.

وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يعني: لا يرشد المشركين إلى الحجة، ويقال: لا يكرمهم بالمعرفة ما لم يتركوا كفرهم.

كما قال في آية أُخرى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: زاد ابن الخَطِيبِ في روايته: «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

انتهى من ترجمة محمَّد بنِ عبدِ اللَّهِ، وفي الحديثِ عنه صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِمَنْ كَانَتْ المَسَاجِدُ بَيْتَهُ الأَمْنَ، والأَمَانَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ القِيَامَةِ» خَرَّجه عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المُنْتَخَب» له، وروى البغويُّ أيضا في هذا «المسند» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَوْطَنَ الرَّجُلُ المَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، تَبَشْبَش اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ لِغَائِبِهمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ» .

انتهى من «الكَوْكَب الدُّرِّيِّ» ، قيل: ومعنى «يَتَبَشْبَشُ» : أي يفرح به.

وقوله سبحانه: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، يريد: خشيةَ التعظيمِ والعبادةِ، وهذه مرتبةُ العَدْل من الناس، ولا محالة أَنَّ الإِنسان يخشَى غيره، ويخشَى المحاذيرَ الدنيويَّة، وينبغي أن يخشَى في ذلك كلّه قضاء الله وتصريفه.

أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)

وقوله سبحانه: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ...

الآية: سِقايَةَ الْحاجِّ: كانَتْ في بني هَاشِمٍ، وكان العبَّاس يتولاَّها، قال الحسن: ولما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال العبَّاس: ما أَراني إلاَّ أتركُ السقاية، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أُقِيمُوا عَلَيْهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ» «١» وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: قيلَ: هي حِفْظه ممَّن يظلم فيه، أو يقول هُجْراً، وكان ذلك إِلى العبَّاس، وقيل:

هي السّدَانَة «٢» وَخِدْمَةِ البَيْت خَاصَّة، وكان ذلك في بني عَبْد الدَّار، وكان يتولاَّها عثمانُ بنُ طَلْحَة، وابنُ عمه شَيْبَةُ، وأقرَّها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لهما ثَانِيَ يَوْمِ الفتحِ، وقال: «خُذَاهَا خَالِدَةً تالدة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآَخَرُ: ما أُبالِيَ أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بِعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آَخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمْعَةَ، دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» والثّانِي: أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبَدِ المَطَّلِبِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَسَقِيَ الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ، خَيْرٌ مِمَّنْ آَمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالحَرَمِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ عَلِيًّا والعَبّاسَ وطَلْحَةَ - يَعْنِي سادِنَ الكَعْبَةِ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ.

وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ، والقائِمُ عَلَيْها، ولَوْ أشاءُ بِتُّ في المَسْجِدِ.

وقالَ عَلَيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والقُرَظِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ الكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

هَكَذا ذَكَرَ مُجاهِدٌ، وإنَّما الصَّوابُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ، لِأنَّ طَلْحَةَ هَذا لَمْ يُسْلِمْ.

والسّادِسُ: أنَّ عَلِيًّا قالَ لَلْعَبّاسِ: ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ  ؟

فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ، ألَسْتُ أسْقِيَ حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وأعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ المُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وأهْلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آَمَنَ بِاللَّهِ؟

فَحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ.

قالَ الحَسَنُ: كانَ يُنْبِذُ زَبِيبٌ، فَيَسْقُونَ الحاجَّ في المَوْسِمِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِمارَةُ المَسْجِدِ: تَجْمِيرُهُ، وتَخْلِيقُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أفْعالَهم تِلْكَ لا تَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وسَمّاهم ظالِمِينَ لَشِرْكِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْظَمُ دَرَجَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

والمَعْنى: أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً.

والفائِزُ: الَّذِي يَظْفَرُ بِأُمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ.

فَأمّا النَّعِيمُ، فَهو لِينُ العَيْشِ، والمُقِيمُ: الدّائِمُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللهِ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مَن المُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ بِالحَقِّ لَهم والواجِبِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ الخَبَرُ وفي ضِمْنِها أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ السَلَفِ: إذا رَأيْتُمُ الرَجُلَ يَعْمُرُ المَساجِدَ فَحَسِّنُوا بِهِ الظَنَّ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ الرَجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ"» وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلَ في قِراءَةِ "مَساجِدَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ ﴾ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَسُولِ إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللهَ ﴾ حُذِفَتِ الألِفُ مِن "يَخْشى" لِلْجَزْمِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "واعْلَمْ أنَّ الأخِيرَ إذا كانَ يُسَكَّنُ في الرَفْعِ حُذِفَ في الجَزْمِ لِئَلّا يَكُونَ الجَزْمُ بِمَنزِلَةِ الرَفْعِ"، ويُرِيدُ خَشْيَةَ التَعْظِيمِ والعِبادَةِ والطاعَةِ، وهَذِهِ مَرْتَبَةُ العَدْلِ بَيْنَ الناسِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللهِ وتَصْرِيفَهُ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، ولَمْ يَرْجُ اللهَ بِالِاهْتِداءِ إلّا مَن حَصَلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ العَظِيمَةِ مِنَ العَدالَةِ، فَفي هَذا حَضٌّ بَلِيغٌ عَلى التَقْوى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو حَمْزَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو جَعْفَرٍ القارِي: "أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، وقَرَأها كَذَلِكَ ابْنُ جُبَيْرٍ إلّا أنَّهُ نَصَبَ "المَسْجِدَ" عَلى إرادَةِ التَنْوِينِ في "عَمَرَةَ".

وقَرَأ الضَحّاكُ، وأبُو وجْزَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ القارِي: "سُقايَةَ" بِضَمِّ السِينِ، "وَعَمَرَةَ"، فَأمّا مَن قَرَأ "سِقايَةَ" و"عِمارَةَ" فَفي الكَلامِ عِنْدَهُ مَحْذُوفٌ إمّا في أوَّلِهِ وإمّا في آخِرِهِ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَ: "أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ"، وإمّا أنْ يُقَدِّرَ: كَفِعْلِ مَن آمَنَ بِاللهِ.

وأمّا مَن قَرَأ: "سُقاةَ" و"عَمَرَةَ" فَنَمَطُ قِراءَتِهِ مُسْتَوٍ، وأمّا قِراءَةُ الضَحّاكِ فَجَمْعُ ساقٍ إلّا أنَّهُ ضَمَّ أوَّلَهُ، كَما قالُوا: عُرْقٌ وعُراقٌ وظِئْرٌ وظُؤارٌ، وكانَ قِياسُهُ أنْ يُقالَ: سُقاءٌ، وإنْ أنَّثَ كَما أُنِّثَ مِنَ الجُمُوعِ "حِجارَةٌ" وغَيْرُهُ.

وسِقايَةُ الحاجِّ كانَتْ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، قالَ الحَسَنُ: «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِقايَةَ، فَقالَ النَبِيُّ  : "أقِيمُوا عَلَيْها فَإنَّها لَكم خَيْرٌ".» وَعِمارَةُ المَسْجِدِ، قِيلَ: هي حِفْظُهُ مِنَ الظُلْمِ فِيهِ أو يُقالُ هُجْرًا، وكانَ ذَلِكَ إلى العَبّاسِ، وقِيلَ: هي السَدانَةُ خِدْمَةُ البَيْتِ خاصَّةً، وكانَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ، وكانَ يَتَوَلّاها عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ -واسْمُ أبِي طَلْحَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ العُزّى بْنِ عَبْدِ الدارِ- وشَيْبَةُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ المَذْكُورُ، هَذانَ هُما اللَذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللهِ  مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «وَقالَ  لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: "يَوْمَ وفاءٍ وبِرٍّ، خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُمُوها إلّا ظالِمٌ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي السَدانَةَ، واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَقِيلَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلْيَهُودِ: إنّا نَسْقِي الحَجِيجَ ونُعَمِّرُ البَيْتَ، أفَنَحْنُ أفْضَلُ أمْ مُحَمَّدٌ  ودِينُهُ؟

فَقالَتْ لَهم أحْبارُ اليَهُودِ: بَلْ أنْتُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ النَبِيِّ  في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ أحَدُهُمْ: ما أتَمَنّى بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أكُونَ ساقَيَ الحُجّاجِ، وقالَ الآخَرُ: إلّا أنْ أكُونَ خادِمَ البَيْتِ وعامِرَهُ، وقالَ الثالِثُ: إلّا أنْ أكُونَ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللهِ، فَسَمِعَهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: اسْكُتُوا حَتّى أدْخُلَ عَلى النَبِيِّ  فَأسْتَفْتِيَهُ، فَدَخَلَ فاسْتَفْتاهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: إنَّ المُسْلِمِينَ عَيَّرُوا أسْرى بَدْرٍ بِالكُفْرِ، فَقالَ العَبّاسُ: بَلْ نَحْنُ سُقاةُ الحاجِّ وَعَمَرَةُ البَيْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ فَقالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ: أنا حاجِبٌ لِلْكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ  ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ العَبّاسَ، وعَلِيًّا وعُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ تَفاخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: أنا ساقِي الحاجِّ، وقالَ عُثْمانُ: أنا عامِرُ البَيْتِ ولَوْ شِئْتُ بَتُّ فِيهِ، وقالَ عَلِيٌّ: أنا صاحِبُ جِهادِ الكُفّارِ مَعَ النَبِيِّ  والَّذِي آمَنتُ وهاجَرْتُ قَدِيمًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ظاهر هذه الآية يقتضي أنّها خطاب لقوم سَوَّوا بين سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام، وبين الجهاد والهجرة، في أنّ كلّ ذلك من عمل البرّ، فتؤذن بأنّها خطاب لقوم مؤمنين قعدوا عن الهجرة والجهاد، بعلّة اجتزائهم بالسقاية والعمارة.

ومناسبتها للآيات التي قبلها: أنّه لمّا وقع الكلام على أنّ المؤمنين هم الأحقّاء بعمارة المسجد الحرام من المشركين دلّ ذلك الكلام على أنّ المسجد الحرام لا يحقّ لغير المسلم أن يباشر فيه عملاً من الأعمال الخاصّة به، فكان ذلك مثار ظنّ بأنّ القيام بشعائر المسجد الحرام مساوٍ للقيام بأفضل أعمال الإسلام.

وأحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية: ما رواه الطبري، والواحدي، عن النعمان بن بشير، قال: كنتُ عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم «ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلاَّ أنْ أسقي الحاج»؛ وقال آخر «بل عمارة المسجد الحرام» وقال آخر «بل الجهاد في سبيل الله خير ممّا قلتم» فزجرهم عمر بن الخطاب وقال: «لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صُلِّيَتْ الجمعة دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفيتُه فيما اختلفتم فيه» قال: فأنزل الله تعالى ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ .

وقد روي أنّه سرى هذا التوهّم إلى بعض المسلمين، فروي أنّ العباس رام أن يقيم بمكة ويترك الهجرة لأجل الشغل بسقاية الحاجّ والزائِر؛ وأنّ عثمان بنَ طلحة رام مثل ذلك، للقيام بحجابة البيت.

وروى الطبري، والواحدي: أن مماراة جرت بين العباس وعلي بن أبي طالب ببدر، وأن علياً عَيَّر العباس بالكفر وقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم لا تذكرون محاسننا إنّا لنَعْمُر مسجد الله ونحجب الكعبة ونسقي الحاج» فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.

والاستفهام للإنكار.

و (السقاية) صيغة للصناعة، أي صناعة السقي، وهي السقي من ماء زمزم، ولذلك أضيفت السقاية إلى الحاج.

وكذلك (العمارة) صناعة التعمير، أي القيام على تعمير شيء، بالإصلاح والحراسة ونحو ذلك، وهي، هنا: غير ما في قوله: ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ [التوبة: 17] وقوله: ﴿ إنما يعمر مساجد الله ﴾ [التوبة: 18] وأضيفت إلى المسجد الحرام لأنّها عمل في ذات المسجد.

وتعريف الحاج تعريف الجنس.

وقد كانت سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام من أعظم مناصب قريش في الجاهلية، والمناصب عشرة، وتسمّى المآثر فكانت السقاية لبني هاشم بن عبد مناف بن قصي وجاء الإسلام وهي للعباس بن عبد المطلب، وكانت عمارة المسجد، وهي السدانة، وتسمّى الحجابة، لبني عبد الدار بن قصي وجاء الإسلام وهي لعثمان بن طلحة.

وكانت لهم مناصب أخرى ثمانية أبطلها الإسلام رأيتها بخط جدّي العلامة الوزير وهي: الدّيَات والحَملات، السِّفارة، الراية، الرّفادة، المشُورة، الأعنة والقبة، الحكُومة وأموالُ الآلهة، الأيْسار.

فأما الديات والحَمالات: فجمع دِيَة وهي عوض دم القتيللِ خطأ أو عمداً إذا صولح عليه؛ وجمع حَمالة بفتح الحاء المهملة وهي الغرامة التي يحملها قوم عن قوم، وكانت لبني تَيْم بن مُرَّةَ بن كعب.

ومُرّة جدّ قصَي، وجاء الإسلام وهي بيد أبي بكر الصديق.

وأمّا السِفارة بكسر السين وفتحها فهي السعي بالصلح بين القبائِل.

والقائم بها يسمّى سفيراً.

وكانت لبني عدي بن كعب أبناء عمّ لقصي وجاء الإسلام وهي بيد عمر بن الخطاب.

وأمّا الراية، وتسمّى: العُقاب بضم العين لأنّها تخفق فوق الجيش كالعُقاب، فهي راية جَيش قريش.

وكانت لبني أمية، وجاء الإسلام وهي بيد أبي سفيان بن حرب.

وأمّا الرّفادة: فهي أموال تخرجها قريش إكراماً للحجيج فيطعمونهم جميعَ أيّام الموسم يشترون الجُزُر والطعام والزبيب للنبيذ وكانت لبني نوفل بن عبد مناف، وجاء الإسلام وهي بيد الحارث بن عامر بن نوفل.

وأمّا المَشُورَة: فهي ولاية دار النَّدْوة وكانت لبني أسد بن عبد العُزّى بن قصيّ.

وجاء الإسلام وهي بيد زيد بن زَمْعَة.

وأمّا الأعنّة والقُبة فقبّة يضربونها يجتمعون إليها عند تجهيز الجيش وسميت الأعنّة وكانت لبني مخزوم.

وهم أبناء عم قُصَي، وجاء الإسلام وهي بيد خالد بن الوليد.

وأمّا الحُكومة وأموالُ الآلاهة ولم أقف على حقيقتها فأحسب أنّ تسميتها الحكومة لأنّ المال المتجمع بها هو ما يحصل من جزاء الصيد في الحرم أو في الإحرام.

وأمّا تسميتها أموال الآلهة لأنّها أموال تحصل من نحو السائبة والبحيرة وما يوهب للآلهة من سلاح ومتاع.

فكانت لبني سهم وهم أبناء عمّ لقصي.

وجاء الإسلام وهي بيد الحارث بن قيس بن سهم.

وأما الأيسار وهي الأزلام التي يستقسمون بها فكانت لبني جُمح وهم أبناء عمّ لقُصي، وجاء الإسلام وهي بيد صفوان بن أميةَ بننِ خَلَف.

وقد أبطل الإسلام جميع هذه المناصب، عدا السدانة والسقاية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع «ألا إنّ كل مأثُرة من مآثر الجاهلية تحت قَدَمَيَّ هاتين إلاّ سِقاية الحاج وسَدانة البيت» وكانت مناصب العرب التي بيد قصي بن كلاب خمسة: الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء فلمّا كبر قصي جعل المناصب لابنه عبد الدار، ثم اختصم أبناء قصي بعد موته وتداعَوا للحرب، ثم تداعَوا للصلح، على أن يعطوا بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة، وأن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأحدثت مناصب لبعضضٍ من قريش غيرِ أبناء قصي فانتهت المناصب إلى عشرة كما ذكرنا.

وذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ليس لأنّه محلّ التسوية المردودة عليهم لأنّهم لم يدَّعوا التسوية بين السقاية أو العمارة بدون الإيمان، بل ذِكر الإيمان إدماج، للإيماء إلى أنّ الجهاد أثَرُ الإيمان، وهو ملازم للإيمان، فلا يجوز للمُؤمن التنصّل منه بعلّة اشتغاله بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام.

وليس ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر لكون الذين جعلوا مزية سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام مثل مزية الإيمان ليسوا بمؤمنين لأنّهم لو كانوا غير مؤمنين لما جَعلوا مناصب دينهم مساوية للإيمان، بل لَجعلوها أعظم.

وإنّما توهّموا أنهما عملان يَعْدِلاننِ الجهاد، وفي الشغل بهما عذر للتخلّف عن الجهاد، أو مزية دينية تساوي مزية المجاهدين.

وقد دلّ ذكر السقاية والعمارة في جانب المشبّه، وذكر من آمن وجاهد في جانب المشبّه به، على أنّ العملين ومَن عملهما لا يساويان العملَين الآخرين ومَن عملهما.

فوقع احتباك في طرفي التشبيه، أي لا يستوي العملان مع العملين ولا عاملوا هذين بعاملي ذينك العملين.

والتقدير: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله، وجعلتم سقاية الحاجّ وعمّار المسجد كالمؤمنين والمجاهدين في سبيل الله.

ولما ذكرت التسوية في قوله: ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ أسندت إلى ضمير العاملين، دون الأعمال: لأنّ التسوية لم يشتهر في الكلام تعليقها بالمعاني بل بالذوات.

وجملة ﴿ لا يستوون ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً: لبيان ما يُسأل عنه من معنى الإنكار الذي في الاستفهام بقوله: ﴿ أجعلتم ﴾ الآية.

وجملة ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ تذييل لجملة ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ إلخ، وموقعهُ هنا خفي إن كانت السورة قد نزلت بعد غزوة تبوك، وكانت هذه الآية ممّا نزل مع السورة ولم تنْزل قبلها، على ما رجحناه من رواية النعمان بن بشير في سبب نزولها، فإنّه لم يبق يومئذٍ من يجعل سقاية الحاجّ وعمارة البيت تساويان الإيمان والجهاد، حتى يُرَد عليه بما يدلّ على عدم اهتدائه.

وقد تقدّم ما روي عن عمر بن الخطاب في سبب نزولها وهو يزيد موقعها خفاء.

فالوجه عندي في موقع جملة ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أنّ موقعها الاعتراض بين جملة ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ وجملة ﴿ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ﴾ [التوبة: 20] إلخ.

والمقصود منها زيادة التنويه بشأن الإيمان، إعلاماً بأنّه دليل إلى الخيرات، وقائد إليها.

فالذين آمنوا قد هداهم إيمانهم إلى فضيلة الجهاد، والذين كفروا لم ينفعهم ما كانوا فيه من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ، فلم يهدهم الله إلى الخير، وذلك برهان على أنّ الإيمان هو الأصل، وأنّ شُعَبَه المتولّدة منه أفضل الأعمال، وأنّ ما عداها من المكارم والخيرات في الدرجة الثانية في الفضل، لأنّها ليست من شعب الإيمان، وإن كان كلا الصفتين لا ينفع إلاّ إذا كان مع الإيمان، وخاصّة الجهاد.

وفيه إيماء إلى أنّه: لولا الجهاد لما كان أهل السقاية وعمارة المسجد الحرام مؤمنين، فإنّ إيمانهم كان من آثار غزوة فتح مكة وجيششِ الفتح إذ آمن العباس بن عبد المطلب وهو صاحب السقاية، وآمن عثمان بن طَلحة وهو صاحب عمارة المسجد الحرام.

فأمّا ما رواه الطبري والواحدي عن ابن عباس: من أنّ نزول هذه الآية كان يوم بدر، بسبب المماراة التي وقعت بين علي بن أبي طالب والعباس، فموقع التذييل بقوله: ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ واضح: أي لا يهدي المشركين الذين يسقون الحاجّ ويعمرون المسجد الحرام، إذ لا يجدي ذلك مع الإشراك.

فتبيّن أنّ ما توهّموه من المساواة بين تلك الأعمال وبين الجهاد، وتنازعهم في ذلك، خطأ من النظر، إذ لا تستقيم تسوية التابع بالمتبوع والفرععِ بالأصل، ولو كانت السقاية والعمارة مساويتين للجهاد لكان أصحابهما قد اهتدوا إلى نصر الإيمان، كما اهتدى إلى نصره المجاهدون، والمشاهدة دلّت على خلاف ذلك: فإنّ المجاهدين كانوا مهتدين ولم يكن أهل السقاية والعمارة بالمهتدين.

فالهداية شاع إطلاقها مجازاً باستعارتها لمعنى الإرشاد على المطلوب، وهي بحسب هذا الإطلاق مراد بها مطلوب خاص وهو ما يطلبه مَن يعمل عملاً يتقرب به إلى الله، كما يقتضيه تعقيب ذكر سقاية الحاج وعمارة المسجد بهذه الجملة.

وكنّي بنفي الهداية عن نفي حصول الغرض من العمل.

والمعنى: والله لا يقبل من القوم المشركين أعمالهم.

ونسب إلى ابن وردان أنّه روي عن أبي جعفر أنّه قرأ: ﴿ سُقَاةَ الحاج ﴾ بضم السين جمع الساقي وقرأ ﴿ وعَمَرَة ﴾ بالعين المفتوحة وبدون ألف وبفتح الراء جمع عامر وقد اختلف فيها عن ابن وَردان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ يَعْنِي بِعِمارَتِهِ السِّدانَةَ والقِيامَ بِهِ.

﴿ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ قُرَيْشًا فَضَّلَتْ ذَلِكَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وأعْلَمَهم أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، وأنَّ ذَلِكَ مَعَ الكُفْرِ مُحْبَطٌ.

وَحَكى مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو صاحِبُ السِّقايَةِ، وفي شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ وهو صاحِبُ السِّدانَةِ وحاجِبُ الكَعْبَةِ أُسِرا يَوْمَ بَدْرٍ فَعُيِّرا بِالمَقامِ عَلى الكُفْرِ بِمَكَّةَ وأغْلَظَ لَهُما المُهاجِرُونَ، فَقالا نَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ ونَسْقِي الحاجَّ فَنَزَلَ هَذا فِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم، ما أبالي ان لا أعمل لله عملاً بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج.

وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام.

وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم.

فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك يوم الجمعة- ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيته فيما اختلفتم فيه، فانزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ إلى قوله: ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج...

﴾ الآية.

وذلك أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد.

فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله استكبارهم واعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين ﴿ قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون.

مستكبرين به سامراً تهجرون ﴾ [ المؤمنون: 67] .

يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم.

وقال ﴿ به سامراً ﴾ كانوا به يسمرون ويهجون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإِيمان بالله والجهاد مع نبي الله صلى الله عليه وسلم على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله تعالى مع الشرك به وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه، قال الله: ﴿ لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئاً.

وأخرح ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال العباس رضي الله عنه حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنت نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج...

﴾ الآية.

يعني أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام...

﴾ الآية.

قال: نزلت في علي بن أبي طالب والعباس رضي الله عنه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ في العباس وعلي رضي الله عنهما تكلما في ذلك.

وأخرج ابن مردويه عن الشعبي رضي الله عنه قال: كانت بين علي والعباس رضي الله عنهما منازعة فقال العباس لعلي رضي الله عنه: أنا عم النبي صلى الله عليه وسلم وأنت ابن عمه، وإلي سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عبيدة رضي الله عنه قال: قال علي رضي الله عنه للعباس: لو هاجرت إلى المدينة.

قال: أوَلست في أفضل من الهجرة؟

ألست أسقي الحاج، وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية يعني قوله: ﴿ أعظم درجة عند الله ﴾ قال: فجعل الله للمدينة فضل درجة على مكة.

وأخرج الفريابي عن ابن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكة فقال للعباس رضي الله عنه: أي عم الا تهاجر، ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: أعمر المسجد الحرام، وأحجب البيت.

فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام...

﴾ الآية.

وقال لقوم قد سماهم: ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقالوا: نقيم مع اخواننا وعشائرنا ومساكننا، فأنزل الله تعالى ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ [ التوبة: 24] الآية كلها.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: افتخر طلحة بن شيبة، والعباس، وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه.

وقال العباس رضي الله عنه: أنا صاحب السقاية والقائم عليها: فقال علي رضي الله عنه: ما أدري ما تقولون: لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج...

﴾ الآية كلها.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما- والله- لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.

وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: قعد العباس وشيبة صاحب البيت يفتخران، فقال له العباس رضي الله عنه: أنا أشرف منك، أنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصي أبيه، وساقي الحجيج.

فقال شيبة: أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟

فاطلع عليهما عليّ رضي الله عنه فأخبراه بما قالا.

فقال علي رضي الله عنه: أنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن وهاجر: فانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه.

فما أجابهم بشيء، فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام، فأرسل إليهم فقرأ عليهم ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ إلى آخر العشر.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي حمزة السعدي أنه قرأ ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ قال: أرادوا أن يدعوا السقاية والحجابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوها فإن لكم فيها خيراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه قال: اشرب من سقاية العباس فانها من السنة.

ولفظ ابن أبي شيبة: فإنه من تمام الحج.

وأخرج البخاري والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال للعباس: يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال: اسقني.

فقال: يا رسول الله انهم يجعلون أيديهم فيه.

فقال: اسقني.

فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه» .

وأخرج أحمد عن أبي محذورة رضي الله عنه قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان لنا ولموالينا، والسقاية لنبي هاشم، والحجابة لبني عبد الدار.

وأخرج ابن سعد عن علي رضي الله عنه قال: «قلت للعباس رضي الله عنه: سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نأتيك بماء لم تمسه الأيدي؟

قال: بلى، فاسقوني فسقوه، ثم أتى زمزم فقال: استقوا لي منها دلواً، فأخرجوا منها دلواً فمضمض منه ثم مجه فيه، ثم قال: أعيدوه ثم قال: إنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا عليه لنزلت فنزعت معكم» .

وأخرج ابن سعد عن جعفر بن تمام قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أرأيت ما تسقون الناس من نبيذ هذا الزبيب، أسنة تبغونها أم تجدون هذا أهون عليكم من البن والعسل؟

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى العباس وهو يسقي الناس فقال اسقني.

فدعا العباس بعساس من نبيذ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم عساً منها فشرب، ثم قال: أحسنتم هكذا فاصنعوا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فما يسرني أن سقايتها جرت عليَّ لبناً وعسلا مكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسنتم هكذا فافعلوا» .

وأخرج ابن سعد عن مجاهد رضي الله عنه قال: اشرب من سقاية آل العباس فإنها من السنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج؟

﴾ قال: زمزم.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي في الدلائل عن الزهري رضي الله عنه قال: أول ما ذكر من عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن قريشاً خرجت من الحرم فارّة من أصحاب الفيل وهو غلام شاب فقال: والله لا أخرج من حرم الله أبتغي العز في غيره.

فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش فقال: لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك ** لا يغلبن صليبهم وضلالهم عدواً محالك فلم يزل ثابتاً في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيها لصبره وتعظيمه محارم الله، فبينما هو في ذلك وقد ولد له أكبر بنيه، فأدرك- وهو الحارث بن عبد المطلب- فأتي عبد المطلب في المنام فقيل له: احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم، فاستيقظ فقال: اللهمَّ بيِّن لي.

فأتي في النام مرة أخرى فقيل: احفرتكم بين الفرث والدم في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبل الأنصاب الحمر.

فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات، فنحرت بقرة بالجزورة فانفلتت من جازرها تحمي نفسها حتى غلب عليها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة من مكانها حتى احتمل لحمها فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل فقام عبد المطلب فحفر هناك، فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب: ما هذا الصنيع إنما لم نكن نرميك بالجهل لم تحفر في مسجدنا؟!

فقال عبد المطلب: إني لحافر هذا البئر ومجاهد من صدني عنها.

فطفق هو وولده الحارث وليس له ولد يومئذ غيره، فسفه عليهما يومئذ ناس من قريش فنازعوها وقاتلوهما، وتناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من عتق نسبه وصدقه واجتهاده في دينهم.

حتى إذا أمكن الحفر واشتد عليه الأذى، نذر أن وفي له عشرة من الولدان ينحر أحدهم، ثم حفر حتى أدرك سيوفاً دفنت في زمزم حين دفنت، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالوا: يا عبد المطلب أجدنا مما وجدت.

فقال عبد المطلب: هذه السيوف لبيت الله.

فحفر حتى انبط الماء في التراب وفجرها حتى لا تنزف وبنى عليها حوضاً، فطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشربه الحاج، فيكسره أناس حسدة من قريش فيصلحه عبد المطلب حين يصبح.

فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه، فأريَ في المنام فقيل له: قل اللهمَّ لا أحلها المغتسل ولكن هي للشاربين حل وبل ثم كفيتهم.

فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد، فنادى بالذي أرى ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش إلا رمى في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته، ثم تزوّج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط.

فقال: اللهمَّ إني كنت نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم فأصيب بذلك من شئت.

فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد الله، وكان أحب ولده إليه فقال عبد المطلب: اللهم هو أحب إليك أم مائة من الابل؟

ثم أقرع بينه وبين المائة من الإِبل فطارت القرعة على المائة من الإِبل، فنحرها عبد المطلب.

وأخرج الأزرقي والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: أحفر طيبة.

قلت: وما طيبة؟

فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت به، فجاءني فقال: احفر زمزم.

فقلت: وما زمزم؟

قال: لا تنزف ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم عند قرية النمل.

قال: فلما أبان له شأنها ودل على موضعها وعرف أن قد صدق غدا بمعول ومعه ابنه الحارث ليس له يومئذ غيره فحفر، فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها؟

فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم.

قالوا: فأنصفنا فإنَّا غير تاركيك حتى نحاكمك.

قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم.

قالوا: كاهنة من سعد هذيل.

قال: نعم- وكانت باشراف الشام- فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل ركب من قريش نفر- والأرض إذ ذاك مفاوز- فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا: إنا في مفازة نخشى فيها على أنفسنا مثل ما أصابكم.

فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون؟

قالوا: ما رأينا الا تبع لرأيك فمرنا ما شئت.

قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه لما بكم الآن من القوة، كلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً.

قالوا: سمعنا ما أردت.

فقام كل رجل منهم يحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا لعجز ما نبتغي لأنفسنا حيلة، عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارحلوا، فارتحلوا حتى فرغوا ومن معهم من قريش ينظرون إليهم وما هم فاعلون، فقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشربوا واستقوا حتى ملأوا سقيتهم، ثم دعا القبائل التي معه من قريش فقال: هلم الماء قد سقانا الله تعالى فاشربوا واستقوا.

فقالت القبائل التي نازعته: قد- والله- قضى الله لك يا عبد المطلب علينا، والله لا نخاصمك في زمزم.

فارجع إلى سقايتك راشداً.

فرجع ورجعوا معه ولم يمضوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وعمر بن شبة والفاكهاني في تاريخ مكة والطبراني في الأوسط وابن عدي والبيهقي في سننه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ماء زمزم لما شرب له» .

وأخرج المستغفري في الطب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له، من شربه لمرض شفاه الله، أو جوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله» .

وأخرج الدينوري في المجالسة عن الحميدي- وهو شيخ البخاري رضي الله عنهما- قال: كنا عند ابن عينية فحدثنا بحديث ماء زمزم لما شرب له، فقام رجل من المجلس ثم عاد فقال: يا أبا محمد ليس الحديث الذي قد حدثتنا في زمزم صحيحاً.

فقال: بلى.

فقال الرجل: فإني شربت الآن دلواً من زمزم على أن تحدثني بمائة حديث.

فقال سفيان رضي الله عنه: اقعد فقعد.

فحدثه بمائة حديث.

وأخرج الفاكهاني في تاريخ مكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: حج معاوية رضي الله عنه وحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال: يا غلام انزع لي منها دلواً.

فنزع له دلواً يشرب وصب على وجهه، وخرج وهو يقول: ماء زمزم لما شرب له.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له» .

وأخرج الحافظ أبو الوليد بن الدباغ رضي الله عنه في فوائده والبيهقي والخطيب في تاريخه عن سويد بن سعيد رضي الله عنه قال: رأيت ابن المبارك رضي الله عنه أتى زمزم، فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم لما شرب له» وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة.

ثم شربه.

وأخرج الحكيم الترمذي من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له» قال الحكيم: وحدثني أبي قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء، فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني، وخفت ان خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقذار وذلك أيام الحج، فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فتضلعت منه، فذهب عني إلى الصباح.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير ماء على وجه الأرض زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم» .

وأخرج ابن أبي شيبة والفاكهاني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زمزم خير ماء يعلم، وطعام يطعم، وشفاء سقم» .

وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم في القوارير، وتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وكان يصب على المرضى ويسقيهم.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن صفية رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم شفاء من كل داء» .

وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تشتفي به شفاك الله، وان شربته مستعيذاً أعاذك الله، وإن شربته ليقطع ظمؤك قطعه الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وهي عزيمة جبريل، وسقيا إسماعيل عليهما السلام.

قال: وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا شرب ماء زمزم قال: اللهمَّ إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء» .

وأخرج عبد الرزاق وابن ماجة والطبراني والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عثمان بن الأسود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: من أين جئت؟

قال: شربت من زمزم فقال: اشرب منها كما ينبغي.

قال: وكيف ذاك يا أبا عباس؟

قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله واشرب وتنفس ثلاثاً وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم» .

وأخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة زمزم، فأمر بدلو انتزع له من البئر فوضعها على شفة البئر، ثم وضع يده من تحت عراقي الدلو، ثم قال: بسم الله.

ثم كرع فيها فأطال، فرفع رأسه فقال: الحمد لله.

ثم دعا فقال: بسم الله.

ثم كرع فيها فأطال وهو دون الأول، ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله.

ثم دعا فقال: بسم الله.

ثم كرع فيها وهو دون الثاني، ثم رفع فقال: الحمد لله.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علامة ما بيننا وبين المنافقين لم يشربوا منها قط حتى يتضلعوا» .

وأخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم «التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق» .

وأخرج الأزرقي عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: علامة ما بيننا وبين المنافقين أن يدلوا دلواً من ماء زمزم فيتضلعوا منها، ما استطاع منافق قط أن يتضلع منها» .

وأخرج الأزرقي عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، وأن ماءها مذهب بالصداع، وأن الاطلاع فيها يجلو البصر، وأنه سيأتي عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات.

وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي والفاكهاني عن كعب رضي الله عنه قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل أن زمزم طعام طعم، وشفاء سقم.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والأزرقي عن عبد الله بن عثمان بن خثيم رضي الله عنه قال: قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى، فجئنا نعوده فإذا عنده من ماء زمزم، فقلنا: لو استعذبت فإن هذا ماء فيه غلظ.

قال: ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها غيره، والذي نفس وهب بيده إنها لفي كتاب الله مضنونة، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم، وشفاء سقم، والذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت داء وأحدثت له شفاء.

وأخرج الأزرقي عن كعب رضي الله عنه.

أنه قال: لزمزم أنا نجدها مضنونة ضن بها لكم، وأول من سقي ماءها إسماعيل عليه السلام، طعام طعم وشفاء سقم.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور والأزرقي والحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه قال: ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تريد الشفاء شفاك الله، وإن شربته لظمأ رواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وهي هزمة جبريل عليه السلام بعقبه، وسقيا الله لإسمعيل عليه السلام.

وأخرج بقية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: خير واد في الناس وادي مكة، ووادي الهند الذي هبط به آدم عليه السلام، ومنه يؤتى بهذا الطيب الذي تطيبون به.

وشر واد الناس واد بالأحقاف، ووادي حضرموت يقال له برهوت، وخير بئر في الناس بئر زمزم، وشر بئر في الناس بئر برهوت، وإليها تجتمع أرواح الكفار.

وأخرج الأزرقي من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار.

قيل لابن عباس: ما مصلى الأخيار؟

قال: تحت الميزاب.

قيل: وما شراب الأبرار؟

قال: ماء زمزم.

وأخرج الأزرقي عن ابن جريج رضي الله عنه قال: سمعت أنه يقال: خير ماء في الأرض ماء زمزم، وشر ماء في الأرض ماء برهوت، شعب من شعب حضرموت.

وأخرج الأزرقي عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: إن إيليا وزمزم ليتعارفان.

وأخرج الأزرقي عن عكرمة بن خالد رضي الله عنه قال: بينما أنا ليلة في جوف الليل عند زمزم جالس إذا نفر يطوفون عليهم ثياب بيض لم أر بياض ثيابهم بشيء قط، فلما فرغوا صلوا قريباً منا، فالتفت بعضهم فقال لأصحابه اذهبوا بنا نشرب من شراب الأبرار.

فقاموا فدخلوا زمزم فقلت: والله لو دخلت على القوم فسألتهم.

فقمت فدخلت فإذا ليس فيها أحد من البشر.

وأخرج الأزرقي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: تنافس الناس في زمزم في الجاهلية، حتى أن كان أهل العيال يغدون بعيالهم فيشربون فيكون صبوحاً لهم، وقد كنا نعدها عوناً على العيال.

وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت زمزم تسمى في الجاهلية شباعه، وتزعم أنها نعم العون على العيال.

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والأزرقي والبزار وأبو عوانة والبيهقي في سننه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قدمت مكة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «متى كنت ههنا؟

قلت: أربع عشرة.

وفي لفظ: قلت ثلاثين من بين يوم وليلة.

قال: من كان يطعمك؟

قلت: ما كان لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم فما أجد على كيدي سحقة جوع، ولقد تكسرت عكن بطني.

إنها مباركة إنها طعام طعم، زاد الطيالسي وشفاء سقم» .

وأخرج الأزرقي عن رباح بن الأسود رضي الله عنه قال: كنت مع أهلي بالبادية، فابتعت بمكة فاعتقت، فمكثت ثلاثة أيام لا أجد شيئاً آكله، فكنت أشرب من ماء زمزم، فشربت يوماً فإذا أنا بصريف اللبن من بين ثناياي، فقلت: لعلي ناعس...

!

فانطلقت وأنا أجد قوة اللبن وشبعه.

وأخرج الأزرقي عن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه.

أن راعياً كان يرعى وكان من العباد، فكان إذا ظمئ وجد فيها لبناً، وإذا أراد أن يتوضأ وجد فيها ماء.

وأخرج الأزرقي عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: إن الله يرفع المياه قبل يوم القيامة غير زمزم، فتغور المياه غير زمزم، وتلقي الأرض ما في بطنها من ذهب وفضة، ويجيء الرجل بالجراب فيه الذهب والفضة فيقول: من يقبل هذا مني؟

فيقول: لو أتيتني به أمس قبلته.

وأخرج الأزرقي عن زر بن حبيش قال: رأيت عباس بن عبد المطلب في المسجد الحرام وهو يطوف حول زمزم يقول: لا أحلها لمغتسل وهي لمتوضئ وشارب حلُّ وبلٌّ.

وأخرج الأزرقي عن ابن أبي حسين «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى سهيل بن عمرو يستهديه من ماء زمزم، فبعث له براويتين» .

وأخرج عبد الرزاق والأزرقي عن ابن جريج عن ابن أبي حسين واسمه عبد الله بن أبي عبد الرحمن قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو «إن جاءك كتابي ليلاً فلا تُصبِحَنَّ، وإن جاءك نهار فلا تُمْسِيَنَّ حتى تبعث إليَّ بماء من زمزم، فملأ له مزادتين وبعث بهما على بعير» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استهدى سهيل بن عمرو رضي الله عنه من ماء زمزم.

وأخرج ابن سعد عن أم أيمن رضي الله عنهما قالت «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا صغيراً ولا كبيراً جوعاً ولا عطشاً، كان يغدو فيشرب من ماء زمزم فاعرض عليه الغداء فيقول: لا أريده أنا شبعان» .

وأخرج الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من العبادة: النظر إلى المصحف، والنظر إلى الكعبة، والنظر إلى الوالدين، والنظر في زمزم وهي تحط الخطايا، والنظر في وجه العالم» .

وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه.

أنه كان إذا شرب من زمزم قال: هي لما شربت له.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما من رجل يشرب من ماء زمزم حتى يتضلع إلا حطَّ الله به داء من جوفه، ومن شربه لعطش روي، ومن شربه لجوع شبع.

وأخرج عبد الرزاق عن طاوس رضي الله عنه قال: ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم.

وأخرج الفاكهاني عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناً له إلى مكة فاقام بها ليالي يشرب من ماء زمزم، فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عيشك؟

فأخبره أنه كان يأتي زمزم فيشرب من مائها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها شفاء من سقم وطعام من طعم» .

وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم.

وأخرج الفاكهاني عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم، ولا أطعم قوماً طعاماً إلا سقاهم من ماء زمزم.

وأخرج أبو ذر الهروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت أهل مكة لا يسابقهم أحد إلا سبقوه، ولا يصارعهم أحد إلا صرعوه حتى رغبوا عن ماء زمزم.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يستحبون إذا ودعوا البيت أن يأتوا زمزم فيشربوا منها.

وأخرج السلفي في الطيوريات عن ابن حبيب رضي الله عنه قال: زمزم شراب الأبرار، والحجر مصلى الأخيار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ﴾ الآية، ذكر المفسرون أقوالًا في نزول هذه الآية فقال ابن عباس في رواية الوالبي: "قال العباس: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، فأنزل الله هذه الآية" (١) (٢) وقال الحسن والشعبي والقرظي: "افتخر علي والعباس وطلحة بن شيبة (٣) (٤) (٥) والسقاية: الموضع الذي يتخذ فيه (٦) ﴿ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ  ﴾ ، يعني إناء، قاله الليث (٧) (٨) فالسقاية يجوز أن تكون اسمًا، ويجوز أن تكون مصدرًا، كالرعاية والحماية (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ كَمَنْ آمَنَ ﴾ فقلت: التقدير: أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن؟

وهذه الوجوه ذكرها الفراء (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ (١٩) (٢٠) ﴿ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: تجميره وتخليقه (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: "أخبر أن عمارتهم المسجد الحرام، وقيامهم على السقاية لا ينفعهم عند الله مع الشرك (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي قد هدى المؤمنين الذين وصفهم، ولم يهد الذين سووا بهم (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (١) رواه الثعلبي 6/ 86 أ، والبغوي 4/ 22، وبنحوه ابن جرير 10/ 95، وابن أبي حاتم 6/ 1768.

(٢) رواه ابن جرير 10/ 95، وابن أبي حاتم 6/ 1768، والثعلبي 6/ 86 أ.

(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "طلحة بن شيبة لا وجود له، وإنما خادم الكعبة هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة".

انظر: "منهاج السنة" 5/ 18.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٥) ذكر الأثر عنهم الثعلبي 6/ 86 أ، والواحدي في "أسباب النزول" 248، والبغوي 4/ 22، ورواه ابن جرير 10/ 96 عن القرظي بلفظه، وعن الحسن والشعبي بمعناه مختصرًا، وفي سند ابن جرير عن القرظي علتان: جهالة أحد رواته، والإرسال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 5/ 18 - 19: "هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، بل ودلالات الكذب عليه ظاهرة".

(٦) في (ح): (منه).

(٧) "تهذيب اللغة" (سقي) 2/ 1715، والنص موجود بنحوه في كتاب "العين" (سقي) 5/ 189.

(٨) المصدرين السابقين، نفس الموضع.

(٩) في (ى): (والرعاية)، وهو خطأ.

(١٠) "أهل" ساقط من (ى).

(١١) في (ى): (و).

(١٢) في (ح): (سقاية).

وهو خطأ.

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٤) في (ح) و (ى): (وعمارة)، وهو خطأ.

(١٥) قال ابن جني: ولست أدفع مع هذا أن يكون "سقاية الحاج" جمع ساق، و"عمارة المسجد الحرام" جمع عامر، فيكون كقائم وقيام، وصاحب وصحاب، وراع ورعاء، إلا أنه أنث (فعالًا) على ما مضى فصار كحجارة وعيارة ...

إلخ".

"المحتسب" 1/ 286.

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 427 وقد ذكر وجهًا واحداً وهو أن "السقاية" و"العمارة" مصدر يكفي من الاسم.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 438، وقد ذكر وجهًا واحداً، وهو أن المضاف محذوف، والتقدير: أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد.

(١٨) في كتابه "معاني القرآن" ولم يُعثر عليه حتى الآن.

(١٩) من الآية: 177 من سورة البقرة.

وانظر "النسخة الأزهرية" 1/ 107 ب وقد قال في هذا الموضع: "ولكن البر من آمن بالله" البر مصدر، ولا يخبر عن المصادر بالأسماء و (من) اسم، واختلف النحويون وأهل المعاني في وجهه، وقال أبو عبيدة: البر ههنا بمعنى البار، والفاعل قد يسمى بالمصدر ..

وحكى الزجاج أن معناه: ذا البر فحذف كقوله "هم درجات عند الله" أي ذو درجات، وقال قطرب والفراء: معناه: ولكن البر بر من آمن فحذف المضاف ..).

(٢٠) ذكره الثعلبي 6/ 86 ب، وابن الجوزي 3/ 410.

(٢١) التجمير: التبخير بالعود، والتخليق: الطلي بالخلوق، والخلوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه العمرة والصفرة.

انظر: "لسان العرب" (جمر) 2/ 675 و (خلق) 2/ 1247.

(٢٢) ذكر الأثر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 411، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 486.

(٢٣) في (م): (الشريك).

(٢٤) رواه الثعلبي 6/ 86 أبهذا اللفظ، ورواه ابن جرير 10/ 95 بنحوه مع تقديم ما بين المعقوفين على ما قبلها.

(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٢٦) يعني التسوية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ الآية، وعبارة المؤلف ليست على إطلاقها فإن ممن سوي بهم العباس وشيبة بن عثمان، وقد هداهما الله تعالى.

(٢٧) "تفسير مقاتل" ص 127 ب.

(٢٨) "تنوير المقباس" ص189 عنه عن ابن عباس.

(٢٩) هكذا في (م) و (ى) وفي (ح): (الأشترين عند الله)، ولم أجد فيما بين يدي من مصادر من اسمه الأشتر بن عبد الله، وأرجح أن في النص تصحيف، والصواب: وقال -يعني الكلبي-: الأشرين عند الله الذين زعموا ..

الخ، ويؤكد هذا أن الأثر قد رواه ابن جرير 10/ 95، وابن أبي حاتم 6/ 1769 عن ابن عباس من طريق العوفي دون قوله "الأشرين عند الله"، وقد روي عن العرب صيغة أفعل التفضيل "أشر" وإن كانت لغة قليلة ورديئة كما في "الصحاح" (شرر) 2/ 695، و"لسان العرب" (شرر) 4/ 2232.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ أي ليس لهم ذلك بالحق والواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليباً وظلماً، ومن قرأ مساجد بالجمع أراد جميع المساجد، ومن قرأ بالتوحيد أراد المسجد الحرام ﴿ شاهدين على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ أي أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار بالكفر، وقيل: الإشارة إلى قولهم في التلبية: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية: سببها أن قوماً من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام؛ فبين الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه.

وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسجد الله ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: على الجمع ﴿ يبشرهم ﴾ خفيفاً: حمزة ﴿ وعشيراتكم ﴾ على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة ﴿ وضاقت ﴾ ونحو ممالة: حمزة ﴿ رحبت ثم ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ بالكفر ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه لئلا يشتبه بالوصف ﴿ وأنفسهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "الذين" ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الإيمان ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ لا لعطف الظرف على الظرف ﴿ حنين ﴾ لا لأن "إذ" ظرف ﴿ نصركم ﴾ .

﴿ مدبرين ﴾ ه ج للآية والعطف.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج ﴿ إن شاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها.

قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي  له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال علي  ألكم محاسن؟

فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم ﴿ ما كان للمشركين ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿ أن يعمروا مسٰجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام.

ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد.

قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً.

وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات.

وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه  كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد.

وقوله ﴿ شاهدين على أنفسهم ﴾ حال من الواو في ﴿ يعمروا ﴾ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به.

وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟

قال: نصراني.

واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن.

وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".

وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر.

وإنما جاز هذا التفسير لقوله  ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ ثم بيّن  ما هو الحق في هذا الباب فقال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة.

ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه.

وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث: "المصلي يناجي ربه" .

وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره  .

وقيل: دل عليه بقوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ لأنهما معلومتان من أفعاله  ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة.

ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد.

ثم قال ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له.

فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة.

فقد روي عن النبي  أنه قال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وعنه  : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" وقال صلى الله عليه وآله: قال الله  : "إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره" ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح.

فعن أنس عن النبي  : "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه" .

وفي قوله ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟

وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ.

هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب.

وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد.

ثم إنه قال ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر.

قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله ﴿ كمن آمن ﴾ وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج.

وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل.

وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله ﴿ أولئك أعظم درجة ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة.

وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله  فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج.

وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام.

وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله  وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله  فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية.

ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه.

وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها.

وقال عليّ  : ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت.

وعن ابن سيرين: قال عليّ  للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي  ؟

فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية.

فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا.

فقال النبي  : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً" .

والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟

ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ ثم صرح بالمفضول فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله  .

وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري.

وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم.

ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: ﴿ أعظم درجة ﴾ وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة.

وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ .

أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر.

أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة.

ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر.

وفي قوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف عظيم لقوله ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ﴾ وكذا في قوله ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم.

ثم فسر الفوز بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة.

وقوله ﴿ لهم فيها نعيم ﴾ إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات.

ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها ﴿ مقيم ﴾ وثانيها ﴿ خالدين ﴾ وثالثها ﴿ أبداً ﴾ وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به.

وقوله ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية.

وقوله ﴿ جنات ﴾ إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها.

ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ثم أكد المعاني المذكورة بقوله ﴿ الله عنده أجر عظيم ﴾ وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى.

قال الكلبي: لما أمر رسول الله  الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ الآيتين.

وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟

فذكر الله  أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر.

ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة.

ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك.

وعن النبي  : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس" .

وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم..

فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ الآية.

فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك.

وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم.

قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه.

ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع.

ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.

قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه.

والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه.

والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن  أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿ فتربصوا ﴾ انتظروا بما تحبون ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة.

وقيل: يعني القتال.

وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد.

ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله  يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر.

ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها.

وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد.

والمواطن الكثيرة غزوات الرسول  وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي يوم حنين.

واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين  قال علي: أن الواجب أن يكون يوم ﴿ حنين ﴾ منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ بدل من ﴿ يوم حنين ﴾ فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر".

قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً.

وحنين وداً بين مكة والطائف.

قال المفسرون: لما فتح رسول الله  مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.

واختلفوا في عدد عسكر رسول الله  حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً.

وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله  .

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.

وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة.

فهذه الكلمة ساءت رسول الله  وهي المراد من قوله ﴿ إذ أعجبتكم ﴾ وقيل: قالها أبو بكر.

وقيل: رسول الله  وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.

ثم قال ﴿ فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي انهزمتم انهزاماً.

قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله  ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله  دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب *** وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله  بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله  ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله  حين وقع الهرب.

﴿ وأنزل الله جنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات.

وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا.

واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا.

وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري.

واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله ﴿ وعذب ﴾ على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله  ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا  ﴾ قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه.

وأجابت الشافعية بأنه قال  في هذه الآية ﴿ ذلك ﴾ أي الأخذ والأسر ﴿ جزاء الكافرين ﴾ سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ.

أما قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك ﴾ أي يسلم ناس منهم.

"روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.

قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم.

قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً.

فقام رسول الله  فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً.

فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.

قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا.

فرفعت إليه  العرفاء أن قد رضوا" .

ثم إنه  أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً  حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس.

وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس.

قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف.

واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.

وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية.

وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه  شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي  في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.

وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص.

وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه.

وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك.

وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوهراجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله.

ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم.

وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك.

وقيل:أغناهم من الفيء.

وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم.

واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً.

ومعنى ﴿ إن شاء ﴾ تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عليم ﴾ أي بأحوالكم ﴿ حكيم ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.

التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة ﴿ أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى.

﴿ حبط أعمالهم ﴾ التي صدرت عنهم رياء وسمعة ﴿ إنما يعمر ﴾ القلوب ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية.

﴿ سقاية الحاج ﴾ خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة ﴿ وعمارة المسجد الحرام ﴾ الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ الطالبون والبطالون ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي القلوب المؤمنة ﴿ وهاجروا ﴾ أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب ﴿ وجاهدوا في سبيل الله ﴾ الجهاد الأكبر ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ ببذل الموجود والوجود جميعاً ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره ﴿ لا تتخذوا آباءكم ﴾ الآيتان.

فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة ﴿ وأنزل جنوداً ﴾ من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ﴿ ذلك جزاء الكافرين ﴾ أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلكالعلاج بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ، ﴿ إنما المشركون ﴾ النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى ﴿ فلا يقربوا ﴾ القلب ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس ﴿ فسوف يغنيكم الله ﴾ بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية ﴿ إن الله عليم ﴾ بمستحقي فضله ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من قتال النفوس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

في الآية إضمار فعل أو فاعل لكي تصح المقابلة؛ لأنه إنما يقابل فعل بفعل، أو فاعل بفاعل، لا يقابل فعل بفاعل، ولا فاعل بفعل، فهاهنا ذكر السقاية وعمارة المسجد مقابل من آمن بالله، فهو - والله أعلم -: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟!

أو أن يقال: أجعلتم القائم بإصلاح سقاية الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر؟!

ليكون مقابلة شخس بشخص، أو فعل بفعل.

ثم لا يصح أن يجمع بين الكافر والمؤمن، فيقال: لا يستويان عند الله، وإن كان الكافر قد أتى بالمحاسن، إلا أن يقال: ليس من فعل محاسن في حال كفره ثم آمن من بعده كمن [آمن و] فعل محاسن وهو مؤمن، هذا يجوز أن يجمع فيقال: لا يستوون عند الله، وأما الكافر الذي مات على الكفر وإن عمل خيرات، والمؤمن الذي عمل الصالحات فمات على ذلك، فيجمع فيقال: لا يستويان فلا.

أو أن يقابل بالجهاد الذي ذكر: لا يستوي من بذل نفسه للقتل والتلف كمن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام ولم يبذل نفسه لذلك؛ فأما أن يقال: لا يستوي الكافر والمؤمن، فذلك محتمل؛ لأنه إنما يقابل الشيء بالشيء إذا قرب بعضه من بعض، وأما عند البعد منه فلا يقال ولا يقابل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

ما داموا في ظلمهم، وما داموا اختاروا الظلم، لا يهديهم وقت اختيارهم الظلم، أو لقوم مخصوصين، وقد ذكرنا معناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ ، أي: صدقوا رسول الله في جميع ما يخبر عن الله أنه صادق، وفي جميع ما دعا إليه وأمرهم به ونهاهم عنه أنه محق، وإلا كانوا مؤمنين بالله؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ كانوا مؤمنين بالله، لكنهم يكذبون الرسل ورسالتهم.

أي: فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم ومنازلهم وبلدهم، وهجروا جميع ما تحبه أنفسهم وتهواه، وتميل إليه القلوب مما ذكر في الآية التي تتلو هذه الآية، وفارقوا ذلك الكل؛ إشفاقاً على دينهم؛ ليسلم ما لو أعطوا قبل الإسلام الدنيا وما فيها مما أوعدوا بكل وعيد وخوف، ما فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشائرهم وأولادهم الذين ذكر في الآية، ثم إذا أسلموا فارقوهم وأجابوا رسول الله في ذلك ابتغاء مرضاة الله، وطلباً لرضوانه؛ ليعلم عظيم قدر الدين في قلوبهم، وخطير منزلته عندهم؛ ليعلم أن محن أصحاب رسول الله  أعظم وأشدّ من محننا؛ لأن محنهم كانت على خلاف عادتهم وخلاف ما طبعوا [عليه]؛ لأن الإنسان مطبوع على حب ما ذكرنا، مجبول عليه، فهم مع ذلك تركوا وفارقوا ذلك، وتحملوا كراهة ذلك؛ ابتغاء مرضاة ربهم.

وأما محننا: فإنها على سبق من العادة، فهي أهون وأيسر.

وقوله: ﴿ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

أي: بذلوا لله ألذ الأشياء وأحبها وهي الأموال والأنفس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: من صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا إلى المدينة، وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم - أعظم درجة عند الله من الذين افتخروا بعمران البيت وسقاية الحاج وهم كفار.

وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ولكن الوجه في ذلك عندنا ومعنى المقابلة: أولئك الذين ذكر أعظم درجة عند الله من الذين أسلموا [من بعد ولحقوا].

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ ﴾ .

الفوز: هو الظفر في اللغة، أي: أولئك هم الظافرون بنعيم الله وكرامته، والناجون من عذاب الله ونقمته ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : بالنصر لهم في الدنيا، والظفر لهم على عدوهم؛ كقوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ  ﴾ إلى آخر ما ذكر، كله إنما كان برحمته.

ويحتمل [رحمة منه]: الثواب لهم في الآخرة والكرامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .

أي: يبشرهم - أيضاً - أن ربكم عنكم راض.

﴿ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ﴾ .

أي: يبشرهم بجنات لهم فيها نعيم مقيم دائم، وكرامة ﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قال الحسن: ما سمى الله عظيماً فهو عظيم لا تدرك عظمته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أجعلتم -أيها المشركون- القائمين على سقاية الحاج وعلى عمارة المسجد الحرام مثل من آمن بالله، ولم يشرك به أحدًا، وآمن بيوم القيامة، وجاهد بنفسه وماله لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، أجعلتموهم سواء في الفضل عند الله؟!

لا يستوون أبدًا عند الله، والله لا يوفق الظالمين بالشرك، ولو كانوا يعملون أعمال خير كسقاية الحاج.

<div class="verse-tafsir" id="91.wMor7"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله