الآية ٢٤ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٢٤ من سورة التوبة

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله وعلى رسوله وجهاد في سبيله ، فقال : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ) أي : اكتسبتموها وحصلتموها ( وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ) أي : تحبونها لطيبها وحسنها ، أي : إن كانت هذه الأشياء ( أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ) أي : فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم ؛ ولهذا قال : ( حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن لهيعة عن زهرة بن معبد ، عن جده قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ، فقال : والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه .

فقال عمر : فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي .

فقال رسول الله : الآن يا عمر .

انفرد بإخراجه البخاري ، فرواه عن يحيى بن سليمان ، عن ابن وهب ، عن حيوة بن شريح ، عن أبي عقيل زهرة بن معبد ، أنه سمع جده عبد الله بن هشام ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا .

وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين .

وروى الإمام أحمد ، وأبو داود - واللفظ له - من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني ، عن عطاء الخراساني ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم بأذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم .

وروى الإمام أحمد أيضا عن يزيد بن هارون ، عن أبي جناب ، عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله بن عمرو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحو ذلك ، وهذا شاهد للذي قبله ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) قال أبو جعفر: يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) يا محمد، للمتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام، المقيمين بدار الشرك: إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم = وكانت (أموال اقترفتموها)، يقول: اكتسبتموها (13) =(وتجارة تخشون كسادها)، بفراقكم بلدَكم =(ومساكن ترضونها)، فسكنتموها =(أحب إليكم)، من الهجرة إلى الله ورسوله، من دار الشرك = ومن جهاد في سبيله, يعني: في نصرة دين الله الذي ارتضاه (14) =(فتربصوا)، يقول: فتنظّروا (15) =(حتى يأتي الله بأمره)، حتى يأتي الله بفتح مكة =(والله لا يهدي القوم الفاسقين)، يقول: والله لا يوفّق للخير الخارِجين عن طاعته وفي معصيته.

(16) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16569- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (حتى يأتي الله بأمره)، بالفتح.

16570- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره)، فتح مكة.

16571- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها)، يقول: تخشون أن تكسد فتبيعوها =(ومساكن ترضونها)، قال: هي القصور والمنازل.

16572- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وأموال اقترفتموها)، يقول: أصبتموها.

----------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير " الاقتراف " فيما سلف 12 : 76 : 173 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(14) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف من : 173 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .

= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .

(15) انظر تفسير " التربص " فيما سلف 9 ؛ 323 : تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(16) انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .

= وتفسير " الفسق " فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق )

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقينلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه والرجل لزوجته : إنا قد أمرنا بالهجرة ، فمنهم من تسارع لذلك ، ومنهم من أبى أن يهاجر ، فيقول : والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة لا أنفعكم ولا أنفق عليكم شيئا أبدا .

ومنهم من تتعلق به امرأته وولده ويقولون له : أنشدك بالله ألا تخرج فنضيع بعدك ، فمنهم من يرق فيدع الهجرة ويقيم معهم ، فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان .

يقول : إن اختاروا الإقامة على الكفر بمكة على الإيمان بالله والهجرة إلى المدينة .

ومن يتولهم منكم بعد نزول الآية فأولئك هم الظالمون [ ص: 32 ] ثم نزل في الذين تخلفوا ولم يهاجروا : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وهي الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد كعقد العشرة فما زاد ، ومنه المعاشرة وهي الاجتماع على الشيء .وأموال اقترفتموها يقول : اكتسبتموها بمكة .

وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره .وتجارة تخشون كسادها قال ابن المبارك : هي البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطبا .

قال الشاعر :كسدن من الفقر في قومهن وقد زادهن مقامي كسوداومساكن ترضونها يقول : ومنازل تعجبكم الإقامة فيها أحب إليكم من الله ورسوله من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة .

و ( أحب ) خبر كان .

ويجوز في غير القرآن رفع " أحب " على الابتداء والخبر ، واسم كان مضمر فيها .

وأنشد سيبويه :إذا مت كان الناس صنفان : شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنعوأنشد :هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبذولوفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله ، ولا خلاف في ذلك بين الأمة ، وأن ذلك مقدم على كل محبوب .

وقد مضى في ( آل عمران ) معنى محبة الله تعالى ومحبة رسوله .( وجهاد في سبيله فتربصوا ) : صيغته صيغة أمر ومعناه التهديد .

يقول : انتظروا .

وفي قوله : ( وجهاد في سبيله ) دليل على فضل الجهاد ، وإيثاره على راحة النفس وعلائقها بالأهل والمال .

وسيأتي فضل الجهاد في آخر السورة .

وقد مضى من أحكام الهجرة في ( النساء ) ما فيه كفاية ، والحمد لله .

وفي الحديث الصحيح إن الشيطان قعد لابن آدم ثلاث مقاعد ؛ قعد له في طريق الإسلام فقال لم تذر دينك ودين آبائك فخالفه وأسلم ، وقعد له في طريق الهجرة فقال له أتذر مالك وأهلك فخالفه وهاجر ، ثم قعد في طريق الجهاد فقال له تجاهد فتقتل فينكح أهلك ويقسم مالك فخالفه وجاهد ، فحق على الله أن يدخله الجنة .

وأخرجه النسائي من حديث سبرة بن أبي فاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الشيطان .

.

.

فذكره .

قال [ ص: 33 ] البخاري : " ابن الفاكه " ولم يذكر فيها اختلافا .

وقال ابن أبي عدي : يقال ابن الفاكه وابن أبي الفاكه .

انتهى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا ذكر السبب الموجب لذلك، وهو أن محبة اللّه ورسوله، يتعين تقديمهما على محبة كل شيء، وجعل جميع الأشياء تابعة لهما فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ‏}‏ ومثلهم الأمهات ‏{‏وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ‏}‏ في النسب والعشرة ‏{‏وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ قراباتكم عمومًا ‏{‏وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا‏}‏ أي‏:‏ اكتسبتموها وتعبتم في تحصيلها، خصها بالذكر، لأنها أرغب عند أهلها، وصاحبها أشد حرصا عليها ممن تأتيه الأموال من غير تعب ولا كَدّ‏.‏ ‏{‏وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا‏}‏ أي‏:‏ رخصها ونقصها، وهذا شامل لجميع أنواع التجارات والمكاسب من عروض التجارات، من الأثمان، والأواني، والأسلحة، والأمتعة، والحبوب، والحروث، والأنعام، وغير ذلك‏.‏ ‏{‏وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا‏}‏ من حسنها وزخرفتها وموافقتها لأهوائكم، فإن كانت هذه الأشياء ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ‏}‏ فأنتم فسقة ظلمة‏.‏ ‏{‏فَتَرَبَّصُوا‏}‏ أي‏:‏ انتظروا ما يحل بكم من العقاب ‏{‏حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ‏}‏ الذي لا مرد له‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ‏}‏ أي‏:‏ الخارجين عن طاعة اللّه، المقدمين على محبة اللّه شيئا من المذكورات‏.‏ وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة اللّه ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من اللّه ورسوله، وجهاد في سبيله‏.‏ وعلامة ذلك، أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه اللّه ورسوله، وليس لنفسه فيها هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا للّه ورسوله، أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه، على ما يحبه اللّه، دل ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم قال تعالى : ( قل ) يا محمد للمتخلفين عن الهجرة : ( إن كان آباؤكم ) وذلك أنه لما نزلت الآية الأولى قال الذين أسلموا ولم يهاجروا : إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجاراتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا ، فنزل : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ) قرأ أبو بكر عن عاصم : " عشيراتكم " بالألف على الجمع ، والآخرون بلا ألف على التوحيد ، لأن جمع العشيرة عشائر ( وأموال اقترفتموها ) اكتسبتموها ( وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ) أي : تستطيبونها يعني القصور والمنازل ، ( أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ) فانتظروا ، ( حتى يأتي الله بأمره ) قال عطاء : بقضائه .

وقال مجاهد ومقاتل : بفتح مكة وهذا أمر تهديد ، ( والله لا يهدي ) لا يوفق ولا يرشد ( القوم الفاسقين ) الخارجين عن الطاعة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم» أقرباؤكم وفي قراءة عشيرتكم «وأموال اقترفتموها» اكتسبتموها «وتجارة تخشون كسادها» عدم نفادها «ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادِ في سبيله» فقعدتم لأجله عن الهجرة والجهاد «فتربَّصوا» انتظروا «حتى يأتي الله بأمره» تهديد لهم «والله لا يهدي القوم الفاسقين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -يا أيها الرسول- للمؤمنين: إن فَضَّلتم الآباء والأبناء والإخوان والزوجات والقرابات والأموال التي جمعتموها والتجارة التي تخافون عدم رواجها والبيوت الفارهة التي أقمتم فيها، إن فَضَّلتم ذلك على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله فانتظروا عقاب الله ونكاله بكم.

والله لا يوفق الخارجين عن طاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( 5 ) قال بعض العلماء : وليس المطلوب .

من قوله - تعالى ( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ .

.

.

) إلخ .

أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد والمال والعمل والمتاع واللذة ، ولا أن يترهبن ويزهد فى طيبات الحياة .

.

كلا إنما تريد هذه العقيدة أن يفرغ لها القلب ، ويخلص لها الحب ، وأن تكون هى المسيطرة الحاكمة ، وهى المحركة الدافعة .

فإذا تم لها هذا فلا حرج عندئذ أن يستمع المسملم بكل طيبات الحياة ، على أن يكون مستعداً لنبذها كلها فى اللحظة التى تتعارض مع مطالب العقيدة .ومفرق الطريق هو أن تسيطر العقيدة أو يسيطر المتاع ، وأن تكون الكلمة الأولى للعقدية أو لعرض من أعراض هذه الحياة؟

فإذا اطمأن المسلم إلى أن قلبه خالص لعقيدته فلا عليه بعد هذا أن يستمتع بالأنباء والإِخوة والعشيرة والزوج .

.

وعليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن .

ولا عليه أن يستمع بزينة الله و الطيبات من الرزق .

فى غير سرف ولا مخيلة .بل إن المتاع حينئذ لمستحب ، باعتباره لوناً من الوان الشكر لله الذى أنعم بها ليتمتع بها عباده .

وهم يذكرون أنه الرازق المنعم الوهاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية هي تقرير الجواب الذي ذكره في الآية الأولى، وذلك لأن جماعة من المؤمنين قالوا يا رسول الله، كيف يمكن البراءة منهم بالكلية؟

وأن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا وذهاب تجارتنا، وهلاك أموالنا وخراب ديارنا، وإبقاءنا ضائعين فبين تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بأمره، أي بعقوبة عاجلة أو آجلة، والمقصود منه الوعيد.

ثم قال: ﴿ والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين ﴾ أي الخارجين عن طاعته إلى معصيته وهذا أيضاً تهديد، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا، وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا.

قال الواحدي: قوله: ﴿ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾ عشيرة الرجل: أهله الأدنون، وهم الذين يعاشرونه، وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ وعشيراتكم ﴾ بالجمع والباقون على الواحد.

أما من قرأ بالجمع، فذلك لأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فإذا جمعت قلت: عشيراتكم.

ومن أفرد قال العشيرة واقعة على الجمع واستغنى عن جمعها، ويقوي ذلك أن الأخفش قال: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات إنما يجمعونها على عشائر، وقوله: ﴿ وأموال اقترفتموها ﴾ الاقتراف الاكتساب.

واعلم أنه تعالى ذكر الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار، وهى أمور أربعة: أولها: مخالطة الأقارب، وذكر منهم أربعة أصناف على التفصيل وهم الآباء والأبناء والأخوان والأزواج، ثم ذكر البقية بلفظ واحد يتناول الكل، وهي لفظ العشيرة.

وثانيها: الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة.

وثالثها: الرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة.

ورابعها: الرغبة في المساكن، ولا شك أن هذا الترتيب ترتيب حسن، فإن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة ثم إنه يتوصل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال الحاصلة ثم إنه يتوصل بالمخالطة إلى اكتساب الأموال التي هي غير حاصلة، وفي آخر المراتب الرغبة في البناء في الأوطان والدور التي بنيت لأجل السكنى، فذكر تعالى هذه الأشياء على هذا الترتيب الواجب، وبين بالآخرة أن رعاية الدين خير من رعاية جملة هذه الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وكان قبل فتح مكة من آمن لم يتمّ إيمانه إلاّ بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم.

فقالوا: يا رسول الله: إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا، وبقينا ضائعين، فنزلت، فهاجروا، فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه، ثم رخص لهم بعد ذلك.

وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدّوا ولحقوا بمكة فنهى الله تعالى عن موالاتهم.

وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحبّ في الله ويبغض في الله: حتى يحبّ في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه» وقرئ: ﴿ عشيرتكم ﴾ و ﴿ عشيراتكم ﴾ .

وقرأ الحسن: وعشائركم ﴿ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ ﴾ وعبيد عن ابن عباس هو فتح مكة وعن الحسن هي عقوبة عاجلة أو آجلة.

وهذه آية شديدة لا ترى أشدّ منها، كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين، فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه، هل يجد عنده من التصلب في ذات الله والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والإخوان والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا ويتجرد منها لأجله؟

أم يزوي الله عنه أحقر شيء منها بمصلحته فلا يدري أي طرفيه أطول؟

ويغويه الشيطان عن أجلّ حظ من حظوظ الدين، فلا يبالي كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ ﴾ أقْرِباؤُكم مَأْخُوذٌ مِنَ العِشْرَةِ.

وقِيلَ مِنَ العَشَرَةِ فَإنَّ العَشِيرَةَ جَماعَةٌ تَرْجِعُ إلى عَقْدٍ كَعَقْدِ العَشَرَةِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « وعَشِيراتُكم» وقُرِئَ « وعَشائِرُكم» .

﴿ وَأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ﴾ اكْتَسَبْتُمُوها.

﴿ وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ﴾ فَواتَ وقْتِ نِفاقِها.

﴿ وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ ﴾ الحُبُّ الِاخْتِيارِيُّ دُونَ الطَّبِيعِيِّ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ في التَّحَفُّظِ عَنْهُ.

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ جَوابٌ ووَعِيدٌ والأمْرُ عُقُوبَةٌ عاجِلَةٌ أوْ آجِلَةٌ.

وقِيلَ فَتْحُ مَكَّةَ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ لا يُرْشِدُهم، وفي الآيَةِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ وقَلَّ مَن يَتَخَلَّصُ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل إن كان آباؤكم وَأَبْنَاؤُكُمْ وإخوانكم وأزواجكم وَعَشِيرَتُكُمْ} أقاربكم وعشيراتكم أبو بكر {وأموال اقترفتموها} اكتسبتموها {وتجارة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} فوات وقت نفاقها {ومساكن تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ} وهو عذاب عاجل أو عقاب آجل أو فتح مكة {والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين} والآية تنعي على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين إذ لا تجد عند أورع الناس ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والأموال والحظوظ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وأمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُثَبِّتَ المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّيَ عَزائِمَهم عَلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِن مُوالاةِ الآباءِ والإخْوانِ ويُزَهِّدَهم فِيهِمْ وفِيمَن يَجْرِي مَجْراهم ويَقْطَعَ عَلائِقَهم عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّرْهِيبِ، أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكُمْ ﴾ لَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ والأزْواجَ فِيما سَلَفَ وذَكَرَهم هُنا لِأنَّ ما تَقَدَّمَ في الأوْلِياءِ وهم أهْلُ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ والأبْناءُ والأزْواجُ تَبَعٌ لَيْسُوا كَذَلِكَ وما هُنا في المَحَبَّةِ، وهم أحَبُّ إلى كُلِّ أحَدٍ ( ﴿ وعَشِيرَتُكُمْ ﴾ ) أيْ: ذَوُو قَرابَتِكم، وقِيلَ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ الأدْنَوْنَ، وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُهُ لِلتَّعْمِيمِ والشُّمُولِ وهو مِنَ العِشْرَةِ أيِ الصُّحْبَةِ لِأنَّها مِن شَأْنِ القُرْبى، وقِيلَ مِنَ العَشْرَةِ العَدَدِ المَعْرُوفِ وسُمِّيَتِ العَشِيرَةُ بِذَلِكَ عَلى هَذا لِكَمالِهِمْ لِأنَّ العَشْرَةَ كَما عَلِمْتَ عَدَدٌ كامِلٌ أوْ لِأنَّ بَيْنَهم عَقْدَ نَسَبٍ كَعَدِّ العِشْرَةِ فَإنَّهُ عَقْدٌ مِنَ العُقُودِ وهو مَعْنًى بَعِيدٌ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( عَشِيراتُكم )، والحَسَنُ ( عَشائِرُكم ) وأنْكَرَ أبُو الحَسَنِ وُقُوعَ الجَمْعِ الأوَّلِ في كَلامِهِمْ وإنَّما الواقِعُ الجَمْعُ الثّانِي ﴿ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ﴾ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها، وأصْلُ الِاقْتِرافِ اقْتِطاعُ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ إلى غَيْرِهِ مِن قَرَفْتُ القُرْحَةَ إذا قَشَرْتَها، والقَرْفُ القَشْرُ، ووُصِفَتِ الأمْوالُ بِذَلِكَ إيماءً إلى عِزَّتِها عِنْدَهم لِحُصُولِها بِكَدِّ اليَمِينِ وعَرَقِ الجَبِينِ ( ﴿ وتِجارَةٌ ﴾ ) أيْ: أمْتِعَةٌ اشْتَرَيْتُمُوها لِلتِّجارَةِ والرِّبْحِ ﴿ تَخْشَوْنَ كَسادَها ﴾ بِفَواتِ وقْتِ رَواجِها بِغَيْبَتِكم عَنْ مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ في أيّامِ المَواسِمِ ﴿ ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها ﴾ مَنازِلُ تُعْجِبُكُمُ الإقامَةُ فِيها، والتَّعَرُّضُ لِلصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اللَّوْمَ عَلى مَحَبَّةِ ما ذُكِرَ مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لا يُنافِي ما فِيها مِن مَبادِئِ المَحَبَّةِ ومُوجِباتِ الرَّغْبَةِ فِيها وأنَّها مَعَ مالِها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ كَما ذَكَرَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ بِالحُبِّ الِاخْتِيارِيِّ المُسْتَتْبَعِ لِأثَرِهِ الَّذِي هو المُلازِمَةُ وتَقْدِيمُ الطّاعَةِ لا مَيْلُ الطَّبْعِ فَإنَّهُ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ لا يُمْكِنُ تَرْكُهُ ولا يُؤاخَذُ عَلَيْهِ ولا يُكَلَّفُ الإنْسانُ بِالِامْتِناعِ عَنْهُ ﴿ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ ﴾ أيْ: طَرِيقِ ثَوابِهِ ورِضاهُ سُبْحانَهُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ هُنا أيْضًا الإخْلاصُ ونَحْوُهُ لا الجِهادُ وإنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى، ونَظَّمَ حُبَّ هَذا في سِلْكِ حُبِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وحُبُّ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحَبَّ فَضْلًا عَنْ أنْ يُكْرَهَ وإيذانًا بِأنَّ مَحَبَّتَهُ راجِعَةٌ إلى مَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومَحَبَّةِ حَبِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ الجِهادَ عِبارَةٌ عَنْ قِتالِ أعْدائِهِما لِأجْلِ عَداوَتِهِمْ، فَمَن يُحِبُّهُما يَجِبُ أنْ يُحِبَّ قِتالَ مَن لا يُحِبُّهُما ( ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ ) أيِ انْتَظِرُوا ﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ أيْ بِعُقُوبَتِهِ سُبْحانَهُ لَكم عاجِلًا أوْ آجِلًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ في مُوالاةِ المُشْرِكِينَ وتَقْدِيمِ مَحَبَّةِ مَن ذُكِرَ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولِهِ  أوِ القَوْمِ الفاسِقِينَ كافَّةً ويَدْخُلُ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى ما هو خَيْرٌ لَهم، والآيَةُ أشَدُّ آيَةِ نَعْتٍ عَلى النّاسِ ما لا يَكادُ يَتَخَلَّصُ مِنهُ إلّا مَن تَدارَكَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِلُطْفِهِ، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لا يَطْعَمُ أحَدُكم طَعْمَ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ في اللَّهِ تَعالى ويُبْغِضَ في اللَّهِ تَعالى حَتّى يُحِبَّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ أبْعَدَ النّاسِ ويُبْغُضُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أقْرَبَ النّاسِ» واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِأحْسَنِ الأعْمالِ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ إلى تَمَكُّنِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ووُصُولِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلى مَقامِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُحْتَجِبِينَ بِالأفْعالِ تارَةً وبِالصِّفاتِ أُخْرى، وبِذَلِكَ تَحَقَّقَتِ الضِّدِّيَةُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتِ البَراءَةُ وأُمِرُوا بِنَبْذِ العَهْدِ لِيَقَعَ التَّوافُقُ بَيْنَ الباطِنِ والظّاهِرِ وأُمِرَ المُشْرِكُونَ بِالسِّياحَةِ في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَدَدِ مَواقِفِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَنْبِيهًا لَهُمْ، فَإنَّهم لَمّا وقَفُوا في الدُّنْيا مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ حُجِبُوا عَنِ الدِّينِ والأفْعالِ والصِّفاتِ والذّاتِ في بَرْزَخِ النّاسُوتِ فَلَزِمَهم أنْ يُوقَفُوا في الآخِرَةِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ عَلى الجَبَرُوتِ ثُمَّ عَلى المَلَكُوتِ ثُمَّ عَلى النّارِ في جَحِيمِ الآثارِ فَيُعَذَّبُوا بِأنْواعِ العَذابِ، ومَن طَبَّقَ الآياتِ عَلى ما في الأنْفُسِ ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ هي مُدَّةُ كَمالِ الأوْصافِ الأرْبَعَةِ النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ لَهم: ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ إذْ لا بُدَّ مِن حَبْسِكم في تِلْكَ المَواقِفِ بِسَبَبِ وُقُوفِكم مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ ﴿ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ عَنِ الحَقِّ بِافْتِضاحِهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ رُتْبَةِ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِهِ ووُقُوفِهِمْ مَعَهُ عَلى النّارِ ﴿ وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ ﴾ أيْ: وقْتَ ظُهُورِ الجَمْعِ الذّاتِيِّ في صُورَةِ التَّفْصِيلِ ﴿ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ ﴾ المُرادُ بِذَلِكَ كَمالُ المُخالَفَةِ والتَّضادِّ وانْقِطاعُ المَدَدِ الرُّوحانِيِّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ﴾ الَّذِينَ بَقِيَتْ فِيهِمْ مُسْكَةٌ مِنَ الِاسْتِعْدادِ وأثَرٌ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وبَقايا مِنَ المُرُوءَةِ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ أنْ يُتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ وهي مُدَّةُ تَراكُمُ الدِّينِ وتَحَقُّقِ الحِجابِ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا ويَتُوبُوا ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما ذَكَرَ: ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أيْ عِلْمًا ( ﴿ وهاجَرُوا ﴾ ) أيْ هَجَرُوا الرَّغائِبَ الحِسِّيَّةَ والأوْطانَ النَّفْسِيَّةَ ﴿ وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ ﴾ وهي أمْوالُ مَعْلُوماتِهِمْ ومُراداتِهِمْ ومَقْدُوراتِهِمْ، والجِهادُ بِهَذِهِ إشارَةٌ إلى مَحْوِ صِفاتِهِمْ، والجِهادُ بِالأنْفُسِ إشارَةٌ إلى فَنائِها في اللَّهِ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً ﴾ في التَّوْحِيدِ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ تَعالى ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ﴾ وهو ثَوابُ الأعْمالِ ( ﴿ ورِضْوانٍ ﴾ ) وهو ثَوابُ الصِّفاتِ ﴿ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾ وهو مُشاهَدَةُ المَحْبُوبِ الَّذِي لا يَزُولُ وذَلِكَ جَزاءُ الأنْفُسِ، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ عَلى هَذا ظاهِرٌ وإنَّما تَوَلّى اللَّهُ تَعالى بِشارَتَهم بِنَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزْدادُوا حُبًّا لَهُ تَبارَكَ وتَعالى لِأنَّ القُلُوبَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ مَن يُبَشِّرُها بِالخَيْرِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ القَرابَةَ المَعْنَوِيَّةَ والتَّناسُبَ المَعْنَوِيَّ والوَصْلَةَ الحَقِيقِيَّةَ أحَقُّ بِالمُراعاةِ مِنَ الِاتِّصالِ الصُّورِيِّ مَعَ فَقْدِ الِاتِّصالِ المَعْنَوِيِّ واخْتِلافِ الوُجْهَةِ، وذَمَّ سُبْحانَهُ التَّقَيُّدَ بِالمَأْلُوفاتِ الحِسِّيَّةِ وتَقْدِيمِها عَلى المَحْبُوبِ الحَقِيقِيِّ والتَّعَيُّنِ الأوَّلِ لَهُ والسَّبَبِ الأقْوى لِلْوُصُولِ إلى الحَضْرَةِ، وتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِما تَوَعَّدَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ إلى ما يُقَرِّبُنا مِنهُ إنَّهُ ولِيُّ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ، يعني: قومكم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وعَشِيرَاتُكُمْ بالألف بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون وَعَشِيرَتُكُمْ بغير ألف.

وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها، يعني: اكتسبتموها بمكة، وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها يعني: تخشون أن تبقى عليكم فلا تنفق، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها يعني: منازلكم بمكة تعجبكم الإقامة فيها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: أن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة، وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ يعني: في طاعة الله فَتَرَبَّصُوا، يعني: فانتظروا، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، يعني: فتح مكة، ويقال: الموت والقيامة.

وقال الضحاك: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ يعني: حتى يأمر الله بقتال آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم.

ثم قال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.

وهذا وعيد من الله تعالى للذين لم يهاجروا، ويقال: من أول سورة براءة إلى قوله: وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة: 11] نزلت بعد فتح مكة.

ثم من قوله: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ [التوبة: 12] إلى هاهنا، كان نزل قبل فتح مكة فوضع هاهنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لاَ يُنَازِعُكُمُوهَا إِلاَّ ظَالِمٌ» .

واختلف الناس في سبب نزولِ هذه الآية، فقال مجاهدٌ: أُمرُوا بالهجرة، فقال العبَّاس: أنا أسقي الحاجَّ، وقال عثمانُ بن طلحة: أنا حاجبُ الكَعْبَة، وقال محمدُ بنُ كَعْب: إِن العبَّاس وعليًّا وعثمان بن طلحة تَفَاخَرُوا فنزلَتِ الآية، وقيل غير هذا.

/ وقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ...

الآية: لما حكم سبحانه في الآية المتقدِّمة بأن الصِّنفين لا يستوون، بيَّن ذلك في هذه الآية الأخيرة، وأوضحه، فعدَّد الإِيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفْس، وحَكَم عَلَى أنَّ أهل هذه الخصالِ أَعظمُ درجةً عند اللَّه مِنْ جميع الخَلْقِ، ثم حَكَمَ لهم بالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ ورضْوانه، والفَوْزُ: بلوغُ البُغْيَةْ، إمَّا في نيل رَغِيبَة، أو نجاةٍ من هَلَكَة، ويَنْظُرُ إِلى معنَى هذه الآية الحديثُ: «دَعُوا لي أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نِصِيفَهُ» «١» ولأن أصحاب هذه الخِصَال علَى سيوفهم انبنى الإِسلام، وتمهَّد الشرْعُ.

وقوله سبحانه: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ، هذا وعْدٌ كريمٌ مِنْ ربٍّ رحيمٍ، وفي الحديث الصحيح: «إِذَا استقر أَهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّة، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ:

هَلْ رَضِيتُمْ؟

فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لا نرضى، يا ربنا؟

فيقول: إني سأعطيكم أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك!

رِضْوَانِي أَرْضَى عَلَيْكُمْ فَلاَ أسخط عليكم أبدا ...

» «٢» الحديث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم.

.

.

﴾ الآَيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا مَعَ عِيالِهِمْ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقالَ لِقَوْمٍ: ألّا تُهاجِرُونَ؟

فَقالُوا: نُقِيمُ مَعَ إخْوانِنا وعَشائِرِنا ومَساكِنِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآَيَةُ الَّتِي قَبْلَها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن خالَفَنا في الدِّينِ، قَطَعْنا آَباءَنا وعَشِيرَتَنا، وذَهَبَتْ تِجارَتُنا، وخَرِبَتْ دِيارُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآَيَةِ، وذَكَرَهُ بَعْضُهم في الآَيَةِ الأُولى كَما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا العَشِيرَةُ، فَهُمُ الأقارِبُ الأدْنَوْنَ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "وَعَشِيراتُكُمْ" عَلى الجَمْعِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لَهُ عَشِيرَةٌ، فَإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: عَشِيراتُكُمْ؛ وحُجَّةُ مَن أفْرَدَ: أنَّ العَشِيرَةَ واقِعَةٌ عَلى الجَمْعِ فاسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنْ جَمْعِها.

وقالَ الأخْفَشُ: لا تَكادُ العَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً: عَشِيراتٌ، إنَّما يَجْمَعُونَها عَلى عَشائِرَ.

والِاقْتِرافُ بِمَعْنى الِاكْتِسابُ.

والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ والأكْثَرُونَ، ومَعْنى الآَيَةِ: إنْ كانَ المَقامُ في أهالِيكم، وكانَتِ الأمْوالُ الَّتِي اكْتَسَبْتُمُوها ﴿ وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ﴾ لَفِراقِكم بَلَدَكم ﴿ وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ ﴾ مِنَ الهِجْرَةِ، فَأقِيمُوا غَيْرَ مُثابِينَ حَتّى تُفْتَحَ مَكَّةُ، فَيَسْقُطَ فَرْضُ الهِجْرَةِ.

والثّانِي أنَّهُ العِقابُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهِ بِأمْرِهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي مَذْهَبَ مَن رَأى أنَّ هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما مَقْصُودُها الحَضُّ عَلى الهِجْرَةِ، وفي ضِمْنِ قَوْلِهِ: ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وقَوْلُهُ: "بِأمْرِهِ" قالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى عَذابٍ أو عُقُوبَةٍ مِنَ اللهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، والمَعْنى: فَإذا جاءَ اللهُ بِأمْرِهِ فَلَمْ تُسْلِفُوا ما يَكُونُ لَكم بِهِ أجْرًا ومَكانَةً في الإسْلامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذُكِرَ الأبْناءُ في الآيَةِ لَمّا جَلَبَتْ ذَكَرَهُمُ المُحِبَّةُ، والأبْناءُ صَدْرٌ في المَحَبَّةِ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ في أنْ يَتْبَعَهم آباؤُهم في آرائِهِمْ كَما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَعَشِيرَتُكُمْ"، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ بِخِلافٍ عنهُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِصْمَةٌ: "وَعَشِيراتُكُمْ"، وحَسَّنَ هَذا الجَمْعَ إذْ لِكُلِّ أحَدٍ عَشِيرَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ، ويُحَسِّنُ الإفْرادَ أنَّ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ قالَ: إنَّما تَجْمَعُ العَرَبُ "عَشائِرَ" ولا تَكادُ تَقُولُ "عَشِيراتٍ"، و ﴿ اقْتَرَفْتُمُوها ﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبْتُمُوها، وأصْلُ الِاقْتِرافِ والمُقارَفَةِ: مُقارَبَةُ الشَيْءِ.

﴿ وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ﴾ بَيِّنٌ في أنْواعِ المالِ، وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الإشارَةُ إلى البَناتِ اللَواتِي لا يَتَزَوَّجْنَ ولا يُوجَدُ لَهُنَّ خاطِبٌ، و"مَساكِنُ" جَمْعُ مَسْكَنٍ بِفَتْحِ الكافِ، مَفْعَلٌ مِنَ السُكْنى، وما كانَ مِن هَذا مُعْتَلَّ الفاءِ فَإنَّما يَأْتِي عَلى مَفْعِلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ كَمَوْعِدٍ ومَوْطِنٍ، والمَساكِنُ: القُصُورُ والدُورُ، و"أحَبَّ" خَبَرُ كانَ، وكانَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ يَقْرَؤُها: "أحَبُّ" بِالرَفْعِ، ولَهُ في ذَلِكَ خَبَرٌ مَعَ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، سَألَهُ الحَجّاجُ: هَلْ تَسْمَعُنِي ألْحَنُ؟

قالَ: نَعَمْ، في هَذا الحَرْفِ، وذَكَرَ لَهُ رَفْعَ "أحَبَّ" فَنَفاهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ خارِجٌ في العَرَبِيَّةِ عَلى أنْ يُضْمَرَ في كانَ الأمْرُ والشَأْنُ، ولَمْ يُقْرَأْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ عُمُومُ لَفْظٍ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافى عَلى فِسْقِهِ، أو عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى أنَّهُ لا هِدايَةَ مِن حَيْثُ الفِسْقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ارتقاء في التحذير من العلائق التي قد تفضي إلى التقصير في القيام بواجبات الإسلام، فلذلك جاءت زيادة تفصيل الأصناف من ذوي القرابة وأسباببِ المخالطة التي تكون بين المؤمنين وبين الكافرين، ومن الأسباب التي تتعلّق بها نفوس الناس فيَحول تعلّقُهم بها بينَهم وبين الوفاء ببعض حقوق الإسلام، فلذلك ذكر الأبناءُ هنا لأنّ التعلّق بهم أقوى من التعلّق بالإخوان، وذُكر غيرهم من قريب القرابة أيضاً.

وابتداء الخطاب ب ﴿ قُل ﴾ يشير إلى غِلَظِه والتوبيخ به.

والمخاطب بضمائر جماعة المخاطبين: المؤمنون الذين قصروا في بعض الواجب أو المتوقّع منهم ذلك، كما يشعر به اقتران الشرط بحرف الشّكّ وهو ﴿ إنْ ﴾ ويفهم منه أنّ المسترسلين في ذلك المُلابِسينَ له هم أهل النفاق، فهم المعرَّض لهم بالتهديد في قوله: ﴿ فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ .

وقد جمعت هذه الآية أصنافاً من العلاقات وذويها، من شأنها أن تألفها النفوس وترغب في القرب منها وعدم مفارقتها، فإذا كان الثبات على الإيمان يجرّ إلى هجران بعضها كالآباء والإخوان الكافرين الذين يهجر بعضهم بعضاً إذا اختلفوا في الدين، وكالأبناء والأزواج والعشيرة الذين يألف المرء البقاء بينهم، فلعلّ ذلك يقعده عن الغزو، وكالأموال والتجارة التي تصدّ عن الغزو وعن الإنفاق في سبيل الله.

وكذلك المساكن التي يألف المرء الإقامة فيها فيصدّه إلفها عن الغزو.

فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تَجُرُّ إليه تلك العلائق وجب على المؤمِن دحضها وإرضاء ربّه.

وقد أفاد هذا المعنى التعبير ب ﴿ أحب ﴾ لأنّ التفضيل في المحبّة يقتضي إرضاء الأقوى من المحبوبين، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مُسبّباً على تقديم محبّة تلك العلائق على محبّة الله، ففيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين وهذا من أبلغ التعبير.

وخصّ الجهاد بالذكر من عموم ما يحبّه الله منهم: تنويهاً بشأنه، ولأنّ ما فيه من الخطر على النفوس ومن إنفاق الأموال ومفارقة الإلف، جَعله أقوى مظنّة للتقاعس عنه، لا سيما والسورة نزلت عقب غزوة تبوك التي تخلّف عنها كثير من المنافقين وبعضُ المسلمين.

و (العَشيرة) الأقارب الأدْنَوْن، وكَأنه مشتقّ من العِشْرة وهي الخلطة والصحبة.

وقرأ الجمهور ﴿ وعشيرتكم ﴾ بصيغة المفرد وقرأه أبو بكر عن عاصم والاقتراف: الاكتساب، وهو مشتقّ من قارف إذا قارَب الشيء.

والكساد، قلّة التبايع وهو ضدّ الرَّولج والنَّفاق، وذلك بمقاطعة طوائف من المشركين الذين كانوا يتبايعون معهم، وبالانقطاع عن الاتّجار أيام الجهاد.

وجُعل التفضيل في المحبّة بين هذه الأصناف وبين محبّة الله ورسوله والجهاد: لأنّ تفضيل محبّة الله ورسوله والجهاد يوجب الانقطاع عن هذه الأصناف، فإيثار هذه الأشياء على مَحبة الله يفضي موالاة إلى الذين يستحبّون الكفر، وإلى القعود عن الجهاد.

والتربّص: الانتظار، وهذا أمر تهديد لأنّ المراد انتظار الشرّ.

وهو المراد بقوله: حتى يأتي الله بأمره} أي الأمر الذي يظهر به سوء عاقبة إيثاركم محبّة الأقارب والأموال والمساكين، على محبّة الله ورسوله والجهادِ.

والأمر: اسم مبهم بمعنى الشيء والشأن، والمقصود من هذا الإبهام التهويل لتذهب نفوس المهدَّدين كلّ مذهب محتمل، فأمر الله: يحتمل أن يكون العذَابَ أو القتل أو نحوهما، ومن فسّر أمر الله بفتح مكة فقد ذهل لأنّ هذه السورة نزلت بعد الفتح.

وجملة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ تذييل، والواو اعتراضية وهذا تهديد بأنّهم فضلوا قرابتهم وأموالهم على محبّة الله ورسوله وعلى الجهاد فقد تحقّق أنّهم فاسقون والله لا يهدي القوم الفاسقين فحصل بموقع التذييل تعريض بهم بأنّهم من الفاسقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ﴾ يَعْنِي اكْتَسَبْتُمُوها.

﴿ وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أمْوالُ التِّجاراتِ إذا نَقَصَ سِعْرُها وكَسَدَ سُوقُها.

والثّانِي: أنَّهُنَّ البَناتُ الأيامى إذا كَسَدْنَ عِنْدَ آبائِهِنَّ ولَمْ يُخْطَبْنَ.

﴿ وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها ﴾ وهَذا نَزَلَ في قَوْمٍ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ فَأقامُوا بِها ولَمْ يُهاجِرُوا إشْفاقًا عَلى فِراقِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مَيْلًا إلَيْهِ وحُبًّا لَهُ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ وقالَ: ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ مِن عُقُوبَةٍ عاجِلَةٍ أوْ آجِلَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج.

وقال طلحة أخو بني عبد الدار، أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر، فانزلت ﴿ لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإِيمان ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في هذه الآية قال: هي في الهجرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأموال اقترفتموها ﴾ قال: أصبتموها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتجارة تخشون كسادها ﴾ يقول: تخشون أن تكسد فتبيعونها ﴿ ومساكن ترضونها ﴾ قال: هي القصور والمنازل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ قال: بالفتح في أمره بالهجرة هذا كله قبل فتح مكة.

وأخرج أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية الضحاك: "لما أمر المسلمون بالهجرة ومجانبة أقاربهم الكفرة قالوا: يا نبي الله، إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين نقطع آباءنا وعشائرنا وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا فأنزل الله هذه الآية" (١) وقوله تعالى: ﴿ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾ عشيرة الرجل: أهله الأدنون، وهم الذين يعاشرونه وقريء "وعشيراتكم" بالجمع (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ الاقتراف: الاكتساب، قال ابن عباس: "يريد [كسبتموها" (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ قال ابن عباس] (٦) (٧) (٨) ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ يعني فتح مكة في قول مجاهد (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: من عقوبة عاجلة أو آجلة" (١٣) وقوله (١٤) ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ أي: الخارجين عن طاعته إلى معصيته، وهذا أيضًا تهديد لهؤلاء بحرمان الهداية.

(١) رواه الثعلبي 6/ 87 أمطولاً، وانظر: "زاد المسير" 3/ 411 وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس كما في "تهذيب التهذيب" 2/ 226.

(٢) وهي قراءة شعبة عن عاصم وحده، وقرأ حفص عن عاصم وباقي القراء العشرة بالإفراد.

انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 164، و"التبصرة في القراءات" ص 214، و"تقريب النشر" ص 120.

(٣) في (ج): (يجمعونه).

(٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 180، و"الوسيط" 2/ 486، و"زاد المسير" 3/ 412، و"لسان العرب" (عشر) 5/ 2955، وقول الأخفش هذا ليس موجودًا في كتابه "معاني القرآن".

(٥) "الوجيز" 6/ 446.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٧) ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 487.

(٨) ساقط من (ى).

(٩) رواه ابن جرير 10/ 99، وابن أبي حاتم 6/ 1772، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 157، والقول في "تفسير مجاهد" ص 366.

(١٠) "تفسير مقاتل" ص 127 ب.

(١١) لم يذكره ابن جرير وابن أبي حاتم والماوردي والسيوطي إلا عن مجاهد، وزاد الثعلبي مقاتل، وقد ذكر ما ذكره المصنف من أنه قول الأكثرين.

البغوي 4/ 487، وابن الجوزي 3/ 413.

قال الشيخ ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 10/ 154: == (ومن فسر أمر الله بفتح مكة فقد ذهل؛ لأن هذه السورة نزلت بعد الفتح).

وانظر ما يؤكد قوله في: "تفسير ابن جرير" 10/ 98.

(١٢) في (ى): (أمرًا بإباحة)، والصواب ما أثبته.

(١٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 349، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 181، وبمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 413.

(١٤) من (م).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ ﴾ الآية قيل: نزلت فيمن ثبط عن الهجرة ولفظها عام وكذلك حكمها ﴿ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ وعيد لمن آثر أهله أو ماله أو مسكنه على الهجرة والجهاد ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ قيل: يعني فتح مكة، وقيل: هو إشارة إلى عذاب أو عقاب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسجد الله ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: على الجمع ﴿ يبشرهم ﴾ خفيفاً: حمزة ﴿ وعشيراتكم ﴾ على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة ﴿ وضاقت ﴾ ونحو ممالة: حمزة ﴿ رحبت ثم ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ بالكفر ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه لئلا يشتبه بالوصف ﴿ وأنفسهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "الذين" ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الإيمان ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ لا لعطف الظرف على الظرف ﴿ حنين ﴾ لا لأن "إذ" ظرف ﴿ نصركم ﴾ .

﴿ مدبرين ﴾ ه ج للآية والعطف.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج ﴿ إن شاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها.

قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي  له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال علي  ألكم محاسن؟

فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم ﴿ ما كان للمشركين ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿ أن يعمروا مسٰجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام.

ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد.

قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً.

وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات.

وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه  كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد.

وقوله ﴿ شاهدين على أنفسهم ﴾ حال من الواو في ﴿ يعمروا ﴾ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به.

وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟

قال: نصراني.

واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن.

وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".

وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر.

وإنما جاز هذا التفسير لقوله  ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ ثم بيّن  ما هو الحق في هذا الباب فقال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة.

ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه.

وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث: "المصلي يناجي ربه" .

وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره  .

وقيل: دل عليه بقوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ لأنهما معلومتان من أفعاله  ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة.

ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد.

ثم قال ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له.

فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة.

فقد روي عن النبي  أنه قال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وعنه  : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" وقال صلى الله عليه وآله: قال الله  : "إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره" ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح.

فعن أنس عن النبي  : "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه" .

وفي قوله ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟

وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ.

هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب.

وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد.

ثم إنه قال ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر.

قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله ﴿ كمن آمن ﴾ وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج.

وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل.

وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله ﴿ أولئك أعظم درجة ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة.

وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله  فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج.

وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام.

وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله  وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله  فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية.

ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه.

وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها.

وقال عليّ  : ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت.

وعن ابن سيرين: قال عليّ  للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي  ؟

فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية.

فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا.

فقال النبي  : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً" .

والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟

ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ ثم صرح بالمفضول فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله  .

وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري.

وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم.

ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: ﴿ أعظم درجة ﴾ وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة.

وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ .

أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر.

أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة.

ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر.

وفي قوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف عظيم لقوله ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ﴾ وكذا في قوله ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم.

ثم فسر الفوز بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة.

وقوله ﴿ لهم فيها نعيم ﴾ إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات.

ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها ﴿ مقيم ﴾ وثانيها ﴿ خالدين ﴾ وثالثها ﴿ أبداً ﴾ وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به.

وقوله ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية.

وقوله ﴿ جنات ﴾ إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها.

ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ثم أكد المعاني المذكورة بقوله ﴿ الله عنده أجر عظيم ﴾ وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى.

قال الكلبي: لما أمر رسول الله  الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ الآيتين.

وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟

فذكر الله  أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر.

ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة.

ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك.

وعن النبي  : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس" .

وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم..

فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ الآية.

فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك.

وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم.

قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه.

ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع.

ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.

قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه.

والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه.

والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن  أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿ فتربصوا ﴾ انتظروا بما تحبون ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة.

وقيل: يعني القتال.

وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد.

ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله  يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر.

ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها.

وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد.

والمواطن الكثيرة غزوات الرسول  وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي يوم حنين.

واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين  قال علي: أن الواجب أن يكون يوم ﴿ حنين ﴾ منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ بدل من ﴿ يوم حنين ﴾ فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر".

قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً.

وحنين وداً بين مكة والطائف.

قال المفسرون: لما فتح رسول الله  مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.

واختلفوا في عدد عسكر رسول الله  حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً.

وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله  .

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.

وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة.

فهذه الكلمة ساءت رسول الله  وهي المراد من قوله ﴿ إذ أعجبتكم ﴾ وقيل: قالها أبو بكر.

وقيل: رسول الله  وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.

ثم قال ﴿ فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي انهزمتم انهزاماً.

قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله  ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله  دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب *** وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله  بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله  ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله  حين وقع الهرب.

﴿ وأنزل الله جنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات.

وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا.

واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا.

وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري.

واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله ﴿ وعذب ﴾ على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله  ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا  ﴾ قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه.

وأجابت الشافعية بأنه قال  في هذه الآية ﴿ ذلك ﴾ أي الأخذ والأسر ﴿ جزاء الكافرين ﴾ سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ.

أما قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك ﴾ أي يسلم ناس منهم.

"روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.

قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم.

قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً.

فقام رسول الله  فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً.

فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.

قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا.

فرفعت إليه  العرفاء أن قد رضوا" .

ثم إنه  أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً  حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس.

وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس.

قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف.

واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.

وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية.

وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه  شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي  في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.

وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص.

وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه.

وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك.

وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوهراجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله.

ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم.

وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك.

وقيل:أغناهم من الفيء.

وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم.

واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً.

ومعنى ﴿ إن شاء ﴾ تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عليم ﴾ أي بأحوالكم ﴿ حكيم ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.

التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة ﴿ أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى.

﴿ حبط أعمالهم ﴾ التي صدرت عنهم رياء وسمعة ﴿ إنما يعمر ﴾ القلوب ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية.

﴿ سقاية الحاج ﴾ خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة ﴿ وعمارة المسجد الحرام ﴾ الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ الطالبون والبطالون ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي القلوب المؤمنة ﴿ وهاجروا ﴾ أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب ﴿ وجاهدوا في سبيل الله ﴾ الجهاد الأكبر ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ ببذل الموجود والوجود جميعاً ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره ﴿ لا تتخذوا آباءكم ﴾ الآيتان.

فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة ﴿ وأنزل جنوداً ﴾ من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ﴿ ذلك جزاء الكافرين ﴾ أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلكالعلاج بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ، ﴿ إنما المشركون ﴾ النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى ﴿ فلا يقربوا ﴾ القلب ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس ﴿ فسوف يغنيكم الله ﴾ بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية ﴿ إن الله عليم ﴾ بمستحقي فضله ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من قتال النفوس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ تحتمل الولاية: الموافقة لهم في الحقيقة في الدين، ومن تولاهم - في الحقيقة - فهو منهم، وهو ظالم، فإن كان هذا فهو ظالم لا شك، فلم يكن لقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ معنى.

وتحتمل الولاية: الموافقة لهم في الظاهر على غير حقيقة، لكن إظهار على غير حقيقة يباح في حال إضرار عند خوف الهلاك وذهاب الدين، فيجوز أن يكون قوم أسروا الإيمان في أنفسهم وكتموه، ويظهرون الموافقة لهم في الظاهر؛ إشفاقاً على دينهم، وخوفاً على أنفسهم، فيباح لهم ذلك؛ لما ذكرنا.

فلما أن جعل الله الهجرة، وجعل المؤمنين مأوى وأنصاراً يلجئون ويأوون إليهم - لم يعذروا في إظهار الموافقة لهم، وإن كانوا في السر ليسوا على دينهم؛ لما ذكرنا.

فهذا يدل على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه في غير اضطرار يصير كافراً؛ على ما جعل هؤلاء أولياء الكفرة حقيقة ظلمة مثلهم إذا تولوهم في الظاهر، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك، وهذا أشبه، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية [النساء: 97]، لم يعذروا في تركهم الهجرة؛ فعلى ذلك هؤلاء إذا أظهروا الموافقة لهم بعد ما جعل لهم المأوى والأنصار، صاروا هم - في الحقيقة - كذلك، نهانا عن موالاة الكفرة جملة بقوله: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ  ﴾ وقال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ  ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ هذا النهي لنا في جملة الكافرين، ثم نهانا عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ  ﴾ ، ثم نهانا أن نوالي المتصلين من الآباء والأمهات وغيرهم من القرابات؛ لما تقع الشبه في موالاة المختصين بهم، فخص النهي فيه، وكذلك في تخصيص اليهود والنصارى؛ لما بيننا وبينهم موافقة في التوحيد والكتب، فخص النهي في ذلك.

ثم الولاية التي نهانا عنها تخرج على وجوه: أحدها: المودة والمحبة، أي: لا تودوهم ولا تحبوهم.

والثاني: ألا نتخذهم موضع سرنا وبطانتنا؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً...

﴾ الآية [آل عمران: 118].

والثالث: ولاية الطاعة لهم، أي: لا تطيعوهم؛ كقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم ﴾ الآية [آل عمران: 100]، وقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ  ﴾ نهانا أن نحبهم ونودهم، ونهانا - أيضاً - أن نتخذهم موضع سرنا، ونفشي إليهم سرائرنا، ونهانا أن نطيعهم فيما يدعوننا إليه ويسرون - والله أعلم - للخلاف الذي بيننا وبينهم في الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ ﴾ .

أي: اختاروا الكفر على الإيمان، والمحبة - هاهنا - محبة الاختيار والإيثار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ \[هو\] مقابل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ  ﴾ إلى آخره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ ﴾ وما ذكر، أي: إن كان طاعة هؤلاء ورضاهم أحبّ إليكم من طاعة الله وطاعة رسوله ورضاه، وأحب من جهاد في سبيله ﴿ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ : هو حرف وعيد، أي: انتظروا ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ ، أي: بعذابه.

[و] قال أهل التأويل: حتى يأتي بأمره في فتح مكة.

ودل ما ذكر في قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾ على أن المراد من قوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ ﴾ الآباء والأبناء جميعاً، ﴿ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾ الإخوان، وجميع المتصلين بهم؛ دليله ما ذكر في آخره؛ حيث قال: ﴿ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾ ، ذكر الأبناء والأزواج والعشيرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ .

قال بعضهم: اكتسبتموها.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ ، أي: أموال جعلوها حلالاً وحراماً، ويقولون: الله أذن لنا في ذلك؛ كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾ .

كانوا يخشون فواتها وذهابها، لا الكساد؛ إذ في الهجرة تركها رأساً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: إن كان آباؤكم -أيها المؤمنون- وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وأقرباؤكم، وأموالكم التي اكتسبتموه، وتجارتكم التي تحبون رواجها، وتخافون كسادها، وبيوتكم التي ترضون المقام فيها -إن كان كل أولئك أحب إليكم من الله ورسوله، ومن الجهاد في سبيله فانتظروا ما ينزله الله بكم من العقاب والنكال، والله لا يوفق الخارجين عن طاعته للعمل بما يرضيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.zY30M"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده