الآية ٣٤ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣٤ من سورة التوبة

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 185 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال السدي : الأحبار من اليهود ، والرهبان من النصارى .

وهو كما قال ، فإن الأحبار هم علماء اليهود ، كما قال تعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ) [ المائدة : 63 ] والرهبان : عباد النصارى ، والقسيسون : علماؤهم ، كما قال تعالى : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) [ المائدة : 82 ] .

والمقصود : التحذير من علماء السوء وعباد الضلال كما قال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى .

وفي الحديث الصحيح : لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة .

قالوا : اليهود والنصارى ؟

قال : فمن ؟

.

وفي رواية : فارس والروم ؟

قال : ومن الناس إلا هؤلاء ؟

.

والحاصل : التحذير من التشبه بهم في أحوالهم وأقوالهم ؛ ولهذا قال تعالى : ( ليأكلون أموال الناس بالباطل ) وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس ، يأكلون أموالهم بذلك ، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف ، ولهم عندهم خرج وهدايا وضرائب تجيء إليهم ، فلما بعث الله رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم ، طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات ، فأطفأها الله بنور النبوة ، وسلبهم إياها ، وعوضهم بالذلة والمسكنة ، وباءوا بغضب من الله .

وقوله تعالى : ( ويصدون عن سبيل الله ) أي : وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق ، ويلبسون الحق بالباطل ، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير ، وليسوا كما يزعمون ، بل هم دعاة إلى النار ، ويوم القيامة لا ينصرون .

وقوله : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس ، فإن الناس عالة على العلماء وعلى العباد وعلى أرباب الأموال ، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس ، كما قال بعضهم : وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها ؟

وأما الكنز فقال مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أنه قال : هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة .

وروى الثوري وغيره عن عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر قال : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز وقد روي هذا عن ابن عباس ، وجابر ، وأبي هريرة موقوفا ومرفوعا وعمر بن الخطاب ، نحوه - رضي الله عنهم - : أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض ، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض .

وروى البخاري من حديث الزهري ، عن خالد بن أسلم قال : خرجنا مع عبد الله بن عمر ، فقال : هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت جعلها الله طهرا للأموال .

وكذا قال عمر بن عبد العزيز ، وعراك بن مالك : نسخها قوله تعالى : ( خذ من أموالهم ) [ التوبة : 103 ] .

وقال سعيد بن محمد بن زياد ، عن أبي أمامة أنه قال : حلية السيوف من الكنز ، ما أحدثكم إلا ما سمعت .

وقال الثوري ، عن أبي حصين ، عن أبي الضحى ، عن جعدة بن هبيرة ، عن علي - رضي الله عنه - قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، فما كان أكثر منه فهو كنز .

وهذا غريب .

وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر منهما أحاديث كثيرة ؛ ولنورد منها هنا طرفا يدل على الباقي ، فقال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري ، أخبرني أبو حصين ، عن أبي الضحى ، عن جعدة بن هبيرة ، عن علي - رضي الله عنه - في قوله : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تبا للذهب ، تبا للفضة يقولها ثلاثا ، قال : فشق ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : فأي مال نتخذ ؟

فقال : عمر - رضي الله عنه - أنا أعلم لكم ذلك فقال : يا رسول الله ، إن أصحابك قد شق عليهم [ و ] قالوا : فأي مال نتخذ ؟

قال : لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا وزوجة تعين أحدكم على دينه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، حدثني سالم ، حدثني عبد الله بن أبي الهذيل ، حدثني صاحب لي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تبا للذهب والفضة .

قال : فحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله ، قولك : تبا للذهب والفضة ، ماذا ندخر ؟

.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا ، وزوجة تعين على الآخرة .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة ، عن أبيه ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ثوبان قال : لما نزل في الفضة والذهب ما نزل قالوا : فأي المال نتخذ ؟

قال [ عمر : أنا أعلم ذلك لكم فأوضع على بعير فأدركه ، وأنا في أثره ، فقال : يا رسول الله ، أي المال نتخذ ؟

قال ] ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين أحدكم في أمر الآخرة .

ورواه الترمذي ، وابن ماجه ، من غير وجه ، عن سالم بن أبي الجعد وقال الترمذي : حسن ، وحكي عن البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان .

قلت : ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلا والله أعلم .

حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا حميد بن مالك ، حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي ، حدثنا أبي ، حدثنا غيلان بن جامع المحاربي ، عن عثمان أبي اليقظان ، عن جعفر بن إياس ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) الآية ، كبر ذلك على المسلمين ، وقالوا : ما يستطيع أحد منا أن يترك لولده ما لا يبقى بعده .

فقال عمر : أنا أفرج عنكم .

فانطلق عمر واتبعه ثوبان ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا نبي الله ، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية .

فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم .

قال : فكبر عمر ، ثم قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟

المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته .

ورواه أبو داود ، والحاكم في مستدركه ، وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى ، به ، وقال الحاكم : صحيح على شرطهما ، ولم يخرجاه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا الأوزاعي ، عن حسان بن عطية قال : كان شداد بن أوس - رضي الله عنه - في سفر ، فنزل منزلا ، فقال لغلامه : ائتنا بالشفرة نعبث بها .

فأنكرت عليه ، فقال : ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه ، فلا تحفظونها علي ، واحفظوا ما أقول لكم : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات : اللهم ، إني أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك ، وأسألك حسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ، وأسألك لسانا صادقا ، وأسألك من خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، وأستغفرك لما تعلم ، إنك أنت علام الغيوب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا بوحدانية ربهم, إن كثيرًا من العلماء والقُرَّاء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى (4) =(ليأكلون أموال الناس بالباطل)، يقول: يأخذون الرشى في أحكامهم, ويحرّفون كتاب الله, ويكتبون بأيديهم كتبًا ثم يقولون: " هذه من عند الله ", ويأخذون بها ثمنًا قليلا من سِفلتهم (5) =(ويصدُّون عن سبيل الله)، يقول: ويمنعون من أرادَ الدخول في الإسلام الدخولَ فيه، بنهيهم إياهم عنه.

(6) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16648- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل)، أما " الأحبار ", فمن اليهود.

وأما " الرهبان "، فمن النصارى.

وأما " سبيل الله "، فمحمد صلى الله عليه وسلم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) .

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ، ويأكلها أيضًا معهم (الذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)، يقول: بشّر الكثيرَ من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل, والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله, بعذابٍ أليم لهم يوم القيامة، مُوجع من الله.

(7) * * * واختلف أهل العلم في معنى " الكنـز ".

فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدَّ زكاته.

قالوا: وعنى بقوله: (ولا ينفقونها في سبيل الله)، ولا يؤدُّون زكاتها.

* ذكر من قال ذلك: 16649- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب, عن نافع, عن ابن عمر قال: كل مال أدَّيت زكاته فليس بكنـز وإن كان مدفونًا.

وكل مالٍ لم تؤدَّ زكاته، فهو الكنـز الذي ذكره الله في القرآن، يكوى به صاحبه، وإن لم يكن مدفونًا.

(8) 16650- حدثنا الحسن بن الجنيد قال، حدثنا سعيد بن مسلمة قال، حدثنا إسماعيل بن أمية, عن نافع, عن ابن عمر, أنه قال: كل مالٍ أدَّيت منه الزكاة فليس بكنـز وإن كان مدفونًا.

وكل مال لم تودَّ منه الزكاة، وإن لم يكن مدفونًا، فهو كنـز.

(9) 16651- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل, عن يحيى بن سعيد, عن نافع, عن ابن عمر قال: أيُّما مالٍ أدّيت زكاته فليس بكنـز وإن كان مدفونًا في الأرض.

وأيُّما مالٍ لم تودِّ زكاته، فهو كنـز يكوى به صاحبه, وإن كان على وجه الأرض.

(10) 16652- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وجرير, عن الأعمش, عن عطية, عن ابن عمر قال: ما أدَّيت زكاته فليس بكنـز.

(11) 16653-......

قال، حدثنا أبي, عن العمري, عن نافع, عن ابن عمر قال: ما أدّيت زكاته فليس بكنـز وإن كان تحت سبع أرَضِين.

وما لم تؤدِّ زكاته فهو كنـز وإن كان ظاهرًا.

(12) 16654-......

قال، حدثنا جرير, عن الشيباني, عن عكرمة قال: ما أدَّيت زكاته فليس بكنـز.

16655- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أما(الذين يكنـزون الذهب والفضة)، فهؤلاء أهل القبلة، و " الكنـز "، ما لم تؤدِّ زكاته وإن كان على ظهر الأرض، وإن قلّ.

وإن كان كثيرًا قد أدّيت زكاته، فليس بكنـز.

16656- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل، عن جابر قال: قلت لعامر: مالٌ على رَفٍّ بين السماء والأرض لا تؤدَّى زكاته, أكنـز هو؟

قال: يُكْوَى به يوم القيامة.

* * * وقال آخرون: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنـز أدَّيت منه الزكاة أو لم تؤدِّ.

* ذكر من قال ذلك: 16657- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي حصين, عن أبي الضحى, عن جعدة بن هبيرة, عن علي رحمة الله عليه قال: أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة "، فما كان أكثر من ذلك فهو " كنـز "، (13) 16658- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان، عن أبي حصين, عن أبي الضحى, عن جعدة بن هبيرة, عن علي مثله.

16659- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الشعبي قال، أخبرني أبو حصين, عن أبي الضحى, عن جعدة بن هبيرة, عن علي رحمة الله عليه في قوله: (والذين يكنـزون الذهب والفضة)، قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة, وما فوقها كنـز.

* * * وقال آخرون: " الكنـز " كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه.

* ذكر من قال ذلك: 16660- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الله بن معاذ قال، حدثنا أبي قال، حدثنا شعبة, عن عبد الواحد: أنه سمع أبا مجيب قال: كان نعل سيف أبي هريرة من فضة, فنهاه عنها أبو ذر وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ترك صَفْرَاء أو بيضاء كُوِي بها ".

(14) 16661- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن الأعمش وعمرو بن مرة, عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نـزلت: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تبًّا للذهب!

تبًّا للفضة!

يقولها ثلاثًا "، قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالوا: فأيَّ مال نتخذ؟!

فقال عمر: أنا أعلم لكم ذلك!

فقال: يا رسول الله، إن أصحابك قد شق عليهم، وقالوا: فأيَّ المال نتخذ؟

فقال: لسانًا ذاكرًا, وقلبًا شاكرًا, وزوجةً تُعين أحدكم على دينه.

(15) 16662- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا إسرائيل, عن منصور, عن سالم بن أبي الجعد, عن ثوبان, بمثله.

(16) 16663- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن منصور, عن عمرو بن مرة, عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نـزلت هذه الآية: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، قال المهاجرون: وأيَّ المال نتّخذ؟

فقال عمر: اسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

قال: فأدركته على بعيرٍ فقلت: يا رسول الله، إن المهاجرين قالوا: فأيَّ المال نتخذه؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لسانًا ذاكرًا, وقلبًا شاكرًا, وزوجةً مؤمنةً، تعين أحدكم على دينه.

(17) 16664- حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, عن شهر بن حوشب, عن أبي أمامة قال: توفي رجل من أهل الصُّفة, فوُجد في مئزرِه دينارٌ, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيَّةٌ !

ثم توفي آخر فوُجد في مئزره ديناران, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيَّتان!

(18) 16665- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن شهر بن حوشب, عن صديّ بن عجلان أبي أمامة قال: مات رجل: من أهل الصُّفة, فوجد في مئزره دينارٌ, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيّةٌ!

ثم توفيّ آخر, فوجد في مئزره ديناران، فقال نبي الله: كيّتان !

(19) 16666- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن سالم, عن ثوبان قال: كنا في سفر، ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال المهاجرون: لوددنا أنَّا علمنا أيُّ المال خيرٌ فنتخذه؟

إذ نـزل في الذهب والفضة ما نـزل!

فقال عمر: إن شئتم سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك!

فقالوا: أجل!

فانطلق، فتبعته أوضع على بعيري, (20) فقال: يا رسول الله إن المهاجرين لما أنـزل الله في الذهب والفضة ما أنـزل قالوا: وددنا أنّا علمنا أيّ المال خير فنتخذه؟

قال: نعم!

فيتخذ أحدكم لسانًا ذاكرًا, وقلبًا شاكرًا, وزوجةٌ تعين أحدَكم على إيمانه.

(21) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، القولُ الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مالٍ أدّيت زكاته فليس بكنـز يحرُم على صاحبه اكتنازُه وإن كثر = وأنّ كل مالٍ لم تُؤَّد زكاته فصاحبه مُعاقب مستحقٌّ وعيدَ الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قلّ، إذا كان مما يجبُ فيه الزكاة.

وذلك أن الله أوجب في خمس أواقٍ من الوَرِق على لسان رسوله رُبع عُشْرها, (22) وفي عشرين مثقالا من الذهب مثل ذلك، رُبْع عشرها.

فإذ كان ذلك فرضَ الله في الذهب والفضَّة على لسان رسوله, فمعلومٌ أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوفَ ألوفٍ، لو كان = وإن أدِّيت زكاته = من الكنوز التي أوعدَ الله أهلَها عليها العقاب, لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا من رُبْع العُشْر.

لأن ما كان فرضًا إخراجُ جميعِه من المال، وحرامٌ اتخاذه، فزكاته الخروجُ من جميعه إلى أهله، لا رُبع عُشره.

وذلك مثلُ المال المغصوب الذي هو حرامٌ على الغاصب إمساكُه، وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده, التطهّر منه: ردُّه إلى صاحبه.

فلو كان ما زادَ من المال على أربعة آلاف درهم, أو ما فضل عن حاجة ربِّه التي لا بد منها، مما يستحق صاحبُه باقتنائه = إذا أدَّى إلى أهل السُّهْمان حقوقهم منها من الصدقة = وعيدَ الله، لم يكن اللازمُ ربَّه فيه رُبْع عشره, بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله، وصرفه فيما يجب عليه صرفه, كالذي ذكرنا من أن الواجب على غاصِبِ رجلٍ مالَه، رَدُّه على ربِّه.

* * * وبعدُ, فإن فيما:- 16667- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، قال معمر، أخبرني سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل لا يؤدِّي زكاةَ ماله إلا جُعل يوم القيامة صفائحَ من نار يُكْوَى بها جبينه وجبهته وظهره، (23) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين الناس، ثم يرى سبيله، وإن كانت إبلا إلا بُطِحَ لها بقاع قرقرٍ، (24) تطؤه بأخفافها = حسبته قال: وتعضه بأفواهها = يردّ أولاها على أخراها, حتى يقضي بين الناس، ثم يرى سبيله.

وإن كانت غنمًا فمثل ذلك, إلا أنها تنطحه بقُرُونها, وتطؤُه بأظلافها.

(25) * * * = وفي نظائر ذلك من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها، الدلالةُ الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تُؤَدَّ الوظائفُ المفروضةُ فيها لأهلها من الصدقة, لا على اقتنائها واكتنازها.

وفيما بيّنا من ذلك البيانُ الواضح على أن الآية لخاصٍّ، كما قال ابن عباس, وذلك ما:- 16668- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي, قال حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)، يقول: هم أهل الكتاب.

وقال: هي خاصَّة وعامةٌ.

* * * قال أبو جعفر: يعني بقوله: " هي خاصة وعامة "، هي خاصة من المسلمين فيمن لم يؤدِّ زكاة ماله منهم, وعامة في أهل الكتاب، لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم إن أنفقوا.

يدلُّ على صحة ما قلنا في تأويل قول ابن عباس هذا، ما:- 16669- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها)، إلى قوله: هَذَا مَا كَنَـزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ قال: هم الذين لا يؤدُّون زكاة أموالهم.

قال: وكل مالٍ لا تؤدَّى زكاته، كان على ظهر الأرض أو في بطنها، فهو كنـز وكل مالٍ تؤدَّى زكاته فليس بكنـز كان على ظهر الأرض أو في بطنها.

16670- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (والذين يكنـزون الذهب والفضة)، قال: " الكنـز "، ما كنـز عن طاعة الله وفريضته, وذلك " الكنـز ".

وقال: افترضت الزكاة والصلاة جميعًا لم يفرَّق بينهما.

* * * قال أبو جعفر: وإنما قلنا: " ذلك على الخصوص ", لأن " الكنـز " في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضُه على بعضٍ، في بطن الأرض كان أو على ظهرها, يدلُّ على ذلك قول الشاعر: (26) لا دَرَّ دَرِّيَ إنْ أَطْعَمْـــتُ نَــازِلَهُمْ قِـرْفَ الْحَـتِيِّ وعِنْـدِي الْـبُرُّ مَكْنُوزُ (27) يعني بذلك: وعندي البرُّ مجموع بعضه على بعض.

وكذلك تقول العرب للبدن المجتمع: " مكتنـز "، لانضمام بعضه إلى بعض.

وإذا كان ذلك معنى " الكنـز "، عندهم, وكان قوله: (والذين يكنـزون الذهب والفضة)، معناه: والذين يجمعون الذهب والفضة بعضَها إلى بعض ولا ينفقونها في سبيل الله، وهو عامٌّ في التلاوة, ولم يكن في الآية بيانُ كم ذلك القدر من الذهب والفضّة الذي إذا جمع بعضُه إلى بعض، (28) استحقَّ الوعيدَ = (29) كان معلومًا أن خصوص ذلك إنما أدرك، لوقْف الرسول عليه, وذلك كما بينا من أنه المال الذي لم يودَّ حق الله منه من الزكاة دون غيره، لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته.

وقد كان بعض الصحابة يقول: هي عامة في كل كنـز غير أنها خاصّة في أهل الكتاب، وإياهم عَنَى الله بها.

* ذكر من قال ذلك: 16671- حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حصين، عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذَة, فلقيت أبا ذَرّ, فقلت: يا أبا ذرّ, ما أنـزلك هذه البلاد؟

قال: كنت بالشأم, فقرأت هذه الآية: (والذين يكنـزون الذهب والفضة)، الآية, فقال معاوية: ليست هذه الآية فينَا, إنما هذه الآية في أهل الكتاب!

قال: فقلت: إنها لفينا وفيهم!

قال: فارتَفَع في ذلك بيني وبينه القولُ, فكتب إلى عثمان يشكُوني, فكتب إليَّ عثمان أنْ أقبل إليّ !

قال: فأقبلت، فلما قدمت المدينة ركِبني الناسُ كأنهم لم يروني قبل يومئذ, فشكوت ذلك إلى عثمان, فقال لي: تَنَحَّ قريبًا.

قلت: والله لن أدعَ ما كنت أقول!

(30) 16672- حدثنا أبو كريب وأبو السائب وابن وكيع قالوا، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا حصين, عن زيد بن وهب قال: مررنا بالربذة, ثم ذكر عن أبي ذر نحوه.

(31) 16673- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس, عن أشعث وهشام, عن أبي بشر قال، قال أبو ذر: خرجت إلى الشأم، فقرأت هذه الآية: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب!

قال فقلت: إنها لفينا وفيهم.

(32) 16674- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين, عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذة، فإذا أنا بأبي ذر قال قلت له: ما أنـزلك منـزلك هذا؟

قال: كنت بالشأم, فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله)، قال: فقال: نـزلت في أهل الكتاب.

فقلت: نـزلت فينا وفيهم = ثم ذكر نحو حديث هشيم، عن حصين.

(33) * * * فإن قال قائل: فكيف قيل: (ولا ينفقونها في سبيل الله)، فأخرجت " الهاء " و " الألف " مخرج الكناية عن أحدِ النوعين.

قيل: يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أن يكون " الذهب والفضة " مرادًا بها الكنوز, كأنه قيل: والذين يكنـزون الكنوز ولا ينفقونَها في سبيل الله، لأن الذهب والفضة هي " الكنوز "، في هذا الموضع.

والأخر أن يكون استغنى بالخبر عن إحداهما في عائد ذكرهما، من الخبر عن الأخرى, لدلالة الكلام على الخبر عن الأخرى مثل الخبر عنها، وذلك كثير موجود في كلام العرب وأشعارها, ومنه قول الشاعر: (34) نَحْــنُ بِمَــا عِنْدَنَــا وأَنْـتَ بِمَـا عِنْــدَكَ رَاض, وَالــرَّأْيُ مُخْـتَلِفُ (35) فقال: " راض ", ولم يقل: " رضوان "، وقال الآخر: (36) إِنَّ شَــرْخَ الشَّــبَابِ والشَّـعَرَ الأسْ وَدَ مَــا لَـمْ يُعَـاصَ كـانَ جُنُونَـا (37) فقال: " يعاص ", ولم يقل: " يعاصيا " في أشياء كثيرة.

ومنه قول الله: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ، [سورة الجمعة: 11]، ولم يقل: " إليهما " ----------------------- الهوامش : (4) انظر تفسير " الأحبار " ، و " الرهبان " فيما سلف ص : 209 ، تعليق : 2 ، و ص : 208 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(5) انظر تفسير " أكل الأموال بالباطل " فيما سلف 9 : 392 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(6) انظر تفسير " الصمد " فيما سلف ص : 151 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

= وتفسير " سبيل الله " في فهارس اللغة ( سبل ) .

(7) انظر تفسير " أليم " فينا سلف من فهارس اللغة ( ألم ) .

(8) الأثر : 16649 - حديث ابن عمرو في الكنز ، رواه أبوه جعفر من طرق ، بألفاظ مختلفة ، موقوفا على ابن عمر ، وهو الصواب ، وإسناد هذا الخبر صحيح إلى ابن عمرو .

رواه مالك بمعناه من طريق عبد الله بن دينار .

عن عبد الله بن عمرو في الموطأ : 256 .

(9) الأثر : 16650 - " الحسن بن الجنيد البلخي " ، شيخ الطبري ، ويقال " الحسين " ، مضى برقم : 8458 .

وكان في المخطوطة : " الحسين " وأثبت ما في المخطوطة .

و " سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان " ، ضعيف الحديث ، مضى برقم : 8458 .

و " إسماعيل بن أمية الأموي " ، مضى برقم : 2615 ، 8458 .

وهذا إسناد ضعيف لضعف " سعيد بن مسلمة " .

(10) الأثر : 16651 - رواه البيهقي في السنن 4 : 82 ، بنحو هذا اللفظ من طريق ابن نمير ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وقال : " هذا هو الصحيح ، موقوف .

وكذلك رواه جماعة عن نافع ، وجماعة عن عبيد الله بن عمر .

وقد رواه سويد بن عبد العزيز ، وليس بالقوي ، مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

(11) الأثر: 16652 - "عطية"، هو "عطية بن سعد العوفي"، ضعيف الحديث، مضى تضعيفه في رقم : 305 .

(12) الأثر : 16653 - " العمري " وهو " عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب " ، سلف مرارا وهذا الإسناد هو الذي أشار إليه البيهقي فيما سلف رقم 16551 ، في التعليق .

(13) الأثر : 16657 - " جعدة بن هبيرة المخزومي " ، تابعي ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن أم هانئ بنت أبي طالب .

خاله علي رضي الله عنهم .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 238 ،وابن أبي حاتم 1 / 1 / 526 .

وسيأتي بعد من طريقين .

(14) الأثر : 16660 - " ابن عبد الواحد " ، يقال : " عبد الله بن عبد الواحد الثقفي " ، ويقال : " فلان بن عبد الواحد ، رجل من ثقيف " ، ويقال : " يحيى بن عبد الواحد " ويقال : " عبد الواحد " .

مجهول ، وكان في المطبوعة : " عن أنس ، عن عبد الواحد " ، غير فيها وزاد ما لم يكن في المخطوطة .

و " أبو مجيب " ، الشاشي .

مجهول .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 168 من طريق محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن رجل من ثقيف يقال له فلان بن عبد الواحد قال : سمعت أبا مجيب .

وذكره الحافظ في تعجيل المنفعة : 518 ، في ترجمة " أبو محمد " .

وذكر نص حديث أحمد ثم قال : " وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الكنى ، فيما حكاه الحاكم أبو أحمد عنه ، من طريق ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن عبد الله بن عبد الواحد الثقفي ، عن أبي مجيب الشاشي ، فذكره .

وحكى الحاكم أنه قيل في اسم هذا الثقفي : يحيى ، وقيل : عبد الواحد .

وقال : الاختلاف فيه على شعبة " .

وفي رواية أحمد : " لقي أبو ذر أبا هريرة ، وجعل = أراه قال = قبيعة سيفه فضة " .

و " قبيعة السيف " ، هي التي تكون على رأس قائم السيف .

وقيل : هي ما تحت شاربي السيف ، مما يكون فوق الغمد ، فيجيء مع قائم السيف .

والشاربان : أنفان طويلان أسفل القائم ، أحدهما من هذا الجانب ، والآخر من هذا الجانب .

وأما " نعل السيف " ، فهو ما يكون في أسفل جفنه من حديدة أو فضة .

(15) الأثر : 16661 - خبر عمر هذا رواه أبو جعفر من طرق .

أولها هذا ، ثم رقم : 16662 ، 16663 ، 16666 .

و " سالم بن أبي الجعد الأشجعي ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارا .

روى عن عمر ، ولم يدركه .

ومن هذا ، هذا الخبر ، ورقم : 16663 .

فهذا خبر ضعيف ، لانقطاعه .

وانظر تخريج الخبر التالي ، وروايته في المسند من طريق عبد الله بن عمرو بن مرة ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم ، عن ثوبان .

(16) الأثر : 16662 - " سالم بن أبي الجعد " ، عن " ثوبان " ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اشتراه ثم أعتقه .

و " سالم بن أبي الجعد " لم يسمع من ثوبان ، قال أحمد : " لم يسمع سالم من ثوبان ، ولم يلقه .

بينهما : معدان بن أبي طلحة .

وليست هذه الأحاديث بصحاح " .

وهذا الخبر رواه أحمد في المسند 5 : 278 من طريق إسرائيل ، عن منصور ، عن سالم .

ثم رواه أيضا 5 : 282 ، من طريق وكيع ، عن عبد الله بن عمرو بن مرة ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم ، عن ثوبان .

ورواه الترمذي في كتاب التفسير ، من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن منصور ، بنحوه ، وقال : " هذا حديث حسن .

سألت محمد بن إسماعيل ( البخاري ) فقلت له : سالم بن أبي الجعد سمع ثوبان ؟

فقال !

لا ؛ قلت له ، ممن سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟

قال : سمع من جابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وذكر غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " .

وسيأتي من طريق سالم عن ثوبان برقم : 16666 .

وانظر تفسير ابن كثير 4 : 155 .

(17) الأثر : 16663 - انظر تخريج الآثار السالفة .

(18) الأثران : 16664 ، 16665 - " شهر بن حوشب " ، مضى توثيقه مرارا .

فهذا خبر صحيح الإسناد ، رواه أحمد في المسند 5 : 253 ، من طرق ، من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن شهر .

ورواه من طريق روح ، عن معمر ، عن قتادة ، ومن طريق حسين ، عن شيبان ، عن قتادة .

ورواه أيضا 5 : 252 عن حجاج قال : سمعت شعبة يحدث عن قتادة وهاشم = قال حدثني شعبة أنبأنا قتادة قال : سمعت أبا الحسن يحدث = قال هاشم في حديثه : أبو الجعد مولى لبني ضبيعة ، عن أبي أمامة .

ثم رواه أيضا 5 : 253 ، من حجاج ، عن شعبة ، عن عبد الرحمن ، من أهل حمص ، من بني العداء ، من كندة ، مختصرا .

وروى أحمد نحوه في حديث علي بن أبي طالب ، بإسناد ضعيف رقم : 788 ، 1155 ، 1156 ، 1157 .

وانظر تفسير ابن كثير 4 : 158 ، 159 .

(19) الأثران : 16664 ، 16665 - " شهر بن حوشب " ، مضى توثيقه مرارا .

فهذا خبر صحيح الإسناد ، رواه أحمد في المسند 5 : 253 ، من طرق ، من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن شهر .

ورواه من طريق روح ، عن معمر ، عن قتادة ، ومن طريق حسين ، عن شيبان ، عن قتادة .

ورواه أيضا 5 : 252 عن حجاج قال : سمعت شعبة يحدث عن قتادة وهاشم = قال حدثني شعبة أنبأنا قتادة قال : سمعت أبا الحسن يحدث = قال هاشم في حديثه : أبو الجعد مولى لبني ضبيعة ، عن أبي أمامة .

ثم رواه أيضا 5 : 253 ، من حجاج ، عن شعبة ، عن عبد الرحمن ، من أهل حمص ، من بني العداء ، من كندة ، مختصرا .

وروى أحمد نحوه في حديث علي بن أبي طالب ، بإسناد ضعيف رقم : 788 ، 1155 ، 1156 ، 1157 .

وانظر تفسير ابن كثير 4 : 158 ، 159 .

(20) " أوضع الراكب " ، أسرع بدابته إسراعا دون العدو الشديد .

(21) الأثر : 16666 - مكرر الخبر رقم : 16662 ، وانظر تخريج الأخبار السالفة .

(22) " الورق " ( بكسر الراء ) ، الفضة .

(23) في المخطوطة : " جسه " غير منقوطة ، والذي في مسلم : " جنباه وجبينه " والاختلاف في هذه الأحرف ذكره مسلم في صحيحه ، وأثبت ما في المخطوطة لموافقته لما في مسند أحمد رقم : 7706 .

(24) " بطح " ( بالبناء للمجهول ) ، ألقي على وجهه .

و " القاع " : الأرض المستوية الفسيحة .

و " قرقر " ، هي الصحراء البارزة الملساء .

(25) الأثر : 16667 - حديث صحيح .

رواه مسلم مطولا في صحيحه 7 : 67 ، من طريق محمد بن عبد الملك الأموي ، عن عبد العزيز بن المختار ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبي صالح .

ورواه من طرق أخرى عن أبي صالح ، ومن طرق عن أبي هريرة .

ورواه أحمد في مسنده رقم : 7553 ، مطولا ، وقد استوفى أخي السيد أحمد تخريجه هناك .

ثم رواه أيضا رقم : 7706 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن سهيل بن أبي صالح ، مختصرا ، وفيه : " جبينه وجبهته وظهره " فمن أجل ذلك أثبت ما كان في المخطوطة ( تعليق : 1 ) .

(26) هو المتنخل الهذلي .

(27) ديوان الهذليين 2 : 15 ، اللسان ( كنز ) ، وغيرهما كثير ، وهي أبيات جياد ، وصف فيها جوع الجائع وصفا لا يبارى ، يقول بعده ، ووصف رجلا ضاعت نعمه ، وشردته البيد : * * *لَــوْ أنَّـهُ جَـاءَني جَوْعَـانُ مُهْتَلِـكٌ مِـنْ بُؤسِ النَّاسِ , عَنْهُ الخيْرُ مَحْجُوزُ أعْيَــى وقَصَّــرَ لَمَّـا فَاتَـهُ نَعَـمٌ يُبَــادِرُ اللَّيْــلَ بالعَلْيَــاء مَحْـفُوزُ حَـتَّى يَجِـيءَ , وَجِـنُّ اللَّيْـلِ يُوغِلُهُ والشَّـوْكُ فِــي وَضَحِ الرِّجْلَيْنِ مَرْكُوزُ قَــدْ حَــالَ دُونَ دَرِيسَـيْهِ مُؤَوِّبَـةٌ نِسْـعٌ , لَهَـا بِعِضَـاهِ الأرْضِ تَهْرِيـزُ كَأنَّمَـــا بَيْــنَ لَحْيَيْــهِ وَلبَّتِــهِ مِـنْ جُلْبَـةِ الجُـوعِ جَيَّـارٌ وإرْزِيـزُ لَبَــاتَ أُسْــوَةَ حَجَّــاجٍ وَإخْوَتِـهِ فِـي جَهْدِنـا , أوْ لَـهُ شَـفٌّ وَتْمرِيزُ " القرف " ، ما يقرف عن الشيء ، وهي قشره .

و " الحتى " الدوم .

يقول : لا أطعمه الخسيس ، والبر عندي مخزون بعضه على بعض .

ثم يقول : ضاعت إبله ، فتقاذفته البيد ، فهو من قلقه يصعد على الروابي يتنور نارا يقصدها .

ثم قال : يدفعه سواد الليل ومخاوفه ، وقد أضناه السير ، فوقع في أرض ذات شوك ، فعلق به ، لا يكاد ينقشه من شدة ضعفه .

ثم يقول : اشتدت ريح الشمال الباردة بالليل = وهي المؤوبة ، والشمال ، هي النسع = فطيرت عنه ثوبيه الباليين ، فأخذه الجوع والبرد ، فحمي جوفه من شدة الجوع ، وذلك هو " الجيار " ، واصطكت أسنانه ، وذلك هو " الإرزيز " .

ثم يقول : لو جاءني هذا الجائع المشرد ، لكان بين أهله ، فهو عندي بمنزلة حجاج وإخوته ، وهم أولاد المتنخل ، في ساعة العسرة ، بل لكان له فضل عليهم = وهو " الشف " = ، ولكان له زيادة وتمييز = وهو " التمزيز " .

(28) في المخطوطة والمطبوعة : " لم يكن في الآية " ، بغير واو ، والصواب إثباتها .

(29) السياق : " وإ ذا كان ذلك معنى الكنز عندهم .

.

.

كان معلوما .

.

.

" .

(30) الأثر : 16671 - " أبو حصين " ، " عبد الله بن أحمد بن يونس اليربوعي " ، شيخ الطبري ، ثقة .

مضى برقم : 12336 .

و " حصين " ، هو " حصين بن عبد الرحمن الهذلي " ، ثقة سلف مرارا ، آخرها رقم : 12193 ، 12304 .

و " زيد بن وهب الجهني" تابعي كبير ، هاجر إلى رسول الله ، ولم يدركه .

مضى برقم : 4222 ، 16527 ، 16528 .

وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 3 : 217 / 8 : 244 ) ، أولهما من طريق هشيم ، عن حصين ، والثاني من طريق جرير ، عن حصين .

ورواه ابن سعد في الطبقات 4 / 1 / 166 ، من طريق هشيم ، عن حصين .

وسيرويه أبو جعفر من طريق هشيم أيضا برقم : 16674 .

(31) الأثر : 16672 - هذا مكرر الذي قبله .

(32) الأثر : 16673 - " أبو بشر " ، هو : " جعفر بن أبي وحشية " ، مضى مرارا .

وهو إسناد منقطع .

(33) الأثر : 16674 - هو مكرر الأثر السالف رقم : 16671 ، انظر تخريجه هناك .

(34) هو عمرو بن امرئ القيس ، من بني الحارث بن الخزرج ، جد عبد الله بن رواحة ، جاهلي قديم .

(35) جمهرة أشعار العرب : 127 ، سيبويه 1 : 37 ، 38 ( منسوبا لقيس بن الخطيم ، وهو خطأ ) ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 434 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 258 ، الخزانة 2 : 190 ، وغيرها ، ومضى بيت منها 2 : 21 ، وسيأتي في التفسير 22 : 68 / 26 : 99 ( بولاق ) من قصيدة قالها لمالك بن العجلان النجاري ، في خبر طويل ، يقول له : يـا مَــالِ , والسَّـيِّدُ المُعَمَّـمُ قَـدْ يَطْـرَأُ فِـي بَعْـضِ رأيِـهِ السَّـرَفُ خـالَفْتَ فِـي الـرأيِ كُـلَّ ذِي فَخَـرٍ وَالحـقُّ , يـا مَـالِ , غيرُ مَا تَصِفُ .

(36) هو حسان بن ثابت .

(37) ديوانه : 413 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 258 ، والكامل 2 : 79 ، واللسان ( شرخ ) ، و " الشرخ " : الحد ، أي غاية ارتفاعه ، يعني بذلك : أقصى قوته ونضارته وعنفوانه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم[ ص: 56 ] فيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى ليأكلون أموال الناس بالباطل دخلت اللام على يفعل ، ولا تدخل على فعل لمضارعة يفعل الأسماء .

و ( الأحبار ) علماء اليهود .

و ( الرهبان ) مجتهدو النصارى في العبادة .

( بالباطل ) قيل : إنهم كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك ، مما يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله تعالى ، وهم خلال ذلك يحجبون تلك الأموال ، كالذي ذكره سلمان الفارسي عن الراهب الذي استخرج كنزه ، ذكره ابن إسحاق في السير .

وقيل : كانوا يأخذون من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدين والقيام بالشرع .

وقيل : كانوا يرتشون في الأحكام ، كما يفعله اليوم كثير من الولاة والحكام .

وقوله : ( بالباطل ) يجمع ذلك كله .ويصدون عن سبيل الله أي يمنعون أهل دينهم عن الدخول في دين الإسلام ، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم .الثانية : قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة الكنز أصله في اللغة الضم والجمع ولا يختص ذلك بالذهب والفضة .

ألا ترى قوله عليه السلام : ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء ؟

المرأة الصالحة .

أي يضمه لنفسه ويجمعه .

قال :ولم تزود من جميع الكنز غير خيوط ورثيت بزوقال آخر :لا در دري إن أطعمت جائعهم قرف الحتي وعندي البر مكنوزقرف الحتي : هو سويق المقل .

يقول : إنه نزل بقوم فكان قراه عندهم سويق المقل ، وهو الحتي ، فلما نزلوا به قال هو : لا در دري .

.

.

البيت .وخص الذهب والفضة بالذكر لأنه مما لا يطلع عليه ، بخلاف سائر الأموال .

قال الطبري : الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض ، في بطن الأرض كان أو على ظهرها .

وسمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ، والفضة لأنها تنفض فتتفرق ، ومنه قوله تعالى : انفضوا إليها - لانفضوا من حولك وقد مضى هذا المعنى في ( آل عمران )[ ص: 57 ] الثالثة : واختلف الصحابة في المراد بهذه الآية ، فذهب معاوية إلى أن المراد بها أهل الكتاب وإليه ذهب الأصم لأن قوله : والذين يكنزون مذكور بعد قوله : إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل .

وقال أبو ذر وغيره : المراد بها أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين .

وهو الصحيح ؛ لأنه لو أراد أهل الكتاب خاصة لقال : ويكنزون ، بغير ( والذين ) .

فلما قال : ( والذين ) فقد استأنف معنى آخر يبين أنه عطف جملة على جملة .

( فالذين يكنزون ) كلام مستأنف ، وهو رفع على الابتداء .

قال السدي : عنى أهل القبلة .

فهذه ثلاثة أقوال .

وعلى قول الصحابة فيه دليل على أن الكفار عندهم مخاطبون بفروع الشريعة .

روى البخاري عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟

قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ، فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب .

فقلت : نزلت فينا وفيهم ، وكان بيني وبينه في ذلك .

فكتب إلى عثمان يشكوني ، فكتب إلي عثمان أن اقدم المدينة ، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكرت ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحيت فكنت قريبا ، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت .الرابعة : قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية زكاة العين ، وهي تجب بأربعة شروط : حرية ، وإسلام ، وحول ، ونصاب سليم من الدين .

والنصاب مائتا درهم أو عشرون دينارا .

أو يكمل نصاب أحدهما من الآخر وأخرج ربع العشر من هذا وربع العشر من هذا .

وإنما قلنا إن الحرية شرط ، فلأن العبد ناقص الملك .

وإنما قلنا إن الإسلام شرط ، فلأن الزكاة طهرة والكافر لا تلحقه طهرة ، ولأن الله تعالى قال : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فخوطب بالزكاة من خوطب بالصلاة .

وإنما قلنا إن الحول شرط ، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول .

وإنما قلنا إن النصاب شرط ، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس في أقل من مائتي درهم زكاة وليس في أقل من عشرين دينارا زكاة .

ولا يراعى كمال النصاب [ ص: 58 ] في أول الحول ، وإنما يراعى عند آخر الحول ، لاتفاقهم أن الربح في حكم الأصل .

يدل على هذا أن من كانت معه مائتا درهم فتجر فيها فصارت آخر الحول ألفا أنه يؤدي زكاة الألف ، ولا يستأنف للربح حولا .

فإذا كان كذلك لم يختلف حكم الربح ، كان صادرا عن نصاب أو دونه .

وكذلك اتفقوا أنه لو كان له أربعون من الغنم ، فتوالدت له رأس الحول ثم ماتت الأمهات إلا واحدة منها ، وكانت السخال تتمة النصاب فإن الزكاة تخرج عنها .الخامسة : واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا ؟

فقال قوم : نعم .

ورواه أبو الضحاك عن جعدة بن هبيرة عن علي رضي الله عنه ، قال علي : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته ، ولا يصح .

وقال قوم : ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز .

قال ابن عمر : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض .

ومثله عن جابر ، وهو الصحيح .

وروى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك - ثم تلا - ولا يحسبن الذين يبخلون الآية وفيه أيضا عن أبي ذر ، قال : انتهيت إليه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - قال : والذي نفسي بيده - أو والذي لا إله غيره أو كما حلف - ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس .

فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا .

وقد بين ابن عمر في صحيح البخاري هذا المعنى ، قال له أعرابي : أخبرني عن قول الله تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة قال ابن عمر : من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال .

وقيل : الكنز ما فضل عن الحاجة .

روي عن أبي ذر ، وهو مما نقل من مذهبه ، وهو من شدائده ومما انفرد به رضي الله عنه .قلت : ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا ، ما روي أن الآية نزلت في وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كفايتهم ، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم ، وكانت السنون الجوائح هاجمة عليهم ، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت .

فلما فتح الله على [ ص: 59 ] المسلمين ووسع عليهم أوجب صلى الله عليه وسلم في مائتي درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينارا نصف دينار ولم يوجب الكل واعتبر مدة الاستنماء ، فكان ذلك منه بيانا صلى الله عليه وسلم .

وقيل : الكنز ما لم تؤد منه الحقوق العارضة ، كفك الأسير وإطعام الجائع وغير ذلك .

وقيل : الكنز لغة : المجموع من النقدين ، وغيرهما من المال محمول عليهما بالقياس .

وقيل : المجموع منهما ما لم يكن حليا ؛ لأن الحلي مأذون في اتخاذه ولا حق فيه .

والصحيح ما بدأنا بذكره ، وأن ذلك كله يسمى كنزا لغة وشرعا .

والله أعلم .السادسة : واختلف العلماء في زكاة الحلي ، فذهب مالك وأصحابه وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن لا زكاة فيه .

وهو قول الشافعي بالعراق ، ووقف فيه بعد ذلك بمصر وقال : أستخير الله فيه .

وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي : في ذلك كله الزكاة .

احتج الأولون فقالوا : قصد النماء يوجب الزكاة في العروض وهي ليست بمحل لإيجاب الزكاة ، كذلك قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حليا للقنية يسقط الزكاة .

احتج أبو حنيفة بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين ولم يفرق بين حلي وغيره .

وفرق الليث بن سعد فأوجب الزكاة فيما صنع حليا ليفر به من الزكاة وأسقطها فيما كان منه يلبس ويعار وفي المذهب في الحلي تفصيل بيانه في كتب الفروع .السابعة : روى أبو داود عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية والذين يكنزون الذهب والفضة قال : كبر ذلك على المسلمين ، فقال عمر : أنا أفرج عنكم فانطلق فقال : يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية .

فقال : إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث - وذكر كلمة - لتكون لمن بعدكم قال : فكبر عمر .

ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟

المرأة الصالحة ؛ إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته .

وروى الترمذي وغيره عن ثوبان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : قد ذم الله سبحانه الذهب والفضة ، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه .

فقال عمر : أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله فقال : لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة تعين المرء على دينه .

قال حديث حسن .[ ص: 60 ] الثامنة : ولا ينفقونها في سبيل الله ولم يقل ينفقونهما ، ففيه أجوبة ستة : الأول : قال ابن الأنباري : قصد الأغلب والأعم وهي الفضة ، ومثله قوله : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم .

ومثله وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها فأعاد الهاء إلى التجارة لأنها الأهم وترك اللهو قاله كثير من المفسرين .

وأباه بعضهم وقال : لا يشبهها ؛ لأن " أو " قد فصلت التجارة من اللهو فحسن عود الضمير على أحدهما .

الثاني : العكس وهو أن يكون ينفقونها للذهب والثاني معطوفا عليه .

والذهب تؤنثه العرب تقول : هي الذهب الحمراء .

وقد تذكر والتأنيث أشهر .

الثالث : أن يكون الضمير للكنوز .

الرابع : للأموال المكنوزة .

الخامس : للزكاة ، التقدير ولا ينفقون زكاة الأموال المكنوزة .

السادس : الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر إذا فهم المعنى ، وهذا كثير في كلام العرب .

أنشد سيبويه :نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلفولم يقل راضون .

وقال آخر :رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الطوي رمانيولم يقل بريئين .

ونحوه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه :إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنوناولم يقل يعاصيا .التاسعة : إن قيل : من لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله وأنفق في المعاصي ، هل يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم ينفق في سبيل الله .

قيل له : إن ذلك أشد ، فإن من بذر ماله في المعاصي عصى من جهتين : بالإنفاق والتناول ، كشراء الخمر وشربها .

بل من جهات إذا كانت المعصية مما تتعدى ، كمن أعان على ظلم مسلم من قتله أو أخذ ماله إلى غير ذلك .

والكانز عصى من جهتين ، وهما منع الزكاة وحبس المال لا غير .

وقد لا يراعى حبس المال ، والله أعلم .[ ص: 61 ] العاشرة : قوله تعالى فبشرهم بعذاب قد تقدم معناه .

وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذا العذاب بقوله : بشر الكنازين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم الحديث .

أخرجه مسلم .

رواه أبو ذر .

وفي رواية : بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه فيتزلزل الحديث .

قال علماؤنا : فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه لتعذيب قلبه وباطنه حين امتلأ بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا ، فعوقب في الآخرة بالهم والعذاب .الحادية عشرة : قال علماؤنا : ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق في سبيل الله ويتعرض للواجب وغيره ، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة ، فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله فلا بد وأن يكون كذلك ، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا ، فلذلك خص الوعيد به .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا تحذير من اللّه تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان، أي‏:‏ العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي‏:‏ بغير حق، ويصدون عن سبيل اللّه، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل الناس لهم من أموالهم فإنه لأجل علمهم وعبادتهم، ولأجل هداهم وهدايتهم، وهؤلاء يأخذونها ويصدون الناس عن سبيل اللّه، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتا وظلما، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى الطريق المستقيم‏.‏ ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق، أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل اللّه، فهؤلاء الأحبار والرهبان، ليحذر منهم هاتان الحالتان‏:‏ أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل اللّه‏.‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ‏}‏ أي‏:‏ يمسكونها ‏{‏وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ طرق الخير الموصلة إلى اللّه، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل اللّه إذا وجبت‏.‏ ‏{‏فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ) يعني ، العلماء والقراء من أهل الكتاب ، ( ليأكلون أموال الناس بالباطل ) يريد : ليأخذون الرشا في أحكامهم ، ويحرفون كتاب الله ، ويكتبون بأيديهم كتبا يقولون : هذه من عند الله ، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم ، وهي المآكل التي يصيبونها منهم على تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، يخافون لو صدقوهم لذهبت عنهم تلك المآكل ، ( ويصدون ) ويصرفون الناس ، ( عن سبيل الله ) دين الله عز وجل .

( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) قال ابن عمر رضي الله عنهما : كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا .

وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن لم يكن مدفونا .

ومثله عن ابن عباس .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني سويد بن سعيد ، حدثنا حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم أن أبا صالح بن ذكوان أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه ، وظهره ، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضي الله بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ، ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ، ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة ، بطح لها بقاع قرقر ، أوفر ما كانت ، لا يفقد منها فصيلا واحدا ، تطؤه بأخفافها ، وتعضه بأفواهها ، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضي الله بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ، ولا صاحب بقر ولا غنم ، لا يؤدي منها حقها ، إلا إذا كان يوم القيامة ، بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ، ولا جلحاء ، ولا عضباء ، تنطحه بقرونها ، وتطؤه بأظلافها ، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضي الله بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " .

وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع ، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ، فيأخذ بلهزمتيه ، يعني : شدقيه ، ثم يقول : أنا مالك ، أنا كنزك ، ثم تلا ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله ) الآية .

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : كل مال زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد ، وما دونها نفقة .

وقيل : ما فضل عن الحاجة فهو كنز .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة ، فلما رآني قال : " هم الأخسرون ورب الكعبة " ، قال : فجئت حتى جلست ، فلم أتقار أن قمت فقلت : يا رسول الله فداك أبي وأمي ، من هم؟

قال : " هم الأكثرون أموالا إلا من قال : هكذا وهكذا وهكذا ، من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، وقليل ما هم " وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول : من ترك بيضاء ، أو حمراء ، كوي بها يوم القيامة .

وروي عن أبي أمامة قال : مات رجل من أهل الصفة ، فوجد في مئزره دينار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " كية " ، ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كيتان " .

والقول الأول أصح ؛ لأن الآية في منع الزكاة لا في جمع المال الحلال .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم المال الصالح للرجل الصالح " .

وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت هذه الآية ، كبر ذلك على المسلمين وقالوا : ما يستطيع أحد منا أن يدع لولده شيئا ، فذكر عمر ذلك لرسول الله فقال : " إن الله عز وجل لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم " .

وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن هذه الآية؟

فقال : كان ذلك قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال .

وقال ابن عمر : ما أبالي لو أن لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله .

قوله عز وجل : ( ولا ينفقونها في سبيل الله ) ولم يقل : ولا ينفقونهما ، وقد ذكر الذهب والفضة جميعا .

قيل : أراد الكنوز وأعيان الذهب والفضة .

وقيل : رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم ، كما قال تعالى : " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة " " البقرة - 45 " ، رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم ، وكقوله تعالى : " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " ( الجمعة - 11 ) رد الكناية إلى التجارة لأنها أعم ، ( فبشرهم بعذاب أليم ) أي : أنذرهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون» يأخذون «أموال الناس بالباطل» كالرشا في الحكم «ويصدون» الناس «عن سبيل الله» دينه «والذين» مبتدأ «يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها» أي الكنوز «في سبيل الله» أي لا يأدون منها حقه من الزكاة والخير «فبشرهم» أخبرهم «بعذاب أليم» مؤلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن كثيرًا من علماء أهل الكتاب وعُبَّادهم ليأخذون أموال الناس بغير حق كالرشوة وغيرها، ويمنعون الناس من الدخول في الإسلام، ويصدون عن سبيل الله.

والذين يمسكون الأموال، ولا يؤدون زكاتها، ولا يُخْرجون منها الحقوق الواجبة، فبشِّرهم بعذاب موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - الحديث عن أهل الكتاب بتوجيه نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الرذائل التى انغمس فيها الأحبار والرهبان ، وكيف جمعوا بين ضلال أنفسهم وإضلال أتباعهم ، حيث أمروا هؤلاء الأتباع بالانقياد لهم فيما يأتون ويذرون .

.

فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ .

.

.

مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) .قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق ، وصفهم فى هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس ، تنبيها على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر ، أخذ أموال الناس بالباطل .ولعمرى من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير فى زمانان وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا فى شأنهم ، وفى شرح أحوالهم ، فترى اواحد منهم يدعى أنه لا يلتفت إلى الدنيا ، ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات ، وأنه فى الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين؛ حتى إذا آل الأمر إلى الرغيب الواحد تراه يتهالك عليه؛ ويتحمل نهاية الذل والدناءة فى تحصيله .المراد بالأكل فى قوله : ( لَيَأْكُلُونَ ) مطلق الأخذ والانتفاع .وعبر عن ذلك بالأكل ، لأنه المقصود الأعظم من جمع الأموال ، فسمى الشئ باسم ما هو أعظم مقاصده ، على سبيل المجاز المرسل ، بعلاقة العلية والمعلولية .

وأكلهم أموالهم الناس بالباطل ، يتناول ما كانوا يأخذونه من سفلتهم عن طريق الرشوة والتدليس أو التحايل أو الفتاوى الباطلة .

كما يتناول ما سوى ذلك ما كانوا يأخذونه بغير وجه حق .وأسند - سبحانه - هذه الجريمة - وهى أكل أموال الناس بالباطل - إلى كثير من الأحبار والرهبان ولم ينسدها إلى جميعهم ، إنصافا للعدد القليل منهم الذى لم يفعل ذلك ، فإن كل طائفة أو جماعة لا تخلو من وجود أفراد من بينها يتعففون عن الحرام ، ويقيدون أنفسهم بالحلال .قال صاحب المنار : وإسناد هذه الجريمة المزرية إلى الكثيرين منهم دون جميعهم من دقائق تحرى الحق فى عبارات الكتاب العزيز ، فهو لا يحكم على الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم ، بل يسند ذلك إلى الكثير أو الأكثر ، أو يطلق اللفظ العام ثم يستثنى منه .فمن الأول قوله - تعالى - فى اليهود : ( وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثم والعدوان وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ومن الثانى قوله - تعالى - فى اليهود أيضاً : ( قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) ومن الثالث قوله - سبحانه - فى شأن المحرفين للكلم الطاعنين فى الإِسلام من اليهود - أيضاً - : ( مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) وقد نبهنا فى تفسير هذه الآيات وأمثالها على العدل الدقيق فى أحكام القرآن على البشر وإنما نكرره لعظيم شأنه ..وقوله : ( وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ) جريمة من جرائمهم الكثيرة .والصد : المنع والصرف عن الشئ .

.

وسبيل الله : دينه وشريعته .أى : أن هؤلاء الكثيرين من الأحبار والرهبان لا يكتفون بأكل أموال الناس بالباطل ، بل إنهم يضيفون إلى ذلك جريمة ثاينة من جرائمهم المتعددة وهى انهم ينصرفون عن الدين الحق وهو دين الإِسلام انقياداً لأحقادهم وشهواتهم ، ويصرفون أتباعهم عنه بشتى الوسائل ، كأن يصفوه لهم بأنه دين باطل ، أو بأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليس هو الرسول الذى بشرت به الكتب السماوية السابقة .

.

إلى إير ذلك من وسائلهم المتنوعة فى صرف الناس عن الحق .والاسم الموصول فى قوله : ( والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله .

.

.

) يرى بعضهم أن المراد به أولئك الأحبار والرهبان ، لأن الكلام مسوق فى ذمهم ، وتكون هذه الجملة ذما لهم على رذيلة ثالثة هى الحرص والبخل ، بعد ذمهم على رذيلتى أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله .ويرى آخرون أن المراد بهم البخلاء من المسلمين ، وأن الجملة مستأنفة لذم ما نعى الزكاة بقرينة قوله : ( وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله ) ويكون نظمهم مع أهل السوء من الأحبار والرهبان من باب التحذير والوعيد والإِشارة إلى أن الأشحاء المانعين لحقوق الله ، مصيرهم كمصير الأحبار والرهبان فى استحقاق البشارة بالعذاب .وترى طائفة ثالثة من العلماء أن المراد به كل من كنز المال ، ولم يخرج الحقوق الواجبة فيه ، سواء أكان من المسلمين أم من غيرهم ، لأن اللفظ مطلق ، فيجب إجراؤه على إطلاقه وعمومه ، إذ لم ما يقديه أو يخصصه .وقوله : ( يَكْنِزُونَ ) من الكنز ، وأصله فى اللغة العربية : الضم الجمع .يقال : كنزت التمر فى الوعاء إذا جمعته فيه .

وكل شئ مجموع بعضه إلى بعض فى بطن الأرض أو على ظهرها فهو كنز ، وجمعه كنوز .وخص الذهب والفضة بالذكر ، لأنها الأصل الغالب فى الأموال ولأنهما اللذان يقصدان بالكنز أكثر من غيرهما .وقال الفخر الرازى ما ملخصه : ذكر - سبحانه - شيئين هما الذهب والفضة ثم قال : ( وَلاَ يُنفِقُونَهَا ) - وكان الظاهر أن يقول " ولا ينفقونهما " والجواب من وجهين : الأول : أن الضمير عائد إلى المعنى دون اللفظ ، لأن كل واحد منهما جملة وافية؛ وعدة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله - تعالى - ( وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ) أو أن يكون التقدير : والذين يكنزون الكنوز ولا ينفقونها فى سبيل الله ، فيكون الضمير عائد إلى الكنوز المدلول عليها بالفعل ( يَكْنِزُونَ ) .الثانى : أن يكون الضمير عائد إلى اللفظ ، ويكون ذكر أحدهما يغنى عن ذكر الآخر ، كقوله - تعالى - ( وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا ) جعل الضمير للتجارة .

.وقوله : ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) خبر الموصول .والتعبير بالبشارة من باب التهكم بهم ، والسخرية منهم ، فهو كقولهم : تحيتهم الضرب؛ وإكرامهم الشتم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس، تنبيهاً على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر، أخذ أموال الناس بالباطل، ولعمري من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وفي شرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد عرفت أن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى بحسب العرف، فالله تعالى حكى عن كثير منهم أنهم ليأكلون أموال الناس بالباطل، وفيه أبحاث: البحث الأول: أنه تعالى قيد ذلك بقوله: ﴿ كَثِيراً ﴾ ليدل بذلك على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا طريقة الكل، فإن العالم لا يخلو عن الحق وإطباق الكل على الباطل كالممتنع هذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل، فكذلك سائر الأمم.

البحث الثاني: أنه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل وهو قوله: ﴿ لَيَأْكُلُونَ ﴾ والسبب في هذه الاستعارة، أن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، أو يقال من أكل شيئاً فقد ضمنه إلى نفسه ومنعه من الوصول إلى غيره، ومن جمع المال فقد ضم تلك الأموال إلى نفسه، ومنعها من الوصول إلى غيره، فلما حصلت المشابهة بين الأكل وبين الأخذ من هذا الوجه، سمى الأخذ بالأكل أو يقال: إن من أخذ أموال الناس، فإذا طولب بردها، قال أكلتها وما بقيت، فلا أقدر على ردها، فلهذا السبب سمى الأخذ بالأكل.

البحث الثالث: أنه قال: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل ﴾ وقد اختلفوا في تفسير هذا الباطل على وجوه: الأول: أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع.

والثاني: أنهم كانوا يدعون عند الحشرات والعوام منهم، أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب.

الثالث: التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فأولئك الأحبار والرهبان، كانوا يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة، ويحملونها على محامل باطلة، وكانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب، ويأخذون الرشوة.

والرابع: أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجب ثم قالوا: ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواماً عظماء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس، وهي بأسرها حاضرة في زماننا، وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق.

ثم قال: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم ويمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في الزمان، وفي زمان محمد عليه الصلاة والسلام كانوا يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر والخداع.

قال المصنف رضي الله عنه: غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه، فبين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين، فالمال هو المراد بقوله: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل ﴾ وأما الجاه فهو المراد بقوله: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فإنهم لو أقروا بأن محمداً على الحق لزمهم متابعته، وحينئذ فكان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والإتباع لمنهجه الصحيح.

ثم قال: ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ والذين ﴾ احتمالات ثلاثة: لأنه يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ الذين ﴾ أولئك الأحبار والرهبان، ويحتمل أن يكون المراد كلاماً مبتدأ على ما قال بعضهم المراد منه مانعو الزكاة من المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد منه كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين، فلا شك أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة، وروي عن زيد بن وهب قال: مررت بأبي ذر فقلت يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد؟

فقال: كنت بالشام فقرأت ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ فقال معاوية: هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقلت: إنها فيهم وفينا، فصار ذلك سبباً للوحشة بيني وبينه، فكتب إلى عثمان أن أقبل إلي، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني، كأنهم لم يروني من قبل، فشكوت ذلك إليَّ عثمان فقال لي تنح قريباً إني والله لن أدع ما كنت أقول.

وعن الأحنف، قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكافرين برضف يحمى عليه في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى تخرج من نغض كتفه حتى يرفض بدنه، وتوضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه، فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم: فقال ما عسى أن يصنع في قريش.

قال مولانا رضي الله عنه: إن كان المراد تخصيص هذا الوعيد بمن سبق ذكرهم وهم أهل الكتاب، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل ﴾ ووصفهم أيضاً بالبخل الشديد والامتناع عن إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله: ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ وإن كان المراد مانعي الزكاة من المؤمنين، كان التقدير أنه تعالى وصف قبح طريقتهم في الحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم ندب المسلمين إلى إخراج الحقوق الواجبة من أموالهم، وبين ما في تركه من الوعيد الشديد، وإن كان المراد الكل، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق الواجبة من ماله تنبيهاً على أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والتزوير والمكر.

المسألة الثانية: أصل الكنز في كلام العرب هو الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، يقال: هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤد زكاته، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أديت زكاته فليس بكنز.

وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض، وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.

وقال ابن عباس: في قوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله ﴾ يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم.

قال القاضي: تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه، بل الواجب أن يقال: الكنز هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه عنه، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات، وبين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة، وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلاً في الوعيد.

والقول الثاني: أن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم، سواء أديت زكاته أو لم تؤد.

واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بأمور: الأول: عموم قوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ  ﴾ فإن ذلك يدل على أن كل ما اكتسبه الإنسان فهو حقه وكذا قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم  ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح».

وقوله عليه السلام: «كل امرئ أحق بكسبه».

وقوله عليه السلام: «ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً».

الثاني: أنه كان في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة كعثمان وعبد الرحمن بن عوف، وكان عليه السلام يعدهم من أكابر المؤمنين.

الثالث: أنه عليه السلام ندب إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض، ولو كان جمع المال محرماً لكان عليه السلام أقر المريض بالتصدق بكله، بل كان يأمر الصحيح في حال صحته بذلك.

واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بوجوه: الأول: عموم هذه الآية، ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال، فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية، فلا يصار إليه إلا بدليل منفصل.

والثاني: ما روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تباً للذهب تباً للفضة»، قالها ثلاثاً، فقالوا له أي مال نتخذ؟

قال: «لساناً ذاكراً، وقلباً خاشعاً، وزوجة تعين أحدكم على دينه».

وقال عليه السلام: «من برك صفراء أو بيضاء كوى بها»، وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار فقال عليه السلام: «كية».

وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام: «كيتان» والثالث: ما روي عن الصحابة في هذا الباب فقال علي: كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد، وعن أبي هريرة كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز.

وعن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن العسير تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع ويقول جاءت القطار تحمل النار وبشر الكنازين بكى في الجباه والجنوب والظهور والبطون.

والرابع: أنه تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها، فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعاً من ظهور حكمته ومانعاً من وصول إحسان الله إلى عبيده.

واعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع، فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى، أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فبوجوه: الوجه الأول: أن الإنسان إذا أحب شيئاً فكلما كان وصوله إليه أكثر والتذاذه بوجدانه أكثر، كان حبه له أشد وميله أقوى فالإنسان إذا كان فقيراً فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال وكأنه غافل عن تلك اللذة، فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة، فصار ميله أشد، فكلما صارت أمواله أزيد، كان التذاذه به أكثر وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد، فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب، فالحرص متعب للروح والنفس والقلب وضرره شديد، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس وأيضاً قد بينا أنه كلما كان المال أكثر كان الحرص أشد، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنده الطلب ويزول الحرص، لقد كان الإنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد.

أما لما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر كان الضرر الناشئ من الحرص أكبر، وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب، فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال: رأى الأمر يفضي إلى آخر *** فيصير آخره أولاً والوجه الثاني: أن كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل، وأخرى في تعب الحفظ، ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات، وذلك هو الخسران المبين.

والوجه الثالث: أن كثرة المال والجاه تورث الطغيان، كما قال تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ  أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ  ﴾ والطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن، ويوقعه في الخسران والخذلان.

الوجه الرابع: أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال، ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه.

فإن قيل: لم قال عليه السلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى».

قلنا: اليد العليا إنما أفادته صفة الخيرية، لأنه أعطى ذلك القليل، فبسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليلة حصلت له الخيرية، وبسبب أنه حصل للفقير تلك الزيادة القليل حصلت المرجوحية.

المسألة الثالثة: جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة، أما منع زكاة النقود فقوله في هذه الآية: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ وأما منع زكاة المواشي فما روي في الحديث أنه تعالى يعذب أصحاب المواشي إذا لم يؤدوا زكاتها بأن يسوق إليه تلك المواشي كأعظم ما تكون في أجسامها فتمر على أربابها فتطؤهم بأظلافها وتنطحهم بقرونها كلما نفدت أخراها عادت إليهم أولاها فلا يزال كذلك حتى يفرغ الناس من الحساب.

المسألة الرابعة: الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

فإن قيل: هذا الوعيد إنما يتناول الرجال لا النساء.

قلنا: نتكلم في الرجل الذي اتخذ الحلي لنسائه، وأيضاً ترتيب هذا الوعيد على جمع الذهب والفضة حكم مرتب على وصف يناسبه، وهو أن جمع ذلك المال يمنعه من صرفه إلى المحتاجين مع أنه لا حاجة إليه، إذ لو احتاج إلى إنفاقه لما قدر على جمعه، وإقدام غير المحتاج على منع المال من المحتاج يناسب أن يمنع منه، فثبت أن هذا الوعيد مرتب على وصف يناسبه، والحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يجب كونه معللاً به، فثبت أن هذا الوعيد لذلك الجمع، فأينما حصل ذلك الوصف وجب أن يحصل معه ذلك الوعيد، وأيضاً أن العمومات الواردة في إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح قال عليه السلام: هاتوا ربع عشر أموالكم وقال: في الرقة ربع العشر وقال: يا علي عليك زكاة، فإذا ملكت عشرين مثقالاً، فأخرج نصف مثقال وقال: ليس في المال حق سوى الزكاة وقال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب، وهو ظاهر لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه لا زكاة في الحلي المباح، ولم يوجد في الأخبار أيضاً معارض إلا أن أصحابنا نقلوا فيه خبراً، وهو قوله عليه السلام: «لا زكاة في الحلي المباح» إلا أن أبا عيسى الترمذي قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلي خبر صحيح، وأيضاً بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلئ لأنه قال: لا زكاة في الحلي، ولفظ الحلي مفرد محلى بالألف واللام، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق، وجب انصرافه إليه والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللآلئ.

قال تعالى: ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا  ﴾ وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللآلئ، فسقطت دلالته، وأيضاً الاحتياط في القول بوجوب الزكاة، وأيضاً لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس، لأن النص خير من القياس فثبت أن الحق ما ذكرناه.

المسألة الخامسة: أنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة.

ثم قال: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن الضمير عائد إلى المعنى من وجوه: أحدها: أن كل واحد منهما جملة وآنية دنانير ودراهم، فهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا  ﴾ .

وثانيها: أن يكون التقدير، ولا ينفقون الكنوز.

وثالثها: قال الزجاج: التقدير: ولا ينفقون تلك الأموال.

الوجه الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى اللفظ وفيه وجوه: أحدها: أن يكون التقدير ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث إنهما معاً يشتركان في ثمنية الأشياء، وفي كونهما جوهرين شريفين، وفي كونهما مقصودين بالكنز، فلما كانا متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر.

وثانيها: أن ذكر أحدهما قد يغني عن الآخر كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا  ﴾ جعل الضمير للتجارة.

وقال: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً  ﴾ فجعل الضمير للإثم.

وثالثها: أن يكون التقدير: ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله: وإني وقيار بها لغريب *** أي وقيا كذلك.

فإن قيل: ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟

قلنا: لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة.

قال: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة.

فقيل هذا هو الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس إلا الشتم، وأيضاً فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه، وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم.

ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كنزتم لأنفسكم ﴾ ، وفي قراءة أبي ﴿ وبطونهم ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: لا يقال أحميت على الحديد، بل يقال: أحميت الحديد فما الفائدة في قوله: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا ﴾ .

والجواب: ليس المراد أن تلك الأموال تحمى على النار، بل المراد أن النار تحمى على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة، أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد، وهو مأخوذ من قوله: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ  ﴾ ولو قيل يوم تحمى لم يفد هذه الفائدة.

فإن قالوا: لما كان المراد يوم تحمى النار عليها، فلم ذكر الفعل؟

فلنا: لأن النار تأنيثها لفظي، والفعل غير مسند في الظاهر إليه، بل إلى قوله: ﴿ عَلَيْهَا ﴾ فلا جرم حسن التذكير والتأنيث وعن ابن عامر أنه قرأ ﴿ تحمى ﴾ بالتاء.

السؤال الثاني: ما الناصب لقوله: ﴿ يَوْمَ ﴾ .

الجواب: التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها.

السؤال الثالث: لم خصت هذه الأعضاء؟

والجواب لوجوه: أحدها: أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب يظهر أثره في الوجوه، وحصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم، فلما طلبوا تزين هذه الأعضاء الثلاثة، لا جرم حصل الكي على الجباه والجنوب والظهور.

وثانيها: أن هذه الأعضاء الثلاثة مجوفة، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف سائر الأعضاء.

وثالثها: قال أبو بكر الوراق: خصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد عنه وولى ظهره.

ورابعها: أن المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع، إما من مقدمه فعلى الجبهة، وإما من خلفه فعلى الظهور، وإما من يمينه ويساره فعلى الجنبين.

وخامسها: أن ألطف أعضاء الإنسان جبينه والعضو المتوسط في اللطافة والصلابة جنبه، والعضو الذي هو أصلب أعضاء الإنسان ظهره، فبين تعالى أن هذه الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي، والغرض منه التنبيه على أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء.

وسادسها: أن كمال حال بدن الإنسان في جماله وقوته أما الجمال فمحله الوجه، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة، فإذا وقع الكي في الجبهة، فقد زال الجمال بالكلية، وأما القوة فمحلها الظهر والجنبان، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن، فالحاصل: أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة، والإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول القوة.

السؤال الرابع: الذي يجعل كياً على بدن الإنسان هو كل ذلك المال أو القدر الواجب من الزكاة.

والجواب: مقتضى الآية: الكل لأنه لما يخرج منه لم يكن الحق منه جزءاً معيناً، بل لا جزء إلا والحق متعلق به، فوجب أن يعذبه الله بكل الأجزاء.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ ﴾ والتقدير: فيقال لهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا والغرض منه تعظيم الوعيد، لأنهم إذا عاينوا ما يعذبون به من درهم أو من دينار أو من صفيحة معمولة منهما أو من أحدهما جوزوا فيه أن يكون عن الحق الذي منعه وجوزوا خلاف ذلك، فعظم الله تبكيتهم بأن يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم لم تؤثروا به رضا ربكم ولا قصدتم بالإنفاق منه نفع أنفسكم والخلاص به من عقاب ربكم فصرتم كأنكم ادخرتموه ليجعل عقاباً لكم على ما تشاهدونه، ثم يقول تعالى: ﴿ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ ومعناه لم تصرفوه لمنافع دينكم ودنياكم على ما أمركم الله به ﴿ فَذُوقُواْ ﴾ وبال ذلك به لا بغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معنى أكل الأموال على وجهين: إما أن يستعار الأكل للأخذ.

ألا ترى إلى قولهم: أخد الطعام وتناوله.

وإمّا على أن الأحوال يؤكل بها فهي سبب الأكل.

ومنه قوله: إنَّ لَنَا أَحْمِرَةً عِجَافَا ** يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا يريد: علفاً يشترى بثمن إكاف.

ومعنى أكلهم بالباطل: أنهم كانوا يأخذون الرشا في الأحكام، والتخفيف والمسامحة في الشرائع ﴿ والذين يَكْنِزُونَ ﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان، للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذ البراطيل، وكنز الأموال، والضنّ بها عن الإنفاق في سبيل الخير.

ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى، تغليظاً ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منكم طيب ماله: سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم.

وقيل: نسخت الزكاة آية الكنز.

وقيل: هي ثابتة، وإنما عني بترك الإنفاق في سبيل الله منع الزكاة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أدّى زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً» وعن عمر رضي الله عنه أنّ رجلاً سأله عن أرض له باعها فقال: أحرز مالك الذي أخذت، احفر له تحت فراش امرأتك.

قال: أليس بكنز؟

قال: ما أدّى زكاته فليس بكنز وعن ابن عمر رضي الله عنهما: كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم يؤدّ زكاته فهو الذي ذكر الله تعالى وإن كان على ظهر الأرض فإن قلت: فما تصنع بما روى سالم بن أبي الجعد رضي الله عنهم أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تباً للذهب تباً للفضة» قالها ثلاثاً.

فقالوا له: أيّ مال نتخذ؟

قال: «لساناً ذاكراً، وقلباً خاشعاً، وزوجة تعين أحدكم على دينه» وبقوله عليه الصلاة والسلام: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها» .

وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كية» وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال: «كيتان» قلت: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأمّا بعد فرض الزكاة، فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه، ويؤدّي عنه ما أوجب عليه فيه، ثم يعاقبه.

ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وعبيد الله رضي الله عنهم يقتنون ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية، لأنّ الإعراض اختيار للأفضل، وإلاّ دخل في الورع والزهد في الدنيا، والاقتناء مباح موسع لا يذمّ صاحبه، ولكل شيء حدّ.

وما روي عن علي رضي الله عنه: أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما زاد فهو كنز.

كلام في الأفضل.

فإن قلت: لم قيل: ولا ينفقونها، وقد ذكر شيئان؟

قلت: ذهاباً بالضمير إلى المعنى دون اللفظ: لأن كل واحد منهما جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم، فهو كقوله: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ﴾ وقيل: ذهب به إلى الكنوز، وقيل: إلى الأموال.

وقيل: معناه ولا ينفقونها والذهب، كما أن معنى قوله: فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ وقيار كذلك.

فإن قلت: لم خصّا بالذكر من بين سائر الأموال؟

قلت: لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلاّ من فضلا عن حاجته، ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال، فكان ذكر كنزهما دليلاً على ما سواهما، فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ يُحْمَى عَلَيْهَا ﴾ ؟

وهلا قيل: تحمى، من قولك: حمى الميسم وأحميته، ولا تقول: أحميت على الحديد؟

قلت: معناه أن النار تحمى عليها، أي توقد ذات حمى وحرّ شديد، من قوله: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة: 11] ولو قيل: يوم تحمى، لم يعط هذا المعنى.

فإن قلت: فإذا كان الإحماء للنار، فلم ذكر الفعل؟

قلت: لأنه مسند إلى الجار والمجرور، أصله: يوم تحمى النار عليها، فلما حذفت النار قيل: يحمى عليها، لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها، كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير وعن ابن عامر أنه قرأ: ﴿ تحمى ﴾ بالتاء.

وقرأ أبو حيوة: ﴿ فيكوى ﴾ بالياء.

فإن قلت: لم خصّت هذه الأعضاء؟

قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم- حيث لم ينفقوها في سبيل الله- إلاّ الأغراضَ الدنيوية، ومن وجاهة عند الناس، وتقدّم، وأن يكون ماء وجوههم مصوناً عندهم، يتلقون بالجميل، ويحيون بالإكرام، ويبجلون ويحتشمون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمة من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطرون ببالهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذهب أهل الدثور بالأجور» وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم.

وقيل: معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم ﴿ هذا مَا كَنَزْتُمْ ﴾ على إرادة القول.

وقوله: ﴿ لأَنفُسِكُمْ ﴾ أي كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وتلتذ وتحصل لها الأغراض التي حامت حولها وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم وتتعذب وهو توبيخ لهم ﴿ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ .

وقرئ: ﴿ تكنزون ﴾ بضم النون أي وبال المال الذي كنتم تكنزونه أو وبال كونكم كانزين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ يَأْخُذُونَها بِالرِّشا في الأحْكامِ سُمِّيَ أخْذُ المالِ أكْلًا لِأنَّهُ الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ.

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ دِينِهِ.

﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكَثِيرُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ فَيَكُونُ مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِالحِرْصِ عَلى المالِ والضَّنِّ بِهِ وأنْ يُرادَ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ المالَ ويَقْتَنُونَهُ ولا يُؤَدُّونَ حَقَّهُ ويَكُونُ اقْتِرانُهُ بِالمُرْتَشِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِلتَّغْلِيظِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ كَبُرَ عَلى المُسْلِمِينَ فَذَكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ بِها ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بَكَنْزٍ» أيْ بِكَنْزٍ أُوعِدُ عَلَيْهِ، فَإنَّ الوَعِيدَ عَلى الكَنْزِ مَعَ عَدَمِ الإنْفاقِ فِيما أمَرَ اللَّهُ أنْ يُنْفَقَ فِيهِ، وأمّا قَوْلُهُ  : «مَن تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ كُوِيَ بِها» ونَحْوَهُ فالمُرادُ مِنها ما لَمْ يُؤَدَّ حَقُّها لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أوْرَدَهُ الشَّيْخانِ مَرْوِيًّا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها إلّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحَ مِن نارٍ فَيُكْوى بِها جَبِينُهُ وجَنْبُهُ وظَهْرُهُ» ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ هو الكَيُّ بِهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس} استعار

التوبة (٣٤ _ ٣٦)

الأكل للأخذ {بالباطل} أي بالرشا في الأحكام {وَيَصُدُّونَ} سفلتهم {عَن سَبِيلِ الله} دينه {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على

اجتماع خصلتين ذميمتين فيهم أخذ الرشا وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين ويقرن بينهم وبين المرتشين من أهل الكتاب تغليظا وعن االنبى صلى الله عليه وسلم ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً وما بلغ أن يزكي فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً ولقد كان كثير من الصحابة رضى الله عنهم كعبد الرحمن بن عوف وطلحة يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل والاقتناء مباح لا يذم صاحبه {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله} الضمير راجع إلى المعنى لأن كل واحد منهما دنانير ودراهم فهو كقوله {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} أو اريد الكنوز والاموال أو معناه ولا ينفقونها والذهب كما أن معنى قوله ...

فإني وقيار بها لغريب ...

وقيار كذلك وخصا بالذكر من بين سائر الأموال لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء وذكر كنزهما دليل على ما سواهما {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ في إغْوائِهِمْ لِأراذِلِهِمْ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الأتْباعِ في اتِّخاذِهِمْ لَهم أرْبابًا، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يَحُومُوا حَوْلَ ذَلِكَ الحِمى ولِذا وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ ﴿ إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ يَأْخُذُونَها بِالِارْتِشاءِ لِتَغْيِيرِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ والتَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ فِيها، والتَّعْبِيرُ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ والعَلاقَةُ العِلِّيَّةُ والمُعْلَوْلِيَةُ أوِ اللّازِمِيَّةُ والمَلْزُومِيَّةُ فَإنَّ الأكْلَ مَلْزُومٌ لِلْأخْذِ كَما قِيلَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْوالِ الأطْعِمَةَ الَّتِي تُؤْكَلُ بِها مَجازًا مُرْسَلًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكافًا فَإنَّهُ يُرِيدُ عَلَفًا يُشْتَرى بِثَمَنِ إكافٍ، واخْتارَ هَذا العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وهو أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، وثانِيهِما أنْ يُسْتَعارَ الأكْلُ لِلْأخْذِ وذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ العَلّامَةُ أنْ يُشَبِّهَ حالَةَ أخْذِهِمْ أمْوالَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وتَفْرِقَةٍ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ لِلتَّهالُكِ عَلى جَمْعِ حُطامِها بِحالَةِ مُنْهَمِكٍ جائِعٍ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ طَعامٍ وطَعامٍ في التَّناوُلِ، ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وأنَّ اسْتِشْهادَهُ بِأخْذِ الطَّعامِ وتَناوُلِهِ سَمِجٌ، وأُجِيبُ بِأنَّ الِاسْتِشْهادَ بِهِ عَلى أنَّ بَيْنَ الأخْذِ والتَّناوُلِ شَبَهًا وإلّا فَذاكَ عَكْسُ المَقْصُودِ، وفائِدَةُ الِاسْتِعارَةِ المُبالَغَةُ في أنَّهُ أُخِذَ بِالباطِلِ لِأنَّ الأكْلَ غايَةُ الِاسْتِيلاءِ عَلى الشَّيْءِ ويَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ بِالباطِلِ ﴾ ) عَلى هَذا زِيادَةَ مُبالَغَةٍ ولا كَذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَأْخُذُونَ ( ﴿ ويَصُدُّونَ ﴾ ) النّاسَ ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: دِينِ الإسْلامِ أوْ عَنِ المَسْلَكِ المُقَرَّرِ في كُتُبِهِمْ إلى ما افْتَرَوْهُ وحَرَّفُوهُ بِأخْذِ الرِّشا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( يَصُدُّونَ ) مِنَ الصُّدُودِ عَلى مَعْنى أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيُحَرِّفُونَ ويَفْتَرُونَ بِأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴾ أيْ يَجْمَعُونَهُما ومِنهُ: ناقَةٌ كِنازُ اللَّحْمِ أيْ مُجْتَمِعَتُهُ، ولا يُشْتَرَطُ في الكَنْزِ الدَّفْنُ بَلْ يَكْفِي مُطْلَقُ الجَمْعِ والحِفْظِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا الكَثِيرُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لِأنَّ الكَلامَ في ذَمِّهِمْ ويَكُونُ ذَلِكَ مُبالَغَةً فِيهِ حَيْثُ وُصِفُوا بِالحِرْصِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِما سَبَقَ مِن أخْذِ البَرَطِيلِ في الأباطِيلِ وإمّا المُسْلِمُونَ لِجَرْيِ ذِكْرِهِمْ أيْضًا وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهم مِمَّنْ يُنْفِقُ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِنَ النَّفْيِ عُرْفًا فَيَكُونُ نَظْمُهم في قَرْنِ المُرْتَشِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ تَغْلِيظًا ودَلالَةً عَلى كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في اسْتِحْقاقِ البِشارَةِ بِالعَذابِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَمْلَهُ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ فِيهِ الأحْبارُ والرُّهْبانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالزَّكاةِ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنا أُفَرِّجُ عَنْكم فانْطَلَقَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ كَبُرَ عَلى أصْحابِكَ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم» .

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»“ أيْ بِكَنْزٍ أُوعَدُ عَلَيْهِ فَإنَّ الوَعِيدَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الإنْفاقِ فِيما أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُنْفَقَ فِيهِ، ولا يُعارِضَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ كُوِيَ بِها» لِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ما لَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها إلّا إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحُ مِن نارٍ فَيُكْوى بِها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ» وقِيلَ: إنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الزَّكاةُ وعَلَيْهِ حُمِلَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ فَقالَ النَّبِيُّ  كَيَّةٌ، ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيَّتانِ»، وقِيلَ: بَلْ هَذا لِأنَّ الرَّجُلَيْنِ أظْهَرا الفَقْرَ ومَزِيدَ الحاجَةِ بِانْتِظامِهِما في سَلَكِ أهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ هم بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ أنَّ عِنْدَهُما ما عِنْدَهُما فَكانَ جَزاؤُهُما الكَيَّةَ والكَيَّتَيْنِ لِذَلِكَ، وأخَذَ بِظاهِرِ الآيَةِ فَأوْجَبَ إنْفاقَ جَمِيعِ المالِ الفاضِلِ عَنِ الحاجَةِ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَرى بَيْنَهُ لِذَلِكَ وبَيْنَ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الشّامِ ما شَكاهُ لَهُ إلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في المَدِينَةِ فاسْتَدْعاهُ إلَيْها فَرَآهُ مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ حَتّى إنَّ كَعْبَ الأحْبارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَهُ: يا أبا ذَرٍّ إنَّ المِلَّةَ الحَنِيفِيَّةَ أسْهَلُ المِلَلِ وأعْدَلُها، وحَيْثُ لَمْ يَجِبْ إنْفاقُ كُلِّ المالِ في المِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ وهي أضْيَقُ المِلَلِ وأشَدُّها كَيْفَ يَجِبُ فِيها، فَغَضِبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَتْ فِيهِ حِدَّةٌ وهي الَّتِي دَعَتْهُ إلى تَعْيِيرِ بِلالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأُمِّهِ وشِكايَتِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَوْلُهُ فِيهِ: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ» فَرَفَعَ عَصاهُ لِيَضْرِبَهُ وقالَ لَهُ: يا يَهُودِيُّ ما ذاكَ مِن هَذِهِ المَسائِلِ، فَهَرَبَ كَعْبٌ فَتَبِعَهُ حَتّى اسْتَعاذَ بِظَهْرِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتّى ضَرَبَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّ الضَّرْبَةَ وقَعَتْ عَلى عُثْمانَ، وكَثُرَ المُعْتَرِضُونَ عَلى أبِي ذَرٍّ في دَعْواهُ تِلْكَ، وكانَ النّاسُ يَقْرَءُونَ لَهُ آيَةَ المَوارِيثِ ويَقُولُونَ: لَوْ وجَبَ إنْفاقُ كُلِّ المالِ لَمْ يَكُنْ لِلْآيَةِ وجْهٌ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مُزْدَحِمِينَ حَيْثُ حَلَّ مُسْتَغْرِبِينَ مِنهُ ذَلِكَ فاخْتارَ العُزْلَةَ فاسْتَشارَ عُثْمانَ فِيها فَأشارَ إلَيْهِ بِالذَّهابِ إلى الرَّبَذَةِ فَسَكَنَ فِيها حَسْبَما تُرِيدُ، وهَذا ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذِهِ القِصَّةِ، ورَواها الشِّيعَةُ عَلى وجْهٍ جَعَلُوهُ مِن مُطاعِنِ ذِي النُّورَيْنِ وغَرَضُهم بِذَلِكَ إطْفاءُ نُورِهِ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ خَبَرُ المَوْصُولِ، والفاءُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( فَبَشِّرْهم ) والتَّعْبِيرُ بِالبِشارَةِ لِلتَّهَكُّمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ، قال السدي: الأحبار اليهود، والرهبان النصارى.

وقال ابن عباس: «الأحبار العلماء، والرهبان أصحاب الصوامع» .

لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، يعني: بالظلم بغير حق، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: يصرفون الناس عن دين الله.

ثم بيّن الله تعالى حالهم للمؤمنين لكي يحذروا منهم ولا يطيعونهم.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: يجمعون ويمنعون زكاتها.

قال بعضهم: هذا نعت للأحبار والرهبان، وقال بعضهم: هذا ابتداء في حق كل من جمع المال ومنع منه حق الله، وقال ابن عباس: «الكنز الذي لا يؤدى عنه زكاته» (١) وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال: «أي مال كان على وجه الأرض لا تؤدى زكاته، فهو كنز يعذب صاحبه يوم القيامة وما كان في الأرض تؤدى زكاته، فليس بكنز» .

وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قال: «أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كان أكثر منها فهو كنز» .

ثم قال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ، يعني: أهل هذه الصفة الذين يكنزون الذهب والفضة، وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: لا يؤدون حقها في طاعة الله تعالى.

وقال: وَلا يُنْفِقُونَها ولم يقل: ينفقونه، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني: لا ينفقون الكنوز، ويقال: لا ينفقون الأموال، ويقال: يعني الفضة.

وقال بعضهم: نزل هذا في شأن الكفار، وقال بعضهم: كان هذا في أول الإسلام ووجب عليهم أن يؤدوا الفضل، ثم نسخ بآية الزكاة.

وقال بعضهم: كل مؤمن لا يؤدي الزكاة فهو من أهل هذه الآية، وهو قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ، يعني: يوقد على الكنوز، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، ويقال لهم: هذا ما كَنَزْتُمْ يعني: ما جمعتم لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم أنه قال: «والذي لا إله غيره، لا يعذب رجل بكنز فيمس دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على جسده وكل دينار على خدّه» (٢)  : «كية» .

ومات رجل آخر فوجد في مؤتزره ديناران فقال النبيّ  : «كيتان» (٣) (١) عزاه السيوطي: 4/ 177 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 179 إلى ابن أبي حاتم والطبراني وأبي الشيخ.

(٣) حديث ابن مسعود: أخرجه أحمد: 1/ 457 وأبو يعلى: (5037) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، المراد بهذه الآية: بيانُ نقائصِ المذكورين، ونَهْيُ المؤمنين عن تلك النقائصِ مترتِّب ضِمْنَ ذلك، واللام في لَيَأْكُلُونَ: لامُ التوكيدِ، وصورةُ هذا الأكْلِ هي بأنهم يأخذونَ من أموال أتباعهم ضرائِبَ وفُرُوضاً باسم الكنائسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذلك ممَّا يوهمونهم أنَّ النفقة فيه مِنَ الشَّرْعَ والتَقرُّب إِلى اللَّهَ، وهم خلاَلَ ذلك يحتجنون تلك الأموالَ، كالذي ذكره سلمان في كتاب «السير» ، عن الراهِبِ الذي استخرج كَنْزَهُ.

وقوله سبحانه: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أي: عن شريعة الإِسلام والإيمان بنبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ ابتداءٌ، وخبره فَبَشِّرْهُمْ والذي يظهر من ألفاظ الآية:

أنه لما ذَكَر نَقْصَ الأحبار والرهبانِ الآكلين للمَالِ بالباطل، ذَكَرَ بعد ذلك بقَوْلٍ عامٍّ نَقْصَ الكانزين المانعين حقَّ المال، وقرأ طلحةُ بْنُ مُصَرِّف: «الَّذِينَ يَكْنِزُونَ» «١» بغير واو، وعلى هذه القراءة يجري قولُ معاوِيَةَ: أنَّ الآية في أهْل الكتَاب، وخالفه أبو ذَرٍّ، فقال: بل هِيَ فينا.

ويَكْنِزُونَ: معناه: يجمعون ويحفظون في الأَوعية، وليس مِنْ شرط الكَنْز:

الدفْنُ، والتوعُّد في الكنز، إِنما وقع عَلَى منع الحقوق منه، وعلى هذا كثيرٌ من العلماء، وقال عليٌّ رضي اللَّه عنه: أربعةُ آلاف دِرْهَمٍ فما دُونَهَا نفقةٌ، وما زاد علَيْهَا فهو كَنْز، وإِن أَدَّيْتُ زَكَاتَهُ.

وقال أبو ذَرٍّ وجماعةٌ معه: ما فَضَلَ مِنْ مالِ الرَّجُل على حاجةِ نَفْسِه، فهو كَنْز، وهذان القولان يقتضيان أنَّ الذمَّ في حبس المال، لا في منع زكاته فقطْ.

ت: وحدَّث أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، عن عليِّ بن أبي طالب، وابنِ عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ للفُقَرَاءِ في أموال الأغنياء قدر ما يسعهم، فإن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ ﴾ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ مِنَ النَّصارى.

وفي الباطِلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الرِّشا في الحُكْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الكَذِبُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

والرّابِعُ: أخَذَهُ مِنَ الجِهَةِ المَحْظُورَةِ، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

والمُرادُ: أخْذُ الأمْوالِ، وإنَّما ذَكَرَ الأكْلُ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ مِنَ المالِ.

وفي المُرادِ بِسَبِيلِ اللَّهِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ والحُكْمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً في أهْلِ الكِتابِ والمُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي أنَّها خاصَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ.

والثّالِثُ: أنَّها في المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

وَفِي الكَنْزِ المُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ.

قالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلُّ مالٍ أُدِّيَتْ زَكاتُهُ وإنْ كانَ تَحْتَ سَبْعِ أرْضِينَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وكُلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ وإنْ كانَ ظاهِرًا عَلى وجْهِ الأرْضِ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الجُمْهُورُ.

فَعَلى هَذا، مَعْنى الإنْفاقِ: إخْراجُ الزَّكاةِ.

والثّانِي: أنَّهُ ما زادَ عَلى أرْبَعَةِ آَلافٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: أرْبَعَةُ آَلافِ نَفَقَةً، وما فَوْقَها كَنْزٌ.

والثّالِثُ: ما فَضُلَ عَنِ الحاجَةِ، وكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إخْراجُ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالزَّكاةِ.

فَإنَّ قِيلَ كَيْفَ قالَ: "يُنْفِقُونَها" وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: يَرْجِعُ إلى الكُنُوزِ والأمْوالِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الفِضَّةِ، وحَذْفِ الذَّهَبِ، لِأنَّهُ داخِلٌ في الفِضَّةِ، قالَ الشّاعِرُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ يُرِيدُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا راضُونَ، وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.

وَقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ اكْتَفَيْتَ بِأحَدِ المَذْكُورَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ وأنْشَدَ: إنِّي ضَمِنتُ لِمَن أتانِيَ ما جَنى ∗∗∗ وأبى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ وَلَمْ يَقُلْ: غَدُورِينَ، وإنَّما اكْتَفى بِالواحِدِ لاتِّفاقِ المَعْنى.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَرَبُ إذا أشْرَكُوا بَيْنَ اثْنَيْنِ قَصَرُوا، فَخَبَّرُوا عَنْ أحَدِهِما اسْتِغْناءً بِذَلِكَ، وتَحْقِيقًا؛ لِمَعْرِفَةِ السّامِعِ بِأنَّ الآَخَرَ قَدْ شارَكَهُ، ودَخَلَ مَعَهُ في ذَلِكَ الخَبَرِ، وأنْشَدَ: فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ والنُّصْبُ في "قَيّارُ" أجْوَدُ، وقَدْ يَكُونُ الرَّفْعُ.

وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنُونا وَلَمْ يَقُلْ يُعاصِيا <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَيانُ نَقائِصِ المَذْكُورِينَ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن تِلْكَ النَقائِصِ مُتَرَتِّبٌ ضِمْنَ ذَلِكَ، واللامُ في "لَيَأْكُلُونَ" لامُ التَأْكِيدِ، وصُورَةُ هَذا الأكْلِ هي أنَّهم يَأْخُذُونَ مِن أمْوالِ أتْباعِهِمْ ضَرائِبَ وفُرُوضًا بِاسْمِ الكَنائِسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُونَهم أنَّ النَفَقَةَ فِيهِ مِنَ الشَرْعِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ، وهم خِلالَ ذَلِكَ يَحْتَجِنُونَ تِلْكَ الأمْوالَ كالَّذِي ذَكَرَهُ سَلْمانُ في كِتابِ السِيَرِ عَنِ الراهِبِ الَّذِي اسْتُخْرِجَ كَنْزُهُ، وقِيلَ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِنهم مِن غَلّاتِهِمْ وأمْوالِهِمْ ضَرائِبَ بِاسْمِ حِمايَةِ الدِينِ والقِيامِ بِالشَرْعِ، وقِيلَ: كانُوا يَرْتَشُونَ في الأحْكامِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالباطِلِ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ( يَصُدُّونَ ) الأشْبَهُ هُنا أنْ يَكُونَ مُعَدًّى أيْ: يَصُدُّونَ غَيْرَهُمْ، وهَذا التَرْجِيحُ إنَّما هو لِنَباهَةِ مَنازِلِهِمْ في قَوْمِهِمْ، و"صَدَّ" يُسْتَعْمَلُ واقِفًا ومُتَجاوِزًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا و"سَبِيلُ اللهِ": الإسْلامُ وشَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ في أكْلِهِمُ الأمْوالَ بِالباطِلِ، والأوَّلُ أرْجَحُ.

وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "فَبَشِّرْهُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "يَأْكُلُونَ" عَلى نَظَرٍ في ذَلِكَ، لِأنَّ الضَمِيرَ لَمْ يُؤَكَّدْ، وأسْنَدَ أبُو حاتِمٍ إلى عِلْباءَ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لَمّا أمَرَ عُثْمانُ بِكَتْبِ المُصْحَفِ أرادَ أنْ يَنْقُصَ الواوَ في قَوْلِهِ: "والَّذِينَ يَكْنِزُونَ" فَأبِي ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وقالَ: "لَتُلْحِقَنَّها أو لَأضَعَنَّ سَيْفِي عَلى عاتِقِي" فَألْحَقُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى إرادَةِ عُثْمانَ يَجْرِي قَوْلُ مُعاوِيَةَ: إنَّ الآيَةَ في أهْلِ الكِتابِ، وخالَفَهُ أبُو ذَرٍّ فَقالَ: بَلْ هي فِينا، فَشَكاهُ إلى عُثْمانَ فاسْتَدْعاهُ مِنَ الشامِ ثُمَّ خَرَجَ إلى الرِبْذَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الألْفاظِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ الأحْبارِ والرُهْبانِ الآكِلِينَ المالَ بِالباطِلِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَقُولَةَ نَقْصِ الكانِزِينَ المانِعِينَ حَقَّ المالِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "الَّذِينَ يَكْنِزُونَ" بِغَيْرِ واوٍ، و"يَكْنِزُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ ويَحْفَظُونَ في الأوعِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُنَخَّلِ الهُذَلِيِّ: لا دَرَّ دَرِّي إنْ أطْعَمْتُ جائِعَهم ∗∗∗ ∗∗∗ قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ أيْ مَحْفُوظٌ في أوعِيَتِهِ، ولَيْسَ مِن شُرُوطِ الكَنْزِ الدَفْنُ لَكِنْ كَثُرَ في حَفَظَةِ المالِ أنْ يَدْفِنُوهُ حَتّى تُعُورِفَ في المَدْفُونِ اسْمُ الكَنْزِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُهُمْ: "رَجُلٌ مُكْتَنِزُ الخَلْقِ" أيْ مُجْتَمِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: عَلى شَدِيدٍ لَحْمُهُ كِنازْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتَ يُنَزِّينِي عَلى أوفازْ والتَوَعُّدُ في الكَنْزِ إنَّما وقَعَ عَلى مَنعِ الحُقُوقِ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَنْزُ هو المالُ الَّذِي لا تُؤَدّى زَكاتُهُ وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأمّا المَدْفُونُ إذا أُخْرِجَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ كَما قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كُلُّ ما أدَّيْتَ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ"»، وهَذِهِ الألْفاظُ مَشْهُورَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن عِكْرِمَةَ، والشَعْبِيِّ، والسُدِّيِّ، ومالِكٍ، وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَما دَوْنَها نَفَقَةٌ، وما زادَ عَلَيْها فَهو كَنْزٌ وإنْ أدَّيْتَ زَكاتَهُ".

وقالَ أبُو ذَرٍّ وجَماعَةٌ مَعَهُ: "ما فَضُلَ مِن مالِ الرَجُلِ عن حاجَةِ نَفْسِهِ فَهو كَنْزٌ"، وهَذانَ القَوْلانِ يَقْتَضِيانِ أنَّ الذَمَّ في حَبْسِ المالِ لا في مَنعِ زَكاتِهِ فَقَطْ، ولَكِنْ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً  ﴾ فَأتى فَرْضُ الزَكاةِ عَلى هَذا كُلِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ مُضَمَّنُ الآيَةِ: "لا تَجْمَعُوا مالًا فَتُعَذَّبُوا" فَنَسَخَهُ التَقْرِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ  ﴾ .

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يُنْفِقُونَها" يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الأمْوالِ والكُنُوزِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الذَهَبِ والفِضَّةِ إذْ هُما أنْواعٌ، وقِيلَ: عادَ عَلى الفِضَّةِ واكْتُفِيَ بِضَمِيرِ الواحِدِ عن ضَمِيرِ الآخَرِ إذا أفْهَمَهُ المَعْنى، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفُ وَنَحْوُ قَوْلِ حَسّانَ: إنَّ شَرْخَ الشَبابِ والشَعَرِ الأسْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنُونا وسِيبَوَيْهِ يَكْرَهُ هَذا في الكَلامِ، وقَدْ شَبَّهَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها  ﴾ ، وهي لا تُشْبِهُها لِأنَّ "أو" قَدْ فَصَلَتِ التِجارَةَ عَنِ اللهْوِ وحَسَّنَتْ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ.

والذَهَبُ يُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ والتَأْنِيثُ أشْهَرُ، ورُوِيَ «أنَّ أصْحابَ النَبِيِّ  قالُوا: قَدْ ذَمَّ اللهُ كَسْبَ الذَهَبِ والفِضَّةِ، فَلَوْ عَلِمْنا أيُّ المالِ خَيْرٌ حَتّى نَكْسِبَهُ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أسْألُ لَكم رَسُولَ اللهِ  عن ذَلِكَ فَسَألَهُ، فَقالَ: "لِسانٌ ذاكِرٌ، وقَلْبٌ شاكِرٌ، وزَوْجَةٌ تُعِينُ المُؤْمِنَ عَلى دِينِهِ"».

ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ: "تَبًّا لِلذَّهَبِ تَبًّا لِلْفِضَّةِ"»، فَحِينَئِذٍ أشْفَقَ أصْحابُهُ وقالُوا ما تَقَدَّمَ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ ﴾ جَوابُ لِما في قَوْلِهِ: ( والَّذِينَ ) مِن مَعْنى الشَرْطِ، وجاءَتِ البِشارَةُ مَعَ العَذابِ لَمّا وقَعَ التَصْرِيحُ بِالعَذابِ، وذَلِكَ أنَّ البِشارَةَ تُقَيَّدُ بِالخَيْرِ والشَرِّ فَإذا أُطْلِقَتْ لَمْ تُحْمَلْ إلّا عَلى الخَيْرِ فَقَطْ، وقِيلَ: بَلْ هي أبَدًا لِلْخَيْرِ فَمَتى قُيِّدَتْ بِشَرٍّ فَإنَّما المَعْنى: أقِمْ لَهُمُ البِشارَةَ عَذابًا ألِيمًا، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ...

تَحِيَّةُ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها ﴾ الآيَةُ.

"يَوْمَ" ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ "ألِيمٌ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُحْمى" بِالياءِ بِمَعْنى: تُحْمى الوَقُودُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَحْمى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ بِمَعْنى: تَحْمى النارُ، والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الكُنُوزِ أوِ الأمْوالِ حَسَبَما تَقَدَّمَ.

وقَرَأ قَوْمٌ "جِباهُّمْ" بِالإدْغامِ وأشَمُّوها الضَمَّ، حَكاهُ أبُو حاتِمٍ.

ووَرَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ لَكِنَّها مُفَسَّرَةٌ في مَنعِ الزَكاةِ فَقَطْ لا في كَسْبِ المالِ الحَلالِ وحِفْظِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حالُ الصَحابَةِ وأمْوالُهم رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَمِن تِلْكَ الأحادِيثِ قَوْلُهُ  : « "مَن تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ"» الحَدِيثُ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ قالَ: «كانَ نَعْلُ سَيْفِ أبِي هُرَيْرَةَ مِن فِضَّةٍ فَنَهاهُ أبُو ذَرٍّ، وقالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : "مَن تَرَكَ صَفْراءَ أو بَيْضاءَ كُوِيَ بِها"،» وأسْنَدَ إلى أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: « "ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُفَّةِ فَوُجِدَ في بُرْدَتِهِ دِينارٌ فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : كَيَّةٌ، ثُمَّ ماتَ آخَرُ فَوُجِدَ لَهُ دِينارانِ فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : كَيَّتانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إمّا لِأنَّهُما كانا يَعِيشانِ مِنَ الصَدَقاتِ وعِنْدَهُما التِبْرُ، وإمّا لِأنَّ هَذا كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ قَرَّرَ الشَرْعُ ضَبْطَ المالِ وأداءَ حَقِّهِ، ولَوْ كانَ ضَبْطُ المالِ مَمْنُوعًا لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُخْرَجَ كُلُّهُ لا زَكاتُهُ فَقَطْ، ولَيْسَ في الأُمَّةِ مَن يُلْزِمُ هَذا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ هَذا ما كَنَزْتُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى المالِ الَّذِي يُكَوَ ى بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى الفِعْلِ النازِلِ بِهِمْ، أيْ: هَذا جَزاءُ ما كَنَزْتُمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللهِ لا يَمَسُّ دِينارٌ دِينارًا، بَلْ يُمَدُّ الجِلْدُ حَتّى يُكْوى بِكُلِّ دِينارٍ وبِكُلِّ دِرْهَمٍ، وقالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ المَدِينَةِ وإذا رَجُلٌ خَشِنُ الهَيْئَةِ رَثُّها يَطُوفُ في الحِلَقِ وهو يَقُولُ: بَشِّرْ أصْحابَ الكُنُوزِ بِكَيٍّ في جِباهِهِمْ وجَنُوبِهِمْ وظُهُورِهِمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَذَمَّرُ وهو يَقُولُ: وما عَسى تَصْنَعُ في قُرَيْشٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الاحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ .

استئناف ابتدائي لتنبيه المسلمين على نقائص أهل الكتاب، تحقيراً لهم في نفوسهم، ليكونوا أشدّاء عليهم في معاملتهم، فبعد أن ذكر تأليه عامتهم لأفاضل من أحبارهم ورهبانهم المتقدّمين: مثللِ عُزير، بين للمسلمين أنّ كثيراً من الأحبار والرهبان المتأخّرين ليسوا على حال كمال، ولا يستحقّون المقام الديني الذي ينتحلونه، والمقصود من هذا التنبيه أن يعلم المسلمون تمالئ الخاصّة والعامّة من أهل الكتاب، على الضلال وعلى مناواة الإسلام، وأنّ غرضهم من ذلك حبّ الخاصة الاستيثار بالسيادة، وحبّ العامّة الاستيثار بالمزية بين العرب.

وافتتاح الجملة بالنداء واقترَانها بحرفي التأكيد، للاهتمام بمضمونها ورفع احتمال المبالغة فيه لغرابته.

وتقدّم ذكر الأحبار والرهبان آنفاً.

وأسند الحكم إلى كثير منهم دون جميعهم لأنّهم لم يخلوا من وجود الصالحين فيهم مثل عبد الله بن سلاَم ومُخَيْرِيق.

والباطل ضدّ الحقّ، أي يأكلون أموال الناس أكلاً ملابساً للباطل، أي أكلاً لا مبرّر له، وإطلاق الأكل على أخذ مال الغير إطلاق شائع قال تعالى: ﴿ وتأكلون التراث أكلا لما ﴾ [الفجر: 19] وقال ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ﴾ في سورة البقرة (188) وقد تقدّم، وكذلك الباطل تقدّم هنالك.

والباطل يشمل وجوها كثيرة، منها تغيير الأحكام الدينية لموافقة أهواء الناس، ومنها القضاء بين الناس بغير إعطاء صاحببِ الحقّ حقّه المعين له في الشريعة، ومنها جحد الأمانات عن أربابها أو عن ورثتهم، ومنها أكل أموال اليتامى، وأموال الأوقاف والصدقات.

وسبيل الله طريقهُ استعير لدينه الموصّل إليه، أي إلى رضاه، والصدّ عن سبيل الله الإعراض عن متابعة الدين الحقّ في خاصّة النفس، وإغراءُ الناس بالإعراض عن ذلك.

فيكون هذا بالنسبة لأحكام دينهم إذ يغيرون العمل بها، ويضلّلون العامّة في حقيقتها حتّى يعملوا بخلافها، وهم يحسبون أنّهم متّبعون لدينهم، ويكون ذلك أيضاً بالنسبة إلى دين الإسلام إذ ينكرون نبوءة محمد ويعلِّمون أتباع ملّتهم أنّ الإسلام ليس بدين الحقّ.

والأجل ما في الصدّ من معنى صدّ الفاعل نفسَه أتت صيغة مضارعهِ بضمّ العين: اعتباراً بأنّه مضاعف متعدّ، ولذلك لم يجئ في القرآن إلاّ مضموم الصاد ولو في المواضع التي لا يراد فيها أنّه يصدّ غيره، وتقدّم ذكر شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ﴾ في سورة الأعراف (45).

جملة معطوفة على جملة ﴿ يأيها الذين آمنوا إن كثيراً ﴾ والمناسبة بين الجمْلتين: أنّ كلتيهما تنبيه على مساوي أقوام يضَعُهم الناس في مقامات الرفعة والسؤدد وليسوا أهلاً لذلك، فمضمون الجملة الأولى بيان مساوي أقوام رفع الناس أقدارهم لعلمهم ودينهم، وكانوا منطوين على خبائث خفيّة، ومضمون الجملة الثانية بيان مساوي أقوام رفعهم الناس لأجل أموالهم، فبين الله أنّ تلك الأموال إذا لم تنفق في سبيل الله لا تغني عنهم شيئاً من العذاب.

وأمّا وجه مناسبة نزول هذه الآية في هذه السورة: فذلك أنّ هذه السورة نزلت إثر غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في وقت عُسرة، وكانت الحاجة إلى العُدّةِ والظهر كثيرة، كما أشارت إليه آية ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون ﴾ [التوبة: 92] وقد ورد في «السيرة» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حض أهل الغنى على النفقة والحُمْلان في سبيل الله، وقد أنفق عثمان بن عفان ألفَ دينار ذهباً على جيش غزوة تبوك وحَمَل كثيرٌ من أهل الغنى فالذين انكمشوا عن النفقة هم الذين عنتهم الآية ب ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ولا شكّ أنّهم من المنافقين.

والكَنز بفتح الكاف مصدر كنز إذا ادّخر مالاً، ويطلق على المال من الذهب والفضة الذي يُخزن، من إطلاق المصدر على المفعول كالخَلْق بِمعنى المخلوق.

و ﴿ سبيل الله ﴾ هو الجهاد الإسلامي وهو المراد هنا.

فالموصول مراد به قوم معهودون يَعرِفون أنّهم المراد من الوعيد، ويعرفهم المسلمون فلذلك لم يثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أنبَ قوماً بأعيانهم.

ومعنى ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ انتفاء الإنفاق الواجب، وهو الصدقات الواجبة والنفقاتُ الواجبة: إمّا وجوباً مستمرّاً كالزكاة، وإمّا وجوباً عارضاً كالنفقة في الحجّ الواجببِ، والنفقة في نوائب المسلمين ممّا يدعو الناسَ إليه وُلاَةُ العدل.

والضمير المؤنّث في قوله: ﴿ ينفقونها ﴾ عائد إلى الذهب والفضة.

والوعيد منوط بالكَنز وعدممِ الإنفاق، فليس الكنز وحْده بمتوعد عليه، وليست الآية في معرض أحكام ادّخار المال، وفي معرض إيجاب الإنفاق، ولا هي في تعيين سبل البرّ والمعروف التي يجب الإخراج لأجلها من المال، ولا داعي إلى تأويل الكنز بالمال الذي لم تُؤدّ زكاته حين وجوبها، ولا إلى تأويل الإنفاق بأداء الزكاة الواجبة، ولا إلى تأويل ﴿ سبيل الله ﴾ بالصدقات الواجبة، لأنّه ليس المراد باسم الموصول العموم بل أريد به العهد، فلا حاجة إلى ادّعاء أنّها نسختها آية وجوب الزكاة، فإن وجوب الزكاة سابق على وقت نزول هذه الآية.

ووقع في «الموطأ» أنّ عبد الله بن عُمر سئل عن الكنز، أي المذموم المتوعّد عليه في آية ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ الآيةِ ما هو؟

فقال: هو المال الذي لا تؤدَّى منه الزكاة.

وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كان عنده مال لم يؤدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زَبيبَتَان يُطَوَّقه ثم يأخذ بلَهْزَمَتَيْهِ يعني شِدْقيه ثم يقول: أنا مالك أنا كَنزُك " فتأويله أن ذلك بعض ماله وبعض كنزه، أي فهو الكنز المذموم في الكتاب والسنّة وليس كلّ كنز مذموماً.

وشذّ أبو ذرّ فحمل الآية على عموم الكانزين في جميع أحوال الكنز، وعلى عموم الإنفاق، وحَمَل سبيل الله على وجوه البرّ، فقال بتحريم كَنز المال، وكأنّه تأول ﴿ ولا ينفقونها ﴾ على معنى ما يسمّى عطف التفسير، أي على معنى العطف لمجرّد القرن بين اللفظين، فكان أبو ذرّ بالشام ينهى الناس على الكنز ويقول: بشّر الكانزين بمكاو من نار تكْوَى بها جباههم وجُنوبهم وظهورهم، فقال له معاوية: وهو أمير الشام، في خلافة عثمان: إنّما نزلت الآية في أهل الكتاب، فقال أبو ذرّ: نزلت فيهم وفينا، واشتدّ قول أبي ذرّ على الناس ورأوه قولاً لم يقله أحد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فشكاه معاويةُ إلى عثمان، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذَر الفتنةَ في المدينة فاعتزلها وسكن الربذة وثبت على رأيه وقوله.

والفاء في قوله: ﴿ فبشرهم ﴾ داخلة على خبر الموصول، لتنزيل الموصول منزلة الشرط، لما فيه من الإيماء إلى تعليل الصلة في الخبر، فضمير الجمع عائد إلى ﴿ الذين ﴾ ويجوز كون الضمير عائداً إلى الأحبار والرهبان والذين يكنزون.

والفاء للفصيحة بأن يكون بعد أنْ ذَكَر آكلي الأموال الصادّين عن سبيل الله وذكَر الكانزين، أمر رسوله بأن يُنذر جميعهم بالعذاب، فدلّت الفاء على شرط محذوف تقديره: إذا علمتَ أحوالهم هذه فبشّرهم، والتبشير مستعار للوعيد على طَريقة التهكّم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ الآيَةَ: في قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ الرِّشا في الحُكْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى العُمُومِ مَن أخَذَهُ بِكُلِّ وجْهٍ مُحَرَّمٍ.

وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ لِأنَّ ما يَأْخُذُونَهُ مِن هَذِهِ الأمْوالِ هي أثْمانُ ما يَأْكُلُونَ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى أثْمانِ المَأْكُولِ اسْمُ الأكْلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ذَرِ الآكِلِينَ الماءَ فَما أرى يَنالُونَ خَيْرًا بَعْدَ أكْلِهِمُ الماءَ أيْ ثَمَنَ الماءِ.

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَهم مِنَ الحَقِّ في الحُكْمِ بِقَبُولِ الرِّشا.

والثّانِي: أنَّهُ مَنَعَهم أهْلُ دِينِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِإدْخالِ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ.

﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وفي هَذا الكَنْزِ المُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الكَنْزَ كُلُّ مالٍ وجَبَتْ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ، سَواءٌ كانَ مَدْفُونًا أوْ غَيْرَ مَدْفُونٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ والسُّدِّيُّ والشّافِعِيُّ والطَّبَرِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الكَنْزَ ما زادَ عَلى أرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، أدَّيْتَ مِنهُ الزَّكاةَ أمْ لَمْ تُؤَدِّ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ قالَ: أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَما دُونَها نَفَقَةٌ، وما فَوْقَها كَنْزٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَنْزَ ما فَضَلَ مِنَ المالِ عَنِ الحاجَةِ إلَيْهِ، رَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴾ الآيَةَ.

قالَ النَّبِيُّ  : « (تَبًّا لِلذَّهَبِ والفِضَّةِ) قالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا: فَأيُّ المالِ نَتَّخِذُ؟

فَقالَ عُمْرُ بْنُ الخَطّابِ: أنا أعْلَمُ لَكم ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أصْحابَكَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا: فَأيُّ المالِ نَتَّخِذُ؟

فَقالَ: (لِسانًا ذاكِرًا وقَلْبًا شاكِرًا وزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أحَدَكم عَلى دِينِهِ)» .

ورَوى قَتادَةُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ «قالَ: ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (كَيَّةٌ) ثُمَّ ماتَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ فَقالَ النَّبِيُّ  : (كَيَّتانِ).» والكَنْزُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ سَواءٌ كانَ ظاهِرًا عَلى الأرْضِ أوْ مَدْفُونًا فِيها، ومِنهُ كَنْزُ البُرِّ، قالَ الشّاعِرُ: لا دَرَّ دَرِّي إنْ أطْعَمْتُ نازِلَهم ∗∗∗ قِرَفَ الحَتى وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزٌ الحَتى: سَوِيقُ المُقِلِّ.

يَعْنِي وعِنْدِي البُرُّ مَجْمُوعٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴾ فَذَكَرَ جِنْسَيْنِ ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَها ﴾ والهاءُ كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى جِنْسٍ واحِدٍ، ولَمْ يَقُلْ: ولا يُنْفِقُونَهُما لِتَرْجِعَ الكِنايَةُ إلَيْهِما.

فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِنايَةَ راجِعَةٌ إلى الكُنُوزِ، وتَقْدِيرُهُ: ولا يُنْفِقُونَ الكُنُوزَ في سَبِيلِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلى اشْتِراكِهِما فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا  ﴾ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِما، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرِ ∗∗∗ الأسْوَدِ ما لَمْ يُعاصِ كانَ جُنُونًا وَلَمْ يَقُلْ يُعاصِيا.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى غَلَّظَ حالَ الوَعِيدِ بِما ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ وإنَّما غَلَّظَ بِهَذا الوَعِيدِ لِما في طِباعِ النُّفُوسِ مِنَ الشُّحِّ بِالأمْوالِ لِيُسَهِّلَ لَهم تَغْلِيظُ الوَعِيدِ إخْراجَها في الحُقُوقِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ والرهبان ﴾ علماء النصارى ﴿ ليأكلون أموال الناس بالباطل ﴾ والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله تعالى فأكلوا بها الناس، وذلك قول الله تعالى ﴿ الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ [ البقرة: 79] .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى، وأما سبيل الله فمحمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو الشيخ عن الفضيل بن عباس رضي الله عنه قال: اتبعوا عالم الآخرة، واحذروا عالم الدنيا لا يضركم بشكره، ثم تلا هذه الآية ﴿ إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة...

﴾ الآية.

قال: هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز، وكل مال أدي زكاته فليس بكنز كان على ظهر الأرض أو في بطنها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أدي زكاته فليس بكنز.

وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.

مثله.

وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي مال أديت زكاته فليس بكنز» وأخرجه ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه موقوفاً.

وأخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما في الآية قال: إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال، ثم قال: ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً اعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعد بن أبي سعيد رضي الله عنه.

أن رجلاً باع داراً على عهد عمر رضي الله عنه فقال له عمر: احرز ثمنها احفر تحت فراش امرأتك.

فقال: يا أمير المؤمنين أو ليس كنز؟

قال: ليس بكنز ما أدي زكاته.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي «عن أم سلمة رضي الله عنها انها قالت: يا رسول الله إن لي أوضاحاً من ذهب أو فضة أفكنز هو؟

قال: كل شيء تؤدى زكاته فليس بكنز» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن شاهين في الترغيب في الذكر وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ثوبان رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال له أصحابه: لو علمنا أي المال خير فنتخذه.

فقال «أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه.

وفي لفظ: تعينه على أمر الآخرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو داود وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده.

فقال عمر رضي الله عنه: أنا أفرج عنكم.

فانطلق عمر رضي الله عنه واتبعه ثوبان رضي الله عنه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية.

فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم.

فكبر عمر رضي الله عنه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟

المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» .

وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته.

وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة...

﴾ الآية.

قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل اليوم في الكنز ما نزل...

!

فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ماذا نكنز اليوم؟

قال «لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة صالحة تعين أحدكم على إيمانه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إذا أخرجت صدقة كنزك فقد أذهبت شره وليس بكنز.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ قال: هم أهل الكتاب، وقال: هي خاصة وعامة.

وأخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر.

أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: لما أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلغوا الواو التي في براءة ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ قال لهم أبي رضي الله عنه: لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي.

فالحقوها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما فوقها كنز.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ قال: هؤلاء أهل القبلة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما.

أنهما قالا: في قول الله: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ قالا: نسختها الآية الأخرى ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ﴾ [ التوبة: 103] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾ قال ابن عباس: "يريد أن كثيراً من الفقهاء والعباد من أهل الكتاب" (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ هو ما ذكرنا في مواضع من أخذهم الرشى (٣)  - لو صدقوه، فصرفوا الناس عن الإيمان به، فذلك قوله (٤) ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد قريظة والنضير وصدهم (٥) (٦) ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ يتملكونها، فوضع يأكلون موضعه؛ لأن الأكل عرّضهم لذلك" (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ ذكر في محل "الذين" قولان: أحدهما: النصب بالعطف على اسم إن، فيكون المعنى ويأكلها الذين يكنزون.

والثاني: الرفع بالاستئناف (٨) واختلفوا في نزول الآية، فالأكثرون على أن قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ ﴾ إلى آخره مستأنف نازل في هذه الأمة، قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ يريد: من المؤمنين" (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب، فقلت: إنها لفينا وفيهم" (١٥) وأصل الكنز في كلام العرب: الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، على ظهر الأرض كان أو في بطنها، يدل على ذلك قول الهذلي (١٦) لا دَرَّ دَرّي إن أطعمت نازلكم ...

قِرْف الحتيّ وعندي البر مكنوز (١٧) وقال الليث: "يقال: كنز الإنسان مالاً يكنزه، والكنز: اسم للمال إذا أحرز في وعاء" (١٨) (١٩) ومعنى قوله: ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لا يؤدون زكاتها وهذا مذهب عمر وابنه وجابر، وقول ابن عباس (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ "يريد: الذين لا يؤدون زكاة أموالهم" (٢٧) وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا جمع المال وإن أديت الزكاة، قال (٢٨)  -: "كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣)  - أنه قال لما نزلت هذه الآية: "تبًا للذهب تبًا للفضة يقولها ثلاثًا" قالوا: يا رسول الله: فأي المال نتخذ؟

قال: "لسانا ذاكرًا، وقلبا شاكرًا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه" (٣٤) وعن أبي ذر قال: أتيت رسول الله -  - وهو في ظل الكعبة، فلما رآني قد أقبلت قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة، [هم الأخسرون ورب الكعبة] (٣٥) (٣٦) وروي هنا أيضًا عن جماعة من الصحابة أنهم ذهبوا إلى أن (٣٧) (٣٨) والصواب: القول الأول؛ لأنه لا وعيد لمن جمع المال من الحلال وأدى الزكاة لقوله  : "من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه" (٣٩)  : "نعما بالمال الصالح للرجل الصالح" (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، قال الفراء والزجاج: "إن شئت جعلت الكناية (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا  ﴾ فجعله (٥٠) ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا  ﴾ (٥١) (٥٢) نحن بما عندنا وأنت بما عندك ...

راض والرأي مختلف (٥٣) وأنشد الفراء للفرزدق: إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ...

وأبي (٥٤) (٥٥) (٥٦) وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة قال: "صار الخبر عن أحدهما كالخبر (٥٧) (٥٨) فمن يك أمسى بالمدينة رحله ...

فإني وقيار بها لغريب (٥٩) (٦٠) وإلى هذا ذهب صاحب النظم وزاد بياناً فقال: "الذهب والفضة في أنهما جميعًا ثمنان للأشياء كلها (٦١) (٦٢) (٦٣) ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا  ﴾ ردّ الكناية إلى الأغلب والأقرب" (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي ضع الوعيد بالعذاب الأليم موضع (٦٥) (٦٦) (٦٧) (١) ذكره السمرقندي 2/ 46 بلفظ: الأحبار: العلماء، والرهبان: أصحاب الصوامع، وبنحوه في "تنوير المقباس" ص 292.

(٢) رواه ابن جرير 10/ 117، وابن أبي حاتم 6/ 1787، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 417.

(٣) الرشى: بضم الراء وكسرها، جمع رشوة، وهي ما يعطاه من يعين على الباطل.

انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (رشا) 2/ 226، و"لسان العرب" (رشا) 3/ 1653.

(٤) ساقط من (ح).

(٥) في (ح) و (ى): (فصدهم).

(٦) في "تنوير المقباس" ص 192: ("ويصدون عن سبيل الله": عن دين الله وطاعته.

(٧) انظر: "زاد المسير" 3/ 428، و"مفاتيح الغيب" 16/ 43 ولبم أجد من ذكره من أهل المعاني.

(٨) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 14 - 15، و"البحر المحيط" 5/ 36، و"الدر المصون" 6/ 41.

(٩) ذكره بنحوه ابن الجوزي 3/ 429.

(١٠) رواه ابن جرير 10/ 118، وابن أبي حاتم 6/ 1788.

(١١) رواه ابن جرير 10/ 120 من رواية العوفي.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٣) من (م).

(١٤) القول لابن جرير، انظر: "تفسيره" 10/ 121، والمتبادر إلى الذهن أن معنى قول ابن عباس -إن صح عنه -: هي خاصة في أهل الكتاب، عامة فيمن فعل فعلهم من المسلمين.

(١٥) رواه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب ما ذكر في الكنز ..

== 3/ 212، ورواه مطولاً البخاري (1406)، كتاب: الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، وابن جرير 10/ 121 - 122، والثعلبي 6/ 103 ب.

(١٦) هو: المتنخل الهذلي، وهو مالك بن عويمر أو عمرو بن عثمان بن حبيث الهذلي، أبو أثيلة، شاعر مجيد، من نوابغ شعراء هذيل.

انظر: "خزانة الأدب" 2/ 135، و"الشعر والشعراء" ص 438، و"الأعلام" 5/ 264.

(١٧) البيت منسوب للمتنخل في "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1263، و"جمهرة اللغة" (برر) 1/ 67، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 550، و"لسان العرب" (برر) 1/ 254، كتاب "المعاني الكبير" 1/ 384، ونسب البيت لأبي ذؤيب الهذلي في كتاب "الحيوان" 5/ 285، و"شرح شواهد الشافية" ص 488، ونسب أيضًا للمتلمس، وهو في ملحق "ديوانه" ص 291.

قال ابن قتيبة: "يقال: لا در در فلان: أي لا كانت له حلوبة ولا رزق، والحتي: سويق المقل، والقرف: ما انقشر منه" كتاب "المعاني الكبير" 1/ 384.

(١٨) "تهذيب اللغة" (كنز) 4/ 3192، ونحوه في كتاب "العين" (كنز) 5/ 321.

(١٩) انظر: "المصنف" للصنعاني 4/ 106 - 108، ولابن أبي شيبة 3/ 190، و"تفسير ابن جرير" 10/ 117 - 122، وابن أبي حاتم 6/ 1788 - 1789، والثعلبي 6/ 100 أ - 101 ب، و"الدر المنثور" 3/ 417 - 419.

(٢٠) سيأتي تخريج قول ابن عباس ومن ذكر قبله.

(٢١) رواه الثعلبي 6/ 100 أ.

(٢٢) رواه ابن جرير 10/ 118، والثعلبي 6/ 100 أ.

(٢٣) رواه الصنعاني في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب إذا أديت زكاته فليس بكنز، رقم (7141) 4/ 107، وابن جرير 10/ 118، وابن أبي حاتم 6/ 1788، والثعلبي 6/ 100 أ، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب تفسير الكنز رقم (7230) 4/ 139، ورواه مختصرًا مالك في "الموطأ"، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الكنز 1/ 218، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب ما قالوا في المال الذي تؤدى زكاته فليس بكنز 3/ 190.

(٢٤) في (ى): (ما أدري).

(٢٥) رواه الصنعاني وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي في المصادر السابقة، نفس المواضع.

(٢٦) المصادر السابقة، نفس المواضع، عدا ابن جرير وابن أبي حاتم، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله ...

إلخ رقم (7239) 4/ 141.

(٢٧) رواه ابن جرير 10/ 121، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 417، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.

(٢٨) في (ى): (وقال)، وهو خطأ.

(٢٩) في (ح): (عنه).

(٣٠) رواه الصنعاني في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب كم الكنز؟

رقم (7150) 4/ 109، وابن جرير 10/ 119، وابن أبي حاتم 6/ 1788، والثعلبي 6/ 100 ب.

(٣١) هو: عبد الواحد بن زيد القاص، أبو عبيدة البصري، عابد قاص مشهور، له حكايات في الزهد والرقائق، لكنه لبس له علم بالحديث، قال البخاري: منكر الحديث، يذكر بالقدر، وقال الجوزجاني: سيء المذهب، ليس من معادن الصدق، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه.

انظر: "حلية الأولياء" 6/ 155، و"صفة الصفوة" 3/ 217، و"تعجيل المنفعة" 1/ 830.

(٣٢) ساقط من (ح).

(٣٣) "تفسير الثعلبي" 6/ 100 ب.

(٣٤) رواه الترمذي (3094)، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، وابن ماجه، (1856) كتاب النكاح، باب أفضل النساء، وأحمد في "المسند" (5/ 278، 282، 366)، وابن جرير 10/ 119، والواحدي في "أسباب النزول" (ص 250)، وصححه الألباني كما في "صحيح ابن ماجه" (1505)، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 71: حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب.

(٣٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣٦) رواه البخاري (6638)، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي؟

ومسلم (990)، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، والترمذي (617)، كتاب الزكاة، باب ما جاء عن رسول الله -  - في منع الزكاة من التشديد، والنسائي، كتاب الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة 5/ 10، 11.

(٣٧) ساقط من (ى).

(٣٨) ذكر منهم علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو هريرة وعمار بن ياسر.

انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 101 أ، وابن كثير 2/ 388، وبعض الأسانيد إليهم ضعيفة.

(٣٩) حديث ضعيف، رواه أبو داود في "المراسيل" عن الحسن عن النبي -  -، كما في "تلخيص الحبير" 2/ 160، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله ...

إلخ رقم (7241) 4/ 142، وانظر "ضعيف الجامع الصغير"، رقم (5379).

(٤٠) رواه الإمام أحمد في "المسند" 4/ 202، وذكره البغوي في "شرح السنة"، كتاب الرقاق، باب استحباب طول العمر ...

7/ 319 بغير سند.

(٤١) رواه ابن ماجه (1787)، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، والبيهقي في "السنن الكبرى"، باب تفسير الكنز ..

رقم (7229) 4/ 139، ورواه البخاري (1404) مختصرًا، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز.

(٤٢) من (م).

(٤٣) في (ى): (من).

(٤٤) ومما يؤيد ذلك ما يأتي: أ- أن الله تعالى شرع الوصية والمواريث، ولو كان انفاق جميع المال واجبًا لما كان لمشروعية ذلك فائدة.

ب- نهي النبي -  - سعدًا أن يتصدق بجميع ماله، بل وأن يتصدق بأكثر من الثلث وذلك في مرضه الذي غلب على ظنه موته فيه، ثم تعليل النبي -  - ذلك بقوله: " ..

فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم" رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير ..

4/ 47، وهذا الحديث كان بعد فتح مكة كما جاء في أوله، فهو مبين ما استقر عليه الإسلام.

(٤٥) في (م): (يسمى بالشرع) ...

إ الخ.

(٤٦) يقصد الضمير في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَهَا ﴾ بالإفراد، وهو يعود إلى الذهب والفضة، وكان الظاهر أن يقول: ولا ينفقونهما.

(٤٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 434، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 445.

(٤٨) اهـ.

كلام الزجاج، المصدر السابق، نفس الموضع.

(٤٩) المصدر السابق، نفس الموضع.

(٥٠) في (ج): (فجعلها).

(٥١) قد كرر ناسخ (ح) ذكر هذه الآية وزاد بعد الموضع الأول قوله: فجعله للتجارة.

(٥٢) عبارة الفراء: وقال الشاعر في مثل ذلك.

(٥٣) البيت لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي كما في "مجاز القرآن" 1/ 39، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 279، و"شرح شواهد الإيضاح" ص128، و"اللسان" (فجر) وقيل: هو لقيس بن الخطيم، كما في "زيادات ديوانه" ص239، و"تلخيص الشواهد" ص 205، و"الدرر اللوامع" 5/ 314، و"كتاب سيبويه" 1/ 75، ونسب في "الإنصاف" ص 85 لدرهم بن زيد الأنصاري.

(٥٤) في (ح): (وأتى).

(٥٥) البيت للفرزدق كما في: "الإنصاف" 8555، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 226، و"كتاب سيبويه" 1/ 76، و"لسان العرب" (قعد) 6/ 3688 وليس في ديوانه.

(٥٦) "معاني القرآن" 1/ 434.

(٥٧) في (ى): (عن الآخر).

(٥٨) هو بن الحارث بن أرطاة البرجمي التميمي.

تقدمت ترجمته.

(٥٩) البيت لضابىء البرجمي كما في "الأصمعيات" ص 184، و"الإنصاف" ص 85، و"خزانة الأدب" 9/ 326، و"كتاب سيبويه" 1/ 75، و"لسان العرب" (قير) 6/ 3793، و"نوادر أبي زيد" ص 20.

(٦٠) "مجاز القرآن" 1/ 257 بنحوه.

(٦١) ساقط من (ى).

(٦٢) ساقط من (ى).

(٦٣) في (ح) و (ى): (ذكرهما).

(٦٤) ذكر قول ابن الأنباري بلفظ مقارب الثعلبي في "تفسيره" 6/ 102 أ.

(٦٥) في (ى): (مع).

(٦٦) في (م): (كثر).

(٦٧) انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 97.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَيَأْكُلُونَ أموال الناس بالباطل ﴾ هو الرشا جمع رشوة على الأحكام وغير ذلك ﴿ يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ ورد في الحديث أن: «كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤد زكاته فهو كنز» وقال أبو ذرّ وجماعة من الزهاد: كلما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا ﴾ الضمير للأموال والكنوز التي يتضمنها المعنى، وقيل: هي الفضة، واكتفى في ذلك عن الذهب إذا الحكم فيهما واحد ﴿ يَوْمَ يحمى ﴾ العامل في الظرف أليم أو محذوف ﴿ عَلَيْهَا ﴾ الضمير يعود على ما يعود عليه ضمير ينفقونها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عزير ابن ﴾ بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب.

الباقون: بغير تنوين ﴿ يضاهئون ﴾ بالهمز.

عاصم.

الآخرون ﴿ يضاهون ﴾ بحذف الهمزة.

﴿ أن يطفوا ﴾ و ﴿ ليواطوا ﴾ بحذف الهمزة فيهما.

يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ اثنا عشر ﴾ بسكون العين: يزيد والخزاز ﴿ إنما النسي ﴾ بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف.

الباقون: بباء بعدها همزة.

﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه.

﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس.

الباقون ﴿ يضل ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد.

الوقوف: ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ المسيح ابن الله ﴾ ط ﴿ بأفواههم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ج ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً.

﴿ واحداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ لا لتعلق "لو" بما قبله ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ أليم ﴾ ه لا أي في يوم.

﴿ وظهورهم ﴾ ط ﴿ تكنزون ﴾ ه ﴿ حرم ﴾ ط ﴿ يقاتلونكم كافة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية.

واعلم أنه  ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم ﴿ لا يؤمنون بالله ﴾ فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأنإيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية.

واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء.

والمشهور أن كلام الله واحد.

واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟.

وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا.

وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني.

وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق.

نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله  حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى.

الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني.

والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها.

الصفة الثالثة: ﴿ ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما.

وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم.

الصفة الرابعة: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق.

يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده.

وقيل: الحق هو الله.

ثم ذكر غاية القتال فقال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه.

قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده.

وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل.

ومعنى ﴿ عن يد ﴾ إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون السمن بسببهما.

أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم.

قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟

والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم.

أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله  على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.

فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي.

وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر.

والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله  : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ويروى أنه  أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب.

ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم  قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها.

وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه.

وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.

وأما قوله ﴿ وهم صاغرون ﴾ فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم.

والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.

وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه.

وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة.

وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية.

والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي.

وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها.

ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم.

قال الشافعي في أحد قوليه.

العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول.

ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية.

وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام.

ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه  قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز" قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما.

وما روي أنه  أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين.

وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله ﴿ قاتلوا ﴾ مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟.

ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ الآية.

العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر.

وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم.

أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا.

وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف.

وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر.

وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة.

وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد.

يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك.

ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً.

عن ابن عباس: جاء رسول الله  سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.

وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله  وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله.

وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.

وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق.

وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب.

وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس.

قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة.

ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله.

وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.

ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه.

هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى.

الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم  .

وقال المسيح  للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة.

ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله  أعلم بحقيقة الحال.

ثم قال  ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم  ﴾ أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير.

فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب.

ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ﴿ يضاهنون ﴾ من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده.

ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار.

والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله.

وقيل: الضمير في ﴿ يضاهئون ﴾ للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم.

ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟.

ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون.

والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع.

واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.

نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي  وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟

فقلت: بلى.

فقال: فتلك عبادتهم.

قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟

فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله.

قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله  : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا.

وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين.

وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف.

وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله.

وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟!

وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين.

فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً ﴿ وما أمروا ﴾ الضمير للمتخذين.

والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة  ﴾ ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين.

ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال {  عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما.

وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه.

ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: وإن أرادوا ظلمنا أبينا *** امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف.

وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة.

ثم أكد ذلك المعنى بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ أي بكثرة الدلائل والمعجزات ﴿ ودين الحق ﴾ لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة.

ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين.

عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان.

وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي  لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج.

قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام.

وقد جاء في الحديث: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب.

وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن.

وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام.

وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة.

ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ فيه مدح منه  لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام.

وقوله ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ ولو كره المشركون ﴾ إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ﴾ الآية.

وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله .

ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله.

وفي قوله ﴿ كثيراً ﴾ دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم.

وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسمما هو أعظم مقاصده.

وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها.

وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته.

ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله  إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلكالأكاذيب.

ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا.

أما قوله ﴿ ويصدّون عن سبيل الله ﴾ فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه.

ثم قال  ﴿ والذين يكنزون ﴾ الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه.

والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع.

قيل: المراد بقوله ﴿ والذين يكنزون ﴾ الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم.

وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين.

ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟!

عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟

قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.

وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة.

فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً.

قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول.

وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.

فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.

فقال: ما عسى يصنع بي قريش.

واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته.

عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز.

وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.

وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.

وعن ابن عباس: قوله ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.

قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات.

وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد.

وحجة الأولين قوله  ﴿ لها ما كسبت  ﴾ ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ {محمد: 36] وقوله  : "كل امرىء أحق بكسبه" "نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" وقد كان رسول الله  جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته.

حجة الأقلين عموم الآية "وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلتقال رسول الله  : تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً فقالوا له  : أي مال نتخذ؟

قال: لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه" .

وقوله: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله  : كية.

وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان.

وعن عليّ  : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد.

ومن المعقول أن الله  خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده.

وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه.

وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله  ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى  ﴾ ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده.

وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه.

هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه.

وقد ورد أيضاً في الحديث: "ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم" وهو مشهور.

ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما.

ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه  قال: "لا زكاة في الحلي المباح" ولم يصححه أبو عيسى الترمذي.

وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله  ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه  ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال ﴿ ولا ينفقونها ﴾ فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة.

وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها  ﴾ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب *** وقيار كذلك.

ثم قال ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.

ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله ﴿ نار حامية  ﴾ ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.

فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير.

﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها.

إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود.

ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة.

ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين.

ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان.

ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما.

ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره.

وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق.

ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال ﴿ هذا ما كنزتم ﴾ والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال ﴿ إن عدّة الشهور ﴾ الآيتان وذلك أنه  لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم.

واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله  ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج  ﴾ والسنة القمرية.

عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله  ﴿ إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ﴿ في كتاب الله ﴾ بقوله ﴿ عدّة الشهور ﴾ للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر.

فقوله ﴿ في كتاب الله ﴾ و ﴿ يوم خلق ﴾ الثاني بدل من الأول وهو من عند.

والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.

وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم.

ويجوز أن يكون ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان.

لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا.

إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق.

قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.

وقيل: القرآن.

﴿ منها أربعة حرم ﴾ ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه ﴿ فلا تظلموا فيهن ﴾ أي في الأشهر الأربعة ﴿ أنفسكم ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً.

عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت.

وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول.

وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق  ﴾ والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة.

وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك.

ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي.

ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة.

وقيل: الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾ عائد إلى ﴿ اثنا عشر ﴾ والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء.

قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمعالكثرة تختار ضمير الوحدة.

قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت.

ثم قال عز من قائل ﴿ وقاتلوا المشركين ﴾ وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً.

ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية.

وقال الزجاج: نصبه على الحال.

ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً.

وفي وجه التشبيه في قوله ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم.

وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم.

فعلى الأول يكون ﴿ كافة ﴾ حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة.

ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ﴿ إنما النسيء ﴾ وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير.

وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها.

وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها.

وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول.

واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح.

ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر.

احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان.

وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار.

وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس.

وفي قوله ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله  بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً.

قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ الضمير فيه عائد إلى النسيء.

قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام.

ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه.

قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.

قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر.

ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه.

ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه.

والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله ﴿ ليواطئوا عدّة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي من القتال وترك الاختصاص.

قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه.

والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد.

قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله  فهذا هو المراد بالمواطأة.

وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه  خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية.

وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة.

وإنمالزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ على هذا التفسير.

ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع.

ومعنى قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس.

ومعنى قوله ﴿ ليواطؤا عدّة ما حرم الله ﴾ ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً.

ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله  أعلم.

التأويل: ﴿ قاتلوا ﴾ النفوس ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ﴾ بتعبده ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ أي لا يعملون للآخرة ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ﴾ من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ﴿ وحرم ﴾ ﴿ رسوله ﴾ على نفسه ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يطلبون الحق ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ من النفوس الملهمة بالواردات الربانية ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ وهي معاملتها على خلاف طبعها ﴿ عن يد ﴾ عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب ﴿ ابن الله ﴾ وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وهم النفوس الكافرة الذين ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ أي قلوبهم ﴿ ورهبانهم ﴾ أي أرواحهم ﴿ أرباباً ﴾ والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب.

فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ ﴿ يريدون ﴾ أي النفوس ﴿ أن يطفئوا نور الله ﴾ الذي رش على الأرواح في بدء الخلق ﴿ بأفواههم ﴾ أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ﴿ ليظهره ﴾ في طلب الحق على طلب غيره ﴿ إن كثيراً ﴾ من أحبار القلوب ورهبان الأرواح ﴿ ليأكلون ﴾ أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى ﴿ يحمى عليها في نار جهنم ﴾ الحرص ﴿ فتكوى بها ﴾ جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق ﴿ وجنوبهم ﴾ حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات ﴿ وظهورهم ﴾ حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم ﴿ هذا ﴾ الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ﴿ ما كنزتم ﴾ ﴿ فذوقوا ﴾ الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى.

ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج.

ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ ، أخبر أن السماوات تكاد تتفطر، وتنشق الأرض وتخر الجبال؛ لعظيم ما قالوا في الله -  - من البهتان والفرية عليه أن له ولداً، ثم بين الذي ذكر ذلك فقال: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ : فذكر الآية، وأخبر - والله أعلم - أنهم قالوا في الله ما قالوا لوجوه: أحدها: دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، لكن كتموا ذلك، فأخبر رسول الله  أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله  ذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.

والثاني: يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء؛ ليصبر على سفههم وأذاهم.

والثالث: يخبر أنهم مشبهة؛ لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا: إن فلاناً ابنه؛ لما رأوا منه أشياء، فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

أى: ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان كان لهم في ذلك.

أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه اعترضت لهم تحملهم على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .

يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء [ ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ من الشرك أو الكفر أو غير ذلك من الكذب والافتراء على الله، كقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ بالكفر وكقوله]: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ  ﴾ ، ليس أن يحيي الموتى كلهم إحياء كما أحيا ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن يحييهم إحياء، [فعلى] ذلك قوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ] في الكفر نفسه.

ويحتمل: ضاهى قول النصارى قول اليهود، والمضاهاة: المشابهة والإشباه.

وقوله [أيضاً]: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: يشبه النصارى بقولهم لعيسى إنه ابن الله قول اليهود من قبل: عزير ابن الله؛ فضاهى النصارى في عيسى اليهود قبلهم في عزير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ .

هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول المنفعة.

وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يحتمل: من أين يؤفكون ويفترون على الله على غير شبهة اعترضت لهم.

ويحتمل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ ، أي: كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً  ﴾ .

قيل: الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد.

وقيل: الأحبار هم أصحاب الصوامع مع اليهود، والرهبان: من النصارى.

وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ يحتمل أن يكون هذا في السفهاء والأتباع، وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ : في العلماء منهم والرؤساء، فاتخذ الأتباع أولئك أرباباً يتبعونهم في جميع ما يدعونهم إليه، يأتمرون بهم في جميع أوامرهم ونواهيهم؛ لا أنهم عبدوهم، ولكن ذكر أرباباً لما ذكرنا من اتباعهم وانتظارهم إياهم فيما يدعونهم إليه ويأمرونهم؛ كقوله: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ ، وقول إبراهيم لأبيه: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان وطاعته، ولكن نسب العبادة إليه؛ لما يجيبونه في كل ما يدعوهم إليه ويأمرهم به؛ فعلى ذلك هذا.

ويحتمل ما روي في الخبر - إن ثبت - أنهم لم يعبدوهم، ولكن هم أحلوا لهم أشياء حرمها [الله] عليهم فاستحلوها، أو حرموا عليهم أشياء أحل الله ذلك لهم، فحرموا ذلك فقيل: اتخذوهم أرباباً - والله أعلم - يخرج هذا في الأحبار والرهبان على التمثيل، أي: اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم؛ كأنهم اتخذوهم أرباباً، لا على التحقيق، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان، لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه.

وأما في المسيح فهو على التحقيق؛ لأنهم قالوا: ابن إله، وقالوا: ابن [الإله] إله؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق، وفي الأحبار والرهبان على التمثيل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .

يحتمل: إلا ليوحدوا إلهاً واحداً الذي لا إله إلا هو.

ويحتمل: أي: ما أمروا أن يعبدوا آلهة [على ما] يعبدون من الأصنام والأوثان، ولكن أمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .

قيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : ذكر الله وتوحيده.

وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.

وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : هو الإسلام.

فإذا كان النور هو الذكر والتوحيد فهو - والله أعلم - أنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله، ولا يذكرونه، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام، وإياها يذكرون، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم، فلما أن بعث الله رسوله محمداً بذكر الله وتوحيده، وأمر بالتناصر بحق الدين، أرادوا أن يطفئوا ذلك النور.

ومن قال: أراد بنور الله القرآن، أرادوا إطفاءه؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، و ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ و ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ونحوه، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ...

﴾ الآية [النحل: 103].

ومن قال: نور الله هو الدين؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ...

﴾ النور: 35] في حرف أبي: (مثل نور المؤمن)، ومثله - أرادوا إطفاء هذا النور؛ لتسلم لهم المنافع التي كانت [لهم].

وقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ ﴾ يحتمل وجهين: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يجتهدون أن يطفئوه، فما يقدرون على إطفائه.

ويحتمل: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يحتالون أن يطفئوه بأسباب يتكلفونها ويحتالونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .

بالحجج والبراهين، أو بالنشر والإظهار، وقد أتمه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .

وقد كره الكافرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : هدى يهديهم إلى ما به تكون جميع المحاسن والخيرات محاسن وخيرات؛ لأن المحاسن والخيرات إنما تقوم بالإيمان، وبه ينتفع بها، بعثه لذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : وهو القرآن، يهديهم، ويبين لهم المحاسن من المساوئ، والحسنات من السيئات، وهو هدى يهديهم إلى ذلك.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ \[وهو دين الحق\].

أي: الإيمان الذي به تصير المحاسن محاسن، والخيرات خيرات - هو دين الحق.

ويحتمل قوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ [أي: أرسله بالهدى وبدين الحق.

ويحتمل قوله: ودين الحق] أي: دين الله؛ كقوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: [يحتمل]: ليظهر رسوله على أهل الدين كله بالحجج والآيات، فقد أظهره بحمد الله على الأديان كلها بالحجج والبراهين، حتى لم يتعرض أحد في شبه ذلك فضلاً أن يتعرض في إبطاله.

ويحتمل: ليظهره على أهل الدين كله بالقهر والغلبة والإذلال، فقد كان، حق خضعوا له كلهم وذلوا، حتى لم يبق في جزيرة العرب مشرك ولا كافر إلا خضع له، وصار أهل الكتاب ذليلين صاغرين في أيدي المسلمين.

فإن كان المراد من قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، فهو بالحجج والبراهين كلها.

وإن كان أراد به الدين أن يظهره على الأديان كلها فبعد لم يكن، ويكون - إن شاء الله  - هو الظاهر على الأديان كلها يوم القيامة.

وقوله - عز جل -: ﴿ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

ولم يقل: على الأديان كلها؛ فالدين يتناول الأديان كلها؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ  ﴾ يدخل فيه كل إنسان.

وجائز أن تكون أدياناً مختلفة فهو واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وهو دين الشيطان، فسماه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ ﴾ .

أما الأحبار والرهبان فقد ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ .

لأنهم كانوا يأكلون أموالهم بما يحرفون كتاب الله ويبدلونه؛ كقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الآية [آل عمران: 78]، فهم إنما حرفوا ذلك وبدلوه؛ لتسلم لهم تلك الأموال، فذلك أكل بباطل؛ لأنهم خافوا ذهاب تلك المنافع والأموال إذا أسلموا، فيجوز أن يكون إنما سماهم أرباباً في الآية الأولى؛ لما أنهم جعلوا أموالهم أموالاً لأنفسهم، وأنفسهم عبيداً لهم، فهم كالأرباب لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله، وكنزوها، ولم ينفقوها في سبيل الله، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله.

ومن الناس من حمل الآية في منع الزكاة.

روي في الأخبار عن رسول الله  وعن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أن كل مال أديت الزكاة عنه فهو ليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ الزكاة [عنه] فهو كنز، وإن كان على وجه الأرض.

ومن أصحابنا من استدل بلزوم ضمّ الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة بهذه الآية؛ لأنه ذكر الذهب والفضة جميعاً، وألحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة بقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، فلولا أن الضم واجب ويكون المؤدى عن أحدهما مؤدى عن الآخر، وإلا لم يكن لذلك معنى.

ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب؛ لأن الذهب أعز عندهم، والفضة دونه.

ثم إن كانت الآية في الكفرة فهي في القبول؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ وذلك على القبول، لا في الأداء نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ...

﴾ الآية.

جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم عن طاعة الله، ودعتهم إلى مخالفة أمره، ويجمع بينهما في النار؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك ما كنزوا يحمى عليها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، يعذبهم بها؛ لما منعتهم تلك الأموال من طاعته، ودعتهم إلى صدّ الناس عن سبيل الله؛ يجعل عذابهم في الآخرة بها.

ويحتمل قوله: ﴿ جِبَاهُهُمْ ﴾ : كناية عن التقديم إلى الآخرة، أي: لم يقدموها ولم ينفقوها في سبيل الله.

وقوله: ﴿ وَجُنوبُهُمْ ﴾ : لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة.

وقوله: ﴿ وَظُهُورُهُمْ ﴾ : لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله.

ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، أي: يحيط العذاب بهم؛ فعلى ذلك هذا - والله أعلم - كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، أي: يحيط بهم حتى لا يقدروا على دفعه عن وجوههم.

وقوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية.

روي عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، يكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها" ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول، قالوا: "يا رسول الله، فصاحب الخيل؟

قال: هي لثلاث: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر؛ فأما من ربطها عدة في سبيل الله، فإنه لو أنه طول لها في مرج خصب أو في روضة، كتب الله له عدد ما أكلت حسنات، وعدد أرواثها حسنات، ولو انقطع طولها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين، وكتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر عجاج لا يريد السقي به فشربت، كتب الله له عدد ما شربت حسنات.

ومن ارتبطها فخراً وعزّاً على المسلمين، كان له وزر إلى يوم القيامة؛ ومن ارتبطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها وظهورها، كانت له ستراً من النار يوم القيامة" فإن ثبت هذا الخبر عن رسول الله  ففيه دلالة وجوب الزكاة في الخيل، وهو حجة لأبي حنيفة؛ لأنه قال: "ثم لم ينس حق الله في رقابها"، والحق الذي في رقابها هو الزكاة، والذي في ظهورها هو الجهاد عليها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا، وعملوا بما شرعه الله لهم، إن كثيرًا من علماء اليهود، وكثيرًا من عُبَّاد النصارى، ليأخذون أموال الناس بغير حق شرعي، فهم يأخذونها بالرشوة وغيرها، وهم يمنعون الناس من الدخول في دين الله.

والذين يجمعون الذهب والفضة، ولا يؤدون ما يجب عليهم من زكاتها، فأخبرهم -أيها الرسول- بما يسوؤهم يوم القيامة من عذاب موجع.

<div class="verse-tafsir" id="91.eW0Kp"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله