الآية ٤٩ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٤٩ من سورة التوبة

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ ٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ومن المنافقين من يقول لك يا محمد : ( ائذن لي ) في القعود ( ولا تفتني ) بالخروج معك ، بسبب الجواري من نساء الروم ، قال الله تعالى : ( ألا في الفتنة سقطوا ) أي : قد سقطوا في الفتنة بقولهم هذا .

كما قال محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبي بكر ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وغيرهم قالوا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم - وهو في جهازه - للجد بن قيس أخي بني سلمة : هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر ؟

فقال : يا رسول الله ، أوتأذن لي ولا تفتني ، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر لا أصبر عنهن .

فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : قد أذنت لك .

ففي الجد بن قيس نزلت هذه : ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ) الآية ، أي : إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به ، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرغبة بنفسه عن نفسه - أعظم .

وهكذا روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : أنها نزلت في الجد بن قيس .

وقد كان الجد بن قيس هذا من أشراف بني سلمة ، وفي الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : من سيدكم يا بني سلمة ؟

قالوا : الجد بن قيس ، على أنا نبخله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وأي داء أدوأ من البخل ، ولكن سيدكم الفتى الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور .

وقوله تعالى : ( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) أي : لا محيد لهم عنها ، ولا محيص ، ولا مهرب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) قال أبو جعفر: وذكر أن هذه الآية نـزلت في الجدّ بن قيس.

* * * ويعني جل ثناؤه بقوله: (ومنهم)، ومن المنافقين =(من يقول ائذن لي)، أقم فلا أشخَصُ معك =(ولا تفتني)، يقول: ولا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتِهم, فإنّي بالنساء مغرمٌ, فأخرج وآثَمُ بذلك.

(18) * * * وبذلك من التأويل تظاهرت الأخبار عن أهل التأويل.

* ذكر الرواية بذلك عمن قاله: 16785- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (ائذن لي ولا تفتني)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغزُوا تبوك، تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم !

فقال الجدّ: ائذن لنا, ولا تفتنَّا بالنساء.

16786- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغزوا تغنَموا بنات الأصفر = يعني نساء الروم, ثم ذكر مثله.

16787-......

قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: (ائذن لي ولا تفتني)، قال: هو الجدّ بن قيس قال: قد علمت الأنصار أني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن, ولكن أعينك بمالي.

16788- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن الزهري, ويزيد بن رومان, وعبد الله بن أبي بكر, وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه، للجد بن قيس أخي بني سلمة: هل لك يا جدُّ العامَ في جلاد بني الأصفر؟

فقال: يا رسول الله, أوْ تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رَجل أشدّ عُجْبًا بالنساء منِّي, وإني أخشى إن رأيت نساءَ بني الأصفر أن لا أصبر عنهن !

فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك, ففي الجد بن قيس نـزلت هذه الآية: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني)، الآية, أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به, فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم.

(19) 16789- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني)، قال: هو رجل من المنافقين يقال له جَدُّ بن قيس, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: العامَ نغزو بني الأصفر ونتَّخذ منهم سراريّ ووُصفاءَ (20) = فقال: أي رسول الله, ائذن لي ولا تفتني, إن لم تأذن لي افتتنت وقعدت !

(21) وغضب [رسول الله صلى الله عليه وسلم] , (22) فقال الله: (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)، وكان من بني سلمة, فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من سيدكم يا بني سَلِمة؟

فقالوا: جدُّ بن قيس, غير أنه بخيلٌ جبان!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وأيُّ داءٍ أدْوَى من البخل, ولكن سيِّدكم الفتى الأبيض، الجعد: بشر بن البراء بن مَعْرُور.

(23) 16790- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني)، يقول: ائذن لي ولا تحرجني =(ألا في الفتنة سقطوا)، يعني: في الحرج سقطوا.

16791- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني)، ولا تؤثمني، ألا في الإثم سقطوا.

* * * وقوله: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)، يقول: وإن النار لمطيفة بمن كفر بالله وجحد آياته وكذَّب رسله, محدقة بهم، جامعة لهم جميعًا يوم القيامة.

(24) يقول: فكفى للجدّ بن قيس وأشكاله من المنافقين بِصِلِيِّها خزيًا.

--------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير "الفتنة" فيما سلف ص : 283 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(19) الأثر : 16788 - سيرة ابن هشام 4 : 159 ، 160 ، وهو تابع صدر الأثر السالف رقم: 16784 ، بعد قوله هناك: "وأخبرهم أنه يريد الروم"، وبين الذي رواه أبو جعفر، وما في السيرة خلاف يسير في ختام الخبر.

(20) في المطبوعة: "سراري ووصفانًا"، والصواب من المخطوطة.

و "الوصفاء" جمع "وصيف"، والأنثى "وصيفة"، وجمعها "وصائف"، وهو الخادم الغلام الشاب، ومثله الخادمة.

(21) في المطبوعة: "ووقعت" ، مكان "وقعدت" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأراد القعود عن الخروج إلى الغزوة خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(22) في المطبوعة: "فغضب"، وفي المخطوطة: "وغضب"، وظاهر أنه سقط من الخبر ما أثبته بين القوسين.

(23) في المطبوعة: "الجعد الشعر البراء بن معرور" ، غير ما كان في المخطوطة، وهو الصواب المحض، فإن الخبر هو خبر "بشر بن البراء بن معرور" في تسويده على بني سلمة.

وأما أبوه "البراء بن معرور"، فهو من أول من بايع بيعة العقبة الأولى، وأول من استقبل القبلة، وأول من أوصى بثلث ماله، وهو أحد النقباء، ومات قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل مقدم رسول الله المدينة بشهر، ولما دفنوه ، وجهوا قبره إلى القبلة.

ويقال: "رجل جعد" ، يراد به أنه مدمج الخلق، معصوب الجوارح، شديد الأسر، غير مسترخ ولا مضطرب، وهو من حلية الكريم.

ويراد به أيضا: جعودة الشعر، وهو مدح العرب، لأن سبوطة الشعر إنما هي في الروم وفي الفرس.

وإنما أراد في الخبر المعنى الأول.

(24) انظر تفسير " الإحاطة " فيما سلف 13 : 581 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرينقوله تعالى ومنهم من يقول ائذن لي من أذن يأذن .

وإذا أمرت زدت همزة مكسورة وبعدها همزة هي فاء الفعل ، ولا يجتمع همزتان ، فأبدلت من الثانية ياء لكسرة ما قبلها فقلت إيذن .

فإذا وصلت زالت العلة في الجمع بين همزتين ، ثم همزت فقلت : ومنهم من يقول ائذن لي وروى ورش عن نافع " ومنهم من يقول اوذن لي " خفف الهمزة .

قال النحاس : يقال إيذن لفلان ثم إيذن له هجاء الأولى والثانية واحد بألف وياء قبل الذال في الخط .

فإن قلت : إيذن لفلان وأذن لغيره كان الثاني بغير ياء ؛ وكذا الفاء .

والفرق بين ثم والواو أن ثم يوقف عليها وتنفصل ، والواو والفاء لا يوقف عليهما ولا ينفصلان .

قال محمد بن إسحاق : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس أخي بني سلمة لما أراد الخروج إلى تبوك : يا جد ، هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء ؟

فقال الجد : قد عرف قومي أني مغرم بالنساء ، وإني أخشى إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن فلا تفتني وأذن لي في القعود وأعينك بمالي فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قد أذنت لك فنزلت هذه الآية .

أي لا تفتني بصباحة وجوههم ، ولم يكن به علة إلا النفاق .

قال المهدوي : والأصفر رجل من الحبشة كانت له بنات لم يكن في وقتهن أجمل منهن وكان ببلاد الروم .

وقيل : سموا بذلك لأن الحبشة غلبت على الروم ، وولدت لهم بنات فأخذن من بياض الروم وسواد الحبشة ، فكن صفرا لعسا .

قال ابن عطية : في قول ابن أبي إسحاق فتور .

وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اغزوا تغنموا بنات الأصفر .

فقال له الجد : إيذن لنا ولا تفتنا بالنساء وهذا منزع غير الأول ، وهو أشبه بالنفاق والمحادة .

ولما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة - وكان الجد بن قيس منهم : [ ص: 88 ] من سيدكم يا بني سلمة ؟

قالوا : جد بن قيس ، غير أنه بخيل جبان .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأي داء أدوى من البخل بل سيدكم الفتى الأبيض بشر بن البراء بن معرور .

فقال حسان بن ثابت الأنصاري فيه :وسود بشر بن البراء لجوده وحق لبشر بن البرا أن يسودا إذا ما أتاه الوفد أذهب مالهوقال خذوه إنني عائد غداألا في الفتنة سقطوا أي في الإثم والمعصية وقعوا .

وهي النفاق والتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم .وإن جهنم لمحيطة بالكافرين أي مسيرهم إلى النار ، فهي تحدق بهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ ومن هؤلاء المنافقين من يستأذن في التخلف، ويعتذر بعذر آخر عجيب، فيقول‏:‏ ‏{‏ائْذَنْ لِي‏}‏ في التخلف ‏{‏وَلَا تَفْتِنِّي‏}‏ في الخروج، فإني إذا خرجت، فرأيت نساء بين الأصفر لا أصبر عنهن، كما قال ذلك ‏{‏الجد بن قيس‏}‏ ومقصوده ـ قبحه اللّه ـ الرياء والنفاق بأن مقصودي مقصود حسن، فإن في خروجي فتنة وتعرضا للشر، وفي عدم خروجي عافية وكفا عن الشر‏.‏ قال اللّه تعالى مبينا كذب هذا القول‏:‏ ‏{‏أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا‏}‏ فإنه على تقدير صدق هذا القائل في قصده، ‏[‏فإن‏]‏ في التخلف مفسدة كبرى وفتنة عظمى محققة، وهي معصية اللّه ومعصية رسوله، والتجرؤ على الإثم الكبير، والوزر العظيم، وأما الخروج فمفسدة قليلة بالنسبة للتخلف، وهي متوهمة، مع أن هذا القائل قصده التخلف لا غير، ولهذا توعدهم اللّه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ‏}‏ ليس لهم عنها مفر ولا مناص، ولا فكاك، ولا خلاص‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ) نزلت في جد بن قيس المنافق ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز لغزوة تبوك قال : يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر؟

يعني الروم ، تتخذ منهم سراري ووصفاء ، فقال جد : يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء ، وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ، ائذن لي في القعود ولا تفتني بهن وأعينك بمالي .

قال ابن عباس : اعتل جد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق ، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أذنت لك فأنزل الله عز وجل : ( ومنهم ) يعني من المنافقين ( من يقول ائذن لي ) في التخلف ( ولا تفتني ) ببنات الأصفر .

قال قتادة : ولا تؤثمني : ( ألا في الفتنة سقطوا ) أي : في الشرك والإثم وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمر الله وأمر رسوله ، ( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) مطبقة بهم وجامعة لهم فيها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومنهم من يقول ائذن لي» في التخلف «ولا تفتنِّي» وهو الجد بن قيس قال له النبي صلى الله عليه وسلم هل لك في جلاد بني الأصفر؟

فقال: إني مغرّم بالنساء وأخشى إن رأيت ُ نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن فأُفتتن، قال تعالى: «ألا في الفتنة سقطوا» بالتخلُّف، وقرئ سقط «وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» لا محيص لهم عنها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومِن هؤلاء المنافقين من يطلب الإذن للقعود عن الجهاد ويقول: لا توقعْني في الابتلاء بما يعرض لي في حالة الخروج من فتنة النساء.

لقد سقط هؤلاء المنافقون في فتنة النفاق الكبرى.

فإن جهنم لمحيطة بالكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يُفْلِت منهم أحد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين ، فحكت جانبا من أعذارهم الكاذبة ، ومن أقوالهم الخبيثة .

.

فقال - تعالى - : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ .

.

.

.

مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ ) .روى محمد بن إسحاق ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبى بكر ، وعاصم بن قتادة وغيرهم قالوا : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وهو جهازه - أى لغزوة تبوك - للجد عن قيس اخى بنى سلمة : " هل لك ياجد فى جلاد بنى الأصفر "؟

- يعنى الروم - فقال الجد : يا رسول الله أو تأذن لى ولا تفتنى؟

فهو الله لقد عرف قومى ما رجل أشد عجبا بالنساء منى ، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر ألا أصبر عنهن ، فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال قد أذنت لك " " .ففى الجد بن قيس نزلت هذه الآية ( وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ) .أى : ومن هؤلاء المنافقين الذين لم ينته الحديث عنهم بعد " من يقول " لك - يا محمد - " أئنذ لى " فى القعود بالمدينة ، " ولا تفتنى " أى ولا توقعنى فى المعصية والإِثم بسبب خروجى معك إلى تبوك ، ومشاهدتى لنساء بنى الأصفر .وعبر - سبحانه - عن قول هذا المنافق بالفعل المضارع ، لا ستحضار تلك الحال لغرابتها ، فإن مثله فى نفاقه وفجوره لا يخشى إثم الافتتان بالنساء إذا لا يجد من دينه ما نعا من غشيان الشهوات الحرام .وقوله : ( أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ) رد عليه فيما قال ، وذم له على ما تفوه به .أى : ألا إن هذا وأمثاله فى ذات الفتنة قد سقطوا ، لافى أى شئ آخر مغاير لها .وبدأ - سبحانه - الجملة الكريمة بأداة التنبيه " ألا " ، لتأكيد الخبر ، وتوجيه الأسماع إلى ما اشتمل عليه من توبيخ لهؤلاء المنافقين .وقدم الجار والمجرور على عامله؛ لدلالة على الحصر .

أى فيها لا فى غيرها قد سقطوا وهووا إلى قاع سحيق .قال الآلوسى : وفى التعبير عن الافتتان بالسقوط فى الفتنة ، تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديدهم فى دركات الردى أسفل سافلين .وقال الفخرى الرازى ما ملخصه : " وفيه تنبيه على أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا فى الفتنة ، فالله - تعالى - بيّن أنهم فى عينا لفتنة واقعون ، لأن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله وبرسوله ، والتمرد على قبول التكاليف التى كلفنا الله بها .

.

.

" .وقوله : ( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ) وعيد وتهديد لهم على أقوالهم وأفعالهم .أى : وإن جهنم لمحيطة بهؤلاء الكافرين بما جاء من عند الله ، دون أن يكون لهم منها مهرب أو مفر .وعبر عن إحاطتها بهم باسم الفاعل الدال على الحال ، لإِفادة تحقيق ذلك حتى لكأنه واقع مشاهد .قالوا : ويحتمل أنها محيطة بهم الآن ، بأن يراد بجهنم الأسباب الموصلة إليها من الكفر والنفاق وغير ذلك من الرذائل التى سقطوا فيها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المذكور في هذه الآية نوع آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم فقال: ﴿ لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ ﴾ أي من قبل واقعة تبوك.

قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وقيل: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك، ومعنى الفتنة هو الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة، وهو الذي طلبه المنافقون للمسلمين وسلمهم الله منه، وقوله: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور ﴾ تقليب الأمر تصريفه وترديده لأجل التدبر والتأمل فيه، يعني اجتهدوا في الحيلة عليك والكيد بك.

يقال: في الرجل المتصرف في وجوه الحيل فلان حول قلب، أي يتقلب في وجوه الحيل.

ثم قال تعالى: ﴿ حتى جَاء الحق وَظَهَرَ أَمْرُ الله وَهُمْ كارهون ﴾ والمعنى: أن هؤلاء المنافقين كانوا مواظبين على وجه الكيد والمكر وإثارة الفتنة وتنفير الناس عن قبول الدين حتى جاء الحق الذي كان في حكم المذاهب، والمراد منه القرآن ودعوة محمد، وظهر أمر الله الذي كان كالمستور والمراد بأمر الله الأسباب التي أظهرها الله تعالى وجعلها مؤثرة في قوة شرع محمد عليه الصلاة والسلام، وهم لها كارهون أي وهم لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله كارهون، وفيه تنبيه على أنه لا أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في إثارة الشر، فإنهم منذ كانوا في طلب هذا المكر والكيد، والله تعالى رده في نحرهم وقلب مرادهم وأتى بضد مقصودهم، فلما كان الأمر كذلك في الماضي، فهذا يكون في المستقبل.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى ﴾ يريد ائذن لي في القعود ولاتفتني بسبب الأمر بالخروج، وذكروا فيه وجوها: الأول: لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي، فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم، وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكونوا ذكروه على سبيل السخرية، وإن يكونوا أيضاً ذكروه على سبيل الجد، وإن كان ذلك المنافق منافقاً كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقاً، وإن كان غير قاطع بذلك.

والثاني: لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها.

والثالث: لا تفتني فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.

والرابع: قال الجد بن قيس: قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر، يعني نساء الروم، ولكني أعينك بمال فاتركني، وقرئ ﴿ وَلاَ تَفْتِنّى ﴾ من أفتنه ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ والمعنى أنهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة، وهم في الحال ما وقعوا إلا في الفتنة، فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله، والتمرد عن قبول التكليف.

وأيضاً فهم يبقون خالفين عن المسلمين، خائفين من أن يفضحهم الله، وينزل آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي ﴿ سُقِطَ ﴾ لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع المعنى.

قال أهل المعاني: وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما، فإنه تعالى يبطل عليه ذلك الغرض، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ﴾ قيل: إنها تحيط بهم يوم القيامة.

وقيل إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال، فكأنهم في وسطها.

وقال الحكماء الإسلاميون: إنهم كانوا محرومين من نور معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما كانوا يعتقدون لأنفسهم كمالاً وسعادة سوى الدنيا وما فيها من المال والجاه، ثم إنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين.

وقصد الرسول بكل سوء، وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام أبداً في الترقي والاستعلاء والتزايد، وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم، وأولادهم وأموالهم والحاصل أنهم كانوا محرومين عن كل السعادات الروحانية، فكانوا في أشد الخوف، بسبب الأحوال العاجلة، والخوف الشديد مع الجهل الشديد، أعظم أنواع العقوبات الروحانية، فعبر الله تعالى عن تلك الأحوال بقوله: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ائذن لّي ﴾ في القعود ﴿ وَلاَ تَفْتِنّى ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم، بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.

وقيل: ولا تلقني في الهلكة، فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي.

وقيل: قال الجدّ بن قيس: قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتنّي ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بمال فاتركني.

وقرئ: ﴿ ولا تفتني ﴾ من أفتنه ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ أي إنّ الفتنة هي التي سقطوا فيها، وهي فتنة التخلف.

وفي مصحف أبيّ رضي الله عنه: سقط؛ لأنّ (من) موحد اللفظ مجموع المعنى ﴿ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ﴾ يعني أنها تحيط بهم يوم القيامة.

أو هي محيطة بهم الآن؛ لأنّ أسباب الإحاطة معهم فكأنهم في وسطها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ ﴾ تَشْتِيتَ أمْرِكَ وتَفْرِيقَ أصْحابِكَ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ كَما تَخَلَّفُوا عَنْ تَبُوكَ بَعْدَ ما خَرَجُوا مَعَ الرَّسُولِ  إلى ذِي جَدَّةَ أسْفَلَ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ.

﴿ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ﴾ ودَبَّرُوا لَكَ المَكايِدَ والحِيَلَ ودَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ.

﴿ حَتّى جاءَ الحَقُّ ﴾ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ.

﴿ وَظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ وعَلا دِينُهُ.

﴿ وَهم كارِهُونَ ﴾ أيْ عَلى رَغْمٍ مِنهم، والآيَتانِ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ  والمُؤْمِنِينَ عَلى تَخَلُّفِهِمْ وبَيانِ ما ثَبَّطَهُمُ اللَّهُ لِأجْلِهِ وكَرِهَ انْبِعاثَهم لَهُ وهَتَكَ أسْتارَهم وكَشْفَ أسْرارِهِمْ وإزاحَةَ اعْتِذارِهِمْ تَدارُكًا لِما فَوَّتَ الرَّسُولُ  بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْنِ ولِذَلِكَ عُوتِبَ عَلَيْهِ.

﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ﴾ في القُعُودِ.

﴿ وَلا تَفْتِنِّي ﴾ ولا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيْ في العِصْيانِ والمُخالَفَةِ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا مَحالَةَ مُتَخَلِّفٌ أذِنَ لَهُ أمْ لَمْ يَأْذَنْ، أوْ في الفِتْنَةِ بِسَبَبِ ضَياعِ المالِ والعِيالِ إذْ لا كافِلَ لَهم بَعْدِي.

أوْ في الفِتْنَةِ لِنِساءِ الرُّومِ لِما رُوِيَ: أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ قالَ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُولَعٌ بِالنِّساءِ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي فاتْرُكْنِي.

﴿ ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ أيْ إنَّ الفِتْنَةَ هي الَّتِي سَقَطُوا فِيها وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ أوْ ظُهُورِ النِّفاقِ لا ما احْتَرَزُوا عَنْهُ.

﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ جامِعًا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ لِأنَّ إحاطَةَ أسْبابِها بِهِمْ كَوُجُودِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّي} ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت أولا تلقني في

الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي وقيل قال الجد بن قيس المنافق قد علمت الأنصار إني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم ولكني أعينك بمالي فاتركني {أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ} يعني أن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين} الآن لأن أسباب الإحاطة معهم أو هي تحيط بهم يوم القيامة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ﴾ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ ﴿ ولا تَفْتِنِّي ﴾ أيْ لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ بِنِساءِ الرُّومِ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ  أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أُفْتَتَنُ فائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي فَنَزَلَتْ»، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوَّلًا تُوقِعُنِي في المَعْصِيَةِ والَإثْمِ بِمُخالَفَةِ أمْرِكَ في الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وفي الكَلامِ عَلى هَذا إشْعارٌ بِأنَّهُ لا مَحالَةَ مُتَخَلِّفٌ أذِنَ لَهُ  أوْ لَمْ يَأْذَنْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الفِتْنَةَ بِالضَّرَرِ أيْ لا تُوقِعُنِي في ذَلِكَ فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي لِعَدَمِ مَن يَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا تُعَذِّبْنِي بِتَكْلِيفِ الخُرُوجِ في شِدَّةِ الحَرِّ، وقُرِئَ ﴿ ولا تَفْتِنِّي ﴾ مِن أفْتَنَهُ بِمَعْنى فِتْنَةٍ ﴿ ألا في الفِتْنَةِ ﴾ أيْ في نَفْسِها وعَيْنِها وأكْمَلِ أفْرادِها الغِنى عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ الحَقِيقِ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الجِنْسِ بِهِ ( ﴿ سَقَطُوا ﴾ ) لا في شَيْءٍ مُغايِرٍ لَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَهْرَبًا ومُخَلَّصًا عَنْها، وذَلِكَ بِما فَعَلُوا مِنَ العَزِيمَةِ عَلى التَّخَلُّفِ والجَراءَةِ عَلى هَذا الِاسْتِئْذانِ والقُعُودِ بِالإذْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ وعَلى الِاعْتِذاراتِ الكاذِبَةِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( سُقِطَ ) بِالإفْرادِ مُراعاةً لِلَفْظِ ( مِن ) ولا يَخْفى ما في تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِأداةِ التَّنْبِيهِ مِنَ التَّحْقِيقِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الِافْتِتانِ بِالسُّقُوطِ في الفِتْنَةِ تَنْزِيلٌ لَها مَنزِلَةَ المُهْواةِ المُهْلِكَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ تَرَدِّيهِمْ في دَرَكاتِ الرَّدى أسْفَلَ سافِلِينَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لا يَخْفى وجْهُهُ ( ﴿ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ ) وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا وهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ داخِلٌ تَحْتَ التَّنْبِيهِ، أيْ جامِعَةٌ لَهم مِن كُلِّ جانِبٍ لا مَحالَةَ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، فالمَجازُ في اسْمِ الفاعِلِ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ في الِاسْتِقْبالِ بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها حِيطَةٌ بِهِمُ الآنَ بِأنْ يُرادَ مِن جَهَنَّمَ أسْبابُها مِنَ الكُفْرِ والفِتْنَةِ الَّتِي سَقَطُوا فِيها ونَحْوَ ذَلِكَ مَجازًا.

وقَدْ يُجْعَلُ الكَلامُ تَمْثِيلًا بِأنْ تُشَبَّهَ حالُهم في إحاطَةِ الأسْبابِ بِحالِهِمْ عِنْدَ إحاطَةِ النّارِ، وكَوْنُ الأعْمالِ الَّتِي هم فِيها هي النّارَ بِعَيْنِها لَكِنَّها ظَهَرَتْ بِصُورَةِ الأعْمالِ في هَذِهِ النَّشْأةِ وتَظْهَرُ بِالصُّورَةِ النّارِيَّةِ في النَّشْأةِ الأُخْرى كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا ﴾ ) مَنزَعٌ صُوفِيٌّ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ إمّا المُنافِقُونَ المَبْحُوثُ عَنْهم، وإيثارُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِأنَّهُ مُعْظَمُ أسْبابِ الإحاطَةِ المَذْكُورَةِ وإمّا جَمِيعُ الكافِرِينَ ويَدْخُلُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ معك إلى الغزو، لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً يعني: اتخذوا لأنفسهم قوة من السلاح.

معناه: إن تركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف.

ثم قال وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ، يعني: لم يرد الله خروجهم معك لجبنهم وسوء نياتهم، فَثَبَّطَهُمْ يعني: حبسهم وأقعدهم عن الخروج، ويقال: ثقلهم عن الخروج، ويقال: جعل حلاوة الجلوس في قلوبهم حتى أقعدهم عن الخروج.

وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ، يعني: ألهموا أو خيّل إليهم القعود مع المتخلفين.

ثم أخبر الله تعالى أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم معهم، بل عليهم مضرة منهم، ثم قال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ يعني: المنافقين لو خرجوا معكم مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، يعني: فساداً، ويقال: شراً وجبنا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، ويقال ساروا بينكم ويقال: والإيضاع في اللغة هو إسراع الإبل، كما قال  حين أفاض من عرفات: «أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، فَإنَّ البِرَّ لَيْسَ فِي إيضَاعِ الإبِلِ وَلا فِي إيجَافِ الخَيْلِ» .

يعني: إن المنافقين لو خرجوا معكم، يسرعون الإبل فيما بينكم ويؤذونكم.

ثم قال: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، يعني: يطلبون منكم الشرك، ويطلبون هزيمتكم وعيوبكم، ويفشون سركم.

وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، يعني: وفي عسكركم عيون وجواسيس للمنافقين، ويقال: وفيكم من يسمع ما يقوله المنافقون ويقبلون منهم.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني: بالمنافقين.

وهذا وعيد لهم، يعني: عَلِيمٌ بعقوبتهم.

ثم قال عز وجل: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، يعني: من قبل غزوة تبوك، لأنهم قصدوا قتل النبيّ  قبل كثرة المؤمنين.

ويقال: طلبوا إظهار الشرك قبل غزوة تبوك وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، يعني: احتالوا في قتلك وفي هلاكك من كل وجه.

ويقال: قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ظهراً لبطن، فانظر كيف يصنعون.

حَتَّى جاءَ الْحَقُّ، يعني: كثر المسلمون ويقال: حتى جاء الحق يعني: الإسلام وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: ظهر دين الله الإسلام.

وَهُمْ كارِهُونَ، يعني: كارهون للإسلام.

قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي، يعني: جد بن قيس كان من المنافقين، حرّضه النبي  على الخروج إلى الغزو، فقال: يا رسول الله، إن قومي يعلمون حرصي على النساء، فأخشى أني لو خرجت وقعت في الإثم، ولا تفتني ببنات الأصفر.

وكان الأصفر رجلاً من الحبش ملك ناحية من الروم، فتزوج رومية، فولدت له بنات اجتمع فيهن سواد الحبش وبياض الروم وكنّ فتنة، فقال جد بن قيس: لا تفتني ببنات الأصفر، فإني أخاف أن لا أصبر وأضع يدي على الحرام، فأذن له النبيّ  بالقعود، فنزل.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يعني: من المنافقين ائْذَنْ لِي في التخلف وَلا تَفْتِنِّي، يعني: ولا توقعني في الفتنة والإثم.

ثم قال الله تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، يعني: ألا في الكفر والنفاق وقعوا.

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ، يعني: جعلت جهنم للكافرين، وهو جد بن قيس ومن تابعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، يريد: في استئذانك، وأنك لو لم تأذن لهم، خرجوا معك.

وقوله: وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ، أي: بمخالفتكَ، لَوْ لم تأذن لأنهم عَزَمُوا على العِصْيَان، أذنتَ لهم أو لم تأذن، وقال الطبريُّ: معناه: حتى تعلم الصَّادقين في أَنَّ لهم عُذْراً، والكاذبين، في أن لا عُذْرَ لهم، والأول أصْوبُ، واللَّه أعلم، وأمَّا قوله سبحانه:

في سورة النور: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ...

[النور: ٦٢] الآية، ففي غزوة الخندَقِ نزلت: وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ، أي: شكّت ويَتَرَدَّدُونَ، أي: يتحيَّرون إِذ كانوا تخطر لهم صِحَّة أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحياناً، وأنه غير صحيحٍ أحياناً، فهم مذبذبُونَ.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، أيْ: لو أرادوا الخروجَ بنيَّاتهم، لنظروا في ذلك واستعدوا له.

وقوله: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ.

ص: ولكِنْ: أصلها أَن تقع بَيْنَ نقيضَيْن أَو ضِدَّيْنِ، أَوْ خَلافَيْن، على خلاف فيه.

انتهى.

وانْبِعاثَهُمْ: نفوذَهُمْ لهَذِهِ الغزوة، والتثبيطُ: التَّكْسِيلُ وكَسْر العزم.

وقوله سبحانه: وَقِيلَ اقْعُدُوا، يحتمل أنْ يكون حكايةً عن اللَّه، أي: قال اللَّه في سابق قضائِهِ: اقعدوا مع القاعدين، ويحتملُ أنْ يكون حكايةً عنهم، أي: كانَتْ هَذِهِ مقالَةَ بَعْضِهِمْ لبعضٍ، ويحتملُ أنْ يكون عبارةً عن إذن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لهم في القعود، أيْ: لما كره اللَّه خروجهم، يَسَّر أَنْ قلْتَ لهم: اقعدوا مع القاعدين، والقعودُ هنا: عبارةٌ عن التخلُّفِ، وكراهيةُ اللَّهِ انبعاثهم: رِفْقٌ بالمؤمنين.

وقوله سبحانه: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا الخبالُ: الفسادُ في الأشياء المؤتَلِفة كالمودات، وبَعْضِ الأجرامِ، لَأَوْضَعُوا معناه: لأسرعوا السّير،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ لَلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: "يا جَدُّ، هَلْ لَكَ في جَلّادِ بَنِي الأصْفَرِ، لَعَلَّكَ أنْ تَغْنَمَ بَعْضَ بَناتِ الأصْفَرِ" فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فَأُقِيمُ، ولا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرٍ.

فَأعْرَضَ عَنْهُ، وقالَ: "قَدْ أذِنْتُ لَكَ" ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وهَذِهِ الآَيَةُ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّما الصَّدَقاتُ ﴾ في المُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ومِنهم يَعْنِي المُنافِقِينَ (مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي) أيْ: في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، وهو الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَفْتِنِّي ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: لا تُكْسِبْنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٌ لِي، فَآَثَمُ بِالمُخالَفَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: لا تُكَفِّرُنِي بِإلْزامِكَ إيّايَ الخُرُوجَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ في هَذِهِ الفِتْنَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الكُفْرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحَرَجُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الإثْمُ، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: العَذابُ في جَهَنَّمَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللهِ وهم كارِهُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللهُ سَعْيَهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: "مِن قَبْلُ" ما كانَ مِن حالِهِمْ مِن وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ  ورُجُوعِهِمْ عنهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها، ومَعْنى ﴿ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ﴾ دَبَّرُوها ظَهْرًا لِبَطْنٍ.

ونَظَرُوا في نَواحِيها وأقْسامِها، وسَعَوْا بِكُلِّ حِيلَةٍ، وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "وَقَلَبُوا لَكَ" بِالتَخْفِيفِ في اللامِ، و"أمْرُ اللهِ": الإسْلامُ ودَعَوْتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ﴾ نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُومِ حَرَّضَ الناسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: (هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟)، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: (اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ)، فَقالَ لَهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: ائْذَنْ لِي في التَخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ،» وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ فُتُورٌ كَثِيرٌ وتَخَلُّفٌ في الِاعْتِذارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "اغْزُوا تَبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ"، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ ولا تَفْتِنّا بِالنِساءِ،» وهَذا مَنزَعٌ غَيْرُ الأوَّلِ إذا نُظِرَ، وهو أشْبَهُ بِالنِفاقِ والمُحادَّةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الجَدَّ قالَ: "وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي" وتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ قَوْلَهُ: "وَلا تَفْتِنِّي" أيْ: لا تُصَعِّبُ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَهِّلْ أنْتَ عَلَيَّ ودَعْنِي غَيْرَ مُجَلَّحٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ واقِفٌ مَعَ اللَفْظِ، لَكِنَّ تَظاهُرَ ما رُوِيَ مِن ذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ في هَذا التَأْوِيلِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَلا تُفْتِنِّي" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، والأصْفَرُ هو الرُومُ بْنُ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَ أصْفَرَ اللَوْنِ فَيُقالُ لِلرُّومِ: بَنُو الأصْفَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وبَنُو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلُوكُ الرُو ∗∗∗ مِ لَمْ يَبْقَ مِنهم مَذْكُورُ وذَكَرَ النَقّاشُ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الأصْفَرَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ وقَعَ بِبِلادِ الرُومِ، فَتَزَوَّجَ وأنْسَلَ بَناتٍ لَهُنَّ جَمالٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ أيْ في الَّذِي أظْهَرُوا الفِرارَ مِنهُ بِما تَبَيَّنَ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِفاقِهِمْ، وصَحَّ عِنْدَكم مِن كُفْرِهِمْ، وفَسَدَ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم.

و ﴿ سَقَطُوا ﴾ عِبارَةٌ مُنْبِئَةٌ عن تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ، ومِنهُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ وهَذا تَوَعُّدٌ شَدِيدٌ لَهُمْ، أيْ: هي مَآلُهم ومَصِيرُهم كَيْفَما تَقَلَّبُوا في الدُنْيا فَإلَيْها يُرْجَعُونَ، فَهي مُحِيطَةٌ بِهَذا الوَجْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ تَعالى عن مُعْتَقَدِهِمْ وما هم عَلَيْهِ، والحَسَنَةُ هُنا بِحَسَبِ الغَزْوَةِ هي الغَنِيمَةُ والظَفَرُ، والمُصِيبَةُ الهَزْمُ والخَيْبَةُ، واللَفْظُ عامٌّ -بَعْدَ ذَلِكَ- في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ حَزَمْنا نَحْنُ في تَخَلُّفِنا ونَظَرْنا لِأنْفُسِنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا ﴾ الآيَةُ.

أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَرُدَّ عَلى المُنافِقِينَ ويُفْسِدَ عَلَيْهِمْ فَرَحَهم بِأنْ يُعَلِمَهم أنَّ الشَيْءَ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ مُصِيبَةٌ لَيْسَ كَما اعْتَقَدُوهُ، بَلِ الجَمِيعُ مِمّا قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ظَفَرًا وسُرُورًا في الدُنْيا وإمّا أنْ يَكُونَ ذُخْرًا لِلْآخِرَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قُلْ هَلْ يُصِيبُنا" ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، وعِنْدَ ابْنِ جِنِّيٍّ: وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأعْيَنُ قاضِي الرَيِّ: "قُلْ لَنْ يُصَيِّبَنا" بِشَدِّ الياءِ الثانِيَةِ وكَسْرِها، كَذا ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وشَرَحَ ذَلِكَ، وهو وهْمٌ، واللهُ أعْلَمُ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ عَمْرُو بْنُ شَفِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِيَ الرَيِّ يَقْرَأُ: "قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا" النُونُ مُشَدَّدَةٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ النُونَ لا تَدْخُلُ مَعَ "لَنْ" ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَجازَتْ لِأنَّها مَعَ "هَلْ"، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ كَتَبَ اللهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ما قَضى وقَدَّرَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ما كَتَبَ اللهُ لَنا في قُرْآنِنا عَلَيْنا مِن أنّا إمّا أنْ نَظْفَرَ بِعَدُوِّنا وإمّا أنْ نُسْتَشْهَدَ، فَنَدْخُلَ الجَنَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الِاحْتِمالُ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، وقَدْ ذَكَرَهُما الزَجّاجُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ مَعْناهُ: مَعَ سَعْيِهِمْ وجَدِّهِمْ إذْ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، وهو الصَحِيحُ، والَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ  مُدَّةَ عُمْرِهِ، ومِنهُ مُظاهَرَتُهُ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وتَخَبَّطَ الناسُ في مَعْنى التَوَكُّلِ في الرِزْقِ، فالأظْهَرُ والأصَحُّ أنَّ الرَجُلَ الَّذِي يُمْكِنُهُ التَحَرُّفُ الحَلالُ المَحْضُ الَّذِي لا تَدْخُلُهُ كَراهِيَةٌ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَمْتَثِلَ مِنهُ ما يَصُونُهُ ويَحْمِلُهُ مِثْلَ الِاحْتِطابِ ونَحْوِهِ، وقَدْ قَرَنَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الرِزْقَ بِالتَسَبُّبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا  ﴾ .

ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في الطَيْرِ: « "تَغْدُو خِماصًا»..." الحَدِيثُ.

ومِنهُ قَوْلُهُ  : « "قَيَّدْها وتَوَكَّلْ"»، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ الرَجُلَ القَوِيَّ الجَلْدَ إذا بَلَغَ مِنَ التَوَكُّلِ إلى أنْ يَدْخُلَ غارًا أو بَيْتًا يَجْهَلُ أمْرَهُ فِيهِ، ويَبْقى في ذِكْرِ اللهِ مُتَوَكِّلًا يَقُولُ: إنْ كانَ بَقِيَ لِي رِزْقٌ فَسَيَأْتِي اللهُ بِهِ، وإنْ كانَ رِزْقِي قَدْ تَمَّ مُتُّ إنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ بالِغٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ في الحَرَمِ رَجُلٌ مُلازِمٌ يُخْرَجُ مِن جَيْبِهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ بِطاقَةً يَنْظُرُ فِيها ثُمَّ يَصْرِفُها ويَبْقى عَلى حالِهِ حَتّى ماتَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَقَرَأتُ البِطاقَةَ فَإذا فِيها مَكْتُوبٌ ﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الطَرِيقَةُ لا يَراها جُلُّ أهْلِ العِلْمِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَسْعى الرَجُلُ لِقَدَرِ القُوتِ سَعْيًا جَمِيلًا لا يُواقِعُ فِيهِ شُبْهَةً، فَإنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وخَرَجَ إلى حَدِّ الِاضْطِرارِ، فَحِينَئِذٍ إنْ تَسامَحَ في السُؤالِ وأكَلَ المَيْتَةَ وما أمْكَنَهُ مِن ذَلِكَ فَهو لَهُ مُباحٌ، وإنْ صَبَرَ وتَحْتَسِبُ نَفْسَهُ كانَ في أعْلى رُتْبَةٍ عِنْدَ قَوْمٍ، ومِنَ الناسِ مَن يَرى أنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ إبْقاءَ رَمَقَهُ.

وأمّا مِن يَخْتارُ الإلْقاءَ بِاليَدِ -والسَعْيُ مُمْكِنٌ- فَما كانَ هَذا قَطُّ مَن خُلُقِ الرَسُولِ  ولا الصَحابَةِ ولا العُلَماءِ، واللهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، ومِن حُجَجِ مَن يَقُولُ بِالتَوَكُّلِ حَدِيثُ النَبِيِّ  في قَوْلِهِ: « "يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَبْعُونَ ألْفًا مِن أُمَّتِي بِلا حِسابٍ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ ولا يَكْتَوُونَ ولا يَتَطَبَّبُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"»، وفي هَذا الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  دَعا لِعُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّهُ عَرَفَ مِنهُ أنَّهُ لِذَلِكَ، وقالَ لِلْآخَرِ: «سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ»، وبَرَدَتِ الدَعْوَةُ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مُنافِقًا، وقِيلَ: بَلْ عَرَفَ مِنهُ أنَّهُ لا يَصْحُّ لِهَذِهِ الدَرَجَةِ مِنَ التَوَكُّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

نزلت في بعض المنافقين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلّف عن تبوك ولم يُبدوا عذراً يمنعهم من الغزو، ولكنّهم صرّحوا بأنّ الخروج إلى الغزو يفتنهم لمحبّة أموالهم وأهليهم، ففضح الله أمرهم بأنّهم منافقون: لأن ضمير الجمع المجرور عائد إلى ﴿ الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 45]، وقيل: قال جماعة منهم: ائذن لنا لأنّا قاعدون أذنت لنا أم لم تأذَنْ فأذَنْ لنا لئلا نقع في المعصية.

وهذا من أكبر الوقاحة لأنّ الإذن في هذه الحالة كَلا إذننٍ، ولعلّهم قالوا ذلك لعلمهم برفق النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنّ الجِدّ بن قيس قال: يا رسول الله لقد علم الناس أنّي مُسْتَهْتَر بالنساء فإنّي إذا رأيت نساء بني الأصفر افتتنت بهنّ فأذَنْ لي في التخلّف ولا تفتنّي وأنا أعينك بمالي، فأذن لهم.

ولعلّ كلَّ ذلك كان.

والإتيان بأداة الاستفتاح في جملة ﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ للتنبيه على ما بعدها من عجيب حالهم إذ عاملهم الله بنقيض مقصودهم فهم احترزوا عن فتنة فوقعوا في الفتنة.

فالتعريف في الفتنة ليس تعريف العهد إذ لا معهود هنا، ولكنّه تعريف الجنس المؤذن بكمال المعرّف في جنسه، أي في الفتنة العظيمة سقطوا، فأيُّ وجه فرض في المراد من الفتنة حين قال قائلهم ﴿ ولا تفتنى ﴾ كان ما وقَع فيه أشدَّ ممّا تفصَّى منه، فإن أراد فتنة الدين فهو واقع في أعظم الفتنة بالشرك والنفاق، وإن أراد فتنة سوء السمعة بالتخلّف فقد وقع في أعظم بافتضاح أمر نفاقهم، وإنْ أراد فتنة النكد بفراق الأهل والمال فقد وقع في أعظم نكد بكونه ملعوناً مبغوضاً للناس.

وتقدّم بيان ﴿ الفتنة ﴾ قريباً.

والسقوط مستعمل مجازاً في الكَون فجأة على وجه الاستعارة: شُبّه ذلك الكون بالسقوط في عدم التهيّؤ له وفي المفاجأة باعتبار أنّهم حصلوا في الفتنة في حال أمنهم من الوقوع فيها، فهم كالساقط في هُوّة على حيننِ ظَنّ أنّه ماش في طريق سهل ومن كلام العرب «على الخبير سقطتَ».

وتقديم المجرور على عامله، للاهتمام به لأنّه المقصود من الجملة.

وهذه الجملة تسير مَسرى المثَل.

وجملة ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ معترضة والواو اعتراضية، أي وقعوا في الفتنة المفضية إلى الكفر.

والكفر يستحقّ جهنّم.

وإحاطة جهنّم مراد منها عدم إفلاتهم منها، فالإحاطة كناية عن عدم الإفلات.

والمراد بالكافرين: جميع الكافرين فيشمل المتحدّث عنهم لثبوت كفرهم بقوله: ﴿ إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 45].

ووجه العدول عن الإتيان بضميرهم إلى الإتيان بالاسم الظاهر في قوله: ﴿ لمحيطة بالكافرين ﴾ إثبات إحاطة جهنّم بهم بطريق شبيه بالاستدلال، لأنّ شمول الاسم الكلي لبعض جزئياته أشهر أنواع الاستدلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ﴾ يَعْنِي في التَّأخُّرِ عَنِ الجِهادِ.

﴿ وَلا تَفْتِنِّي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تُكْسِبْنِي الإثْمَ بِالعِصْيانِ في المُخالَفَةِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ.

والثّانِي: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في الجِدِّ بْنِ قَيْسٍ قالَ: ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي بِبَناتِ بَنِي الأصْفَرِ فَإنِّي مُشْتَهِرٌ بِالنِّساءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.

﴿ ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: في عَذابِ جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ والثّانِي: في مِحْنَةِ النِّفاقِ وفِتْنَةِ الشِّقاقِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس: «ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟

فقال: إني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن فائذن لي ولا تفتني، فأنزل الله: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لجد بن قيس: يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟

قال جد: أتأذن لي يا رسول الله؟

فإني رجل أحب النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن افتتن.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنه: قد أذنت لك.

فأنزل الله: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي...

﴾ الآية» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اغزوا تغنموا بنات بني الأصفر.

فقال ناس من المنافقين: إنه ليفتنكم بالنساء.

فأنزل الله: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ قال: نزلت في الجد بن قيس، قال: يا محمد ائذن لي ولا تفتني بنساء بني الأصفر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر نساء الروم.

فقالوا: ائذن لنا ولا تفتنا بالنساء» .

وأخرج ابن اسحق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل من طريقه عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما كان يخرج في وجه من مغازيه إلا أظهر أنه يريد غيره، غير أنه في غزوة تبوك قال: «أيها الناس إني أريد الروم فاعلمهم، وذلك في زمان البأس وشدة من الحر وجدب البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جهازه إذ قال للجد بن قيس: يا جد هل لك في بنات بني الأصفر؟

قال: يا رسول الله لقد علم قومي أنه ليس أحد أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتنني فَأْذن لي يا رسول الله.

فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت.

فأنزل الله: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ﴾ يقول: ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ يقول: من ورائه.

وقال رجل من المنافقين ﴿ لا تنفروا في الحر ﴾ فأنزل الله: ﴿ قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ﴾ [ التوبة: 81] قال: ثم إن رسول الله جدَّ في سفره وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان رضي عنه في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها وحمل على مائتي بعير» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة وموسى بن عقبة قالا «ثم إن رسول الله تجهز غازياً يريد الشام فأذن في الناس بالخروج وأمرهم به، وكان ذلك في حر شديد ليالي الخريف والناس في نخيلهم خارفون، فأبطأ عنه ناس كثير وقالوا: الروم لا طاقة بهم.

فخرج أهل الحسب وتخلف المنافقون، وحدثوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجع إليهم أبداً، فاعتلوا وثبطوا من أطاعهم وتخلف عنه رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر، منهم السقيم والمعسر، وجاء ستة نفر كلهم معسر يستحملونه لا يحبون التخلف عنه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد ما أحملكم عليه.

فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون، منهم من بني سلمة، عمر بن غنمة، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني حارث علية بن زيد ومن بني عمرو بن عوف بن سالم بن عمير، وهرم بن عبدالله، وهم يدعون بني البكاء، وعبدالله بن عمر، ورجل من بني مزينة، فهؤلاء الذين بكوا واطلع الله عز وجل أنهم يحبون الجهاد، وأنه الجد من أنفسهم، فعذرهم في القرآن فقال: ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ﴾ [ التوبة: 91] الآية والآيتين بعدها.

وأتاه الجد بن قيس السلمي وهو في المسجد معه نفر فقال: يا رسول الله ائذن لي في القعود فإني ذو ضيعة وعلة فيها عذر لي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجهز فإنك موسر لعلك ان تحقب بعض بنات بني الأصفر.

فقال: يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني.

فنزلت ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ وخمس آيات معها يتبع بعضها بعضاً، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، كان فيمن تخلف عنه غنمة بن وديعة من بني عمرو بن عوف، فقيل: ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مسلم؟

فقال: الخوض واللعب.

فأنزل الله عز وجل فيه وفيمن تخلف من المنافقين ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ [ التوبة: 65] ثلاث آيات متتابعات» .

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو تبوك قال «نغزو الروم إن شاء الله ونصيب بنات بني الأصفر- كان يذكر من حسنهن ليرغب المسلمون في الجهاد- فقام رجل من المنافقين فقال: يا رسول الله قد علمت حبي للنساء فائذن لي ولا تخرجني، فنزلت الآية» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تفتني ﴾ قال: لا تخرجني ﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ يعني في الحرج.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تفتني ﴾ قال: لا تؤثمني ﴿ ألا في الفتنة ﴾ قال: ألا في الإِثم سقطوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: نزلت في جد بن قيس (١)  - لما أرادوا غزو تبوك: "هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر -[يعني: الروم] (٢) (٣)  - حرض المؤمنين على غزاة بني الأصفر، وقال: "إن الله تعالى أمرني أن أغزوهم"، وقال (٤) (٥) (٦) ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ﴾ (٧) قال ابن عباس: يريد جد بن قيس، ﴿ ائْذَنْ لِي ﴾ في التخلف، ﴿ وَلَا تَفْتِنِّي ﴾ ، قال: يريد لصباحة وجوههم، وعذوبة أفواههم (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ وَلَا تَفْتِنِّي ﴾ لا تهلكني في ضيعتي ومالي بالخروج معك (١٧) ﴿ وَلَا تَفْتِنِّي ﴾ أي: إن لم تأذن لي افتتنت وعصيت (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ ، قال ابن كيسان: يريد أن اعتلالهم بالباطل هو الفتنة لأنها الشرك والكفر (٢٣) (٢٤)  -، والرغبة بنفسه عنه أعظم (٢٥)  - (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ سَقَطُوا ﴾ لأنه أراد جدًّا وأصحابه من المنافقين المتخلفين.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ يقول (٢٩) (٣٠) (١) هو: جد بن قيس بن صخر بن خنساء أحد بني جشم بن الخزرج ثم من بني سلمة، كان سيد بني سلمة، وروى الطبراني وابن منده بسند قوي -كما يقول الحافظ ابن حجر- أنه ممن شهد بيعة العقبة، وذكر عنه عدة روايات تصمه بالنفاق، لكن أسانيدها لا تخلو من ضعف، وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ﴾ قال: هم نفر ممن تخلف عن غزوة تبوك منهم أبو لبابة ومنهم جد بن قيس ثم تيب عليهم، مات الجد في خلافة عثمان.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 2/ 286، و"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 228 (1110).

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٣) في (ج): (قال).

(٤) في (ج): زيادة لا معنى لها، ونصها: (إن الله تعالى).

(٥) في (ج): (أجسامًا).

(٦) ساقط من (ج).

(٧) رواه بنحوه الطبراني في "الكبير" (12654) 12/ 122 من طريق الضحاك عن ابن عباس، وإسناده ضعيف كما في "مجمع الزوائد" 7/ 106، ورواه مختصرًا ابن جرير من طريق حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس.

وفي سنده انقطاع بين ابن عباس وابن جريج، ورواه مختصرًا أيضًا الطبراني في "الكبير" رقم (11052) 11/ 63 دون ذكر الاسم، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 106 فيه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو ضعيف.

(٨) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 277 عن الكلبي.

(٩) في (م): (مشتهر)، ومعناهما متقارب، إذ الاستهتار، الولوع بالشيء والإفراط فيه انظر: "لسان العرب" (هتر) 5/ 249.

(١٠) رواه ابن جرير 10/ 148 وهو مرسل.

(١١) لم أجد من ذكره عن قتادة، لكن روى ابن جرير 10/ 148 عنه تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَفْتِنِّي ﴾ قال: ولا تؤثمني، ألا في الإثم سقطوا، ولم يذكر الجد، وقد روى عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/286 بسند صحيح ما يدل على أن قتادة يرى أن الجد بن قيس من المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، وقد تيب عليه، وليس من المنافقين.

(١٢) المذكور في "كتب التفسير" قول ابن جريج، عن ابن عباس، انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 148.

(١٣) "معاني القرآن" 1/ 440.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 451 ولم يسم المنافق الذي قال ذلك.

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(١٦) رواه البغوي 4/ 57 بنحوه، وفي تفسير البغوي إشكال علمي أفقده بعض قيمته العلمية، حيث أنه ذكر أسانيده في المقدمة فقط، فإذا كان المفسر كابن عباس مثلاً له عدة أسانيد بعضها صحيح، وبعضها ضعيف أو مكذوب، اختلطت الأقوال ببعضها، ولم يستطع الباحث الحكم على الأثر ما لم يرد في كتاب آخر الأسانيد مفصلة، ومثل البغوي أبو إسحاق الثعلبي.

(١٧) أشار إلى معناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 449.

(١٨) رواه ابن جرير 10/ 149.

(١٩) رواه أبو الشيخ مطولاً كما في "الدر المنثور" 3/ 445.

(٢٠) رواه ابن جرير 10/ 149، والثعلبي 6/ 113 أ.

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) يعني الفتنة بالنساء أو الفتنة بالتخلف وعصيان أمر رسول الله -  -.

(٢٣) ذكره في "الوسيط" 2/ 502.

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 452.

(٢٥) هذا اللفظ رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 148 عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وغيره، والنص في "سيرة ابن هشام"، أما ما روي عن قتادة في هذه الجملة فلفظه: "ألا في الإثم سقطوا".

انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 149.

(٢٦) انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 54، والثعلبي 6/ 13 أ، والبغوي 4/ 57.

(٢٧) في المصدر التالي: (التعلل)، وهو أصوب.

(٢٨) "البرهان في علوم القرآن" للحوفي 11/ 197.

(٢٩) من (م).

(٣٠) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 502.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك قال الجد بن قيس وكان من المنافقين: ائذن لي القعود ولا تفتني برؤية بني الأصفر فإني لا أصبر عن النساء ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ أي وقعوا في الفتنة التي فروا منها ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ الحسنة هنا النصر والغنيمة وشبه ذلك ﴿ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ أي قد حذرنا وتأهبنا من قبل ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا ﴾ أي ما قدر وقضى، وهذا رد على المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وكلمة الله ﴾ بالنصب: يعقوب.

الباقون: بالرفع.

الوقوف: ﴿ إلى الأرض ﴾ ط ﴿ من الآخرة ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ معنا ﴾ ج لعطف ﴿ أنزل ﴾ على ﴿ نصره ﴾ مع عوارض الظروف.

﴿ السفلى ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ وكلمة ﴾ بالنصب ﴿ العليا ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ الشقة ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ أنفسهم ﴾ ج لواو الابتداء والحال.

﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ عنك ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى.

﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ بالمتقين ﴾ ه ﴿ يتردّدون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ الفتنة ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا تفتني ﴾ ط ﴿ سقطوا ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم.

عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه  لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات.

روي أن رسول الله  ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة.

أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير.

وأصل ﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم كما قلنا في ﴿ فادّارأتم  ﴾ ومعناه تبأطاتم.

وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله ﴿ أخلد إلى الأرض  ﴾ أي مال إلى الدنيا وشهواتها.

وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها.

ومعنى الاستفهام في ﴿ مالكم ﴾ الإنكار.

وقرىء ﴿ أثاقلتم ﴾ على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله.

ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في ﴿ مالكم ﴾ من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل كقوله ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً.

﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ﴾ أي في جنبها وفي مقابلها.

﴿ إلا قليل ﴾ ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي.

والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿ إلا تنفروا ﴾ ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قيل: هو عذاب الدنيا.

عن استنفرهم رسول الله  فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر.

وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.

وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به.

وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين.

الثانية قوله ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع.

قيل: هم أهل اليمن.

عن أبي روق.

وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير.

وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة.

وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق.

الثالثة قوله ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء.

وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة.

وفي قوله ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان.

عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة  ﴾ والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله  فلم ينفروا فلا نسخ.

قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم.

وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله  ﴿ مالكم إذا قيل لكم ﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول.

ومن قال إن الضمير في قوله ﴿ لا يضروه ﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.

ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وهذا كالتفسير لما تقدم.

والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد.

وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك.

وقوله ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و ﴿ ثاني اثنين ﴾ نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما.

وقوله ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من إذ أخرجه و ﴿ إذ يقول ﴾ بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة.

واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله  فنزل ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ فأمره الله  أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار.

فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟

فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول  .

فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله  فقال  : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله  فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال  : ما ظنك باثنين الله ثالثهما!

وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله  : اللهم أعم أبصارهم.

فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه.

استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله  في الغار وفي العلم لقوله "ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر" .

وفي الدعوة إلى الله لأنه  عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول  في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله  ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله  في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر.

وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر.

وقوله ﴿ لا تحزن ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده.

ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله  ﴿ إذ يقول لصاحبه ﴾ أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  ﴾ وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن.

وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله  للكافر ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك  ﴾ وكما احتمل أن يقال إنه  استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه.

ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ.

سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي  على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس.

أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟!

والصحبة في قوله ﴿ قال له صاحبه ﴾ مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله ﴿ أكفرت ﴾ وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل.

واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما.

والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً.

وروي أن جبريل  أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله  وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد.

وكون حزنه معصية معارض بقوله  لموسى ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى  ﴾ وقول الملائكة لإبراهيم ﴿ لا تخف وبشروه  ﴾ ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي  على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً  ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ  ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو.

ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله ﴿ لا تحزن ﴾ ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن.

واعترض بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ عطف على ﴿ فأنزل ﴾ فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود.

وأجيب بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ معطوف على قوله ﴿ فقد نصره ﴾ والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي  أيضاً من حيث البشرية كقوله ﴿ وزلزلوا  ﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ﴿ فأنزل ﴾ معطوفاً على نصره.

والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله  ﴾ وقوله ﴿ وجعل ﴾ يعني يوم بدر وسائر الوقائع ﴿ كلمة الذين كفروا ﴾ وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام ﴿ السفلى وكلمة الله ﴾ وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله ﴿ هي العليا ﴾ وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم.

قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا.

ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟

قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب.

ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها.

قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله  : أعليّ أن أنفر؟

قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله ﴿ ليس على الأعمى حرج  ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك.

فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه.

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر.

فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات.

وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله  وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى  ﴾ الآية.

وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه  خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات.

فمن أمره الرسول  بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى.

ثم قال ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء.

﴿ ذلكم خير لكم ﴾ يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل.

وإنما قال ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق.

ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه.

والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده.

والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة.

وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿ لاتبعوك ﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.

ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً.

و ﴿ بالله ﴾ متعلق بـ ﴿ سيحلفون ﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿ لو استطعنا ﴾ وقوله ﴿ لخرجنا ﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً.

قيل: في الآية دلالة على أن قوله ﴿ انفروا ﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف.

قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله  ، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل.

وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟

قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى.

وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن.

وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه.

فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال.

ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال.

قال في الكشاف ﴿ يهلكون ﴾ بدل من ﴿ سيحلفون ﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿ خرجنا ﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة.

وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم.

حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية.

قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله  أعلم.

ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإن العفو يستدعي سابقة الذنب.

وبقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو.

قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى.

فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون.

والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى.

وقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي.

وبعد حصول العفو من الله  يستحيل أن يكون قوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.

قال كثير من العلماء:في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه  أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله  ﴾ ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله "ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور.

قال قتادة.

عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم  ﴾ .

قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم.

ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ﴾ أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي  في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك.

ألا ترى أن علي بن أبي طالب  لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" .

وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود.

وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم.

ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال ﴿ إنما يستأذنك ﴾ الآية.

وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله  ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين.

ومعنى قوله ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين.

وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد.

وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.

قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً.

ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف.

قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة.

﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي انطلاقهم ﴿ فثبطهم ﴾ والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به.

ومعنى الاستدراك أن قوله ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله  صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ.

ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك.

وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح.

ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟

والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم.

ومما يوهم أنه  أذن لهم في الخروج قوله  في هذه السورة ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿ سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم  ﴾ إلى قوله ﴿ قل لن تتبعونا  ﴾ وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول  إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم.

قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه  موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة.

قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء.

وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل.

ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟

وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً.

أما قوله ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿ اقعدوا مع القاعدين ﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم.

ومعنى قوله ﴿ مع القاعدين ﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت.

﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال المفسرون: لما خرج رسول الله  ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله  تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف.

والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً.

وقال سلمان إلا مكراً.

وقال الضحاك: إلا غدراً.

وقيل: إلا خبثاً.

وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم.

قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر.

وفيه دليل على أنه  لا يريد إلا الخير والصلاح.

ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول.

واعلم أنه  عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ﴿ ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ الثاني: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ﴾ قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أو لأذبحنه  ﴾ في النمل ﴿ لأتوها  ﴾ في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن.

وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو.

وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم.

وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.

ومنه ما روي أن النبي  أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع.

قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد.

وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي.

ومعنى ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم.

والخلل الفرجة فيما بين الشيئين.

و ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم.

قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي.

ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون.

فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض.

وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم.

وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة.

واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟

وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.

ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك.

قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي  .

وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي  مع أصحابه.

ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد.

ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد ﴿ حتى جاء الحق ﴾ الذي هو القرآن ﴿ وظهر أمر الله ﴾ غلب دينه وشرعه ﴿ وهم كارهون ﴾ رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم.

ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره  ﴾ ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود ﴿ ولا تفتني ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.

احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد.

وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.

وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي  وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية.

فقال رسول الله  لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان.

فقال النبي  : وأي داء أدوى من البخل؟

بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار.

التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها.

﴿ إلا تنفروا ﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿ إلا تنصروه ﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول.

﴿ ثاني اثنين ﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿ إذ هما في ﴾ غار العدم.

﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه ﴿ انفروا ﴾ أيها الطلاب ﴿ خفافاً ﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿ وثقالاً ﴾ متلبسين بها، أو ﴿ خفافاً ﴾ مجذوبين بالعناية ﴿ وثقالاً ﴾ سالكين بالهداية ﴿ وجاهدوا ﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس.

وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال.

والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿ لو كان ﴾ مطلوبك يا محمد ﴿ عرضاً قريباً ﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى.

﴿ وسيحلفون ﴾ يعني أرباب النفوس ﴿ لخرجنا معكم ﴾ يا أهل القلوب.

﴿ عفا الله عنك ﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ {الفتح: 2] ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿ لأعدوا له عدة ﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿ فثبطهم ﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿ حتى جاء الحق ﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وهو التكليف ﴿ ومنهم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ من يقول ﴾ وهو الهوى ﴿ ائذن لي ﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ ولا تفتني ﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني.

وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿ وإن جهنم ﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ : أي: غنيمة قريبة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ : في غزاتك: ﴿ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ﴾ يعني: المسير.

وقيل: العرض: الدنيا، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ : ليس فيه مشقة.

وأصل قوله: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ أي: منافع حاضرة، ﴿ وَسَفَراً قَاصِداً ﴾ أي: منافع غائبة، والعرض: هو المنافع؛ يقول: لو كانت لهم منافع حاضرة أو منافع غير حاضرة، لاتبعوك فيما استتبعتهم؛ لأن عادتهم اتباع المنافع، يعني: المنافقين؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ أخبر أنهم يعبدون الله على حرف، وهو ما ذكر: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ  ﴾ فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع، وإليها يميلون، وأما المؤمنون [فإنهم] يعبدون الله في كل حال: في حال السعة، وفي حال الضيق، ويتبعون رسول الله، ولا يفارقونه، كانت لهم منافع أو لم تكن، أصابتهم مشقة أولا، هم لا يفارقون رسول الله  على كل حال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: لو كان لنا ظهر وسلاح لخرجنا معكم، ولو كان [لنا] زاد وما نشتري ما نحارب به لخرجنا معكم.

ثم أخبر أن لهم استطاعة على ذلك، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

وقالت المعتزلة: دل قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أن الاستطاعة تتقدم الفعل؛ لأنه أخبر أنهم كاذبون فيما يقولون: إنه ليس معنا ما ننفق وما نشتري به السلاح.

لكنا نقول: إن الاستطاعة على وجهين: استطاعة الأسباب، والأحوال.

واستطاعة الأفعال، واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم، وهذه الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

ومن قولهم أيضاً: إن استطاعة الأفعال لا تبقي أوقاتاً، ثم إن هذه أخبر أنها كانت باقية أوقاتاً؛ دل أنها هي استطاعة الأسباب والأحوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .

قيل: يهلكون أنفسهم بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون.

وقيل: يهلكون أنفسهم بتركهم الخروج؛ لأنهم يقتلون إذا تركوا الخروج؛ كقوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ...

﴾ الآية [الأحزاب: 61].

ويحتمل: يهلكون أنفسهم في الآخرة بنفاقهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ بالتخلف.

﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ ، أي: يطلعك الله على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلف.

إو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك؛ وإن لم تأذن لهم، والذين صدقوا لا يفارقونك، فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء [المؤمنين].

وفي قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ﴾ دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر.

وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر، لم يكن ليعاتبه على الإذن، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم إنما يستأذنونه بالقعود للعذر.

فإن قيل: كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ  ﴾ .

قيل: يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن؛ إذ به يتبين [له] الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات الرسالة، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ تعليم من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضاً، ليس على العتاب.

ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - بهذه الآية؛ لأنه بدأ بذكر العفو، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب، لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية.

أي: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر، إنما يستأذنونك لعذر ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ بالقعود لغير عذر.

﴿ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

أي: عن شكهم يترددون.

وعن الحسن قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

نسختها الآية التي في سورة النور: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ .

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه ذكر أن سورة التوبة من آخر ما نزل.

أو أنهم إذا كانوا في أمر جامع لم يذهبوا إلا بعد الاستئذان؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين في الأمور الجامعة، وأما في الخلوات فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا في غزوة تبوك؛ على ما قاله أهل التأويل، أمروا بالخروج والتأهب للغزو فعزموا ألا يخرجوا، فعوتبوا على ذلك.

ويحتمل أن يكون في جميع الغزاة عزموا واعتقدوا ألا يخرجوا، ولا يتأهبوا له قط، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، فأكذبهم الله -  - أنهم كذبة، وأنهم أغنياء، لكنهم عزموا ألا يخرجوا، ولا يعدوا له عدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ أي: لم يرض الله بخروجهم وانبعاثهم.

ثم بين الوجه الذي لم يرض ما ذكر في قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فساداً، لم يرد الله خروجهم لما علم منهم [أن خروجهم وانبعاثهم لا يزيد] في الجهاد إلا ما ذكر من الخبال والفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ .

قيل: حبسهم، أي: إذا علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم لم يزدهم إلا فساداً، حبسهم.

ويحتمل: أن خلق منهم الفعل الذي كان منهم من الكسل والتثاقل.

وفيه دلالة خلق الله فعل الشرّ، ويكون في ذلك خير لغيره، وإن كان شرّاً لهم، فعلى ذلك خلق فعل المعصية من المعاصي، وهو شرّ له، ويكون ذلك خيراً لغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ ﴾ : لما استأذنوا رسول الله بالقعود، أذن لهم في ذلك؛ على ما وقع عنده أن لهم عذراً في ذلك.

وإن كان من الله - عز وجل - فهو على التهديد والوعيد.

ويحتمل أن يكون من الشيطان، وسوس إليهم أن اقعدوا؛ ترغيباً منه إياهم بالقعود والتخلف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ .

قوله: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم ﴾ ، أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ ؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا.

والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ ﴾ .

والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل.

وقال أبو عوسجة: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر.

وقيل: الغي، وهو واحد.

وقوله: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، يحتمل زيادة الخبال وجوهاً: يحتمل: أن يكونوا عيوناً للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ قيل: هو من إيضاع الإبل ﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ يتخلل فيما بينكم.

وقيل: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ .

أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم [شيء] من البلاء والشدة.

وقال القتبي: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ ﴾ : من الوضع، وهو سرعة السير.

وقال أبو عوسجة: هو من الإيضاع يكون على الإبل.

وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار.

﴿ خِلاَلَكُمْ ﴾ : بينكم.

وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال والفشل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ .

قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه.

ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين أيضاً: يحتمل: أن هؤلاء المنافقين يكونون سماعاً لهم وخبراً وعيوناً، يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ ﴾ : من المؤمنين.

﴿ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ لشرفهم فيهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ : كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: أبلغكم ما بلغني؟

إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا - أيضاً - ما يكرهونه يقولون: الدبرة على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...

﴾ الآية [إبراهيم: 42].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ ﴾ تحتمل الفتنة الوجهين اللذين ذكرتهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ .

أي: تكلفوا واجتهدوا ليطفئوا هذا النور، ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ قيل: دين الله الإسلام.

ويحتمل: حجج الله وأدلته، وهو ما ذكر: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ ﴾ : ظهراً لبطن؛ ليمكروا برسول الله، ويقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، [وقوله]: ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ما ذكرنا من دين الله وحججه، ﴿ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ لذلك؛ كقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ ، فظهر دين الإسلام وهم كارهون [له].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي ﴾ .

فيه دلالة أنه لا كل المنافقين قالوا، إنما قال ذلك بعضهم، وبعضهم قالوا غير هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ .

قيل: لا تؤثمني.

وقيل: ولا تخرجني.

وقيل: ولا تكفرني، والكل واحد، يقول: ومنهم من قال: ولا تفتني، أي: لا تكن سبب فتنتي ومعصيتي، أي: لا تأمرني بالخروج، ولكن ائذن لي بالقعود؛ لأنك إن أمرتني بالخروج ولم تأذن بالقعود والتخلف فقعدت وتخلفت، كنت عاصياً، تاركاً لأمرك، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي.

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: لا تأمرني المشقة والشدة، ولكن الدعة والسعة والرخاء حيث كانوا مالوا إليهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11]، يقول: لا تكن سبب إثمي وانقلابي.

ومنهم من قال: إن رجلاً منهم يقال له: الجدّ بن قيس قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمال، ففيه نزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ  ﴾ ، وهو قول ابن عباس؛ يقول: لا تأمرني بالخروج؛ فإني مولع بالنساء، لا أصبر إذا رأيتهن.

ولا ندري كيف كانت القصة، لكن الوجوه فيه ما ذكرنا آنفاً.

وقوله : ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ ، أي: ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة، فقال: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في [المشقة والفتنة والبلاء والهلاك سقطوا؛ وهذا يدل أن أهل النفاق هم كفرة.

وقوله: ﴿ أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ أي: ألا في] الشر والإثم سقطوا؛ على تأويل من تأول قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تؤثمني، ولا تخرجني.

وعلى تأويل من قال: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ : لا تشق علي، ولا تأمرني بالمشقة والشدة والضيق، يقول: ألا في الشدة والضيق يسقطون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: تحيط بهم حتى لا يجدوا منقذاً ولا مخلصاً.

أو تحيط بهم من تحت ومن فوق، وأمام وخلف، ويمين وشمال، تحيط بهم حتى تصيب كل جارجة منهم؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، أخبر أنها تحيط بهم.

وفيه دلالة: أن المنافقين هم كفار؛ لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين، ثم أخبر أن جهنم تحيط بالكافرين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن المنافقين من يعتذر بالأعذار المُخْتلَقَة فيقول: يا رسول الله، ائذن لي في التخلف عن الجهاد، ولا تحملني على الخروج معك حتَّى لا أصيب ذنبًا بسبب فتنة نساء العدو -الروم- إذا شاهدتهن.

ألا قد وقعوا في فتنة أعظم مما زعموا، وهي فتنة النفاق، وفتنة التخلف، إن جهنم يوم القيامة لمحيطة بالكافرين، لا يفوتها منهم أحد، ولا يجدون عنها مهربًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.6JmpO"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله