الآية ٥٥ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٥٥ من سورة التوبة

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) كما قال تعالى : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) [ طه : 131 ] وقال : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ المؤمنون : 55 ، 56 ] .

وقوله : ( إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ) قال الحسن البصري : بزكاتها والنفقة منها في سبيل الله .

وقال قتادة : هذا من المقدم والمؤخر ، تقديره : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ، [ في الحياة الدنيا ] إنما يريد الله ليعذبهم بها [ في الآخرة ] .

واختار ابن جرير قول الحسن ، وهو القول القوي الحسن .

وقوله : ( وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) أي : ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر ، ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم ، عياذا بالله من ذلك ، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: فلا تعجبك، يا محمد، أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا, إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.

وقال: معنى ذلك التقديمُ، وهو مؤخر.

* ذكر من قال ذلك: 16804- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم)، قال: هذه من تقاديم الكلام, (1) يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا, إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.

16805- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا, بما ألزمهم فيها من فرائضه.

* ذكر من قال ذلك: 16806- حدثت عن المسيّب بن شريك, عن سلمان الأنصري, عن الحسن: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)، قال: بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله.

(2) 16807- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)، بالمصائب فيها, هي لهم عذابٌ، وهي للمؤمنين أجرٌ.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا, التأويلُ الذي ذكرنا عن الحسن.

لأن ذلك هو الظاهر من التنـزيل, فصرْفُ تأويله إلى ما دلَّ عليه ظاهره، أولى من صرفه إلى باطنٍ لا دلالةَ على صحته.

وإنما وجَّه من وجَّه ذلك إلى التقديم وهو مؤخر, لأنه لم يعرف لتعذيب الله المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا، وجهًا يوجِّهه إليه, وقال: كيف يعذِّبهم بذلك في الدنيا, وهي لهم فيها سرور؟

وذهبَ عنه توجيهه إلى أنه من عظيم العذاب عليه إلزامُه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفرائضه, إذ كان يلزمه ويؤخذ منه وهو غير طيِّب النفس، ولا راجٍ من الله جزاءً، ولا من الآخذ منه حمدًا ولا شكرًا، على ضجرٍ منه وكُرْهٍ.

* * * وأما قوله: (وتزهق أنفسهم وهم كافرون)، فإنه يعني وتخرج أنفسهم, فيموتوا على كفرهم بالله، وجحودهم نبوّةَ نبيّ الله محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * يقال منه: " زَهَقَت نفس فلان, وزَهِقَت ", فمن قال: " زَهَقت " قال: " تَزْهَق ", ومن قال: " زَهِقت ", قال: " تزهق "، " زهوقًا "، ومنه قيل: " زَهَق فلان بين أيدي القوم يَزْهَق زُهُوقا " إذا سبقهم فتقدمهم.

ويقال: " زهق الباطل "، إذا ذهب ودرس.

(3) --------------------- الهوامش : (1) هذه أول مرّة أجد استعمال "تقاديم" جمعًا في هذا التفسير.

وهي جمع "تقديم" كأمثاله من قولهم "التكاذيب"، "والتكاليف"، و "التحاسين"، و "التقاصيب" ، وما أشبهها .

وكان في المخطوطة: "هذه من تقاديم الله، ليعذبهم بها في الآخرة" ، ولكن ناشر المطبوعة نقل هذا النص الثابت في المطبوعة ، من الدر المنثور 3 : 249 ، وكأنه الصواب ، إن شاء الله ، ولذلك تركته على حاله .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 442 .

(2) الأثر : 16806 - " المسيب بن شريك التميمي ، أبو سعيد " ، ترك الناس حديثه ، وقال البخاري : " سكتوا عنه " .

مترجم في الكبير 4 1 408 ، وإن أبي حاتم 4 1 294 ، وميزان الاعتدال 3 : 171 ، ولسان الميزان 6 : 38 .

و "سلمان الأنصري" ، هكذا في المخطوطة ، وفي المطبوعة " الأقصري " ، ولم أستطع أن أعرف شيئًا عن هذا الاسم.

(3) لا أدري ما هذا ، فإن أصحاب اللغة لم يذكروا في مضارع اللغتين إلا "تزهق" بفتح الهاء، أما الأخرى فلا أدري ما تكون، ولا أجد لها عندي وجهًا، فتركتها على حالها لم أضبطها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرونأي لا تستحسن ما أعطيناهم ولا تمل إليه فإنه استدراج إنما يريد الله ليعذبهم بها قال الحسن : المعنى بإخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله .

وهذا اختيار الطبري .

وقال ابن عباس وقتادة : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة .

وهذا قول أكثر أهل العربية ، ذكره النحاس .

وقيل : يعذبهم بالتعب في الجمع .

وعلى هذا التأويل وقول الحسن لا تقديم فيه ولا تأخير ، وهو حسن .

وقيل : المعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا لأنهم منافقون ، فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون .وتزهق أنفسهم وهم كافرون نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين ، سبق بذلك القضاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ فلا تعجبك أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم، فإنه لا غبطة فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدموها على مراضى ربهم، وعصوا اللّه لأجلها ‏{‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ والمراد بالعذاب هنا، ما ينالهم من المشقة في تحصيلها، والسعي الشديد في ذلك، وهم القلب فيها، وتعب البدن‏.‏ فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم، لم يكن لها نسبة إليها، فهي ـ لما ألهتهم عن اللّه وذكره ـ صارت وبالا عليهم حتى في الدنيا‏.‏ ومن وبالها العظيم الخطر، أن قلوبهم تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم وغاية مرغوبهم ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا ‏{‏وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ‏}‏ فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشقاء الدائم والحسرة الملازمة‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) والإعجاب هو السرور بما يتعجب منه ، يقول : لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد لأن العبد إذا كان من الله في استدراج كثر الله ماله وولده ، ( إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ) فإن قيل : أي تعذيب في المال والولد وهم يتنعمون بها في الحياة الدنيا؟

قيل : قال مجاهد وقتادة : في الآية تقديم وتأخير ، تقديره : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة .

وقيل : التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد .

وقال الحسن : يعذبهم بها في الدنيا بأخذ الزكاة منها والنفقة في سبيل الله .

وقيل : يعذبهم بالتعب في جمعه ، والوجل في حفظه ، والكره في إنفاقه ، والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده ، ثم يقدم على ملك لا يعذره .

( وتزهق أنفسهم ) أي : تخرج ، ( وهم كافرون ) أي : يموتون على الكفر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلا تعجبْك أموالهم ولا أولادهم» أي لا تستحسن نعمنا عليهم فهي استدراج «إنَّمَا يريد الله ليعذبهم» أي أن يعذبهم «بها في الحياة الدنيا» بما يلقون في جمعها من المشقة وفيها من المصائب «وتزهَق» تخرج «أنفسهم وهم كافرون» فيعذبهم في الآخرة أشد العذاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلا تعجبك -أيها النبي- أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم، إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا بالتعب في تحصيلها وبالمصائب التي تقع فيها، حيث لا يحتسبون ذلك عند الله، وتخرج أنفسهم، فيموتوا على كفرهم بالله ورسوله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نهى الله - تعالى - المؤمنين فى شخص نبيهم - صلى الله عليه وسلم - عن التطلع إلى ما فى أيدى هؤلاء المنافقين فقال .

( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ .

.

) .والإِعجاب بالشئ معناه : أن تسر به سروراً يجعلك راضياً به ومتمنياً له ، والفاء فى قوله : ( فَلاَ تُعْجِبْكَ ) للإِفصاح .أى إذا كان هذا هو شأن المنافقين ، فلا تستحسن .

أيها العاقل .

ما أعطيناهم إياه من أموال وأولاد ، فإنه نوع من الاستدراج .وقوله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا ) تعليل للنهى عن الإِعجاب بما أعطاهم الله من أموال وأولاد .أى : إنما يريد الله بعطائهم تلك الأمول والأولاد أن يعذبهم بها فى الحياة الدنيا ، وقد بسط الإِمام الرازى مظاهر تعذيب المنافقين فى الدنيا بالأموال والأولاد فقال ما ملخصه :المنافقون يعذبهم الله بأموالهم وأولادهم فى الحياة الدنيا من وجوه :أحدها : أن الرجل إذا آمن بالله واليوم الآخر ، علم أنه خلق للآخرة لا للدنيا ، وبهذا العلم يفتر حبه للدنيا ، وأما المنافق فإنه لما اعتقد أنه لا سعادة له إلا فى هذه الخيرات العجلة ، عظمت رغبته فيها ، واشتد حبه لها ، وكانت الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر فى حقه .

.

فهذا النوع من العذاب حاصل هم فى الدنيا بسبب الأموال والأولاد .وثانياً : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال فى وجوه الخيرات ، ويكلفهم إرسال أولادهم إلى الجهاد والغزو ، وذلك يوجب تعريض أولادهم للقتل ، وهم كانوا يعتقدون أن محمداً ليس صادقا فى كونه رسول ، وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من غير فائدة وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذه المكروه الشديد من غير فائدة ، ولا شك أن هذا كله تعذيب لهم .وثالثاً : أنهم كانوا يبغضون محمداً - صلى الله عليه وسلم - بقلوبهم ، ثم إنهم كانوا يحتاجون إلى بذل أموالهم وأولادهم فى خدمته .

ولا شك أن هذه الحالة شاقة شديدة عليهم .ورابعاً : أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ظهوراً تاماً ، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار .

وحينئذ يتعرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بالقتل وسبى الأولاد .

.

.

.

وكل ذلك يوجب ألمهم وقلقهم .وخامسا : أن كثيراً من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء كحنظلة بن أبى عامر وعبد الله بن عبد الله بن أبى .

.

وكانوا لا يرتضون طريقة آبائهم فى النفاق ، ويقدحون فيهم .والإِبن إذا صار هكذا عظم تأذى الأب به ، واستيحاشه منه ، فصار حصول تلك الأولاد .وقوله : ( وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة بعد بيان عذابهم فى الدنيا .وزهوق النفس : خروجها عن الجسد بصعوبة ومشقة .

يقال : زهقت نفسه تزهق إذا خرجت ، وزهق الشئ إذا هلك واضمحل ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل .

.

.

) والمعنى : لا تعجبك - أيها العاقل - أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الدنيا ، ويريد كذلك أن تخرج أراوحهم من أجسادهم وهم كافرون ، فيعذبهم بسبب كفرهم عذابا أليما .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت المنافقين بسوء المسير فى الآخرة ولن يسحد إنسان مصيره كهذا المصير .قال الإِمام الرازى : ومن تأمل فى هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه ، فإنه - سبحانه - لما بين قبائح أفعالهم ، وفضائح أعمالهم ، بين ما لهم فى الآخرة من العذاب الشديد ، وما لهم فى الدنيا من وجوه المحنة والبلية ، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينفعون به يوم القيامة ألبتة ثم بين فى هذه الآية أن ما يظنونه من منافع الدنيا ، فهو فى حقيقته سبب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم ، وعند ذلك يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات فى الدنيا والدين ، ومبطل لجميع الخيرات فى الدين والدنيا .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة، بين أن الأشياء التي يظنونها من باب المنافع في الدنيا، فإنه تعالى جعلها أسباب تعظيمهم في الدنيا، وأسباب اجتماع المحن والآفات عليهم، ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه، فإنه تعالى لما بين قبائح أفعالهم وفضائح أعمالهم، بين مالهم في الآخرة من العذاب الشديد ومالهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة.

ثم بين في هذه الآية أن ما يظنون أنه من منافع الدنيا فهو في الحقيقة سببب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم، وعند هذا يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا، وإذا وقف الإنسان على هذا الترتيب عرف أنه لا يمكن ترتيب الكلام على وجه أحسن من هذا.

ومن الله التوفيق.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا الخطاب، وإن كان في الظاهر مختصاً بالرسول عليه السلام، إلا أن المراد منه كل المؤمنين، أي لا ينبغي أن تعجبوا بأموال هؤلاء المنافقين والكافرين، ولا بأولادهم ولا بسائر نعم الله عليهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ  ﴾ الآية.

المسألة الثانية: الإعجاب: السرور بالشيء مع نوع الافتخار به، ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وهذه الحالة تدل على استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، فإنه لا يبعد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره، والإنسان متى كان متذكراً لهذا المعنى زال إعجابه بالشيء، ولذلك قال عليه السلام: «ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» وكان عليه السلام يقول: «هلك المكثرون» وقال عليه السلام: «ما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت».

وذكر عبيد بن عمير، ورفعه إلى الرسول عليه السلام: «من كثر ماله اشتد حسابه، ومن كثر بيعه كثرت شياطينه، ومن ازداد من السلطان قرباً، ازداد من الله بعداً».

والأخبار المناسبة لهذا الباب كثيرة، والمقصود منها الزجر عن الارتكان إلى الدنيا، والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها.

قال بعض المحققين: الموجودات بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام: الأول: الذي يكون أزلياً أبدياً، وهو الله جل جلاله والثاني: الذي لا يكون أزلياً ولا أبدياً وهو الدنيا.

والثالث: الذي يكون أزلياً ولا يكون أبدياً وهذا محال الوجود، لأنه ثبت بالدليل أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.

والرابع: الذي يكون أبدياً ولا يكون أزلياً وهو الآخرة وجميع المكلفين، فإن الآخرة لها أول، لكن لا آخر لها، وكذلك المكلف سواء كان مطيعاً أو كان عاصياً فلحياته أول، ولا آخر لها.

وإذا ثبت هذا ثبت أن المناسبة الحاصلة بين الإنسان المكلف وبين الآخرة أشد من المناسبة بنيه وبين الدنيا، ويظهر من هذا أنه خلق للآخرة لا للدنيا، فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا، وأن لا يميل قلبه إليها فإن المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا.

أما قوله: ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: في الآية محذوف، كأنه قيل: إنما يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم، ويجوز أيضاً أن يكون هذا اللام بمعنى أن كقوله: ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ  ﴾ أي أن يبين لكم.

المسألة الثانية: قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير.

والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.

وقال القاضي: وهاهنا سؤالان: الأول: وهو أن يقال: المال والولد لا يكونان عذاباً، بل هما من جملة النعم التي من الله بها على عباده، فعند هذا التزم هؤلاء التقديم والتأخير، إلا أن هذ الالتزام لا يدفع هذا السؤال.

لأنه يقال: بعد هذا التقديم والتأخير، فكيف يكون المال والولد عذاباً؟

فلابد لهم من تقدير حذف في الكلام بأن يقولوا أراد التعذيب بها من حيث كانت سبباً للعذاب، وإذا قالوا ذلك فقد استغنوا عن التقديم والتأخير، لأنه يصح أن يقال يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا من حيث كانت سبباً للعذاب، وأيضاً فلو أنه قال: ﴿ فَلاَ تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ﴾ لم يكن لهذه الزيادة كثير فائدة، لأن من المعلوم أن الإعجاب بالمال والولد لا يكون إلا في الدنيا، وليس كذلك حال العذاب، فإنها قد تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة، فثبت أن القول بهذا التقديم والتأخير ليس بشيء.

المسألة الثالثة: الأموال والأولاد يحتمل أن تكون سبباً للعذاب في الدنيا، ويحتمل أن تكون سبباً للعذاب في الآخرة.

أما كونها سبباً للعذاب في الدنيا فمن وجوه: الأول: أن كل من كان حبه للشيء أشد وأقوى، كان حزنه وتألم قلبه على فواته أعظم وأصعب، وكان خوفه على فواته أشد وأصعب، فالذين حصلت لهم الأموال الكثيرة والأولاد إن كانت تلك الأشياء باقية عندهم كانوا في ألم الخوف الشديد من فواتها، وإن فاتت وهلكت كانوا في ألم الحزن الشديد بسبب فواتها.

فثبت أنه بحصول موجبات السعادات الجسمانية لا ينفك عن تلك القلب إما بسبب خوف فواتها وإما بسبب الحزن من وقوع فواتها.

والثاني: أن هذه يحتاج في اكتسابها وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة، ثم عند حصولها يحتاج إلى متاعب أشد وأشق وأصعب وأعظم في حفظها، فكان حفظ المال بعد حصوله أصعب من اكتسابه، فالمشغوف بالمال والولد أبداً يكون في تعب الحفظ والصون عن الهلاك، ثم إنه لا ينتفع إلا بالقليل من تلك الأموال، فالتعب كثير والنفع قليل.

والثالث: أن الإنسان إذا عظم حبه لهذه الأموال والأولاد، فإما أن تبقى عليه هذه الأموال والأولاد إلى آخر عمره، أولا تبقى، بل تهلك وتبطل.

فإن كان الأول، فعند الموت يعظم حزنه وتشتد حسرته، لأن مفارقة المحبوب شديدة، وترك المحبوب أشد وأشق، وإن كان الثاني وهو أن هذه الأشياء تهلك وتبطل حال حياة الإنسان عظم أسفه عليها، واشتد تألم قلبه بسببها، فثبت أن حصول الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا.

الرابع: أن الدنيا حلوة خضرة والحواس مائلة إليها، فإذا كثرت وتوالت استغرقت فيها وانصرفت النفس بكليتها إليها، فيصير ذلك سبباً لحرمانه عن ذكر الله، ثم إنه يحصل في قلبه نوع قسوة وقوة وقهر، وكلما كان المال والجاه أكثر.

كانت تلك القسوة أقوى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ  أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ  ﴾ فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سبب قوي في زوال حب الله وحب الآخرة عن القلب وفي حصول حب الدنيا وشهواتها في القلب، فعند الموت كان الإنسان ينتقل من البستان إلى السجن ومن مجالسة الأقرباء والأحباء إلى موضع الكربة والغربة، فيعظم تألمه وتقوى حسرته، ثم عند الحشر حلالها حساب، وحرامها عقاب.

فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا والآخرة.

فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل، فما الفائدة في تخصيص هؤلاء المنافقين بهذا العذاب؟

قلنا: المنافقون مخصوصون بزيادات في هذا الباب: أحدها: أن الرجل إذا آمن بالله واليوم الآخر علم أنه خلق للآخرة لا للدنيا، فبهذا العلم يفتر حبه للدنيا، وأما المنافق لما اعتقد أنه لا سعادة إلا في هذه الخيرات العاجلة عظمت رغبته فيها، واشتد حبه لها، وكانت الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر في حقه، وتقوى عند قرب الموت وظهور علاماته، فهذا النوع من العذاب حاصل لهم في الدنيا بسبب حب الأموال والأولاد.

وثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال في وجوه الخيرات، ويكلفهم إرسال أموالهم وأولادهم إلى الجهاد والغزو، وذلك يوجب تعريض أولادهم للقتل، والقوم كانوا يعتقدون أن محمداً ليس بصادق في كونه رسولاً من عند الله وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من غير فائدة، وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه الشديد من غير فائدة، ولا شك أن هذا أشق على القلب جداً، فهذه الزيادة من التعذيب، كانت حاصلة للمنافقين.

وثالثها: أنهم كانوا يبغضون محمداً عليه الصلاة والسلام بقلوبهم، ثم كانوا يحتاجون إلى بذل أموالهم وأولادهم ونفوسهم في خدمته، ولا شك أن هذه الحالة شاقة شديدة.

ورابعها: أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ظهوراً تاماً، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار، وحينئذ يتعرض الرسول لهم بالقتل، وسبي الأولاد ونهب الأموال، وكلما نزلت آية خافوا من ظهور الفضيحة، وكلما دعاهم الرسول خافوا من أنه ربما وقف على وجه من وجوه مكرهم وخبثهم وكل ذلك مما يوجب تألم القلب ومزيد العذاب.

وخامسها: أن كثيراً من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء، كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي، شهد بدراً وكان من الله بمكان، وهم خلق كثير مبرؤن عن النفاق وهم كانوا لا يرتضون طريقة آبائهم في النفاق، ويقدحون فيهم، ويعترضون عليهم، والابن إذا صار هكذا عظم تأذى الأب به واستيحاشه منه، فصار حصول تلك الأولاد سبباً لعذابهم.

وسادسها: أن فقراء الصحابة وضعافهم كانوا يذهبون في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الغزوات، ثم يرجعون مع الاسم الشريف والثناء العظيم والفوز بالغنائم.

وهؤلاء المنافقون مع الأموال الكثيرة والأولاد الأقوياء، كانوا يبقون في زوايا بيوتهم أشباه الزمنى والضعفاء من الناس، ثم إن الخلق ينظرون إليهم بعين المقت والازدراء والسمة بالنفاق، وكأن كثرة الأموال والأولاد صارت سبباً لحصول هذه الأحوال، فثبت بهذه الوجوه أن كثرة أموالهم وأولادهم صارت سبباً لمزيد العذاب في الدنيا في حقهم.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا في إثبات أن كل ما دخل في الوجود فهو مراد الله تعالى بقوله: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون ﴾ قالوا: لأن معنى الآية أن الله تعالى أراد إزهاق أنفسهم مع الكفر ومن أراد ذلك فقد أراد الكفر.

أجاب الجبائي فقال: معنى الآية أنه تعالى أراد إزهاق أنفسهم حال ما كانوا كافرين، وهذا لا يقتضي كونه تعالى مريداً للكفر، ألا ترى أن المريض قد يقول للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي، فهذه الإرادة لا توجب كونه مريداً لمرض نفسه، وقد يقول للطبيب: أريد أن تطيب جراحتي، وهذا لا يقتضي أن يكون مريداً لحصول تلك الجراحة، وقد يقول السلطان لعسكره: اقتلوا البغاة، حال إقدامهم على الحرب، وهذا لا يدل على كونه مريداً لذلك الحرب، فكذا هاهنا.

والجواب: أن الذي قاله تمويه عجيب، وذلك لأن جميع الأمثلة التي ذكرها حاصلها يرجع إلى حرف واحد، وهو أنه يريد إزالة ذلك الشيء، فإذا قال المريض للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي، كان معناه: أريد أن تسعى في إزالة مرضي، وإذا قال له: أريد أن تطيب جراحتي كان معناه: أريد أن تزيل عني هذه الجراحة، وإذا قال السلطان: اقتلوا البغاة حال إقدامهم على الحرب، كان معناه: طلب إزالة تلك المحاربة وإبطالها وإعدامها، فثبت أن المراد والمطلوب في كل هذه الأمثلة إعدام ذلك الشيء وإزالته فيمتنع أن يكون وجوده مراداً بخلاف هذه الآية، وذلك لأن إزهاق نفس الكافر ليس عبارة عن إزالة كفره، وليس أيضاً مستلزماً لتلك الإزالة، بل هما أمران متناسبان، ولا منافاة بينهما البتة، فلما ذكر الله في هذه الآية أنه أراد إزهاق أنفسهم حال كونهم كافرين، وجب أن يكون مريداً لكونهم كافرين حال حصول ذلك الإزهاق، كما أنه لو قال: أريد ألقى أن فلاناً حال كونه في الدار، فإنه يقتضي أن يكون قد أراد كونه في الدار، وتمام التحقيق في هذا التقدير: أن الإزهاق في حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر، ومريد الشيء مريد لما هو من ضروراته، فلما أراد الله الإزهاق حال الكفر، وثبت أن من أراد شيئاً فقد أراد جميع ما هو من ضروراته، لزم كونه تعالى مريداً لذلك الكفر، فثبت أن الأمثلة التي أوردها الجبائي محض التمويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الإعجاب بالشيء: أن يسرّ به سرور راض به متعجب من حسنه.

والمعنى: فلا تستحسن ولا تفتنن بما أوتوا من زينة الدنيا، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ [طه: 131] فإن الله تعالى إنما أعطاهم ما أعطاهم للعذاب، بأن عرضه للتغنم والسبي، وبلاهم فيه بالآفات والمصائب، وكلفهم الإنفاق منه في أبواب الخير، وهم كارهون له على رغم أنوفهم، وأذاقهم أنواع الكلف والمجاشم في جمعه واكتسابه وفي تربية أولادهم.

فإن قلت: إن صحّ تعليق التعذيب بإرادة الله تعالى، فما بال زهوق أنفسهم ﴿ وَهُمْ كافرون ﴾ ؟

قلت: المراد الاستدراج بالنعم، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ [آل عمران: 178] كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا وهم كافرون ملتهون بالتمتع عن النظر للعاقبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ﴾ أيْ وما مَنَعَهم قَبُولُ نَفَقاتِهِمْ إلّا كُفْرُهم.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « أنْ يُقْبَلَ» بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفَقاتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

وقُرِئَ « يَقْبَلَ» عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ.

﴿ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى ﴾ مُتَثاقِلِينَ.

﴿ وَلا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ ﴾ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ بِهِما ثَوابًا ولا يَخافُونَ عَلى تَرْكِهِما عِقابًا.

﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ ووَبالٌ لَهم كَما قالَ.

﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِسَبَبِ ما يُكابِدُونَ لِجَمْعِها وحِفْظِها مِنَ المَتاعِبِ وما يَرَوْنَ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ والمَصائِبِ.

﴿ وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ ﴾ فَيَمُوتُوا كافِرِينَ مُشْتَغِلِينَ بِالتَّمَتُّعِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم.

وأصْلُ الزَّهُوقِ الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا} الإعجاب بالشيء أن تسربه سرور راضٍ به متعجب من حسنه والمعنى

فلا تستحسن ما أوتوا من زينة الدنيا فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم ليعذبهم بالمصائب فيها أو بالإنفاق منه في أبواب الخير وهم كارهون له أو بنهب أموالهم وسبىء اولادهم أو يجمعها

التوبة (٥٥ _ ٦٠)

وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها وكل هذا عذاب {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون} وتخرج أرواحهم وأصل الزهوق الخروج بصعوبة ودلت الآية على بطلان القول بالأصلح لأنه أخبر أن إعطاء الاموال والأولاد لهم للتعذيب والأمانة على الكفر وعلى إرادة الله تعالى المعاصي لأن إرادة العذاب بإرادة ما يعذب عليه وكذا إرادة الإماتة على الكفر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ ﴾ أيْ لا يَرُوقُكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهم ووَبالٌ عَلَيْهِمْ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ) والخِطابُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ ) ومَفْعُولُ الإرادَةِ قِيلَ: التَّعْذِيبُ واللّامُ زائِدَةٌ وقِيلَ: مَحْذُوفٌ واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ يُرِيدُ إعْطاءَهم لِتَعْذِيبِهِمْ، وتَعْذِيبُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ في الدُّنْيا لِما أنَّهم يُكابِدُونَ بِجَمْعِها وحِفْظِها المَتاعِبَ ويُقاسُونَ فِيها الشَّدائِدَ والمَصائِبَ ولَيْسَ عِنْدَهم مِنَ الِاعْتِقادِ بِثَوابِ اللَّهِ تَعالى ما يُهَوِّنُ عَلَيْهِمْ ما يَجِدُونَهُ، وقِيلَ: تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا بِالأمْوالِ لِأخْذِ الزَّكاةِ مِنهم والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَدَمِ اعْتِقادِهِمُ الثَّوابَ عَلى ذَلِكَ، وتَعْذِيبُهم فِيها بِالأوْلادِ أنَّهم قَدْ يُقْتَلُونَ في الغَزْوِ فَيَجْزَعُونَ لِذَلِكَ أشَدَّ الجَزَعِ حَيْثُ لا يَعْتَقِدُونَ شَهادَتَهم وأنَّهم أحْياءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنَّ الِاجْتِماعَ بِهِمْ قَرِيبٌ ولا كَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ فِيما ذُكِرَ، وقِيلَ: تَعْذِيبُهم بِالأمْوالِ بِأنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ وبِالأوْلادِ بِأنْ يَكُونُوا سَبَبًا لَهم إذا أظْهَرُوا الكُفْرَ وتَمَكَّنُوا مِنهم.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا أيْ لا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ ( ﴿ وتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ ﴾ ) أيْ يَمُوتُونَ وأصْلُ الزُّهُوقِ الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ ( ﴿ وهم كافِرُونَ ﴾ ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ، والفِعْلُ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الإرادَةِ، واسْتُدِلَّ بِتَعْلِيقِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِإرادَتِهِ تَعالى عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ.

وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ المُرادَ إنَّما هو إمْهالُهم وإدامَةُ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ إلى أنْ يَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ مُشْتَغِلِينَ بِما هم فِيهِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ، والإمْهالُ والإدامَةُ المَذْكُورَةُ مِمّا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرادًا لَهُ تَعالى، واعْتَرَضَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِيهِ شَيْئًا لِأنَّ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبٌ في الحَقِيقَةِ، وحاصِلُهُ أنَّ ما يُؤَدِّي إلى القُبْحِ ويَكُونُ سَبَبًا لَهُ حُكْمُهُ حُكْمُهُ في القُبْحِ وهو في حَيِّزِ المَنعِ، وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ زَهُوقَ أنْفُسِهِمْ في حالِ الكُفْرِ وهو لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ فَإنَّ المَرِيضَ يُرِيدُ المُعالَجَةَ في وقْتِ المَرَضِ ولا يُرِيدُ المَرَضَ، والسُّلْطانُ يَقُولُ لِعَسْكَرِهِ: اقْتُلُوا البُغاةَ حالَ هُجُومِهِمْ ولا يُرِيدُ هُجُومَهم، ورَدَّهُ الإمامُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِما ذُكِرَ مِنَ المِثالِ إلّا إرادَةَ إزالَةِ المَرَضِ وطَلَبِ إزالَةِ هُجُومِ البُغاةِ، وإذا كانَ المُرادُ إعْدامَ الشَّيْءِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ مُرادًا بِخِلافِ إرادَةِ زُهُوقِ نَفْسِ الكافِرِ، فَإنَّها لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إرادَةِ إزالَةِ الكُفْرِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى زُهُوقَ أنْفُسِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِكُفْرِهِمْ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ والزُّهُوقُ حالَ الكُفْرِ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ إلّا حالَ حُصُولِ الكُفْرِ، وإرادَةُ الشَّيْءِ تَقْتَضِي إرادَةَ ما هو مِن ضَرُورِيّاتِهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا لِلْكُفْرِ.

وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ إرادَةَ المُعالَجَةِ شَيْءٌ غَيْرُ إرادَةِ إزالَةِ المَرَضِ وكَذا إرادَةُ القَتْلِ غَيْرُ إرادَةِ إزالَةِ الهُجُومِ، ولِهَذا يُعَلَّلُ إحْدى الإرادَتَيْنِ بِالأُخْرى فَكَيْفَ تَكُونُ نَفْسَها، وأمّا أنَّ كَوْنَ إرادَةِ ضَرُورِيّاتِ الشَّيْءِ مِن لَوازِمِ إرادَتِهِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَكَمْ مِن ضَرُورِيٍّ لِشَيْءٍ لا يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ إرادَتِهِ فَضْلًا عَمّا ادَّعاهُ، فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ غَيْرُ تامٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمّا الشهادة وإمّا الغنيمة.

وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ، يعني: ننتظر بكم أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ وهو الموت، أَوْ بِأَيْدِينا، يعني: فيأمرنا أن نقتلكم ويقال: معناه قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، يعني: إلا إحدى الخبرين.

ونحن نتربص بكم احد الشرين، فبين ما ننتظر وتنتظرونه فرق عظيم.

فَتَرَبَّصُوا، يعني: انتظروا بنا الهلاك.

إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ، من المتربصين يعني: المنتظرين لإهلاككم.

ثم قال عز وجل: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، يعني: قل للمنافقين، أنفقوا طَوْعاً من قبل أنفسكم، أَوْ كَرْهاً مخافة القتل.

لَنْ يُتَقَبَّلَ الله مِنْكُمْ النفقة.

إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ يعني: منافقين.

فقوله: أَنْفِقُوا اللفظِ لفظ الأمر، ومعناه معنى الخبر، يعني: إن أنفقتم، كما إنه يذكر لفظ الخبر والمراد به الأمر، كقولك: غفر الله لك، وقولك: رحم الله فلاناً، يعني: اللهم اغفر، وهاهنا اللفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر والشرط يعني: إن أنفقتم طوعاً أو كرها، لن يتقبل الله منكم.

قرأ حمزة والكسائي كَرْهاً بضم الكاف، وقرأ الباقون كَرْهاً بالنصب.

ثم بين المعنى الذي لم تقبل نفقاتهم من أجله، قال تعالى: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، يعني: في السر.

قرأ حمزة والكسائي لن يقبل منهم بالياء على معنى التذكير، وقرأ الباقون بلفظ التأنيث، لأن الفعل مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث.

وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى، يعني: متثاقلين ولا يرونها واجبة عليهم، وَلا يُنْفِقُونَ في الجهاد إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ على النفقة غير محتسبين.

ثم قال عز وجل: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ، يعني: كثرة أموالهم وأولادهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.

في الآية تقديم وتأخير، قال ابن عباس: «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنَّما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة» .

ثم قال: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ، يعني: تذهب أنفسهم وتقبض أرواحهم، وأصله الذهاب، كقوله تعالى وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [الإسراء: 81] وَهُمْ كافِرُونَ، يعني: تقبض أرواحهم على الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الفَخْر «١» : قوله: وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي: يسرعون إِسراعاً لا يرد وجوههم شَيْء، ومِنْ هذا يقال: جمح الفَرَسُ، وفَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الذي إِذا حَمَلَ، لم يردّه اللجام، انتهى.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)

وقوله عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ ...

الآية: أَيْ: ومن المنافقين مَنْ يلمزك، أيْ: يعيبُكَ ويأخذ منك في الغَيْبة ومنه قولُ الشاعر: [البسيط]

إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَة ...

وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَهْ «٢»

ومنه قوله سبحانه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...

الآية: المعنى: لو أن هؤلاء المنافقين رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ الرزْقَ لهم، وما أعطاهم على يدِ رَسُولِهِ، وأقرُّوا بالرغْبَةِ إِلى اللَّهِ، لكان خَيْراً لهم، وحُذِفَ الجوابُ، لدلالة ظاهر الكَلاَمِ عليه، وذلك مِنْ فصيحَ الكلامِ وإيجازه.

إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)

وقوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ...

الآية: إِنَّمَا في هذه الآيةِ حاصرةٌ تقتضي وقوفَ الصَدقاتِ على الثمانيةِ الأصناف، وإِنما أُخْتُلِفَ في صُورَة القِسْمَةِ، ومَذْهَب مالكٍ وغيره أَنَّ ذَلِكَ عَلى قَدْر الاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقيرُ والمِسْكين، فقال ابن عبَّاس والحسن ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وابن زَيْد وغيرهم: المَسَاكِينُ: الذين يَسْعَوْنَ وَيَسْأَلُونَ، والفقراء: الذين يتصَاوَنُون «٣» ، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقيرَ هو الذي لا مَالَ له إِلا أنه لم يذلَّ نفسه، ولا يذلُّ وجهه وذلك إِما لتعفُّفٍ مفرط،

وإِما لِبُلغَةٍ تكون له، كالحَلُوبة وما أشبهها، والمسكينُ هو الذي يقترن بفقره تذلُّل وخضوعٌ وسؤالٌ، فهذه هي المَسْكَنَة ويقوِّي هذا أن اللَّه سبحانه قد وَصَف بني إِسرائيل بالمَسْكَنة، وقَرَنها بالذِّلَّة مع غناهم، وإِذا تأمَّلت ما قلناه، بَانَ أنهما صِنْفان موجُودَان في المسلمين.

ت: وقد أكْثر الناس في الفَرْق بين الفَقِير والمِسْكِين، وأوْلَى ما يعوَّل عليه ما ثبت في ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزِّنَادِ «١» عن الأعرج «٢» عن أبي هريرة أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» «٣» ، انتهى.

وأوَّل أبو عمر في «التمهيد» هذا الحديثَ، فقال: كأنه أراد- واللَّه أعلم- ليس المسكينُ على تمامِ المَسْكَنة، وعلى الحقيقة، إِلا الذي لا يسأل النّاس.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ﴾ أيْ: لا تَسْتَحْسِنْ ما أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.

وفي مَعْنى الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَلا تُعْجِبُكُ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآَخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَعَلى هَذا، في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، ويَكُونُ تَعْذِيبُهم في الآَخِرَةِ بِما صَنَعُوا في كَسْبِ الأمْوالِ وإنْفاقِها.

والثّانِي: أنَّها عَلى نَظْمِها، والمَعْنى: لِيُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا بِالمَصائِبِ في الأمْوالِ والأوْلادِ، فَهي لَهم عَذابٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ أجْرٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لِيُعَذِّبَهم بِأخْذِ الزَّكاةِ مِن أمْوالِهِمْ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

فَعَلى هَذا، تَرْجِعُ الكِنايَةُ إلى الأمْوالِ وحْدَها.

والرّابِعُ: لِيُعَذِّبَهم بِسَبْيِ أوْلادِهِمْ وغَنِيمَةِ أمْوالِهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَعَلى هَذا تَكُونُ في المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ: تَخْرُجَ، يُقالُ: زَهَقَ السَّهْمُ: إذا جاوَزَ الهَدَفَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَلاةَ إلا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ ﴾ ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: وما مَنَعَهُمُ اللهُ مِن أنْ تُقْبَلَ إلّا لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ، فَـ "أنْ" الأُولى -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَصَبَها الفِعْلُ حِينَ زالَ الخافِضُ، و"أنَّ" الثانِيَةُ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما مَنَعَهُمُ اللهُ قَبُولَ نَفَقاتِهِمْ إلّا لِأجْلِ كُفْرِهِمْ، فالأُولى -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما مَنَعَهم قَبُولَ نَفَقاتِهِمْ إلّا كُفْرُهُمْ، فالثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فاعِلَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أنْ يُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عنهُ: "أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقَتُهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وإفْرادِ النَفَقَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، "أنْ يُقْبَلَ مِنهم صَدَقاتُهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهُمْ" بِالنُونِ ونَصْبِ النَفَقَةِ.

وَ"كُسالى": جَمْعٌ "كَسْلانَ"، و"كَسْلانُ" إذا كانَتْ مُؤَنَّثَةَ "كَسْلى" لا يَنْصَرِفُ بِوَجْهٍ، وإنْ كانَتْ مُؤَنَّثَةَ "كَسْلانَةٍ" فَهو يَنْصَرِفُ في النَكِرَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عنهم تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم "لا يُنْفِقُونَ إلّا عَلى كَراهِيَةٍ" إذْ لا يَقْصِدُونَ بِها وجْهَ اللهِ ولا مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا فَقْدُ المالِ وهو مِن مَكارِهِهِمْ لا مَحالَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ﴾ الآيَةُ، حَقَّرَ هَذا اللَفْظُ شَأْنَ المُنافِقِينَ وعَلَّلَ إعْطاءَ اللهِ لَهُمُ الأمْوالَ والأولادَ بِإرادَتِهِ تَعْذِيبَهم بِها، واخْتُلِفَ في وجْهِ التَعْذِيبِ، فَقالَ قَتادَةُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، فالمَعْنى: "فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أولادُهم في الحَياةِ الدُنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبِهم بِها في الآخِرَةِ"، وقالَ الحَسَنُ: الوَجْهُ في التَعْذِيبِ أنَّهُ بِما ألْزَمَهم فِيها مِن أداءِ الزَكاةِ والنَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بِها" عائِدٌ -فِي هَذا القَوْلِ- عَلى الأمْوالِ فَقَطْ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: التَعْذِيبُ هو مَصائِبُ الدُنْيا، ورَزاياها هي لَهم عَذابٌ، إذْ لا يُؤْجَرُونَ عَلَيْها، وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ يَسْتَغْرِقُ قَوْلَ الحَسَنِ، فَإنَّ قَوْلَ الحَسَنِ يَتَقَوّى تَخْصِيصُهُ بِأنَّ تَعْذِيبَهم بِإلْزامِ الشَرِيعَةِ أعْظَمُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِسائِرِ الرَزايا، وذَلِكَ لِاقْتِرانِ الذِلَّةِ والغَلَبَةِ بِأوامِرِ الشَرِيعَةِ لَهم.

قَوْلُهُ: ﴿ وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وتَزْهَقَ أنْفُسُهم مِن شِدَّةِ التَعْذِيبِ الَّذِي يَنالُهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم كافِرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَحْلِفُونَ أنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في الدِينِ والشَرِيعَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم -عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَعْيِينِ- أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما هم يَفْزَعُونَ مِنهم فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ وهم يُبْطِنُونَ النِفاقَ، والفَرَقُ: الخَوْفُ، والفَرُوقَةُ: الجَبانُ، وفي المَثَلِ: "وَفَرَقٌ خَيْرٌ مِن حُبَّيْنِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على مذمّة حالهم في أموالهم، وأن وفرة أموالهم لا توجب لهم طُمَأنِينَة بال، بإعلام المسلمين أنّ ما يرون بعض هؤلاء المنافقين فيه من متاع الحياة الدنيا لا ينبغي أن يكون محلّ إعجاب المؤمنين، وأن يحسبوا المنافقين قد نالوا شيئاً من الحظّ العاجل ببيان أنّ ذلك سبب في عذابهم في الدنيا.

فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد تعليم الأمّة.

ومعنى هذه الآية: أنّ الله كشف سرّاً من أسرار نفوس المنافقين بأنّه خلق في نفوسهم شحّاً وحرصاً على المال وفتنة بتوفيره والإشفاق من ضياعه، فجعلهم بسبب ذلك في عناء وعذاب من جرّاء أموالهم، فهم في كَبَد من جمعها.

وفي خوف عليها من النقصان، وفي ألم من إنفاق ما يلجئهم الحال إلى إنفاقه منها، فقد أراد الله تعذيبهم في الدنيا بما الشأن أن يكون سبب نعيم وراحة، وتمّ مراده.

وهذا من أشدّ العقوبات الدنيوية وهذا شأن البخلاء وأهل الشحّ مطلقاً، إلاّ أنّ المؤمنين منهم لهم مسلاة عن الرزايا بما يرجون من الثواب على الإنفاق أو على الصبر.

ثم يجوز أن يكون هذا الخلق قد جبلهم الله عليه من وقت وجودهم فيكون ذلك من جملة بواعث كفرهم ونفاقهم، إذ الخلق السيّء يدعو بعضه بعضاً، فإنّ الكفر خُلق سيّء فلا عجب أن تنساق إليه نفس البخيل الشحيح، والنفاق يبعث عليه الخلقُ السيّء من الجُبن والبخل، ليتقّي صاحبه المخاطر، وكذلك الشأن في أولادهم إذ كانوا في فتنة من الخوف على إيمان بعض أولادهم، وعلى خلاف بينهم وبين بعض أولادهم الموفّقين إلى الإسلام: مثل حنظلة: ابن أبي عامر الملقّببِ غَسيلَ الملائكة، وعبد الله بننِ عبدِ الله بننِ أُبي فكان ذلك من تعذيب أبويهما.

ولكون ذكر الأولاد كالتكملة هنا لزيادة بيان عدم انتفاعهم بكلّ ما هو مظنّة أن ينتفع به الناس، عُطف الأولاد بإعادة حرف النفي بَعْد العاطف، إيماء إلى أنّ ذكرهم كالتكملة والاستطراد.

واللام في ﴿ ليعذّبهم ﴾ للتعليل: تعلّقت بفعل الإرادة للدلالة على أنّ المراد حكمة وعلّة فتغني عن مفعول الإرادة، وأصل فعل الإرادة أن يعدَّى بنفسه كقوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185] ويعدّى غالباً باللام كما في هذه الآية وقوله تعالى: ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ في سورة النساء (26) وقول كُثيّرِ: أريدُ لأنْسَى حُبَّها فكأنما *** تَمَثَّلُ لِي ليلَى بكلّ مكان وربما عَدَّوه باللام وكَي مبالغةً في التعليل كقول قيس بن عُبادة: أردتُ لكيما يعلمَ الناس أنّها *** سراويلُ قيس والوفُود شهود وهذه اللام كثير وقوعها بعد مادة الإرادة ومادة الأمر.

وبعضُ القرّاء سمّاها (لام أنْ) بفتح الهمزة وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ في سورة النساء (26).

فقوله: في الحياة الدنيا } متعلّق ب ﴿ يعذبهم ﴾ ومحاولة التقديم والتأخير تعسّف وعطف ﴿ وتزهق ﴾ على ﴿ ليعذبهم ﴾ باعتبار كونه أراده الله لهم عندما رزقهم الأموال والأولاد فيعلم منه: أنّه أراد موتهم على الكفر، فيستغرق التعذيبُ بأموالهم وأولادهم حياتَهم كلّها، لأنّهم لو آمنوا في جزء من آخر حياتهم لحصل لهم في ذلك الزمن انتفاع ما بأموالهم ولو مع الشحّ.

وجملة: ﴿ وهم كافرون ﴾ في موضع الحال من الضمير المضاف إليه لأنّه إذا زهقت النفس في حال الكفر فقد مات كافراً.

والإعجاب استحسان مشوب باستغراب وسرور من المرئي قال تعالى: ﴿ ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ [المائدة: 100] أي استحسنت مرأى وفرة عدده.

و (الزهوق) الخروج بشدّة وضيق، وقد شاع ذكره في خروج الروح من الجسد، وسيأتي مثل هذه الآية في هذه السورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَلا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ويَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والثّانِي: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِما فَرَضَهُ مِنَ الزَّكاةِ في أمْوالِهِمْ، يَعْنِي المُنافِقِينَ.

وَهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: لِيُعَذِّبَهم بِمَصائِبِهِمْ في أمْوالِهِمْ أوْلادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لِيُعَذِّبَهم بِبَنِي أوْلادِهِمْ وغَنِيمَةِ أمْوالِهِمْ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والخامِسُ: يُعَذِّبُهم بِجَمْعِها وحِفْظِها وحُبِّها والبُخْلِ بِها والحُزْنِ عَلَيْها، وكُلُّ هَذا عَذابٌ.

﴿ وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ تَهْلِكُ بِشِدَّةٍ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ  ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ ﴾ الآيَةَ، أمّا المَلْجَأُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحِرْزُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحِصْنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: المَوْضِعُ الحَرِيزُ مِنَ الجَبَلِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

والرّابِعُ: المَهْرَبُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَمَعانِي هَذِهِ كُلِّها مُتَقارِبَةٌ.

وَأمّا المَغاراتُ فَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الغَيَرانُ في الجِبالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَدْخَلُ السّاتِرُ لِمَن دَخَلَ فِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَأمّا المُدَّخَلُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السِّرْبُ في الأرْضِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ المَدْخَلُ الضَّيِّقُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ بِشِدَّةٍ.

﴿ لَوَلَّوْا إلَيْهِ ﴾ يَعْنِي هَرَبًا مِنَ القِتالِ وخِذْلانًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ وَهم يَجْمَحُونَ ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، قالَ مُهَلْهَلٌ: ؎ لَقَدْ جَمَحْتُ جِماحًا في دِمائِهِمْ حَتّى رَأيْتُ ذَوِي أحْسابِهِمْ خَمَدُوا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها ﴾ في الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ﴾ قال: بالمصائب فيهم، هي لهم عذاب وللمؤمنين أجر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ﴾ قال: هذه من مقاديم الكلام يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتزهق أنفسهم وهم كافرون ﴾ قال: تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا ﴿ وهم كافرون ﴾ قال: هذه آية فيها تقديم وتأخير.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا تعجبك ﴾ يقول: لا يغررك ﴿ وتزهق ﴾ قال: تخرج أنفسهم من الدنيا ﴿ وهم كافرون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ ﴾ الآية، معنى الإعجاب، السرور بما يتعجب منه، قال المفسرون: يقول لا تستحسن (١) (٢) ﴿ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ﴾ هو أن كثيراً من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء كحنظلة بن أبي (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) [وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ ، قال النحويون: في الآية مقدر كأنه قيل: إنما يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم، فتكون هذه اللام لام العاقبة (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ، قال مجاهد (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: وتموت أنفسهم) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أصحابنا: وهذا نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين (٢٩) (١) في (ي): (ما يستحسن).

(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 114 ب، والبغوي 4/ 59.

(٣) ساقط من (ي).

(٤) هو: حنظلة بن أبي عامر بن صيفي الأوسي الأنصاري، المعروف بغسيل الملائكة، وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب، ويذكر البعث ودين الحنيفية، فلما بعث النبي -  - حسده وعاداه، وخرج إلى مكة ثم إلى الروم للتأليب على المسلمين، وكان ابنه حنظلة حسن الإسلام، واستأذن النبي -  - في قتل أبيه فلم يأذن له، ولما سمع الهيعة يوم أحد خرج وعليه جنابة فقتل فغسلته الملائكة.

انظر: "الاستيعاب" 1/ 432، و"الإصابة" 1/ 360 - 361.

(٥) هو: عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك الخزرجي الأنصاري، والده رأس المنافقين المعروف بابن أُبي بن سلول، وكانت سلول جدة له فعرف بها.

كان عبد الله الابن حسن الإسلام، وشهد بدرًا، واستأذن النبي -  - في قتل أبيه فنهاه، واستشهد باليمامة في قتال مسيلمة الكذاب سنة 12 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 3/ 71، و"الإصابة" 2/ 335 - 336.

(٦) لم أقف على مصدره.

(٧) في (ي): (محتمل).

(٨) في (ي).

(أولادهم)، وهو وهم من الناسخ.

(٩) حكى هذا القول القشيري كما في "البحر المحيط" 5/ 54 والمعنى المشهور أن == الآية كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 153، وابن عطية 6/ 525، وابن كثير 2/ 399.

(١٠) ذكر أبو حيان أن هذا القول للرماني المعتزلي، واستنكره.

انظر: "البحر المحيط" 5/ 54.

(١١) يعني أن اللام و (أن) تعتقبان وتحل إحداهما مكان الأخرى، كقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ  ﴾ أي: أن يبين لكم.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(١٣) رواه الثعلبي 6/ 114 ب، والبغوي 4/ 59.

(١٤) رواه ابن جرير 10/ 153، وابن أبي حاتم 6/ 1813، والثعلبي والبغوي، نفس الموضعين السابقين.

(١٥) رواه ابن أبي حاتم والثعلبي، نفس الموضعين السابقين.

(١٦) اختصر المؤلف الجملة، وفي "تفسير الثعلبي" والبغوي وغيرهما: فلا تعجبك أموالهم ...

إلخ.

(١٧) رواه ابن جرير 10/ 153، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 447.

(١٨) منهم الإمام ابن جرير حيث قال في "تفسيره" 10/ 153: (وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا، التأويل الذي ذكرنا عن الحسن؛ لأن ذلك هو الظاهر من == التنزيل، فصرف تأويله إلى ما دل عليه ظاهره أولى من صرفه إلى باطن لا دلالة على صحته)، واختاره أيضًا ابن كثير في "تفسيره" 2/ 399، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 164.

(١٩) رواه ابن جرير 10/ 153، والثعلبي 6/ 114 ب، والبغوي 4/ 59.

(٢٠) رواه ابن جرير 10/ 153، وابن أبي حاتم 6/ 13.

(٢١) انظر: "تفسير الثعلبي" 69/ 115 أ، والبغوي 4/ 59، ولم يعينا القائل.

(٢٢) "معاني القرآن" 1/ 442.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454.

(٢٤) رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 196.

(٢٥) انظر: "الصحاح" (زهق) 4/ 1493.

(٢٦) "تهذيب اللغة" (زهق) 2/ 1571.

(٢٧) المصدر السابق، نفس الموضع، بنحوه، والمقصود أن الفعل (زهق) دائمًا مفتوح الهاء، وقال الجوهري في "الصحاح" (زهق) 4/ 1493 حكى بعضهم: زهقت نفسه تزهق زهوقًا بالكسر، لغة في زهقت.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454، لكن بلفظ: وتخرج أنفسهم، أي: يغلظ عليهم المكروه حتى تزهق أنفسهم.

(٢٩) انظر: معنى هذا القول في "رسالة إلى أهل الثغر" ص 252، و"الغنية في أصول الدين" ص 130، وكتاب: "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" ص192، و"تفسير الرازي" 16/ 95، والإرادة المذكورة هي الإرادة الكونية التي تستلزم الوقوع، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أما من ناحية الإرادة الشرعية فالله لا يريد الكفر، كما قال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ  ﴾ وهذه الإرادة لا تستلزم الوقوع.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ ﴾ تعليل لعدم قبول نفقاتهم بكفرهم، ويحتمل أن يكون إنهم كفروا فاعل ما منعهم، أو في موضع مفعول من أجله والفاعل الله ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ قيل: العذاب في الدنيا بالمصائب، وقيل: ما ألزموا من أداء الزكاة ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون ﴾ إخبار بأنهم يموتون على الكفر ﴿ وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ أي من المؤمنين ﴿ يَفْرَقُونَ ﴾ يخافون ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً ﴾ أي ما يلجأ إليه من المواضع ﴿ أَوْ مغارات ﴾ هي الغيران في الجبال ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ وزنه مفتعل من الدخول ومعناه نفق أو سرب في الأرض ﴿ يَجْمَحُونَ ﴾ أي يسارعون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تربِّصون ﴾ بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي وهشام مدغماً حتى لا يجتمع ساكنان.

الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء ﴿ أن تقبل ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفوقانية ﴿ مدخلاً ﴾ بضم الميم وسكون الدال: سهل ويعقوب.

الباقون: بالدال المشددة المتفوحة.

﴿ يلمزك ﴾ بضم الميم: سهل ويعقوب.

الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير.

الوقوف: ﴿ تسؤهم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ لنا ﴾ ج للابتداء لفظاً مع الاتحاد معنى ﴿ هو مولانا ﴾ ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية عنهم.

﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ الحسنيين ﴾ ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام ﴿ بأيدينا ﴾ ط والوصل أصح لأن الفاء جواب ﴿ نتربص ﴾ ﴿ متربصون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط.

﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا أولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ لمنكم ﴾ ط ﴿ يفرقون ﴾ ه ﴿ يجمحون ﴾ ه ﴿ في الصدقات ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ يسخطون ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ لا إلى قوله ﴿ راغبون ﴾ لأن الكل يتعلق بـ"لو" وجواب "لو" بعد التمام محذوف أي لكان خيراً لهم.

التفسير: هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين.

عن ابن عباس: الحسنة في قوم بدر والمصيبة في يوم أحد.

والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله  .

ومعنى ﴿ أخذنا أمرنا ﴾ أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي والتدبير.

و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل ما وقع ﴿ وتولوا ﴾ أي عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول ﴿ وهم فرحون ﴾ مسرورون ثم أمر نبيه  بأن يقول في جوابهم ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ قيل: أي في اللوح المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء.

وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال - زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب.

وقيل: أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدوّ وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في الحال.

وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر ﴿ هو مولانا ﴾ لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه.

﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ فيه تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط والأسباب.

ثم أمره بجواب ثانٍ فقال ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ التربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره.

والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة يعني النصرة أو الشهادة.

وفي الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز بنعيم الآخرة.

﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ﴾ قارعة مثل قارعة عاد وثمود وقيل: عذاب الله يشمل عذاب الدارين ﴿ أو بأيدينا ﴾ يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي ﴿ فتربصوا ﴾ أمر للتهديد نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم  ﴾ ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في الدنيا والأخرى.

عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي  ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به.

ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً.

و ﴿ أنفقوا ﴾ لفظه أمر ومعناه خبر كقوله فيما يجيء ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم  ﴾ ومعناه أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟

ومثله قول كثير لعزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين مني تفاوتاً في الحالين.

وإنما يجوز إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل لإفادة المبالغة.

وانتصب ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ على الحال ومعناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما.

وسمي الإلزام كراهاً لأنهم منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه.

ويحتمل أن يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة.

ومعنى ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع قبولاً عند الله.

ثم علل عدم القبول بقوله ﴿ إنكم كنتم قوماً فاسقين ﴾ قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق يحبط الطاعات.

وأجيب بأن الفسق ههنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق المطلق كذلك.

وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله  ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم ﴾ الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله.

وثانيها ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ﴾ قال المفسرون: معناه أنه إن كان في جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر.

وثالثها: ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا مختارين يعدون الإنفاق مغرماً ومنعه مغنماً خلاف قول رسول الله  "أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم" .

قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟

والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارت المتعددة على شيء واحد.

بوجه آخر أطلق كفرهم أولاً ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى حكم عليهم بالكفر مطلقاً ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعاً لشأن تارك الصلاة والزكاة.

قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله  كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية.

وأن الكسل من صفات المنافقين.

قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله ﴿ فَمَنْ يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب.

ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولاً بوجه لم يكن له في التخفيف أيضاً أثر.

وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم على وجه الكسل ليس مانعاً من التقبل بالإنفاق.

ثم لما قطع رجاء المنافقين عن منافع الآخرة أراد أن يبّين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضاً في الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطباً للرسول  أو لكل أحد ﴿ فلا تعجبك ﴾ الآية.

ونظيره ﴿ ولا تمدّن عينيك  ﴾ وإنما قال ﴿ فلا تعجبك ﴾ بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ بخلاف ما سيجيء في الآية الآخرى من هذه السورة.

والإعجاب سرور المرء بالشيء مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله ﴿ ما أظن أن تبيد هذه أبداً  ﴾ ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا قال  "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى.

وقوله ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ يريد الله ليبين لكم  ﴾ قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن المال والولد لا يكونان عذاباً بل هما من نعم الله  على عباده، وأورد عليه أنهما لا يكونان عذاباً في الآخرة أيضاً.

فإن تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم والتأخير لأنهما قد يكونان سبباً للعذاب في الدنيا أيضاً.

وبوجه أخر، المال والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان.

في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟

واعلم أن الأموال والأولاد قد يكونان سبباً للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم.

فصاحب المال أبداً إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب حفظه وتثميره.

ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة.

ثم إنه إن بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حساباً وحرامه عذاباً فثبت أنحصول المال سبب لعذاب الدارين.

إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله يكون نادراً، وكذا الكلام في الولد.

وهذا المعنى وإن كان عاماً للكل إلا أن المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب.

وذلك أن الرجل إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة.

وأيضاً إن النبي  كان يكلفهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، وكانوا مبغضين للنبي  مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبيّ شهد بدراً وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسببه ولأجل هذه المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ليعذبهم.

أما قوله ﴿ وتزهق أنفسهم ﴾ أي تخرج ﴿ وهم كافرون ﴾ فقد قالت الأشاعرة: فيه دليل على أنه  أراد منهم الكفر.

وأورد الجبائي عليه أن المريض إذا قال للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريداً لمرض نفسه، والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعاً في تلك الحالة من ضرورات كونه مريضاً وهو طبيبه.

وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مراداً بالضرورة.

وقال في الكشاف: المراد الاستدراج بالنعم كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة.

ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله  عنهم في قوله ﴿ ويحلفون بالله أنهم لمنكم ﴾ أي على دينكم.

ثم قال ﴿ وما هم منكم ﴾ أي ليسوا على دينكم.

﴿ ولكنهم قوم يفرقون ﴾ يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية.

ثم أكد نفاقهم بقوله ﴿ لو يجدون ملجأً ﴾ مفراً فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم.

فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن من صميم القلب.

والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر.

والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب مخرجيهما.

والتداخل "تفعل" من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول فيه.

قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع.

والمراد أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة ﴿ لولوا إليه ﴾ يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه ﴿ وهم يجمحون ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوهم شيء.

ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام.

والحاصل أنهم من شدة تأذيهم وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة.

قال بعض العلماء: إنه  ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار والله تعالى أعلم.

ومن جملة قبائحهم قوله ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ الآية.

قال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته.

وفرق الليث فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز العيب في الغيبة، واعلم أن العيب في الصدقات يحتمل وجوهاً: الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم.

الثاني: أن يقال: هي أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك.

الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم أرادوه.

عن أبي سعيد الخدري "بينا رسول الله  يقسم غنائم حنين قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله.

فقال: ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل" فنزلت.

وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل.

فقال: رسول الله  : "لا أبا لك أما كان موسى راعياً.

أما كان داود راعياً فلما ذهب قال رسول الله  : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون" .

وقيل: هم المؤلفة قلوبهم.

ثم بيّن أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا للدين فقال ﴿ فإن أعطوا منها رضوا ﴾ وذلك أن رسول الله  استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون.

ومعنى ﴿ إذا هم يسخطون ﴾ فهم يسخطون.

وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم عليه.

ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال ﴿ ولو أنهم رضوا ﴾ الآية ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه  حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكماً له وقضاء منه كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه.

الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم ﴿ حسبنا الله ﴾ كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر الحبيب.

الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة العالية كان واثقاً بأن الله لا يهمله وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى.

الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال.

يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: ما الذي يحملكم عليه؟

قالوا: الخوف من عقاب الله.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟

فقال: الرغبة في الثواب.

فقال: أصبتم.

ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسأهلم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره.

فقال: أنتم المحقون.

التأويل: ﴿ أن تصبك ﴾ يا روح ﴿ حسنة ﴾ من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح عليها ﴿ وإن تصبك مصيبة ﴾ من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع الحيوانية لما خالفناه في السير في العالم الروحاني.

﴿ قل ﴾ يا روح ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد.

وانظر وقل ﴿ هل تربصون بنا ﴾ أيتها النفس وصفاتها ﴿ إلا إحدى الحسنيين ﴾ الإحسان والعواطف الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية ﴿ بعذاب من عنده ﴾ هو الابتلاء بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما ﴿ أو بأيدينا ﴾ بالمنع من المخالفات وبكثرة الرياضيات والمجاهدات ﴿ طوعاً ﴾ أو رياء ﴿ وكرهاً ﴾ أي نفاقاً ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ لأن أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل القلب بدون الجوارح مقبولاً لقوله  "نية المؤمن أبلغ من عمله" وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق وحال المخلص بالعكس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

قيل: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: الغنيمة، والظفر، والنصر على الأعداء، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة النكبة والهزيمة فرحوا بها.

﴿ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

أي: أخذنا أمرنا بالوثيقة والاحتياط؛ حيث لم نخرج معهم حتى لم يصبنا ما أصابهم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: قد أظهرنا الموافقة للمؤمنين في الظاهر، وكنا مع الكافرين في السر، وواليناهم في الحقيقة، وهو ما ذكر من انتظارهم أحد أمرين في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141].

﴿ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴾ .

يحتمل: يتولوا أولئك الكفرة وهم فرحون.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ونبوته؛ لأنه معلوم أن ما يسوءهم كانوا يضمرونه ويسرونه عنهم، ثم أخبر عما أسروا وأضمروا؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: قضى الله لنا، أي: لن يصيبنا إلا ما قضى الله لنا.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ ، أي: ما جاء به القرآن، وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ﴾ : من الكرامة، والمنزلة، والنعيم الدائم في الآخرة، أي: لن يصيبنا إلا ذلك، وإن كنتم أنتم تفرحون بذلك، فذلك الذي كتب الله لنا.

﴿ هُوَ مَوْلاَنَا ﴾ .

أي: [هو] ربنا ونحن عبيده، يكتب لنا ما يشاء من الخير والشر؛ أي: ما أكرمنا الله لنا، أي: ما أحل لنا وأباح، وأما القضاء فإنه قل ما يقال فيما يكون لهم، وإنما يقال فيما قضى عليهم، وأما الكتاب لهم فهو فيما ...

ويحل لهم ويبيح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: على الإخبار، أي: على الله يتوكل المؤمنون، لا يتوكلون على غيره.

والثاني: يحتمل: أن يكون على الأمر، أي: على الله توكلوا أيها المؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ .

عن ابن عباس -  -: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ﴾ يعني: الشهادة، والحياة، والرزق الدائم، والكرامة؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً...

﴾ الآية [آل عمران: 169].

ويحتمل: إلا إحدى الحسنيين في الدنيا: الغنيمة والظفر؛ يقول: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين: إما الحياة الدائمة في الآخرة، والرزق الحسن، والكرامة، وإما الغنيمة والنصر في الدنيا، هذا تتربصون بنا ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده: العذاب في الآخرة إن قتلتم، أو بأيدينا، أي: القتل بأيدينا.

﴿ تَرَبَّصُونَ بِنَآ ﴾ الشر ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ ﴾ العذاب بكم، هم كانوا لا يتربصون بنا إلا الدوائر والهلاك، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ  ﴾ هم كانوا لا يتربصون بنا الحسنى، ولكن ما ذكرنا من الدوائر، لكن ذلك وإن كان عند أولئك المنافقين هلاك ودائرة، فهو للمؤمنين الحسنى في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: الآية في الجهاد، أن المنافقين كانوا يؤمرون بالجهاد والقتال مع الكفرة على [ما] أمر أهل الإيمان بذلك، ثم منهم من كان يخرج للجهاد، ومنهم من كان يجهز غيره ويقعد، ومنهم من كان يخرج كارهاً، ونحوه، فنزل قوله: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ، أي: خوفاً، ﴿ لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ .

ومنهم من قال: الآية في الزكاة؛ أن الله - عز وجل - فرض الزكاة في أموال المؤمنين، والمنافقون قد أظهروا الإيمان، وكانوا ينفقون، ويؤدون الزكاة، لكن منهم من كان يؤدي طوعاً، ومنهم من يؤدي كرهاً، فقال: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا لا يرون الزكاة قربة، وكانوا ينفقون وهم كارهون في الباطن.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ ؛ دل أنهم كانوا ينفقون جميعاً وهم كارهون لذلك في الباطن، ثم بين ما به لم يتقبل نفقاتهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ في الآية وجهان: أحدهما: دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وهم في الظاهر كانوا يأتون الصلاة على ما كان يأتي المؤمنون، ثم أخبر أنهم يأتونها كسالى؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله،  .

وكذلك أخبر أنهم ينفقون وهم كارهون لذلك، وكانوا ينفقون في الظاهر مراءاة لموافقيهم، ثم أخبر أنهم كانوا كارهين لذلك في السر؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله  .

والثاني: ألا تقوم قربة ولا تقبل إلا على حقيقة الإيمان الذي هو شرط قيام هذه العبادات وقبول القرب، لا أن أنفسها إيمان؛ لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر؛ دل أنه ما ذكرنا، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

أي: إنكم كنتم فاسقين.

ويحتمل قوله: ﴿ كُنتُمْ ﴾ ، أي: صرتم فاسقين بما أنفقتم وأنتم كارهون؛ إذ هم قد أظهروا الإيمان ثم تركوه؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا  ﴾ أخبر أنهم آمنوا ثم كفروا؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ ﴾ وكسلى وكسالى فيه لغات ثلاث والمعنى واحد، وهو أنهم لا يأتون الصلاة إلا مستثقلين؛ لأنهم كانوا لا يرونها قربة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [في الحياة الدنيا]، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي الحياة الدنيا.

والتعذيب في الدنيا: هو ما فرض عليهم الجهاد وأمروا بالخروج للقتال، فكان يشق ذلك عليهم ويشتد، فذلك التعذيب لهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ...

 ﴾ الآية.

أو التعذيب في الدنيا هو القتل؛ يقتلون إن لم يخرجوا.

وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يعطي الله أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ثم قال لرسول الله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ ﴾ ، ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح، فكأنه قال: لا يعجبك ما أعطيتهم من الخيرات والصلاح، فذلك بعيد؛ فدل أنه قد يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين.

وكذلك في قوله: { ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ...

﴾ \[المؤمنون: 55-56\] الآية، دلالة الرد على قولهم؛ لأنه قال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ثم قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 56\] أنه يمدهم به لا للخيرات؛ دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو أصلح لهم في الدين.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ دلالة الرد عليهم أيضاً؛ لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة، ولا يعذبهم مجاناً فيما لا فعل لهم في ذلك؛ دل أن لهم صنعاً في ذلك، وأنه إنما يعذبهم بفعل اكتسبوه.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ دلالة أن ليس كل ما يعطيهم إنما يعطيهم ليرحمهم به، ولكن يعطيهم لما علم منهم، فإن كان علم منهم أنهم يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها فيما فيه هلاكهم، أعطاهم لذلك، ومن علم منهم أنهم يستعملونه لنجاتهم أعطاهم ليرحمهم به، فإنما أعطي كلاًّ ما علم أنه يكون منهم؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون في إعطائه مخطئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .

قيل: تخرج أنفسهم وتهلك خوفاً.

قال أبو عوسجة: يقال: خرج نفسه من فمه.

وقيل: تذهب أنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، أي: ذهب.

وكذلك قال أبو عبيد: تزهق، أي: تذهب.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة رسول الله  ؛ لأنه أخبر أن أنفسهم تزهق وهم كافرون، فكان ما ذكر؛ دل أنه علم ذلك بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلا تعجبك -أيها الرسول- أموال المنافقين ولا أولادهم، ولا تستحسنها، فعاقبة أموالهم وأولادهم سيئة، فالله يجعلها عذابًا عليهم بالكد والتعب لتحصيلها، وبما ينزل من مصائب فيها إلى أن يخرج الله أرواحهم حال كفرهم فيعذبون بالخلود في الدرك الأسفل من النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.8doXW"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله