الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٥٧ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( لو يجدون ملجأ ) أي : حصنا يتحصنون به ، وحرزا يحترزون به ، ( أو مغارات ) وهي التي في الجبال ، ( أو مدخلا ) وهو السرب في الأرض والنفق .
قال ذلك في الثلاثة ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة .
( لولوا إليه وهم يجمحون ) أي : يسرعون في ذهابهم عنكم ، لأنهم إنما يخالطونكم كرها لا محبة ، وودوا أنهم لا يخالطونكم ، ولكن للضرورة أحكام ؛ ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم ؛ لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة ؛ فلهذا كلما سر المؤمنون ساءهم ذلك ، فهم يودون ألا يخالطوا المؤمنين ؛ ولهذا قال : ( لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون )
القول في تأويل قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لو يجد هؤلاء المنافقون " ملجأ ", يقول: عَصَرًا يعتصِرون به من حِصْن, ومَعْقِلا يعتقِلون فيه منكم =(أو مغارات)، * * * = وهي الغيران في الجبال, واحدتها: " مغارة ", وهي " مفعلة "، من: " غار الرجل في الشيء، يغور فيه "، إذا دخل, ومنه قيل، " غارت العين "، إذا دخلت في الحدقة.
* * * (أو مدَّخلا)، يقول: سَرَبًا في الأرض يدخلون فيه.
* * * وقال: " أو مدّخلا "، الآية, لأنه " من ادَّخَل يَدَّخِل ".
(4) * * * وقوله: (لولَّوا إليه)، يقول: لأدبروا إليه، هربًا منكم (5) =(وهم يجمحون).
يقول: وهم يسرعون في مَشْيِهم.
* * * وقيل: إن " الجماح " مشيٌ بين المشيين، (6) ومنه قول مهلهل: لَقَـدْ جَمَحْـتُ جِمَاحًـا فِـي دِمَـائِهِمُ حَـتَّى رَأَيْـتُ ذَوِي أَحْسَـابِهِمْ خَـمَدُوا (7) * * * وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة, لأنهم إنما أقاموا بين أَظْهُرِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم ولما هم عليه من الإيمان بالله وبرسوله، لأنهم كانوا في قومهم وعشيرتهم وفي دورهم وأموالهم, فلم يقدروا على ترك ذلك وفراقه, فصانعوا القوم بالنفاق، ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالكفر ودعوى الإيمان, وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به والعداوة لهم.
فقال الله واصِفَهم بما في ضمائرهم: (لو يجدون ملجأ أو مغاراتٍ)، الآية.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16808- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (لو يجدون ملجأ)، " الملجأ " الحِرْز في الجبال, " والمغارات "، الغِيران في الجبال.
وقوله: (أو مدَّخلا)، و " المدّخل "، السَّرَب.
16809- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلا لولّوا إليه وهم يجمحون)، " ملجأ ", يقول: حرزًا =(أو مغارات)، يعني الغيران =(أو مدخلا)، يقول: ذهابًا في الأرض, وهو النفق في الأرض, وهو السَّرَب.
16810- وحدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلا)، قال: حرزًا لهم يفرُّون إليه منكم.
16811- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا)، قال: محرزًا لهم, لفرُّوا إليه منكم = وقال ابن عباس: قوله: (لو يجدون ملجأ)، حرزًا =(أو مغارات), قال: الغيران =(أو مدّخلا)، قال: نفقًا في الأرض.
16812- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلا)، يقول: " لو يجدون ملجأ "، حصونًا =(أو مغارات)، غِيرانًا =(أو مدخلا)، أسرابًا =(لولوا إليه وهم يجمحون).
-------------------- الهوامش : (4) في المطبوعة : " أو مدخلا الآية ، لأنه " ، وهو خطأ في الطباعة فيما أرجح ، زاد " الآية لشبهه بقوله : " لأنه " بعده ، وخالف الطابع المصحح ، فأثبت له ما صححه !
!
(5) انظر تفسير "التولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(6) هذا نص نادر لا تجده في كتاب اللغة، فليقيد فيها هو وشاهده.
(7) لم أجد هذا البيت فيما وقفت عليه من شعر مهلهل.
وقوله : " خمدا " ، أي : سكنوا فماتوا، كما تنطفئ الجمرة.
قوله تعالى لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون[ ص: 93 ] قوله تعالى لو يجدون ملجأ كذا الوقف عليه .
وفي الخط بألفين : الأولى همزة ، والثانية عوض من التنوين ، وكذا رأيت جزءا .
والملجأ الحصن ، عن قتادة وغيره .
ابن عباس : الحرز ، وهما سواء .
يقال : لجأت إليه لجأ " بالتحريك " وملجأ والتجأت إليه بمعنى .
والموضع أيضا لجأ وملجأ .
والتلجئة الإكراه .
وألجأته إلى الشيء اضطررته إليه .
وألجأت أمري إلى الله أسندته .
وعمرو بن لجأ التميمي الشاعر عن الجوهري .أو مغارات جمع مغارة ، من غار يغير .
قال الأخفش : ويجوز أن يكون من أغار يغير ، كما قال الشاعر :الحمد لله ممسانا ومصبحناقال ابن عباس : المغارات الغيران والسراديب ، وهي المواضع التي يستتر فيها ، ومنه غار الماء وغارت العين .أو مدخلا مفتعل من الدخول ، أي مسلكا نختفي بالدخول فيه ، وأعاده لاختلاف اللفظ .
قال النحاس : الأصل فيه مدتخل ، قلبت التاء دالا ؛ لأن الدال مجهورة والتاء مهموسة وهما من مخرج واحد .
وقيل : الأصل فيه متدخل على متفعل ، كما في قراءة أبي : " أو متدخلا " ومعناه دخول بعد دخول ، أي قوما يدخلون معهم .
المهدوي : متدخلا من تدخل مثل تفعل إذا تكلف الدخول .
وعن أبي أيضا : مندخلا من اندخل ، وهو شاذ ؛ لأن ثلاثيه غير متعد عند سيبويه وأصحابه .
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن : " أو مدخلا " بفتح الميم وإسكان الدال .
قال الزجاج : ويقرأ " أو مدخلا " بضم الميم وإسكان الدال .
الأول من دخل يدخل .
والثاني من أدخل يدخل .
كذا المصدر والمكان والزمان كما أنشد سيبويه :مغار ابن همام على حي خثعماوروي عن قتادة وعيسى والأعمش " أو مدخلا " بتشديد الدال والخاء .
والجمهور بتشديد الدال وحدها ، أي مكانا يدخلون فيه أنفسهم .
فهذه ست قراءات .
لولوا إليه أي لرجعوا إليه .
وهم يجمحون أي يسرعون ، لا يرد وجوههم شيء .
من جمح الفرس إذا لم يرده اللجام .
قال الشاعر :سبوحا جموحا وإحضارها كمعمعة السعف الموقدوالمعنى : لو وجدوا شيئا من هذه الأشياء المذكورة لولوا إليه مسرعين هربا من المسلمين .
ثم ذكر شدة جبنهم فقال: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} يلجأون إليه عندما تنزل بهم الشدائد، {أَوْ مَغَارَاتٍ} يدخلونها فيستقرون فيها {أَوْ مُدَّخَلًا} أي: محلا يدخلونه فيتحصنون فيه {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي: يسرعون ويهرعون، فليس لهم ملكة، يقتدرون بها على الثبات.
( لو يجدون ملجأ ) حرزا وحصنا ومعقلا .
وقال عطاء : مهربا .
وقيل : قوما يأمنون فيهم .
( أو مغارات ) غيرانا في الجبال ، جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه ، أي يستتر .
وقال عطاء : سراديب .
( أو مدخلا ) موضع دخول فيه ، وأصله مدتخل مفتعل ، من أدخل يدخل .
قال مجاهد : محرزا .
وقال قتادة : سربا .
وقال الكلبي : نفقا في الأرض كنفق اليربوع .
وقال الحسن : وجها يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقرئ : ( مدخلا ) بفتح الميم وتخفيف الدال ، وكذلك قرأ يعقوب ، ( لولوا إليه ) لأدبروا إليه هربا منكم ، ( وهم يجمحون ) يسرعون في إباء ونفور لا يرد وجوههم شيء .
ومعنى الآية : أنهم لو يجدون مخلصا منكم ومهربا لفارقوكم .
«لو يجدون ملجأً» يلجأون إليه «أو مغارات» سراديب «أو مُدَّخَلا» موضعاً يدخلونه «لَوَلَّوْا إليه وهم يجمحون» يسرعون في دخوله والانصراف عنكم إسراعا لا يرده شيء كالفرس الجموح.
لو يجد هؤلاء المنافقون مأمنًا وحصنًا يحفظهم، أو كهفًا في جبل يؤويهم، أو نفقًا في الأرض ينجيهم منكم، لانصرفوا إليه وهم يسرعون.
وقوله - سبحانه - : ( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ .
.
.
) تأكيد لما كان عليه أولئك المنافقون من جبن خالع .والملجأ : اسم للمكان الذى يلجأ إليه الخائف ليحتمى به سواء أكان حصنا أو قلعة أو غيرهما .والمغارات : جمع مغارة وهى المكان المنخفض فى الأرض أو فى الجبل .
قال بعضهم : والغور - يفتح الغين - من كل شئ قعره .
يقال : غار الرجل غورا إذا أتى الغور هو المنخفض من الأرض .والمدخل - بتشديد الدال اسم للموضع الذى يدخلون فيه ، بصعوبة ومشقة لضيقه ، كالنفق فى الأرض .وقوله : ( يَجْمَحُونَ ) أى : يسرعون أشد الإِسراع مأخوذ من الجموح وهو أن يغلب الفرس صاحبه فى سيره وجريه .
يقال : جمع الفرس براكبه جموحا ، إذا استعصى عليه حتى غلبه .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين لو يجدون حصنا يلتجئون إليه أو مغارات يستخفون فيها .
أو سردابا فى الأرض ينجحرون فيه ، لقبلوا نحوه مسرعين أشد الإِسراع دون أن يردهم شئ ، كالفرس الجموح الذى عجز صاحبه عن منعه من النفور والعَدْو .فالآية الكريمة تصوير معجز لما كان عليه أولئك المنافقون من خوف شديد من المؤمنين ، ومن بغض دفين لهم ، حتى إنهم لو وجدوا شيئا من هذه الأمكنة - التى هى منفور منها - لأسرعوا نحوها إسراعا شديداً .
اعلم أنه تعالى لما بين كونهم مستجمعين لكل مضار الآخرة والدنيا، خائبين عن جميع منافع الآخرة والدنيا، عاد إلى ذكر قبائحهم وفضائحهم، وبين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بالله ﴾ أي المنافقون للمؤمنين إذا جالسوهم ﴿ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ أي على دينكم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا هُم مّنكُمْ ﴾ أي ليسوا على دينكم ﴿ ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ القتل، فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤون ﴾ والفرق الخوف، ومنه يقال: رجل فروق.
وهو الشديد الخوف، ومنها: أنهم لو وجدوا مفراً يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم، فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن عن القلب، فقوله: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً ﴾ الملجأ: المكان الذي يتحصن فيه، ومثله اللجأ مقصوراً مهموزاً، وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ بفتح اللام وسكون الجيم، ومثله التجأ والجأته إلى كذا، أي جعلته مضطراً إليه، وقوله: ﴿ أَوْ مغارات ﴾ هي جمع مغارة، وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه، أي يستتر.
قال أبو عبيد: كل شيء جزت فيه فغبت فهو مغارة لك، ومنه غار الماء في الأرض وغارت العين.
وقوله: ﴿ مُدْخَلاً ﴾ قال الزجاج: أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالاً، لأن التاء مهموسة، والدال مهجورة، وهما من مخرج واحد وهو مفتعل من الدخول، كالمتلج من الولوج.
ومعناه: المسلك الذي يستتر بالدخول فيه.
قال الكلبي وابن زيد: نفقا كنفق اليربوع.
والمعنى: أنهم لو جدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه الثلاثة، مع أنها شر الأمكنة ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ أي رجعوا إليه.
يقال: ولى بنفسه إذا انصرف وولى غيره إذا صرفه وقوله: ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمح الفرس وهو فرس جموح، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام، والمراد من الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين صاروا بهذه الحالة.
واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي: الملجأ، والمغارات، والمدخل، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه، فالملجأ يحتمل الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار.
قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ مُّدْخَلاً ﴾ من دخل و ﴿ مُّدْخَلاً ﴾ من أدخل وهو مكان يدخلون فيه أنفسهم، وقرأ أبي بن كعب ﴿ متدخلاً ﴾ وقرأ ﴿ لَوْ ألو إِلَيْهِ ﴾ أي لالتجاؤا، وقرأ أنس ﴿ يجمزون ﴾ فسئل عنه فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَمِنكُمْ ﴾ لمن جملة المسلمين ﴿ يَفْرَقُونَ ﴾ يخافون القتل وما يفعل بالمشركين، فيتظاهرون بالإسلام تقية ﴿ مَلْجَئاً ﴾ مكاناً يلتجئون إليه متحصنين به من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة ﴿ أَوْ مغارات ﴾ أو غيراناً.
وقرئ بضم الميم، من أغار الرجل وغار إذا دخل الغور.
وقيل: هو تعدية غار الشيء وأغرته أنا، يعني: أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم.
ويجوز أن يكون من: أغار الثعلب، إذا أسرع، بمعنى مهارب ومفارّ ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ أو نفقاً يندسون فيه وينجحرون، وهو مفتعل من الدخول.
وقرئ مدخلاً من دخل ومدخلاً من أدخل: مكاناً يدخلون فيه أنفسهم.
وقرأ أبيّ بن كعب رضي الله عنه: متدخلاً وقرئ: لو ألوا إليه لالتجؤا إليه ﴿ يَجْمَحُونَ ﴾ يسرعون إسراعاً لا يردّهم شيء؛ من الفرس الجموح، وهو الذي إذا حمل لم يردّه اللجام.
وقرأ أنس رضي الله عنه: يجمزون.
فسئل فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدّون واحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ ﴾ إنَّهم لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ.
﴿ وَما هم مِنكُمْ ﴾ لِكُفْرِ قُلُوبِهِمْ.
﴿ وَلَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ يَخافُونَ مِنكم أنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ ما تَفْعَلُونَ بِالمُشْرِكِينَ فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ تَقِيَّةً.
﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ﴾ حِصْنًا يَلْجَئُونَ إلَيْهِ أوْ مَغاراتٍ غِيرانًا.
﴿ أوْ مُدَّخَلا ﴾ نَفَقًا يَنْجَحِرُونَ فِيهِ مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿ مُدَّخَلا ﴾ مِن مَدْخَلٍ.
وقُرِئَ « مُدْخَلًا» أيْ مَكانًا يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم و « مُتَدَخَّلًا» و « مُنْدَخَلًا» مَن تَدَخَّلَ وانْدَخَلَ ﴿ لَوَلَّوْا إلَيْهِ ﴾ لَأقْبَلُوا نَحْوَهُ.
﴿ وَهم يَجْمَحُونَ ﴾ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ كالفَرَسِ الجُمُوحِ.
وقُرِئَ « يَجْمَزُونَ» ومِنهُ الجَمازَةُ.
<div class="verse-tafsir"
{لو يجدون ملجأ} مكاناً يلجئون إليه متحصنين من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة {أَوْ مغارات} أو غيراناً {أَوْ مُدَّخَلاً} أو نفقاً يندسون فيه وهو مفتعل من الدخول {لَّوَلَّوَاْ إِلَيْهِ} لأقبلوا نحوه {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء من الفرس الجموح
﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ﴾ أيْ حِصْنًا يَلْجَأُونَ إلَيْهِ كَما قالَ قَتادَةُ ﴿ أوْ مَغاراتٍ ﴾ أيْ: غَيْرَ أنْ يُخْفُونَ فِيها أنْفُسَهم وهو جَمْعُ مَغارَةٍ بِمَعْنى الغارِ، ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الغارَ في الجَبَلِ والمَغارَةَ في الأرْضِ، وقُرِئَ ( ﴿ مَغاراتٍ ﴾ ) بِضَمِّ المِيمِ مِن أغارَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ الغَوْرَ، وقِيلَ: هو تَعْدِيَةُ غارَ الشَّيْءُ وأغَرْتُهُ أنا أيْ أمْكِنَةٍ يُغَيِّرُونَ فِيها أشْخاصَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ بِمَعْنى مَهارِبَ ومَغارٍ ( ﴿ أوْ مُدَّخَلا ﴾ ) أيْ نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ يَنْجَحِرُونَ فِيهِ، وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ فَأُدْغِمَ بَعْدَ قَلْبِ تائِهِ دالًّا، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وسَهْلٌ ( مَدْخَلًا ) بِفَتْحِ المِيمِ اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ الثُّلاثِيِّ وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنِ، وقَرَأ سَلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ ( مُدْخَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الخاءِ مِن أدْخَلَ المَزِيدِ أيْ مَكانًا يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم أوْ يُدْخِلُهُمُ الخَوْفُ فِيهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( مُتَدَخَّلًا ) اسْمُ مَكانٍ مِن تَدَخَّلَ تَفَعَّلَ مِنَ الدُّخُولِ، وقُرِئَ ( مُنْدَخَلًا ) مِنِ انْدَخَلَ، وقَدْ ورَدَ في شِعْرِ الكُمَيْتِ: ولا يَدِي في حَمِيتِ السَّمْنِ تَنْدَخِلُ وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: إنَّما هي بِالتّاءِ بِناءً عَلى إنْكارِ هَذِهِ اللُّغَةِ ولَيْسَ بِذاكَ ( ﴿ لَوَلَّوْا ﴾ ) أيْ لَصَرَفُوا وُجُوهَهم وأقْبَلُوا، وقُرِئَ ( لَوَأْلَوُا ) أيْ لالتَجَأُوا ( ﴿ إلَيْهِ ﴾ ) أيْ إلى أحَدِ ما ذُكِرَ ( ﴿ وهم يَجْمَحُونَ ﴾ ) أيْ يُسْرِعُونَ في الذَّهابِ إلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَرُدُّهم شَيْءٌ كالفَرَسِ الجَمُوحِ وهو النُّفُورُ الَّذِي لا يَرُدُّهُ لِجامٌ، ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ ( يَجْمِزُونَ ) بِالزّايِ وهو بِمَعْنى يَجْمَحُونَ ويَشْتَدُّونَ، ومِنهُ الجَمّازَةُ النّاقَةُ الشَّدِيدَةُ العَدْوِ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ما ذُكِرَ قِراءَةً، وزَعَمَ أنَّهُ تَفْسِيرٌ وهو مَرْدُودٌ.
والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ وأنَّ التِجاءَهم إلى الِانْتِماءِ إلَيْهِمْ إنَّما هو لِلتَّقِيَّةِ اضْطِرارًا، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ الوِجْدانِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: لَوْ تُحْسِنُ إلَيَّ لَشَكَرْتُكَ، نَعَمْ كَثِيرًا ما يَكُونُ المُضارِعُ المَنفِيُّ الواقِعُ مَوْقِعَ الماضِي لِإفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ هَهُنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ، يعني: إنهم مؤمنون على دينكم في السر، وهم كاذبون بذلك القول.
وَما هُمْ مِنْكُمْ، يعني: ليسوا على دينكم في السر، وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ يعني: يخبثون فأظهروا الإيمان وأسرُّوا النفاق.
قوله تعالى: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً، يعني: حرزا يلجئون إليه أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا، يعني: الغيران في الجبل.
وقال القتبي: كل شيء غرت فيه فغبت فهو مغارة.
أَوْ مُدَّخَلًا، يعني: سرباً في الأرض، لَوَلَّوْا إِلَيْهِ يعني: ذهبوا إليه وتركوك.
وَهُمْ يَجْمَحُونَ، يعني: يسرعون في المشي.
ومنه قيل: فرس جموح، إذا ذهب في عدوه فلم يثنه شيء ويقال: الجمح مشي بين مشيتين، وهو من لغات اليمن.
<div class="verse-tafsir"
قال الفَخْر «١» : قوله: وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي: يسرعون إِسراعاً لا يرد وجوههم شَيْء، ومِنْ هذا يقال: جمح الفَرَسُ، وفَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الذي إِذا حَمَلَ، لم يردّه اللجام، انتهى.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)
وقوله عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ ...
الآية: أَيْ: ومن المنافقين مَنْ يلمزك، أيْ: يعيبُكَ ويأخذ منك في الغَيْبة ومنه قولُ الشاعر: [البسيط]
إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَة ...
وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَهْ «٢»
ومنه قوله سبحانه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...
الآية: المعنى: لو أن هؤلاء المنافقين رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ الرزْقَ لهم، وما أعطاهم على يدِ رَسُولِهِ، وأقرُّوا بالرغْبَةِ إِلى اللَّهِ، لكان خَيْراً لهم، وحُذِفَ الجوابُ، لدلالة ظاهر الكَلاَمِ عليه، وذلك مِنْ فصيحَ الكلامِ وإيجازه.
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)
وقوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ...
الآية: إِنَّمَا في هذه الآيةِ حاصرةٌ تقتضي وقوفَ الصَدقاتِ على الثمانيةِ الأصناف، وإِنما أُخْتُلِفَ في صُورَة القِسْمَةِ، ومَذْهَب مالكٍ وغيره أَنَّ ذَلِكَ عَلى قَدْر الاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقيرُ والمِسْكين، فقال ابن عبَّاس والحسن ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وابن زَيْد وغيرهم: المَسَاكِينُ: الذين يَسْعَوْنَ وَيَسْأَلُونَ، والفقراء: الذين يتصَاوَنُون «٣» ، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقيرَ هو الذي لا مَالَ له إِلا أنه لم يذلَّ نفسه، ولا يذلُّ وجهه وذلك إِما لتعفُّفٍ مفرط،
وإِما لِبُلغَةٍ تكون له، كالحَلُوبة وما أشبهها، والمسكينُ هو الذي يقترن بفقره تذلُّل وخضوعٌ وسؤالٌ، فهذه هي المَسْكَنَة ويقوِّي هذا أن اللَّه سبحانه قد وَصَف بني إِسرائيل بالمَسْكَنة، وقَرَنها بالذِّلَّة مع غناهم، وإِذا تأمَّلت ما قلناه، بَانَ أنهما صِنْفان موجُودَان في المسلمين.
ت: وقد أكْثر الناس في الفَرْق بين الفَقِير والمِسْكِين، وأوْلَى ما يعوَّل عليه ما ثبت في ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزِّنَادِ «١» عن الأعرج «٢» عن أبي هريرة أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» «٣» ، انتهى.
وأوَّل أبو عمر في «التمهيد» هذا الحديثَ، فقال: كأنه أراد- واللَّه أعلم- ليس المسكينُ على تمامِ المَسْكَنة، وعلى الحقيقة، إِلا الذي لا يسأل النّاس.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ، و(يُفَرِّقُونَ) بِمَعْنى يَخافُونَ.
فَأمّا المَلْجَأُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَلْجَأُ واللَّجَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ، وهو المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ.
والمَغاراتُ: جَمْعُ مَغارَةٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ فِيهِ الإنْسانُ، أيْ: يَسْتَتِرُ فِيهِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أوْ مَغاراتٍ" بِضَمِّ المِيمِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أغَرْتُ وغُرْتُ: إذا دَخَلَتَ الغَوْرَ.
وأصْلُ مُدَّخَلٍ: مُدْتَخِلٌ، ولَكِنَّ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الدّالِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، والتّاءَ والدّالَ مِن مَكانٍ واحِدٍ، فَكانَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ أخَفُّ.
وقَرَأ أُبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "أوْ مُتَدَخِّلًا" بِرَفْعِ المِيمِ، وبِتاءٍ ودالٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، مُشَدَّدَةَ الخاءِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: "مُنْدَخَلًا" بِنُونٍ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، ويَعْقُوبُ: "مُدْخَلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وسُكُونِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن دَخَلَ يَدْخُلُ مَدْخَلًا؛ ومَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن أدْخَلْتُهُ مَدْخَلًا، قالَ الشّاعِرُ: الحَمْدُ لَلَّهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا بِالخَيْرِ صَبَّحَنا رَبِّي ومَسّانا وَمَعْنى مُدَّخَلٍ: أنَّهم لَوْ وجَدُوا قَوْمًا يَدْخُلُونَ في جُمْلَتِهِمْ (لَوَلَّوْا) إلَيْهِ، أيْ: إلى أحَدِ هَذِهِ الأشْياءَ ( وهم يَجْمَحُونَ) أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ فِيهِ وُجُوهَهم شَيْءٌ.
يُقالُ: جَمَحَ وطَمَحَ: إذا أسْرَعَ ولَمْ يَرُدَّ وجْهَهُ شَيْءٌ؛ ومِنهُ قِيلَ: فَرَسٌ جَمُوحٌ لِلَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أو مَغاراتٍ أو مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللهُ سَيُؤْتِينا اللهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللهُ راغِبُونَ ﴾ المَلْجَأُ: مِن لَجَأ يَلْجَأُ إذا أوى واعْتَصَمَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أو مَغاراتٍ" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: "أو مُغاراتٍ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي الغِيرانُ في أعْراضِ الجِبالِ، فَفَتْحُ المِيمِ مِن: "غارَ الشَيْءُ" إذا دَخَلَ، كَما تَقُولُ: "غارَتِ العَيْنُ"، إذا دَخَلَتْ في الحِجاجِ، وضَمُّ المِيمِ مِن: "أغارَ الشَيْءُ غَيْرَهُ" إذا أدْخَلَهُ، فَهَذا وجْهٌ مِنِ اشْتِقاقِ اللَفْظَةِ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "غارَ الرَجُلُ وأغارَ" بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: دَخَلَ، قالَ الزَجّاجُ: إذا دَخَلَ الغَوْرَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ أيْضًا مِن هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ في قِراءَةٍ ضَمِّ المِيمِ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مُغارٌ" أيْ مَفْتُولٌ، ثُمَّ يُسْتَعارُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُحْكَمِ المُبْرَمِ فَيَجِيءُ التَأْوِيلُ عَلى هَذا: لَوْ يَجِدُونَ عَصْرَةً أو أُمُورًا مُرْتَبِطَةً مُشَدَّدَةً تَعْصِمُهم مِنكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إلَيْهِ ﴾ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُدَّخَلًا" أصْلُهُ مُفْتَعَلٌ، وهو بِناءُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ، ومَعْناهُ: السِرْبُ والنَفَقُ في الأرْضِ، وبِما ذَكَرْناهُ في "المَلْجَإ والمَغاراتِ والمُدَّخَلِ" فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقالَ الزَجّاجُ: المُدَّخَلُ: مَعْناهُ: قَوْمًا يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ.
وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "أو مَدْخَلًا" فَهَذا مِن دَخَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: "أو مُدَّخَّلًا" بِتَشْدِيدِهِما، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مُنْدَخَلًا" بَنُونٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ...............................
∗∗∗ ولا يَدِي في حَمِيتِ السَمْنِ تَنْدَخِلُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مُتْدَخَلًا" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ، وعِيسى: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ فَهو مَن أدْخَلَ.
وقَرَأ الناسُ: "لَوَلَّوْا"، وقَرَأ جَدُّ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ قَرْمَلَ: "لَوالَوْا" مِنَ المُوالاةِ، وَأنْكَرَها سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وقالَ: أظُنُّها: "لَوَألُوا" بِمَعْنى "لَجَؤُوا"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَجْمَحُونَ"، مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ مُصَمِّمِينَ غَيْرَ مُنْثَنِينَ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: لَقَدْ جَمَحْتُ جِماحًا في دِمائِهِمُ ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى رَأيْتُ ذَوِي أحِسابِهِمْ خَمَدُوا وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "يَجْمَزُونَ" ومَعْناهُ: يَهْرُبُونَ، ومِنهُ قَوْلُهم في حَدِيثِ الرَجْمِ: "فَلَمّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ جَمَزَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّهُ قالَ: «جاءَ ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَمِيمِيُّ ورَسُولُ اللهِ يُقَسِّمُ قَسْمًا فَقالَ: "اعْدِلْ يا مُحَمَّدُ"» الحَدِيثُ المَشْهُورُ بِطُولِهِ، وفِيهِ: قالَ أبُو سَعِيدٍ: فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ ﴾ ، ورَوى داوُدُ بْنُ أبِي عاصِمٍ «أنَّ النَبِيَّ أُتِيَ بِصَدَقَةٍ فَقَسَّمَها ووَراءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: "ما هَذا بِالعَدْلِ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نَزْعَةُ مُنافِقٍ، وكَذَلِكَ رُوِيَ مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ كَلامِ المُنافِقِينَ إذْ لَمْ يُعْطَوْا بِحَسَبِ شَطَطِ آمالِهِمْ.
و ﴿ يَلْمِزُكَ ﴾ مَعْناهُ: يَعِيبُكَ ويَأْخُذُ مِنكَ في الغَيْبَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكاشَرَةً ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللَمِزُ ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ................................
∗∗∗ ∗∗∗ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي والهَمْزُ أيْضًا في نَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ ، وقِيلَ لِبَعْضِ العَرَبِ: أتُهْمَّزُ الفَأْرَةُ؟
فَقالَ: إنَّها تَهْمِزُها الهِرَّةُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجَعَلَ الأكْلَ هَمْزًا، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ كَما اسْتَعارَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ الغَرْثَ في قَوْلِهِ: .................................
∗∗∗ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ تَرْكِيبًا عَلى اسْتِعارَةِ الأكْلِ في الغَيْبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَجْعَلِ الأعْرابِيُّ الهَمْزَ الأكْلَ، وإنَّما أرادَ ضَرْبَها إيّاها بِالنابِ والظُفْرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْمِزُكَ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رَوى عنهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ "يَلْمُزُكَ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ وقِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وغَيْرِهِمْ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُلَمِّزُكَ"، ورَوى أيْضًا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "يُلامِزُكَ"، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ لِأنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يَقَعْ مِنَ النَبِيِّ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ الآيَةُ.
وصْفٌ لِلْحالِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْها المُسْتَقِيمُونَ، يَقُولُ تَعالى: "وَلَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ رَضُوا قِسْمَةَ اللهِ الرِزْقَ لَهم وما أعْطاهم عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ ورَجَّوْا أنْفُسَهم فَضْلَ اللهِ ورَسُولِهِ، وأقَرُّوا بِالرَغْبَةِ إلى اللهِ، لَكانَ خَيْرًا لَهم وأفْضَلَ مِمّا هم فِيهِ".
وحُذِفَ الجَوابُ مِنَ الآيَةِ لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن فَصِيحِ الكَلامِ وإيجازِهِ.
<div class="verse-tafsir"
بيان لجملة: ﴿ ولكنهم قوم يفرقون ﴾ [التوبة: 56].
والمَلجأ: مكان اللَّجإ، وهو الإيواء والاعتصام.
والمغارات: جمع مغارة، وهي الغار المتّسع الذي يستطيع الإنسان الولوج فيه، ولذلك اشتقّ لها المفعل: الدالّ على مكان الفعل، من غَارَ الشيء إذا دخل في الأرض.
والمُدَّخَل مُفْتَعَل اسم مكان للإدّخال الذي هو افتعال من الدخول.
قلبت تاء الافتعال دالاً لوقوعها بعد الدال، كما أبدلت في ادَّان، وبذلك قرأه الجمهور.
وقرأ يعقوب وحده ﴿ أو مدخلاً ﴾ بفتح الميم وسكون الدال اسم مكان من دخل.
ومعنى ﴿ لولوا إليه ﴾ لانصرفوا إلى أحد المذكورات وأصل ولَّى أعرض ولمّا كان الإعراض يقتضي جهتين: جهة يُنصرف عنها، وجهة يُنصرف إليها، كانت تعديته بأحد الحرفين تعيّن المراد.
والجموح: حقيقته النفور، واستعمل هنا تمثيلاً للسرعة مع الخوف.
والمعنى: أنهم لخوفهم من الخروج إلى الغزو لو وجدوا مكاناً ممّا يختفي فيه المختفي فلا يشعر به الناس لقصدوه مسرعين خشية أن يعزم عليهم الخروج إلى الغزو.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَلا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ويَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
والثّانِي: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِما فَرَضَهُ مِنَ الزَّكاةِ في أمْوالِهِمْ، يَعْنِي المُنافِقِينَ.
وَهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: لِيُعَذِّبَهم بِمَصائِبِهِمْ في أمْوالِهِمْ أوْلادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: لِيُعَذِّبَهم بِبَنِي أوْلادِهِمْ وغَنِيمَةِ أمْوالِهِمْ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والخامِسُ: يُعَذِّبُهم بِجَمْعِها وحِفْظِها وحُبِّها والبُخْلِ بِها والحُزْنِ عَلَيْها، وكُلُّ هَذا عَذابٌ.
﴿ وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ تَهْلِكُ بِشِدَّةٍ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ ﴾ الآيَةَ، أمّا المَلْجَأُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحِرْزُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الحِصْنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: المَوْضِعُ الحَرِيزُ مِنَ الجَبَلِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
والرّابِعُ: المَهْرَبُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَمَعانِي هَذِهِ كُلِّها مُتَقارِبَةٌ.
وَأمّا المَغاراتُ فَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الغَيَرانُ في الجِبالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: المَدْخَلُ السّاتِرُ لِمَن دَخَلَ فِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَأمّا المُدَّخَلُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السِّرْبُ في الأرْضِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ المَدْخَلُ الضَّيِّقُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ بِشِدَّةٍ.
﴿ لَوَلَّوْا إلَيْهِ ﴾ يَعْنِي هَرَبًا مِنَ القِتالِ وخِذْلانًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿ وَهم يَجْمَحُونَ ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، قالَ مُهَلْهَلٌ: ؎ لَقَدْ جَمَحْتُ جِماحًا في دِمائِهِمْ حَتّى رَأيْتُ ذَوِي أحْسابِهِمْ خَمَدُوا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويحلفون بالله إنهم لمنكم...
﴾ الآية.
قال: إنما يحلفون بالله تقية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لو يجدون ملجأ...
﴾ الآية.
قال: الملجأ الحرز في الجبال، والغارات الغيران في الجبال، والمدخل السرب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لو يجدون ملجأً أو مغارات أو مدخلاً ﴾ يقول: محرزاً لهم يفرون إليه منكم ﴿ لولوا إليه ﴾ قال: لفروا إليه منكم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم يجمحون ﴾ قال: يسرعون.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ أي: [يفرقون أن] (١) (٢) (٣) قوله تعالى: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ﴾ الملجأ: المكان الذي يتحصن فيه، ومثله اللجأ مقصور ومهموز (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ مَغَارَاتٍ ﴾ هي جمع مغارة، وهي الموضع الذي تغور فيه أي: تستتر، قال أبو عبيدة: كل شيء غرت فيه فغبت فهي مغارة (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ مُدَّخَلًا ﴾ ، قال الزجاج: أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالاً؛ لأن التاء مهموسة والدال مجهورة، وهما من مكان واحد (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ لَوَلَّوْا إِلَيْهِ ﴾ ، قال ابن قتيبة: لرجعوا إليه (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ أي: يسرعون إسراعًا لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمح الفرس، وهو فرس جموح وهو (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ (٢٦) (٢٧) (٢٨) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٢) في (ي): (نظهر).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1814، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 447.
(٤) في (ي): (مقصور مهموز)، وما أثبته موافق لـ"معاني القرآن وإعرابه".
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 454.
(٦) كررت الكلمة في (ي).
(٧) في (ي): (أضررته)، وهو خطأ.
(٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 504، ورواه ابن جرير 10/ 155، وابن أبي حاتم 6/ 1814، بلفظ: الملجأ: الحرز في الجبال، كما رواه الثعلبي 6/ 115 أ، والبغوي 4/ 59، عن عطاء بلفظ المؤلف.
(٩) في (ي): (مغارات).
(١٠) عبارة أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 262: (ما يغورون فيه فيدخلون فيه ويغيبون).
اهـ.
أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فقد عزاه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 115 أإلى الأخفش.
(١١) في (ي): (مثله)، وما أثبته من (ح) و (م) موافق لما في "تفسير الثعلبي".
(١٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 504، والقرطبي 8/ 165، ورواه ابن جرير 10/ 155، وابن أبي حاتم 6/ 1814 بلفظ: (الغيران في الجبال)، كما رواه الثعلبي 6/ 115/ أ، والبغوي 4/ 59 بلفظ المؤلف عن عطاء.
(١٣) اهـ.
كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 455، وقد نقله الواحدي بمعناه.
(١٤) في (ج): (المبتلج).
(١٥) في (ي): (في).
(١٦) رواه ابن جرير 10/ 155، والثعلبي 6/ 115 أ، والبغوي 4/ 59.
(١٧) رواه عنهما الثعلبي 6/ 115 أ، كما رواه عن الكلبي، البغوي 4/ 59.
(١٨) رواه الثعلبي، في المصدر السابق، نفس الموضع، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1815 عن الضحاك عن ابن عباس.
(١٩) رواه الثعلبي 6/ 115 ب، والبغوي 4/ 59 ولفظه عندهما: (وجهًا يدخلونه على خلاف رسول الله - ) اهـ.
فالحسن -رحمه الله- يقصد أن هؤلاء المنافقين يتحينون الفرصة للخلاف والمشاقة والمعاندة، لا يقصد محسوسًا يسلكونه.
(٢٠) اهـ.
كلام ابن قتيبة، انظر: "تفسير غريب القرآن" له ص 196.
(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢٢) في (ي): (أصرفه).
(٢٣) في (ج): (وهذا)، وما أثبته موافق لما في "تهذيب اللغة".
(٢٤) في (ي): (لا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "تهذيب اللغة".
(٢٥) انظر: "تهذيب اللغة" (جمح) 1/ 645.
(٢٦) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٢٧) في "تنوير المقباس" ص 196: يهرولون هرولة.
(٢٨) لم أعثر على هذا القول في مظانه من كتب التفسير، ولم يذكره الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه"، ومعناه في "البرهان" للحوفي 11/ 209 أمنسوبًا لابن عباس ومجاهد وقتادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ ﴾ تعليل لعدم قبول نفقاتهم بكفرهم، ويحتمل أن يكون إنهم كفروا فاعل ما منعهم، أو في موضع مفعول من أجله والفاعل الله ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ قيل: العذاب في الدنيا بالمصائب، وقيل: ما ألزموا من أداء الزكاة ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون ﴾ إخبار بأنهم يموتون على الكفر ﴿ وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ أي من المؤمنين ﴿ يَفْرَقُونَ ﴾ يخافون ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً ﴾ أي ما يلجأ إليه من المواضع ﴿ أَوْ مغارات ﴾ هي الغيران في الجبال ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ وزنه مفتعل من الدخول ومعناه نفق أو سرب في الأرض ﴿ يَجْمَحُونَ ﴾ أي يسارعون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هل تربِّصون ﴾ بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي وهشام مدغماً حتى لا يجتمع ساكنان.
الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء ﴿ أن تقبل ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالفوقانية ﴿ مدخلاً ﴾ بضم الميم وسكون الدال: سهل ويعقوب.
الباقون: بالدال المشددة المتفوحة.
﴿ يلمزك ﴾ بضم الميم: سهل ويعقوب.
الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير.
الوقوف: ﴿ تسؤهم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ لنا ﴾ ج للابتداء لفظاً مع الاتحاد معنى ﴿ هو مولانا ﴾ ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية عنهم.
﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ الحسنيين ﴾ ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام ﴿ بأيدينا ﴾ ط والوصل أصح لأن الفاء جواب ﴿ نتربص ﴾ ﴿ متربصون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط.
﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا أولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ لمنكم ﴾ ط ﴿ يفرقون ﴾ ه ﴿ يجمحون ﴾ ه ﴿ في الصدقات ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ يسخطون ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ لا إلى قوله ﴿ راغبون ﴾ لأن الكل يتعلق بـ"لو" وجواب "لو" بعد التمام محذوف أي لكان خيراً لهم.
التفسير: هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين.
عن ابن عباس: الحسنة في قوم بدر والمصيبة في يوم أحد.
والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله .
ومعنى ﴿ أخذنا أمرنا ﴾ أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي والتدبير.
و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل ما وقع ﴿ وتولوا ﴾ أي عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول ﴿ وهم فرحون ﴾ مسرورون ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ قيل: أي في اللوح المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء.
وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال - زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب.
وقيل: أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدوّ وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في الحال.
وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر ﴿ هو مولانا ﴾ لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه.
﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ فيه تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط والأسباب.
ثم أمره بجواب ثانٍ فقال ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ التربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره.
والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة يعني النصرة أو الشهادة.
وفي الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز بنعيم الآخرة.
﴿ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ﴾ قارعة مثل قارعة عاد وثمود وقيل: عذاب الله يشمل عذاب الدارين ﴿ أو بأيدينا ﴾ يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي ﴿ فتربصوا ﴾ أمر للتهديد نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم ﴾ ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في الدنيا والأخرى.
عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به.
ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً.
و ﴿ أنفقوا ﴾ لفظه أمر ومعناه خبر كقوله فيما يجيء ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ ومعناه أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟
ومثله قول كثير لعزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين مني تفاوتاً في الحالين.
وإنما يجوز إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل لإفادة المبالغة.
وانتصب ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ على الحال ومعناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما.
وسمي الإلزام كراهاً لأنهم منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه.
ويحتمل أن يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة.
ومعنى ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع قبولاً عند الله.
ثم علل عدم القبول بقوله ﴿ إنكم كنتم قوماً فاسقين ﴾ قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق يحبط الطاعات.
وأجيب بأن الفسق ههنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق المطلق كذلك.
وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم ﴾ الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله.
وثانيها ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ﴾ قال المفسرون: معناه أنه إن كان في جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر.
وثالثها: ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا مختارين يعدون الإنفاق مغرماً ومنعه مغنماً خلاف قول رسول الله "أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم" .
قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟
والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارت المتعددة على شيء واحد.
بوجه آخر أطلق كفرهم أولاً ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى حكم عليهم بالكفر مطلقاً ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعاً لشأن تارك الصلاة والزكاة.
قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية.
وأن الكسل من صفات المنافقين.
قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله ﴿ فَمَنْ يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب.
ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولاً بوجه لم يكن له في التخفيف أيضاً أثر.
وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم على وجه الكسل ليس مانعاً من التقبل بالإنفاق.
ثم لما قطع رجاء المنافقين عن منافع الآخرة أراد أن يبّين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضاً في الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطباً للرسول أو لكل أحد ﴿ فلا تعجبك ﴾ الآية.
ونظيره ﴿ ولا تمدّن عينيك ﴾ وإنما قال ﴿ فلا تعجبك ﴾ بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ بخلاف ما سيجيء في الآية الآخرى من هذه السورة.
والإعجاب سرور المرء بالشيء مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله ﴿ ما أظن أن تبيد هذه أبداً ﴾ ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا قال "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى.
وقوله ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن المال والولد لا يكونان عذاباً بل هما من نعم الله على عباده، وأورد عليه أنهما لا يكونان عذاباً في الآخرة أيضاً.
فإن تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم والتأخير لأنهما قد يكونان سبباً للعذاب في الدنيا أيضاً.
وبوجه أخر، المال والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان.
في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟
واعلم أن الأموال والأولاد قد يكونان سبباً للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم.
فصاحب المال أبداً إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب حفظه وتثميره.
ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة.
ثم إنه إن بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حساباً وحرامه عذاباً فثبت أنحصول المال سبب لعذاب الدارين.
إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله يكون نادراً، وكذا الكلام في الولد.
وهذا المعنى وإن كان عاماً للكل إلا أن المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب.
وذلك أن الرجل إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة.
وأيضاً إن النبي كان يكلفهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، وكانوا مبغضين للنبي مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبيّ شهد بدراً وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسببه ولأجل هذه المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ليعذبهم.
أما قوله ﴿ وتزهق أنفسهم ﴾ أي تخرج ﴿ وهم كافرون ﴾ فقد قالت الأشاعرة: فيه دليل على أنه أراد منهم الكفر.
وأورد الجبائي عليه أن المريض إذا قال للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريداً لمرض نفسه، والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعاً في تلك الحالة من ضرورات كونه مريضاً وهو طبيبه.
وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مراداً بالضرورة.
وقال في الكشاف: المراد الاستدراج بالنعم كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة.
ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله عنهم في قوله ﴿ ويحلفون بالله أنهم لمنكم ﴾ أي على دينكم.
ثم قال ﴿ وما هم منكم ﴾ أي ليسوا على دينكم.
﴿ ولكنهم قوم يفرقون ﴾ يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية.
ثم أكد نفاقهم بقوله ﴿ لو يجدون ملجأً ﴾ مفراً فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم.
فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن من صميم القلب.
والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر.
والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب مخرجيهما.
والتداخل "تفعل" من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول فيه.
قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع.
والمراد أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة ﴿ لولوا إليه ﴾ يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه ﴿ وهم يجمحون ﴾ أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوهم شيء.
ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام.
والحاصل أنهم من شدة تأذيهم وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة.
قال بعض العلماء: إنه ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار والله تعالى أعلم.
ومن جملة قبائحهم قوله ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ الآية.
قال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته.
وفرق الليث فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز العيب في الغيبة، واعلم أن العيب في الصدقات يحتمل وجوهاً: الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم.
الثاني: أن يقال: هي أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك.
الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم أرادوه.
عن أبي سعيد الخدري "بينا رسول الله يقسم غنائم حنين قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله.
فقال: ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل" فنزلت.
وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل.
فقال: رسول الله : "لا أبا لك أما كان موسى راعياً.
أما كان داود راعياً فلما ذهب قال رسول الله : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون" .
وقيل: هم المؤلفة قلوبهم.
ثم بيّن أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا للدين فقال ﴿ فإن أعطوا منها رضوا ﴾ وذلك أن رسول الله استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون.
ومعنى ﴿ إذا هم يسخطون ﴾ فهم يسخطون.
وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم عليه.
ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال ﴿ ولو أنهم رضوا ﴾ الآية ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكماً له وقضاء منه كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه.
الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم ﴿ حسبنا الله ﴾ كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر الحبيب.
الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة العالية كان واثقاً بأن الله لا يهمله وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى.
الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال.
يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: ما الذي يحملكم عليه؟
قالوا: الخوف من عقاب الله.
فقال: أصبتم.
ومر على قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟
فقال: الرغبة في الثواب.
فقال: أصبتم.
ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسأهلم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره.
فقال: أنتم المحقون.
التأويل: ﴿ أن تصبك ﴾ يا روح ﴿ حسنة ﴾ من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح عليها ﴿ وإن تصبك مصيبة ﴾ من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع الحيوانية لما خالفناه في السير في العالم الروحاني.
﴿ قل ﴾ يا روح ﴿ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد.
وانظر وقل ﴿ هل تربصون بنا ﴾ أيتها النفس وصفاتها ﴿ إلا إحدى الحسنيين ﴾ الإحسان والعواطف الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية ﴿ بعذاب من عنده ﴾ هو الابتلاء بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما ﴿ أو بأيدينا ﴾ بالمنع من المخالفات وبكثرة الرياضيات والمجاهدات ﴿ طوعاً ﴾ أو رياء ﴿ وكرهاً ﴾ أي نفاقاً ﴿ لن يتقبل منكم ﴾ لأن أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل القلب بدون الجوارح مقبولاً لقوله "نية المؤمن أبلغ من عمله" وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق وحال المخلص بالعكس.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ .
في الباطن في الدين؛ لأنهم كانوا معهم في الظاهر.
وقال: ﴿ وَمَا هُم مِّنكُمْ ﴾ : في الباطن في الدين.
﴿ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ ، أي: يخافون القتل، فيظهرون الموافقة لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ .
قيل: لو وجدوا حرزاً ﴿ أَوْ مَغَارَاتٍ ﴾ يعني: الغيران في الجبال، ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ أي: سرباً في الأرض في الجبال - ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: رجعوا إليه ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ ، أي: يسعون.
وعن بن عباس: قال: الملجأ: الحرز في الجبال، والمغارات: الغيران، والمدخل: السرب.
قال أبو عوسجة: المغارات مثل الملجأ، وهو شيء يتحصنون فيه، ﴿ مُدَّخَلاً ﴾ : هو موضع يدخلونه أيضاً: ﴿ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ أي: يسرعون، يقال: جمحت الدابة، تجمح جماحاً، فهو جامح، وهو من الإسراع، وكذلك قال القتبي.
وقال أبو معاذ: الجموح: الراكب رأسه وهواه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوْ مُدَّخَلاً ﴾ لو يجدون ناساً يدخلون بينهم، ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ : دونكم.
وأصله: أنهم لو وجدوا مأمناً يأمنون ﴿ لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: لصاروا إليه مسرعين، ولا يظهرون لكم الإيمان، ولكن ليس لهم ذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لو يجد هؤلاء المنافقون ملجأ من حصن يحفظون فيه أنفسهم، أو يجدون كهوفًا في الجبال يختبئون فيها، أو يجدون نفقًا يدخلون فيه لالتجؤوا إليه، ودخلوا فيه وهم مسرعون.
<div class="verse-tafsir" id="91.Nm8p0"