الآية ٦ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٦ من سورة التوبة

وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه : ( وإن أحد من المشركين ) الذين أمرتك بقتالهم ، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم ، ( استجارك ) أي : استأمنك ، فأجبه إلى طلبته ( حتى يسمع كلام الله ) أي : [ القرآن ] تقرؤه عليه وتذكر له شيئا من [ أمر ] الدين تقيم عليه به حجة الله ، ( ثم أبلغه مأمنه ) أي : وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ، ( ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) أي : إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله ، وتنتشر دعوة الله في عباده .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في تفسير هذه الآية ، قال : إنسان يأتيك يسمع ما تقول وما أنزل عليك ، فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله ، وحتى يبلغ مأمنه ، حيث جاء .

ومن هذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي الأمان لمن جاءه ، مسترشدا أو في رسالة ، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش ، منهم : عروة بن مسعود ، ومكرز بن حفص ، وسهيل بن عمرو ، وغيرهم واحدا بعد واحد ، يترددون في القضية بينه وبين المشركين ، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر ، فرجعوا إلى قومهم فأخبروهم بذلك ، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم .

ولهذا أيضا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : أتشهد أن مسيلمة رسول الله ؟

قال : نعم .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة ، وكان يقال له : ابن النواحة ، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة ، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له : إنك الآن لست في رسالة ، وأمر به فضربت عنقه ، لا رحمه الله ، ولعنه .

والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة ، أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية ، أو نحو ذلك من الأسباب ، فطلب من الإمام أو نائبه أمانا ، أعطي أمانا ما دام مترددا في دار الإسلام ، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه .

لكن قال العلماء : لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة ، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر ، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان ، عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك، يا محمد، من المشركين، الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، أحدٌ ليسمع كلام الله منك = وهو القرآن الذي أنـزله الله عليه =(فأجره)، يقول: فأمّنه حتى يسمع كلام الله وتتلوه عليه =(ثم أبلغه مأمنه)، يقول: ثم رُدَّه بعد سماعه كلام الله إن هو أبَي أن يسلم، ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن = " إلى مأمنه ", يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك، حتى يلحق بداره وقومه من المشركين (75) =(ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)، يقول: تفعل ذلك بهم، من إعطائك إياهم الأمان ليسمعوا القرآن, وردِّك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم, من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوِزْر والإثم بتركهم الإيمان بالله.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16481- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (وإن أحد من المشركين استجارك)، أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم,(فأجره).

(76) 16482- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فأجره حتى يسمع كلام الله)، أما " كلام الله "، فالقرآن.

16483- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره)، قال: إنسان يأتيك فيسمع ما تقول، ويسمع ما أنـزل عليك، فهو آمنٌ حتى يأتيك فيسمع كلام الله, وحتى يبلغ مأمنه، حيث جاءه.

(77) 16484- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه.

16485- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد قال: خرج رسوله الله صلى الله عليه وسلم غازيًا, فلقي العدوَّ, وأخرج المسلمون رجلا من المشركين وأشرعوا فيه الأسنّة, فقال الرجل: ارفعوا عني سلاحكم, وأسمعوني كلام الله !

فقالوا: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتخلع الأنداد، وتتبرأ من اللات والعزى!

فقال: فإنّي أشهدكم أني قد فعلت.

16486- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ثم أبلغه مأمنه)، قال: إن لم يوافقه ما تتلو عليه وتحدثه, (78) فأبلغه.

قال: وليس هذا بمنسوخ.

* * * واختلفت في حكم هذه الآية, وهل هو منسوخ أو هو غير منسوخ؟

فقال بعضهم: هو غير منسوخ.

وقد ذكرنا قول من قال ذلك.

* * * وقال آخرون: هو منسوخ.

* ذكر من قال ذلك: 16487- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن جويبر, عن الضحاك: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، نسختها: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ،.

[سورة محمد: 4] 16488-......

قال، حدثنا سفيان, عن السدي, مثله.

* * * وقال آخرون: بل نسخ قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ، قوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ .

* ذكر من قال ذلك: 16489- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان, عن ابن أبي عروبة, عن قتادة: حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ، [سورة محمد : 4 ] نسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، قولُ من قال: " ليس ذلك بمنسوخ ".

وقد دللنا على أن معنى " النسخ "، هو نفي حكم قد كان ثبت بحكم آخر غيره.

(79) ولم تصحّ حجةٌ بوجوب حكم الله في المشركين بالقتل بكل حال، ثم نسخه بترك قتلهم على أخذ الفداء، ولا على وجه المنّ عليهم.

فإذ كان ذلك كذلك، وكان الفداء والمنّ والقتل لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم, (80) وذلك من يوم بدر = كان معلومًا أن معنى الآية: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم, وخذوهم للقتل أو المنِّ أو الفداء، واحصروهم.

وإذا كان ذلك معناه، صحّ ما قلنا في ذلك دون غيره.

----------------------- الهوامش : (75) انظر تفسير " الأمن " فيما سلف 13 : 420 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

(76) الأثر : 16481 - سيرة ابن هشام 4 : 189 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16480 .

(77) في المطبوعة : " حيث جاء " ، والصواب من المخطوطة .

(78) في المخطوطة والمطبوعة : " ما تقول عليه وتحدثه " ، وفي المخطوطة فوق " تقول " حرف ( ط ) دلالة على الخطأ ، والصواب ما أثبت .

(79) انظر ما قاله أبو جعفر في " النسخ " مرارا في فهارس الكتاب .

(80) في المطبوعة: "فكان الفداء"، وهو خطأ، لم يحسن قراءة المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإن أحد من المشركين أي من الذين أمرتك بقتالهم .

استجارك أي سأل جوارك ، أي أمانك وذمامك ، فأعطه إياه ليسمع القرآن ، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه .

فإن قبل أمرا فحسن ، وإن أبى فرده إلى مأمنه .

وهذا ما لا خلاف فيه .

والله أعلم .قال مالك : إذا وجد الحربي في طريق بلاد المسلمين فقال : جئت أطلب الأمان .

قال مالك : هذه أمور مشتبهة ، وأرى أن يرد إلى مأمنه .

وقال ابن قاسم : وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا بساحلنا فيقول : ظننت ألا تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع .

وظاهر الآية إنما هي في من يريد سماع القرآن والنظر في الإسلام ، فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين والنظر فيما تعود عليهم به منفعته .الثانية : ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز ؛ لأنه مقدم للنظر والمصلحة ، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار .

واختلفوا في أمان غير [ ص: 16 ] الخليفة ، فالحر يمضي أمانه عند كافة العلماء .

إلا أن ابن حبيب قال : ينظر الإمام فيه .

وأما العبد فله الأمان في مشهور المذهب ، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق والأوزاعي والثوري وأبو ثور وداود ومحمد بن الحسن .

وقال أبو حنيفة : لا أمان له ، وهو القول الثاني لعلمائنا .

والأول أصح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم .

قالوا : فلما قال أدناهم جاز أمان العبد ، وكانت المرأة الحرة أحرى بذلك ، ولا اعتبار بعلة " لا يسهم " له .

وقال عبد الملك بن الماجشون : لا يجوز أمان المرأة إلا أن يجيزه الإمام ، فشذ بقوله عن الجمهور .

وأما الصبي فإذا أطاق القتال جاز أمانه ؛ لأنه من جملة المقاتلة ، ودخل في الفئة الحامية .

وقد ذهب الضحاك والسدي إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله : فاقتلوا المشركين .

وقال الحسن : هي محكمة ، سنة إلى يوم القيامة ، وقاله مجاهد .

وقيل : هذه الآية إنما كان حكمها باقيا مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم أجلا ، وليس بشيء .

وقال سعيد بن جبير : جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة الأشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قتل ؟

فقال علي بن أبي طالب : لا ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله .

وهذا هو الصحيح .

والآية محكمة .الثالثة : قوله تعالى : وإن أحد أحد مرفوع بإضمار فعل كالذي بعده .

وهذا حسن في " إن " وقبيح في أخواتها .

ومذهب سيبويه في الفرق بين " إن " وأخواتها ، أنها لما كانت أم حروف الشرط خصت بهذا ، ولأنها لا تكون في غيره .

وقال محمد بن يزيد : أما قوله - لأنها لا تكون في غيره - فغلط ؛ لأنها تكون بمعنى - ما - ومخففة من الثقيلة ولكنها مبهمة ، وليس كذا غيرها .

وأنشد سيبويه :لا تجزعي إن منفسا أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعيالرابعة : قال العلماء : في قوله تعالى : حتى يسمع كلام الله دليل على أن كلام الله عز وجل مسموع عند قراءة القارئ ، قاله الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر وأبو العباس القلانسي وابن مجاهد وأبو إسحاق الإسفراييني وغيرهم ، لقوله تعالى : حتى يسمع كلام الله فنص على أن كلامه مسموع عند قراءة القارئ لكلامه .

ويدل عليه إجماع المسلمين على أن القارئ إذا قرأ فاتحة الكتاب أو سورة قالوا : سمعنا كلام الله .

وفرقوا بين أن يقرأ كلام [ ص: 17 ] الله تعالى وبين أن يقرأ شعر امرئ القيس .

وقد مضى في سورة ( البقرة ) معنى كلام الله تعالى ، وأنه ليس بحرف ولا صوت ، والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما كان ما تقدم من قوله ‏{‏فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ‏}‏ أمرا عاما في جميع الأحوال، وفي كل الأشخاص منهم، ذكر تعالى، أن المصلحة إذا اقتضت تقريب بعضهم جاز، بل وجب ذلك فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ‏}‏ أي‏:‏ طلب منك أن تجيره، وتمنعه من الضرر، لأجل أن يسمع كلام اللّه، وينظر حالة الإسلام‏.‏ ‏{‏فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ‏}‏ ثم إن أسلم، فذاك، وإلا فأبلغه مأمنه، أي‏:‏ المحل الذي يأمن فيه، والسبب في ذلك أن الكفار قوم لا يعلمون، فربما كان استمرارهم على كفرهم لجهل منهم، إذا زال اختاروا عليه الإسلام، فلذلك أمر اللّه رسوله، وأمته أسوته في الأحكام، أن يجيروا من طلب أن يسمع كلام اللّه‏.‏ وفي هذا حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة، القائلين بأن القرآن كلام اللّه غير مخلوق، لأنه تعالى هو المتكلم به، وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها، وبطلان مذهب المعتزلة ومن أخذ بقولهم‏:‏ أن القرآن مخلوق‏.‏ وكم من الأدلة الدالة على بطلان هذا القول، ليس هذا محل ذكرها‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك ) أي : وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم ، أي : استأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله .

( فأجره ) فأعذه وآمنه ، ( حتى يسمع كلام الله ) فيما له وعليه من الثواب والعقاب ، ( ثم أبلغه مأمنه ) أي : إن لم يسلم أبلغه مأمنه ، أي : الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه ، فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله ، ( ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) أي : لا يعلمون دين الله تعالى وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله .

قال الحسن : وهذه الآية محكمة إلى يوم القيامة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن أحد من المشركين» مرفوع بفعل يفسره «استجارك» استأمنك من القتل «فأجره» أمِّنه «حتى يسمع كلام الله» القرآن «ثم أبلغه مأمنه» وهو دار قومه إن لم يؤمن لينظر في أمره «ذلك» المذكور «بأنهم قوم لا يعلمون» دين الله فلا بد لهم من سماع القرآن ليعلموا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا طلب أحد من المشركين الذين استبيحت دماؤهم وأموالهم الدخول في جوارك -أيها الرسول- ورغب في الأمان، فأجبه إلى طلبه حتى يسمع القرآن الكريم ويطَّلع على هدايته، ثم أَعِدْه من حيث أتى آمنًا؛ وذلك لإقامة الحجة عليه؛ ذلك بسبب أن الكفار قوم جاهلون بحقائق الإسلام، فربما اختاروه إذا زال الجهل عنهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد ان بين - سبحانه - حكم المصرين على الشرك وهو تقالهم وأخذهم ، وحكم الراجعين عنه وهو إخلاء سبيلهم .

بعد ذلك بين - سبحانه - حكم المشركين الذين يطلبون الأمان لمعرفة شرائع الإِسلام فقال - تعالى - : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين .

.

.

) .وقوله : استجارك ، أى ، طلب جوارك وحمايتك من الاعتداء عليه ، وقد كان من الأخلاق الحميدة المتعارف عليها حماية الجار والدفاع عنه ، حتى سمى النصير جارا ، وعلى هذا المعنى جاء قوله .

تعالى : ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ) أى : نصير لكم .و ( إِنْ ) شرطية و ( أَحَدٌ ) مرفوع بفعل مضمر يفسره الفعل الظاهر وهو ( استجارك ) والمعنى : وإن استأمنك - يا محمد - أحد من المشركين ، وطلب جوارك وحمايتك بعد انقضاء مدة المحددة له ، ( فَأَجِرْهُ ) أى : فأمنه وأجبه إلى طلبه ، ( حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ) أى : لكى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه من تعاليم مقنعة للعقول السليمة بأن الشرك ظلم عظيم .

.واقتصر على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شئ آخر فى الفهم ، لأنهم من أهل الفصاحة والبلاغة ، وقد كان سماع بعضهم لشئ من كلام الله سببا فى هدايته .وقوله : ( ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) بيان لما يجب على المسلمين نحو هذا المشرك المستجير إذا ما استمع إلى كلام الله ثم بقى على شركه .أى : عليك - يا محمد - أن تجيزه حتى يسمع كلام الله ويتدبره ولا يبقى له عذر فى الاصرار على شركه ، فإن آمن بعد سماعه صار من أتباعك ، وإن بقى على شركه وأراد الرجوع إلى جماعته ، فعليك أن تحافظ عليه حتى يصل إلى مكان أمنه واستقراره ، وهو ديار قومه : ثم بعد ذلك يصبح حكمه كحكم المصرين على الشرك ، ويعامل بما يعاملون به .واسم الإِشارة فى قوله : ( ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ) يعود إلى الأمر بالإِجارة وإبلاغ المأمن .أى : ذلك الذى أمرناك به من إجارة المستجير من المشركين وإبلاغه مأمنه إذا لم يسلم ، بسبب أنهم قوم لا يعلمون الإِسلام ولا حقيقة ما تدعوهم إليهم أى قوم يحتاجون إلى فترة من الوقت يسمعون كلام الله فيها وهم آمنون ، وبهذا السماع منك ومن أصحابك لا يبقى لهم عذر أصلا فى استمرارهم على الباطل .عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من المشركين إلى على بن أبى طالب فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أولحاجة : قتل؟

فقال له على : لا ، لأن الله يقول ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ) الآية .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من الآية ما يأتى :1- أن المستأمن لا يؤذى ، بل يجب على المسلمين حمايته فى نفسه وماله وعرضه ما دام فى دار الإِسلام ، وقد حذر الإِسلام أتباعه من الغدر أشد تحذير ، ومن ذلك ما رواه البخارى والنسائى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا برئ من القاتل وإن كان المقتول كافرا " .2- يلحق بالمستجير الطالب لسماع كلام الله؛ من كان طالبا لسماع الأدلة على كون الإِسلام حقا ، ومن كان طالبا للجواب على الشبهات التى أثارها اعداء الإِسلام ، لأن هؤلاء وأمثالهم بطرقون باب الفهم والمعرفة ويبحثون عن الحق فعلينا أن نحميهم ، وأن نبذل أقصى الجهود فى تعليمهم وإرشادهم وإزالة الشبهات عنهم ، لعل الله أن يشرح صدورهم للاسلام بسبب هذا التعليم والإِرشاد .قال ابن كثير : كان رسول الله - صلى اله عليه وسلم - يعطى الأمان لمن جاءه مسترشداً أو فى رسالة ، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم عروة بن مسعود ، ومكرز بن فرأوا من إعظام المسلمين لرسولهم - صلى الله عليه وسلم - ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر ، فرجعوا إلى قومهم ، وأخبروهم بذلك ، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم .3- على الإِمام أو من يقوم مقامه أن يعطى المستأمن المهلة التى يراها كافية لفهمه حقائق الاسلام وأن يبغله مأمنه بعد انقضاء حاجته ، وأن لا يمكنه من الإِقامة فى دار الاسلام إلا بمقدار قضاء حاجته .قال الامام الرازى : ليس فى الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة كم يكون ، ولعله لا يعرف مقدارها إلا بالعرف ، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت اليه .4- أخذ العلماء من هذه الآية وجوب التفقه فى الدين ، وعدم الاكتفاء بالظنون والتقليد للغير ، وقد وضح الإِمام الرازى هذا المعنى فقال :دلت الآية على ان التقليد غير كاف فى الدين ، وأنه لا بد من النظر والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا ، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر ، بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك .

فلما لم يقل له ذلك - بل أمهلوأزيل الخوف عنه ووجب تبليغه مأمنه - علم أن ذلك لأجل عدم كفاية التقليد فى الدين ، وأنه لا بد من الحجة والدليل : فلذا أمهل ليحل له النظر .5- تكلم العلماء عمن له حق إعطاء الأمان للمستأمن فقال القرطبى : " ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز؛ لأنه النظر والمصلحة .

نائب عن الجميع فى جلب المصالح ودفع المضار .

واختلفوا فى أمان غير الخليقة ، فالحر يمضى أمانه عند كافة العلماء .

وأما العبد فله الأمان فى مشهور مذهب المالكية وبه قال الشافعى وأحمد .وقال أبو حنيفة؛ لا أمان له .

والأول اصح لقوله - صلى الله عليه وسلم -" المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم " .قالوا : فلما قال " أدناهم " جاز أمان العبد .

.وقال بعض العلماء : هذه الآية كانت أصلا عند الفقهاء فى إباحة تأمين المشرك ، وقد توسع الإِسلام فى باب الأمان فقرر به عصمة المستأمن ، وأوجب على المسلمين حمايته ما دام فى دار الإِسلام ، وجعل للمسلمين حق إعطاء ذلك الأمان ، ولم يشترط فى ذلك إلا ما يضمن على المسلمين سلامتهم ، بأن لا تظهر على المستأمن مظاهر الركون إلى التجسس على المسلمين .ولا ينسى الإِسلام - وهو يعطى هذا الحق للافراد - حق الإِمام المهيمن على شئون المسلمين ، بل جعل له بمقتضى هيمنته العامة ، وتقديره لوجوه المصلحة ، حق إبطال أى أمان لم يصادف محله ، أو لم يستوف شروطه ، كما له أن ينتزع ذلك الحق من الأفراد متى رأى المصلحة فى ذلك .والإِسلام يبيح بهذا الأمان التبادل التجارى والصناعى والثقافى ، وفى سائر الشئون ما لم يتصل شئ منها بضرر الدولة .6- هذه الآية الكريمة تشهد بسمو تعاليم الاسلام وسماحتها وحرصها على هداية الناس الى الحق ، وعلى صيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم من العدوان عليها .

.

حتى ولو كان هؤلاء الناس من أعداء الإِسلام .وقد بسط هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه : إن هذه الآية تعنى أن الإِسلام حريص على كل قلب بشرى أن يهتدى وأن يثوب ، وأن المشركين يطلبون الجوار والأمان فى دار الإِسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان ذلك أنه فى هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه ، فلا ضير إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين ، لعل قلوبهم أن تتفتح وتستجيب وحتى إذا لم تستجب فقد أوجل الله لهم على أهل دار الإِسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بدل يأمنون فيه على أنفسهم .ولقد كانت قمة عالية تلك الإِجارة والأمان لهم فى دار الاسلام .

.

ولكن قمة القمم هذه الحراسة للمشرك - عدو الإِسلام والمسلمين - حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار السلام .إنه منهج الهداية لا منهج الابادة ، حتى وهو يتصدى لتأمين قاعدة الإِسلام .إن هذا لدين إعلام لمن لا يعلمون ، وإجارة لمن يستجيرون ، حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه .

.وبعد أن صرحت السورة الكريمة ببراءة الله ورسوله من عهود المشركين الخائنين ، وأمرت المؤمنين بإعطائهم مهلة يسيحون فيها فى الأرض ، ويتدبرون خلالها أمرهم ، ثم بعد ذلك على المؤمنين أن يقتلوهم حيث وجدوهم ، وان يستعملوا معهم كل الوسائل المشروعة لإِذلالهم ، وأن يؤمنوا المشرك الذى يريد أن يسمع كلام الله ، وان يحافظوا عليه حتى يصل الى مكان استقراره .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير وجه النظم نقل عن ابن عباس أنه قال: إن رجلاً من المشركين قال لعلي بن أبي طالب إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة أخرى فهل نقتل، فقال علي: لا إن الله تعالى قال: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ ﴾ أي فأمنه حتى يسمع كلام الله، وتقرير هذا الكلام: أن نقول: إنه تعالى لما أوجب بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله تعالى قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفى في إزاحة عذرهم وعلتهم، وذلك يقتضي أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة لا يلتفت إليه، بل يطالب إما بالإسلام وإما بالقتل، فلما كان هذا الكلام واقعاً في القلب لا جرم ذكر الله هذه الآية إزالة لهذه الشبهة، والمقصود منه بيان أن الكافر إذا جاء طالباً للحجة والدليل أو جاء طالباً لاستماع القرآن، فإنه يجب إمهاله ويحرم قتله ويجب إيصاله إلى مأمنه، وهذا يدل على أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد، ويدل أيضاً على أن النظر في دين الله أعلى المقامات وأعلى الدرجات، فإن الكافر الذي صار دمه مهدراً لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار، ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه.

المسألة الثانية: أحد مرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر، وتقديره: وإن استجارك أحد، ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل لا يدخل على غيره.

فإن قيل: لما كان التقدير ما ذكرتم فما الحكمة في ترك هذا الترتيب الحقيقي؟

قلنا: الحكمة فيه ما ذكره سيبويه، وهو أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه، أعني وقد بينا هاهنا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشركين، فقدم ذكره ليدل ذلك على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار، قال الزجاج: المعنى إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن كلام الله يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات، فدل ذلك على أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف والأصوات، ثم من المعلوم بالضرورة أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة، لأن تكلم الله بهذه الحروف إما أن يكون معاً أو على الترتيب، فإن تكلم بها معاً لم يحصل منه هذا الكلام المنتظم، لأن الكلام لا يحصل منتظماً إلا عند دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب، فلو حصلت معاً لا متعاقبة لما حصل الانتظام، فلم يحصل الكلام.

وأما إن حصلت متعاقبة، لزم أن ينقضي المتقدم ويحدث المتأخر، وذلك يوجب الحدوث، فدل هذا عن أن كلام الله محدث.

قالوا: فإن قلتم إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات؛ فهذا باطل لأن الرسول ما كان يشير بقوله كلام الله إلا هذه الحروف والأصوات، وأما الحشوية والحمقى من الناس، فقالوا ثبت بهذه الآية أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف والأصوات، وثبت أن كلام الله قديم، فوجب القول بقدم الحروف والأصوات.

واعلم أن الأستاذ أبا بكر بن فورك زعم أنا إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات فقد سمعنا مع ذلك كلام الله تعالى وأما سائر الأصحاب فقد أنكروا عليه هذا القول، وذلك لأن ذلك الكلام القديم إما أن يكون نفس هذه الحروف والأصوات، وإما أن يكون شيئاً آخر مغايراً لها.

والأول: هو قول الرعاع والحشوية وذلك لا يليق بالعقلاء.

وأما الثاني: فباطل لأنا على هذا التقدير لما سمعنا هذه الحروف والأصوات، فقد سمعنا شيئاً آخر يخالف ماهية هذه الحروف والأصوات، لكنا نعلم بالضرورة أن عند سماع هذه الحروف والأصوات لم نسمع شيئاً آخر سواها ولم ندرك بحاسة السمع أمراً آخر مغايراً لها فسقط هذا الكلام.

والجواب الصحيح عن كلام المعتزلة أن نقول: هذا الذي نسمعه ليس عين كلام الله على مذهبكم، لأن كلام الله ليس إلا الحروف والأصوات التي خلقها أولاً، بل تلك الحروف والأصوات انقضت وهذه التي نسمعها حروف وأصوات فعلها الإنسان، فما ألزمتموه علينا فهو لازم عليكم.

واعلم أن أبا علي الجبائي لقوة هذا الإلزام ارتكب مذهباً عجيباً فقال: كلام الله شيء مغاير للحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارئ، وقد أطبق المعتزلة على سقوط هذا المذهب والله أعلم.

المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين وأنه لابد من النظر والاستدلال، وذلك لأنه لو كان التقليد كافياً، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر، بل يقال له إما أن تؤمن، وإما أن نقتلك فلما لم يقل له ذلك، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ووجب علينا أن نبلغه مأمنه علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف، بل لابد من الحجة والدليل فأمهلناه وأخرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال.

إذا ثبت هذا فنقول: ليس في الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة كم يكون ولعله لا يعرف مقداره إلا بالعرف، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه والله أعلم.

المسألة الخامسة: المذكور في هذه الآية كونه طالباً لسماع القرآن فنقول: ويلتحق به كونه طالباً لسماع الدلائل، وكونه طالباً للجواب عن الشبهات، والدليل عليه أنه تعالى علل وجوب تلك الإجارة بكونه غير عالم لأنه قال ذلك بأنهم قوم لا يعلمون وكان المعنى فأجره، لكونه طالباً للعلم مسترشداً للحق وكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

المسألة السادسة: في قوله: ﴿ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ﴾ وجوه: قيل: أراد سماع جميع القرآن، لأن تمام الدليل والبينات فيه، وقيل: أراد سماع سورة براءة، لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين، وقيل: أراد سماع كل الدلائل.

وإنما خص القرآن بالذكر، لأنه الكتاب الجاري لمعظم الدلائل.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ معناه أوصله إلى ديار قومه التي يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم ثم بعد ذلك يجوز قتالهم وقتلهم.

المسألة السابعة: قال الفقهاء: والكافر الحربي إذا دخل دار الإسلام كان مغنوماً مع ماله، إلا أن يدخل مستجيراً لغرض شرعي كاستماع كلام الله رجاء الإسلام، أو دخل لتجارة.

فإن دخل بأمان صبي أو مجنون فأمانهما شبهة أمان، فيجب تبليغه مأمنه.

وهو أن يبلغ محروساً في نفسه وماله إلى مكانه الذي هو مأمن له، ومن دخل منهم دار الإسلام رسولاً فالرسالة أمان، ومن دخل ليأخذ مالاً في دار الإسلام ولماله أمان فأمان له والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَحَدٌ ﴾ مرتفع بفعل الشرط مضمراً يفسره الظاهر، تقديره: وإن استجارك أحد استجارك ولا يرتفع بالابتداء، لأنّ (إن) من عوامل الفعل لا تدخل على غيره.

والمعنى: وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه ولا ميثاق، فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن، وتبين ما بعثت له فأمّنه ﴿ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ﴾ ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ ﴾ بعد ذلك داره التي يأمن فيها إن لم يسلم.

ثم قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة، وهذا الحكم ثابت في كل وقت.

وعن الحسن رضي الله عنه: هي محكمة إلى يوم القيامة.

وعن سعيد بن جبير: جاء رجل من المشركين إلى عليّ رضي الله عنه فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله، أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: لا، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك ﴾ الآية.

وعن السُدّي والضحاك رضي الله عنهما: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] .

﴿ ذلك ﴾ أي ذلك الأمر، يعني الأمر بالإجارة في قوله: ﴿ فَأَجِرْهُ ﴾ .

﴿ ب ﴾ سبب ﴿ أَنَّهُمْ ﴾ قوم جهلة ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بدّ من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإذا انْسَلَخَ ﴾ انْقَضى، وأصْلُ الِانْسِلاخِ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِمّا لابَسَهُ مِن سَلْخِ الشّاةِ.

﴿ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها.

وقِيلَ هي رَجَبٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وهَذا مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي بَقاءَ حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ إذْ لَيْسَ فِيما نَزَلَ بَعْدُ ما يَنْسَخُها.

﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ النّاكِثِينَ.

﴿ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ.

﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ وأْسِرُوهم، والأخِيذُ الأسِيرُ.

﴿ واحْصُرُوهُمْ ﴾ واحْبِسُوهم أوْ حِيلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.

﴿ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ كُلَّ مَمَرٍّ لِئَلّا يَتَبَسَّطُوا في البِلادِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ.

﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ عَنِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ.

﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ ﴾ تَصْدِيقًا لِتَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ.

﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ فَدَعُوهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ ومانِعَ الزَّكاةِ لا يُخَلّى سَبِيلُهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أيْ فَخَلُّوهم لِأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غَفَرَ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وعَدَلَهُمُ الثَّوابَ بِالتَّوْبَةِ.

﴿ وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ المَأْمُورُ بِالتَّعَرُّضِ لَهم.

﴿ اسْتَجارَكَ ﴾ اسْتَأْمَنَكَ وطَلَبَ مِنكَ جِوارَكَ.

﴿ فَأجِرْهُ ﴾ فَأمِّنْهُ.

﴿ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ﴾ ويَتَدَبَّرَهُ ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ.

﴿ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ مَوْضِعَ أمْنِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وأحَدٌ رُفِعَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ لا بِالِابْتِداءِ لِأنَّ إنَّ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ الأمْنُ أوِ الأمْرُ.

﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ما الإيمانُ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمانِهِمْ رَيْثَما يَسْمَعُونَ ويَتَدَبَّرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ} أَحَدٌ مرتفع بفعل شرط مضمر يفسره الظاهر أي وإن استجارك أحد استجارك والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمّنه {حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله} ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر {ثم أبلغه} بعد ذلك {مأمنه} داره التى يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت وفيه دليل على أن المستأمن لا يؤذي وليس له الإقامة في دارنا ويمكن من العود {ذلك} أي الأمر بالإجارة في قوله فَأَجِرْهُ {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعوا إليه فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا الحق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ أحَدٌ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُكْمِ المُتَصَدِّينَ لِمَبادِئِ التَّوْبَةِ مِن سَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى والوُقُوفِ عَلى شَعائِرِ الدِّينِ إثْرَ بَيانِ حُكْمِ التّائِبِينَ عَنِ الكُفْرِ والمُصِرِّينَ عَلَيْهِ، وفِيهِ إزاحَةُ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ) إذِ الحُجَّةُ قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلُ مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ كافٍ في إزالَةِ عُذْرِهِمْ بِطَلَبِهِمْ لِلدَّلِيلِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بَعْدُ و( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ والِاسْمُ مَرْفُوعٌ بِشَرْطٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ لا بِالِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ كَما قالَ الزَّجّاجُ لِأنَّ إنْ لِكَوْنِها تَعْمَلُ العَمَلَ المُخْتَصَّ بِالفِعْلِ لَفْظًا أوْ مَحَلّا مُخْتَصَّةً بِهِ فَلا يَصِحُّ دُخُولُها عَلى الأسْماءِ أيْ وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ ( ﴿ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ﴾ ) أيِ اسْتَأْمَنَكَ وطَلَبَ مُجاوَرَتَكَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ المَضْرُوبِ ( ﴿ فَأجِرْهُ ﴾ ) أيْ فَآمِنهُ ( ﴿ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ﴾ ) ويَتَدَبَّرَهُ ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ ما تَدْعُو إلَيْهِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ السَّماعِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ في الفَهْمِ لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ اللِّسْنِ والفَصاحَةِ، والمُرادُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى الآياتُ المُشْتَمِلَةُ عَلى ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّبَهِ والشَّبِيهِ، وقِيلَ: سُورَةُ بَراءَةَ، وقِيلَ: جَمِيعُ القُرْآنِ لِأنَّ تَمامَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ فِيهِ، و( حَتّى ) لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، ولَيْسَتِ الآيَةُ مِنَ التَّنازُعِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الفاضِلُ ابْنُ العادِلِ حَيْثُ قالَ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِأمْرٍ لَفْظِيٍّ صِناعِيٍّ لِأنّا لَوْ جَعَلْناها مِن ذَلِكَ البابِ وأعْلَمْنا الأوَّلَ أعْنِي اسْتَجارَكَ لَزِمَ إثْباتُ المُمْتَنِعِ عِنْدَهم وهو إعْمالُ حَتّى في الضَّمِيرِ فَإنَّهم قالُوا: لا يُرْتَكَبُ ذَلِكَ إلّا في الضَّرُورَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَلا واللَّهِ لا يَلْقى أُناسٌ فَتًى حَتّاكَ يا ابْنَ أبِي زِيادِ ضَرُورَةُ أنَّ القائِلِينَ بِإعْمالِ الثّانِي يَجَوِّزُونَ إعْمالَ الأوَّلِ المُسْتَدْعِي لِما ذُكِرَ سِيَّما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المَبْنِيِّ عَلى رُجْحانِ إعْمالِهِ ومَن جَوَّزَ إعْمالَهُ في الضَّمِيرِ يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِعَدَمِ المَحْذُورِ حِينَئِذٍ، ويُفْهِمُ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأفاضِلِ جَوازَ التَّعَلُّقِ بِاسْتَجارَكَ حَيْثُ قالَ: لا داعِيَ لِتَعَلُّقِهِ بِأجْرِهِ سِوى الظَّنِّ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلى تَقْدِيرِ التَّعَلُّقِ بِالأوَّلِ وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فَأجِرْهُ حَتّاهُ أيْ حَتّى السَّمْعِ، وهَلْ يَقُولُ عاقِلٌ بِتَوَقُّفِ تَمامِ قَوْلِكَ إنِ اسْتَأْمَنَكَ زَيْدٌ لِأمْرِ كَذا فَآمِنهُ عَلى أنْ تَقُولَ لِذَلِكَ الأمْرِ كُلًّا فَرَضْنا الِاحْتِياجَ ولُزُومَ التَّقْدِيرِ ولَكِنْ ما المُوجِبُ لِتَقْدِيرِ حَتّاهُ المُمْتَنَعِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِذَلِكَ أوَّلُهُ أوْ حَتّى يَسْمَعَهُ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا في مَعْناهُ، وقالَ آخَرُ: إنَّ لُزُومَ الإضْمارِ المُمْتَنِعِ عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ الأوَّلِ لا يُعَيِّنُ إعْمالَ الثّانِي فَلا يَخْرُجُ التَّرْكِيبُ مِن بابِ التَّنازُعِ بَلْ يَعْدِلُ حِينَئِذٍ إلى الحَذْفِ فَإنْ تَعَذَّرَ أيْضًا ذُكِرَ مُظْهَرًا كَما يُسْتَفادُ مِن كَلامِ نَجْمِ الأئِمَّةِ وغَيْرِهِ مِنَ المُحَقِّقِينَ.

وقَدْ يُقالُ: إنَّ المانِعَ مِن كَوْنِهِ مِن بابِ التَّنازُعِ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعْلِيلَ الِاسْتِجارَةِ بِما ذُكِرَ كَما أنَّ المَقْصُودَ تَعْلِيلُ الإجارَةِ بِهِ، نَعَمْ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ تَعَلُّقَ الإجارَةِ بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى يَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ الِاسْتِجارَةِ أيْضًا بِذَلِكَ أوْ ما في مَعْناهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: إنْ أرادَ الرَّجُلُ مِنّا أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْ لِحاجَةٍ قُتِلَ؟

قالَ: لا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ( ﴿ وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ ﴾ ) إلَخْ فالمُرادُ بِما فِيهِ مِنَ الحاجَةِ هي الحاجَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالدِّينِ لا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الحاجاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ مَن يَأْتِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما يَأْتِيهِ لِلْأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ انْتَهى، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ العُمُومُ، فَيَكُونُ جَوابُ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مُؤَيِّدًا لِما قُلْناهُ، ويَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ قَدَّسَ سِرَّهُ أنْ يَأْتِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما يَأْتِيهِ لِلْأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ مَنعٌ ظاهِرٌ فَلا يَتِمُّ بِناءُ الأنْباءِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ حَتّى لِلْغايَةِ والخَبَرُ المَذْكُورُ وجَزالَةُ المَعْنى يَشْهَدانِ بِكَوْنِها لِلتَّعْلِيلِ، بَلْ قالَ المَوْلى سَرِيُّ الدَّيْنِ المِصْرِيُّ: إنْ جَعَلَها لِلْغايَةِ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ ثُمَّ أبْلِغْهُ ﴾ ) بَعْدَ سَماعِهِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى إنْ لَمْ يُؤْمَن ( ﴿ مَأْمَنَهُ ﴾ ) أيْ: مَسْكَنَهُ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ أوْ مَوْضِعَ أمْنِهِ وهو دِيارُ قَوْمِهِ عَلى أنَّ المَأْمَنَ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ والأوَّلُ أوْلى لِسَلامَتِهِ مِن مُؤْنَهِ التَّقْدِيرِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى ما بَيَّنَهُ في ”الكَشْفِ“ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ) ولا حُجَّةَ في الآيَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى نَفْيِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ لِأنَّ السَّماعَ قَدْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الدّالِّ عَلَيْهِ أوْ يُقالُ: إنَّ الكَلامَ مَعْقُولٌ بِالِاشْتِراكِ أوْ بِالحَقِيقَةِ والمَجازِ عَلى الكَلامِ النَّفْسِيِّ والكَلامِ اللَّفْظِيِّ، ولا يَلْزَمُ مِن تَعَيُّنِ أحَدِهِما في مَقامِ نَفْيِ ثُبُوتِ الآخَرِ في نَفْسِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في المُقَدِّماتِ مِنَ الكَلامِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ ( ﴿ ذَلِكَ ﴾ ) أيِ: الأمْنُ أوِ الأمْرُ ( ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ ) أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ( ﴿ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ) ما الإسْلامُ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ أوْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ فَلا بُدَّ مِن إعْطاءِ الأمانِ حَتّى يَفْهَمُوا ذَلِكَ، ولا يَبْقى لَهم مَعْذِرَةٌ أصْلًا، والآيَةُ كَما قالَ الحَسَنُ مَحْكَمَةٌ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً ﴾ ) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ أيْضًا وما قالَهُ الحَسَنُ أحْسَنُ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ مُدَّةِ الإمْهالِ فَقِيلَ: أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ ولَعَلَّهُ الأشْبَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، يعني: استأمنك.

ويقال: فيه تقديم، ومعناه: وإن استجارك أحد من المشركين، يقول: وإن طلب أحد من المشركين منك الأمان، فَأَجِرْهُ، يقول: فأمنه، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ يعني: اعرض عليه القرآن حتى يسمع قراءتك بكلام الله، فإن أبى أن يسلم ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ يقول: فرده إلى مأمنه من حيث أتاك.

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ، يعني: أمرتك بذلك، لأنهم قوم لا يعلمون حكم الله تعالى.

وفي الآية دليل: أن حربياً لو دخل دار الإسلام على وجه الأمان، يكون آمناً ما لم يرجع إلى مأمنه.

ثم قال على وجه التعجب: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ويقال: على وجه التوبيخ، يعني: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله، ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، يعني: بني كنانة وبني ضمرة، وهم لم ينقضوا العهد، فأمر الله تعالى بإتمام عهدهم.

ويقال: هم بنو خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة.

فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ على وفاء العهد، فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ بالوفاء على التمام.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون ربهم ويمتنعون عن نقض العهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والظَّهيرُ: المُعِينُ.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: تنبيهٌ على أنَّ الوفاء بالعَهْد من التقوَى.

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)

وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ: الانسلاخ: خروجُ الشيء عن الشيء المتلبِّس به كانسلاخ الشاة عن الجِلْدِ، فشبه انصرام الأشهر بذلك.

وقوله سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...

الآية: قال ابن زَيْد: هذه الآية، وقوله سبحانه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] : هما مُحْكَمَتان أي: ليستْ إِحداهما بناسخةٍ للأخرى.

قال ع «١» : هذا هو الصواب.

وقوله: وَخُذُوهُمْ معناه: الأسْر.

وقوله: كُلَّ مَرْصَدٍ: معناه: مواضع الغرَّة حيث يرصدون ونصب «كُلَّ» على الظرف أو بإسقاط الخافض، التقدير: في كلّ مرصد.

وقوله: فَإِنْ تابُوا، أي: عن الكُفْر.

وقوله سبحانه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، أي: جَلَبَ منك عهداً وجواراً/ يأمن به، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، يعني القُرْآن، والمعنى: يفهم أحكامه، قال الحسن: وهذه آية محكمة وذلك سُنَّة إِلى يوم القيامة «٢» .

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...

الآية: قال ابنُ إسحاق: هي قبائلُ بني بَكْر كانوا دخلوا وقْتَ الحديبية في العهد، فأُمِرَ المسلمون بإِتمام العَهْدِ لمن لم يكُنْ نَقَضَ منهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرْتُكَ بِقَتْلِهِمُ اسْتَأْمَنَكَ يَبْتَغِي أنْ يَسْمَعَ القُرْآَنَ ويَنْظُرَ فِيما أُمِرَ بِهِ ونُهِيَ عَنْهُ، فَأجِرْهُ، ثُمَّ أبْلِغْهُ المَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: ذَلِكَ الَّذِي أمَرْناكَ بِهِ مِن أنْ يُعَرَّفُوا ويُجارُوا لَجَهْلِهِمْ بِالعِلْمِ.

والثّانِي: ذَلِكَ الَّذِي أمَرْناكَ بِهِ مِن رَدِّهِ إلى مَأْمَنِهِ إذا امْتَنَعَ مِنَ الإيمانِ، لِأنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِخِطابِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ: عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللهِ  في هَذِهِ الآيَةِ -بَعْدَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ- بِأنْ يَكُونَ مَتى طَلَبَ مُشْرِكٌ عَهْدًا يَأْمَنُ بِهِ يَسْمَعُ القُرْآنَ ويَرى حال الإسْلامِ أنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ، وهي الإجارَةُ وهو مِنَ الجِوارِ.

ثُمَّ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ المَأْمَنَ إذا لَمْ يَرْضَ الإسْلامَ ولَمْ يُهْدَ إلَيْهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي مُحْكَمَةٌ سُنَّةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقالَ غَيْرُهُما: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما كانَ حُكْمُها مُدَّةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهم أجَلًا.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وهي إضافَةُ صِفَةٍ إلى مَوْصُوفٍ، لا إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، والمَعْنى: ويَفْهَمُ أحْكامَهُ وأوامِرَهُ ونَواهِيَهُ، فَذَكَرَ السَماعَ بِالآذانِ إذْ هو الطَرِيقُ إلى الفَهْمِ، وقَدْ يَجِيءُ السَماعُ في كَلامِ العَرَبِ مُسْتَعْمَلًا بِمَعْنى الفَهْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن خاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ: "أنْتَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي"، تُرِيدُ: لَمْ تَفْهَمْهُ، وذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في عِدَّةِ مَواضِعَ.

و"أحَدٌ" في هَذِهِ الآيَةِ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَجارَكَ ﴾ ويَضْعُفُ فِيهِ الِابْتِداءُ لِوِلايَةِ الفِعْلِ لِـ"إنْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى هَذا اللُطْفِ في الإجارَةِ والإسْماعِ وتَبْلِيغِ المَأْمَنِ، و"لا يَعْلَمُونَ" نُفِيَ عِلْمُهم بِمَراشِدِهِمْ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ  .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ ﴾ الآيَةُ.

لَفْظُ اسْتِفْهامٍ وهو عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ، أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ وهم قَدْ نَقَضُوا وجاهَرُوا بِالتَعَدِّي؟

ثُمَّ اسْتَثْنى مِن عُمُومِ المُشْرِكِينَ القَوْمَ الَّذِينَ عُوهِدُوا عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، أيْ: في ناحِيَتِهِ وجِهَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عنهُ: المَعْنِيُّ بِهَذا قُرَيْشٌ.

وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنِيُّ بَنُو جُذَيْمَةَ مِنَ الدَيْلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي قَبائِلُ بَنِي بَكْرٍ، كانُوا دَخَلُوا وقْتَ الحُدَيْبِيَةِ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ  وبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ نَقْضٌ إلّا قُرَيْشٌ وبَنُو الدَيْلِ مِن بَنِي بَكْرٍ، فَأمَرَ المُسْلِمُونَ بِإتْمامِ العَهْدِ لِمَن لَمْ يَكُنْ نَقَضَ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنِيُّ خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو مَرْدُودٌ بِإسْلامِ خُزاعَةَ عامَ الفَتْحِ، وقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، بَلْ نَقَضُوا فَنَزَلَ تَأْجِيلُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وهو ضَعِيفٌ مُتَناقِضٌ، لِأنَّ قُرَيْشًا وقْتَ الأذانِ بِالأرْبَعَةِ الأشْهَرِ لَمْ يَكُنْ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ، وذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وكَذَلِكَ خُزاعَةُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ المُوفِينَ بِالعَهْدِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِلَفْظٍ مُعَرَّفٍ لِلْوَفاءِ بِالعَهْدِ مُتَضَمِّنٌ الإيمانَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ فإن تابوا ﴾ [التوبة: 5] لتفصيل مفهوم الشرط، أو عطف على جملة ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] لتخصيص عمومه، أي إلاّ مشركاً استجارك لمصلحة للسِفارة عن قومه أو لمعرفة شرائع الإسلام.

وصيغ الكلام بطريقة الشرط لتأكيد حكم الجواب، وللإشارة إلى أنّ الشأن أن تقع الرغبة في الجوار من جانب المشركين.

وجيء بحرف ﴿ إنْ ﴾ التي شأنها أن يكون شرطها نادر الوقوع للتنبيه على أنّ هذا شرط فَرْضيّ؛ لكيلا يزعم المشركون أنّهم لم يتمكّنوا من لقاء النبي صلى الله عليه وسلم فيتّخذوه عذراً للاستمرار على الشرك إذا غزاهم المسلمون.

ووقع في «تفسير الفخر» أنّه نقل عن ابن عبّاس قال: إنّ رجلاً من المشركين قال لعلي بن أبي طالب: أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة أخرى فهل نُقتل.

فقال علي: لاَ إنّ الله تعالى قال: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ﴾ .

أي فأمنه حتّى يسمع كلام الله، وهذا لا يعارض ما رأيناه من أنّ الشرط في قوله تعالى: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الخ، شرط فرضي فإنّه يقتضي أنّ مقالة هذا الرجل وقعت بعد نزول الآية على أنّ هذا المروي لم أقف عليه.

وجيء بلفظ أحد من المشركين دون لفظ مشرك للتنصيص على عموم الجنس، لأنّ النكرة في سياق الشرط مثلها في سياق النفي إذا لم تُبنَ على الفتح احتملت إرادة عموم الجنس واحتملت بعض الأفراد، فكان ذكر ﴿ أحد ﴾ في سياق الشرط تنصيصاً على العموم بمنزلة البناء على الفتح في سياق النفي بلا.

و ﴿ أحد ﴾ أصله «واحد» لأنّ همزته بدل من الواو ويستعمل بمعنى الجزئي من الناس لأنّه واحد، كما استعمل له «فَرد» في اصطلاح العلوم، فمعنى ﴿ أحد من المشركين ﴾ مشرك.

وتقديم ﴿ أحد ﴾ على ﴿ استجارك ﴾ للاهتمام بالمسند إليه، ليكون أول ما يقرع السمع فيقع المسند بعد ذلك من نفس السامع موقع التمكن.

وساغ الابتداء بالنكرة لأنّ المراد النوع، أو لأنّ الشرط بمنزلة النفي في إفادة العموم، ولا مانع من دخول حرف الشرط على المبتدأ، لأن وقوع الخبر فعلاً مقنع لحرف الشرط في اقتضائه الجملة الفعلية، فيعلم أنّ الفاعل مقدّم من تأخير لغرض مّا.

ولذلك شاع عند النحاة أنّه فاعل بفعل مقدر، وإنّما هو تقدير اعتبارٍ.

ولعلّ المقصود من التنصيص على إفادة العموم، ومن تقديم ﴿ أحد من المشركين ﴾ على الفعل، تأكيد بذل الأمان لمن يسأله من المشركين إذا كان للقائه النبي صلى الله عليه وسلم ودخولِه بلاد الإسلام مصلحة، ولو كان أحد من القبائل التي خانت العهد، لئلاّ تحمِل خيانتُهم المسلمين على أن يخونوهم أو يغدروا بهم فذلك كقوله تعالى: ﴿ ولا يجرمنّكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ﴾ [المائدة: 2]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ولا تَخُن من خانك " والاستجارة: طلب الجوار، وهو الكون بالقرب، وقد استعمل مجازاً شائعاً في الأمن، لأنّ المرء لا يستقر بمكان إلاّ إذا كان آمناً، فمن ثم سمّوا المؤمِّن جاراً، والحليفَ جاراً، وصار فعل أجَار بمعنى أمَّن، ولا يطلق بمعنى جعَلَ شخصاً جاراً له.

والمعنى: إنْ أحد من المشركين استأمنك فأمنه.

ولم يبيّن سبب الاستجارة، لأنّ ذلك مختلف الغرض وهو موكول إلى مقاصد العقلاء فإنّه لا يستجير أحد إلاّ لغرض صحيح.

ولما كانت إقامة المشرك المستجير عند النبي عليه الصلاة والسلام لا تخلو من عرض الإسلام عليه وإسماعِه القرآن، سواء كانت استجارته لذلك أم لغرض آخر، لما هو معروف من شأن النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص على هدي الناس، جعل سماع هذا المستجير القرآن غاية لإقامته الوقتية عند الرسول صلى الله عليه وسلم فدلّت هذه الغاية على كلام محذوف إيجازاً، وهو ما تشتمل عليه إقامة المستجير من تفاوض في مهمّ، أو طلب الدخول في الإسلام، أو عرض الإسلام عليه، فإذا سمع كلام الله فقد تمّت أغراض إقامته لأنَّ بعضها من مقصد المستجير وهو حريص على أن يبدأ بها، وبعضها من مقصد النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يتركه يعود حتّى يعيد إرشاده، ويكون آخر ما يدور معه في آخر أزمان إقامته إسماعه كلام الله تعالى.

وكلام الله: القرآن، أضيف إلى اسم الجلالة لأنّه كلام أوجده الله ليدلّ على مراده من الناس وأبلغه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بواسطة الملك، فلم يكن من تأليف مخلوق ولكن الله أوجده بقدرته بدون صنع أحد، بخلاف الحديث القدسي.

ولذلك أعقبه بحرف المهلة ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ للدلالة على وجوب استمرار إجارته في أرض الإسلام إلى أن يبلغ المكان الذي يأمن فيه، ولو بلغه بعد مدّة طويلة فحرف (ثم) هنا للتراخي الرتبي اهتماماً بإبلاغه مأمنه.

ومعنى ﴿ أبلغه مأمنه ﴾ أمهله ولا تُهجه حتّى يبلغ مأمنه، فلمّا كان تأمين النبي عليه الصلاة والسلام إياه سبباً في بلوغه مأمنه، جعل التأمين إبلاغاً فأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يتضمّن أمر المسلمين بأن لا يتعرّضوا له بسوء حتّى يبلغ بلاده التي يأمن فيها.

وليس المراد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يتكلّف ترحيله ويبعث من يبلغه، فالمعنى: اتركه يبلغ مأمنه، كما يقول العرب لمن يبادر أحد بالكلام قبل إنهاء كلامه: «أبلعْني ريقي»، أي أمهلني لحظة مقدار ما أبلعُ ريقي ثم أكلّمك، قال الزمخشري: قلت لبعض أشياخي: «أبلعْني ريقي فقال قد أبلعْتك الرافدين» يعني دجلة والفرات.

و (المأمن) مكان الأمن، وهو المكان الذي يجد فيه المستجير أمْنَه السابق، وذلك هو دار قومه حيث لا يستطيع أحد أن يناله بسوء.

وقد أضيف المأمن إلى ضمير المشرك للإشارة إلى أنّه مكان الأمن الخاصّ به، فيعلم أنّه مقرّه الأصلي، بخلاف دار الجوار فإنّها مأمن عارض لا يُضاف إلى المُجار.

وجملة: ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ في موضع التعليل لتأكيد الأمر بالوفاء لهم بالإجارة إلى أن يصلوا ديارهم، فلذلك فصلت عن الجملة التي قبلها، أي: أمَرْنا بذلك بسبب أنّهم قوم لا يعلمون، فالإشارة إلى مضمون جملة: ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ﴾ أي لا تؤاخذهم في مدّة استجارتهم بما سبق من أذاهم لأنّهم قوم لا يعلمون وهذه مذمّة لهم بأنّ مثلهم لا يقام له وزن وأوف لهم به إلى أن يصلوا ديارهم لأنّهم قوم لا يعلمون ما يحتوي عليه القرآن من الإرشاد والهدى، فكان اسم الإشارة أصلحَ طُرق التعريف في هذا المقام، جمعاً للمعاني المقصودة، وأوجزَه.

وفي الكلام تنويه بمعالي أخلاق المسلمين وغض من أخلاق أهل الشرك، وأنّ سبب ذلك الغضّ الإشراك الذي يفسد الأخلاق، ولذلك جُعلوا قوماً لا يعلمون دون أن يقال بأنّهم لا يعلمون: للإشارة إلى أنّ نفي العلم مطّرد فيهم، فيشير إلى أنّ سبب اطّراده فيهم هو نشأته عن الفكرة الجامعة لأشتاتهم، وهي عقيدة الإشراك.

والعلم، في كلام العرب، بمعنى العقل وأصالة الرأي، وأنّ عقيدة الشرك مضادة لذلك، أي كيف يعبد ذو الرأي حجراً صَنعه وهو يعلم أنّه لا يُغني عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ﴾ الآيَةَ، وفي كَلامِ اللَّهِ وجْهانِ أيْ إنِ اسْتَأْمَنَكَ فَأمِّنْهُ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى سُورَةَ بَراءَةَ خاصَّةً لِيُعْلِمَ ما فِيها مِن حُكْمِ المُقِيمِ عَلى العَهْدِ، وحُكْمِ النّاقِضِ لَهُ والسِّيرَةِ في المُشْرِكِينَ والفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُنافِقِينَ.

الثّانِي: يَعْنِي القُرْآنَ كُلَّهُ، لِيَهْتَدِيَ بِهِ مِن ضَلالِهِ ويَرْجِعَ بِهِ عَنْ كُفْرِهِ.

﴿ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ يَعْنِي إنْ أقامَ عَلى الشِّرْكِ وانْقَضَتْ مُدَّةُ الأمانِ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ.

والثّانِي: اسْتِباحَةُ رِقابِهِمْ عِنْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ أمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ قال: إن لم يوافقه ما يقضي عليه، ويجتريه فأبلغه مأمنه، وليس هذا بمنسوخ.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ قال: أمر من أراد ذلك أن يأمنه، فإن قبل فذاك وإلا خلى عنه حتى يأتي منه، وأمر أن ينفق عليهم على حالهم ذلك.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ أي كتاب الله.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال: ثم استثنى فنسخ منها فقال: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ وهو كلامك بالقرآن فأمنه ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ يقول: حتى يبلغ مأمنه من بلاده.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة رضي الله عنه قال: كان الرجل يجيء إذا سمع كلام الله وأقرَّ به وأسلم.

فذاك الذي دعي إليه، وإن أنكر ولم يقر به فرد إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك فقال: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ قال: قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ قال: هؤلاء قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهده أناس من المشركين وعاهد أيضاً أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ يقول: ما وفوا لكم بالعهد فوفوا لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ قال: هم بنو خزيمة بن فلان.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ قال: هو يوم الحديبية ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ قال: فلم يستقيموا ونقضوا عهدكم أعانوا بني بكر حلفاء قريش على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾ الآية، قال الفراء: ﴿ اسْتَجَارَكَ ﴾ في موضع جزم وإن فرق بين الجازم والمجزوم بـ"أحد" وذلك سهل في (إن) خاصة دون حروف الجزاء؛ لأنها شرط وليست باسم، فلم يحفلوا أن يفرقوا بينها وبين المجزوم بالمرفوع والمنصوب، فأما المنصوب فمثل قولك: إن أخاك ضربت ظلمت، والمرفوع مثل قوله: ﴿ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ  ﴾ ولو حولت "هلك" إلى (يهلك) (١) (٢) (٣) (٤) فمتى واغل يزرهم (٥) (٦) قال ابن عباس: " ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾ ممن لم يكن له عهد" (٧) (٨) (٩) ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾ الآية (١٠) (١١) ﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ ، قال السدي (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ قال: "يريد: الموضع الذي يأمن فيه" (١٦) ﴿ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ ، وقال ابن زيد: "يقول: إن لم يوافقه ما تتلو (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يعني: يفعل كل هذا لأنهم جهلة، لا يعلمون دين الله وتوحيده وما افترض عليهم، وقال أبو إسحاق "أي: الأمر ذلك، أي: وجب أن يعرّفوا ويجاروا؛ لجهلهم بالعلم فربما يتبينون به الإسلام" (١٩) وهذا بيان عن حال الطالب للعلم (٢٠) (٢١) وقال أهل العلم: "الكافر الحربي إذا دخل دار الإسلام كان مغنومًا مع ماله إلا أن يدخل مستجيرًا لغرض شرعي، كاستماع كلام الله رجاء الإسلام، أو دخل لتجارة، فإن دخل بأمان صبي أو مجنون فأمانهما شبهة أمان (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) في "معاني القرآن": إن يهلك.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 422.

(٣) في (ح) و (ي): (لا تزال)، والمثبت من (م) وهو موافق لـ "معاني القرآن وإعرابه".

(٤) البيت لعدي بن زيد العبادي، كما في ملحق "ديوانه" 156، و"خزانة الأدب" 3/ 46، و"كتاب سيبويه" 3/ 113.

(٥) في النسخة (ح) و (م): (ينبهم)، وأثبت ما في النسخة (ى) لأنه موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه"، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم أو طعامهم ولم يدع.

انظر: "مجمل اللغة" (وغل) 4/ 931، و"القاموس المحيط"، باب اللام، فصل الواو ص 1069.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432.

(٧) لم أقف على مصدره.

(٨) "السيرة النبوية" 4/ 202.

(٩) في (ح): (إذا)، وما أثبته موافق للمصدر الثاني.

(١٠) "تفسير الثعلبي" 6/ 81 أ.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 431.

(١٢) رواه ابن جرير 14/ 80، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 386.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ.

(١٤) في (ي): (ما عطا)، وسقطت (ما) من النسخة (ح).

(١٥) لم أعثر عليه.

(١٦) رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 187.

(١٧) في (ح): (يتلى)، والمثبت موافق لـ"تفسير ابن جرير".

(١٨) رواه ابن جرير 10/ 80، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1756.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 431.

(٢٠) في (ى): (طالب العلم).

(٢١) لم أعثر عليه في مظانه من كتب التفسير.

(٢٢) أمان المجنون لا يصح بالإجماع كالصبي غير المميز، أما الصبي المميز فللعلماء في أمانه قولان: الأول: لا يصح أمانه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.

الثاني: يصح أمانه، وهو قول مالك، والرواية المشهورة عن أحمد، وهو الصحيح، لقول الرسول  "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم".

رواه البخاري (3179)، كتاب الجزية، باب: إثم من عاهد ثم غدر 4/ 217، ومسلم (1370)، كتاب الحج، باب فضل المدينة.

وانظر: "المهذب" 2/ 235، و"المغني" 13/ 77.

(٢٣) ساقط من (م).

(٢٤) ساقط من (ى).

(٢٥) في (ى): (أمان).

(٢٦) انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 263 بنحوه <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ ﴾ هو من الجار أي استأمنك فأمنه حتى يسمع القرآن ليرى هل يسلم أم لا ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ أي إن لم يسلم فردّه إلى موضعه، وهذا الحكم ثابت عند قوم، وقال قوم: نسخ بالقتال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ وقد قال: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ الآية [التوبة: 5]، فأمر بالآية الأولى عند الوجود [بالإجارة]، وفي هذه بالقتل والأسر، وأمر في الأولى بتبليغه مأمنه، وفي هذه بأن يقعد له كل مرصد، وحال هذه هي حال الأولى في رأي العين، ويتهيأ له في كل وقت يظفر به أن يستجير؛ لما ذكر، وفي كل حال يرصد له أن يحتال ليرد إلى مأمنه، وفي ذلك زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر، فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعاً.

فقال أصحابنا: إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر أعلام الحرب، ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه؛ بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة، ومن يتعاهد ومن ينادي إليه بالاستجارة - فيجار.

ولو كان مقبلا نحو مأمننا، كالطالب لأحد، عليه أعلام الحرب، لكنه كالغافل عن الذين يرصدون له أو الذين لهم منعة ولا قوة به - فلا يقبل قوله، وذلك على تسليم الأمر الغالب من الأحوال؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك، وعلى ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين، وما ذكرت عن الآية في لزوم ذلك الاعتبار؛ إذ لا وجه له غيره هو دليله، والله أعلم.

ثم دل قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ بعد العلم بأنه من مأمنه لا يقدر على الاستجارة لبعد [مأمن كل من] مأمن الآخر، ثم لا يكون مأمن الفريقين في إحدى الدارين؛ لما كان تحقيق أمن كل فريق منهما نفي أمن الآخر؛ إذ به خوفه؛ فثبت أنه قد يؤذن له بالخروج للاستجارة من مأمنه والدخول في مأمن المسلمين إلى أن يبلغوا مساكنهم فيستجيروا؛ فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق الأسر ولا القتل، ويجب رده لو لم يجر، ولم يسع تعرضه لشيء من ذلك.

ثم قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ من غير أن يبين استجارته لماذا، يحتمل أن يكون ترك بيانه؛ لما في الجواب ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وذلك كقوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ  ﴾ أنه في الجواب بيان ما استفتوا.

ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان.

وذلك قريب؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض، تذهب منفعة التضييق، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام، وحسن رعاية أهل الإسلام، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه، رجاء أن يجيبوا، فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم.

وقد روي عن نبي الله  أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو؛ إلى الإسلام، فيما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه؛ إذ الذي يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع؛ نحو اللسان والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي [يتكلم وقوله]، فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازاً لا حقيقة؛ فعلى ذلك ما قيل من سماع كلام الله.

ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى الله، فقيل بذلك كلام الله؛ لما إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك.

والوجه الثاني: أن يكون [الله] ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعاً من غيره؛ على ما تنسب القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله: "حتى يسمع كلام الله".

والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلاماً، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان الله -  - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال الله -  - ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، فمثله لما قيل: كلام الله.

ثم الله -  - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول [فعلى ذلك صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ولا تقدر بها العقول]، إلا من طريق القول بالحقيقة على ما هن أغيار لهم، فالله -  - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، [فتدبر] فيه.

وقال [الثلجي]: يقال: كلام الله، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد.

وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال: يعرف الله من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه والله [أعلم] من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن الله -  - كذلك سماع كلامه.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ دلالة أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك، ولكان يحق عليه الخروج منها، لا العود إليها.

ثم معلوم أن كلام الله هو حجته، وأن الحجة قد لزمته؛ لوجهين: أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع المقابلين لرسول الله بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم.

والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها مما يشهد العقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما لو قوبل بما فيه من المعنى وما يحدث به من الفائدة، ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابراً، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل [لما لم يكن] يضمن أمانة القبول، ولا [أن] يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه.

والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجازة [بعض]، وعلى ذلك كل مسلم.

ثم سماع كلام الله يخرج على القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع أوامر الله ونواهيه في حق الفرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: ما لهم وما عليهم.

ويحتمل نفي العلم: بما لم ينتفعوا بما علموا.

ويحتمل ذلك تعليم [من] مع رسول الله كيفية معاملة الكفرة؛ إذ هم لم يكونوا يعلمون من قبل، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ ﴾ .

هو - والله أعلم - أن كيف يستحقون العهد، وكيف يُعْطَى لهم العهد، وقد نقضوا العهود التي بينهم وبين ربهم وبين رسول الله؟!

فأما العهود التي بينهم وبين ربهم فهي عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، والشهادة على الرسالة.

وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد ونعته للخلق، فنقضوا ذلك كله ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله ولم يحفظوها؛ يقول - والله أعلم -: كيف يستحقون أن يُعْطَى العهد لهم، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم والعهود التي أعطاهم رسول الله؟!

لا يستحقون ذلك، إلا أن الله - عز وجل - بفضله وإحسانه أذن أن يعطي لهم العهود: ﴿ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ ، أي: أوفوا لهم العهد إذا أوفوا لكم وإن انقضت المدة؛ يقول - والله أعلم -: إذا استقاموا لكم في وفاء العهد، فاستقيموا لهم في وفائه، وإن انقضت المدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

استثنى الذين عاهدوا عند المسجد الحرام، يحتمل ألا يعطى العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ ﴾ ، فإنهم [إن وفوا لكم فأوفوا لهم] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ إن الله يحب من اتقى الشرك واتقى كل جور وظلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ يقول: كيف تعطون لهم العهد وكيف يستحقون العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاًّ ولا ذمة؟!

وقال بعضهم: وكيف لا تقاتلونهم ﴿ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، قال: الإل: الله، والذمة: العهد.

وقيل: الإل: القرابة.

وقيل: الإل: العهد، والذمة، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (لا يرقبوا فيكم عهدا ولا ذمة).

وقال القتبي: الإل: العهد.

قال: ويقال: القرابة.

وقال أبو عوسجة: الإل: القرابة.

وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم.

وقال ابن عباس: الإل: الله، بمنزلة جبريل، تفسيره: عبد الله؛ لما قيل: جبريل هو عبد الله.

وقيل: الإل: الحرم؛ يقول: كيف تعطونهم العهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم القرابة ولا العهد، ولا يرقبوا الحرم فيكم؟!

وقد كانوا يحفظون فيما بينهم القرابة والرحم حتى يعاون بعضهم بعضاً ويناصر، إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم الله حتى لا يقاتلون في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود فيما بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها.

هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، وقد كانوا يرقبون من قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

بأنهم يوفون العهد ويحفظونه.

﴿ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلا النقض.

وقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ في نقض العهد.

والفسق: هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل: حججه وبراهينه.

ويحتمل: آيات القرآن ومحمد.

ويحتمل: آياته: دينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

أي: صدوا الناس عن متابعة النبي.

وقيل: صدوا الناس عن دين الله الإسلام.

﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: بئس ما عملوا بصدهم الناس عن دين الإسلام ومتابعة محمد  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ هذا قد ذكرناه.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ﴾ .

في نقض العهد، والاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: انظروا إلى كرم ربكم وجوده، قوم قد افتروا على الله كذباً، وكذبوا رسول الله، وهموا بقتله وإخراجه من بين أظهرهم، وطعنوا في دينهم، وعملوا كل بلية من نصب الحروب والقتال فيما بينهم، ثم إنه وعدهم التوبة والمغفرة والتجاوز عما كان منهم بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وجعل فيما بينهم الأخوة والمودة بقوله: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ وقال: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ وغير ذلك من الآيات، وفيه أن من كان له بمكان آخر ذنب أو جفاء، فإذا رجع عن ذلك وتاب لزمه أن يتجاوز عنه وألا يذكر بعد ذلك ما كان منه من الذنب؛ على ما جعل الله فيما بين هؤلاء الأخوة والمودة إذا تابوا، وقال: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ وقد كان منهم ما كان، ومن حق الأخوة ألا يذكر ما كان منهم من المساوئ.

ثم قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ من الشرك وما كان منهم.

وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ وجهين: الأول: يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، زكاة المال، وهو ما ذكرنا فيما تقدم من الإقرار بهما والاعتقاد والقبول لذلك دون فعلهما، وهو في الكبراء والقادة الذين كانوا يأنفون عن الخضوع لأحد، ولا يؤتون الزكاة، ولا يتصدقون؛ لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا؛ إشفاقاً على أنفسهم.

والثاني: يحتمل أن يكون المراد من الصلاة: الخضوع والخشوع، لا الصلاة المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها، فإن كان هذا فهو لازم في الأوقات كلها، ما من وقت إلا وله على كل أحد الخضوع [له] والخشوع له، ويزكي نفسه ويصلحها، وهو كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: نبين الآيات لقوم يعلمون ينتفعون بعلمهم.

ويحتمل: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لقوم إذا نظروا فيها وتدبروا يعلمون لا لقوم لا يعلمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ [قوله: أيمانهم: العهود نفسها كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ \[أيمانهم\] أيماناً يحلفونها بعد إعطاء العهد توكيداً؛ لئلا ينقضوا العهد إذ عادتهم نقض العهد ونكثه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ \[طعنهم\] في الدين ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .

أي: أئمة الكفرة، وتخصيص الأمر بمقاتلة الأئمة؛ لما أن الأتباع أبداً يقلدون الأئمة، ويصدرون عن آرائهم وتدبيرهم، فإذا قاتلوهم اتبع الأتباع لهم.

والثاني: لنفي الشبه أي: ليس الأئمة منهم كأصحاب الصوامع، وإن كانوا هم أئمة في العبادة، فلا تترك مقاتلتهم؛ كما تترك مقاتلة أصحاب الصوامع؛ [لأن أصحاب الصوامع] قد عزلوا أنفسهم عن الناس وعن جميع المنافع، وحبسوها للعبادة، والأئمة ليسوا كذلك.

والثالث: خصّ الأئمة بالقتال؛ لأنهم إذا قتلوهم لم يبق لهم إمام في الكفر، فيذهب الكفر رأساً، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ...

﴾ الآية [الأنفال: 39].

[وقوله]: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا عهد لهم بعد نقضهم العهد، أي: لا توفوا لهم العهد الذي كان لهم إذا نقضوا.

ويحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يعطي لهم العهد [مبتدأً بعدما نقضوا العهد؛ لأنهم اعتادوا نقض العهد.

والثاني: قال ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون] أبداً.

وفيه لغة أخرى: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ ، بكسر الألف: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يؤمنون أبداً [فإن كان كذلك وذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً].

وفائدة قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ تخرج على وجهين: أحدهما: أن أهل العهد إذا نقضوا العهد ينقض ذلك، ويتركون على النقض، ويقاتلون بعد النقض، وليس كأهل الذمة إذا نقضوا الذمة لا يتركون على ذلك، ولكن يردون إلى الذمة ولا تنقض الذمة [فيما] بينهم.

وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ يقول: لا تصديق لهم.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ .

عن نقض العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ أي: كيف لا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وأيمانهم ما ذكرنا، وهو حرف الإغراء على مقاتلة من اعتقد نقض العهود والتحريش عليهم ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ : القتل، أي: هموا بقتله، وفي القتل إخراجه.

أو هو إخراجه من المدينة، على ما ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا لرسول الله: إن مكان الأنبياء والرسل بيت المقدس، لا المدينة، فانتقل إليه.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه معلوم أنهم أسروا في أنفسهم وفيما بينهم إخراجه وقتله، لا أنهم أظهروا ذلك، ثم أخبرهم بذلك، دل أنهم إنما علموا أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ في نقض العهد، أي: هم بدءوكم بنقض العهد.

ويحتمل: بدءوكم بالقتال أول مرة والإخراج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾ أي: لا تخشوهم واخشوا الله؛ فإنهم لا يقدرون أن تصل إليكم نكبة إلا بإقدار الله إياهم، فلا تخشوهم واخشوا الله.

ويحتمل قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ فالله القادر بنصركم وبقهر عدوكم ﴿ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ﴾ : إذ هو القادر على منعهم عنكم ونصركم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية.

علم الله - عز وجل - كراهة القتل وثقله على الخلق، فأمر المؤمنين بمقاتلة الكفرة، ووعدهم النصر.

والتعذيب بأيديهم: يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: القتل والإهلاك.

والثاني: يحتمل الأسر والسبي.

﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ يحتمل أيضاً وجهين: الأول: يحتمل: الهزيمة والإذلال.

والثاني: يحتمل قوله: ﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ : في الآخرة؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ ، الخزي: العذاب الذي فيه الفضيحة والذلة.

وفي قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه لا قدرة لله على أفعال الخلق، وقد أخبر أنه يعذبهم بأيديهم، ولو كان غير قادر على أفعالهم، كان يعذبهم بيده لا بأيديهم.

﴿ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

وعدهم النصر عليهم والظفر وخزي الكفرة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ [وكذلك في قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ] دلالة نقض قولهم [أيضا،] لأنه أخبر أنهم يصيبهم العذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين؛ كما ذكرناه.

[و] قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل أن تكون قلوبهم توجعت وتألمت بكفرهم بالله وتكذيبهم الرسول، فوعدهم شفاء صدورهم، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يسلمون، فيصيرون إخواناً، فيدخل فيهم السرور والفرح بإزاء ما حزنوا وتألموا، وذلك شفاء صدورهم.

والثاني: يشف صدورهم بالقتل والهزيمة، يقتلون ويهزمون، ففي ذلك شفاء صدورهم، لما تألمت وتوجعت بالتكذيب والكفر بالله وآياته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل - أيضاً - وجهين: يذهب الغيظ الذي كان في قلوبهم [بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله بإسلامهم يسلمون فيكونون إخواناً.

أو يقتلون ويهلكون فيذهب عنهم الغضب الذي كانوا] غضبوا عليهم بالذي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: من شاء عذب، ومن شاء تاب عليه.

وفي الآية دلالة [الرد] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أن يتوب على جميع الكفرة، لكنهم لا يتوبون، فأخبر أنه يعذب بعضاً ويتوب على بعض، فإنما شاء أن يعذب غير الذي شاء أن يتوب [عليه وشاء أن يتوب على] غير الذي شاء أن يعذبه.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .

بما كان ويكون، أي: عن علم بما كان منهم خلقهم، لا عن جهل؛ إذ خلقه إياهم ليس لمنافع نفسه وحاجته، إنما خلقهم لحاجتهم ومنافعهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ وضع كل شيء موضعه.

ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: فيما جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي كأنه وضع الشيء موضعه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن دخل أحد من المشركين مباح الدم والمال وطلب جوارك -أيها الرسول- فأجبه إلى طلبه حتى يسمع القرآن، ثم أوصله إلى مكان يأمن فيه، ذلك أن الكفار قوم لا يعلمون حقائق هذا الدين، فإذا علموها من سماع قراءة القرآن ربما اهتدوا.

من فوائد الآيات في الآيآت دليل واضح على حرص الإسلام على تسوية العلاقات الخارجية مع الأعداء على أساس من السّلم والأمن والتّفاهم.

الإسلام يُقَدِّر العهود، ويوجب الوفاء بها، ويجعل حفظها نابعًا من الإيمان، وملازمًا لتقوى الله تعالى.

أَنَّ إقامة الصّلاة وإيتاء الزكاة دليل على الإسلام، وأنهما يعصمان الدم والمال، ويوجبان لمن يؤدّيهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بحق الإسلام؛ كارتكاب ما يوجب القتل من قتل النفس البريئة، وزنى الزّاني المُحْصَن، والرّدّة إلى الكفر بعد الإيمان.

مشروعية الأمان؛ أي: جواز تأمين الحربي إذا طلبه من المسلمين؛ ليسمع ما يدلّ على صحّة الإسلام، وفي هذا سماحة وتكريم في معاملة الكفار، ودليل على إيثار السِّلم.

<div class="verse-tafsir" id="91.9wOAk"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل