الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٧٠ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى واعظا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل : ( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ) أي : ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل ( قوم نوح ) وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض ، إلا من آمن بعبده ورسوله نوح ، عليه السلام ، ( وعاد ) كيف أهلكوا بالريح العقيم ، لما كذبوا هودا ، عليه السلام ، ( وثمود ) كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحا - عليه السلام - وعقروا الناقة ، ( وقوم إبراهيم ) كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم ، وأهلك ملكهم النمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله ، ( وأصحاب مدين ) وهم قوم شعيب - عليه السلام - وكيف أصابتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة ، ( والمؤتفكات ) قوم لوط ، وقد كانوا يسكنون في مدائن ، وقال في الآية الأخرى : ( والمؤتفكة أهوى ) [ النجم : 53 ، ] أي : الأمة المؤتفكة ، وقيل : أم قراهم ، وهي " سدوم " .
والغرض : أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطا - عليه السلام - وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين .
( أتتهم رسلهم بالبينات ) أي : بالحجج والدلائل القاطعات ، ( فما كان الله ليظلمهم ) أي : بإهلاكه إياهم ؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) أي : بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق ، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار .
القول في تأويل قوله : أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ألم يأت هؤلاء المنافقين الذين يُسِرُّون الكفرَ بالله, وينهون عن الإيمان به وبرسوله =(نبأ الذين من قبلهم)، يقول: خبر الأمم الذين كانوا من قبلهم، (11) حين عصوا رسلنا وخالفوا أمرنا، ماذا حلّ بهم من عقوبتنا؟
ثم بين جل ثناؤه مَنْ أولئك الأمم التي قال لهؤلاء المنافقين ألم يأتهم نَبَأهُم, فقال: (قوم نوح)، ولذلك خفض " القوم "، لأنه ترجم بهن عن " الذين ", و " الذين " في موضع خفض.
* * * ومعنى الكلام: ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر قوم نوح وصنيعي بهم, إذ كذبوا رسولي نوحًا، وخالفوا أمري؟
ألم أغرقهم بالطوفان؟
=(وعاد)، يقول: وخبر عاد، إذ عصوا رسولي هودًا, ألم أهلكهم بريح صرصر عاتية ؟
= وخبر ثمود، إذ عصوا رسولي صالحًا, ألم أهلكهم بالرجفة, فأتركهم بأفنيتهم خمودًا؟
= وخبر قوم إبراهيم، إذ عصوه وردُّوا عليه ما جاءهم به من عند الله من الحق, ألم أسلبهم النعمة، وأهلك ملكهم نمرود؟
= وخبر أصحابِ مَدْين بن إبراهيم, ألم أهلكهم بعذاب يوم الظلة إذ كذبوا رسولي شعيبًا؟
= وخبر المنقلبة بهم أرضُهم, فصار أعلاها أسفلها, إذ عصوا رسولي لوطًا، (12) وكذبوا ما جاءهم به من عندي من الحق؟
يقول تعالى ذكره: أفأمن هؤلاء المنافقون الذين يستهزءون بالله وبآياته ورسوله, أن يُسْلك بهم في الانتقام منهم، وتعجيل الخزي والنكال لهم في الدنيا، سبيلُ أسلافهم من الأمم, ويحلّ بهم بتكذيبهم رسولي محمدًا صلى الله عليه وسلم ما حلّ بهم في تكذيبهم رُسلنا, إذ أتتهم بالبينات.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16936- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (والمؤتفكات)، قال: قوم لوط، انقلبت بهم أرضهم, فجعل عاليها سافلها.
16937- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (والمؤتفكات)، قال: هم قوم لوط.
* * * فإن قال قائل: فإن كان عني بـ " المؤتفكات " قوم لوط, فكيف قيل: " المؤتفكات ", فجمعت ولم توحّد؟
قيل: إنها كانت قريات ثلاثًا, فجمعت لذلك, ولذلك جمعت بالتاء، على قول الله: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ،[سورة النجم: 53].
(13) فإن قال: وكيف قيل: أتتهم رسلهم بالبينات, وإنما كان المرسل إليهم واحدًا؟
قيل: معنى ذلك: أتى كل قرية من المؤتفكات رسولٌ يدعوهم إلى الله, فتكون رُسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم إليهم للدعاء إلى الله عن رسالته، رسلا إليهم, كما قالت العرب لقوم نسبوا إلى أبي فديك الخارجي: " الفُدَيْكات "، و " أبو فديك "، واحدٌ, ولكن أصحابه لما نسبوا إليه وهو رئيسهم، دعوا بذلك، ونسبوا إلى رئيسهم.
فكذلك قوله: (أتتهم رسلهم بالبينات).
* * * وقد يحتمل أن يقال معنى ذلك: أتت قوم نوح وعاد وثمود وسائر الأمم الذين ذكرهم الله في هذه الآية، رسلهم من الله بالبينات.
* * * وقوله: (فما كان الله ليظلمهم)، يقول جل ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها أنفسها، واستحقاقها من الله عظيم العقاب, لا ظلمًا من الله لهم، ولا وضعًا منه جل ثناؤه عقوبةً في غير من هو لها أهلٌ، لأن الله حكيم لا خلل في تدبيره، ولا خطأ في تقديره, ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وتكذيبهم رسله، حتى أسخطوا عليهم ربهم، فحقت عليهم كلمة العذاب فعذِّبوا.
------------------------- الهوامش : (11) انظر تفسير "النبأ" فيما سلف ص : 331 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(12) انظر تفسير "الائتفاك" فيما سلف ص: 208، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(13) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 446.
قوله تعالى ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمونقوله تعالى ألم يأتهم نبأ أي خبرالذين من قبلهم الألف لمعنى التقرير والتحذير ، أي ألم يسمعوا إهلاكنا الكفار من قبل .قوم نوح وعاد وثمود بدل من الذين .وقوم إبراهيم أي نمرود بن كنعان وقومه .وأصحاب مدين مدين اسم للبلد الذي كان فيه شعيب ، أهلكوا بعذاب يوم الظلة ." والمؤتفكات " قيل : يراد به قوم لوط ؛ لأن أرضهم ائتفكت بهم ، أي انقلبت ، قاله قتادة .
وقيل : المؤتفكات كل من أهلك ، كما يقال : انقلبت عليهم الدنيا .أتتهم رسلهم بالبينات يعني جميع الأنبياء .
وقيل : أتت أصحاب المؤتفكات رسلهم ، فعلى هذا رسولهم لوط وحده ، ولكنه بعث في كل قرية رسولا ، وكانت ثلاث قريات ، وقيل أربع .
وقوله تعالى في موضع آخر : " والمؤتفكة " على طريق الجنس .
وقيل : أراد بالرسل الواحد ، كقوله : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ولم يكن في عصره غيره .قلت : وهذا فيه نظر ، للحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله خاطب المؤمنين بما أمر به المرسلين الحديث .
وقد تقدم في " البقرة " .
والمراد جميع الرسل ، والله أعلم .قوله تعالى : فما كان الله ليظلمهم أي ليهلكهم حتى يبعث إليهم الأنبياء .ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ولكن ظلموا أنفسهم بعد قيام الحجة عليهم .
تفسير الآيتين 69 و 70 :ـ قول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة. {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} أي: قرى قوم لوط. فكلهم {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالحق الواضح الجلي، المبين لحقائق الأشياء، فكذبوا بها، فجرى عليهم ما قص اللّه علينا، فأنتم أعمالكم شبيهة بأعمالهم، استمتعتم بخلاقكم، أي: بنصيبكم من الدنيا فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه، واستعنتم به على معاصي اللّه، ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من قبلكم وخضتم كالذي خاضوا، أي: وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق، فهذه أعمالهم وعلومهم، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم، وأما المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا، فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه، وأما علومهم فهي علوم الرسل، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل. قوله {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} إذ أوقع بهم من عقوبته ما أوقع. {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث تجرأوا على معاصيه، وعصوا رسلهم، واتبعوا أمر كل جبار عنيد
قوله تعالى : ( ألم يأتهم ) يعني المنافقين ، ( نبأ ) خبر ، ( الذين من قبلهم ) حين عصوا رسلنا ، وخالفوا أمرنا كيف عذبناهم وأهلكناهم .
ثم ذكرهم ، فقال : ( قوم نوح ) أهلكوا بالطوفان ، ( وعاد ) أهلكوا بالريح ( وثمود ) بالرجفة ، ( وقوم إبراهيم ) بسلب النعمة وهلاك نمرود ، ( وأصحاب مدين ) يعني قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة ، ( والمؤتفكات ) المنقلبات التي جعلنا عاليها سافلها وهم قوم لوط ، ( أتتهم رسلهم بالبينات ) فكذبوهم وعصوهم كما فعلتم يا معشر الكفار ، فاحذروا تعجيل النقمة ، ( فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) .
«ألم يأتهم نبأ» خبر «الذين من قبلهم قوم نوح وعاد» قوم هود «وثمود» قوم صالح «وقوم إبراهيم وأصحاب مدين» قوم شعيب «والمؤتفكات» قرى قوم لوط أي أهلها «أتتهم رسلهم بالبيِّنات» بالمعجزات فكذبوهم فأُهلكوا «فما كان الله ليظلمهم» بأن يعذبهم بغير ذنب «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» بارتكاب الذنب.
ألم يأت هؤلاء المنافقين خبرُ الذين مضوا مِن قوم نوح وقبيلة عاد وقبيلة ثمود وقوم إبراهيم وأصحاب (مدين) وقوم لوط عندما جاءهم المرسلون بالوحي وبآيات الله فكذَّبوهم؟
فأنزل الله بهؤلاء جميعًا عذابه؛ انتقامًا منهم لسوء عملهم، فما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم بالتكذيب والمخالفة.
ثم ساق لهم - سبحانه - من أخبار السابقين ما فيه الكفاية للعظة والاعتبار لو كانوا يعقلون ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ) .والاستفهام للتقرير والتحذير .
والمراد بنبأ الذين من قبلهم : أخبارهم التى تتنول أقوالهم وأعمالهم ، كما تتناول ما حل لهم من عقوبات ، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم .والمعنى : ألم يصل إلى أسماع هؤلاء المنافقين ، خبر أولئك المهلكين من الأقوام السابقين بسبب عصيانهم لرسلهم ، ومن هؤلاء الأقوام " قوم نوح " الذين أغرقوا بالطوفان ، وقوم " عاد " الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية ، وقوم " ثمود " الذين أخذتم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين ، " وقوم إبراهيم " الذين سلب الله نعمه عنهم ، وأذل غررو زعيمهم الذى حاج إبراهيم فى ربه ، و " أصحاب مدين " وهم قوم شعيب الذين أخذتهم الصحية ، و " المؤتفكات " وهم أصحاب قرى قوم لوط ، التى جعل الله عاليها سافلها .
.والائتفاك : معناه الانقلاب بجعل أعلى الشئ أسفله .
يقال أفكه يأفكه إذا قلبه رأساً على عقب .وذكر - سبحانه - هنا هذه الطوائف الست ، لأن آثارهم باقية ، ومواطنهم هى الشام والعراق واليمن ، وهى مواطن قريبة من أرض العرب ، فكانوا يمرون عليها فى أسفارهم ، كما كانوا يعرفون الكثير من أخبارهم .قال - تعالى - : ( وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) وقوله : ( أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ) كلام مستأنف لبيان أنبائهم وأخبارهم .أى : أن هؤلاء الأقوام المهلكين السابقين ، قد أتتهم رسلهم بالحجج الواضحات الدالة على وحدانية الله ولعى وجوب إخلاص العباة له .
.والفاء فى قوله : ( فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ) للعطف على كلام مقدر يدل عليه المقام .أى : أتتهم رسلهم بالبينات ، فكذبوا هؤلاء الرسل ، فعاقبهم الله - تعالى - على هذا التكذيب .
وما كان من سنته - سبحانه - ليظلمهم ، لأنه لا يظلم الناس شيئاً ( ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بسبب كفرهم وجحودهم ، واستحبابهم العمى على الهدى ، وإيثارهم الغى على الرشد .هذا ، ومن هاتين الآيتين الكريمتين نرى بوضوح ، أن الغرور بالقوة ، والافتتان بالأموال والأولاد ، والانغماس فى الشهوات والملذات الخسيسة .
والخوض فى طريق الباطل ، وعدم الاعتبار بما حل بالطغاة والعصاة .
.كل ذلك يؤدى إلى الخسران فى الدنيا والآخرة ، وإلى التعرض لسخط الله وعقابه .كما نرى منها أن من نسة الله فى خله ، أنه - سبحانه - لا يعاقب إلا بذنب ، ولا يأخذ العصاة والطغاة أخذ عزيز مقتدر ، إلا بعد استمرارهم فى طريق الغواية ، وإعراضهم عن نصح الناصحين ، وإرشاد المرشدين .
وصدق الله إذ يقول : ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن أحوال المنافقين ، وصفاتهم ، وسوء عاقبتهم .
.
أتبعت ذلك بالحديث عن المؤمنين الصادقين ، وعما أعده الله لهم من نعيم مقيم ، فقال - سبحانه - : ( والمؤمنون والمؤمنات .
.
.
هُوَ الفوز العظيم ) .
اعلم أنه تعالى لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم بين أن أولئك الكفار المتقدمين منهم، فذكر هؤلاء الطوائف الستة، فأولهم قوم نوح والله أهلكهم بالإغراق، وثانيهم: عاد والله تعالى أهلكهم بإرسال الريح العقيم عليهم.
وثالثهم: ثمود والله أهلكهم بإرسال الصيحة والصاعقة.
ورابعهم: قوم إبراهيم أهلكهم الله بسبب سلب النعمة عنهم، وبما روي في الأخبار أنه تعالى سلط البعوضة على دماغ نمروذ.
وخامسهم: قوم شعيب وهم أصحاب مدين، ويقال: إنهم من ولد مدين بن إبراهيم، والله تعالى أهلكهم بعذاب يوم الظلة، والمؤتفكات قوم لوط أهلكهم الله بأن جعل عالي أرضهم سافلها، وأمطر عليهم الحجارة، وقال الواحدي: ﴿ المؤتفكات ﴾ جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة الانقلاب، وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها، يقال أفكه فائتفك أي قلبه فانقلب، وعلى هذا التفسير فالمؤتفكات صفة القرى، وقيل ائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر.
واعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وذكر هؤلاء الطوائف الستة وإنما قال ذلك لأنه أتاهم نبأ هؤلاء تارة، بأن سمعوا هذه الأخبار من الخلق، وتارة لأجل أن بلاد هذه الطوائف، وهي بلاد الشام، قريبة من بلاد العرب، وقد بقيت آثارهم مشاهدة، وقوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ ﴾ وإن كان في صفة الاستفهام إلا أن المراد هو التقرير، أي أتاهم نبأ هؤلاء الأقوام.
ثم قال: ﴿ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ﴾ وهو راجع إلى كل هؤلاء الطوائف.
ثم قال: ﴿ بالبينات ﴾ أي بالمعجزات ولا بدَّ من إضمار في الكلام، والتقدير: فكذبوا فعجل الله هلاكهم.
ثم قال: ﴿ فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ والمعنى: أن العذاب الذي أوصله الله إليهم ما كان ظلماً من الله لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة ومبالغتهم في تكذيب أنبيائهم، بل كانوا ظلموا أنفسهم، قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى لا يصح منه فعل الظلم وإلا لما حسن التمدح به، وذلك دل على أنه لا يظلم ألبتة، وذلك يدل على أنه تعالى لا يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه، ودل على أن فاعل الظلم هو العبد، وهو قوله: ﴿ ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ وهذا الكلام قد مر ذكره في هذا الكتاب مراراً خارجة عن الإحصاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وأصحاب مَدْيَنَ ﴾ وأهل مدين وهم قوم شعيب ﴿ والمؤتفكات ﴾ مدائن قوم لوط.
وقيل: قريات قوم لوط وهود وصالح.
وائتفاكهنّ: انقلاب أحوالهنّ عن الخير إلى الشر ﴿ فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ فما صحّ منه أن يظلمهم وهو حكيم لا يجوز عليه القبيح وأن يعاقبهم بغير جرم، ولكن ظلموا أنفسهم حيث كفروا به فاستحقوا عقابه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ.
﴿ وَعادٍ ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ.
﴿ وَثَمُودَ ﴾ أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ.
﴿ وَقَوْمِ إبْراهِيمَ ﴾ أُهْلِكَ نَمْرُوذُ بِبَعُوضٍ وأُهْلِكَ أصْحابُهُ.
﴿ وَأصْحابِ مَدْيَنَ ﴾ وأهْلِ مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِالنّارِ يَوْمَ الظُّلَّةِ.
﴿ والمُؤْتَفِكاتِ ﴾ قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ فَصارَ عالِيها سافِلَها، وأُمْطِرُوا حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، وقِيلَ قُرَيّاتُ المُكَذِّبِينَ المُتَمَرِّدِينَ وائْتِفاكُهُنَّ انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ.
﴿ أتَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ يَعْنِي الكُلَّ.
﴿ بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ أيْ لَمْ يَكُ مِن عادَتِهِ ما يُشابِهُ ظُلْمَ النّاسِ كالعُقُوبَةِ بِلا جُرْمٍ.
﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ حَيْثُ عَرَّضُوها لِلْعِقابِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر نبأ من قبلهم فقال {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ} هو بدل من الذين {وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إبراهيم وأصحاب مدين} وأهل مدين هم قوم شعيب {والمؤتفكات} مدائن قوم لوط وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ} فما صح منه أن يظلمهم بإهلاكهم لأنه حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم {ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر وتكذيب الرسل
﴿ ألَمْ يَأْتِهِمْ ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ ﴿ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ خَبَرُهُمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ واسْتِفْهامٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّحْذِيرِ ﴿ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ( ﴿ وعادٍ ﴾ ) أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ( ﴿ وثَمُودَ ﴾ ) أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ في القَوْمَيْنِ لِأنَّهم لَمْ يَشْتَهِرُوا بِنَبِيِّهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّ الكَثِيرَ مِنهم آمَنَ ﴿ وقَوْمِ إبْراهِيمَ ﴾ أُهْلِكَ نُمْرُوذُ رَئِيسُهم بِبَعُوضٍ وأُبِيدُوا بَعْدَهُ لَكِنْ لا بِسَبَبٍ سَماوِيٍّ كَغَيْرِهِمْ ﴿ وأصْحابِ مَدْيَنَ ﴾ أيْ: أهْلِها وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْلِكُوا بِالنّارِ يَوْمَ الظُّلَّةِ أوْ بِالصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ أوْ بِالنّارِ والرَّجْفَةِ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ ( ﴿ والمُؤْتَفِكاتِ ﴾ ) جُمَعُ مُؤْتَفِكَةٍ مِنَ الِائْتِفاكِ وهو الِانْقِلابُ بِجَعْلِ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَ بِالخَسْفِ، والمُرادُ بِها إمّا قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فالِائْتِفاكُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ وصارَ عالِيها سافِلَها وأمْطَرَ عَلى مَن فِيها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ وإمّا قُرَيّاتُ المُكَذِّبِينَ المُتَمَرِّدِينَ مُطْلَقًا فالِائْتِفاكُ مَجازٌ عَنِ انْقِلابِ حالِها مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِ ابْنِ الرُّومِيِّ: وما الخَسْفُ أنْ تَلْقى أسافِلُ بَلْدَةٍ أعالِيَها بَلْ أنْ تَسُودَ الأراذِلُ لِأنَّها لَمْ يُصِبْها كُلَّها الِائْتِفاكُ الحَقِيقِيُّ ﴿ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَبَئِهِمْ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْجَمِيعِ لا لِلْمُؤْتَفِكاتِ فَقَطْ ﴿ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَما كانَ إلَخْ، فالفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ الَّذِي يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، أيْ لَمْ يَكُنْ مِن عادَتِهِ سُبَحانَهُ ما يُشْبِهُ ظُلْمَ النّاسِ كالعُقُوبَةِ بِلا جُرْمٍ، وقَدْ يُحْمَلُ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ أيْ لا يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ أصْلًا بَلْ هو أبْلَغُ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ فَما صَحَّ مِنهُ أنْ يَظْلِمَهم وهو حَكِيمٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القَبِيحُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاعْتِزالِ.
﴿ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ حَيْثُ عَرَضُوها بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ لِلْعِقابِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِهِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المَظْلُومِّيَةِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن لا يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِلْقَصْرِ كابْنِ الأثِيرِ فِيما قِيلَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يعني: ألم يأتهم خبر الذين من قبلهم في القرآن عند التكذيب كيف فعلنا بهم؟
قَوْمِ نُوحٍ كيف أغرقناهم، وَقوم عادٍ كيف أهلكناهم بالريح العقيم؟
وَقوم ثَمُودَ، وهم قوم صالح كيف أهلكناهم بالصيحة؟
وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ، وهو نمروذ بن كنعان كيف أهلكناهم بأضعف الخلق وهو البعوض؟
وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وهم قوم شعيب كيف أهلكناهم بعذاب يوم الظلة؟
وَالْمُؤْتَفِكاتِ، يعني: مدائن قوم لوط.
وَالْمُؤْتَفِكاتِ جمع المؤتفكة، لأنها ائتفكت بهم، يعني: انقلبت بهم، كقوله تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى فَغَشَّاها مَا غَشَّى [النجم: 53] يعني: أمطرت عليهم الحجارة.
وقال مقاتل: المؤتفكات يعني: المكذبات أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، يعني: بالأمر والنهي فتركوا طاعتي فأهلكتهم.
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، يعني: لم يهلكهم بغير ذنب.
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بتركهم طاعتي وتكذيبهم الرسل.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ، يريد فيما ذكره المفسِّرون، رجلاً واحداً، قيل: اسمه مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَر، قاله ابنُ إِسحاق، وذكر جميعهم أنَّه استشهد باليَمَامَةِ، وقد كان تَابَ، وتسمَّى عبد الرحمن، فدعا اللَّه أنْ يَسْتَشْهِدَ، ويُجْهَلَ أمره، فكان كذلك، ولم يوجَدْ جَسَده، وكان مَخْشِيٌّ مع المنافقين الذين قالوا: إِنما كنا نخوضُ وَنَلْعَبُ، فقيل: كان منافقاً، ثم تاب توبةً صحيحةً، وقيل: كان مسلماً مُخْلِصاً إِلا أنه سمع المنافقينَ، فَضَحِكَ لهم، ولم يُنْكِرْ عليهم، فعفا اللَّه عنْه في كلا الوجْهَيْن، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الّذين قالوا ما تقدّم.
وقوله سبحانه: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: يريد: في الحُكْم والمَنْزلة في الكُفْر، ولمَّا تقدَّم قبلُ: وَما هُمْ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٦] حَسُن هذه الإخبار، ويَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ: أي: عن الصدقة، وفعْلِ الخير، نَسُوا اللَّهَ: أَيْ: تركوه حِينَ تَرَكُوا اتباع نَبيِّه وشَرْعِهِ، فَنَسِيَهُمْ: أي: فتركَهم حين لم يَهْدِهِمْ، والكُفَّار في الآية:
المُعْلِنُونَ، وقوله: هِيَ حَسْبُهُمْ: أي: كافيتهم.
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)
وقوله تعالى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: أي: أنتم، أيها المنافقُونَ، كالذين مِنْ قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً، فَعَصَوْا فأهلكوا، فأنتم أولَى بالإِهلاك لمعصيتكم وضَعْفِكم، والخَلاَقُ: الحَظُّ من القَدْرِ والدينِ وجميعِ حال المَرْءِ، فخلاقُ المَرْء: الشيء الذي هُوَ به خليقٌ، والمعنى: عَجَّلوا حَظَّهم في دنياهم، وتركوا الآخرة، فاتبعتموه أنتم،
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: المعنى: وأنتم أيضاً كذلك، ويحتمل أنْ يريد ب أُولئِكَ: المنافقين.
وقوله سبحانه: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ...
الآية:
المعنى ألم يأتِ هؤلاءِ المنافقين خَبَرُ الأُمم السالفة التي عَصَتِ اللَّه بتكْذيب رسله، فأهلكها، وقَوْمِ إِبْراهِيمَ: نُمْرُود وأصحابه وأَتْبَاعَ دَوْلَته، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ قومُ شُعَيْب، وَالْمُؤْتَفِكاتِ: أهلُ القرى الأربعةِ أو السَّبْعة التي بعث إِليهم لوطٌ عليه السلام، ومعنى الْمُؤْتَفِكاتِ: المنصرفَاتُ والمنْقَلِبَاتُ أُفِكَتْ فَأْتَفَكَتْ لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ البخاريّ: الْمُؤْتَفِكاتِ: ائتفكت: انقلبت بهم الأرضُ.
انتهى.
والضمير في أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ: عائدٌ على هذه الأمم المذكورة، ثم عقَّب سبحانه بذكْر المؤمنين، وما مَنَّ به علَيْهِمْ مِنْ حُسْن الأعمال ترغيباً وتنشيطاً لمبادرة ما به أَمَرَ لطفاً منه بعباده سبحانه، لا ربَّ غيْرُهُ، ولا خَيْر إِلا خيره.
وقوله سبحانه: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ: قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس «١» .
قال ع «٢» : وبحسب هذا تكون الزَّكَاةُ هي المفروضةُ، والمَدْحُ عندي بالنوافلُ أبلغُ إِذ من يقيم النوافِلَ أحْرَى بإِقامة/ الفَرْض، والسين في قوله: سَيَرْحَمُهُمُ: مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً لتكون النفوسُ تنعم برجائه سبحانه، وفَضْلُه سبحانه زعيمٌ بالإِنجاز، وذكَر الطبريُّ «٣» في قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، عن الحسن أنَّه سأل عنها عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن وأبا هريرة، فقالا: على الخَبِيرِ سَقَطَت!
سَأَلْنَا عَنْهَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: «قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء، في كُلِّ دار سبعون بيتا من زمرّدة خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً» «٤» ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ، ويقرب منها، فاختصرتها طَلَبَ الإِيجاز.
ت: وتمام الحديث من «الإِحياءِ» ، وكتاب الآجُرِّيِّ المعروف ب «كتاب النصيحة» ، عن الحسن عن عمرانَ بن حُصَيْن وأبي هريرة، قالا: «على كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، وفِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائدة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ وهو الإيمانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.
قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ هِيَ حَسْبُهُمْ ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ.
ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿ كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.
وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُضْتُمْ ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا ﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْمِ إبْراهِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ.
(والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ.
قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَتْهُمْ ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ ويُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهَ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِن اللهُ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ : ألَمْ يَأْتِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ خَبَرُ الأُمَمِ السالِفَةِ الَّتِي عَصَتِ اللهَ بِتَكْذِيبِ رُسُلِهِ فَأهْلَكَها؟
وعادٌ وثَمُودُ قَبِيلَتانِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ: نَمْرُودٌ وأصْحابُهُ وتُبّاعُ دَوْلَتِهِ، وأصْحابُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، والمُؤْتَفِكاتُ: أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ، وقِيلَ: السَبْعَةُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ ، ومَعْنى المُؤْتَفِكاتِ: المُنْصَرِفاتُ والمُنْقَلِباتُ، أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ لِأنَّهُ جَعَلَ أعالِيَها أسافِلَها، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حَطّانِ: بِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ ∗∗∗ بِهِ اللِسانُ وإنِّي غَيْرُ مُؤْتَفِكِ أيْ: غَيْرُ مُنْقَلِبٍ مُنْصَرِفٍ مُضْطَرِبٍ، ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ: ( أنّى يُؤْفَكُونَ )، والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ أتَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وجَعَلَ لَهم رُسُلًا وإنَّما كانَ نَبِيُّهم واحِدًا لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللهِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ في عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ أبْيَنُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ يُرِيدُ: بِالمُعْجِزاتِ، وهي بَيِّنَةٌ في نَفْسِها بِالإضافَةِ إلى الحَقِّ لا بِالإضافَةِ إلى المُكَذِّبِينَ بِها.
ولَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ بِالأشْياءِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَصْرِفَ عَنِ النِفاقِ وتَنْهى عنهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِالأشْياءِ الَّتِي تُرَغِّبُ في الإيمانِ وتُنَشِّطُ إلَيْهِ تَلَطُّفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِبادِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وذُكِرَتْ هُنا الوِلايَةُ إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ، ولا شَفاعَةَ لَهُمْ، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وكَأنَّ المُرادَ هُنا الوِلايَةُ في اللهِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ يُرِيدُ: بِعِبادَةِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ وكُلِّ ما اتَّبَعَ ذَلِكَ، وقَوْلِهِ: ﴿ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ يُرِيدُ عن عِبادَةِ الأوثانِ وكُلِّ ما اتَّبَعَ ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كَلُّ ما ذَكَرَ اللهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِرْكِ إلى الإسْلامِ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَهْيُ عن عِبادَةِ الأوثانِ والشَياطِينِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ ﴾ هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَوافِلَ أحْرى بِإقامَةِ الفَرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ، والسِينُ في قَوْلِهِ: ﴿ سَيَرْحَمُهُمُ ﴾ مَدْخَلٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُفُوسُ تَنْعَمُ بِرَجائِهِ، وفَضْلُهُ تَعالى زَعِيمٌ بِالإنْجازِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةُ، وعْدُهُ في هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ نَصٌّ في الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ إمّا مِن تَحْتِ أشْجارِها، وإمّا مِن تَحْتِ عُلِّيّاتِها، وإمّا مِن تَحْتِ مَجالِسِها بِالإضافَةِ إلى هَذا، كَما تَقُولُ في دارَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيِ المَكانَ: هَذِهِ تَحْتَ هَذِهِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً ﴾ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ عنها عِمْرانَ بْنَ الحُصَيْنِ وأبا هُرَيْرَةَ فَقالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا عنها رَسُولَ اللهِ فَقالَ: "قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا"،» ونَحْوُ هَذا مِمّا يُشْبِهُ هَذِهِ الألْفاظَ أو يَقْرُبُ مِنها فاخْتَصَرْتُها طَلَبَ الإيجازِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ فَمَعْناهُ: في جَنّاتِ إقامَةٍ وثُبُوتٍ، يُقالُ: عَدَنَ الشَيْءُ في المَكانِ إذا أقامَ بِهِ وثَبَتَ، ومِنهُ المَعْدِنُ، أيْ مَوْضِعُ ثُبُوتِ الشَيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ هَذا الكَلامُ اللُغَوِيُّ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: جَنّاتُ عَدْنٍ هي بِالفارِسِيَّةِ: جَنّاتُ الكُرُومِ والأعْنابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّ هَذا وهْمًا اخْتَلَطَ بِالفِرْدَوْسِ، وقالَ الضَحّاكُ: جَنّاتُ عَدْنٍ هِيَ: مَدِينَةُ الجَنَّةِ وعُظْمُها، فِيها الأنْبِياءُ والعُلَماءُ والشُهَداءُ وأئِمَّةُ العَدْلِ والناسُ حَوْلَهم بَعْدُ والجَنّاتُ حَوْلَها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَدْنٌ هي بُطْنانُ الجَنَّةِ وسُرَّتُها، وقالَ عَطاءٌ: عَدْنٌ: نَهْرٌ في الجَنَّةِ جَنّاتُهُ عَلى حافَّتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: عَدْنٌ: قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهِيدٌ أو حَكَمٌ عَدْلٌ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَأْبى هَذا التَخْصِيصَ إذْ قَدْ وعَدَ اللهُ بِها جَمْعَ المُؤْمِنِينَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ ﴾ فَرُوِيَ فِيهِ «أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِعِبادِهِ إذا اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ؟
فَيَقُولُونَ: وكَيْفَ لا نَرْضى يا رَبَّنا؟
فَيَقُولُ: إنِّي سَأُعْطِيكم أفْضَلَ مِن هَذا كُلِّهِ، رِضْوانِي، أرْضى عَلَيْكُمْ، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا".» الحَدِيثُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أكْبَرُ ﴾ يُرِيدُ: أكْبَرَ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، ومَعْنى الآيَةِ والحَدِيثِ مُتَّفِقٌ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ بِرِضْوانِ اللهِ مِنَ اللَذَّةِ والسُرُورِ ما هو ألَذُّ عِنْدَهم وأقَرُّ لِأعْيُنِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أصابُوهُ مِن لَذَّةِ الجَنَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ ﴾ إشارَةً إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ الشارِبِينَ مِن تَسْنِيمِ الَّذِينَ يُرَوْنَ كَما يُرى النَجْمُ الغائِرُ في الأُفُقِ، وجَمِيعُ مَن في الجَنَّةِ راضٍ والمَنازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وفَضْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مُتَّسِعٌ، والفَوْزُ: النَجاةُ والخَلاصُ ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ﴾ ، والمُقَرَّبُونَ هم في الفَوْزِ العَظِيمِ، والعِبارَةُ عِنْدِي عن حالِهِمْ بِسُرُورٍ وكَمالٍ أجْوَدُ مِنَ العِبارَةِ عنها بِلَذَّةٍ، واللَذَّةُ أيْضًا مُسْتَعْمَلَةٌ في هَذا.
<div class="verse-tafsir"
عاد الكلام على المنافقين: فضمير ﴿ ألم يأتهم ﴾ و ﴿ من قبلهم ﴾ عائدَاننِ إلى المنافقين الذين عاد عليهم الضمير في قوله: ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ [التوبة: 65]، أو الضميرُ في قوله: ﴿ ولهم عذاب مقيم ﴾ [التوبة: 68].
والاستفهام موجه للمخاطب تقريراً عنهم، بحيث يكون كالاستشهاد عليهم بأنّهم أتاهم نبأ الذين من قبلهم.
والإتيان مستعمل في بلوغ الخبر كقوله تعالى: ﴿ يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ﴾ وقد تقدّم في سورة العقود (41)، شُبْه حصول الخبر عند المخبَر بإتيان الشخص، بجامع الحصول بعد عدمه، ومن هذا القبيل قولهم: بلغَه الخبر، قال تعالى: ﴿ لأنذركم به ومن بلغ ﴾ في سورة الأنعام (19).
والنبأ: الخبر وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ولقد جاءك من نبإِ المرسلين ﴾ في سورة الأنعام (34).
وقوم نوح تقدم الكلام عليهم عند قوله تعالى: ﴿ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ﴾ في سورة الأعراف (59).
ونوح: تقدّم ذكره عند قوله تعالى: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ في سورة آل عمران (33).
وعاد: تقدّم الكلام عليهم عند قوله تعالى: ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ في سورة الأعراف (65).
وكذلك ثمود.
وقوم إبراهيم هم الكلدانيون، وتقدّم الكلام على إبراهيم وعليهم عند قوله تعالى: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ﴾ في سورة البقرة (124).
وإضافة أصحاب } إلى ﴿ مَدْيَنَ ﴾ باعتبار إطلاق اسم مَدْيَن على الأرض التي كان يقطنها بنو مدين، فكما أنّ مدين اسم للقبيلة كما في قوله تعالى: ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً ﴾ [الأعراف: 85] كذلك هو اسم لموطن تلك القبيلة.
وقد تقدّم ذكر مَدين عند قوله: ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً ﴾ في الأعراف (85).
والمؤتفكات } عطف على ﴿ أصحاب مدين ﴾ ، أي نَبَأ المؤتفكات، وهو جمع مؤتفكة: اسم فاعللٍ من الائْتِفَاك وهو الانقلابُ.
أي القرى التي انقلبت والمراد بها: قرى صغيرة كانت مساكنَ قوم لوط وهي: سدوم، وعمورة، وأدَمَة، وصِبْوِيم وكانت قرى متجاورة فخسف بها وصار عاليها سافلها.
وكانت في جهات الأردن حول البحر الميت، ونبأ هؤلاء مشهور معلوم، وهو خبر هلاكهم واستئصالهم بحوادث مهولة.
وجملة: ﴿ أتتهم رسلهم ﴾ تعليل أو استئناف بياني نشأ عن قوله: ﴿ نبأ الذين من قبلهم ﴾ أي أتتهم رسلهم بدلائل الصدق والحقّ.
وجملة ﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ تفريع على جملة ﴿ أتتهم رسلهم ﴾ ، والمفرّع هو مجموع الجملة إلى قوله: ﴿ يظلمون ﴾ لأنّ الذي تفرّع على إتيان الرسل: أنّهم ظلموا أنفسهم بالعناد، والمكابرة، والتكذيب للرسل، وصمّ الآذان عن الحقّ، فأخذهم الله بذلك، ولكن نُظِم الكلام على هذا الأسلوب البديع إذا ابتدئ فيه بنفي أن يكون الله ظلمهم اهتماماً بذلك لفرط التسجيل عليهم بسوء صنعهم حتّى جُعل ذلك كأنّه هو المفرّع وجعل المفرّع بحسب المعنى في صورة الاستدراك.
ونُفِي الظلم عن الله تعالى بأبلغ وجه، وهو النفي المقترن بلام الجحود، بعد فعل الكون المنفي، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ من سورة العقود (6).
وأثبت ظُلمُهم أنفُسَهم لهم بأبلغ وجه إذْ أسند إليهم بصيغة الكون الماضي، الدالّ على تمكّن الظلم منهم منذ زمان مضى، وصيغ الظلم الكائن في ذلك الزمان بصيغة المضارع للدلالة على التجدّد والتكرّر، أي على تكرير ظلمهم أنفسهم في الأزمنة الماضية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَساكِنَ الطَّيِّبَةَ قُصُورٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ الأحْمَرِ والزَّبَرْجَدِ الأخْضَرِ مَبْنِيَّةٌ بِهَذِهِ الجَواهِرِ.
الثّانِي: أنَّها المَساكِنُ الَّتِي يَطِيبُ العَيْشُ فِيها، وهو مُحْتَمَلٌ.
وَأمّا جَنّاتُ عَدْنٍ فِيها خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها جَنّاتُ خُلُودٍ وإقامَةٍ، ومِنهُ سُمِّيَ المَعْدِنُ لِإقامَةِ جَوْهَرِهِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَإنْ تَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ تُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ يَعْنِي ثابِتَ الحِلْمِ.
وَهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ جَنّاتِ عَدْنٍ هي جَنّاتُ كُرُومٍ وأعْنابٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّ عَدْنَ اسْمٌ لِبَطْنانِ الجَنَّةِ أيْ وسَطِها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والرّابِعُ: أنَّ عَدْنَ اسْمُ قَصْرٍ في الجَنَّةِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ والحَسَنُ.
والخامِسُ: «أنَّ جَنَّةَ عَدْنٍ في السَّماءِ العُلْيا لا يَدْخُلُها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ إمامٌ عَدْلٌ.
وَجَنَّةُ المَأْوى في السَّماءِ الدُّنْيا تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ المُؤْمِنِينَ» رَواهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ مَرْفُوعًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن حذيفة.
أنه سئل عن المنافق.
فقال: الذي يصف الإِسلام ولا يعمل به.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: النفاق نفاقان.
نفاق تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم فذاك كفر، ونفاق خطايا وذنوب فذاك يرجى لصاحبه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ قال: هو التكذيب.
قال: وهو أنكر المنكر ﴿ وينهون عن المعروف ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله والإِقرار بما أنزل الله وهو أعظم المعروف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله تعالى في القرآن فذكر المنكر عبادة الأوثان والشيطان.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ قال: لا يبسطونها بنفقة في حق الله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ قال: لا يبسطونها بخير ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ قال: نسوا من كل خير ولم ينسوا من الشر.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ قال: تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ نسوا الله ﴾ قال: تركوا أمر الله ﴿ فنسيهم ﴾ تركهم من رحمته أن يعطيهم إيماناً وعملاً صالحاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إن الله لا ينسى من خلقه ولكن نسيهم من الخير يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نسوا في العذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ قال: صنيع الكفار كالكفار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿ كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ﴾ إلى قوله: ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم، والذي نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جُحْر ضبٍّ لدخلتموه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بخلاقهم ﴾ قال: بدينهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال: الخلاق الدين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ قال: بنصيبهم من الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ قال: لعبتم كالذي لعبوا.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذركم أن تحدثوا حدثاً في الإِسلام، وعلم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة فقال الله: ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم...
﴾ الآية» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ الآية، احتج الله -عز وجل- على الكفار والمنافقين بالكفار الماضية، أي أنهم إذا هلكوا بعلة التكذيب فلم يأمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم؟
قال الزجاج: (أي ألم يأتهم خبر الذين أهلكوا في الدنيا بذنوبهم (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: نمرود بن كنعان (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ ﴾ مدين (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ﴾ قال المفسرون: يعني (٨) (٩) (١٠) (١١) ويقال: أفكه فائتفك أي: قلبه فانقلب (١٢) وقوله تعالى: ﴿ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: (لوط وحده) (١٣) (١٤) ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ ولم يكن في عصره سواه رسول، وقال آخرون: (الكناية في الرسل تعود إلى جميع الأمم المذكورة) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد ليهلكهم حتى يبعث إليهم نبيا ينذرهم) (١٦) ﴿ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [قال أبو إسحاق: (أعلم الله -عز وجل- أن تعذيبهم كان باستحقاقهم وأن ذلك عدل منه) (١٧) (١٨) (١) ساقط من (ى).
(٢) اهـ.
كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 461.
(٣) يقال: إنه النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكان أحد ملوك إلى الدنيا، وقد طغا وبغى وتجبر، وادعى الربوبية، وأنكر الخالق وسعى لإحراق إبراهيم - -، ويذكر أن سبب هلاكه بعوضة دخلت في منخره.
والله أعلم.
انظر: "تاريخ ابن جرير" 1/ 233 - 242، و"البداية والنهاية" 1/ 148.
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 468، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 509.
(٥) ساقط من (ح).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 177، والثعلبي 6/ 126 أ، والبغوي 4/ 72.
(٨) ساقطة من (ى).
(٩) انظر المصادر السابقة، نغسر المواضع.
(١٠) قال ابن فارس: أئتفكت البلدة بأهلها: انقلبت.
"مجمل اللغة" (أفك) 1/ 99.
(١١) من (ى).
(١٢) انظر: "لسان العرب" (أفك) 1/ 97.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) ذكر هذا التوجيه ابن جرير 10/ 178، والقرطبي 8/ 202، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 70.
(١٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 178، وابن الجوزي 3/ 468، وهود بن محكم 2/ 150، واستظهر هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 458.
(١٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 468، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 509.
(١٧) "معاني والقرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 461.
(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ ﴾ الآية: تهديد لهم بما أصاب الأمم المتقدمة ﴿ والمؤتفكات ﴾ يعني مدائن قوم لوط ﴿ بالبينات ﴾ أي بالمعجزات.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والمؤتفكات ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن قالون والأعشى وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ والمؤتفكات ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب.
﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ م لما مر.
﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ سيرحمهم الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ما قالوا ﴾ ط ﴿ لم ينالوا ﴾ ج ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ج ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ من الصالحين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ علام الغيب ﴾ ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم.
وكونه بدلاً من الضمير في ﴿ نجواهم ﴾ ﴿ فيسخرون منهم ﴾ ط.
﴿ سخر الله منهم ﴾ ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم.
﴿ أليم ﴾ ه.
التفسير: لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيب الأنبياء والاشتغال بالنعيم الزائل بين أن أولئك الكفار من هم فذكر ست طوائف سمع العرب أخبارهم لأن بلادهم - وهي الشام - قريبة من بلادهم وقد بقيت آثارهم مشاهدة، ولهذا صدر الكلام بحرف الاستفهام للتقرير.
فأوّلهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم: قوم عاد وأهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: ثمود وأخمدوا بالصيحة، ورابعهم: قوم إبراهيم سلط الله عليهم البعوض وكفى شر ملكهم وهو نمرود ببعوضة واحدة سلطها على دماغه.
وخامسهم: أًصحاب مدين قوم شعيب أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات قوم لوط أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن جعل مدائنهم عاليها سافلها.
والائتفاك الانقلاب سميت مدائنهم بذلك لأن الله قلبها عليهم.
ويمكن أن يراد بالمؤتفكات الناس لانقلاب أحوالهم من الخير إلى الشر.
ثم قال ﴿ أتتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالمعجزات ولا بد بعد هذا من إضمار والتقدير فكذبوهم فأهلكهم الله.
﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ قالت المعتزلة: أي ما صح منه الظلم ولكنهم استحقوا ذلك بسبب كفرهم، وقد مر الكلام في أمثال ذلك.
ثم بين أن شأن المؤمنين في الدنيا والآخرة بخلاف المنافقين فقال ﴿ والمؤمنون ﴾ الآية قال بعض العلماء: إنما قال ههنا ﴿ أولياء بعض ﴾ وهناك ﴿ من بعض ﴾ لأن نفاق أتباع المنافقين حصل بسبب التقليد لأكابرهم بمقتضى الطبع والعادة بخلاف الموافقة بين المؤمنين فإنها بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية.
وأقول: كون بعض المنافقين من بعض يوجب اشتراكهم في أمر من الأمور بالجملة كالدار أو حكم من الأحكام الشرعية أو سيرة وطريقة وهذا هو المقصود، ولكنه يحتمل أن يكون تكلفاً أو بطريق النفاق لأن سببه انعقاد غرض من الأغراض الدنيوية العاجلة فذكر الله اشتراكهم في ذلك بلفظ "من" لمكان الاحتمال المذكور.
وأما تشارك المؤمنين في السيرة فلما كان سبببه الإخلاص والعصبية للدين والاجتماع على ما يفضي إلى سعادة الدارين كانت الموالاة بينهم محققة فصرح الله بذلك.
ثم وصفهم بأضداد صفات المنافقين فقال ﴿ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان بالنسبة إلى غيرهم.
ثم قال ﴿ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ وهاتان لهم في أنفسهم وهما بإزاء قوله في صفة المنافقين ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ .
ثم وصفهم بالطاعة على الإطلاق فقال ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ أي في كل ما يأتون ويذرون.
ثم ذكر ما أعدّ لهم من الثواب على سبيل الإجمال فقال ﴿ أولئك سيرحمهم الله ﴾ والسين تفيد المبالغة في إنجاز الوعد بالرحمة كما يؤكد الوعيد به إذا قلت سأنتقم منك يوماً يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ وفيه ترغيب للمؤمنين وترهيب للكافرين لأن العزيز هو من لا يمنع من مرادة في عباده من رحمة أو عقوبة.
والحكيم هو الذي يدبر عباده على وفق ما يقتضيه العدل والصلاح.
ثم فصل ما أجمل من الرحمة بقوله ﴿ وعد الله المؤمنين ﴾ الآية.
وقد كثر كلام أصحاب الآثار في معنى جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن ذلك فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله فقال: "هو قصر في الجنة من اللؤلؤ وفيه سبعون داراً من ياقوته حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة يعطى المؤمن من القوة ما يأتي على ذلك أجمع" .
وعن ابن عباس أنها دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر.
وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها قاله الأزهري.
وبطنان الأودية المواضع التي يستنقع فيها السيل واحدها بطن.
وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى.
وسائر الجنات حولها.
وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب.
فتهب الريح من تحت العرش فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض.
وقال عبد الله بن عمر: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد.
وفي هذه الأخبار دلالة على أن عدناً علم ويؤيده قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب ﴾ ولو لم يكن علماً لم يوصف بالمعرفة.
ولا ريب أن أصله صفة من قولك عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن للمكان الذي تخلق فيه الجواهر.
وعلى هذا فالجنات كلها جنات عدن.
إلا أن يغلب الاسم على بعضها.
﴿ ورضوان من الله ﴾ شيء يسير من رضاه ﴿ أكبر ﴾ من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وكرامة وكل خطب مع رضا المولى هين، وكل نعيم مع سخطه منغص.
وفيه دليل على أن السعادات الروحانية أعلى حالاً وأشرف مآلاً من السعادات الجسمانية بل لا نسبة لتلك اللذة والابتهاج إلى هذه على أن الاعتراف بالسعادات الجسمانية واجب من حيث الشرع ﴿ ذلك ﴾ الموعود والرضوان ﴿ هو الفوز العظيم ﴾ وحده دون ما يعده الناس فوزاً.
في الحديث "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟
فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أدخل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً" ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال المنافقين فقال ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ قال الضحاك: أي جاهد الكفار واغلظ على المنافقين لأن المنافق لا تجوز محاربته في ظاهر الشرع.
وضعف بأن النسق يأباه.
وقيل: المراد بهؤلاء المنافقين هم الذين عرفه الله حالهم فصاروا كسائر الكفرة فجاز قتالهم، وزيف بأنه وإن علم حالهم بالوحي إلا أنه مأمور بأن يحكم بالظاهر والقوم كانوا يظهرون الإسلام فكيف يجوز قتالهم؟
والصحيح أن الجهاد بذل المجهود في حصول المقصود وهو شامل للسيف واللسان، فالمراد جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة واغلظ عليهم في الجهادين جميعاً عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه بأن يكرهه ويبغضه ويتبرأ منه.
وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.
واعترض عليه بأن إقامة الحدود واجبة على كل فاسق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق.
واعتذر عنه بأنه قال ذلك لأن عنده أن كل فاسق منافق أو لأن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن رسول الله كونه منافقاً.
قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله فقال رسول الله : يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟
فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك فأنزل الله ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وعن قتادة أن رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبيّ يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبي الله فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية.
ومعنى قوله ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ أنهم أظهروا الكفر بعدما كانوا يظهرون الإسلام.
أما قوله ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ فهو الفتك برسول الله عند مرجعه من تبوك، وذلك أنه توافقخمسة عشر رجلاً منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر أخذ بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلام فالتفت فإذا هم قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا.
وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر بن قيس لرده على الجلاس بن سويد وقد مر في تفسير قوله ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم ﴾ وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله .
﴿ وما نقموا ﴾ وما أنكروا وما عابوا ﴿ إلا أن أغناهم ﴾ كقول القائل.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فظفروا بالغنائم وجمعوا الأموال.
وروي أنه قُتل للجلاس مولى فأمر رسول الله بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى، ثم استعطف قلوبهم بعد صدور هذه الجنايات العظيمة عنهم فقال ﴿ فإن يتوبوا يك ﴾ يعني ذلك الرجوع ﴿ خيراً لهم ﴾ وكان الجلاس ممن تاب فحسنت توبته ﴿ وإن يتولوا ﴾ يعرضوا عن التوبة ﴿ يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي واغتنام الأموال.
وقيل: بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب.
وقيل: في القبر وأما عذاب الآخرة فمعلوم ﴿ وما لهم في الأرض ﴾ يحتمل أرض الدنيا وأرض القيامة.
ثم بين أن هؤلاء كما ينافقون الرسول والمؤمنين فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه فقال ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ يروى عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال لرسول الله : ادع الله أن يرزقني مالاً فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه.
ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال فضة وذهباً لسارت.
فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأويتن كل ذي حق حقه.
فقال رسول الله : اللهم ارزق ثعلبة مالاً.
فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما.
ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل عنه رسول الله فأخبر خبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثاً وأنزل الله عز وجل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فبعث رسول الله رجلين على الصدقة رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وقال لهما.
مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما.
فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إليّ.
فانطلقا وأخبرا السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا عليك وما نريد أن نأخذ هذا منك.
قال: بلى خذوه فإن نفسي بها طيبة.
فأخذوها منه ثم رجعا على ثعلبة فقال: أروني كتابكما ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي.
فانطلقا حتى أتيا النبي فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة ثم نزلت الآية وعند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إليه وقال: يا ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا.
فخرج ثعلبة حتى أتى النبي فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك.
فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله : هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني.
فلما أبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله وقبض رسول الله ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله وموضعي من الأنصاري فاقبل صدقتي.
فقال: لم يقبلها رسول الله وأنا أقبلها؟
فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها في خلافة عثمان ولم يقبل صدقته واحد من الخلفاء اقتداء برسول الله .
وأقول وما ذاك إلا بشؤم اللجاج أولاً وآخراً.
قال بعض العلماء: المعاهدة أعم من أن تكون باللسان أو بالقلب.
وقال المحققون.
إنه لا بد من التلفظ بها لما روي أنه قال: "إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسهم ولم يتلفظوا به" ولأن قوله عز من قائل ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقن ﴾ ظاهره مشعر بالقول اللساني.
والمراد بالفضل إيتاء المال بطريق التجارة أو الاستغنام ونحوهما.
وأصل ﴿ لنصدقن ﴾ لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد.
والمصدق المعطي لا السائل كقوله ﴿ وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ﴾ ومعنى قوله ﴿ ولنكونن من الصالحين ﴾ عن ابن عباس أنه أراد الحج.
ولعل المراد إخراج كل ما يجب إخراجه إذ لا دليل على التقييد.
ثم وصفهم بصفات ثلاث فقال ﴿ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ﴾ فالبخل عبارة عن منع الحق الشرعي، والتولي نقض العهد، والإعراض أراد به الإحجام عن تكاليف الله وأن ذلك منهم عادة معتادة، ولترتب هذا الذم عل أمنع الصدقة ولإطلاق لفظة البخل عليه وهو في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب.
ذكر العلماء أن الصدقة الملتزمة في قوله ﴿ لنصدقن ﴾ هي الصدقة الواجبة.
وأن الرجل قد عاهد ربه أن يقول بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة.
إن وسع الله عليه دون ما يلتزنه الإنسان بالنذر من المندوبات إذ لا دليل في الآية على ذلك مع أن سبب النزول يأباه.
فإن قيل: الزكاة لا تلزم بسبب الالتزام وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحلول الحول.
قلنا إن قوله ﴿ لنصدقن ﴾ لا دليل فيه على الفور بل المراد لنصدقن في وقته الذي يليق به.
وفي الآية دلالة على أن الرجل حين عاهد بهذا العهد كان مسلماً ثم إنه لما بخل بالمال ولم يف بالعهد صار منافقاً ويؤكده قوله ﴿ فأعقبهم نفاقاً ﴾ عن الحسن وقتادة أن أعقب مسند إلى ضمير البخل أي أورثهم البخل نفاقاً متمنكاً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه وباعثاً عليه، وكذا التأويل إن جعل عائداً إلى التولي أو الإعراض.
وضعت بأن حاصل هذه الأمور كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق فى القلب لأن ترك الواجب عدم والنفاق جهل وكفر وهو أمر وجودي والعدم لا يؤثر في الوجود، ولأن هذا الترك قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه النفاق، ولأنه لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان الترك جائزاً شرعاً أو محرماً فسبب اختلافات الأحكام الشرعية لا يخرج السبب عن كونه مؤثراً، ولأن البخل أو التولي أو الإعراض هو بعينه خلاف ما وعدوا الله به فيصير تقدير الآية إن التولي أوجب النفاق بسبب التولي وهذا كلام كما ترى فلم يبق إلا أن يسند الفعل إلى الله فيكون فيه دليل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله، ومن هنا قال الزجاج: معناه أنهم لما ضلوا في الماضي فالله يضلهم عن الدين في المستقبل ومما يؤكد القول بأن الضمير في ﴿ أعقب ﴾ لله أن الضمير في قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ عائد إلى الله.
وللمعتزلة أن يقولوا: النفاق وإن سلم أنه وجودي لكنه أمر شرعي ولا يبعد جعل شيء عدمي أمارة عليه.
وأيضاً الترك المقرون بالتولي والإعراض لا نسلم أنه لا يحصل معه النفاق، ولا يلزم من كون الترك المحرم موجباً للكفر بجعل الشارع كون الترك الجائز كذلك، ولا نسلم أن البخل هو بعينه إخلاف الوعد والكذب بل قد يقع البخل من غير سبق وعد.
سلمنا عود الضمير إلى الله لكن من أين يلزم كونه خالقاً للكفر والنفاق، ولم لا يجوز أن يراد فأعقبهم الله العقوبة على النفاق بإحداث الغم في قلوبهم وضيق الصدور ما ينالهم من الذل والخوف، أو يراد فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا؟
ولأهل السنة أن يقولوا هذا عدول عن الظاهر مع أن الدلائل الدالة على وجوب انتهاء الكل إلى مشيئة الله وتقديره تعضد ما قلناه.
قال العلماء: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فعلى المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه.
ومذهب الحسن البصري أن نقض العهد يوجب النفاق لا محالة تمسكاً بهذه الآية وبقوله "ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وقال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله إنما ذكر قوله "ثلاث من كن فيه فهو منافق" في المنافقين خاصة الذين حدثوا رسول الله فكذبوه واؤتمنوا على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه.
ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره الله فيمن عاهده، وإذا أؤتمن على دين الله خان في السر وكان قلبه على خلاف لسانه.
ونقل أن واصل بن عطاء أرسل إلى الحسن رجلاً فقال: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم ﴿ فأكله الذئب ﴾ فكذبوا، ووعدوه في قولهم ﴿ وإنّا له لحافظون ﴾ فأخلفوا وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل تحكم بكونهم منافقين؟
فتوقف الحسن في مذهبه.
قال أهل التفسير: قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ دل على أن ذلك المعاهد يموت على ذلك وكان كما أخبر فيكون إخباراً بالغيب ومعجزاً.
قال الجبائي: هذا اللقاء لا شك أنه ليس بمعنى الرؤية لأن الكفار لا يرونه بالاتفاق فدل على أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ .
ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم الله وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم فقال ﴿ ألم يعلموا ﴾ الآية.
والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى ما يكون بين اثنين وأكثر مع الإخفاء عن غيرهم.
والترتيب يدل على التخليص كما مر في الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه ﴿ خلصوا نجياً ﴾ ومعنى الآية كيف تتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع أنه يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض؟!
عن ابن عباس أن رسول الله خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي.
فقال رسول الله : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم.
وقيل؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً.
وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله ﴿ الذين يلمزون المطوعين ﴾ أي المتطوعين فأدغمت.
والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب.
والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث.
وقال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم.
وفرق ابن السكيت بينهما فقال: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة.
وقال الشعبي: الأول في العمل والثاني في القوة ﴿ سخر الله منهم ﴾ خير لا دعاء كقوله ﴿ الله يستهزىء بهم ﴾ وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم.
وقال الأصم: المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله.
وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً.
التأويل: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿ يأمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله "فأحببت أن أعرف" ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ الحقيقية ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ ومساكن طيبة ﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿ يا أيها النبي ﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الانباء ﴿ جاهد ﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿ واغلظ عليهم ﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿ فمأواهم جهنم ﴾ القطيعة ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿ وما نقموا ﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ باستعداده الفطري ﴿ لئن آتانا من فضله ﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿ لنصدقن ﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿ وأن الله علام الغيوب ﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلق ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿ الغيوب ﴾ .
﴿ سخر الله منهم ﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ .
ذكر [في] أهل الإيمان [أن] بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ ، وذكر في الكافرين الولاية لبعضهم ببعض بقوله: ﴿ وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ ، وقال في المنافقين: ﴿ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن لأهل الإيمان ديناً يدينون به ويتناصرون، ويدعون الناس إليه، وأهل الكفر يدينون - أيضاً - بدين ويتناصرون به، ويعاون بعضهم بعضاً؛ فصار لكل واحد من الفريقين موالاة فيما بينهم: موالاة الدين.
وأما المنافقون: فإنه لا دين لهم يدينون به، ولا مذهب ينتحلونه، ولا يناصر بعضهم بعضاً، ولا يعاون بعضهم بعضاً، ولا يجري بينهم التناصر والتعاون، فإنما هم عباد النعمة والسعة، مالوا حيثما مالت النعمة والسعة فلا موالاة بينهم لما ذكرنا.
وفي قوله: ﴿ وَٱلْمُنَافِقَاتُ ﴾ دلالة أن من نافق بالتقليد لآخر [أو كفر بالتقليد لآخر] أو نافق لا بتقليد - سواءٌ في استيجاب الإثم والتعذيب في ذلك والوعيد؛ لأن النساء هن أتباع وأهل تقليد للرجال، ثم سوى بينهم وبين النساء في الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ ﴾ ، أي: ما تنكره العقول، وهو الشرك بالله والخلاف له.
﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي: ينهون عما تعرفه العقول وتستحسنه، وهو التوحيد لله والإيمان به، ويدخل في ذلك كل خير وحسن، وفي المنكر يدخل فيه الشرك وكل معصية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ .
من الإنفاق في سبيل الخير، لكن يحتمل أن يكون على التمثيل لا على تحقيق قبض اليد، ولكن على كف النفس ومنعها من الاشتغال بالخيرات وخوضها فيها وفي جميع الطاعات، لكنه ذكر اليد؛ لما بالأيدي يعمل بها ويكتسب الخيرات والسيئات؛ كقوله: ﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، وذلك مما لم تقدمه الأيدي ولا كسبت؛ إنما ذلك كسب القلب، لكنه ذكر اليد؛ لما ذكرنا أنه باليد ما يقدم وبها يقبض في الشاهد، وجائز أن يكون ما ذكر من قبض اليد كناية عن بخلهم وقلة إنفاقهم في الجهاد؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ .
قيل: جعلوا الله - عز وجل - كالشيء المنسي لا يذكرونه أبداً؛ فنسيهم، أي: جعلهم كالمنسيين في الآخرة من رحمته لا ينالونها ويحتمل ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: نسوا نعم الله التي أنعمها عليهم فلم يشكروها؛ فنسيهم على المجازاة لذلك، وإن لم يكن نسيانا؛ كما سمي جزاء السيئة سيئة، وإن لم يكن الثاني سيئة؛ فعلى ذلك ذكر النسيان على مجازاة النسيان، وإن لم يحتمل النسيان.
والثالث: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي بسؤال المعونة والنصرة وسؤال التوفيق؛ فنسيهم الله، أي: لم ينصرهم ولم يوفقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ .
فإن قيل: اسم النفاق أشر وأقبح من اسم الفسق؛ فما معنى ذكر الفسق لهم؟!
فهو - والله أعلم - لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين باللسان؛ فأخبر أنهم ليسوا على ما أظهروا، والله أعلم.
أو أن يكون اسم النفاق أشر وأقبح عند الناس من اسم الفسق؛ فيحتمل عندهم أن يكون اسم الفسق أكبر في القبح.
أو سماهم فاسقين؛ لما أن كل أهل الأديان يأنفون عن [النسبة إلى] الفسق والتسمية به.
أو أن يكونوا يعلمون في أنفسهم أنهم أهل نفاق، ولا يعرفون أنهم فسقة.
وأصل الفسق: هو الخروج عن أمر الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ .
كأن جهنم هي المكان الذي يعذبون فيه والنار فيه بها يعذبون.
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ ﴾ .
أي: حسبهم جزاء لصنيعهم، يقول الرجل لآخر: حسبك كذا، أي: كفاك ذلك جزاء ذلك.
وقوله: ﴿ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ .
قيل: اللعن: هو الطرد في اللغة، أي: طردهم عن رحمته.
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ .
لا يفارقهم ألبتة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً ﴾ .
أي: هؤلاء المنافقون والكفرة كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وبطشاً.
﴿ وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ﴾ .
في الشاهد: إنما يدفع العذاب أو العقوبة لهذا، وبه يتناصرون بعضهم من بعض، ثم لم يقدروا على دفع ذلك عن أنفسهم، فأنتم دونهم في القوة وما ذكر؛ كيف تقدرون على دفع ذلك، هذا قد قيل.
وقيل: ﴿ كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ : أي: صرتم بما اخترتم من الأعمال كما صار أولئك بما اختاروا من الأعمال، وكل أنواع الخلاف لله، وتكذيب الرسل، وتعاطي ما لا يحل، فصرتم أنتم كما صاروا هم.
﴿ فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ﴾ .
قيل: انتفعوا بخلاقهم، أي: أكلتم أنتم الدنيا بدينكم كما أكل أولئك الدنيا بدينهم.
وقيل: ﴿ فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ ﴾ أي بنصيبهم من الدنيا ولم يقدموا شيئاً للآخرة.
والخلاق: النصيب؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: لا نصيب لهم.
وقال أبو هريرة: الخلاق: الدين، وكذلك قال الحسن في قوله: ﴿ بِخَلاقِهِمْ ﴾ ، أي: بدينهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ ﴾ .
أي: خضتم في الباطل والتكذيب كالذي خاض أولئك من الأمم الخالية.
قال أبو عبيدة: قوله: ﴿ وَخُضْتُمْ ﴾ ، أي: لعبتم ﴿ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ ﴾ ، أي: لعبوا بالتكذيب.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
فلا ثواب لها في الدنيا والآخرة؛ لأنها كانت في غير إيمان، فثواب الأعمال إنما يكون في الآخرة بالإيمان.
﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
خسراناً مبيناً، وبطلان أعمالهم في الدنيا لما يقبل واحد من الفريقين من المؤمنين والكفار صنيعهم؛ لأنهم يرون من أنفسهم الموافقة لكل واحد منهما، وما كانوا مع واحد من الفريقين؛ كقوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...
﴾ إلى أخره.
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ ﴾ ، أي: قد أتاهم خبر الذين من قبلهم وما حلّ بهم وما انتقم الله منهم؛ بتكذيبهم الرسل وسعيهم في قتلهم وهلاكهم، وهم من جنس أنفسكم، وأشد قوة وبطشاً منكم، وأنتم تقلدونهم في ذلك، ثم حل بهم ما حل بتكذيبهم [الرسل] والخلاف لهم، فأنتم دونهم في كل شيء، وأقل منهم في القوة والبطش - أولى بذلك أن يصيبكم.
و[الثاني]: يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي: يأتيهم نبأ الذين من قبلهم وما حل بهم؛ كقوله: ألم تر كذا، أي: سترى؛ فعلى ذلك هذا يحتمل، وهو حرف وعيد، يحذرهم ما حل بأولئك؛ ليمتنعوا عن مثل صنيعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ﴾ .
قال أهل التاويل: [هي] قربات لوط ..
مؤتفكات: أي منقلبات.
قال القتبي: ائتفكت، أي انقلبت.
وقال أبو عوسجة: المؤتفكات: هي من الإفك؛ وهو الصرف ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي: يصرفون.
وقال بعضهم: المؤتفكات: المكذبات؛ ﴿ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ﴾ فكذبوهم فأهلكوا.
وهو من الانقلاب؛ كأنه أشبه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ .
بتعذيبه إياهم، ولا يعذبهم وهم غير مستوجبين لذلك العذاب، ولكن هم ظلموا أنفسهم؛ حيث كذبوا رسله وردوا ما جاءوا به من البينات والبراهين.
<div class="verse-tafsir"
ألم يأت هؤلاء المنافقين خبرُ ما فعلتْه الأممُ المكذِّبة، وما فُعِل بها من عقاب: قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم إبراهيم، وأصحاب مدين، وقرى قوم لوط؛ جاءتهم رسلهم بالبراهين الواضحة والحجج الجلية، فما كان الله ليظلمهم؛ فقد أنذرتهم رسلهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بما كانوا عليه من الكفر بالله وتكذيب رسله.
<div class="verse-tafsir" id="91.0ZVMD"