الآية ٧٣ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٧٣ من سورة التوبة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أمر تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم ، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين ، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة .

وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف ، سيف للمشركين : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) [ التوبة : 5 ] وسيف للكفار أهل الكتاب : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) [ التوبة : 29 ] وسيف للمنافقين : ( جاهد الكفار والمنافقين ) [ التوبة : 73 ، التحريم : 9 ] وسيف للبغاة : ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) [ الحجرات : 9 ] .

وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق ، وهو اختيار ابن جرير .

وقال ابن مسعود في قوله تعالى : ( جاهد الكفار والمنافقين ) قال : بيده ، [ فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ] فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه .

وقال ابن عباس : أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف ، والمنافقين باللسان ، وأذهب الرفق عنهم .

وقال الضحاك : جاهد الكفار بالسيف ، واغلظ على المنافقين بالكلام ، وهو مجاهدتهم .

وعن مقاتل والربيع مثله .

وقال الحسن وقتادة : مجاهدتهم : إقامة الحدود عليهم .

وقد يقال : إنه لا منافاة بين هذه الأقوال ، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا ، وتارة بهذا بحسب الأحوال ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (يا أيها النبي جاهد الكفار)، بالسيف والسلاح =(والمنافقين).

* * * واختلف أهل التأويل في صفة " الجهاد " الذي أمر الله نبيه به في المنافقين.

(1) فقال بعضهم: أمره بجهادهم باليد واللسان, وبكل ما أطاق جهادَهم به.

* ذكر من قال ذلك: 16961- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، ويحيى بن آدم, عن حسن بن صالح, عن علي بن الأقمر, عن عمرو بن جندب, عن ابن مسعود في قوله: (جاهد الكفار والمنافقين)، قال: بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, فإن لم يستطع فليكفهرَّ في وجهه.

(2) * * * وقال آخرون: بل أمره بجهادهم باللسان.

* ذكر من قال ذلك: 16962- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)، فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان, وأذهبَ الرفق عنهم.

16963- حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (جاهد الكفار والمنافقين)، قال: " الكفار "، بالقتال, و " المنافقين "، أن يغلُظ عليهم بالكلام.

16964- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)، يقول: جاهد الكفار بالسيف, وأغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم.

* * * وقال آخرون: بل أمره بإقامة الحدود عليهم.

* ذكر من قال ذلك: 16965- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (جاهد الكفار والمنافقين)، قال: جاهد الكفار بالسيف, والمنافقين بالحدود, أقم عليهم حدودَ الله.

16966- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)، قال: أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف, ويغلظ على المنافقين في الحدود.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، ما قال ابن مسعود: من أنّ الله أمر نبيَه صلى الله عليه وسلم من جهاد المنافقين, بنحو الذي أمرَه به من جهاد المشركين.

فإن قال قائل: فكيف تركهم صلى الله عليه وسلم مقيمين بين أظُهرِ أصحابه، مع علمه بهم؟

قيل: إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهرَ منهم كلمةَ الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك.

وأمّا مَنْ إذا اطُّلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأُخِذ بها, أنكرها ورجع عنها وقال: " إني مسلم ", فإن حكم الله في كلّ من أظهر الإسلام بلسانه, أن يحقِنَ بذلك له دمه وماله، وإن كان معتقدًا غير ذلك, وتوكَّل هو جلّ ثناؤه بسرائرهم, ولم يجعل للخلق البحثَ عن السرائر.

فلذلك كان النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع علمه بهم وإطْلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صُدورهم, كان يُقِرّهم بين أظهر الصحابة, ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبَه الحرب على الشرك بالله، لأن أحدهم كان إذا اطُّلِع عليه أنه قد قال قولا كفر فيه بالله، ثم أخذ به أنكره وأظهر الإسلام بلسانه.

فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأخذه إلا بما أظهر له من قوله، عند حضوره إياه وعزمه على إمضاء الحكم فيه, دون ما سلف من قولٍ كان نطقَ به قبل ذلك, ودون اعتقاد ضميرِه الذي لم يبح الله لأحَدٍ الأخذ به في الحكم، وتولَّى الأخذَ به هو دون خلقه.

* * * وقوله: (واغلظ عليهم)، (3) يقول تعالى ذكره: واشدد عليهم بالجهاد والقتال والإرْهاب.

(4) * * * وقوله: (ومأواهم جهنم)، يقول: ومساكنهم جهنم، وهي مثواهم ومأواهم (5) =(وبئس المصير)، يقول: وبئس المكان الذي يُصَار إليه جهنَّمُ.

(6) ------------------------ الهوامش : (1) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص : 257، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

= وتفسير " المنافق " فيما سلف ص : 339 ؛ تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(2) الأثر : 16961 - " حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا.

و " يحيى بن آدم " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .

و "حسن بن صالح بن صالح بن حي الثوري"، ثقة ، مضى مرارًا .

و " علي بن الأقمر الوادعي الهمداني " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .

و " عمرو بن أبي جندب " أو " عمرو بن جندب " ، هو " أبو عطية الوادعي " ، مختلف في اسمه .

ترجم له في التهذيب ، في الأسماء ، وفي الكنى ، وقال : " قال البخاري في تاريخه : روى عنه أبو إسحاق ، وعلي بن الأقمر " ، ثم قال : " والصواب أنه وإن كان يكنى أبا عطية ، فإنه غير الوادعي " .

وهو ثقة ، من أصحاب عبد الله بن مسعود .

ترجم له ابن أبي حاتم 3 1 224 باسم " عمرو بن جندب " ، وكان في المطبوعة " عمرو بن جندب " ، ولكني أثبت ما في المخطوطة ، وهما صواب كما ترى .

وهذا الخبر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 248 ، ونسبه إلى ابن أبي شيبة ، وابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان .

وقوله : " فليكفهر في وجهه " : أي فليلقه بوجه منقبض عابس لإطلاقه فيه ولا بشر ولا انبساط.

(3) انظر تفسير " الغلظة " فيما سلف 7 : 341 .

(4) في المطبوعة : " والإرعاب " بالعين ، خالف ما هو الصواب في العربية ، وفي المخطوطة إنما يقال : " رعبه يرعبه رعبًا ، فهو مرعوب ورعيب و " رعبه " ترعيبًا " ، ونصوا فقالوا : " ولا تقل : أرعبه " .

(5) انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص : 77 ، تعليق : والمراجع هناك .

(6) انظر تفسير " المصير " فيما سلف 13 : 441 تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصيرفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل فيه أمته من بعده .

قيل : المراد جاهد بالمؤمنين الكفار .

وقال ابن عباس : أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ، ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ .

وروي عن ابن مسعود أنه قال : جاهد المنافقين بيدك ، فإن لم تستطع فبلسانك ، فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم .

وقال الحسن : جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وباللسان - واختاره قتادة - وكانوا أكثر من يصيب الحدود .

ابن العربي : أما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة ، وأما بالحدود لأن أكثر إصابة الحدود كانت عندهم فدعوى لا برهان عليها ، وليس العاصي بمنافق ، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا ، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا ، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين .الثانية : قوله تعالى واغلظ عليهم الغلظ : نقيض الرأفة ، وهي شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه .

وليس ذلك في اللسان ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها .

ومنه قوله تعالى : ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [ ص: 130 ] ومنه قول النسوة لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى الغلظ خشونة الجانب .

فهي ضد قوله تعالى : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين .

واخفض لهما جناح الذل من الرحمة .

وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ‏}‏ أي‏:‏ بالغ في جهادهم والغلظة عليهم حيث اقتضت الحال الغلظة عليهم‏.‏ وهذا الجهاد يدخل فيه الجهاد باليد، والجهاد بالحجة واللسان، فمن بارز منهم بالمحاربة فيجاهد باليد، واللسان والسيف والبيان‏.‏ ومن كان مذعنا للإسلام بذمة أو عهد، فإنه يجاهد بالحجة والبرهان ويبين له محاسن الإسلام، ومساوئ الشرك والكفر، فهذا ما لهم في الدنيا‏.‏ ‏{‏و‏}‏ أما في الآخرة، فـ ‏{‏مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏ أي‏:‏ مقرهم الذي لا يخرجون منها ‏{‏وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها النبي جاهد الكفار ) بالسيف والقتل ، ( والمنافقين ) واختلفوا في صفة جهاد المنافقين ، قال ابن مسعود : بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه ، وقال لا تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر .

وقال ابن عباس : باللسان وترك الرفق .

وقال الضحاك : بتغليظ الكلام .

وقال الحسن وقتادة : بإقامة الحدود عليهم .

( واغلظ عليهم ومأواهم ) في الآخرة ، .

( جهنم وبئس المصير ) قال عطاء : نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها النبيُّ جاهد الكفَّار» بالسيف «والمنافقين» باللسان والحجة «وأغلظ عليهم» بالانتهار والمقت «ومأواهم جهنم وبئس المصير» المرجع هي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها النبي جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان والحجة، واشدد على كلا الفريقين، ومقرُّهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمجاهدة الكفار والمنافقين بكل وسيلة ، لأنهم جميعا لا يريدون الانتهاء عن المكر السئ بالدعوة الإِسلامية فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي .

.

.

) .)قوله - سبحانه - ( جَاهِدِ ) من المجاهد ، بمعنى بذلك الجهد فى دفع ما لا يرضى ، سواء أكان ذلك بالقتال أم بغيره .وقوله : ( واغلظ عَلَيْهِمْ ) من الغلظة التى هى نقيض الرقة والرأفة .

يقال أغلظ فلان فى الأمر إذا اشتد فيه ولم يترفق .ونحن عندما نقرأ السيرة النبوية .

نجد أنه - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة ، ظل فترة طويلة يلاين المنافقين ، ويغض الطرف عن رذائلهم ، ويصفح عن مسيئهم .

.

إلا أن هذه المعاملة الحسنة لهم زادتهم رجسا إلى رجسهم .

.

لذا جاءت هذه السورة - وهى من أواخر ما نزل من القرآن لتقول للنبى - صلى الله عليه وسلم - لقد آن الأوان لإِحلال الشدة والحزم ، محل اللين والرفق ، فإن للشدة مواضعها وللين مواضعه .

.والمعنى : عليك - أيها النبى الكريم - أن تجاهد الكفار بالسيف إذا كان لا يصحلهم سواه ، وأن تجاهد المنافقين - الين يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر - بما تراه مناسبا لردهم وزجرهم وإرهابهم ، سواء أكان ذلك باليد أم باللسان أم بغيرهما ، حتى تأمن شرهم .قال الإِمام ابن كثير ، أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بجهاد الكفار والمنافقين ، كما أمره أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين .

.

- وقد تقدم عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أنه قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف .

سيف للمشركين ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ .

.

.

) وسيف للكفار أهل الكتاب ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب .

.

) وسيف للمنافقين ( جَاهِدِ الكفار والمنافقين ) وسيف للبغاة ( فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله ) وهذا يقتضى أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق ، وهو اختيار ابن جرير .وقال ابن مسعود فى قوله : ( جَاهِدِ الكفار والمنافقين ) قال بيده ، فإن لم يستطع فليشكر فى وجهه - أى فليلق المنافق بوجه عابس لا طلاقة فيه ولا انبساط .وقال ابن عباس : أمره الله - تعالى - بجهاد المنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم .وقد يقال أنه لا منافاة بين هذه الأقوال ، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا ، وتارة بهذا على حسب الأحوال .

.والضمير المجرور فى قوله : ( واغلظ عَلَيْهِمْ ) يعود على الفريقين : الكفار والمنافقين أى : جاهدهم بكل ما تستطيع مجاهدتهم به ، مما يقتضيه الحال ، واشدد عليهم فى هذه المجاهدة بحيث لا تدع مجالا معهم للترفق واللين ، فإنهم ليسوا أهلا لذلك ، بعد أن عموا وصموا عن النصحية ، وبعد أن لجوا فى طغيانهم .وقوله : ( وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير ) تذييل قصد به بيان سوء مصيرهم فى الآخرة بعد بيان ما يجب على المؤمنين نحوهم فى الدنيا .أى : عليك - أيها النبى - أن تجاهدهم وأن تغلظ عليهم فى الدنيا ، أما فى الآخرة فإن جهنم هى دارهم وقرارهم .والمخصوص بالذم محذوف والتقدير : وبئس المصير مصيرهم ، فانه لا مصير أسوأ من الخلود فى جهنم .ومن هذه الآية الكريمة نرى أن على المؤمنين - فى كل زمان ومكان - أن يجاهدوا أعداءهم من الكفار والمنافقين باللاسح الذى يرونه كفيلا بأن يجعل كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنا ذكرنا أنه تعالى لما وصف المنافقين بالصفات الخبيثة وتوعدهم بأنواع العقاب، وكانت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم جارية بذكر الوعد مع الوعيد، لا جرم ذكر عقيبه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة الطاهرة الطيبة، ووعدهم بالثواب الرفيع والدرجات العالية، ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال الكفار والمنافقين في هذه الآية فقال: ﴿ يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين ﴾ وفي الآية سؤال، وهو أن الآية تدل على وجوب مجاهدة المنافقين وذلك غير جائز، فإن المنافق هو الذي يستر كفره وينكره بلسانه ومتى كان الأمر كذلك لم يجز محاربته ومجاهدته.

واعلم أن الناس ذكروا أقوالاً بسبب هذا الإشكال.

فالقول الأول: أنه الجهاد مع الكفار وتغليظ القول مع المنافقين وهو قول الضحاك.

وهذا بعيد لأن ظاهر قوله: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ راجع إلى الفريقين.

القول الثاني: أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بالظاهر، قال عليه السلام: «نحن نحكم بالظاهر» والقوم كانوا يظهرون الإسلام وينكرون الكفر، فكانت المحاربة معهم غير جائزة.

والقول الثالث: وهو الصحيح أن الجهاد عبارة عن بذل الجهد، وليس في اللفظ ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر فنقول: إن الآية تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين، فأما كيفية تلك المجاهد فلفظ الآية لا يدل عليها، بل إنما يعرف من دليل آخر.

وإذا ثبت هذا فنقول: دلت الدلائل المنفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب أن تكون بالسيف، ومع المنافقين بإظهار الحجة تارة، وبترك الرفق ثانياً، وبالانتهار ثالثاً.

قال عبد الله في قوله: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ قال تارة باليد، وتارة باللسان، فمن لم يستطع فليكشر في وجهه، فمن لم يستطع فبالقلب، وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.

قال القاضي: وهذا ليس بشيء، لأن إقامة الحد واجبة على من ليس بمنافق، فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق، ثم قال: وإنما قال الحسن ذلك، لأحد أمرين، إما لأن كل فاسق منافق، وإما لأجل أن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن الرسول عليه السلام كانوا منافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ جاهد الكفار ﴾ بالسيف ﴿ والمنافقين ﴾ بالحجّة ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ في الجهادين جميعاً، ولا تحابهم وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه، يجاهد بالحجة، وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها، وعن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهرّ في وجهه فإن لم يستطع فبقلبه.

يريد الكراهة والبغضاء والتبرأ منه.

وقد حمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ ﴾ بِالسَّيْفِ.

﴿ والمُنافِقِينَ ﴾ بِإلْزامِ الحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ.

﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ في ذَلِكَ ولا تُحابِهِمْ.

﴿ وَمَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ مَصِيرُهم.

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ﴾ رُوِيَ «أنَّهُ  أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ويَعِيبُ المُتَخَلِّفِينَ فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لِإخْوانِنا حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فاسْتَحْضَرَهُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ فَتابَ الجُلاسُ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.» ﴿ وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ ﴾ وأظْهَرُوا الكَفْرَ بَعْدَ إظْهارِ الإسْلامِ.

﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ مِن فَتْكِ الرَّسُولِ، وهو أنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنهم تَوافَقُوا عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذْ تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، فَأخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتِهِ يَقُودُها وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ فَقالَ إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ فَهَرَبُوا، أوْ إخْراجُهُ وإخْراجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المَدِينَةِ أوْ بِأنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وإنْ لَمْ يَرْضَ رَسُولُ اللَّهِ  .

﴿ وَما نَقَمُوا ﴾ وما أنْكَرُوا أوْ ما وجَدُوا ما يُورِثُ نِقْمَتَهم.

﴿ إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فَإنَّ أكْثَرَ أهْلِ المَدِينَةِ كانُوا مَحاوِيجَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَهم رَسُولُ اللَّهِ  أثْرَوْا بِالغَنائِمِ وقُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فاسْتَغْنى.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أوِ العِلَلِ.

﴿ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وهو الَّذِي حَمَلَ الجُلاسَ عَلى التَّوْبَةِ والضَّمِيرُ في ﴿ يَكُ ﴾ لِلتَّوْبِ.

﴿ وَإنْ يَتَوَلَّوْا ﴾ بِالإصْرارِ عَلى النِّفاقِ.

﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ بِالقَتْلِ والنّارِ.

﴿ وَما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)

{يا أيها النبى جاهد الكفار} بالسيف {والمنافقين} بالحجة {واغلظ عَلَيْهِمْ} في الجهادين جميعاً ولا تحابهم وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه يجاهد بالحجة وتستعمل معه الغلظة ما امكن منها {ومأواهم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير} جهنم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي مُقاتَلَةَ المُنافِقِينَ وهم غَيْرُ مُظْهَرِينَ لِلْكُفْرِ ولا نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ لِأنّا نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ كَما في الخَبَرِ ولِذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: جِهادَ الأوَّلِينَ بِالسَّيْفِ والآخِرِينَ بِاللِّسانِ، وذَلِكَ بِنَحْوِ الوَعْظِ وإلْزامِ الحُجَّةِ بِناءً عَلى أنَّ الجِهادَ بَذْلُ الجُهْدِ في دَفْعِ ما لا يَرْضى وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِالقِتالِ أوْ بِغَيْرِهِ فَإنْ كانَ حَقِيقَةً فَظاهِرٌ وإلّا حُمِلَ عَلى عُمُومِ المَجازِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ أنَّ جِهادَ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ إقامَتَها واجِبَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ أيْضًا فَلا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهِمْ، وأشارَ في الأحْكامِ إلى دَفْعِهِ بِأنَّ أسْبابَ الحَدِّ في زَمَنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْثَرُ ما صَدَرَتْ عَنْهم، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ المُنافِقَ بِمَعْنى الفاسِقِ عِنْدَ الحَسَنِ فَغَيْرُ حَسَنٍ، ورُوِيَ والعُهْدَةُ عَلى الرّاوِي أنَّ قِراءَةَ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ”جاهِدِ الكُفّارَ بِالمُنافِقِينَ“ والظّاهِرُ أنَّها لَمْ تَثْبُتْ ولَمْ يَرْوِها إلّا الشِّيعَةُ وهم بَيْتُ الكَذِبِ ﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى الفَرِيقَيْنِ في الجِهادِ بِقَسَمَيْهِ ولا تَرْفُقْ بِهِمْ.

عَنْ عَطاءٍ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العَفْوِ والصَّفْحِ ﴿ ومَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ آجِلِ أمْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ عاجِلِهِ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ: في هَذِهِ الثَّلاثَةِ أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّها واوُ الحالِ والتَّقْدِيرُ افْعَلْ ذَلِكَ في حالِ اسْتِحْقاقِهِمْ جَهَنَّمَ وتِلْكَ الحالُ حالُ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، والثّانِي أنَّها جِيءَ بِها تَنْبِيهًا عَلى إرادَةِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ واعْلَمْ أنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ، والثّالِثُ أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى وهو أنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَهم عَذابُ الدُّنْيا بِالجِهادِ والغِلْظَةِ وعَذابُ الآخِرَةِ بِجَعْلِ جَهَنَّمَ مَأْواهم ﴿ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ مَصِيرُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ، الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ بالقول الشديد.

قال ابن مسعود: قوله: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ قال: «جاهد بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك، فالقهم بوجه عبوس» وعن الحسن قال: جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف والْمُنافِقِينَ بالحدود، يعني: أقم عليهم حدود الله.

وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، يعني: اشدد عليهم، يعني: على الفريقين جميعاً في المنطق.

ثم بيَّن مرجعهم جميعاً في الآخرة وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، يعني: مصيرهم ومآبهم إلى جهنم، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الذي صاروا إليه.

ثم بيّن خبثهم وسوء معاملتهم وفعالهم، فقال الله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وذلك أن النبيّ  خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين وسماهم رجساً، فقال الجلاس بن سويد: لئن كان محمد صادقاً فيما يقول، لنحن شر من الحمير، فسمع عامر بن قيس، فقال: والله إن محمداً لصادق، ولأنتم شر من الحمير.

فلما رجعوا إلى رسول الله  ، أتاه عامر بن قيس فأخبره.

فقال الجلاس: بل كذب عليّ، وأمرهما أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس وحلف، ثم قام عامر بن قيس وحلف أنه قد قاله، وما كذبت عليه، ثم رفع يديه فقال: «اللهم انزل على نبيك  وبيِّن الصادق منا» فقال رسول الله  والمسلمون «آمِين» فنزل جبريل قبل أن يتفرقوا بهذه الآية يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، يقول: كفروا في السر قبل إقرارهم في العلانية وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، يعني: أرادوا قتل عامر بن قيس.

ويقال: قتل النبيّ  ، وذلك أنهم اجتمعوا ذات ليلة في مضيق جبل ليقتلوه إذا مرّ بهم، فدفعهم الله عنه ويقال: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وهو قول عبد الله بن أبي سلول لأصحابه: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [المنافقون: 8] .

وقال: سَمِّن كلبك يأكلك، يعني: سلطناهم على أنفسنا فنزل: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وقال مقاتل: كان المنافقون أصحاب العقبة هموا ليلاً بقتل النبي  بالعقبة في غزوة تبوك، فنزل: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وهكذا قال الضحاك.

ثم قال تعالى: وَما نَقَمُوا، يقول: وما عابوا وما طعنوا على محمد  .

إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ وذلك أن النبيّ  قدم المدينة وكان أهل المدينة في شدة من عيشهم، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم النبيّ  المدينة استغنوا، فذلك قوله: إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.

ثم قال الله تعالى: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ، يعني: إن تابوا من الشرك والنفاق يكون خيراً لهم من الإقامة عليه.

وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يقول: أبوا عن التوبة، يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني: في الدنيا بإظهار حالهم، وفي الآخرة في نار جهنم.

وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ، يعني: مانع يمنعهم من العذاب.

وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، تاب الجلاس بن سويد وحسنت توبته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْناً مِنَ الطَّعَامِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةً، وَيُعْطَى المُؤْمِنُ فِي كُلِّ غَدَاةٍ مِنَ القُوَّةِ مَا يَأَتِي عَلَى ذَلِكَ أَجْمَعَ» «١» ، وأما قوله سبحانه: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، ففي الحديث الصحيح أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يَقُولُ لِعِبَادِهِ إِذَا استقروا فِي الجَنَّةِ: «هَلْ رَضِيتُمْ؟!

فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لاَ نرضى، يا ربنا؟

فيقول: إني سأعطيكم أفضل مِنْ هَذَا كُلِّهِ، رِضْوَانِي، أَرْضَى عَنْكُمْ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدا ...

» «٢» الحديث، وقوله: أَكْبَرُ: يريد: أَكْبَرُ من جميعِ ما تقدَّم، ومعنى الآيةِ والحديث مُتَّفِقٌ، وقال الحسن بن أبي الحسن: وصل إِلى قلوبهم برضْوَانِ اللَّهِ مِن اللَّذَّة والسُّرور ما هو أَلَذُّ عندهم وأقرُّ لأَعينهم من كل شيء أصابُوه من لَذَّة الجَنَّة، قال الإِمام «٣» الفَخْر: وإِنما كان الرضوان أَكْبَرَ لأَنه عند العارفين نَعِيمٌ رُوحَانِيٌّ، وهو أشرفُ من النعيم الجِسْمَانيِّ.

انتهى.

انظره في أوائل «آل عمران» .

قال ع «٤» : ويظهر أن يكون قوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ إِشارةً إِلى منازل المقرَّبين الشاربين مِنْ تسنيمٍ، والذين يَرَوْنَ كما يُرَى النَّجْمُ الغَابِرُ في الأُفُق، وجميعُ من في الجنة رَاضٍ، والمنازل مختلفةٌ، وفضل الله متّسع، والْفَوْزُ: النجاةُ والخَلاَصُ، ومن أُدْخِلَ الجنة فقد فاز، والمقرَّبونَ هم في الفوز العظيم، والعبارةُ عندي ب «سرور وكمالٍ» أجوَدُ من العبارة عنها ب «لذة» ، واللَّذَّة أيضاً مستعملة في هذا.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ: أي: بالسيف والْمُنافِقِينَ، أي:

باللسان والتعنيفِ والاكفهرار في الوجْه، وبإِقامة الحدود عليهم.

قال الحَسَن: وأكثر ما كَانَتِ الحدودُ يومئذٍ تصيبُ المنافقين، ومذْهَبُ الطبريِّ أَنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، فلفظةٌ عامَّة في الأفعال والأقوال، ومعنى الغِلَظِ: خشن الجانب، فهو ضدّ قوله تعالى:

وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥] ، وقولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا ...

الآية، نزلَتْ في الجُلاَسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وقوله: لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ محمَّد حقًّا، لَنَحْنُ شر مِنَ الحُمُر، فسمعها منه رَبِيبُهُ أو رجل آخر، فأخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فجاء الجُلاسُ، فَحَلَفَ باللَّه مَا قالَ هذه الكلمة، فنزلَتِ الآية، فكلمة الكُفْر: هي مقالته هذه لأن مضمنها قَوِيٌّ في التكذيب، قال مجاهد: وقوله: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا: يعني: أنَّ الجُلاَس قد كان هَمَّ بقَتْل صاحبه الذي أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقال قتادة: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سَلُولَ، وقوله في غزوة المُرَيْسِيعِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ

[المنافقون: ٨] ، فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فوقفه، فَحَلفَ أَنَّه لم يقُلْ ذلك، فنزلَتِ الآية مكذِّبة له.

ت: وزاد ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» قولاً ثالثاً أنَّ الآية نزلَتْ في جماعة المنافقين قاله الحسن، وهو الصحيحُ/ لعموم القول ووجود المعنَى فيه، وفيهم، انتهى.

وحدَّث أبو بَكْرٍ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، قال: سُئِلَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الهَمِّ: أيؤاخَذُ به صاحِبُهُ؟

قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَ عَزْماً أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قوله تعالى: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ...

الآية، إِلى قوله: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ، فجعل عليهم فيه التَّوْبَةِ، قال سفيانُ: الهَمُّ يسوِّد القلْبَ انتهى.

قال ع «٢» : وعلى تأويل قتادة، فالإِشارة ب كَلِمَةَ الْكُفْرِ إِلى تمثيل ابنِ أُبَيٍّ «سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ» «٣» .

قال قتادة: والإِشارة ب هَمُّوا إِلى قوله: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ «٤» [المنافقون:

٨] .

وقال الحَسَنُ: هُمَّ المنافِقُونَ من إِظهار الشرك ومكابرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بما لم ينالوا «٥» ، وقال تعالَى: بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، ولم يقل: «بعد إِيمانهم» لأن ذلك لم يتجاوزْ ألسنتهم.

وقوله سبحانه: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ ...

الآية: كأَنَّ الكلامَ، وما نقموا إِلا ما حقُّه أنْ يُشْكَرَ، وذُكِرَ رسولُ اللَّه في إِغنائهم منْ حَيْثُ كَثُرَتْ أموالهم من الغنائم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ ﴾ أمّا جِهادُ الكُفّارِ، فَبِالسَّيْفِ.

وفي جِهادِ المُنافِقِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِاللِّسانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّانِي: جِهادُهم بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ  قَدْ أمَرَ بِجِهادِهِمْ وهو يَعْلَمُ أعْيانَهم، فَكَيْفَ تَرَكَهم بَيْنَ أظْهُرِ أصْحابِهِ فَلَمْ يَقْتُلْهُمْ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ إنَّما أمَرَ بِقِتالِ مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الكُفْرِ وأقامَ عَلَيْها، فَأمّا مَن إذا اطَّلَعَ عَلى كُفْرِهِ، أنْكَرَ وحَلَفَ وقالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَإنَّهُ أمَرَ أنْ يَأْخُذَهُ بِظاهِرِ أمْرِهِ، ولا يُبْحَثُ عَنْ سِرِّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ شِدَّةَ الِانْتِهارِ لَهم، والنَّظَرِ بِالبُغْضَةِ والمَقْتِ.

وفي الهاءِ والمِيمِ مِن "عَلَيْهِمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الفَرِيقَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلى المُنافِقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ قَوْلُهُ: "جاهِدْ" مَأْخُوذٌ مِن بُلُوغِ الجَهْدِ، وهي مَقْصُودٌ بِها المُكافَحَةُ والمُخالَفَةُ، وتَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ المُجاهِدِ، فَجِهادُ الكافِرِ المُعْلِنِ بِالسَيْفِ، وجِهادُ المُنافِقِ المُتَسَتِّرِ بِاللِسانِ والتَعْنِيفِ، والِاكْفِهْرارِ في وجْهِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

ألا تَرى أنَّ مِن ألْفاظِ الشَرْعِ قَوْلَهُ  : « "والمُجاهِدٌ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعَةِ اللهِ"»، فَجِهادُ النَفْسِ إنَّما هو مُصابَرَتُها بِاتِّباعِ الحَقِّ وتَرْكِ الشَهَواتِ، فَهَذا الَّذِي يَلِيقُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، لَكِنّا نَجْلِبُ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ نَصًّا لِتَكُونَ مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ، قالَ الزَجّاجُ (وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ في ذَلِكَ بِألْفاظِ ابْنِ مَسْعُودٍ ): أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِجِهادِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِالسَيْفِ، وأُبِيحَ لَهُ فِيها قَتْلُ المُنافِقِينَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنْ قَدَرَ وإلّا فَبِاللِسانِ، وإلّا فَبِالقَلْبِ والِاكْفِهْرارِ في الوَجْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَتْلُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ التَجْلِيحِ، ومَن جَلَحَ خَرَجَ عن رُتْبَةِ النِفاقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: جاهِدِ المُنافِقِينَ بِاللِسانِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: جاهِدِ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، قالَ: وأكْثَرُ ما كانَتِ الحُدُودُ يَوْمَئِذٍ تُصِيبُ المُنافِقِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَرْكِ النَبِيِّ  المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُجَلِّحِينَ، بَلْ كانَ كُلُّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ إذا وقَفَ ادَّعى الإسْلامَ، فَكانَ في تَرْكِهِمْ إبْقاءٌ وحِياطَةٌ لِلْإسْلامِ، ومَخافَةٌ أنْ تَنْفِرَ العَرَبُ إذا سَمِعَتْ أنَّ مُحَمَّدًا  يَقْتُلُ مَن يُظْهِرُ الإسْلامَ، وقَدْ أوعَبْتُ هَذا المَعْنى في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَذْهَبُ الطَبَرِيِّ أنَّ النَبِيَّ  كانَ يَعْرِفُهم ويَسْتُرُهم.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ فَلَفْظَةٌ عامَّةٌ تَتَصَرَّفُ في الأفْعالِ والأقْوالِ واللَحَظاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ النِسْوَةِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِن رَسُولِ اللهِ  ، ومَعْنى الغِلَظِ: خُشُونَةُ الجانِبِ، فَهي ضِدُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ثُمَّ خَبَّرَتِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في عَقِبِ الأمْرِ بِإخْبارِهِ أنَّهم في جَهَنَّمَ، والمَعْنى: هم أهْلٌ لِجَمِيعِ ما أُمِرْتَ أنْ تَفْعَلَ بِهِمْ، والمَأْوى: حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوِيدِ بْنِ الصامِتِ، وذَلِكَ كَأنَّهُ كانَ يَأْتِي مِن قُباءٍ ومَعَهُ ابْنُ امْرَأتِهِ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ -فِيما قالَ ابْنُ إسْحاقَ - وقالَ عُرْوَةُ: اسْمُهُ مُصْعَبٌ، وقالَ غَيْرُهُ: وهُما عَلى حِمارَيْنِ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ سَمّى قَوْمًا مِمَّنِ اتَّهَمَهم بِالنِفاقِ، وقالَ: "إنَّهم رِجْسٌ"، فَقالَ الجُلاسُ لِلَّذِي كانَ يَسِيرُ مَعَهُ: واللهِ ما هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمّى مُحَمَّدٌ إلّا كُبَراؤُنا وسادَتُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِن حُمُرِنا هَذِهِ، فَقالَ لَهُ رَبِيبُهُ أوِ الرَجُلُ الآخَرُ: واللهِ إنَّهُ لَحَقٌّ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِن حِمارِكَ، ثُمَّ خَشِيَ الرَجُلُ مِن أنْ يَلْحَقَهُ في دِينِهِ دَرْكٌ، فَخَرَجَ وأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ  بِالقِصَّةِ، فَأرْسَلَ النَبِيُّ  في أثَرِ الجُلاسِ فَقَرَّرَهُ فَحَلَفَ بِاللهِ ما قالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والإشارَةُ بِـ كَلِمَةِ الكُفْرِ إلى قَوْلِهِ: "إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ"، لِأنَّ التَكْذِيبَ في قُوَّةِ هَذا الكَلامِ.

قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ الجُلاسُ لَمّا قالَ لَهُ صاحِبُهُ: "إنِّي سَأُخْبِرُ رَسُولَ اللهِ  بِقَوْلِكَ هَذا"، هَمَّ بِقَتْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ عَجْزًا عن ذَلِكَ، فَإلى هَذا هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ دُعامَةَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ «أنَّ سِنانَ بْنَ وبَرَةَ الأنْصارِيَّ والجَهْجاهَ الغِفارِيَّ كَسَعَ أحَدُهُما رِجْلَ الآخَرِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، فَثارُوا، فَصاحَ جَهْجاهُ بِالأنْصارِ وصاحَ سِنانٌ بِالمُهاجِرِينَ، فَثارَ الناسُ فَهَدَنَ رَسُولُ اللهِ  ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ما أرى هَؤُلاءِ إلّا قَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا، ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ  فَوَقَفَهُ فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لَهُ،» والإشارَةُ بِـكَلِمَةِ الكُفْرِ إلى تَمْثِيلِهِ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، قالَ قَتادَةُ: والإشارَةُ بِـ "هَمُّوا" إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ  ﴾ .

وقالَ الحَسَنُ: هُمُ المُنافِقُونَ مِن إظْهارِ الشِرْكِ ومُكابَرَةِ النَبِيِّ  بِما لَمْ يَنالُوا، وقالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ بَعْدَ إسْلامِهِمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ ألْسِنَتَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ مَعْناهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِ  أنْفَذَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ دِيَةً كانَتْ قَدْ تَعَطَّلَتْ لَهُ، ذَكَرَ عِكْرِمَةُ أنَّها كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ لِلْجُلاسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمِ فِيمَن نَزَلَتِ الآيَةُ مِن أوَّلِها، وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في "نَقَمُوا" في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَرَأها أبُو حَيَوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِكَسْرِ القافِ، وهي لُغَةٌ، وقَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، كَما قالَ النابِغَةُ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم...

بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ فَكَأنَّ الكَلامَ: وما نَقَمُوا إلّا ما حَقُّهُ أنْ يُشْكَرَ.

وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ : إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ أرادُوا قَتْلَ رَسُولِ اللهِ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يُناسِبُ الآيَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الجُلاسَ هو الَّذِي هَمَّ بِقَتْلِ رَسُولِ اللهِ  ، وَهَذا يُشْبِهُ الآيَةَ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قَوِيِّ السَنَدِ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِذَلِكَ فَأطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وذُكِرَ رَسُولُ اللهِ  في إغْنائِهِمْ مِن حَيْثُ كَثُرَتْ أمْوالُهم مِنَ الغَنائِمِ، فَرَسُولُ اللهِ  سَبَبٌ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا الحَدِّ قالَ رَسُولُ اللهِ  لِلْأنْصارِ: « "كُنْتُمْ عالَةً فَأغْناكُمُ اللهُ بِي"»، ثُمَّ فَتَحَ عَزَّ وجَلَّ لَهم بابَ التَوْبَةِ رِفْقًا بِهِمْ ولُطْفًا في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .

ورُوِيَ أنَّ الجُلاسَ تابَ مِنَ النِفاقِ فَقالَ: "إنَّ اللهَ قَدْ تَرَكَ لِي بابَ التَوْبَةِ" فاعْتَرَفَ وأخْلَصَ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، والعَذابُ الألِيمُ اللاحِقُ بِهِمْ في الدُنْيا هو المَقْتُ والخَوْفُ والهُجْنَةُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا أشعر قوله تعالى في الآية السابقة ﴿ وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ﴾ [التوبة: 68].

بأنّ لهم عذابين عذاباً أخروياً وهو نار جهنم، تعيَّن أنّ العذاب الثاني عذاب دنيوي وهو عذاب القتل، فلمّا أعقب ذلك بشنائع المنافقين وبضرب المثل لهم بالأمم البائدة، أمر نبيئَهُ بجهاد المنافقين وهذا هو الجهاد الذي أنذروا به في سورة الأحزاب (60، 61) في قوله: ﴿ ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً ﴾ فبعد أن أنذرهم الله بذلك فلم يرتدعوا ومضى عليهم من المدّة ما كُشفت فيه دخيلتُهم بما تكرّر منهم من بوادر الكفر والكيد للمسلمين، أنجز الله ما أنذرهم به بأن أمر رسوله بجهادهم.

والجهاد القتال لنصر الدين، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم ﴾ في سورة العقود (54).

وقُرن المنافقون هنا بالكفار: تنبيهاً على أنّ سبب الأمر بجهاد الكفار قد تحقّق في المنافقين، فجهادهم كجهاد الكفار، ولأنّ الله لمّا قرنهم في الوعيد بعذاب الآخرة إذ قال: ﴿ وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم ﴾ [التوبة: 68] وأومأ قوله هنالك بأنّ لهم عذاباً آخرَ، لا جرم جَمعَهم عند شرع هذا العذاب الآخرِ لهم.

فالجهاد المأمور للفريقين مختلف، ولفظ (الجهاد) مستعمل في حقيقتِه ومجازه.

وفائدة القرن بين الكفّار والمنافقين في الجهاد: إلقاء الرعب في قلوبهم، فإنّ كلّ واحد منهم يخشى أن يظهر أمره فيعامَلَ معاملة الكفار المحاربين فيكون ذلك خاضداً شوكتَهم.

وأمّا جهادهم بالفعل فمتعذر، لأنّهم غير مظهرين الكفر، ولذلك تأوّل أكثر المفسّرين الجهادَ بالنسبة إلى المنافقين بالمقاومة بالحجّة وإقامة الحدود عند ظهور ما يقتضيها، وكان غالبُ من أقيم عليه الحدّ في عهد النبوءة من المنافقين.

وقال بعض السلف جهادهم ينتهي إلى الكشر في وجوههم.

وحملها الزجّاج والطبري على ظاهر الأمر بالجهاد، ونسبه الطبري إلى عبد الله بن مسعود، ولكنّهما لم يأتيا بمقنع من تحقيق المعنى.

وهذه الآية إيذان للمنافقين بأنّ النفاق يوجب جهادهم قطعاً لشأفتهم من بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعلمهم ويعرّفهم لحذيفةَ بن اليَمان، وكان المسلمون يعرفون منهم مَن تكرّرت بوادر أحواله، وفلتات مقاله.

وإنّما كان النبي ممسكاً عن قتلهم سَدّا لذريعة دخول الشكّ في الأمان على الداخلين في الإسلام كما قال لعُمر: «لا يتحدّث الناس أنّ محمّداً يقتل أصحابه» لأنّ العامّة والغائبين عن المدينة لا يَبْلغون بعلمهم إلى معرفة حقائق الأمور الجارية بالمدينة، فيستطيع دعاة الفتنة أن يشوّهوا الأعمال النافعة بما فيها من صورة بشيعة عند من لا يعلم الحقيقة، فلمّا كثر الداخلون في الإسلام واشتهر من أمان المسلمين ما لا شكّ معه في وفاء المسلمين، وشاع من أمر المنافقين وخيانتهم ما تسامعتْه القبائل وتحقّقه المسلم والكافر، تمحّضت المصلحة في استئصال شافتهم، وانتفت ذريعة تطرّق الشكّ في أمان المسلمين، وعلم الله أنّ أجل رسوله عليه الصلاة والسلام قد اقترب، وأنّه إن بقيت بعده هذه الفئة ذات الفتنة تفاقم أمرها وعسر تداركها، واقتدى بها كلّ من في قلبه مرض، لا جرم آذنهم بحرب ليرتدعوا ويقلعوا عن النفاق.

والذي يوجب قتالهم أنّهم صرّحوا بكلمات الكفر، أي صرّح كلّ واحد بما يدلّ على إبطانه الكفر وسمعها الآخرون فرضوا بها، وصدرت من فريق منهم أقوال وأفعال تدلّ على أنّهم مستخفون بالدين، وقد توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرب نزول هذه الآية.

ولعلّ من حكمة الإعلام بهذا الجهاد تهيئةَ المسلمين لِجهاد كلّ قوم ينقضون عُرى الإسلام وهم يزعمون أنّهم مسلمون، كما فعل الذين منعوا الزكاة وزعموا أنّهم لم يكفروا وإنّما الزكاة حقّ الرسول في حياته، وما ذلك إلاّ نفاقٌ من قادَتهم اتَّبعه دَهماؤهم، ولعلّ هذه الآية كانت سبباً في انزجار معظم المنافقين عن النفار وإخلاصِهم الإيمانَ كما ورد في قصّة الجُلَاس بن سُويد.

وكان قد كفَى الله شرّ متولّي كِبْر النفاق عبدِ اللَّه بننِ أبي بننِ سَلول بموته فكان كلّ ذلك كافياً عن إعمال الأمرِ بجهادهم في هذه الآية ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ [الأحزاب: 25].

وهذه الآية تدلّ على التكفير بما يدلّ على الكفر من قائله أو فاعله دلالةً بيّنة، وإن لم يكن أعلن الكفر.

﴿ واغلظ عليهم ﴾ أمر بأنْ يكون غليظاً معهم.

والغلظة يأتي معناها عند قوله: ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ في هذه السورة (123).

وإنّما وجه هذا الأمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لأنّه جُبل على الرحمة فأمر بأن يتخلّى عن جبلّته في حقّ الكفار والمنافقين وأن لا يغضي عنهم كما كان شأنه من قبل.

وهذه الآية تقتضي نسخ إعطاء الكفارِ المؤلّفةِ قلوبهم على الإسلام وإنّما يبقى ذلك للداخلين في الإسلام حديثاً.

وجملة: وبئس المصير} تذييل.

وتقدّم نظيره مرات.

والمأوى ما يأوي إليه المرء من المكان، أي يرجع إليه.

والمصير المكان الذي يصير إليه المرء، أي يرجع فالاختلاف بينه وبين المأوى بالاعتبار، والجمع بينهما هنا تفنّن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ ﴾ أمّا جِهادُ الكُفّارِ فَبِالسَّيْفِ وأمّا جِهادُ المُنافِقِينَ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جِهادُهم بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ وقَلْبِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَكْفَهِرَّ في وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: جِهادُهم بِاللِّسانِ، وجِهادُ الكَفّارِ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ جِهادَ الكُفّارِ بِالسَّيْفِ، وجِهادُ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَكانُوا أكْثَرَ مَن يُصِيبُ الحُدُودَ.

﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْجِيلُ الِانْتِقامِ مِنهم.

والثّانِي: ألّا يُصَدِّقَ لَهم قَوْلًا، ولا يَبِرَّ لَهم قَسَمًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الجِلاسُ بْنُ سُوِيدِ بْنِ الصّامِتِ، قالَ: إنْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، ثُمَّ حَلَفَ أنَّهُ ما قالَ، وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ ومُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ.

قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ ﴾ يَعْنِي ما أنْكَرُوهُ مِمّا قَدَّمْنا ذِكْرَهُ تَحْقِيقًا لِتَكْذِيبِهِمْ فِيما أنْكَرُوهُ وقِيلَ بَلْ هو قَوْلُهم إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ.

﴿ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَفَرُوا بِقُلُوبِهِمْ بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ.

والثّانِي: جَرى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الكُفْرِ بَعْدَ أنْ جَرى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الإيمانِ.

﴿ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم هَمُّوا بِما قالُوهُ ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ﴾ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهم هَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيِّ  ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا وقِيلَ: إنَّهُ كانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار ﴾ قال: بالسيف ﴿ والمنافقين ﴾ قال: باللسان ﴿ واغلظ عليهم ﴾ قال: اذهب الرفق عنهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليلقه بوجه مكفهر.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: لما نزلت ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ﴾ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد بيده، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فليلقه بوجه مكفهر.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ جاهد الكفار ﴾ قال: بالسيف ﴿ والمنافقين ﴾ بالقول باللسان ﴿ واغلظ عليهم ﴾ قال: على الفريقين جميعاً، ثم نسخها فأنزل بعدها ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ﴾ [ التوبة: 123] .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين في الحدود.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان) (١) (٢) (٣) وقال عبد الله (٤) ﴿ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فمن لم يستطع فليكفهر في وجهه (٥) (٦) قال أبو إسحاق: (لما كشفت حال المنافقين أمر بجهادهم، والمعنى: جاهدهم بالحجة، فالحجة على المنافق جهاد لهم) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ يقال: غلظ الشيء يغلظ غلظا في الخلقة، ثم يقال: رجل غليظ: إذا كان فظا، وغلظ له القول وأغلظ: إذا لم يرفق به، وهذا نحو قوله: ﴿ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً  ﴾ ، قال أهل المعاني: (وهي قوة القلب على إحلال الألم بصاحبه، كما (٩) (١٠) قال ابن عباس: (يريد شدة الانتهار، والنظر بالبغضة، والمقت) (١١) وقال ابن مسعود: (هو أن تكفهر في وجوههم) (١٢) (١٣) (١) رواه ابن جرير 10/ 183، وابن أبي حاتم 6/ 1841 - 1842، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي كما في "الدر المنثور" 3/ 462.

(٢) ذكر بعض هذا الأثر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 470، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 512.

(٣) رواه عنهما الثعلبي 6/ 127 ب، ورواه عن الضحاك أيضًا البغوي 4/ 74، وبمعناه ابن جرير 10/ 183، وابن أبي حاتم 6/ 1842.

(٤) يعني ابن مسعود كما في مصادر تخريج قوله.

(٥) فليكفهر في وجهه: أي ليلقه بوجه عابس قطوب لا طلاقة فيه ولا انبساط.

انظر: "لسان العرب" (كفهر) 7/ 3907.

(٦) رواه ابن جرير 10/ 183، وابن أبي حاتم 6/ 1841، والثعلبي 6/ 127 ب، والبغوي 4/ 74، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 462.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 461.

(٨) في (ح): (الكتاب).

(٩) في (ى): (على).

(١٠) "البرهان" للحوفي 11/ 234 مختصرًا.

(١١) "زاد المسير" 3/ 470.

(١٢) سبق تخريجه عند تفسير أول هذه الآية.

(١٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 127 ب، والبغوي 4/ 74، وذهب إلى هذا القول القرطبي في "تفسيره" 8/ 205، والصواب عدم النسخ، وقد سبق بيان ذلك وذكر أقوال بعض العلماء عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان ما لم يظهر ما يدل على كفرهم، فإن ظهر منهم ذلك فحكمهم كحكم الزنديق، وقد اختلف هل يقتل أم لا ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ الغلظة ضد الرحمة والرأفة، وقد تكون بالقول والفعل وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والمؤتفكات ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن قالون والأعشى وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ والمؤتفكات ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب.

﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ م لما مر.

﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ سيرحمهم الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ما قالوا ﴾ ط ﴿ لم ينالوا ﴾ ج ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ج ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ من الصالحين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ علام الغيب ﴾ ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم.

وكونه بدلاً من الضمير في ﴿ نجواهم ﴾ ﴿ فيسخرون منهم ﴾ ط.

﴿ سخر الله منهم ﴾ ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم.

﴿ أليم ﴾ ه.

التفسير: لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيب الأنبياء والاشتغال بالنعيم الزائل بين أن أولئك الكفار من هم فذكر ست طوائف سمع العرب أخبارهم لأن بلادهم - وهي الشام - قريبة من بلادهم وقد بقيت آثارهم مشاهدة، ولهذا صدر الكلام بحرف الاستفهام للتقرير.

فأوّلهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم: قوم عاد وأهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: ثمود وأخمدوا بالصيحة، ورابعهم: قوم إبراهيم سلط الله عليهم البعوض وكفى شر ملكهم وهو نمرود ببعوضة واحدة سلطها على دماغه.

وخامسهم: أًصحاب مدين قوم شعيب أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات قوم لوط أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن جعل مدائنهم عاليها سافلها.

والائتفاك الانقلاب سميت مدائنهم بذلك لأن الله  قلبها عليهم.

ويمكن أن يراد بالمؤتفكات الناس لانقلاب أحوالهم من الخير إلى الشر.

ثم قال ﴿ أتتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالمعجزات ولا بد بعد هذا من إضمار والتقدير فكذبوهم فأهلكهم الله.

﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ قالت المعتزلة: أي ما صح منه الظلم ولكنهم استحقوا ذلك بسبب كفرهم، وقد مر الكلام في أمثال ذلك.

ثم بين أن شأن المؤمنين في الدنيا والآخرة بخلاف المنافقين فقال ﴿ والمؤمنون ﴾ الآية قال بعض العلماء: إنما قال ههنا ﴿ أولياء بعض ﴾ وهناك ﴿ من بعض  ﴾ لأن نفاق أتباع المنافقين حصل بسبب التقليد لأكابرهم بمقتضى الطبع والعادة بخلاف الموافقة بين المؤمنين فإنها بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية.

وأقول: كون بعض المنافقين من بعض يوجب اشتراكهم في أمر من الأمور بالجملة كالدار أو حكم من الأحكام الشرعية أو سيرة وطريقة وهذا هو المقصود، ولكنه يحتمل أن يكون تكلفاً أو بطريق النفاق لأن سببه انعقاد غرض من الأغراض الدنيوية العاجلة فذكر الله  اشتراكهم في ذلك بلفظ "من" لمكان الاحتمال المذكور.

وأما تشارك المؤمنين في السيرة فلما كان سبببه الإخلاص والعصبية للدين والاجتماع على ما يفضي إلى سعادة الدارين كانت الموالاة بينهم محققة فصرح الله  بذلك.

ثم وصفهم بأضداد صفات المنافقين فقال ﴿ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان بالنسبة إلى غيرهم.

ثم قال ﴿ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ وهاتان لهم في أنفسهم وهما بإزاء قوله في صفة المنافقين ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون  ﴾ .

ثم وصفهم بالطاعة على الإطلاق فقال ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ أي في كل ما يأتون ويذرون.

ثم ذكر ما أعدّ لهم من الثواب على سبيل الإجمال فقال ﴿ أولئك سيرحمهم الله ﴾ والسين تفيد المبالغة في إنجاز الوعد بالرحمة كما يؤكد الوعيد به إذا قلت سأنتقم منك يوماً يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ وفيه ترغيب للمؤمنين وترهيب للكافرين لأن العزيز هو من لا يمنع من مرادة في عباده من رحمة أو عقوبة.

والحكيم هو الذي يدبر عباده على وفق ما يقتضيه العدل والصلاح.

ثم فصل ما أجمل من الرحمة بقوله ﴿ وعد الله المؤمنين ﴾ الآية.

وقد كثر كلام أصحاب الآثار في معنى جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن ذلك فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله  فقال: "هو قصر في الجنة من اللؤلؤ وفيه سبعون داراً من ياقوته حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة يعطى المؤمن من القوة ما يأتي على ذلك أجمع" .

وعن ابن عباس أنها دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر.

وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها قاله الأزهري.

وبطنان الأودية المواضع التي يستنقع فيها السيل واحدها بطن.

وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى.

وسائر الجنات حولها.

وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب.

فتهب الريح من تحت العرش فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض.

وقال عبد الله بن عمر: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد.

وفي هذه الأخبار دلالة على أن عدناً علم ويؤيده قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب  ﴾ ولو لم يكن علماً لم يوصف بالمعرفة.

ولا ريب أن أصله صفة من قولك عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن للمكان الذي تخلق فيه الجواهر.

وعلى هذا فالجنات كلها جنات عدن.

إلا أن يغلب الاسم على بعضها.

﴿ ورضوان من الله ﴾ شيء يسير من رضاه ﴿ أكبر ﴾ من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وكرامة وكل خطب مع رضا المولى هين، وكل نعيم مع سخطه منغص.

وفيه دليل على أن السعادات الروحانية أعلى حالاً وأشرف مآلاً من السعادات الجسمانية بل لا نسبة لتلك اللذة والابتهاج إلى هذه على أن الاعتراف بالسعادات الجسمانية واجب من حيث الشرع ﴿ ذلك ﴾ الموعود والرضوان ﴿ هو الفوز العظيم ﴾ وحده دون ما يعده الناس فوزاً.

في الحديث "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟

فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أدخل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً" ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال المنافقين فقال ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ قال الضحاك: أي جاهد الكفار واغلظ على المنافقين لأن المنافق لا تجوز محاربته في ظاهر الشرع.

وضعف بأن النسق يأباه.

وقيل: المراد بهؤلاء المنافقين هم الذين عرفه الله حالهم فصاروا كسائر الكفرة فجاز قتالهم، وزيف بأنه وإن علم حالهم بالوحي إلا أنه مأمور بأن يحكم بالظاهر والقوم كانوا يظهرون الإسلام فكيف يجوز قتالهم؟

والصحيح أن الجهاد بذل المجهود في حصول المقصود وهو شامل للسيف واللسان، فالمراد جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة واغلظ عليهم في الجهادين جميعاً عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه بأن يكرهه ويبغضه ويتبرأ منه.

وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.

واعترض عليه بأن إقامة الحدود واجبة على كل فاسق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق.

واعتذر عنه بأنه قال ذلك لأن عنده أن كل فاسق منافق أو لأن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن رسول الله  كونه منافقاً.

قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله  إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله  وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله  فقال رسول الله  : يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟

فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك فأنزل الله  ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وعن قتادة أن رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبيّ يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل  ﴾ فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبي الله  فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية.

ومعنى قوله ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ أنهم أظهروا الكفر بعدما كانوا يظهرون الإسلام.

أما قوله ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ فهو الفتك برسول الله  عند مرجعه من تبوك، وذلك أنه توافقخمسة عشر رجلاً منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر أخذ بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلام فالتفت فإذا هم قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا.

وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر بن قيس لرده على الجلاس بن سويد وقد مر في تفسير قوله ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم  ﴾ وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله  .

﴿ وما نقموا ﴾ وما أنكروا وما عابوا ﴿ إلا أن أغناهم ﴾ كقول القائل.

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله  المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فظفروا بالغنائم وجمعوا الأموال.

وروي أنه قُتل للجلاس مولى فأمر رسول الله  بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى، ثم استعطف قلوبهم بعد صدور هذه الجنايات العظيمة عنهم فقال ﴿ فإن يتوبوا يك ﴾ يعني ذلك الرجوع ﴿ خيراً لهم ﴾ وكان الجلاس ممن تاب فحسنت توبته ﴿ وإن يتولوا ﴾ يعرضوا عن التوبة ﴿ يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي واغتنام الأموال.

وقيل: بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب.

وقيل: في القبر وأما عذاب الآخرة فمعلوم ﴿ وما لهم في الأرض ﴾ يحتمل أرض الدنيا وأرض القيامة.

ثم بين أن هؤلاء كما ينافقون الرسول والمؤمنين فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه فقال ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ يروى عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال لرسول الله  : ادع الله أن يرزقني مالاً فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه.

ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال فضة وذهباً لسارت.

فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأويتن كل ذي حق حقه.

فقال رسول الله  : اللهم ارزق ثعلبة مالاً.

فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما.

ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل عنه رسول الله  فأخبر خبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثاً وأنزل الله عز وجل ﴿ خذ من أموالهم صدقة  ﴾ فبعث رسول الله  رجلين على الصدقة رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وقال لهما.

مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما.

فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله  فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إليّ.

فانطلقا وأخبرا السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا عليك وما نريد أن نأخذ هذا منك.

قال: بلى خذوه فإن نفسي بها طيبة.

فأخذوها منه ثم رجعا على ثعلبة فقال: أروني كتابكما ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي.

فانطلقا حتى أتيا النبي  فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة ثم نزلت الآية وعند رسول الله  رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إليه وقال: يا ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا.

فخرج ثعلبة حتى أتى النبي  فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك.

فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله  : هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني.

فلما أبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله وقبض رسول الله  ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله  وموضعي من الأنصاري فاقبل صدقتي.

فقال: لم يقبلها رسول الله وأنا أقبلها؟

فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها في خلافة عثمان ولم يقبل صدقته واحد من الخلفاء اقتداء برسول الله  .

وأقول وما ذاك إلا بشؤم اللجاج أولاً وآخراً.

قال بعض العلماء: المعاهدة أعم من أن تكون باللسان أو بالقلب.

وقال المحققون.

إنه لا بد من التلفظ بها لما روي أنه  قال: "إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسهم ولم يتلفظوا به" ولأن قوله عز من قائل ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقن ﴾ ظاهره مشعر بالقول اللساني.

والمراد بالفضل إيتاء المال بطريق التجارة أو الاستغنام ونحوهما.

وأصل ﴿ لنصدقن ﴾ لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد.

والمصدق المعطي لا السائل كقوله  ﴿ وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين  ﴾ ومعنى قوله ﴿ ولنكونن من الصالحين ﴾ عن ابن عباس أنه أراد الحج.

ولعل المراد إخراج كل ما يجب إخراجه إذ لا دليل على التقييد.

ثم وصفهم بصفات ثلاث فقال ﴿ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ﴾ فالبخل عبارة عن منع الحق الشرعي، والتولي نقض العهد، والإعراض أراد به الإحجام عن تكاليف الله وأن ذلك منهم عادة معتادة، ولترتب هذا الذم عل أمنع الصدقة ولإطلاق لفظة البخل عليه وهو في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب.

ذكر العلماء أن الصدقة الملتزمة في قوله ﴿ لنصدقن ﴾ هي الصدقة الواجبة.

وأن الرجل قد عاهد ربه أن يقول بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة.

إن وسع الله عليه دون ما يلتزنه الإنسان بالنذر من المندوبات إذ لا دليل في الآية على ذلك مع أن سبب النزول يأباه.

فإن قيل: الزكاة لا تلزم بسبب الالتزام وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحلول الحول.

قلنا إن قوله ﴿ لنصدقن ﴾ لا دليل فيه على الفور بل المراد لنصدقن في وقته الذي يليق به.

وفي الآية دلالة على أن الرجل حين عاهد بهذا العهد كان مسلماً ثم إنه لما بخل بالمال ولم يف بالعهد صار منافقاً ويؤكده قوله  ﴿ فأعقبهم نفاقاً ﴾ عن الحسن وقتادة أن أعقب مسند إلى ضمير البخل أي أورثهم البخل نفاقاً متمنكاً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه وباعثاً عليه، وكذا التأويل إن جعل عائداً إلى التولي أو الإعراض.

وضعت بأن حاصل هذه الأمور كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق فى القلب لأن ترك الواجب عدم والنفاق جهل وكفر وهو أمر وجودي والعدم لا يؤثر في الوجود، ولأن هذا الترك قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه النفاق، ولأنه لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان الترك جائزاً شرعاً أو محرماً فسبب اختلافات الأحكام الشرعية لا يخرج السبب عن كونه مؤثراً، ولأن البخل أو التولي أو الإعراض هو بعينه خلاف ما وعدوا الله به فيصير تقدير الآية إن التولي أوجب النفاق بسبب التولي وهذا كلام كما ترى فلم يبق إلا أن يسند الفعل إلى الله  فيكون فيه دليل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله، ومن هنا قال الزجاج: معناه أنهم لما ضلوا في الماضي فالله  يضلهم عن الدين في المستقبل ومما يؤكد القول بأن الضمير في ﴿ أعقب ﴾ لله أن الضمير في قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ عائد إلى الله.

وللمعتزلة أن يقولوا: النفاق وإن سلم أنه وجودي لكنه أمر شرعي ولا يبعد جعل شيء عدمي أمارة عليه.

وأيضاً الترك المقرون بالتولي والإعراض لا نسلم أنه لا يحصل معه النفاق، ولا يلزم من كون الترك المحرم موجباً للكفر بجعل الشارع كون الترك الجائز كذلك، ولا نسلم أن البخل هو بعينه إخلاف الوعد والكذب بل قد يقع البخل من غير سبق وعد.

سلمنا عود الضمير إلى الله لكن من أين يلزم كونه خالقاً للكفر والنفاق، ولم لا يجوز أن يراد فأعقبهم الله العقوبة على النفاق بإحداث الغم في قلوبهم وضيق الصدور ما ينالهم من الذل والخوف، أو يراد فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا؟

ولأهل السنة أن يقولوا هذا عدول عن الظاهر مع أن الدلائل الدالة على وجوب انتهاء الكل إلى مشيئة الله وتقديره تعضد ما قلناه.

قال العلماء: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فعلى المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه.

ومذهب الحسن البصري أن نقض العهد يوجب النفاق لا محالة تمسكاً بهذه الآية وبقوله  "ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وقال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله  إنما ذكر قوله "ثلاث من كن فيه فهو منافق" في المنافقين خاصة الذين حدثوا رسول الله  فكذبوه واؤتمنوا على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه.

ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره الله فيمن عاهده، وإذا أؤتمن على دين الله خان في السر وكان قلبه على خلاف لسانه.

ونقل أن واصل بن عطاء أرسل إلى الحسن رجلاً فقال: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم ﴿ فأكله الذئب  ﴾ فكذبوا، ووعدوه في قولهم ﴿ وإنّا له لحافظون  ﴾ فأخلفوا وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل تحكم بكونهم منافقين؟

فتوقف الحسن في مذهبه.

قال أهل التفسير: قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ دل على أن ذلك المعاهد يموت على ذلك وكان كما أخبر فيكون إخباراً بالغيب ومعجزاً.

قال الجبائي: هذا اللقاء لا شك أنه ليس بمعنى الرؤية لأن الكفار لا يرونه بالاتفاق فدل على أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  ﴾ .

ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم الله وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم فقال ﴿ ألم يعلموا ﴾ الآية.

والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى ما يكون بين اثنين وأكثر مع الإخفاء عن غيرهم.

والترتيب يدل على التخليص كما مر في الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه ﴿ خلصوا نجياً  ﴾ ومعنى الآية كيف تتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع أنه  يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض؟!

عن ابن عباس أن رسول الله  خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله  مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي.

فقال رسول الله  : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم.

وقيل؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً.

وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله  بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله  ﴿ الذين يلمزون المطوعين ﴾ أي المتطوعين فأدغمت.

والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب.

والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث.

وقال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم.

وفرق ابن السكيت بينهما فقال: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة.

وقال الشعبي: الأول في العمل والثاني في القوة ﴿ سخر الله منهم ﴾ خير لا دعاء كقوله ﴿ الله يستهزىء بهم  ﴾ وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم.

وقال الأصم: المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله.

وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً.

التأويل: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿ يأمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله "فأحببت أن أعرف" ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ الحقيقية ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ ومساكن طيبة ﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿ يا أيها النبي ﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الانباء ﴿ جاهد ﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿ واغلظ عليهم ﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿ فمأواهم جهنم ﴾ القطيعة ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿ وما نقموا ﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ باستعداده الفطري ﴿ لئن آتانا من فضله ﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿ لنصدقن ﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿ وأن الله علام الغيوب ﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلق ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿ الغيوب ﴾ .

﴿ سخر الله منهم ﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ يحتمل الأمر بالجهاد الفريقين جميعاً جهاداً بالسيف.

ويحتمل: مجاهدة بالحجج والبراهين الفريقين جميعاً.

ويحتمل - أيضاً -: الأمر بالمجاهدة الكفار، يجاهدهم بالسيف، ويغلظ القول ويشدده على المنافقين، ويقيم عليهم الحدود.

فإن كان على مجاهدة الفريقين جميعاً بالسيف، فهو - والله أعلم - في المنافقين الذين انفصلوا من المؤمنين، وخرجوا من بين أظهرهم، وأظهروا الخلاف للمؤمنين بعد ما أظهروا الموافقة لهم؛ فأمثال هؤلاء يجاهدون بالسيف ويقاتلون به، وهو كقوله: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ  ﴾ الآية، أخبر أنهم يؤخذون ويقتلون إينما وجدوا، فيشبه أن تكون الآية في الأمر بالجهاد في هؤلاء المنافقين.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن المنافقين كانوا يطعنون في رسول الله ويعيبون عليه، فأطلع الله رسوله على ذلك، وهم قد علموا أن الله أطلعه على ما يطعنون فيه ويذكرونه بسوء، فيقول - والله أعلم -: جاهدهم إذا طعنوا فيك وذكروك بسوء بعد ذلك.

وإن كان الأمر على المجاهدة مجاهدة بالحجج، فهو  قد حاج الفريقين جميعاً بالحجج، وخاصة سورة براءة إنما أنزلت في محاجة المنافقين.

ويحتمل الأمر بالجهاد في الكفار خاصّة، وفي المنافقين تغليظ القول والتشديد، وإقامة الحدود التي ذكرنا، والتعزير إذا ارتكبوا شيئاً مما يجب فيه الحد أو التعزير - والله أعلم بذلك - لما أقاموا بين أظهر المؤمنين مظهرين لهم الموافقة.

[وقوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ هذا في المنافقين الذين ماتوا على النفاق.] وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: الآية نزلت في شأن رجل منافق قال يوماً: والله أعلم، لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمير.

فسمع ذلك غلام وهو ربيب ذلك القائل، فقال له: تب إلى الله.

وجاء الغلام إلى النبي  ، فأخبره، فأرسل إليه النبي  ، فأتاه، فجعل يحلف: ما قال ذلك؛ فنزلت الآية فيه: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ...

﴾ .

لكن غير هذا كان أشبه؛ لأن الآية: ﴿ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ وقول الرجل: لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمير - هذا القول نفسه ليس هو كلام كفر؛ إنما كلامُ ذمٍّ، ذمَّ به نفسه في الآية ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ ﴾ فهو قول جماعة.

وقيل: نزل في شأن عبد الله بن أبي، قال أصحابه: فوالله، ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: "سمِّنْ كلبك يأكلك"، وقال: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ  ﴾ ، فأخبر النبي بذلك، فدعاه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله.

ولكن يشبه أن تكون الآية صلة قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ...

﴾ الآية [التوبة: 65].

كانوا يستهزءون بالله وبآياته وبرسوله، والاستهزاء بذلك كفر، أو أن قالوا قول كفر لم يبين الله لنا ذلك فلا أنهم قالوا كذا؛ لما ليس لنا إلى معرفة ذلك القول الذي قالوه حاجة.

وقوله: ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ﴾ : يحتمل: كفروا بعد ما أسلموا إسلام تقيَّة.

ويحتمل قوله بعد ما أظهروا الإسلام، أي: رجعوا عما أظهروا من الإسلام.

وفي الآية دلالة أن الإسلام والإيمان واحد؛ لأنه قال: ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً  ﴾ ؛ فدل أن الإسلام والإيمان واحد.

وقوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ﴾ .

قيل: هموا بقتل رسول الله  والمكر به، فلم ينالوا ما هموا به.

وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أسروا ما هموا به، ثم أخبر عن ذلك وهو غيب، دل أنه بالله علم ذلك.

وقوله: ﴿ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن الرجل الذي قال ذلك تاب عن ذلك، فقبل منه ذلك، وكان له قتيل في الإسلام فوداه رسول الله  فأعطاه ديته، فاستغنى بذلك.

قال ابن عباس: ﴿ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : كان رسول الله  يعطي المنافقين من الغنائم والصدقات، يقول: ما نقموا ما أعطاهم رسول الله  من الغنيمة والصدقة.

وقوله: ﴿ نَقَمُوۤاْ ﴾ ، قال بعض أهل الأدب - أبو معاذ وغيره -: نقموا، أي: طعنوا، فيه لغتان: نقِموا - بالخفض - ونقَموا - بالنصب - يقال: نقِم ينقَم، ونقَم ينقِم - بكسر القاف - فهو - والله أعلم - يقول: ما طعنوا [مني] رسول الله  وما ذكروه بسوء إلا أن أغناهم الله؛ لأنهم لو كانوا أهل فقر وحاجة ما اجترءوا على الطعن على رسول الله وما ذكروه بسوء، ولكن طعنوا فيه لما أغناهم الله.

ويحتمل قوله: ﴿ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : ما عاملهم رسول الله معاملة الكرام وتبسط إليهم حتى قالوا: إنه أذن يقبل العذر، فذلك الذي حملهم على الطعن.

وقوله: ﴿ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ فيه أن المنافق تقبل منه التوبة.

﴿ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ بما ذكرنا في الدنيا: الأمر بالجهاد والقتل والخوف، هذا التعذيب في الدنيا، والتعذيب في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ قد ذكرنا هذا في غير موضع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الرسول، جاهد الكفار بقتالهم بالسيف، وجاهد المنافقين باللسان والحجة، واشدد على الفريقين؛ فهم أهل لذلك، ومقرهم يوم القيامة جهنم، المصير مصيرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.GNMWw"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده