الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٧٥ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 113 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٥ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه : لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله ، وليكونن من الصالحين .
فما وفى بما قال ، ولا صدق فيما ادعى ، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله - عز وجل - يوم القيامة ، عياذا بالله من ذلك .
وقد ذكر كثير من المفسرين ، منهم ابن عباس ، والحسن البصري : أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في " ثعلبة بن حاطب الأنصاري " .
وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير هاهنا وابن أبي حاتم ، من حديث معان بن رفاعة ، عن علي بن يزيد ، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن ، مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ادع الله أن يرزقني مالا .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه .
قال : ثم قال مرة أخرى ، فقال : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله ، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت .
قال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم ارزق ثعلبة مالا .
قال : فاتخذ غنما ، فنمت كما ينمو الدود ، فضاقت عليه المدينة ، فتنحى عنها ، فنزل واديا من أوديتها ، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، ويترك ما سواهما .
ثم نمت وكثرت ، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمو كما ينمو الدود ، حتى ترك الجمعة .
فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ، يسألهم عن الأخبار ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما فعل ثعلبة ؟
فقالوا : يا رسول الله ، اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة .
فأخبروه بأمره فقال : يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة .
وأنزل الله جل ثناؤه : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) الآية [ التوبة : 103 ] قال : ونزلت عليه فرائض الصدقة ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين على الصدقة : رجلا من جهينة ، ورجلا من سليم ، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين ، وقال لهما : مرا بثعلبة ، وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما .
فخرجا حتى أتيا ثعلبة ، فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما هذه إلا جزية .
ما هذه إلا أخت الجزية .
ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي .
فانطلقا وسمع بهما السلمي ، فنظر إلى خيار أسنان إبله ، فعزلها للصدقة ، ثم استقبلهما بها فلما رأوها قالوا : ما يجب عليك هذا ، وما نريد أن نأخذ هذا منك .
قال : بلى ، فخذوها ، فإن نفسي بذلك طيبة ، وإنما هي له ، فأخذوها منه ، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة ، فقال : أروني كتابكما فنظر فيه ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية .
انطلقا حتى أرى رأيي .
فانطلقا حتى أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآهما قال : يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ، ودعا للسلمي بالبركة ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي ، فأنزل الله - عز وجل - : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) إلى قوله : ( وبما كانوا يكذبون ) قال : وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من أقارب ثعلبة ، فسمع ذلك ، فخرج حتى أتاه فقال : ويحك يا ثعلبة .
قد أنزل الله فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يقبل منه صدقته ، فقال : إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك ، فجعل يحثو على رأسه التراب ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ هذا ] عملك ، قد أمرتك فلم تطعني .
فلما أبى أن يقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى منزله ، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبل منه شيئا .
ثم أتى أبا بكر - رضي الله عنه - حين استخلف ، فقال : قد علمت منزلتي من رسول الله ، وموضعي من الأنصار ، فاقبل صدقتي .
فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى أن يقبلها ، فقبض أبو بكر ولم يقبلها .
فلما ولي عمر - رضي الله عنه - أتاه فقال : يا أمير المؤمنين ، اقبل صدقتي .
فقال : لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ، وأنا أقبلها منك !
فقبض ولم يقبلها ؛ ثم ولي عثمان - رضي الله عنه - [ فأتاه ] فسأله أن يقبل صدقته ، فقال : لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك !
فلم يقبلها منه ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان .
القول في تأويل قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم = " مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ" ، يقول: أعطى الله عهدًا (28) = " لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" ، يقول: لئن أعطانا الله من فضله, ورزقنا مالا ووسَّع علينا من عنده (29) = " لَنَصَّدَّقَنَّ" ، يقول: لنخرجن الصدقة من ذلك المال الذي رزقنا ربُّنا (30) = " وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ" ، يقول: ولنعملنّ فيها بعَمَل أهل الصلاح بأموالهم، من صلة الرحم به، وإنفاقه في سبيل الله.
-------------------------- الهوامش : (28) انظر تفسير "عاهد" فيما سلف : ص 141 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(29) انظر تفسير "آتى" ، و "الفضل" فيما سلف من فهارس اللغة (أتى) و (فضل).
(30) انظر تفسير " التصدق " فيما سلف 9 : 31 ، 37 ، 38.
قوله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحينفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى ومنهم من عاهد الله قال قتادة : هذا رجل من الأنصار قال : لئن رزقني الله شيئا لأؤدين فيه حقه ولأتصدقن ; فلما آتاه الله ذلك فعل ما نص عليكم ، فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور .
وروى علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري - فسماه - قال للنبي صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقني مالا .
فقال عليه السلام ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ثم عاود ثانيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت فقال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه .
فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ; فاتخذ غنما فنمت كما تنمي الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، وترك ما سواهما .
ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمي حتى ترك الجمعة أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ويح ثعلبة ثلاثا .
ثم نزل خذ من أموالهم صدقة .
فبعث صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة ، وقال لهما : مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما فأتيا ثعلبة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا .
الحديث ، وهو مشهور .
وقيل : سبب غناء ثعلبة أنه ورث ابن عم له .
قاله ابن عبد البر : قيل إن ثعلبة بن حاطب هو الذي نزل فيه ومنهم من عاهد الله .
.
.
الآية ; إذ منع الزكاة ، فالله أعلم .
وما جاء فيمن شاهد بدرا يعارضه قوله تعالى في الآية : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم .
.
.
الآية .[ ص: 134 ] قلت : وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام فحلف في مجلس من مجالس الأنصار : إن سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه .
فلما سلم بخل بذلك فنزلت .قلت : وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان ; حسب ما يأتي بيانه في أول الممتحنة فما روي عنه غير صحيح .
قال أبو عمر : ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح ، والله أعلم .
وقال الضحاك : إن الآية نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير .قلت : وهذا أشبه بنزول الآية فيهم ; إلا أن قوله فأعقبهم نفاقا يدل على أن الذي عاهد الله لم يكن منافقا من قبل ، إلا أن يكون المعنى : زادهم نفاقا ثبتوا عليه إلى الممات ، وهو قوله تعالى : إلى يوم يلقونه على ما يأتي .الثانية : قال علماؤنا : لما قال الله تعالى : ومنهم من عاهد الله احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه .
واحتمل أن يكون عاهد الله بهما ثم أدركته سوء الخاتمة ; فإن الأعمال بخواتيمها والأيام بعواقبها .
و ( من ) رفع بالابتداء ، والخبر في المجرور .
ولفظ اليمين ورد في الحديث وليس في ظاهر القرآن يمين إلا بمجرد الارتباط والالتزام ، أما إنه في صيغة القسم في المعنى : فإن اللام تدل عليه ، وقد أتى بلامين : الأولى للقسم ، والثانية لام الجواب ، وكلاهما للتأكيد .
ومنهم من قال : إنهما لاما القسم ; والأول أظهر ، والله أعلم .الثالثة : العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده وإن لم يلفظ به ; قاله علماؤنا .
وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به وهو القول الآخر لعلمائنا .
ابن العربي : والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك ، وقد سئل : إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال : يلزمه ; كما يكون مؤمنا بقلبه ، وكافرا بقلبه .
قال ابن العربي : وهذا أصل بديع ، وتحريره أن يقال : عقد لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه فانعقد عليه بنية .
أصله الإيمان والكفر .قلت : وحجة القول الثاني ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به ورواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن [ ص: 135 ] شيئا حتى يتكلم به .
قال أبو عمر : ومن اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشيء .
هذا هو الأشهر عن مالك .
وقد روي عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه ; كما يكفر بقلبه وإن لم ينطق به لسانه .
والأول أصح في النظر وطريق الأثر ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجاوز الله لأمتي عما وسوست به نفوسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله يد .الرابعة : إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف وتركه معصية .
وإن كانت يمينا فليس الوفاء باليمين واجبا باتفاق .
بيد أن المعنى فيه إن كان الرجل فقيرا لا يتعين عليه فرض الزكاة ; فسأل الله مالا تلزمه فيه الزكاة ويؤدي ما تعين عليه من فرضه ، فلما آتاه الله ما شاء من ذلك ترك ما التزم مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه ، لكن التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه إذ كان طلبه من الله تعالى بغير نية خالصة ، أو نية لكن سبقت فيه البداية ، المكتوب عليه فيها الشقاوة .
نعوذ بالله من ذلك .قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما كتب له في غيبالله عز وجل من أمنيته أي من عاقبتها ، فرب أمنية يفتتن بها أو يطغى فتكون سببا للهلاك دنيا وأخرى ؛ لأن أمور الدنيا مبهمة عواقبها خطرة غائلتها .
وأما تمني أمور الدين والأخرى فتمنيها محمود العاقبة محضوض عليها مندوب إليها .الخامسة : قوله تعالى لئن آتانا من فضله لنصدقن دليل على أن من قال : إن ملكت كذا وكذا فهو صدقة فإنه يلزمه ; وبه قال أبو حنيفة : وقال الشافعي : لا يلزمه .
والخلاف في الطلاق مثله ، وكذلك في العتق .
وقال أحمد بن حنبل : يلزمه ذلك في العتق ولا يلزمه في الطلاق ; لأن العتق قربة وهي تثبت في الذمة بالنذر ; بخلاف الطلاق فإنه تصرف في محل ، وهو لا يثبت في الذمة .
احتج الشافعي بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك لفظ الترمذي .
وقال : وفي الباب عن علي ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب .
وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم .
ابن العربي : وسرد [ ص: 136 ] أصحاب الشافعي في هذا الباب أحاديث كثيرة لم يصح منها شيء فلا يعول عليها ، ولم يبق إلا ظاهر الآية .
أي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى اللّه عهده وميثاقه {لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} من الدنيا فبسطها لنا ووسعها {لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} فنصل الرحم، ونقري الضيف، ونعين على نوائب الحق، ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة.
قوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) الآية .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، حدثنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الأصفهاني ، حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم السمرقندي ، حدثنا محمد بن نصر ، حدثني أبو الأزهر أحمد بن الأزهر ، حدثنا مروان بن محمد بن شعيب حدثنا معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال : جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " ، ثم أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟
والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت " ثم أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم ارزق ثعلبة مالا " .
قال : فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ، فنزل واديا من أوديتها وهي تنمو كالدود ، فكان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر ، ويصلي في غنمه سائر الصلوات ، ثم كثرت ونمت حتى تباعد بها عن المدينة ، فصار لا يشهد إلا الجمعة ، ثم كثرت فنمت فتباعد أيضا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة .
فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار ، فذكره صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : ما فعل ثعلبة؟
قالوا : يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنما ما يسعها واد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة " .
فأنزل الله آية الصدقات ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني سليم ورجلا من جهينة وكتب لهما أسنان الصدقة ، كيف يأخذان؟
وقال لهما : " مرا بثعلبة بن حاطب ، وبفلان ، رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما ، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي ، فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأوها قالوا : ما هذه عليك .
قال : خذاه فإن نفسي بذلك طيبة ، فمرا على الناس فأخذا الصدقات ، ثم رجعا إلى ثعلبة ، فقال : أروني كتابكما فقرأه ، ثم قال : ما هذه إلا أخت الجزية ، اذهبا حتى أرى رأيي .
قال فأقبلا فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه قال : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ، ثم دعا للسلمي بخير ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، فأنزل الله تعالى فيه : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) الآية ، إلى قوله : ( وبما كانوا يكذبون ) وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال : ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه الصدقة ، فقال : إن الله عز وجل منعني أن أقبل منك صدقتك ، فجعل يحثو التراب على رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عملك وقد أمرتك فلم تطعني ، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض صدقته ، رجع إلى منزله .
وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم أتى أبا بكر فقال : اقبل صدقتي ، فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنا أقبلها؟
فقبض أبو بكر ولم يقبلها .
فلما ولي عمر أتاه فقال : اقبل صدقتي ، فقال : لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر ، أنا أقبلها منك؟
فلم يقبلها فلما ولي عثمان أتاه فلم يقبلها منه ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان .
قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة : أتى ثعلبة مجلسا من الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه ، وتصدقت منه ، ووصلت الرحم ، وأحسنت إلى القرابة ، فمات ابن عم له فورثه مالا فلم يف بما قال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقال الحسن ومجاهد : نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير ، وهما من بني عمرو بن عوف ، خرجا على ملأ قعود وقالا والله لئن رزقنا الله مالا لنصدقن ، فلما رزقهما الله عز وجل بخلا به فقوله عز وجل ( ومنهم ) يعني : المنافقين ( من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) ولنؤدين حق الله منه .
( ولنكونن من الصالحين ) نعمل بعمل أهل الصلاح فيه ؛ من صلة الرحم والنفقة في الخير .
«ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصًّدقن» فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد «ولنكونن من الصالحين» وهو ثعلبة بن حاطب سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له أن يرزقه الله مالا ويؤدي منه كل ذي حق حقه فدعا له فوسع عليه فانقطع عن الجمعة والجماعة ومنع الزكاة كما قال تعالى.
ومن فقراء المنافقين مَن يقطع العهد على نفسه: لئن أعطاه الله المال ليصدَّقنَّ منه، وليعمَلنَّ ما يعمل الصالحون في أموالهم، وليسيرَنَّ في طريق الصلاح.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك نماذج أخرى من جحودهم ، ونقضهم لعهودهم ، وبخلهم بما آتاهم الله من فضله فقال - سبحانه - : ( وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ .
.
.
عَلاَّمُ الغيوب ) .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : وقد ذكر كثر من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصرى ، أن سبب نزول هذه الآيات أن ثعلبة ابن حاطب الانصارى قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله ، ادع الله أن يرزقنى مالا .
فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه .
ثم قال له مرة أخرى : " أما ترضى أن تكون مثل نبى الله؟
فو الذى نفسى بيده لو شئت أن تصير الجبال معى ذهبا وفضة لصارت " .فقال ثعلبة ، والذى بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقنى مالا لأعطين كل ذى حق حقه .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم ارزق ثعلبة مالا " .فاتخذ ثعلبة غنما فمنت ، ثم ضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلى الظهر والعصر فى جماعة ويترك ما سواهما .
ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمة ، ثم ترك الجمعة .
.وأنزل الله - تعالى - ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) فبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجلين على الصدقة من المسلمين .
.
وقال لهما : " مرا على ثعلبة وعلى فلان .
رجل من بنى سليم .
فخذا صدقاتهما " .فخرجا حتى أيتا ثعلبة فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول الله .
فقال : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، ما أدرى ما هذا؟
انطلقا حتى تفرغا ثم عوندا إلى .
فانطلقا وسمع بهما السملى " فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة .
ثم استقبلهم بها .
فلما رأوها قالوا له : ما يجب عليك هذا ، وما نريد أن نأخذ منك .
فقال : بل خذوها فإن نفسى بذلك طيبة ، فأخذاها منه ومرا على ثعلبة فقال لهما : أرونى كتابكما فقرأه فقال : ما هذه إلا جزية .
.
.
انطلقا حتى أرى رأيى ..
فانطلقا حتى أتيا النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رآهما قال : " يا ويح ثعلبة " قبل أن يكلمهما ، ودعا للسملى بالبركة .
فأخبراه بالذى صنعه ثعلبة معهما .
.فأنزل الله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين ) .
الآيات .فسمع رجل من أقارب ثعلبة هذه الآيات فذهب إليه وأخبره بما أنزل فيه من قرآن .فخرج ثعلبة حتى أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - وسأله أن يقبل منه صدقته فقال له : إن الله منعنى أن أقبل منك صدقتك .
.ثم لم يقبلها منه بعد ذلك أبو بكر أو عمر أو عثمان ، وهلك ثعلبة فى خلافة عثمان .هذا ، وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث ، لأسباب تتعلق بسنده ، وبصاحب القصة وهو ثعلبة بن حاطب .والذى نراه أن هذه الآيات الكريمة تحكى صورة حقيقية وواقعية لبعض المنافقين المعاصرين للعهد النبوى .
والذين عهادوا الله فنقضوا عهودهم معه ، وقابولا ما أعطاهم من نعم بالبخل والجحود .
.وتلك الصورة قد تكون لثعلبة بن حاطب وقد تكون لغيره ، لأن المهم هو حصولها فعلا من بعض المنافقين .وهذه الآيات - أيضا - تنطبق فى كل زمان ومكان على من يقابل نعم الله بالكفران ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله : هذا بيان لحال طائفة من أولئك المنافقين الذين أغناهم الله ورسوله من فضله بعد الفقر والإِملاق ، ويوجد مثلهم فى كل زمان ، وهم الذين يلجأون إلى الله - تعالى - فى وقت العسرة والفقر ، أو الشدة والضر ، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له ، والطاعة لشرعه ، إذا هو كشف ضرهم ، وأغنى فقرهم .
فإذا استجاب لهم نكسوا على رءوسهم ، ونكصحوا على أعقابهم ، وكفروا النعمة ، وبطروا الحق ، وهضموا حقوق الخلق وهذا مثل من شر أمثالهم .ومعنى الآيات الكريمة : ومن المنافقين قوم " عاهدوا الله " وأكدوا عهودهم بالايمان المغلظة فقالوا : " لئن آتانا " الله - تعالى - من فضله مالا وفيرا لنصدقن منه على المحتاجين ، ولنعطين كل ذى حق حقه ولنكونن من عباد " الصالحين " الذين يؤدون واجبهم نحو الله والناس ، والذين يصلحون فى الأرض ولا يفسدون .قال الجمل وقوله : ( مَّنْ عَاهَدَ الله ) فيه معنى القسم ، وقوله : ( لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ ) تفسير لقوله : عاهد الله .
واللام موطئة لقسم مقدر .
وقد اجتمع هنا قسم وشرط ، فالمذكور وهو قوله : " لنصدقن " .
.
جواب القسم ، وجواب الشرط محذوف .
.
.
ولالام فى قوله " لنصدقن " .
.
واقعة فى جواب القسم .
اعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل فيقول: ﴿ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى ﴾ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ﴾ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى ﴾ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشأم، فلحقه شدة، فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار، لئن آتانا من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله، إلى آخر الآية، والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً.
فقال عليه السلام: «يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه فراجعه» وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً بها، فجعل يصلي الظهر والعصر ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة.
وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فأخبر بخبره فقال: «يا ويح ثعلبة» فنزل قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ فبعث إليه رجلين وقال: مرا بثعلبة فخذا صدقاته فعند ذلك قال لهما: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فلم يدفع الصدقة فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ فقيل له: قد أنزل فيك كذا وكذا، فأتى الرسول عليه السلام وسأله أن يقبل صدقته، فقال: إن الله منعني من قبول ذلك فجعل يحثي التراب على رأسه، فقال عليه الصلاة والسلام: «قد قلت لك فما أطعتني» فرجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أتى أبا بكر بصدقته، فلم يقبلها اقتداء بالرسول عليه السلام ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثم لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان.
فإن قيل: إن الله تعالى أمره بإخراج الصدقة، فكيف يجوز من الرسول عليه السلام أن لا يقبلها منه؟
قلنا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول الصدقة منه على سبيل الإهانة له ليعتبر غيره به، فلا يمتنع عن أداء الصدقات، ولا يبعد أيضاً أنه إنما أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص؛ وأعلم الله الرسول عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك الصدقة، لهذا السبب، ويحتمل أيضاً أنه تعالى لما قال: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه، فلهذا السبب امتنع رسول الله عليه السلام من أخذ تلك الصدقة، والله أعلم.
المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله في أنه لو آتاه مالاً لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات، ثم إنه تعالى آتاه المال، وذلك الإنسان ما وفى بذلك العهد، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: المنافق كافر، والكافر كيف يمكنه أن يعاهد الله تعالى؟
والجواب: المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلا أنه كان منكراً لنبوة محمد عليه السلام، فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، كان كافراً.
وكيف لا أقول ذلك وأكثر هذا العالم مقرون بوجود الصانع القادر؟
ويقل في أصناف الكفار من ينكره، والكل معترفون بأنه تعالى هو الذي يفتح على الإنسان أبواب الخيرات، ويعلمون أنه يمكن التقرب إليه بالطاعات وأعمال البر والإحسان إلى الخلق، فهذه أمور متفق عليها بين الأكثرين، وأيضاً فلعله حين عاهد الله تعالى بهذا العهد كان مسلماً، ثم لما بخل بالمال، ولم يف بالعهد صار منافقاً، ولفظ الآية مشعر بما ذكرناه حيث قال: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ .
السؤال الثاني: هل من شرط هذه المعاهدة أن يحصل التلفظ بها باللسان، أو لا حاجة إلى التلفظ حتى لو نواه بقلبه دخل تحت هذه المعاهدة؟
الجواب: منهم من قال: كل ما ذكره باللسان أو لم يذكره، ولكن نواه بقلبه فهو داخل في هذا العهد.
يروى عن المعتمر بن سليمان قال: أصابتنا ريح شديدة في البحر، فنذر قوم منا أنواعاً من النذور، ونويت أنا شيئاً وما تكلمت به، فلما قدمت البصرة سألت أبي، فقال: يا بني ف به.
وقال أصحاب هذا القول إن قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ كان شيئاً نووه في أنفسهم، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بما إذا حصل التلفظ بها باللسان، والدليل عليه قوله عليه السلام: «إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسها ولم يتلفظوا به» أو لفظ هذا معناه وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا الله مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ إخبار عن تكلمه بهذا القول، وظاهره مشعر بالقول باللسان.
السؤال الثالث: قوله: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ المراد منه إخراج مال، ثم إن إخراج المال على قسمين قد يكون واجباً، وقد يكون غير واجب.
والواجب قسمان: قسم وجب بإلزام الشرع ابتداء، كإخراج الزكاة الواجبة، وإخراج النفقات الواجبة، وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد من عند نفسه مثل النذور.
إذا عرفت هذه الأقسام الثلاثة، فقوله: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ هل يتناول الأقسام الثلاثة، أو ليس الأمر كذلك؟
والجواب: قلنا أما الصدقات التي لا تكون واجبة، فغير داخلة تحت هذه الآية، والدليل عليه أنه تعالى وصفه بقوله: ﴿ بَخِلُواْ بِهِ ﴾ والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب، وأيضاً أنه تعالى ذمهم بهذا الترك وتارك المندوب لا يستحق الذم.
وأما القسمان الباقيان، فالذي يجب بإلزام الشرع داخل تحت الآية لا محالة، وهو مثل الزكوات والمال الذي يحتاج إلى إنفاقه في طريق الحج والغزو، والمال الذي يحتاج إليه في النفقات الواجبة.
بقي أن يقال: هل تدل هذه الآية على أن ذلك القائل، كان قد التزم إخراج مال على سبيل النذر؟
والأظهر أن اللفظ لا يدل عليه، لأن المذكور في اللفظ ليس إلا قوله: ﴿ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ وهذا لا يشعر بالنذر، لأن الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة إن وسع الله عليه، فدل هذا على أن الذي لزمهم إنما لزمهم بسبب هذا الالتزام، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحولان الحول.
قلنا: قوله: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ لا يوجب أنهم يفعلون ذلك على الفور، لأن هذا إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا القدر لا يوجب الفور، فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقت كما قالوا: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين ﴾ أي في أوقات لزوم الصلاة، فخرج من التقدير الذي ذكرناه أن الداخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال التي يجب إخراجها بمقتضى إلزام الشرع ابتداء، ويتأكد ذلك بما روينا أن هذه الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداء الزكاة، فكأنه تعالى بين من حال هؤلاء المنافقين أنهم كما ينافقون الرسول والمؤمنين، فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه، ولا يقومون بما يقولون والغرض منه المبالغة في وصفهم بالنفاق، وأكثر هذه الفصول من كلام القاضي.
السؤال الرابع: ما المراد من الفضل في قوله: ﴿ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ ﴾ .
والجواب: المراد إيتاء المال بأي طريق كان، سواء كان بطريق التجارة، أو بطريق الاستنتاج أو بغيرهما.
السؤال الخامس: كيف اشتقاق ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ .
الجواب: قال الزجاج: الأصل لنتصدقن.
ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها.
قال الليث: المصدق المعطي والمتصدق السائل.
قال الأصمعي والفراء: هذا خطأ فالمتصدق هو المعطي قال تعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين ﴾ السؤال السادس: ما المراد من قوله: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين ﴾ .
الجواب: الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عن الذي بخل بما يلزمه في التكليف فوجب أن يكون الصالح عبارة عما يقوم بما يلزمه في التكليف.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ثعلبة قد عاهد الله تعالى لئن فتح الله عليه أبواب الخير ليصدقن وليجعن، وأقول التقييد لا دليل عليه.
بل قوله: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ إشارة إلى إخراج الزكاة الواجبة وقوله: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين ﴾ إشارة إلى إخراج كل مال يجب إخراجه على الإطلاق.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاثة: الصفة الأولى: البخل وهو عبارة عن منع الحق.
والصفة الثانية: التولي عن العهد.
والصفة الثالثة: الإعراض عن تكاليف الله وأوامره.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ فعل ولا بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره.
والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض ولا يجوز إسناد أعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التصدق أو الصلاح، لأن هذه الثلاثة أعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثره في حصول النفاق، ولا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى البخل والتولي والإعراض، لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركاً لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق في القلب، لأن ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض الواجب لا يجوز أن يكون مؤثراً في حصول الجهل في القلب.
أما أولاً: فلأن ترك الواجب عدم، والجهل وجود العدم لا يكون مؤثراً في الوجود.
وأما ثانياً: فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق، مع أنه لا يحصل معه النفاق.
وأما ثالثاً: فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو كان محرماً شرعاً، لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً.
وأما رابعاً: فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز، لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل.
فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها إلا إلى الله سبحانه، فوجب إسناده إليه، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه: أنهم لما ضلوا في الماضي، فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل، والذي يؤكد القول بأن قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ مسند إلى الله جل ذكره أنه قال: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ والضمير في قوله تعالى: ﴿ يَلْقَوْنَهُ ﴾ عائد إلى الله تعالى، فكان الأولى أن يكون قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ ﴾ مسنداً إلى الله تعالى.
قال القاضي: المراد من قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي فأعقبهم العقوبة على النفاق، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم، ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة.
قلنا: هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة، فإن ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر، قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت.
المسألة الثانية: قال الليث: يقال: أعقبت فلاناً ندامة إذا صيرت عاقبة أمره ذلك.
قال الهذلي: أودى بني وأعقبوني حسرة *** بعد الرقاد وعبرة لا تقلع ويقاتل: أكل فلان أكلة أعقبته سقماً، وأعقبه الله خيراً.
وحاصل الكلام فيه أنه إذا حصل شيء عقيب شيء آخر يقال أعقبه الله.
المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به، ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله عليه السلام: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن حان».
وعن النبي عليه السلام: «تقبلوا لي ستاً أتقبل لكم الجنة إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا ائتمنتم فلا تخونوا وكفوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم.
أبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السرقة وفروجكم عن الزنا».
قال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوا أن يخرجوا معه فأخلفوه، ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله وإذا وعد أخلف كما ذكره فيمن عاهد الله وإذا ائتمن على دين الله خان في السر فكان قلبه على خلاف لسانه ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجل فقال له: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم أكله الذئب وكذبوه ووعدوه في قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ فأخلفوه وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه فهل نحكم بكونهم منافقين؟
فتوقف الحسن رحمه الله.
المسألة الرابعة: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ يدل على أن ذلك المعاهد مات منافقاً، وهذا الخبر وقع مخبره مطابقاً له، فإنه روي أن ثعلبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فقال: إن الله تعالى منعني أن أقبل صدقتك، وبقي على تلك الحالة، وما قبل صدقته أحد حتى مات، فدل على أن مخبر هذا الخبر وقع موافقاً، فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.
المسألة الخامسة: قال الجبائي: إن المشبهة تمسكوا في إثبات رؤية الله تعالى بقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام ﴾ قال واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل أنه قال في صفة المنافقين: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ وأجمعوا على أن الكفار لا يرونه، فهذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.
قال: والذي يقويه قوله عليه السلام: «من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حق امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان».
وأجمعوا على أن المراد من اللقاء هاهنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا هاهنا.
والقاضي استحسن هذا الكلام.
وأقول: أنا شديد التعجب من أمثال هؤلاء الأفاضل كيف قنعت نفوسهم بأمثال هذه الوجوه الضعيفة؟!
وذلك لأنا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرؤية في هذه الآية، وفي هذا الخبر لدليل منفصل، فلم يلزمنا ذلك في سائر الصور.
ألا ترى أنا لما أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل، لم يلزمنا مثله في جميع العمومات أن نخصصها من غير دليل، فكما لا يلزم هذا لم يلزم ذلك فإن قال هذا الكلام إنما يقوى لو ثبت أن اللقاء في اللغة عبارة عن الرؤية، وذلك ممنوع.
فنقول: لا شك أن اللقاء عبارة عن الوصول ومن رأى شيئاً فقد وصل إليه فكانت الرؤية لقاء، كما أن الإدراك هو البلوغ.
قال تعالى: ﴿ قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ أي لملحقون، ثم حملناه على الرؤية فكذا هاهنا، ثم نقول: لا شك أن اللقاء هاهنا ليس هو الرؤية، بل المقصود أنه تعالى ﴿ فأعقبهم نفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ أي حكمه وقضاءه، وهو كقول الرجل ستلقى عملك غداً، أي تجازى عليه، قال تعالى: ﴿ بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ والمعنى: أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق في قلوبهم لأجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب.
ثم قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ والسر ما ينطوي عليه صدورهم، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، وهو مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ وقوله: ﴿ فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان...
وتناجوا بالبر والتقوى ﴾ وقوله: ﴿ إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً ﴾ .
إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر؟
ثم قال: ﴿ وَأَنَّ الله علام الغيوب ﴾ والعلام مبالغة في العالم، والغيب ما كان غائباً عن الخلق.
والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء.
فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات، فيجب كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر، فكيف يمكن الاخفاء منه؟
ونظير لفظ علام الغيوب هاهنا قول عيسى عليه السلام: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب ﴾ فأما وصف الله بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله محال.
<div class="verse-tafsir"
روي: أنّ ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا ثعلبة، قليل تؤدّي شكره وخير من كثير لا تطيقه» فراجعه وقال: والذي بعثك بالحقّ لئن رزقني الله مالاً لأعطينّ كل ذي حقّ حقّه، فدعا له، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه واد.
قال: «يا ويح ثعلبة» ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدّقين لأخذ الصدقات، فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومرّا بثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه إلاّ جزية، ما هذه إلاّ أخت الجزية، وقال: ارجعا حتى أرى رأيي، فلما رجعا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه: «يا ويح ثعلبة» مرّتين، فنزلت، فجاءه ثعلبة بالصدقة، فقال: «إنّ الله منعني أن أقبل منك» ، فجعل التراب على رأسه فقال: «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني» ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها، وجاء إلى عمر رضي الله عنه في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان رضي الله عنه.
وقرئ: ﴿ لنصدّقن ولنكوننْ ﴾ بالنون الخفيفة فيهما ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد الحجّ ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ ﴾ عن الحسن وقتادة رضي الله عنهما: أن الضمير للبخل.
يعني: فأورثهم البخل ﴿ نِفَاقاً ﴾ متمكناً ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ لأنه كان سبباً فيه وداعياً إليه.
والظاهر أن الضمير لله عزّ وجلّ.
والمعنى: فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدّق والصلاح وكونهم كاذبين.
ومنه: جعل خلف الوعد ثلث النفاق.
وقرئ: ﴿ يكذبون ﴾ ، بالتشديد، وألم تعلموا، بالتاء.
عن عليّ رضي الله عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ أتى النَّبِيَّ فَقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمى الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وانْقَطَعَ عَنِ الجَماعَةِ والجُمُعَةِ، فَسَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقِيلَ كَثُرَ مالُهُ حَتّى لا يَسَعَهُ وادٍ فَقالَ: يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ مُصَدِّقَيْنِ لِأخْذِ الصَّدَقاتِ فاسْتَقْبَلَهُما النّاسُ بِصَدَقاتِهِمْ ومَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ وأقْرَآهُ الكِتابَ الَّذِي فِيهِ الفَرائِضُ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ فارْجِعا حَتّى أرى رَأْيِي فَنَزَلَتْ، فَجاءَ ثَعْلَبَةُ بِالصَّدَقَةِ فَقالَ النَّبِيُّ : إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ فَقالَ هَذا عَمَلُكَ قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ فَجاءَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في خِلافَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلْها وهَلَكَ في زَمانِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿ فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ﴾ مَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ مِنهُ.
﴿ وَتَوَلَّوْا ﴾ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.
﴿ وَهم مُعْرِضُونَ ﴾ وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ عَنْها.
<div class="verse-tafsir"
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
{وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله} روي أن ثعلبة بن حاطب قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً فقال عليه السلام يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه فراجعه وقال والذي بعثك بالحق لئن رزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه فدعا له فاتخذ غنماً فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة فنزل وادياً وانقطع عن الجمعة والجماعة فسأل عنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ فقال يا ويح ثعلبة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدّقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسالاه الصدقة فقال ما هده إلا جزية وقال ارجعا حتى أرى رأيي فلمارجعا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه يا ويح ثعلبة مرتين فنزلت فجاء ثعلبة بالصدقة فقال إن الله منعني أن أقبل منك فجعل التراب على رأسه فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها إلى أبى بكر رضى الله عنه فلم يقبلها وجاء بها إلى عمر رضى الله عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في زمان عثمان رضى الله عنه {لئن آتانا مِن فَضْلِهِ} أي المال {لَنَصَّدَّقَنَّ} لنخرجن الصدقة والأصل لنتصدقن ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين} بإخراج الصدقة
﴿ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مَن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مَن الصّالِحِينَ ﴾ بَيانٌ لِقَبائِحِ بَعْضٍ آخَرَ مِنَ المُنافِقِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في ثَعْلَبِ بْنِ حاطِبٍ ويُقالُ لَهُ ابْنُ أبِي حاطِبٍ وهو مِن بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، ولَيْسَ هو البَدْرِيُّ لِأنَّهُ قَدِ اسْتُشْهِدَ بِأحَدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي فَلَوْ شِئْتَ أنْ يُسَيِّرَ اللَّهُ تَعالى رُبى هَذِهِ الجِبالِ مَعِي ذَهَبًا لَسارَتْ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَنِي مالًا فَوالَّذِي بَعْثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِي اللَّهُ سُبْحانَهُ مالًا لَأُعْطِيَنَ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهِ، فَقالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، فاتَّخَذَ غَنَمًا فَبُورِكَ لَهُ فِيها ونَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِهِ مَكانُهُ فَتَنَحّى بِها فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ فَتَنَحّى وكانَ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ إلّا مِن جُمْعَةٍ إلى جُمْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِهِ مَكانُهُ فَتَنَحّى بِها فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمْعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألَ عَنْهُ فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا وأنّالمَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ وأنْزَلَ ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾ الآيَةَ فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي سَلَمَةَ يَأْخُذانِ الصَّدَقاتِ، وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ وكَيْفَ يَأْخُذانِها، وأمَرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ ورَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ فَقالَ: أرَيانِي كِتابَكُما؟
فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةً انْطَلَقا حَتّى تَفَرَّغا ثُمَّ مَرّا بِي فانْطَلَقا وسَمِعَ بِهِما السُّلَيْمِيُّ فاسْتَقْبَلَهُما بِخِيارِ إبْلِهِ فَقالا: إنَّما عَلَيْكَ دُونَ هَذا، فَقالَ: ما كُنْتُ أتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِخَيْرٍ مالِيٍّ، فَقَبِلا فَلَمّا فَرَغا مَرّا بِثَعْلَبَةَ فَقالَ: أرِيانِي كِتابَكُما؟
فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ، فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ ودَعا لِلسُّلَيْمِيِّ بِالبَرَكَةِ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ ﴾ الآياتِ الثَّلاثِ فَسَمِعَ بَعْضٌ مِن أقارِبِهِ فَأتاهُ فَقالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَقَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي.
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي، فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأقْبَلُها، فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْبَلْ مِن صَدَقَتِي، فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا؟
فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْها مِنهُ وهَلَكَ في خِلافَتِهِ».
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّ ثَعْلَبَةَ هَذا كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُلازِمًا لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى لُقِّبَ حَمامَةَ المَسْجِدِ ثُمَّ رَآهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُسْرِعُ الخُرُوجَ مِنهُ عَقِيبَ الصَّلاةِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: ما لَكَ تَعْمَلُ عَمَلَ المُنافِقِينَ؟
فَقالَ: إنِّي افْتَقَرْتُ ولِي ولِامْرَأتِي ثَوْبٌ واحِدٌ أجِيءُ بِهِ لِلصَّلاةِ ثُمَّ أذْهَبُ فَأنْزِعُهُ لِتَلْبَسَهُ وتُصَلِّي بِهِ فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَسِّعَ عَلَيَّ رِزْقِي» إلى آخِرِ ما في الخَبَرِ، والظّاهِرُ أنَّ مَنعَ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ القَبُولِ مِنهُ كانَ بِوَحْيٍ مِنهُ تَعالى لَهُ بِأنَّهُ مُنافِقٌ والصَّدَقَةُ لا تُؤْخَذُ مِنهم وإنْ لَمْ يُقْتَلُوا لِعَدَمِ الإظْهارِ، وحَثْوُهُ لِلتُّرابِ لَيْسَ لِلتَّوْبَةِ مِن نِفاقِهِ بَلْ لِلْعارِ مِن عَدَمِ قَبُولِ زَكاتِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ.
ومَعْنى هَذا عَمَلُكَ هَذا جَزاءُ عَمَلِكَ وما قُلْتَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِعَمَلِهِ طَلَبُهُ زِيادَةَ رِزْقِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى المَنعِ أيْ هو عاقِبَةُ عَمَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَمَلِ عَدَمُ إعْطائِهِ لِلْمُصَدِّقِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ ثَعْلَبَةَ أتى مَجْلِسًا مِن مَجالِسِ الأنْصارِ فَأشْهَدَهم لَئِنْ آتانِيَ اللَّهُ تَعالى مِن فَضْلِهِ تَصَدَّقْتُ مِنهُ وآتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقِّهِ، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَوَرِثَ مِنهُ مالًا فَلَمْ يَفِ بِما عاهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ هَذِهِ الآياتِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ خارِجًا عَلى مَلَأٍ قُعُودٍ فَحَلَفا بِاللَّهِ تَعالى لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ فَلَمّا آتاهُما بَخِلا.
وقالَ السّائِبُ: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ فَجَهِدَ لِذَلِكَ جُهْدًا شَدِيدًا فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ أتانا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ يَعْنِي ذَلِكَ المالَ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأصِلَنَّ، فَلَمّا آتاهُ ذَلِكَ لَمْ يَفِ بِما عاهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ، وحُكِي ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، والأوَّلُ أشْهَرُ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ النُّزُولِ، والمُرادُ بِالتَّصَدُّقِ قِيلَ: إعْطاءُ الزَّكاةِ الواجِبَةِ وما بَعْدَهُ إشارَةً إلى فِعْلِ سائِرِ أعْمالِ البِرِّ مِن صِلَةِ الأرْحامِ ونَحْوِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ إعْطاءُ الزَّكاةِ وغَيْرِها مِنَ الصَّدَقاتِ وما بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى الحَجِّ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ إلى ما يَعُمُّهُ والنَّفَقَةِ في الغَزْوِ كَما قِيلَ، وقُرِئَ ( لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ، قال في رواية الكلبي: نزلت الآية في شأن حاطب بن أبي بلتعة، كان له مال في الشام فجهد بذلك جهداً شديداً، فحلف بالله لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ، يعني: المال الذي بالشام، لَنَصَّدَّقَنَّ منه ولأؤدين حق الله منه، فلم يفعل لمَّا أعطاه الله تعالى المال.
قال مقاتل: نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري كان محتاجاً، فقال: لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فابتلاه الله تعالى فرزقه ذلك، وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلاً من المنافقين خطأ، فدفع النبيّ ديته إلى عصبته وهو ثعلبة، فبخل ومنع حق الله تعالى.
قال الفقيه: حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدثنا أسد بن موسى قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا معاذ بن رفاعة، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري جاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا.
فقال : «وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ» .
قال: ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال: «ويحك يا ثعلبة، أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِثْلِي؟
وَالله لَوْ سَأَلْتُ الله تَعَالَى أنْ يُسِيلَ عَلَيَّ الْجِبَالَ ذَهَباً وَفِضَّةً.
لَسَالَتْ» .
ثم رجع إليه ثالثا فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يرزقني مالا، فو الله لئن آتاني الله مالاً لأؤدين لكل ذي حق حقه.
فقال رسول الله : «اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالاً» .
فاتّخذ غنما فنمت حتى ضاقت بها أزقة المدينة، فتنحى بها وكان يشهد الصلوات مع رسول الله ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة، فتنحى بها، وكان يشهد الجمعة مع رسول الله ، ثم يخرج إليها، ثم نمت، فترك الجمعة والجماعات وجعل يتلقى الركبان ويقول: ماذا عندكم من الخبر؟
وما كان من أمر الناس؟
فأنزل الله تعالى على رسوله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [التوبة: 103] فاستعمل النبيّ رجلين على الصدقات: رجلاً من الأنصار، ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كتاب الصدقة، وأمرهما أن يصدقا الناس، وأن يمرا بثعلبة فيأخذا منه صدقة ماله.
فأتيا ثعلبة وطلبا منه صدقة ماله فقال ثعلبة: صدِّقا الناس، فإذا فرغتما فمرا بي.
ففعلا، فلما رجعا إليه وطلبا منه فأبى وقال: ما هذه إلا أخية الجزية.
فانطلقا حتى أتيا إلى رسول الله ، فأنزل الله على رسوله (١) فركب رجل من الأنصار هو ابن عم لثعلبة راحلته حتى أتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة هلكت، قَدْ أَنْزَلَ الله فِيكَ من القرآن كذا وكذا، فأقبل ثعلبة بن حاطب وجعل على رأسه التراب وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، اقبض مني صدقة مالي.
فلم يقبض منه صدقته حتى قبض الله تعالى رسوله، ثم أتى إلى أبي بكر فلم يقبل صدقته، ثم أتى إلى عمر فلم يقبل صدقته، ثم أتى إلى عثمان فلم يقبل صدقته، ومات في خلافة عثمان، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُمْ يعني: أعطاهم مِنْ فَضْلِهِ يعني: من المال بَخِلُوا بِهِ بمنع حق الله وَتَوَلَّوْا عن الصدقة وَهُمْ مُعْرِضُونَ لم يفوا بما قالوا.
قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ يقول جعل عاقبتهم إلى النفاق إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ يعني: يلقون الله، وهو يوم القيامة، بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ لقوله: لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وقال عبد الله بن مسعود: «اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر» .
ثم قرأ وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ إلى قوله وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ فقد ذكر الثلاثة في هذه الآية.
(١) عزاه السيوطي: 4/ 246 إلى الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والعسكري في الأمثال، والطبراني وابن مندة، والبارودي، وأبي نعيم في معرفة الصحابة.
<div class="verse-tafsir"
ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَبَبٌ في ذلك، وعلى هذا الحَدِّ قال عليه السلام للأنصارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: «كُنْتُمْ عَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ» ، قال العراقيُّ: نَقَمُوا: أي: أنْكَرُوا.
وقال ص: إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ: إِنْ وصلْتَها: مفعولُ نَقَمُوا: أي: ما كرهوا إِلا إِغْنَاء اللَّه إِياهم، وقيل: هو مفعولٌ من أجله، والمفعولُ به محذوفٌ، أي: ما كرهوا الإِيمانَ إِلاَّ للإِغناء.
انتهى.
ثم فتح لهم سبحانَهُ بابَ التَّوْبةِ رفقاً بهم ولطفاً، فروي أن الجُلاَسَ تَابَ من النفاقِ، وقال: إِن اللَّه قَدْ تَرَكَ لي بَابَ التَّوْبَة، فاعترف وأخلص، وحسنت توبته «١» .
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ...
الآية: هذه الآية نزلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب الأنصاريِّ «٢» ، قال الحسن: وفي معتّب بن قشير معه،
واختصار ما ذكره الطبريُّ «١» وغيره مِنْ أمره: أنه جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادع اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مَالاً، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ ذَا مَالٍ، لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ، وَفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرَادَهُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: «قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تطيقه» فعاود، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَوْ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُسَيِّرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَباً، لَسَارَتْ» فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا لَهُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِذَلِكَ، فاتخذ غَنَماً، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ حتى ضاقَتْ به المدينةُ، فتنحَّى عنها، وكَثُرت غنمه، حتَّى كان لا يُصَلِّي إِلا الجُمُعَةَ، ثم كَثُرَتْ حتى تَنَحَّى بعيداً، فترك الصَّلاَة، وَنَجَمَ نِفَاقه، وَنَزَلَ خلال ذلك فَرْضُ الزكاةِ، فبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مُصَدِّقِينَ بكتابه في أخْذ زكاة الغَنَمِ، فلما بلغوا ثَعْلَبَةَ، وقرأ الكِتَابَ، قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثم قال لهم: دَعُونِي حَى أَرَى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأَخْبَروه، قال:
«وَيْح ثَعْلَبَة» ثَلاَثاً، ونزلَتْ الآية فيه، فحضر القصَّةَ قريبٌ لثعلبة، فخرج إِليه، فقال: أَدْرِكْ أَمرك، فقد نَزَلَ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم، فَرَغِبَ أَنْ يؤدِّي زكاتَهُ، فأعرض عنه رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَلاَّ آخُذَ زَكَاتَكَ» ، فبقي كذلك حتّى توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم وَرَدَ ثَعلبةُ على أبي بَكْر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغَبُ إِلى كلِّ واحد منهم أنْ يأخذ منه الزكاةَ، فكلّهم ردّ ذلك وأباه اقتداء بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبقي ثعلبةُ كذلك حتى هَلَكَ في مدَّة عثمان «٢» .
وفي قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ: نصٌّ في العقوبة على الذَّنْب بما هو أشدُّ منه.
وقوله: إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ: يقتضي موافاتَهُمْ على النّفاق، قال ابن العربيّ: في ضمير
يَلْقَوْنَهُ قولان:
أحدهما: أنه عائدٌ على اللَّه/ تعالى.
والثاني: أنه عائدٌ على النفاقِ مجازاً على تقدير الجَزَاءِ كأنه قال: فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إِلى يَوْمِ يلقون جَزَاءَهُ.
انتهى من «الأحكام» .
ويَلْمِزُونَ: معناه: ينالون بألسنتهم، وأكثر الروايات في سَبَبِ نزول الآية أَنَّ عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ تصدَّق بأربعة آلاف، وأمْسَكَ مثلها.
وقيل: هو عمر بنُ الخطَّاب تصدَّق بِنِصْفِ مالِهِ، وقيل: عاصمُ بْنُ عَدِيٍّ «١» تصدَّق بمائَةِ وَسْقٍ «٢» ، فقال المنافقون: ما هذا إِلا رياء، فنزلَتِ الآية في هذا كلِّه، وأما المتصدِّق بقليل، فهو أبو عقيل تصدَّق بصاعٍ من تمرٍ، فقال بعضهم: إِن اللَّه غنيٌّ عن صاعِ أبي عقيل، وخرَّجه البخاريُّ «٣» ، وقيل: إِن الذي لُمِزَ في القليلِ هو أبو خَيْثَمَةَ قاله كعب بن مالك «٤» .
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ: معناه: يستهزئون ويستخفُّونْ وروى مسلم عن جرير بن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ الأنْصارِيَّ، أتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَقالَ: "وَيْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ" قالَ: ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى، فَقالَ: "أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ؟
فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ شِئْتُ أنْ تَسِيرَ مَعِيَ الجِبالُ ذَهَبًا وفِضَّةً، لَسارَتْ" فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَئِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، لَأُوتِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مالًا" فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ فَضاقَتْ عَلَيْهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى عَنْها، ونَزَلَ وادِيًا مِن أوْدِيَتِها، حَتّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ في جَماعَةٍ، ويَتْرُكُ ما سِواهُما.
ثُمَّ نَمَتْ، حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلى الجُمْعَةِ، ثُمَّ نَمَتْ، فَتَرَكَ الجُمْعَةَ.
فَسَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ، فَأخْبَرَ خَبَرَهُ، فَقالَ: "يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ، يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ" وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ ، وأنْزَلَ فَرائِضَ الصَّدَقَةِ؛ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلَيْنِ عَلى الصَّدَقَةِ، وكُتَبَ لَهُما كِتابًا يَأْخُذانِ الصَّدَقَةَ، وقالَ: "مَرّا بِثَعْلَبَةَ، وبِفُلانٍ" رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِيمٍ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا ثَعْلَبَةَ، فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ، وأقْرَآَهُ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ : فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، ما أدْرِي ما هَذا، انْطَلِقا حَتّى تَفْرَغا ثُمَّ تَعُودا إلَيَّ.
فانْطَلَقا؛ فَأخْبَرَ السُّلَمِيَّ، فاسْتَقْبَلَهُما بِخِيارِ مالِهِ، فَقالا: لا يَجِبُ هَذا عَلَيْكَ؛ فَقالَ: خُذاهُ، فَإنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ؛ فَأخَذا مِنهُ.
فَلَمّا فَرَغا مِن صَدَقَتِهِما، مَرّا بِثَعْلَبَةَ فَقالَ: أرُونِي كِتابَكُما، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِيَ، فانْطَلَقا، فَأخْبَرا رَسُولَ اللَّهِ بِما كانَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ ، وكانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ مِن أقارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَخَرَجَ إلى ثَعْلَبَةَ، فَأخْبَرَهُ؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: "إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ صَدَقَتَكَ"؟
فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ.
فَقالَ: "هَذا عَمَلُكَ، قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي" .
فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ، ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولِيَ أبُو بَكْرٍ، سَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ، فَأبى.
فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ، سَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ، فَأبى.
فَلَمّا ولِيَ عُثْمانُ، سَألَهُ أنْ يَقْبَلَها؛ فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْها؛ وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.» رَوى هَذا الحَدِيثَ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرَّ ثَعْلَبَةُ عَلى مَجْلِسٍ، فَأشْهَدَهم عَلى نَفْسِهِ: لَئِنْ آَتانِيَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، آَتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقٍّ، حَقَّهُ وفَعَلْتُ كَذا وكَذا.
فَآَتاهُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَأخْلَفَ ما وعَدَ؛ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا شَأْنَهُ.
والثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ، كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ، فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لَهُ جُهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ آَتانا مِن فَضْلِهِ، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ، ولَأصِلَنَّ، فَأتاهُ ذَلِكَ المالُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: والرَّجُلُ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ ثَعْلَبَةَ، ومُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، خَرَجا عَلى مَلَإٍ، فَقالا: واللَّهِ لَئِنْ رَزَقَنا اللَّهُ لَنَصَّدَّقَنَّ.
فَلَمّا رَزَقَهُما، بِخِلا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنْ نَبْتَلَ بْنَ الحارِثِ، وجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، ومُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، قالُوا: لَئِنْ آَتانا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ.
فَلَمّا آَتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنهُمْ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿ مَن عاهَدَ اللَّهَ ﴾ أيْ: قالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ (لَنَصَّدَّقَنَّ) الأصْلُ: لَنَتَصَدَّقَنَّ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ لِقُرْبِها مِنها.
﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: لَنَعْمَلَنَّ ما يَعْمَلُ أهْلُ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ.
وقَدْ رَوى كَهْمَسٌ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ ﴾ ؟
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنهم مَن عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مَن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مَن الصالِحِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللهَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الأنْصارِيِّ، وقالَ الحَسَنُ: وفي مَعْتَبِ بْنِ قُشَيْرٍ مَعَهُ، واخْتِصارُ ما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أمْرِهِ «أنَّهُ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَ لِي مالًا فَإنِّي لَوْ كُنْتُ ذا مالٍ لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ وفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرادَّهُ رَسُولُ اللهِ وقالَ: "قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ"، فَعاوَدَ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "ألا تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، لَوْ دَعَوْتُ اللهَ أنْ تَسِيرَ الجِبالُ مَعِي ذَهَبًا لَسارَتْ؟"، فَأعادَ عَلَيْهِ حَتّى دَعا لَهُ رَسُولُ اللهِ بِذَلِكَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُودُ حَتّى ضاقَتْ بِهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى عنها، وكَثُرَتْ غَنَمُهُ، فَكانَ لا يُصَلِّي إلّا الجُمْعَةَ، ثُمَّ كَثُرَتْ حَتّى تَنَحّى بَعِيدًا ونَجَمَ نِفاقُهُ، ونَزَلَ خِلالَ ذَلِكَ فَرْضُ الزَكاةِ عَلى رَسُولِ اللهِ ، فَبَعَثَ مُصَدِّقِينَ بِكِتابِهِ في أخْذِ زَكاةِ الغَنَمِ، فَلَمّا بَلَغُوا ثَعْلَبَةَ وقَرَأ الكِتابَ قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: دَعُونِي حَتّى أرى رَأْيِي، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللهِ وأخْبَرُوهُ، قالَ: "وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" ثَلاثًا، ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وحَضَرَ القِصَّةَ قَرِيبٌ لِثَعْلَبَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقالَ: أدْرِكْ أمْرَكَ، فَقَدْ نَزَلَ كَذا وكَذا، فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتّى أتى رَسُولَ اللهِ فَرَغِبَ أنْ يُؤَدِّيَ زَكاتَهُ، فَأعْرَضَ عنهُ رَسُولُ اللهِ وقالَ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ لا آخُذَ زَكاتَكَ"، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ ورَدَ ثَعْلَبَةُ عَلى أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عَلى عُمْرَ ثُمَّ عَلى عُثْمانَ يَرْغَبُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَأْخُذَ مِنهُ الزَكاةَ، فَكُلَّهم رَدَّ ذَلِكَ وأباهُ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللهِ ، فَبَقِيَ ثَعْلَبَةُ كَذَلِكَ حَتّى هَلَكَ في مُدَّةِ عُثْمانَ».
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأعْقَبَهُمْ ﴾ نَصُّ المُعاقَبَةِ عَلى الذَنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ يَقْتَضِي مُوافاتَهم عَلى النِفاقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ الخُلَفاءُ رَضِيَ اللهُ عنهم رُجُوعَ ثَعْلَبَةَ لِشَهادَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ، ولَوْلا الِاحْتِمالُ في أنَّهُ نِفاقُ مَعْصِيَةٍ لَوَجَبَ قَتْلُهُ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِنَصَّدَّقَنَّ" بِالنُونِ الثَقِيلَةِ مِثْلَ الجَماعَةِ، "وَلَنَكُونَنْ" خَفِيفَةَ النُونِ.
والضَمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: "فَأعْقَبَهُمْ" يَعُودُ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى البُخْلِ المُضَمَّنِ في الآيَةِ، ويَضْعُفُ ذَلِكَ الضَمِيرُ في "يَلْقَوْنَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ ويَكُونُ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ نِفاقًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تُرِكَ في أوَّلِ الزَكاةِ عِقابًا لَهُ ونَكالًا.
وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ ألّا يُؤَدِّيَ الزَكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ: لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ.
وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وسائِرُهُمْ: "يَكْذِبُونَ" خَفِيفَةً، قَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يُكَذِّبُونَ" مُشَدَّدَةً.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُناسِبُها مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ : « "ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، إذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ"» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "وَإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ"» ونَحْوُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ، ويَظْهَرُ مِن مَذْهَبِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الخِلالَ الذَمِيمَةَ مُنافِقٌ مَنِ اتَّصَفَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
ورُوِيَ أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ لَمّا احْتُضِرَ قالَ: "زَوِّجُوا فُلانًا فَإنِّي قَدْ وعَدْتُهُ، لا ألْقى اللهَ بِثُلْثِ النِفاقِ"، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الخِلالَ إخْوَةُ يُوسُفَ ولَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانُوا أنْبِياءَ"، وهَذِهِ الأحادِيثُ إنَّما هي في المُنافِقِينَ في عَصْرِ النَبِيِّ ، الَّذِينَ شَهِدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الخِصالُ في سائِرِ الأُمَّةِ مَعاصٍ لا نِفاقٌ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ الحَسَنَ رَجَعَ إلى هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَحالَةَ أنَّها كانَتْ مَعَ التَوْحِيدِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ مَعاصٍ، لَكِنَّها مِن قَبِيلِ النِفاقِ اللُغَوِيِّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: كانَ العَهْدُ الَّذِي عاهَدَ اللهَ عَلَيْهِ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ شَيْئًا نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الآيَةُ، لَفْظٌ تَعَلَّقَ بِهِ مَن قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: إنَّ العَهْدَ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ بِالنِيَّةِ لا بِالقَوْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْلَمُوا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ: "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تُناسِبُ حالَهُمْ، وذَلِكَ أنَّها تَضَمَّنَتْ إحاطَةَ عِلْمِ اللهِ بِهِمْ وحَصْرِهِ لَهُمْ، وفِيها تَوْبِيخُهُمْ، عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَحَدُّثِ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى ثَلْبِ الإسْلامِ، وراحَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في جِهَةِ النَبِيِّ وشَرْعِهِ، فَهي تَعُمُّ المُنافِقِينَ أجْمَعَ، وقائِلُ المَقالَةِ المَذْكُورَةِ ذَهَبَ إلى أنَّها تَخْتَصُّ بِالفِرْقَةِ الَّتِي عاهَدَتْ.
<div class="verse-tafsir"
قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب من المنافقين سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بسعة الرزق فدعا له فأثرى إثرَاءً كثيراً فلمّا جاءه المصدّقون ليعطي زكاة أنعامه امتنع من ذلك ثم ندم فجاء بصدقته فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها منه.
وذكروا من قصته أنّه تاب ولكن لم تقبل صدقته في زمن النبي ولا في زمن الخلفاء الثلاثة بعده عقوبة له وإظهاراً للاستغناء عنه حتّى مات في خلافة عثمان، وقد قيل: إنّ قائل ذلك هو معتِّب بن قشير، وعلى هذا فضمائر الجمع في لنصدّقنّ وما بعده مراد بها واحد وإنّما نسبت الفعل إلى جماعة المنافقين على طريقة العرب في إلصاق فعل الواحد بقبيلته.
ويحتمل أنّ ثعلبة سأل ذلك فتبعه بعض أصحابه مثل معتب بن قشير فأوتي مثل ما أوتي ثعلبة وبخل مثل ما بخل وإن لم تجئ فيه قصة كما تقدّم آنفاً.
وجملة ﴿ لنصدقن ﴾ بيان لجملة ﴿ عاهد الله ﴾ وفعل ﴿ لنصدقن ﴾ أصله لنتصدقن فأدغم للتخفيف.
والإعراض: إعراضهم عن عهدهم وعن شكر نعمة ربّهم.
و ﴿ أعقبهم نفاقاً ﴾ جعل نفَاقاً عَقب ذلك أي إثْرَه ولمّا ضمن أعقب معنى أعطى نصب مفعولين والأصل أعقبهم بنفاق.
والضمير المستتر في أعْقَبهم للمذكور من أحوالهم، أو للبخل المأخوذ من بَخلوا، فإسناد الإعقاب مجاز عقلي، أو يعود إلى اسم الله تعالى في قوله ﴿ من عاهد الله ﴾ أي جَعل فعلهم ذلك سبباً في بقاء النفاق في قلوبهم إلى مَوتهم، وذلك جزاء تمرّدهم على النفاق.
وهذا يقتضي إلى أنّ ثعلبة أو معتِّبا ماتَ على الكفر وأنّ حرصه على دفع صدقته رياء وتقية وكيف وقد عُدّ كلاهما في الصحابة وأوّلهما فيمن شَهد بدراً، وقيل: هما آخران غيرهما وافقا في الاسم.
فيحتمل أن يكون أطلق النفاق على ارتكاب المعاصي في حالة الإسلام وهو إطلاق موجود في عصر النبوءة كقول حنظلة بن الربيع للنبيء صلى الله عليه وسلم يا رسول الله «نافَق حنظلة».
وذكر ارتكابه في خاصّته ما ظنّه معصية ولم يغيّر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولكن بَيَّن له أنّ ما توهّمه ليس كما توهّمه، فيكون المعنى أنّهم أسلموا وبقُوا يرتكبون المعاصي خلاف حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد يومئ إلى هذا تنكير ﴿ نفاقاً ﴾ المفيد أنّه نفاق جديد وإلاّ فقد ذُكروا منافقين فكيف يكون النفاق حاصلاً لهم عقب فعلهم هذا.
واللقاء مصادفة الشيءِ شيئاً في مكان واحد.
فمعنى إلى يوم يلقونه إلى يوم الحشر لأنّه يومُ لقاء الله للحساب، أو إلى يوم الموت لأنّ الموت لقاء الله كما في الحديث " من أحبّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه " ، وفسّره بأنّه محبّة تعرض للمؤمن عند الاحتضار.
وقال بعض المتقدّمين من المتكلّمين: إنّ اللقاء يقتضي الرؤية، فاستدلّ على ثبوت رؤية الله تعالى بقوله تعالى: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ من سورة الأحزاب (44) فنقَض عليهم الجُبَّائي بقول: إلى يوم يلقونه } في هذه الآية فإنّ الاتّفاق على أنّ المنافقين لا يَرون الله.
وقد تصدّى الفخر لإبطال النقض بما يصيّر الاستدلال ضعيفاً، والحقّ أنّ اللقاء لا يستلزم الرؤية.
وقد ذكر في «نفح الطيب» في ترجمة أبي بكر بن العربي قصةً في الاستدلال بآية الأحزاب على بعض معتزلة الحنابلة ونقض الحنبلي المعتزلي عليه بهذه الآية.
والباء للسببية أو للتعليل، أي بسبب إخلافهم وعد ربّهم وكذبهم.
وعبّر عن كذبهم بصيغة ﴿ كانوا يكذبون ﴾ لدلالة كان على أنّ الكذب كائن فيهم ومتمكّن منهم ودلالة المضارع على تكرّره وتجدّده.
وفي هذا دلالة على وجوب الحذر من إحداث الأفعال الذميمة فإنّها تفسد الأخلاق الصالحة ويزداد الفساد تمكّناً من النفس بطبيعة التولّد الذي هو ناموس الوجود.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ ﴾ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الأنْصارِيِّ.
وَفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ خافَ هَلاكَهُ فَنَذَرَ أنْ يَتَصَدَّقَ مِنهُ، فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ بَخِلَ بِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّ مَوْلًى لِعُمَرَ قَتَلَ رَجُلًا لِثَعْلَبَةَ فَوَعَدَ إنْ أوْصَلَ اللَّهُ الدِّيَةَ إلَيْهِ أخْرَجَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِنها، فَلَمّا وصَلَتْ إلَيْهِ بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يُخْرِجَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَقِيلَ «إنَّ ثَعْلَبَةَ لَمّا بَلَغَهُ ما نَزَلَ فِيهِ أتى رَسُولَ اللَّهِ ، فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ صَدَقَتَهُ فَقالَ: (إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ صَدَقَتَكَ فَجَعَلَ يَحْثِي عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ شَيْئًا).» <div class="verse-tafsir"
أخرج الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والباوردي وأبو نعيم في معرفة الصحابة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: «جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا.
قال: ويحك يا ثعلبة...
!
أما ترضى أن تكون مثلي؟
فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي لسارت.
قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه.
قال: ويحك يا ثعلبة...
!
قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيق شكره.
فقال: يا رسول الله، ادع الله تعالى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ ارزقه مالاً.
فاتَّجَرَ واشترى غنماً فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها- فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل، ثم نمت كما ينمو الدود فتنحى بها، فكان لا يشهد الصلاة بالنهار ولا بالليل إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى به، فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار.
وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه؟
فأخبروه أنه اشترى غنماً، وأن المدينة ضاقت به وأخبروه بخبره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويح ثعلبة بن حاطب...
!
ثم إن الله تعالى أمر رسوله أن يأخذ الصدقات، وأنزل الله تعالى ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ [ التوبة: 103] الآية.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين، رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقات، فكتب لهما اسنان الابل والغنم كيف يأخذانها على وجهها، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم، فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة.
فقال: ارياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى تفرغا ثم مرا بي.
قال: فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا: إنما عليك دون هذا.
فقال: ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي!
فقبلاه، فلما فرغا مرا بثعلبة فقال: أرياني كتابكما.
فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية.
انطلقا حتى أرى رأيي.
فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما: ويح ثعلبة بن حاطب.
ودعا للسليمي بالبركة، وأنزل الله: ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ﴾ الثلاث آيات.
قال: فسمع بعض من أقارب ثعلبة فأتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة...
!
أنزل الله فيك كذا وكذا.
قال: فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه صدقة مالي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد منعني أن أقبل منك قال: فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى.
ثم أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر اقبل مني صدقتي، فقد عرفت منزلتي من الأنصار.
فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟!
فلم يقبلها أبو بكر، ثم ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي.
وتوسل إليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا؟!
فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمان فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلت ﴿ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ﴾ [ التوبة: 79] قال: وذلك في الصدقة» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ﴾ وذلك أن رجلاً كان يقال له ثعلبة من الأنصار، أتى مجلساً فاشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت منه وجعلت منه للقرابة.
فابتلاه الله فأتاه من فضله.
فخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده نقص الله شأنه في القرآن.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وذلك بأن الله تعالى يقول ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق.
إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان.
وتلا هذه الآية ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث.
إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» .
وأخرج أبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت بالثلاث التي تذكر في المنافق.
إذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، فالتمستها في الكتاب زماناً طويلاً حتى سقطت عليها بعد حين، وجدنا الله تعالى يذكر فيه ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ﴾ إلى قوله: ﴿ وبما كانوا يكذبون ﴾ و ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ﴾ [ الأحزاب: 72] إلى آخر الآية ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ [ المنافقون: 1] إلى قوله: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ [ المنافقون: 1] .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رجلاً من الأنصار هو الذي قال هذا، فمات ابن عم له فورث منه مالاً فبخل به ولم يف الله بما عاهد عليه، فأعقبه بذلك نفاقاً إلى أن يلقاه قال: ذلك ﴿ بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي قلابة قال: مثل أصحاب الأهواء مثل المنافقين كلامهم شتى وجماع أمرهم النفاق، ثم تلا ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ ﴿ ومنهم من يلمزك ﴾ [ التوبة: 58] ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ [ التوبة: 61] .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ﴾ قال: «اجتنبوا الكذب فإنه باب من النفاق، وعليكم بالصدق فإنه باب من الإِيمان، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدث» أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء بالتوراة لبني إسرائيل قالت بنو إسرائيل: إن التوراة كثيرة، وانا لا نفرغ لها فسل لنا جماعاً من الأمر نحافظ عليه ونتفرغ لمعايشنا.
قال: مهلاً مهلاً أي قوم، هذا كتاب الله وبيان الله ونور الله وعصمة الله.
فردوا عليه مثل مقالتهم، فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرب تبارك وتعالى: فإني آمرهم إن هم حافظوا عليهن دخلوا الجنة بهن: أن يتناهوا إلى قسمة مواريثهم ولا يتظالموا فيها، وأن لا يدخلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم، وأن لا يطعموا طعاماً حتى يتوضأوا كوضوء الصلاة.
فرجع موسى عليه السلام إلى قومه بهن ففرحوا، ورأوا أن سيقومون بهن، فوالله إن لبث القوم إلا قليلاً حتى جنحوا فانقطع بهم فلما حدث نبي الله صلى الله عليه وسلم هذا عن بني إسرائيل قال: تكفلوا لي بست أتكفل لكم بالجنة.
إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا ائتمنتم فلا تخونوا، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، وفروجكم «قال قتادة: شداد والله إلا من عصم الله» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ﴾ الآية، المعاهدة: معاقدة بعزيمة تتحقق بذكر الله، نحو: علي عهد (١) (٢) (٣) وقال أبو أمامة الباهلي: (عاود ثعلبة رسول الله - - مرارًا كل ذلك يقول: ادع الله أن يرزقني مالاً ورسول الله - - يقول له: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" حتى قال: والذي بعثك بالحق نبيًا (٤) -: "اللهم ارزق ثعلبة مالًا" فاتخذ غنمًا وكثر ماله حتى اشتغل به عن الصلاة مع رسول الله - -، وخرج عن المدينة، ومنع الزكاة، وبلغ من أمره ما قص الله في كتابه) (٥) .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وقوله تعالى: ﴿ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ ، قال الزجاج: (الأصل: لنتصدقن ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها) (٦) قال الليث: (المتصدق: المعطي والمتصدق: السائل) (٧) (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ أي لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم، والنفقة في الخير، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد الحج) (١١) (١٢) وقال الضحاك: (نزلت هذه الآيات في رجال من المنافقين سماهم، بسط الله لهم الدنيا فبخلوا بها بعدما عاهدوا أن يتصدقوا) (١٣) (١) في (ح): (عبد)، وهو خطأ جلي.
(٢) هو: ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن عوف بن عمرو بن عوف الأوسي الأنصاري صحابي جليل شهد بدرًا وأحدًا، واختلف في وفاته فقيل: إنه قتل يوم أحد، وقيل: يوم خيبر، وقيل: مات بعد ذلك، وهو بريء من هذه القصة المفتراة، وللعلماء في تبرئته منها طريقتان: الأولى: بيان زيف هذه القصة، وهذا دليل على براءة هذا الصحابي البدري منها، وسيأتي بيان ذلك.
الثانية: أن صاحب هذه القصة رجل آخر غير البدري موافق له في الاسم، وهذا رأي الحافظ ابن حجر حيث ذكر في "الإصابة" 1/ 198 رجلين بهذا الاسم، أحدهما البدري، والآخر صحاب القصة وهو ممن شارك في بناء مسجد الضرار، ثم قال: (وفي كون صاحب القصة إن صح الخبر ولا أظنه يصح هو البدري قبله نظر، وقد تأكدت المغايرة بينهما بقول ابن الكلبي: (إن البدري استشهد بأحد، ويقوي ذلك أيضًا أن ابن مردويه روى في "تفسيره" من طريق عطية عن ابن عباس في الآية المذكورة، قال: وذلك أن رجلاً يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسًا فأشهدهم فقال: ﴿ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ ﴾ الآية، فذكر القصة بطولها، فقال: إنه ثعلبة بن أبي حاطب، والبدري اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب، وقد ثبت أنه - - قال: "لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية"، وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم) فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقًا في قلبه، وينزل فيه ما نزل؟
فالظاهر أنه غيره).
ومحاولة الحافظ ابن حجر إثبات شخصية تلصق بها القصة إنما هو لتبرئة البدري، وهو بريء منها دون هذه المحاولة التي لم تستند إلى برهان علمي لما يأتي: 1 - أن الحافظ ابن حجر قال في الكلام السابق: (إن صح الخبر وما أظنه يصح)، وجزم بعدم صحته في "تخريج أحاديث الكشاف" فقال: (هذا إسناد ضعيف جداً) اهـ.
والخبر الضعيف جدًا لا يثبت شيئاً.
== 2 - أن حديث ابن عباس الذي ذكره باطل كما سيأتي، فكيف يؤكد المغايرة بين الشخصين.
3 - أن ابن الكلبي -وهو هشام بن محمد المؤرخ النسابة- متروك.
انظر: "المغني في الضعفاء" 2/ 711 بل متهم بالوضع والاختلاق، كما في كتاب "التنبيه على حدوث التصحيف" ص 118، 119 فخبر مثله لا يؤكد شيئًا ولا يقويه.
وبهذا يتأكد أنه لا يوجد إلا شخص واحد بهذا الاسم، وقد جزم بذلك الإمام الذهبي فلم يذكر في كتابه "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 66 سوى البدري، ونسبة القصة إليه محض اختلاق كما سيأتي بيان ذلك.
(٣) الأثر عن ابن عباس رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 189، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1847، بسند مسلسل بالضعفاء وبعضهم أشد ضعفًا من بعض، ومنهم: أ- الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، قال ابن معين والنسائي وأبو حاتم: ضعيف، وقال ابن حبان: يروي أشياء لا يتابع عليها ..
لا يجوز الاحتجاج بخبره، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث.
انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 29، وضعفاء العقيلي 1/ 250، و"المجروحين" لابن حبان 1/ 246، و"الكامل" 3/ 237 (492)، و"طبقات ابن سعد" 7/ 331، و"لسان الميزان" 2/ 278.
ب- الحسن بن عطية بن سعد العوفي، قال ابن حبان في كتاب "المجروحين" 1/ 234: (منكر الحديث، فلا أدري البلية في أحاديثه منه أو من أبيه أو منهما معًا؟
لأن أباه ليس بشيء في الحديث، وأكثر روايته عن أبيه، فمن هنا اشتبه أمره، ووجب تركه).
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" 2/ 301: (ليس بذاك).
وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص 162 (1256): (ضعيف).
جـ- عطية بن سعد العوفي قال ابن حبان في كتاب "المجروحين" 2/ 176: (لا يحل الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب) اهـ.
== ومن عجائبه أنه كنى الكلبي المتهم بالكذب أبا سعيد، ثم حدث عنه بهذه الكنية فيتوهم من يسمعه أنه يحدث عن أبي سعيد الخدري، ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" 3/ 114، ثم ذكر من ضعفه ومنهم علي بن المديني وأحمد وأبو داود والساجي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن عدي، وشذ ابن سعد فقال: (ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به).
وبهذا يتبين أن خبر ابن عباس هذا ضعيف جدًّا.
وأما أثر سعيد بن جبير فقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 130 ب بغير سند، إذ أن الثعلبي ذكر أسانيده في المقدمة ولم يذكر سنده إلى سعيد بن جبير.
وأما أثر قتادة فقد رواه ابن جرير 10/ 190 بلفظ: (ذكر لنا أن رجلاً من الأنصار أتى على مجلس من الأنصار فقال: لئن آتاه الله مالاً ليؤدين إلى كل ذي حق حقه، فأتاه الله مالاً فصنع فيه ما تسمعون).
وفي هذا الأثر مجهول، إذ لم يسم قتادة من حدثه به، ثم إنه ليس في هذا الأثر ذكر لثعلبة ولا لغيره.
(٤) ساقط من (ى).
(٥) هذا بعض أثر طويل رواه ابن جرير في "تفسيره" 10/ 189، والبيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 289، والطبراني في "المعجم الكبير" 8/ 260 رقم (7873)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1847 - 1849، وغيرهم كما في "الدر المنثور" 3/ 467 وفي سنده عدة رجال مجروحين منهم: أ- معان بن رفاعة السلامي الدمشقي، وثقه أحمد وعلي بن المديني ودحيم، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن معين: ضعيف، وقال الجوزجاني: ليس بحجة، وقال ابن حبان: منكر الحديث، يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام == مجاهيل، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، فلما صار الغالب في رواياته ما ينكره القلب استحق ترك الاحتجاج به، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
ولخص الحافظ ابن حجر حاله فقال في "التقريب": (لين الحديث، كثير الإرسال).
انظر ترجمته في: "الضعفاء" للعقيلي 4/ 256، و"الكامل" 8/ 1808، و"الميزان" 5/ 259 (8619)، و"تهذيب التهذيب" 4/ 104.
ب- علي بن يزيد الألهاني الشامي، قال البخاري: (منكر الحديث) وقال النسائي: (متروك) وكذلك قال الأزدي والدارقطني والبرقي، وقال الحاكم أبو أحمد: (ذاهب الحديث) وقال الساجي: (اتفق أهل العلم على ضعفه).
وقال ابن حبان: (إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم) اهـ.
وعلق الحافظ ابن حجر على هذا القول بقوله: (وليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد).
انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 3/ 301، و"الكامل" 6/ 1338، و"المجروحين" 2/ 110، و"تهذيب التهذيب" 3/ 199، 334.
جـ- القاسم بن عبد الرحمن الشامي أبو عبد الرحمن الدمشقي، كان عابدًا متقشفًا وثقه البخاري وابن معين والترمذي وغيرهم، وقال الإمام أحمد: (منكر الحديث، ما أرى البلاء إلا من قبل القاسم)، وقال ابن حبان: (يروي عن أصحاب رسول الله - - المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشاء المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها).
انظر: "الضعفاء" للعقيلي 3/ 476، و"المجروحين" 2/ 211، و"تهذيب التهذيب" 8/ 280.
وبهذا يتين تهافت هذا الخبر، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 108 (فيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك).
وقال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشافي" ص 77: (رواه الطبراني والبيهقي في "الدلائل" و"الشعب" وابن أبي حاتم، والطبري وابن مردويه كلهم من طريق علي ابن يزيد الألهانى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، وهذا إسناد ضعيف جداً).
= (٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 462.
(٧) "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1991 وقد وهم الأزهري في فهم عبارة كتاب "العين"، إذ نص العبارة فيه: والمتصدق: المعطى للصدقة، وأصدق: أخذ الصدقات من الغنم، قال الأعشى: ودَّ المصَدّق من بني عمرو ...
أن القبائل كلها غنم كتاب "العين" (صدق) 5/ 57.
فهو يريد بالمصدق العامل على الصدقات وليس السائل بدلالة استشهاده ببيت الشعر، ثم هو لم يقل المتصدق، كما قال الأزهري.
(٨) ساقط من (ى).
(٩) "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1991.
(١٠) المصدر السابق، نفس الموضوع.
(١١) ذكره الزمخشري في "الكشاف" 2/ 203.
(١٢) في (ي): (علينا).
(١٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 131 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، وذلك أنه قال يا رسول الله: ادع الله أن يكثر مالي.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فأعاد عليه حتى دعا له فكثر ماله، فتشاغل به حتى ترك الصلوات، ثم امتنع من أداء الزكاة، فنزلت فيه الآية فجاء بزكاته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنه ولم يأخذها منه، وقال: إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك، ثم لم يأخذها منه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ﴿ بَخِلُواْ بِهِ ﴾ إشارة إلى منعه الزكاة ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً ﴾ عقوبة على العصيان بما هو أشد منه ﴿ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ حكم بوفاته على النفاق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والمؤتفكات ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن قالون والأعشى وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ والمؤتفكات ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب.
﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ م لما مر.
﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ سيرحمهم الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ما قالوا ﴾ ط ﴿ لم ينالوا ﴾ ج ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ج ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ من الصالحين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ علام الغيب ﴾ ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم.
وكونه بدلاً من الضمير في ﴿ نجواهم ﴾ ﴿ فيسخرون منهم ﴾ ط.
﴿ سخر الله منهم ﴾ ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم.
﴿ أليم ﴾ ه.
التفسير: لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيب الأنبياء والاشتغال بالنعيم الزائل بين أن أولئك الكفار من هم فذكر ست طوائف سمع العرب أخبارهم لأن بلادهم - وهي الشام - قريبة من بلادهم وقد بقيت آثارهم مشاهدة، ولهذا صدر الكلام بحرف الاستفهام للتقرير.
فأوّلهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم: قوم عاد وأهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: ثمود وأخمدوا بالصيحة، ورابعهم: قوم إبراهيم سلط الله عليهم البعوض وكفى شر ملكهم وهو نمرود ببعوضة واحدة سلطها على دماغه.
وخامسهم: أًصحاب مدين قوم شعيب أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات قوم لوط أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن جعل مدائنهم عاليها سافلها.
والائتفاك الانقلاب سميت مدائنهم بذلك لأن الله قلبها عليهم.
ويمكن أن يراد بالمؤتفكات الناس لانقلاب أحوالهم من الخير إلى الشر.
ثم قال ﴿ أتتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالمعجزات ولا بد بعد هذا من إضمار والتقدير فكذبوهم فأهلكهم الله.
﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ قالت المعتزلة: أي ما صح منه الظلم ولكنهم استحقوا ذلك بسبب كفرهم، وقد مر الكلام في أمثال ذلك.
ثم بين أن شأن المؤمنين في الدنيا والآخرة بخلاف المنافقين فقال ﴿ والمؤمنون ﴾ الآية قال بعض العلماء: إنما قال ههنا ﴿ أولياء بعض ﴾ وهناك ﴿ من بعض ﴾ لأن نفاق أتباع المنافقين حصل بسبب التقليد لأكابرهم بمقتضى الطبع والعادة بخلاف الموافقة بين المؤمنين فإنها بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية.
وأقول: كون بعض المنافقين من بعض يوجب اشتراكهم في أمر من الأمور بالجملة كالدار أو حكم من الأحكام الشرعية أو سيرة وطريقة وهذا هو المقصود، ولكنه يحتمل أن يكون تكلفاً أو بطريق النفاق لأن سببه انعقاد غرض من الأغراض الدنيوية العاجلة فذكر الله اشتراكهم في ذلك بلفظ "من" لمكان الاحتمال المذكور.
وأما تشارك المؤمنين في السيرة فلما كان سبببه الإخلاص والعصبية للدين والاجتماع على ما يفضي إلى سعادة الدارين كانت الموالاة بينهم محققة فصرح الله بذلك.
ثم وصفهم بأضداد صفات المنافقين فقال ﴿ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان بالنسبة إلى غيرهم.
ثم قال ﴿ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ وهاتان لهم في أنفسهم وهما بإزاء قوله في صفة المنافقين ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ .
ثم وصفهم بالطاعة على الإطلاق فقال ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ أي في كل ما يأتون ويذرون.
ثم ذكر ما أعدّ لهم من الثواب على سبيل الإجمال فقال ﴿ أولئك سيرحمهم الله ﴾ والسين تفيد المبالغة في إنجاز الوعد بالرحمة كما يؤكد الوعيد به إذا قلت سأنتقم منك يوماً يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ وفيه ترغيب للمؤمنين وترهيب للكافرين لأن العزيز هو من لا يمنع من مرادة في عباده من رحمة أو عقوبة.
والحكيم هو الذي يدبر عباده على وفق ما يقتضيه العدل والصلاح.
ثم فصل ما أجمل من الرحمة بقوله ﴿ وعد الله المؤمنين ﴾ الآية.
وقد كثر كلام أصحاب الآثار في معنى جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن ذلك فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله فقال: "هو قصر في الجنة من اللؤلؤ وفيه سبعون داراً من ياقوته حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة يعطى المؤمن من القوة ما يأتي على ذلك أجمع" .
وعن ابن عباس أنها دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر.
وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها قاله الأزهري.
وبطنان الأودية المواضع التي يستنقع فيها السيل واحدها بطن.
وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى.
وسائر الجنات حولها.
وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب.
فتهب الريح من تحت العرش فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض.
وقال عبد الله بن عمر: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد.
وفي هذه الأخبار دلالة على أن عدناً علم ويؤيده قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب ﴾ ولو لم يكن علماً لم يوصف بالمعرفة.
ولا ريب أن أصله صفة من قولك عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن للمكان الذي تخلق فيه الجواهر.
وعلى هذا فالجنات كلها جنات عدن.
إلا أن يغلب الاسم على بعضها.
﴿ ورضوان من الله ﴾ شيء يسير من رضاه ﴿ أكبر ﴾ من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وكرامة وكل خطب مع رضا المولى هين، وكل نعيم مع سخطه منغص.
وفيه دليل على أن السعادات الروحانية أعلى حالاً وأشرف مآلاً من السعادات الجسمانية بل لا نسبة لتلك اللذة والابتهاج إلى هذه على أن الاعتراف بالسعادات الجسمانية واجب من حيث الشرع ﴿ ذلك ﴾ الموعود والرضوان ﴿ هو الفوز العظيم ﴾ وحده دون ما يعده الناس فوزاً.
في الحديث "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟
فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أدخل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً" ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال المنافقين فقال ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ قال الضحاك: أي جاهد الكفار واغلظ على المنافقين لأن المنافق لا تجوز محاربته في ظاهر الشرع.
وضعف بأن النسق يأباه.
وقيل: المراد بهؤلاء المنافقين هم الذين عرفه الله حالهم فصاروا كسائر الكفرة فجاز قتالهم، وزيف بأنه وإن علم حالهم بالوحي إلا أنه مأمور بأن يحكم بالظاهر والقوم كانوا يظهرون الإسلام فكيف يجوز قتالهم؟
والصحيح أن الجهاد بذل المجهود في حصول المقصود وهو شامل للسيف واللسان، فالمراد جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة واغلظ عليهم في الجهادين جميعاً عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه بأن يكرهه ويبغضه ويتبرأ منه.
وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.
واعترض عليه بأن إقامة الحدود واجبة على كل فاسق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق.
واعتذر عنه بأنه قال ذلك لأن عنده أن كل فاسق منافق أو لأن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن رسول الله كونه منافقاً.
قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله فقال رسول الله : يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟
فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك فأنزل الله ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وعن قتادة أن رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبيّ يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبي الله فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية.
ومعنى قوله ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ أنهم أظهروا الكفر بعدما كانوا يظهرون الإسلام.
أما قوله ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ فهو الفتك برسول الله عند مرجعه من تبوك، وذلك أنه توافقخمسة عشر رجلاً منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر أخذ بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلام فالتفت فإذا هم قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا.
وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر بن قيس لرده على الجلاس بن سويد وقد مر في تفسير قوله ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم ﴾ وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله .
﴿ وما نقموا ﴾ وما أنكروا وما عابوا ﴿ إلا أن أغناهم ﴾ كقول القائل.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فظفروا بالغنائم وجمعوا الأموال.
وروي أنه قُتل للجلاس مولى فأمر رسول الله بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى، ثم استعطف قلوبهم بعد صدور هذه الجنايات العظيمة عنهم فقال ﴿ فإن يتوبوا يك ﴾ يعني ذلك الرجوع ﴿ خيراً لهم ﴾ وكان الجلاس ممن تاب فحسنت توبته ﴿ وإن يتولوا ﴾ يعرضوا عن التوبة ﴿ يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي واغتنام الأموال.
وقيل: بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب.
وقيل: في القبر وأما عذاب الآخرة فمعلوم ﴿ وما لهم في الأرض ﴾ يحتمل أرض الدنيا وأرض القيامة.
ثم بين أن هؤلاء كما ينافقون الرسول والمؤمنين فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه فقال ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ يروى عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال لرسول الله : ادع الله أن يرزقني مالاً فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه.
ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال فضة وذهباً لسارت.
فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأويتن كل ذي حق حقه.
فقال رسول الله : اللهم ارزق ثعلبة مالاً.
فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما.
ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل عنه رسول الله فأخبر خبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثاً وأنزل الله عز وجل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فبعث رسول الله رجلين على الصدقة رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وقال لهما.
مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما.
فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إليّ.
فانطلقا وأخبرا السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا عليك وما نريد أن نأخذ هذا منك.
قال: بلى خذوه فإن نفسي بها طيبة.
فأخذوها منه ثم رجعا على ثعلبة فقال: أروني كتابكما ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي.
فانطلقا حتى أتيا النبي فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة ثم نزلت الآية وعند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إليه وقال: يا ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا.
فخرج ثعلبة حتى أتى النبي فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك.
فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله : هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني.
فلما أبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله وقبض رسول الله ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله وموضعي من الأنصاري فاقبل صدقتي.
فقال: لم يقبلها رسول الله وأنا أقبلها؟
فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها في خلافة عثمان ولم يقبل صدقته واحد من الخلفاء اقتداء برسول الله .
وأقول وما ذاك إلا بشؤم اللجاج أولاً وآخراً.
قال بعض العلماء: المعاهدة أعم من أن تكون باللسان أو بالقلب.
وقال المحققون.
إنه لا بد من التلفظ بها لما روي أنه قال: "إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسهم ولم يتلفظوا به" ولأن قوله عز من قائل ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقن ﴾ ظاهره مشعر بالقول اللساني.
والمراد بالفضل إيتاء المال بطريق التجارة أو الاستغنام ونحوهما.
وأصل ﴿ لنصدقن ﴾ لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد.
والمصدق المعطي لا السائل كقوله ﴿ وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ﴾ ومعنى قوله ﴿ ولنكونن من الصالحين ﴾ عن ابن عباس أنه أراد الحج.
ولعل المراد إخراج كل ما يجب إخراجه إذ لا دليل على التقييد.
ثم وصفهم بصفات ثلاث فقال ﴿ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ﴾ فالبخل عبارة عن منع الحق الشرعي، والتولي نقض العهد، والإعراض أراد به الإحجام عن تكاليف الله وأن ذلك منهم عادة معتادة، ولترتب هذا الذم عل أمنع الصدقة ولإطلاق لفظة البخل عليه وهو في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب.
ذكر العلماء أن الصدقة الملتزمة في قوله ﴿ لنصدقن ﴾ هي الصدقة الواجبة.
وأن الرجل قد عاهد ربه أن يقول بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة.
إن وسع الله عليه دون ما يلتزنه الإنسان بالنذر من المندوبات إذ لا دليل في الآية على ذلك مع أن سبب النزول يأباه.
فإن قيل: الزكاة لا تلزم بسبب الالتزام وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحلول الحول.
قلنا إن قوله ﴿ لنصدقن ﴾ لا دليل فيه على الفور بل المراد لنصدقن في وقته الذي يليق به.
وفي الآية دلالة على أن الرجل حين عاهد بهذا العهد كان مسلماً ثم إنه لما بخل بالمال ولم يف بالعهد صار منافقاً ويؤكده قوله ﴿ فأعقبهم نفاقاً ﴾ عن الحسن وقتادة أن أعقب مسند إلى ضمير البخل أي أورثهم البخل نفاقاً متمنكاً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه وباعثاً عليه، وكذا التأويل إن جعل عائداً إلى التولي أو الإعراض.
وضعت بأن حاصل هذه الأمور كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق فى القلب لأن ترك الواجب عدم والنفاق جهل وكفر وهو أمر وجودي والعدم لا يؤثر في الوجود، ولأن هذا الترك قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه النفاق، ولأنه لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان الترك جائزاً شرعاً أو محرماً فسبب اختلافات الأحكام الشرعية لا يخرج السبب عن كونه مؤثراً، ولأن البخل أو التولي أو الإعراض هو بعينه خلاف ما وعدوا الله به فيصير تقدير الآية إن التولي أوجب النفاق بسبب التولي وهذا كلام كما ترى فلم يبق إلا أن يسند الفعل إلى الله فيكون فيه دليل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله، ومن هنا قال الزجاج: معناه أنهم لما ضلوا في الماضي فالله يضلهم عن الدين في المستقبل ومما يؤكد القول بأن الضمير في ﴿ أعقب ﴾ لله أن الضمير في قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ عائد إلى الله.
وللمعتزلة أن يقولوا: النفاق وإن سلم أنه وجودي لكنه أمر شرعي ولا يبعد جعل شيء عدمي أمارة عليه.
وأيضاً الترك المقرون بالتولي والإعراض لا نسلم أنه لا يحصل معه النفاق، ولا يلزم من كون الترك المحرم موجباً للكفر بجعل الشارع كون الترك الجائز كذلك، ولا نسلم أن البخل هو بعينه إخلاف الوعد والكذب بل قد يقع البخل من غير سبق وعد.
سلمنا عود الضمير إلى الله لكن من أين يلزم كونه خالقاً للكفر والنفاق، ولم لا يجوز أن يراد فأعقبهم الله العقوبة على النفاق بإحداث الغم في قلوبهم وضيق الصدور ما ينالهم من الذل والخوف، أو يراد فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا؟
ولأهل السنة أن يقولوا هذا عدول عن الظاهر مع أن الدلائل الدالة على وجوب انتهاء الكل إلى مشيئة الله وتقديره تعضد ما قلناه.
قال العلماء: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فعلى المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه.
ومذهب الحسن البصري أن نقض العهد يوجب النفاق لا محالة تمسكاً بهذه الآية وبقوله "ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وقال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله إنما ذكر قوله "ثلاث من كن فيه فهو منافق" في المنافقين خاصة الذين حدثوا رسول الله فكذبوه واؤتمنوا على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه.
ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره الله فيمن عاهده، وإذا أؤتمن على دين الله خان في السر وكان قلبه على خلاف لسانه.
ونقل أن واصل بن عطاء أرسل إلى الحسن رجلاً فقال: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم ﴿ فأكله الذئب ﴾ فكذبوا، ووعدوه في قولهم ﴿ وإنّا له لحافظون ﴾ فأخلفوا وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل تحكم بكونهم منافقين؟
فتوقف الحسن في مذهبه.
قال أهل التفسير: قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ دل على أن ذلك المعاهد يموت على ذلك وكان كما أخبر فيكون إخباراً بالغيب ومعجزاً.
قال الجبائي: هذا اللقاء لا شك أنه ليس بمعنى الرؤية لأن الكفار لا يرونه بالاتفاق فدل على أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ .
ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم الله وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم فقال ﴿ ألم يعلموا ﴾ الآية.
والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى ما يكون بين اثنين وأكثر مع الإخفاء عن غيرهم.
والترتيب يدل على التخليص كما مر في الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه ﴿ خلصوا نجياً ﴾ ومعنى الآية كيف تتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع أنه يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض؟!
عن ابن عباس أن رسول الله خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي.
فقال رسول الله : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم.
وقيل؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً.
وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله ﴿ الذين يلمزون المطوعين ﴾ أي المتطوعين فأدغمت.
والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب.
والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث.
وقال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم.
وفرق ابن السكيت بينهما فقال: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة.
وقال الشعبي: الأول في العمل والثاني في القوة ﴿ سخر الله منهم ﴾ خير لا دعاء كقوله ﴿ الله يستهزىء بهم ﴾ وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم.
وقال الأصم: المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله.
وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً.
التأويل: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿ يأمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله "فأحببت أن أعرف" ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ الحقيقية ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ ومساكن طيبة ﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿ يا أيها النبي ﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الانباء ﴿ جاهد ﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿ واغلظ عليهم ﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿ فمأواهم جهنم ﴾ القطيعة ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿ وما نقموا ﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ باستعداده الفطري ﴿ لئن آتانا من فضله ﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿ لنصدقن ﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿ وأن الله علام الغيوب ﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلق ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿ الغيوب ﴾ .
﴿ سخر الله منهم ﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ...
﴾ : قال بعضهم: نزلت الآية في ثعلبة بن حاطب، سأل رسول الله أن يدعو الله ليرزقه مالاً، وقال: ﴿ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
ومنهم من قال: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، أنه كان له أموال في الشام، فقال: لئن آتاني تلك الأموال لأصدقن وأكن من الصالحين، فقد آتاه الله تلك الأموال، فبخل ومنع ما وعد.
ومنهم من قال: نزلت في المنافقين جملة، ولكن ليست في شأن واحد منصوص مشار إليه، ولكن في المنافقين جملة، وهكذا كانت عادتهم أنهم إذا وعدوا شيئاً أخلفوا ولم يوفوا الوعد.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ﴾ أنه كان منافقاً وقت ما وعد الله، ووعد الله لئن أتاه من فضله ليصدقن، ويحتمل أنه لم يكن منافقاً في ذلك الوقت، لكنه صار بما بخل وكذب واعتقد الخلاف واستحل الخُلْف لما وعد - منافقاً، فإن كان إنما صار منافقاً بما بخل واستحل الخلاف له والمنع؛ فيكون قوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: أعقبهم الدوام على النفاق إلى يوم القيامة ببخلهم ومنعهم ما وعدوا؛ فيكون هذا كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ...
﴾ الآية.
وفي قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ﴾ إلى قوله: ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ ﴾ دلالة أن النذور يلزم أهلها الوفاء بها، ويؤاخذون بها إن تركوا الوفاء، ويكفرون إن استحلوا نقض ما عاهدوا.
وقوله: ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ قال بعضهم: من المؤمنين، فهو على تأويل من قال: إنه كان منافقاً وقتئذ.
ويحتمل ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: من الشاكرين.
وكذلك ذكر في الخبر أن ثعلبة لما سأل رسول الله أن يسأل الله له مالاً فقال: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي حقه.
أو كلام نحو هذا.
وقوله: ﴿ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ .
يحتمل: تولوا عن وفاء ما وعدوا، أو تولوا عن طاعة الله، ﴿ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ : أيضاً عن طاعة الله، أو معرضون عما وعدوا وعاهدوا أن يوفوا.
وقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ : قال بعضهم أثابهم نفاقاً بما بخلوا به إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: أعقبهم الدوام على النفاق ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ .
ينبغي للمسلم أن يجتنب الكذب والخلف في الوعد؛ فإنه سبب النفاق أو نوع من النفاق، [و] على ذلك روي في الخبر: "أن اجتنبوا الكذب؛ فإنه باب من النفاق، وعليكم بالصدق؛ فإنه باب من الإيمان" ، وفي بعضها عن النبي : "أربع من كن فيه كان منافقاً: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وفي بعضها: وإذا اؤتمن خان" فإن قيل: إن أولاد يعقوب اؤتمنوا فخانوا، وحدثوا فكذبوا بقولهم: ﴿ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ ، ووعدوا فأخلفوا، فترى أنهم نافقوا؟
قيل: ما روي أن من إذا حدث كذب هو الكذب في أمر الدين، وأما الكذب في غير أمر الدين فإنه لا يوجب النفاق.
وفي الآية دلالة ألا ينص بالسؤال في شيء على غير الخبر في ذلك من الله؛ ألا ترى أن ثعلبة لما ألح على الرسول بالسؤال أن يسأل ربه ليرزقه مالاً ففعل، فأعقبه الله نفاقاً إلى يوم القيامة؟!
ولأن أولاد يعقوب قد قدموا التوبة والإصلاح قِبَلَ صنيعهم الذي صنعوا على خوف منهم بما فعلوا والمنافقين، وأصله: أن اعتقاد الكذب، واستحلال الخلاف لما عهد، والخلف في الوعد - هو الموجب للنفاق، فأما ترك الوفاء على غير استحلال منه فلا يوجب ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أن قد علموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم؛ لكثرة ما يطلع رسوله على ما أسروا من الخلاف له وذكرهم السوء في رسول الله .
والثاني: ألم يعلموا أي: الذين نافقوا أن يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم، فيطلع رسوله على سرهم ونجواهم فيتركوا الطعن في رسول الله، وذِكْرِ ذلك والخلاف له.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .
أي: علام بالغيوب التي غاب عن الخلق، وإلا ليس شيء يغيب عنه، ما غاب عن الخلق وما لم يغب عنده بمحل واحد.
أو ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ ، أي: علام بما يكون أبداً في جميع الأوقات التي تكون.
[و] فيه دلالة أنه عالماً بما في الضمائر والسرائر وما كان غائباً عن الخلق والغيب: هو ما علم أنه يكون له أنه كان ولم يزل عالماً؛ لما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
ومن المنافقين من عاهد الله قائلًا: لئن أعطانا الله من فضله لنتصدقن على المحتاجين، ولنكونن من الصالحين الذين صلحت أعمالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.0kpWd"