الآية ٨٣ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٨٣ من سورة التوبة

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَـٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا لرسوله عليه الصلاة والسلام ( فإن رجعك الله ) أي : ردك الله من غزوتك هذه ( إلى طائفة منهم ) قال قتادة : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا ( فاستأذنوك للخروج ) أي : معك إلى غزوة أخرى ، ( فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) أي : تعزيرا لهم وعقوبة .

ثم علل ذلك بقوله : ( إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ) وهذا كقوله تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) [ الأنعام : 110 ] فإن من جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، كما قال في عمرة الحديبية : ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) [ الفتح : 15 ] .

وقوله تعالى : ( فاقعدوا مع الخالفين ) قال ابن عباس : أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة .

وقال قتادة : ( فاقعدوا مع الخالفين ) أي : مع النساء .

قال ابن جرير : وهذا لا يستقيم ؛ لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون ، ولو أريد النساء لقال : فاقعدوا مع الخوالف ، أو الخالفات ، ورجح قول ابن عباس ، رضي الله عنهما .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن ردّك الله، يا محمد، إلى طائفة من هؤلاء المنافقين من غزوتك هذه (21) =(فاستأذنوك للخروج)، معك في أخرى غيرها =(فقل) لهم =(لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًّا إنكم رضيتم بالقعود أوّل مرة)، وذلك عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك (22) =(فاقعدوا مع الخالفين)، يقول: فاقعدوا مع الذين قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأنكم منهم, فاقتدوا بهديهم، واعملوا مثل الذي عملوا من معصية الله, فإن الله قد سخط عليكم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17047- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله, الحر شديد، ولا نستطيع الخروج, فلا تنفر في الحرّ !

= وذلك في غزوة تبوك = فقال الله: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ، فأمره الله بالخروج.

فتخلف عنه رجال, فأدركتهم نفوسهم فقالوا: والله ما صنعنا شيئًا !

فانطلق منهم ثلاثة, فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى المدينة, فأنـزل الله: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم)، إلى قوله: وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلك الذين تخلَّفوا، فأنـزل الله عُذْرَهم لما تابوا, فقال: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، [سورة التوبة: 117، 118] .

17048- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم)، إلى قوله: (فاقعدوا مع الخالفين)، أي: مع النساء.

ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر رجلا من المنافقين, قيل فيهم ما قيل.

(23) 17049- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (فاقعدوا مع الخالفين)، و " الخالفون "، الرجال.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من التأويل في قوله: (الخالفين)، ما قال ابن عباس.

* * * فأما ما قال قتادة من أن ذلك النساء, فقولٌ لا معنى له.

لأن العرب لا تجمع النساء إذا لم يكن معهن رجال، بالياء والنون, ولا بالواو والنون.

ولو كان معنيًّا بذلك النساء لقيل: " فاقعدوا مع الخوالف ", أو " مع الخالفات ".

ولكن معناه ما قلنا، من أنه أريد به: فاقعدوا مع مرضى الرِّجال وأهل زَمانتهم، والضعفاء منهم، والنساء.

وإذا اجتمع الرجال والنساء في الخبر, فإن العرب تغلب الذكور على الإناث, ولذلك قيل: (فاقعدوا مع الخالفين)، والمعنى ما ذكرنا.

* * * ولو وُجِّه معنى ذلك إلى: فاقعدوا مع أهل الفساد, من قولهم: " خَلَف الرجال عن أهله يخْلُف خُلُوفًا " , إذا فسد, ومن قولهم: " هو خَلْف سَوْءٍ" = كان مذهبًا.

وأصله إذا أريد به هذا المعنى، من قولهم: " خَلَف اللبن يَخْلُفُ خُلُوفا "، إذا خبث من طول وضعه في السِّقاء حتى يفسد, ومن قولهم: " خَلَف فم الصائم "، إذا تغيرت ريحه.

(24) ----------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير "طائفة" فيما سلف ص : 336، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(22) انظر تفسير "القعود" فيما سلف ص : 397، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(23) في المطبوعة : " فقيل فيهم .

.

.

" ، وكان في المخطوطة : " قتل منهم ما قتل " ، صوابه ما في المطبوعة .

(24) انظر تفسير " خلف " فيما سلف : 13 : 209 ، 210 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفينقوله تعالى فإن رجعك الله إلى طائفة منهم أي المنافقين .

وإنما قال : ( إلى طائفة ) لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين ، بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له ، ثم عفا وتاب عليهم ; كالثلاثة الذين خلفوا .

وسيأتي .فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا أي عاقبهم بألا تصحبهم أبدا .

وهو كما قال في " سورة الفتح " : ( قل لن تتبعونا ) .و ( الخالفين ) جمع خالف ; كأنهم خلفوا الخارجين .

قال ابن عباس : ( الخالفين ) من تخلف من المنافقين .

وقال الحسن : مع النساء والضعفاء من الرجال ، فغلب المذكر .

وقيل : المعنى فاقعدوا مع الفاسدين ; من قولهم : فلان خالفة أهل بيته .

إذا كان فاسدا فيهم ; من خلوف فم الصائم .

ومن قولك : خلف اللبن ; أي فسد بطول المكث في السقاء ; فعلى هذا يعني فاقعدوا مع الفاسدين .

وهذا يدل على أن استصحاب المخذل في الغزوات لا يجوز .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ‏}‏ وهم الذين تخلفوا من غير عذر، ولم يحزنوا على تخلفهم ‏{‏فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ‏}‏ لغير هذه الغزوة، إذا رأوا السهولة‏.‏ ‏{‏فَقُلْ‏}‏ لهم عقوبة ‏{‏لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا‏}‏ فسيغني اللّه عنكم‏.‏ ‏{‏إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ‏}‏ وهذا كما قال تعالى ‏{‏ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة‏}‏ فإن المتثاقل المتخلف عن المأمور به عند انتهاز الفرصة، لا يوفق له بعد ذلك، ويحال بينه وبينه‏.‏ وفيه أيضًا تعزير لهم، فإنه إذا تقرر عند المسلمين أن هؤلاء من الممنوعين من الخروج إلى الجهاد لمعصيتهم، كان ذلك توبيخا لهم، وعارا عليهم ونكالا أن يفعل أحد كفعلهم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فإن رجعك الله ) أي : ردك يا محمد من غزوة تبوك ، ( إلى طائفة منهم ) يعني : من المخلفين .

وإنما قال : " طائفة منهم " لأنه ليس كل من تخلف عن غزوة تبوك كان منافقا ، ( فاستأذنوك للخروج ) معك في غزوة أخرى ، ( فقل ) لهم ( لن تخرجوا معي أبدا ) في سفر ( ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ) في غزوة تبوك ( فاقعدوا مع الخالفين ) أي : مع النساء والصبيان ، وقيل مع الزمنى والمرضى .

وقال ابن عباس : مع الذين تخلفوا بغير عذر .

وقيل : ( مع الخالفين ) قال الفراء : يقال : صاحب خالف إذا كان مخالفا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإنْ رجعك» ردك «الله» من تبوك «إلى طائفة منهم» ممن تخلف بالمدينة من المنافقين «فاستأذنوك للخروج» معك إلى غزوة أُخرى «فقل» لهم «لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين» المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان وغيرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإنْ رَدَّك الله -أيها الرسول- مِن غزوتك إلى جماعة من المنافقين الثابتين على النفاق، فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى بعد غزوة (تبوك) فقل لهم: لن تخرجوا معي أبدًا في غزوة من الغزوات، ولن تقاتلوا معي عدوًا من الأعداء؛ إنكم رضيتم بالقعود أول مرة، فاقعدوا مع الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرسول نحو هؤلاء المخلفين الكارهين للجهاد ، فقال : ( فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً .

.

.

) .قوله : ( رَّجَعَكَ ) من الرجع بمعنى تصيير الشئ إلى المكان الذى كان فيه أولا .

والفعل رجع أحياناً يستعمل لازما كقوله - تعالى - : ( فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً .

.

.

) وفى هذه الحالة يكون مصدر الرجوع ، وأحيانا يستعمل متعديا كالآية التى معنا ، وكقوله - تعالى - : ( فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ .

.

) وفى هذه الحالة يكون مصدره الرجوع لا الرجوع .قال الآلوسى : " ورجع " هنا بمعنى رد ومصدره الرجع ، وقد يكون لازما ومصدره الرجوع ، وأوثر هنا استعمال المتعدى - وإن كان استعمال اللازم كثيرا - إشارة إلى أن ذلك السفر لما فيه من الخطر يحتاج الرجوع منه إلى تأييد إلهى ، ولذا أوثرت كلمة " إن " على " إذا " .والمعنى : فإن ردك الله - تعالى - من سفرك هذا - أيها الرسول الكريم - إلى طائفة من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى تبوك " فاستأذنوك للخروج " معك فى غزوة أخرى بعد هذه الغزوة " فقل " لهم على سبيل الإِهانة والتحقير ( لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ) ما دمت على قيد الحياة ( وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ) من الأعداء الذين أمرنى الله بقتالهم ، والسبب فى ذلك " إنكم " أيها المنافقون " رضيتم بالقعود " عن الخروج معى وفرحتم به فى " أول مرة " دعيتم فيها إلى الجهاد ، فجزاؤهم وعقاباكم أن تقعدوا " مع الخالفين " أى : مع الذين تخلفوا عن الغزو لعدم قدرتهم على تكاليفه كالمرضى والنساء والصبيان .

أو مع الأشرار الفاسدين الذين يتشابهون معكم فى الجبن والنفاق وسوء الأخلاق .قال الإِمام الرازى ما ملخصه ، ذكروا فى تفسير الخالف وجوها :الأول : قال أبو عبيدة الخالفون جمع ، واحدهم خالف ، وهو من يخلف الرجل فى قومه ، ومعناه : فاقعدوا مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون فى البيت فلا يبرحونه .الثانى : أن الخالفين فسر بالمخالفين ، يقال : فلان خالفه أهل بيته إذا كان مخالفا لهم ، وقوم خالفون أى : كثيرو الخلاف لغيرهم .الثالث : أن الخالف هو الفاسد .

قال الأصمعى : يقال خلف عن كل خير يخلف خلوفا إذا فسد وخلف اللبن إذا فسد .إذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة فلاشك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها ، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات السيئة ." وقال - سبحانه - ( فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ .

.

.

) ولم يقل فإن رجعك الله إليهم ، لأن جميع الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك ، لم يكونوا من المنافقين ، بل كان هناك من تخلف بأعذار مقبولة ، كالذين أتوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليحملهم معه ، فقال لهم : " لا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا " وأعينهم تفيض من الدمع حزنا " " .وسيأتى الحديث عنهم بعد قليل .وقوله : ( لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ) إخبار فى معنى النهى للمبالغة وجمع - سبحانه - بين الجملتين زيادة فى تبكيتهم ، وفى إهمال شأنهم ، وفى كراهة مصاحبتهم .

.وذلك ، لأنهم لو خرجوا مع المؤمنين ما زادهم إلا خبالا ، ولو قاتلوا معهم ، لكان قتالهم خاليا من الغاية السامية التى من أجلها قاتل المؤمنون وهى إعلاء كلمة الله ، وكل قتال خلا من تلك الغاية كان مآله إلى الهزيمة .

.هذا ، وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على أسوأ صفات المنافقين ، كما اشتملت على أشد ألوان الوعيد لهم فى الدنيا والآخرة ( جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) .قال الجمل : وفى قوله - تعالى - ( فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ) الآية دليل على أن الشخص إذا ظهر منه مكر وخداع وبدعة ، يجب الانقطاع عنه ، وترك مصاحبته ، لأنه - سبحانه - منع المنافقين من الخروج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجهاد ، وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم وإبعادهم لما علم من مكرهم وخنداننعهم إذا خرجوا إلى الغزوات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته، لأن خروجهم معه يوجب أنواعاً من الفساد.

فقال: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَّآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي من المنافقين ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا ﴾ قوله: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ الله ﴾ يريد إن ردك الله إلى المدينة، ومعنى الرجع مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال رجعته رجعاً كقولك رددته رداً.

وقوله: ﴿ إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ ﴾ إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين.

وقوله: ﴿ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ ﴾ أي للغزو معك ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا ﴾ إلى غزوة، وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم، ومجري إظهار نفاقهم وفضائحهم، وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام، ثم إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان، كان ذلك تصريحاً بكونهم خارجين عن الإسلام موصوفين بالمكر والخداع، لأنه عليه السلام إنما منعهم من الخروج حذراً من مكرهم وكيدهم وخداعهم، فصار هذا المعنى من هذا الوجه جارياً مجرى اللعن والطرد، ونظيره قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا  ﴾ إلى قوله: ﴿ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا  ﴾ ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ والمراد منه القعود عن غزوة تبوك، يعني أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة، فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم، فعند ذلك لا نقبلكم، ولا نلتفت إليكم، وفي اللفظ بحث ذكره صاحب الكشاف، وهو أن قوله: ﴿ مَرَّةٍ ﴾ في ﴿ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وضعت موضع المرات، ثم أضيف لفظ الأول إليها، وهو دال على واحدة من المرات، فكان الأولى أن يقال أولى مرة.

وأجاب: عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال: هند أكبر النساء، ولا يقال هند كبرى النساء.

ثم قال تعالى: ﴿ فاقعدوا مَعَ الخالفين ﴾ ذكروا في تفسير الخالف أقوالاً: الأول: قال الأخفش وأبو عبيدة: الخالفون جمع.

واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل في قومه، ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت، فلا يبرحون، والثاني: أن الخالفين مفسر بالمخالفين.

قال الفراء يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفاً.

وقال الأخفش: فلان خالفة أهل بيته إذا كان مخالفاً لهم.

وقال الليث هذا الرجل خالفة، أي مخالف كثير الخلاف، وقوم خالفون، فإذا جمعت قلت الخالفون.

والقول الثالث: الخالف هو الفاسد.

قال الأصمعي: يقال: خلف عن كل خير يخلف خلوفاً إذا فسد، وخلف اللبن وخلف النبيذ إذا فسد.

وإذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة: فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات.

واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد ورآه مشدداً فيه مبالغاً في تقرير موجباته، فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه، وأن يحترز عن مصاحبته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وإنما قال ﴿ إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ ﴾ لأنّ منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف، أو اعتذر بعذر صحيح.

وقيل: لم يكن المخلقون كلهم منافقين، فأراد بالطائفة: المنافقين منهم ﴿ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ ﴾ يعني إلى غزوة بعد غزوة تبوك.

﴿ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ هي الخروج إلى غزوة تبوك، وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم الذي علم الله أنه لم يدعهم إليه إلاّ النفاق، بخلاف غيرهم من المتخلفين ﴿ مَعَ الخالفين ﴾ قد مرّ تفسيره.

وقرأ مالك بن دينار رحمه الله: ﴿ مع الخلفين ﴾ على قصر الخالفين.

فإن قلت: ﴿ مَرَّةٍ ﴾ نكرة وضعت موضع المرات للتفضيل، فلم ذكر اسم التفضيل المضاف إليها وهو دال على واحدة من المرات؟

قلت: أكثر اللغتين: هند أكبر النساء، وهي أكبرهنّ.

ثم إنّ قولك: هي كبرى امرأة، لا تكاد تعثر عليه.

ولكن هي أكبر امرأة، وأول مرة وآخر مرة.

وعن قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً قيل فيهم ما قيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ ﴾ فَإنْ رَدَّكَ إلى المَدِينَةِ وفِيها طائِفَةٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ يَعْنِي مُنافِقِيهِمْ فَإنَّ كُلَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، أوْ مَن بَقِيَ مِنهم وكانَ المُتَخَلِّفُونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.

﴿ فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ تَبُوكَ ﴿ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ وكانَ إسْقاطُهم عَنْ دِيوانِ الغُزاةِ عُقُوبَةً لَهم عَلى تَخَلُّفِهِمْ و ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ هي الخَرْجَةُ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ.

﴿ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ ﴾ أيِ المُتَخَلِّفِينَ لِعَدَمِ لِياقَتِهِمْ لِلْجِهادِ كالنِّساءِ والصِّبْيانِ.

وَقُرِئَ مَعَ « الخَلِفِينَ» عَلى قَصْرِ الخالِفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِن رَّجَعَكَ الله} أي ردك من تبوك وإنما قال {إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} لأن منهم من تاب من النفاق ومنهم من هلك {فاستأذنوك للخروج} إلى غزوة بعد غزوة تبوك {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا} وبسكون الياء حمزة وعلي وأبو بكر {وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا} مَعِىَ حفص {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ} أول ما دعيتم إلى غزوة تبوك {فاقعدوا مَعَ}

{الخالفين} مع من تخلف بعد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ ﴾ أيْ: مِن سَفَرِكَ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ الآتِي عَلى ما بَيَّنَ مِن أمْرِهِمْ و( رَجَعَ ) هُنا مُتَعَدٍّ بِمَعْنى رَدَّ ومَصْدَرُهُ الرَّجْعُ وقَدْ يَكُونُ لازِمًا ومَصْدَرُهُ الرُّجُوعُ، وأُوثَرَ اسْتِعْمالُ المُتَعَدِّي وإنْ كانَ اسْتِعْمالُ اللّازِمِ كَثِيرًا إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ السَّفَرَ لِما فِيهِ مِنَ الخَطَرِ يَحْتاجُ الرُّجُوعُ مِنهُ لِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ ولِذا أُوثِرَتْ كَلِمَةُ ( إنْ ) عَلى إذا أيْ فَإنْ رَدَّكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ( ﴿ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ ﴾ ) أيْ إلى المُنافِقِينَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ بِناءً عَلى أنَّ مِنهم مَن لَمْ يَكُنْ مُنافِقًا أوْ إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ بِأنْ ذَهَبَ بَعْضُهم بِالمَوْتِ أوْ بِالغَيْبَةِ عَنِ البَلَدِ أوْ بِإنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْكَ البَعْضُ، وقِيلَ: المُرادُ بِتِلْكَ الطّائِفَةِ مَن بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى نِفاقِهِ ولَمْ يَتُبْ ولَيْسَ بِذاكَ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وفِيهِمْ قِيلَ ما قِيلَ.

﴿ فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ مَعَكَ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ غَزْوَتِكَ هَذِهِ الَّتِي رَدَّكَ اللَّهُ مِنها بِتَأْيِيدِهِ ( ﴿ فَقُلْ ﴾ ) لَهم إهانَةً لَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ﴾ ما دُمْتُ ودُمْتُمْ ﴿ ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ﴾ مِنَ الأعْداءِ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ.

وذَكَرَ القِتالَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الخُرُوجِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِهِما لَكَفى إسْقاطًا لَهم عَنْ مَقامِ الصُّحْبَةِ ومَقامِ الجِهادِ أوْ عَنْ دُيُونِ الغُزاةِ ودِيوانِ المُجاهِدِينَ، وإظْهارًا لِكَراهَةِ صُحْبَتِهِمْ وعَدَمِ الحاجَةِ مِنَ الجُنْدِ، أوْ ذُكِرَ الثّانِي لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّهُ أصْرَحُ في المُرادِ والأوَّلُ لِمُطابَقَتِهِ لِلسُّؤالِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: أقُولُ لَهُ ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا فَإنَّ الثّانِيَ أدَلُّ عَلى الكَراهَةِ ﴿ إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ ﴾ عَنِ الخُرُوجِ مَعِي وفَرِحْتُمْ بِهِ ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أيْ: مِنَ الخُرُوجِ فَنُصِبَ أفْعَلُ المُضافُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ لِلِاخْتِلافِ في ( مَرَّةٍ ) ونُقِلَ عَنْ أبِي البَقاءِ أنَّها في الأصْلِ مَصْدَرٌ مَرَّ يَمُرُّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ ظَرْفًا، واخْتارَ القاضِي البَيْضاوِيُّ بَيَّضَ اللَّهُ غُرَّةَ أحْوالِهِ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وأشارَ إلى تَأْنِيثِ المَوْصُوفِ حَيْثُ قالَ: وأوَّلُ مَرَّةٍ هي الخَرْجَةُ إلى عِزْوَةِ تَبُوكَ وذَكَرَ أفْعَلَ لِأنَّ التَّذْكِيرَ هو الأكْثَرُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وفي الكَشّافِ أنَّ ( مَرَّةٍ ) نَكِرَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ المَرّاتِ لِلتَّفْضِيلِ، وذَكَرَ اسْمَ التَّفْضِيلِ المُضافَ إلَيْها وهو دالٌّ عَلى واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ لِأنَّ أكْثَرَ اللُّغَتَيْنِ- هِنْدُ أكْبَرُ النِّساءِ وهي أكْبَرُهُنَّ-، وهي كُبْرى مَرْأةٍ لا تَكادُ تَعْثُرُ عَلَيْهِ ولَكِنْ هي أكْبَرُ امْرَأةٍ وأوَّلُ مَرَّةٍ وآخِرُ مَرَّةٍ، وعَلَّلَ في الكَشْفِ عَدَمَ العُثُورِ عَلى نَحْوِ: هي كُبْرى امْرَأةٍ بِأنَّ أفْعَلَ فِيهِ مُضافٌ إلى غَيْرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ إلى العَدَدِ المُتَلَبَّسِ هو بِهِ بَيانًا لَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هي امْرَأةٌ أكْبَرُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، وفي مِثْلِهِ لا يَخْتَلِفُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، فالتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا يُشْبِهُ ما فِيهِ اللّامُ وإنَّما المُطابَقَةُ بَيْنَ مَوْصُوفَةٍ وما أُضِيفَ إلَيْهِ ولا مَدْخَلَ لِطِباقِهِ في اللَّفْظِ والمَعْنى فَتَدَبَّرْ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما سَلَفَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أيْ لِأنَّكم رَضِيتُمْ ﴿ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ ﴾ أيِ: المُتَخَلِّفِينَ لِعَدَمِ لِياقَتِهِمْ كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والرِّجالِ العاجِزِينَ، وجَمْعُ المُذَكَّرِ لِلتَّغْلِيبِ، واقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى الأخِيرِ، وتَفْسِيرُ الخالِفِ بِالمُتَخَلِّفِ هو المَأْثُورُ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ السَّلَفِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن خَلَفَ بِمَعْنى فَسَدَ.

ومِنهُ خُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ لِتَغَيُّرِ رائِحَتِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالقُعُودِ بِطَرِيقِ العُقُوبَةِ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَنِ الرِّضا بِالقُعُودِ أيْ إذا رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مِن بَعْدُ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( الخَلِفِينَ ) بِوَزْنِ حَذِرِينَ ولَعَلَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِثْلُهُ، وقِيلَ: هو مَقْصُورٌ مِنَ الخالِفِينَ إذْ لَمْ يَثْبُتْ اسْتِعْمالُهُ كَذَلِكَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ، يعني: إن رجعك الله من تبوك إلى طائفة من المنافقين الذين تخلفوا فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك إلى غزوة أُخرى.

فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً إلى الغزو، وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا.

ويقال: معناه، لن تخرجوا إلّا مطيعين من غير أن تكون لهم شركة في الغنيمة.

إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي: بالتخلف عن غزوة تبوك، فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ، يعني: مع المتخلفين الذين تخلفوا بغير عذر.

ويقال: الخالف الذي يخلف الرجل في أهله وماله، ويقال: الخالف الذي خالف قومه، ويقال: الخالف الفاسد، ويقال: الخالف المرأة، والخوالف: النساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ووَكَلَ سريرته إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ، وعلَى هذا كان سَتْرُ المنافقين، وإِذا ترتَّب كما قلنا التخييرُ في هذه الآيةِ، صَحَّ أَنَّ ذلك التخييرَ هو الَّذِي نُسِخَ بقوله تعالى في «سورة المنافقين: [٦] » :

سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.

ت: والظاهر أن الآيتين بمعنًى، فلا نَسْخ، فتأمَّله، ولولا الإِطالة لأَوْضَحْت ذلك.

قال ع «١» : وأما تمثيله بالسبعين دُونَ غيرها من الأعدادِ، فلأَنه عددٌ كثيراً مَّا يجيءُ غايةً ومقنعاً في الكَثْرة.

وقوله: ذلِكَ إِشارة إِلى امتناع الغُفْرَانِ.

وقوله عزَّ وجلَّ: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ...

الآية: هذه آية تتضمَّن وصف حالِهِمْ، على جهة التوبيخ، وفي ضمنها وعيدٌ، وقوله: الْمُخَلَّفُونَ: لفظٌ يقتضي تحقيرَهُم، وأنهم الذين أبعدهم اللَّه مِنْ رضاه/ و «مقْعَد» : بمعنى القُعُود، و «خِلاَف» : معناه: «بَعْدَ» ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]

فَقُلْ للَّذِي يَبْغِي خِلاَفَ الَّذِي مَضَى ...

تَأَهَّبْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَد

يريد: بعد الذي مَضَى.

وقال الطبريُّ «٢» : هو مصدرُ: خَالَفَ يُخَالِفُ، وقولهم: لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ: كان هذا القول منهم لأن غزوة تبوك كَانَتْ في شدّة الحرّ وطيب الثمار.

وقوله سبحانه: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا إِشارة إِلى مدة العُمر في الدنيا.

وقوله: وَلْيَبْكُوا كَثِيراً إِشارةٌ إِلى تأبيدِ الخلودِ في النَّارِ، فجاء بلَفْظ الأمر، ومعناه الخبر عن حالهم، وتقديرُ الكلام: لِيَبْكُوا كثيراً إِذ هم معذَّبون، جزاءً بما كانوا يكسبون،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ ﴾ أيْ: رَدَّكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ إلى المَدِينَةِ (إلى طائِفَةٍ) مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ.

وإنَّما قالَ: (إلى طائِفَةٍ) لِأنَّهُ لَيْسَ كُلٌّ مَن تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ كانَ مُنافِقًا.

(فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) مَعَكَ إلى الغَزْوِ.

﴿ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ﴾ إلى غُزاةٍ، (إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ) عَنِّي (أوَّلَ مَرَّةٍ) حِينَ لَمْ تَخْرُجُوا إلى تَبُوكَ.

وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في قَوْلِهِ: (أوَّلَ مَرَّةٍ) قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أوَّلُ مَرَّةٍ دُعِيتُمْ.

والثّانِي: قَبْلَ اسْتِئْذانِكم.

فَأمّا الخالِفُونَ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخالِفُ: الَّذِي خَلَفَ بَعْدَ شاخِصٍ، فَقَعَدَ في رَحْلِهِ، وهو الَّذِي يَتَخَلَّفُ عَنِ القَوْمِ.

وَفِي المُرادِ بِالخالِفِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا لِأعْذارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وصْفَ حالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم وفي ضِمْنِها وعِيدٌ، وقَوْلُهُ: "المُخَلَّفُونَ" لَفْظٌ يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم وأنَّهُمُ الَّذِينَ أبْعَدَهُمُ اللهُ مِن رِضاهُ، وهَذا أمْكَنُ فِي هَذا مِن أنْ يُقالَ: "المُتَخَلِّفُونَ"، ولَمْ يَفْرَحْ إلّا مُنافِقٌ، فَخَرَجَ مِن ذَلِكَ الثَلاثَةُ، وأصْحابُ العُذْرِ، ومَقْعَدٌ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُعُودِ، ومِثْلُهُ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗........................

وقَوْلُهُ: "خِلافَ" مَعْناهُ: بَعْدَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ: عَقَبَ الرَبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا يُرِيدُ: بَعْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقى خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ ∗∗∗ تَأهَّبْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرُ خالَفَ يُخالِفُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا هو مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ لِخِلافِ رَسُولِ اللهِ  ، أو مَصْدَرٌ، ونَصْبُهُ في القَوْلِ الأوَّلِ كَأنَّهُ عَلى الظَرْفِ، وكَراهِيَتُهم لِما ذُكِرَ هي شُحٌّ إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِالثَوابِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهم يَظُنُّونَ بِالدُنْيا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ ﴾ كانَ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كانَتْ في وقْتِ شِدَّةِ الحَرِّ وطِيبِ الثِمارِ والظِلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، والناسُ، فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِأنْ قِيلَ لَهُمْ: فَإذا كُنْتُمْ تَجْزَعُونَ مِن حَرِّ القَيْظِ، فَنارُ جَهَنَّمَ الَّتِي هي أشَدُّ أحْرى أنْ تَجْزَعُوا مِنها لَوْ فَهِمْتُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "خَلْفَ"، وذَكَرَها يَعْقُوبُ ولَمْ يَنْسِبْها، وقُرِئَ: "خُلْفَ" بِضَمِّ الخاءِ، ويُقَوِّي قَوْلَ الطَبَرِيِّ "أنَّ لَفْظَةَ الخِلافِ هي مَصْدَرٌ مِن خالَفَ" ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ مِن أنَّ رَسُولَ اللهِ  أمَرَهم بِالنَفْرِ فَعَصَوْا وخالَفُوا وقَعَدُوا مُسْتَأْذِنِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قالَ: "لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ" رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، الحَرُّ الشَدِيدُ فَلا تُنْفِرْ في الحَرِّ، قالَ النَقّاشُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُونَ" بَدَلَ:يَفْقَهُونَ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ﴾ إشارَةٌ إلى مُدَّةِ العُمْرِ في الدُنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ إشارَةٌ إلى تَأْبِيدِ الخُلُودِ في النارِ، فَجاءَ بِلَفْظِ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عن حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ حالِهِمْ، أيْ: هم لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الخَطَرِ مَعَ اللهِ، وسُوءِ الحالِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ضَحِكُهم قَلِيلًا وبُكاؤُهم مِن أجْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وقْتُ الضَحِكِ والبُكاءِ في الدُنْيا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ  لِأُمَّتِهِ: « "لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا"».

ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ أوحى اللهُ إلَيْهِ: "يا مُحَمَّدُ لا تُقَنِّطْ عِبادِي".» وقَوْلُهُ: "جَزاءً" مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْنى الَّذِي تَقْدِيرُهُ: ولْيَبْكُوا كَثِيرًا إذْ هم مُعَذَّبُونَ جَزاءً، وقَوْلَهُ: "يَكْسِبُونَ" نَصٌّ في أنَّ التَكَسُّبَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَوابُ والعِقابُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ، "رَجَعَ" يَسْتَوِي مُجاوِزُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ" مُبَيِّنَةٌ أنَّ النَبِيَّ  لا يَعْلَمُ بِمُسْتَقْبَلاتِ أمْرِهِ مِن أجَلٍ وسِواهُ، وأيْضًا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَمُوتُوا هم قَبْلَ رُجُوعِهِ، وأمْرُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ  بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ ﴾ هو عُقُوبَةٌ لَهُمْ، وإظْهارٌ لِدَناءَةِ مَنزِلَتِهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، وهَذا هو المَقْصُودُ في قِصَّةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في الِامْتِناعِ مِن أخْذِ صَدَقَتِهِ، ولا خِزْيَ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ إنْسانٌ قَدْ رَفَضَهُ الشَرْعُ ورَدَّهُ كالجَمَلِ الأجْرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلى طائِفَةٍ ﴾ يَقْتَضِي عِنْدِي أنَّ المُرادَ رُؤُوسُهم والمَتْبُوعُونَ، وعَلَيْها وقَعَ التَشْدِيدُ بِأنَّها لا تَخْرُجُ ولا تُقاتِلُ عَدُوًّا، وكَرَّرَ مَعْنى قِتالِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ عُظْمُ الجِهادِ ومَوْضِعُ بارِقَةِ السُيُوفِ الَّتِي تَحْتَها الجَنَّةُ، ولَوْلا تَخْصِيصُ الطائِفَةِ، لَكانَ الكَلامُ: "فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلَيْهِمْ"، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الطائِفَةُ قَدْ حَتَّمَ عَلَيْها بِالمُوافاةِ عَلى النِفاقِ، وعُيِّنُوا لِلنَّبِيِّ  ، وإلّا فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ ألّا يُصَلِّيَ عَلى مَوْتاهم إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُمُ اللهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَماتُوا وهم فاسِقُونَ  ﴾ نَصٌّ في مُوافاتِهِمْ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  عَيَّنَهم لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكانَتِ الصَحابَةُ إذا رَأوا حُذَيْفَةَ تَأخَّرَ عَنِ الصَلاةِ عَلى جِنازَةِ رَجُلٍ تَأخَّرُوا هم عنها.» ورُوِيَ عن حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنْشُدُكَ اللهَ أنا مِنهُمْ؟

فَقالَ: لا، وواللهِ لا أمَّنْتُ مِنها أحَدًا بَعْدَكَ؟

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَعِي" بِسُكُونِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِيما قالَ المُفَضَّلُ - "مَعِيَ" بِحَرَكَةِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلَ" هو بِالإضافَةِ إلى وقْتِ الِاسْتِئْذانِ.

والخالِفُونَ: جَمِيعُ مَن تَخَلَّفَ مِن نِساءٍ وصِبْيانٍ وأهْلِ عُذْرٍ، غَلَّبَ المُذَكَّرَ فَجَمَعَ بِالياءِ والنُونِ وإنْ كانَ ثَمَّ نِساءٌ، وهو جَمْعٌ خالِفٍ.

وقالَ قَتادَةُ: الخالِفُونَ: النِساءُ، وهَذا مَرْدُودٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ الرِجالُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الخالِفِينَ ﴾ أنْ يُرِيدَ: مَعَ الفاسِدِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن: خَلَفَ الشَيْءُ إذا فَسَدَ، ومِنهُ: خُلُوفُ فَمِ الصائِمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ مُقْحَمٌ، والأوَّلُ أفْصَحَ وأجْرى عَلى اللَفْظَةِ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِكْرِمَةُ: "مَعَ الخَلِفِينَ" وهو مَقْصُورٌ مِنَ "الخالِفِينَ"، كَما قالَ: "عَرِدًا وبَرِدًا" يُرِيدُ: عارِدًا وبارِدًا، وكَما قالَ الآخَرُ: مِثْلُ النَقا لَبْدُهُ بَرْدُ الظِلَلِ يُرِيدُ: الظِلالَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع على ما آذن به قوله: ﴿ قل نار جهنم أشد حراً ﴾ [التوبة: 81] إذ فرّع على الغضب عليهم وتهديدهم عقاب آخر لهم، بإبعادهم عن مشاركة المسلمين في غزواتهم.

وفعل رجع يكون قاصراً ومتعدّياً مرادفاً لأرجع.

وهو هنا متعدّ، أي أرجعك الله.

وجعل الإرجاع إلى طائفة من المنافقين المخلّفين على وجه الإيجاز لأنّ المقصود الإرجاع إلى الحديث معهم في مثل القصة المتحدّث عنها بقرينة قوله: ﴿ فاستئذنوك للخروج ﴾ ولمّا كان المقصود بيان معاملته مع طائفة، اختُصر الكلام، فقيل: ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ﴾ ، وليس المراد الإرجاع الحقيقي كما جرت عليه عبارات أكثر المفسّرين وجعلوه الإرجاع من سفَر تبوك مع أنّ السورة كلّها نزلت بعد غزوة تبوك بل المراد المجازي، أي تكرّر الخوض معهم مرّة أخرى.

والطائفة: الجماعة وتقدّمت في قوله تعالى: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ في سورة آل عمران (154).

أو قوله: ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ في سورة النساء (102).

والمراد بالطّائفة هنا جماعة من المخلّفين دل عليها قوله: فاستئذنوك للخروج} أي إلى طائفة منهم يبتغون الخروج للغزو، فيجوز أن تكون هذه الطائفة من المنافقين أرادوا الخروج للغزو طمعاً في الغنيمة أو نحو ذلك.

ويجوز أن يكون طائفة من المخلّفين تابوا وأسلموا فاستأذنوا للخروج للغزو.

وعلى الوجهين يحتملُ أنّ منعهم من الخروج للخوف من غدرهم إن كانوا منافقين أو لمجرّد التأديب لهم إن كانوا قد تابوا وآمنوا.

وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم صالح للوجهين.

والجمع بين النفي ب ﴿ لن ﴾ وبين كلمة ﴿ أبداً ﴾ تأكيد لمعنى لن لانتفاء خروجهم في المستقبل إلى الغزو مع المسلمين.

وجملة: ﴿ إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ﴾ مستأنفة للتعداد عليهم والتوبيخ، أي إنّكم تحبّون القعود وترضون به فقد زدتُكم منه.

وفعل: ﴿ رضيتم ﴾ يدلّ على أنّ ما ارتكبوه من القعود عمل من شأنه أن يأباه الناس حتّى أطلق على ارتكابه فعل رَضِي المشعرُ بالمحاولة والمراوضة.

جُعلوا كالذي يحاول نفسه على عمل وتأبى حتّى يرضيها كقوله تعالى: ﴿ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ﴾ [التوبة: 38] وقد تقدّم ذلك.

وانتصب ﴿ أول مرة ﴾ هنا على الظرفية لأنّ المرّة هنا لمّا كانت في زمن معروف لهم وهو زمن الخروج إلى تبوك ضمنت معنى الزمان.

وانتصاب المصدر بالنيابة عن اسم الزمان شائع في كلامهم، بخلاف انتصابها في قوله: ﴿ وهم بدأوكم أول مرة ﴾ [التوبة: 13] وفي قوله: ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ [التوبة: 80] كما تقدّم.

و ﴿ أول مرة ﴾ هي غزوة تبوك التي تخلّفوا عنها.

وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة اقتصر على الإفراد والتذكير ولو كان المضاف إليه غير مفرد ولا مذكر لأنّ في المضاف إليه دلالة على المقصود كافية.

والفاء في ﴿ فاقعدوا ﴾ تفريع على ﴿ إنكم رضيتم بالقعود ﴾ ، أي لمَّا اخترتم القعود لأنفسكم فاقعدوا الآن لأنّكم تحبّون التخلّف.

و ﴿ الخالفين ﴾ جمع خالف وهو الذي يخلُف الغازي في أهله وكانوا يتركون لذلك.

من لا غناء له في الحرب.

فكونهم مع الخالفين تعيير لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أوَّلُ مَرَّةٍ دُعِيتُمْ.

الثّانِي: يَعْنِي قَبْلَ اسْتِئْذانِكم.

﴿ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِأعْذارٍ وأمْراضٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وفيهم قيل ما قيل.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية يقول: أرأيت إن نفرت فاستأذنوك أن ينفروا معك؟

فقل: لن تخرجوا معي أبداً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ قال: هم الرجال الذين تخلفوا عن النفور.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: إن ردك الله إلى المدينة) (١) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد المنافقين خاصة) (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ ، قال (٦) وقوله (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) ﴿ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني لم (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ ذكروا في المخالفين قولين: قال الأخفش وأبو عبيدة: (الخالف الذي خلفني فقعد بعدي) (١٣) (١٤) وقال المؤرج: (الخالف من يخلف) (١٥) وقال ابن قتيبة: ( ﴿ مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل (١٦) (١٧) وقال الفراء: ( ﴿ مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ من الرجال) (١٨) قال ابن عباس: ( ﴿ مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ \[مع الرجال\] (١٩) (٢٠) (٢١) وقال الحسن (٢٢) (٢٣) (٢٤) القول الثاني في المخالفين: أن معناه: المخالفين، قال الفراء: (يقال: عبد (٢٥) (٢٦) وقال الأخفش: (فلان خالفة أهل بيته: إذا كان فاسدًاً) (٢٧) وقال أبو عبيدة: (فلان خالفة أهله أي: مخالفهم لا خير فيه) (٢٨) وقال الليث: (هذا رجل خالفةٌ: أي مخالف كثير الخلاف، وقوم خالفون، وكذلك رجل راوية ولحانة ونسابة ونحو ذلك، فإذا جمعت (٢٩) (٣٠) وقال الأصمعي: (يقال: خلف فلان عن كل خير، فهو يخلف خلوفًا إذا فسد ولم يفلح (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ مع الرجال الذين تخلفوا) (٣٤) (٣٥) وهذه الآية دليل على أن من ظهر منه نفاق وتخذيل لا يجوز للإمام أن يستصحبه في الغزو، اقتداءً برسول الله  فيما أمره الله به (٣٦) (٣٧) (١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وبمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 200.

(٢) "تنوير المقباس" ص 200 بنحوه.

(٣) من (م).

(٤) في (ح): (لهم)، وما أثبته موائم لما بعده.

(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 135 ب، والبغوي 4/ 81، وابن الجوزي 3/ 479، والقرطبي 8/ 217.

(٦) القائل ابن عباس، وانظر: "الوسيط" 2/ 516، و"تنوير المقباس" ص 200.

(٧) من (م).

(٨) في (ى) و (م): (قل).

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) في (ح): (ولم)، وهو خطأ.

(١١) "الوسيط" 2/ 516 ولا دليل على هذا التخصيص.

(١٢) في (ى): (لن)، وهو خطأ.

(١٣) انظر: قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 265، وذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 151 عن الأخفش، ولم أجده في كتابه "معاني القرآن".

(١٤) روى الدارمي في "سننه" 2/ 373 حديث دعاء المسافر وفيه: (اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا بخير).

(١٥) لم أجد من ذكره.

(١٦) ساقط من (ى).

(١٧) "تفسير غريب القرآن"، له ص 199.

(١٨) "معاني القرآن" 1/ 447.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٠) في (ى): (من غير)، وما أثبته موافق لرواية الثعلبي.

(٢١) رواه الثعلبي 6/ 135 ب، والبغوي 4/ 81، وبنحوه ابن المنذر كما في "الدر المنثور"، ورواه مختصرًا ابن جرير10/ 204، وابن أبي حاتم 6/ 1857.

(٢٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 388، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 480، وذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 218 بلفظ: مع النساء والضعفاء من الرجال، وذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 158 بلفظ: مع النساء.

(٢٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 135 ب.

(٢٤) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 388، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وقد رواه ابن جرير 10/ 204 بلفظ: مع النساء.

(٢٥) في (ى): (عبده)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.

(٢٦) "معاني القرآن" 1/ 447.

(٢٧) لم أجده عن الأخفش، وانظر: المعنى في "لسان العرب" (خلف) 2/ 1240.

(٢٨) "مجاز القرآن" 1/ 265.

(٢٩) في (ى): (اجتمعت)، وما أثبته موافق لكتاب "العين".

(٣٠) كتاب "العين" (خلف) 4/ 269 وذكره باختصار الأزهري في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1091.

(٣١) في (ى): (يخلف)، وما أثبته موافق لـ"تهذيب اللغة".

(٣٢) في "تهذيب اللغة": وهي (خالفة).

(٣٣) "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1088.

(٣٤) سبق تخريجه قبل عدة أسطر.

(٣٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 204، والثعلبي 6/ 135 ب، والرازي 16/ 151.

(٣٦) ساقط من (ح).

(٣٧) انظر: "المغني" لابن قدامة 13/ 15، و"حاشية الروض" 4/ 263.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ إنما لم يقل إليهم، لأن منهم من تاب من النفاق وندم على التخلف ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ عقوبة لهم فيها خزي وتوبيخ ﴿ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني في غزوة تبوك ﴿ فاقعدوا مَعَ الخالفين ﴾ أي مع القاعدين وهم النساء والصبيان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ معي أبدأ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والمفضل ﴿ معي عدو ﴾ بالفتح: حفص فقط.

الوقوف: ﴿ أو لا تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ في الحر ﴾ ط ﴿ حراً ﴾ م لأن المعنى لو كانوا يفقهون حرارة النار لما قالوا لا تنفروا في الحر.

ولو وصل لأوهم أن جهنم لا يكون نارها أشد حراً إذا لم يفقهوا ذلك ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح أن يكون مفعولاً له أو مصدر محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ معي عدوّاً ﴾ ط ﴿ الخالفين ﴾ ه ﴿ على قبره ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ وأولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ز لابتداء وعد الفلاح على التعظيم بدليل تكرار ﴿ أولئك ﴾ مع اتفاق الجملتين.

﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس أن عند نزول الآية الأولى في المنافقين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا واشتغل بالاستغفار لهم فنزل ﴿ استغفر لهم ﴾ الآية، ومن المفسرين من قال: إنهم طلبوا من الرسول  أن يستغفر لهم وإن الله نهاه عنه.

والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي أقدم على ذلك الفعل.

ثم إن الدليل قد يدل على أنه ما اشتغل بالاستغفار لأن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه أن الاستغفار للكافر غير جائز، ولأن الاستغفار للمنافق يجري مجرى اغرائه على مزيد النفاق ولأنه يلزم أن يكون النبي  غير مجاب الدعوة وإن أكثر في الدعاء.

ومن الفقهاء من قال: التخصيص بالعدد المعين يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه لما روي أنه لما نزلت الآية قال  : "لأزيدن على السبعين" فنزل ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم  ﴾ فكف عنه.

فلولا أنه فهم بدليل الخطاب أن الأمر فيما وراء السبعين بالخلاف لم يقل لأزيدنّ على ذلك.

وأجيب بأنه أراد إظهار الرحمة والرأفة بأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم لبعض لا أنه فهم منه ذلك، كيف وقد قال  ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ وأردفه بقوله ﴿ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ .

فليس المقصود بهذا العدد تحديد المنع وإنما هو كقول القائل لمن يسأله حاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها.

ولهذا بين العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وهي كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين.

وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً هو أن السبعة عدد شريف لأنه عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فضرب السبعة في عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها.

وقيل: خص بالذكر لأنه  كبّر على حمزة سبعين تكبيرة وكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة: هذا وقد مر في تفسير قوله ﴿ قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً  ﴾ أن هذا أمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لا، وانتصاب سبعين على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعالهم فقال ﴿ فرح المخلفون ﴾ قيل: إنهم احتالوا أن يتخلفوا وكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون.

وأجيب بأنهم استأذنوا رسول الله  فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو أريد خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، أو المجاهدون لما لم يوافقوهم في القعود فكأنهم خلفوهم، أو أطلق عليهم المخلفون باعتبار أنهم سيصيرون ممنوعين من الخروج في الآية الآتية ﴿ فإن رجعك الله ﴾ إلى قوله ﴿ ولن تقاتلوا معي عدواً ﴾ ومعنى ﴿ بمقعدهم ﴾ بقعودهم قاله مقاتل.

أو بموضع قعودهم وهو المدينة قاله ابن عباس.

ومعنى ﴿ خلاف رسول الله ﴾  مخالفة رسول الله  حين سار وأقاموا قاله قطرب والزجاج فانتصابه على أنه مفعول له أي قعد والأجل خلافه أو على الحال مثل "فأرسلها العراك" أي مخالفين له، وقال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف أي بعد رسول الله  وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان يخالفها جهة الخلف ﴿ وكرهوا أن يجاهدوا ﴾ كيف لا يكرهون وليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإخلاص ومعهم صارف الكفر والنفاق؟

وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين أموالهم وأرواحهم في الله المؤثرين ذلك على الدعة والخفض.

واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب إلا أنه صريح بذلك للتوكيد، ولعل المراد أنه مال طبعهم إلى الإقامة لإلفهم بالبلد واستئناسهم بالأهل والولد، وكرهوا الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والإهدار.

﴿ قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ﴾ أن بعد هذه الدار دار أخرى وبعد هذه الحياة حياة أخرى.

وهذه المشقة منقضية سهلة وتلك باقية صعبة ولبعضهم وكأنه صاحب الكشاف: مسرة أحقاب تلقيت بعدها *** مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة *** وراء تقضيها مساءة أحقاب وفي هذا استجهال عظيم لهم.

ثم قال ﴿ فليضحكوا ﴾ وهو خبر إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره ومعناه فسيضحكون قليلاً أي ضحكاً قليلاً أو زماناً قليلاً وسيبكون كثيراً.

يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.

ثم عرف نبيه وجه الصلاح في سائر الغزوات فقال ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ﴾ أي إن ردّك إلى المدينة.

الرجع متعد مثل الرد، والرجوع لازم.

وإنما قال طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم أو اعتذر بعذر صحيح.

وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين فأراد بالطائفة المخلفين من المنافقين.

﴿ فاستأذنوك للخروج ﴾ إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبداً ﴾ عاقبهم بإسقاط عن ديوان الغزاة جزاء على تخلفهم لما فيه من الذم والطرد وصلاحاً لأمر الجهاد لما في استصحابهم من المفاسد المذكورة في قوله ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً  ﴾ ويعني بأول مرة غزوة تبوك.

وإنما لم يقل أول المرات معرفاً مجموعاً لأن المعنى إن فصلت المرات مرة مرة كانت هذه أولها نظيره "هو أفضل رجل" يعني إن عدّ الرجال رجلاً رجلاً كان هو أفضلهم.

وإنما لم يقل "أولى مرة" لأن أكثر اللغتين "هند أكبر النساء" ولا يكاد يقال "هي أكبر امرأة" ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ كقوله ﴿ وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ {التوبة: 46] والخالف من يخلف الرجل في قومه.

وعن الأصمعي أنه الفاسد من خلف اللبن والنبيذ إذا فسد.

وعن الفراء معناه المخالف.

قال قتادة: ذكر لنا أن الخالفين الذين أمروا بالقعود كانوا اثني عشر رجلاً.

عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبد الله ابن أبيّ ابن سلول عاده رسول الله  فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه الذي يلي جلده ليكفن فيه ففعل كل ذلك.

وعنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله  للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف علي يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدوّ الله عبد الله ابن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا؟

أعدد أيامه ورسوله  يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت.

قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله  والله ورسوله أعلم.

قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ﴾ الآية.

فما صلى رسول الله  بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله.

قال المفسرون: وكلم رسول الله  فيما فعل بعبد الله بن أيّ قال: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إن كنت لأرجو أن يسلم به ألف من قومه وكان كما قال.

وقيل: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه غلب على ظن الرسول أنه انتقل إلى الإيمان لأنه وقت يتوب فيه الكافر فرغب أن يصلي عليه.

وذكر من أسباب دفع القميص أن العباس عم رسول الله  أخذ أسيراً ببدر ولم يجدوا له قميصاً طويلاً فكساه عبد الله قميصه، ومنها أن المشركين قالوا له يوم الحديبية إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك.

فقال: إن لي في رسول الله  أسوة حسنة، فشكر رسول الله  صنيعه.

ومنها أنه كان لا يرد السائل لقوله  ﴿ وأما السائل فلا تنهر  ﴾ ومنها أن ابنه عبد الله كان من الصالحين فالرسول أكرمه لمكان ابنه.

ومنها إظهار الرأفة والرحمة كما مر.

قوله ﴿ مات ﴾ صفة لأحد ﴿ وأبداً ﴾ ظرف لقوله ﴿ لا تصل ﴾ وإنه يحتمل تأبيد النفي ونفي التأبيد والظاهر الأول، لأن القرائن تدل على منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً.

قال الزجاج: معنى قوله ﴿ ولا تقم على قبره ﴾ أن رسول الله  كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه.

وقال الكلبي: معناه لا تقم بإصلاح مهمات قبره و ﴿ أنهم كفروا ﴾ تعليل للنهي ويرد عليه أن الكفر حادث وحكم الله قديم والحادث لا يكون علة للقديم.

وأجيب بأن العلة ههنا بمعنى الإمارة المعرفة للحكم.

قال في الكشاف: وإنما قيل مات وماتوا بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير لكون والوجود لأنه كائن موجود لا محالة.

وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبح في جميع الأديان.

أما قوله ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ﴾ فقد سبق مثله في هذه السورة بتفاوت ألفاظ فوجب علينا أن نذكر سبب التفاوت، ثم فائدة التكرار فنقول والله  أعلم بمراده: إنما ذكر النهي ههنا بالواو وهناك بالفاء لأنه لا تعلق له ههنا بما قبله وهو موتهم على حالة الفسق خلاف ما هنالك.

وإنما قال ههنا ﴿ وأولادهم ﴾ بدون "لا" لأن المراد هنالك الترقي من الأدون إلى الأعلى وهو أن إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم كقولك: لا يعجبني أمر النائب ولا أمر المنوب.

وههنا أراد المعية فقط إما اكتفاء بما سبق هناك، وإما لأن هؤلاء أقوام آخرون لم يكن عندهم تفاوت بين الأمرين.

وقيل: إنه هناك لما علق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط أكد معنى النهي بتكرار "لا"، وإنما قال ههنا ﴿ إن يعذبهم ﴾ لأنه إخبار عن قوم ماتوا على الكفر فتعلق الإرادة بما هم فيه وهو العذاب.

وأما في الآية المتقدمة فالمفعول محذوف وقد مر.

وقيل: الفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه "أن"، وإنما حذف الحياة ههنا اكتفاء بما ذكر هنالك وقيل تنبيهاً على أن الحياة الدنيا لا تستحق أن تسمى حياة لخستها.

وأما فائدة التكرير فهي المبالغة في التحذير من الأموال والأولاد لأنها جذابه للقلوب فتحتاج إلى صارف قوي، ويحتمل أن تكون الأولى في قوم والثانية في آخرين.

وقيل: الثانية في اليهود والأولى في المنافقين.

ثم عاد إلى توبيخ المنافقين فقال ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ أي تمامها ويجوز أن يزاد عليها كما يقع القرآن والكتاب على بعضه.

وقيل: هي براءة لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿ أن آمنوا ﴾ "أن" هي المفسرة لأن إنزال السورة في معنى القول.

وقال الواحدي: تقديره بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان ﴿ أولوا الطول ﴾ ذو الفضل والسمعة من طال عليه طولاً قاله ابن عباس والحسن.

وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصوا بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود ﴿ مع القاعدين ﴾ مع أصحاب الأعذار من الضعفة والزمنى.

والخوالف النساء اللواتي تخلفن في البيت، وجوز بعضهم أن يكون الخوالف جمع خالف وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف.

ثم قال ﴿ وطبع على قلوبهم ﴾ كقوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وقد مر البحث فيه، وقال الحسن: الطبع بلوغ القلب في الكفر إلى حد كأنه مات عن الإيمان.

وقالت الأشاعرة: هو حصول داعية الكفر المانعة من الإيمان.

والطبع في اللغة الختم وهو التأثير في الطين ونحوه، ومنه الطبع للسجية التي جبل عليها الإنسان ﴿ فهم لا يفقهون ﴾ أسرار حكمة الله في الجهاد أو في الذهاب من السعادة وما في التخلف من الشقاء.

وفي قوله ﴿ لكن الرسول ﴾ نكتة هي أنه إن تخلف هؤلاء فقد أنهض إلى الغزو من هو خير منهم وأصدق نية كقوله ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين  ﴾ ثم ذكر منافع الجهاد على الإجمال فقال ﴿ وأولئك لهم الخيرات ﴾ وهي شاملة لمنافع الدارين.

وقيل: هي الحور لقوله ﴿ فيهن خيرات حسان  ﴾ وقوله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ المراد منه الخلاص من المكاره.

ثم فصل ما أجمل فقال ﴿ أعد الله ﴾ الآية وقيل: الخيرات الفلاح في الدنيا وهذه في الآخرة.

و ﴿ الفوز العظيم ﴾ عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ودرجة عالية.

التأويل: إنما لم يؤثر استغفار الرسول في حقهم لقصور في القائل لا لتقصير في الفاعل، والأثر يتوقف على الأمرين ﴿ جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ من رين القلوب وكدورة الأرواح بظلمة الصفات الحيوانية.

﴿ وهم كافرون ﴾ مستورو القلوب بحجاب حب الأموال والأولاد.

لهم الخيرات لما سعوا سعي العبودية نالوا خيرات الربوبية، ﴿ هم المفلحون ﴾ المتخلصون عن حجب صفات النفس ﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إذ لا حجاب أعظم من حجاب النفس والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

جمعوا - أعني المنافقين - جميع خصال الشر التي فعلوا: أحدها: ما ذكر من فرحهم بالتخلف عن رسول الله.

والثاني: كراهيتهم الجهاد مع رسول الله وبخلهم بأموالهم.

والثالث: صدهم الناس عن الجهاد والخروج في سبيل الله بقولهم: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ .

جمع الله جميع خصال المنافقين في هذه الآية.

وقوله: ﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ ، ذكر المخلفون، وهم كانوا متخلفين في الحقيقة، لكنه يحتمل وجهين:] مخلفون خلفهم الله؛ لما ذكر أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالاً، وأنهم يبغون الفتنة خلفهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ  ﴾ قيل: حبسهم؛ فعلى ذلك مخلفون خلفهم الله لما علم أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالاً وفساداً.

ويحتمل: مخلفون خلفهم أصحاب رسول الله  ؛ لأنهم لو أرادوا أن يخرجوهم كرهاً لقدروا على ذلك، فهم كالمخلفين من هذا الوجه لما لو أرادوا إخراجهم أخرجوهم، وإن كانوا متخلفين في الحقيقة.

وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ أي: مخالفة رسول الله، وقرئ: (خَلْفَ رَسُولِ اللهِ)، أي: فرحوا لقعودهم بعد خروج رسول الله  .

وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ .

يحتمل: القعود، أي: بقعودهم خلفه.

ويحتمل: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ ، أي: موضع قعودهم، وهو منازلهم وأوطانهم، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم؛ لبخلهم وخلافهم الذي في قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ هذا في الظاهر يخرج على إظهار الشفقة للمؤمنين، ولكن لم يكونوا أرادوا ذلك؛ إنما أرادوا حبسهم عن الخروج في سبيل الله، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن الخروج في سبيل الله؛ إذ قالوا لهم مطلقاً: "لا تنفروا"، وهو كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، كانوا يجبنون المؤمنين عن الخروج إلى الغزو، وكانوا يحتالون في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله، ولو أطلقوا القول في المنع وصرحوه لفهم المؤمنون ذلك، ولظهر نفاقهم.

وجائز أن يكون قولهم: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ قالوا ذلك لأتباعهم، لا للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ \[أي: لو كانوا يفقهون\] ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرّاً من حر الدنيا.

أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصّة، ولكن خلقهم [فيها] ليمتحنهم؛ لعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ﴾ .

يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح والسرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ يقول: افرحوا وسروا قليلا، وتحزنون في الآخرة طويلاً كثيراً.

ويمكن أن يكون على حقيقة الضحك؛ لأنهم كانوا يضحكون ويستهزئون بالمؤمنين في الدنيا؛ يقول: ضحكوا قليلاً؛ لأن الدنيا قليلة تنقطع، ويبكون كثيراً في الآخرة؛ لأنها لا تنقطع ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ .

[دل] قوله: ﴿ رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ ، أي: ليس كل من تخلف عنه في ذلك فهو منافق، ولا كل المنافقين امتنعوا وتخلفوا عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ .

لأنه أخبر أن خروجهم معهم لا يزيدهم إلا خبالاً وفساداً، فيقول: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: عوقبوا بالقعود أول مرة لنفاقهم.

وقوله: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ ، أي: لن آذن لكم أن تخرجوا معي أبداً، ولن آذن لكم أن تقاتلوا معي أبداً.

ويحتمل: لن تخرجوا، أي: و[إن] أذنت لكم بالخروج فلن تخرجوا أبداً.

﴿ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ ﴾ .

قيل: مع المتخلفين، وهم المنافقون؛ على ما ذكر.

ويحتمل: أن اقعدوا مع أصحاب الأعذار.

وقال بعضهم: مع النساء والزمنى؛ وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ .

يعني: المنافقين.

﴿ وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ﴾ .

ذكر في بعض القصّة "أنه لما مات عبد الله بن أبيّ، فجاء ابنه إلى رسول الله  ، فقال: يا رسول الله، إن إبي مات وأوصانا أن نكفنه في قميصك، وأن تصلي عليه، فخلع النبي قميصه فأعطاه، ومشى فصلى، وقام على قبره" .

وروي في بعض الأخبار "أنه صلى عليه، وألبسه قميصه، فقيل له: تلبس عدو الله فميصك، فقال: إني لأرجو أن يسلم بقميصي من بني الخزرج ألف" ، فذكر أنه لما فعل ذلك أسلم ألف رجل من المنافقين.

وروي أنه لم يصل عليه، فلا ندري كيف كان الأمر بعد أن جاء النهي عن الصلاة على المنافقين بقوله: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، سماهم فسقة، واسم الكفر أقبح وأذمّ، لكنهم جمعوا مع الكفر أنواع الفسق؛ ليعلم أن اعتقادهم الكفر والمذهب الذي يذهبون إليه إنما اعتقدوا لهواهم؛ إذ الفسق مما يحرمه كل [ذي] مذهب ودين، وكل يأنف عن الفسق ويتبرأ منه، ولا كذلك الكفر؛ لأن كل من آمن بشيء كفر بضده، وأصل الفسق: هو الخروج عن الأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم من أهل التأويل: إنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة.

وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح، وقد ذكرنا الوجه الذي يدل على نقض قولهم فيما تقدم.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : وهو القتال والحروب التي أمروا بها؛ [كقوله]: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً  ﴾ .

وهو التعذيب الذي ذكر؛ لأنهم يصيرون مقتولين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ ﴾ .

قيل: تذهب وتهلك ﴿ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن أعادك الله -أيها النبي- إلى فريق من هؤلاء المنافقين ثابت على نفاقه، فطلبوا منك الإذن بالخروج معك في غزوة أخرى، فقل لهم: لن تخرجوا- أيها المنافقون- معي في الجهاد في سبيل الله أبدًا عقوبة لكم، وحذرًا من المفاسد المترتبة على وجودكم معي، فقد رضيتم بالقعود والتخلف في غزوة تبوك، فاقعدوا وابقوا مع المتخلفين من المرضى والنساء والصبيان.

<div class="verse-tafsir" id="91.45zGJ"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده