الآية ٨٦ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٨٦ من سورة التوبة

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَـٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ ٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 47 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٦ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى منكرا وذاما للمتخلفين عن الجهاد ، الناكلين عنه مع القدرة عليه ووجود السعة والطول ، واستأذنوا الرسول في القعود ، وقالوا : ( ذرنا نكن مع القاعدين ) ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء - وهن الخوالف - بعد خروج الجيش ، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس ، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلاما ، كما قال [ الله ] تعالى ، عنهم في الآية الأخرى : ( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ) [ الأحزاب : 19 ] أي : علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن ، وفي الحرب أجبن شيء ، وكما قال الشاعر : أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النساء العوارك .

وقال تعالى في الآية الأخرى : ( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم [ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ] ) [ الآية ] [ محمد : 20 - 22 ] )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أنـزل عليك، يا محمد، سورة من القرآن, بأن يقال لهؤلاء المنافقين: (آمنوا بالله)، يقول: صدِّقوا بالله =(وجاهدوا مع رسوله)، يقول: اغزوا المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (41) =(استأذنك أولو الطول منهم)، يقول: استأذنك ذوو الغنى والمال منهم في التخلف عنك، والقعود في أهله (42) =(وقالوا ذرنا)، يقول: وقالوا لك: دعنا، (43) نكن ممن يقعد في منـزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم، ومن لا يقدر على الخروج معك في السفر.

(44) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17061- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (استأذنك أولو الطول)، قال: يعني أهل الغنى.

17062- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( أولو الطول منهم)، يعني: الأغنياء.

17063- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (وإذا أنـزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم)، كان منهم عبد الله بن أبيّ، والجدُّ بن قيس.

فنعى الله ذلك عليهم.

(45) ------------------------ الهوامش: (41) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص : 399 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(42) انظر تفسير " الطول " فيما سلف 8 : 182 - 185 .

(43) انظر تفسير " ذر " فيما سلف 13 : 291 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(44) انظر تفسير " القعود " فيما سلف ص : 404 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(45) الأثر : 17063 - سيرة ابن هشام 4 : 197 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17055 ، غير أن ابن هشام قال : " وكان ابن أبي من أولئك ، فنعى الله ذلك عليه ، وذكره منه " .

ولم يذكر هنا " الجد بن قيس " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين [ ص: 147 ]انتدب المؤمنون إلى الإجابة وتعلل المنافقون .

فالأمر للمؤمنين باستدامة الإيمان وللمنافقين بابتداء الإيمان .

و ( أن ) في موضع نصب ; أي بأن آمنوا .

و ( الطول ) الغنى ; وقد تقدم .

وخصهم بالذكر لأن من لا طول له لا يحتاج إلى إذن لأنه معذور .

( وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ) أي العاجزين عن الخروج .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى في بيان استمرار المنافقين على التثاقل عن الطاعات، وأنها لا تؤثر فيهم السور والآيات‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ‏}‏ يؤمرون فيها بالإيمان باللّه والجهاد في سبيل اللّه‏.‏ ‏{‏اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أولي الغنى والأموال، الذين لا عذر لهم، وقد أمدهم اللّه بأموال وبنين، أفلا يشكرون اللّه ويحمدونه، ويقومون بما أوجبه عليهم، وسهل عليهم أمره، ولكن أبوا إلا التكاسل والاستئذان في القعود ‏{‏وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم ) ذوو الغنى والسعة منهم في القعود ، ( وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ) في رحالهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا أُنزلت سورة» أي طائفة من القرآن «أن» أي بأن «آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطَّوْل» ذوو الغنى «منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا أنزلت سورة على محمد صلى الله عليه ولم تأمر بالإيمان بالله والإخلاص له والجهاد مع رسول الله، طلب الإذن منك -أيها الرسول- أولو اليسار من المنافقين، وقالوا: اتركنا مع القاعدين العاجزين عن الخروج.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - موقف المنافقين وموقف المؤمنين بالنسبة للجهاد ، كما بين عاقبة كل فريق فقال - تعالى - : ( وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ .

.

.

.

الفوز العظيم ) .والمراد بالسورة فى قوله - سبحانه - ( وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ) : كل سورة ذكر الله - تعالى - فيها وجوب الإِيمان به والجهاد فى سبيله .أى : أن من الصفات الذميمة لهؤلاء المنافقين ، أنهم كلما نزلت سورة قرآنية ، تدعو فى بعض آياتها الناس إلى الإِيمان بالله والجهاد فى سبيله ، ما كان منهم عند ذلك إلا الجبن والاستخذاء والتهرب من تكاليف الجهاد .

.

.وقوله : ( استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ .

.

.

) بيان لحال هؤلاء المنافقين عند نزول هذه السورة .والطول - بفتح الطاء - يطلق على الغنى والثروة ، مأخوذ من مادة الطول بالضم التى هى ضد القصر .والمراد بأولى الطول : رؤساء المنافقين وأغنياؤهم والقادرون على تكاليف الجهاد .أى : عند نزول السورة الداعية إلى الجهاد ، يجئ هؤلاء المنافقين أصحاب الغنى والثروة ، إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليستأذنوا فى القعود وعدم الخروج .

.

وليقولوا له بجبن واستخذاء ( ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين ) .أى : اتركنا يا محمد مع القاعدين فى المدينة من العجزة والنساء والصبيان ، واذهب أنت وأصحابه إلى القتال .وإنما خص ذوى الطول بالكذر ، تخليداً لمذمتهم واحتقارهم؛ لأنه كان المتوقع منهم أن يتقدموا صفوف المجاهدين ، لأنهم يملكون وسائل الجهاد والبذل ، لا ليتخاذلوا ويعتذروا ، ويقولوا ما قالوا مما يدل على جبنهم والتوائهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى بين في الآيات المتقدمة أن المنافقين احتالوا في رخصة التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو، وفي هذه الآية زاد دقيقة أخرى، وهي أنه متى نزلت آية مشتملة على الأمر بالإيمان وعلى الأمر بالجهاد مع الرسول، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو، وقالوا لرسول الله ذرنا نكن مع القاعدين أي مع الضعفاء من الناس والساكنين في البلد.

أما قوله: ﴿ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءامِنُواْ بالله وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: يجوز أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها، كما يقع القرآن والكتاب على كله وبعضه، وقيل المراد بالسورة هي سورة براءة، لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد.

البحث الثاني: قوله: ﴿ أن آمنوا بالله ﴾ قال الواحدي: موضع ﴿ أن ﴾ نصب بحذف حرف الجر.

والتقدير بأن آمنوا أي بالإيمان؟

البحث الثالث: لقائل أن يقول: كيف يأمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال.

أجابوا عنه: بأن معنى أمر المؤمنين بالإيمان الدوام عليه والتمسك به في المستقبل، وأقول لا حاجة إلى هذا الجواب، فإن الأمر متوجه عليهم، وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن التقدير كأنه قيل للمنافقين الإقدام على الجهاد قبل الإيمان لا يفيد فائدة أصلاً، فالواجب عليكم أن تؤمنوا أولاً، ثم تشتغلوا بالجهاد ثانياً حتى يفيدكم اشتغالكم بالجهاد فائدة في الدين، ثم حكى تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون، فقال: ﴿ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين ﴾ وفي ﴿ أُوْلُواْ الطول ﴾ قولان: الأول: قال ابن عباس والحسن: المراد أهل السعة في المال: الثاني: قال الأصم: يعني الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وفي تخصيص ﴿ أُوْلُواْ الطول ﴾ بالذكر قولان: الأول: أن الذم لهم ألزم لأجل كونهم قادرين على السفر والجهاد، والثاني: أنه تعالى ذكر أولوا الطول لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان.

ثم قال تعالى: ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف ﴾ وذكرنا الكلام المستقصى في الخالف في قوله: ﴿ فاقعدوا مَعَ الخالفين ﴾ وهاهنا فيه وجهان: الأول: قال الفراء: ﴿ الخوالف ﴾ عبارة عن النساء اللاتي تخلفن في البيت فلا يبرحن، والمعنى: رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء.

الثاني: يجوز أيضاً أن يكون الخوالف جمع خالفة في حال.

والخالفة الذي هو غير نجيب.

قال الفراء: ولم يأت فاعل صيغة جمعه فواعل، إلا حرفان: فارس وفوارس، وهالك وهوالك، والقول الأول أولى، لأن أدل على القلة والذلة.

قال المفسرون: وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف.

ثم قال: ﴿ وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ وقد عرفت أن الطبع والختم عبارة عندنا عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الإيمان، وذلك لأن الفعل بدون الداعي لما كان محالاً، فعند حصول الداعية الراسخة القوية للكفر، صار القلب كالمطبوع على الكفر، ثم حصول تلك الداعية إن كان من العبد لزم التسلسل، وإن كان من الله فالمقصود حاصل.

وقال الحسن: الطبع عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان، وعند المعتزلة عبارة عن علامة تحصل في القلب، والاستقصاء فيه مذكور في سورة البقرة في قوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ أي لا يفهمون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها في قوله: ﴿ وَإِذَا نُزّلَتْ سُورَةٌ ﴾ كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه.

وقيل: هي براءة، لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿ أَنْ ءَامِنُوا ﴾ هي أن المفسرة ﴿ أُوْلُو الطول ﴾ ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولاً ﴿ مَعَ القاعدين ﴾ مع الذين لهم علة وعذر في التخلف ﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الشقاء والهلاك ﴿ لكن الرسول ﴾ أي إن تخلف هؤلاء فقد نهد إلى الغزو من هو خير منهم وأخلص نية ومعتقداً، كقوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ [الأنعام: 89] ، ﴿ فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبّكَ ﴾ [فصلت: 38] .

﴿ الخَيْرَاتِ ﴾ تتناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ.

وقيل: الحور، لقوله: ﴿ فِيهِنَّ خيرات ﴾ [الرحمن: 70] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ مِنَ القُرْآنِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها بَعْضُها.

﴿ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ بِأنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ.

﴿ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ ﴾ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ.

﴿ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ ﴾ الَّذِينَ قَعَدُوا لِعُذْرٍ.

﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ ﴾ مَعَ النِّساءِ جَمْعُ خالِفَةٍ وقَدْ يُقالُ الخالِفَةُ لِلَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ.

﴿ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ ما في الجِهادِ ومُوافَقَةِ الرَّسُولِ مِنَ السَّعادَةِ وما في التَّخَلُّفِ عَنْهُ مِنَ الشَّقاوَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ} يجوز أن يراد سورة بتمامها وأن يراد بعضها كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه {أن آمنوا بالله} بأن آمنوا أو هي أن المفسرة {وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ} ذو الفضل والسعة {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين} مع الذين لهم عذر في التخلف كالمرضى والزمنى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ مِنَ القُرْآنِ والمُرادُ بِها عَلى ما قِيلَ: سُورَةٌ مُعَيَّنَةٌ وهي بَراءَةُ، وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيها الإيمانُ والجِهادُ وهو أوْلى وأفْيَدُ؛ لِأنَّ اسْتِئْذانَهم عِنْدَ نُزُولِ آياتِ بَراءَةَ عُلِمَ مِمّا مَرَّ، و( إذا ) تُفِيدُ التَّكْرارَ بِقَرِينَةِ المَقامِ وإنْ لَمْ تُفِدْهُ بِالوَضْعِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالسُّورَةِ بَعْضُها مَجازًا مِن بابِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، ويُوهِمُ كَلامُ الكَشّافِ إنَّ إطْلاقَ السُّورَةِ عَلى بَعْضِها بِطَرِيقِ الِاشْتِراكِ كَإطْلاقِ القُرْآنِ عَلى بَعْضِهِ ولَيْسَ بِذاكَ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ سُورَةٌ جَلِيلَةُ الشَّأْنِ ﴿ أنْ آمِنُوا ﴾ أيْ بِأنْ آمِنُوا ( فَأنْ ) مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِتَقَدُّمِ الإنْزالِ وفِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، والمُرادُ أخْلَصُوا الإيمانَ ﴿ بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ ﴾ لِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وأمّا التَّعْمِيمُ أوْ إرادَةُ المُؤْمِنِينَ بِمَعْنى دُومُوا عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ إلَخْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرَسِيُّ وغَيْرُهُ فَلا يُناسِبُ المَقامَ ويَحْتاجُ فِيهِ ارْتِباطُ الشَّرْطِ والجَزاءِ إلى تَكَلُّفِ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ كاعْتِبارِ ما هو مِن حالِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ( ﴿ اسْتَأْذَنَكَ ﴾ ) أيْ: طَلَبَ الإذْنَ مِنكَ وفِيهِ التِفاتٌ ﴿ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ ﴾ أيْ: أصْحابُ الفَضْلِ والسِّعَةِ مِنَ المُنافِقِينَ وهم مَن لَهُ قُدْرَةٌ مالِيَّةٌ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ البَدَنِيَّةُ بِالقِياسِ وخَصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المَلُومُونَ ﴿ وقالُوا ذَرْنا ﴾ أيْ دَعْنا ﴿ نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَمْ يُجاهِدُوا لِعُذْرٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، والعَطْفُ عَلى اسْتَأْذَنَكَ لِلتَّفْسِيرِ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما اسْتَأْذَنُوا فِيهِ وهو القُعُودُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، يعني: سورة براءة.

أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ، يعني: يأمرهم فيها أن صدقوا بقلوبكم كما أقررتم بلسانكم، وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ، يعني: استأذنك في القعود أهل السعة والغنى من المنافقين.

وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ، يعني: دعنا وائذن لنا نتخلف ونقعد مع القاعدين الذين تخلفوا في المدينة عن القاعدين، يعني: دعنا وائذن لنا نتخلف ونقعد مع القاعدين الذين تخلفوا في المدينة عن الجهاد.

ورَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ، يعني: بأن يجالسوا النساء بالمدينة.

يقال: الخوالف هم خساس الناس ودناتهم، يقال: خالف أهله، إذا كان دونهم.

وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ التوحيد، ويقال: لا يعلمون ثواب الخروج إلى الجهاد.

ثم قال عز وجل: لكِنِ الرَّسُولُ، يعني: إن لم يجاهد المنافقون، فالله تعالى غني عنهم ويجاهد الرسول.

وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، إن لم تخرجوا أنتم.

وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ، يعني: الحسنات، ويقال: زوجات حسان في الجنة.

والخيرة: الزوجة، والخيرة: الثواب.

وقال القتبي والأخفش: الخيرات واحدها خيرة: وهن الفواضل.

وروى مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: في قوله: وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ قال: «لكل مسلم خبرة، ولكل خيرةٌ خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليها في كل يوم من الله تعالى تحفة وكرامة وهدية، لم يكن قبل ذلك لا طمحات ولا مرحات ولا بخرات ولا دفرات وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: 22] الآية.

قال أهل اللغة: طمحات يعني: ناكسات رؤوسهن، مرحات: خفيفات الرؤوس، بخرات: منتن ريح الفم، ودفرات: منتن ريح الإبط.

ثم قال: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، يعني: الناجون في الآخرة.

قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يعني: النجاة الوافرة والثواب الجزيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وخرَّج ابن ماجه بسنده، عن يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ «١» ، عن أنس، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يُرْسَلُ البُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى تَصِيرَ في وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السُّفُنُ لَجَرَتْ» «٢» ، وخرَّجه ابن المبارك أيضاً عن أنس، قال: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يا أيّها النَّاسُ، ابكوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعَ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ، فَتُقَرِّحُ العُيُونَ، فَلَوْ أَنَّ سُفُناً أُجْرِيَتْ فِيهَا، لَجَرَتْ» «٣» ، انتهى من «التذكرة» .

وقوله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ ...

الآية: يشبه أنْ تكون هذه الطائفةُ قد حُتِمَ عليها بالموافاة على النفاق، وعيّنوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ: نصٌّ في موافاتهم على ذلك وممَّا يؤيِّد هذا ما روي أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم عَيَّنهم لحذيفةَ بْنِ اليمانِ، وكان الصحابة إِذا رأَوْا حذَيفةَ تأخَّر عن الصَّلاة على جنازة، تأَخَّرُوا هم عنها، وروِي عَنْ حذيفة أَنه قَالَ يَوْماً: بَقِيَ من المنافقين كَذَا وَكَذَا «٤» .

وقوله: أَوَّلَ هو بالإِضافة إِلى وَقْت الاستئذان، و «الخالفون» : جَمْعُ مَنْ تخلَّف من نساءٍ، وصبيان، وأهْل عذر، وتظاهرت الرواياتُ أنه صلَّى الله عليه وسلّم صلَّى على عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُول، وأَنَّ قوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ نزلَتْ بعد ذلك، وقد خرَّج ذلك البخاريُّ من رواية عمر بن الخَطَّاب.

انتهى.

«٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ[التَّوْبَةِ: ٥٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ هَذا عامٌ في كُلِّ سُورَةٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِها سُورَةُ (بَراءَةَ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ آمِنُوا ﴾ أيْ: بِأنْ آَمَنُوا.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: اسْتَدِيمُوا الإيمانَ.

والثّانِي: افْعَلُوا فِعْلَ مَن آَمَنَ.

والثّالِثُ: آَمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آَمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَأْذَنَكَ ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ (أُولُو الطَّوْلِ) يَعْنِي الغَنِيَّ، وهُمُ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ.

وَفِي "الخَوالِفِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الخَوالِفُ هاهُنا النِّساءَ، ولا يَكادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجالَ عَلى تَقْدِيرِ فَواعِلَ، غَيْرَ أنَّهم قَدْ قالُوا: فارِسٌ، والجَمِيعُ: فَوارِسُ، وهالِكٌ [فِي قَوْمٍ] هَوالِكُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَوالِفُ لا يَقَعُ إلّا عَلى النِّساءِ، إذِ العَرَبُ تَجْمَعُ فاعِلَةً: فَواعِلَ؛ فَيَقُولُونَ: ضارِبَةٌ، وضَوارِبُ، وشاتِمَةٌ، وشَواتِمُ؛ ولا يَجْمَعُونَ فاعِلًا: فَواعِلَ، إلّا في حَرْفَيْنِ: فَوارِسُ، وهَوالِكُ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ الخَوالِفِ: المُتَخَلِّفاتِ في المَنازِلِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ المُخالَفاتِ العاصِياتِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللّاتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخَوالِفَ: خِساسُ النّاسِ وأدْنِياؤُهُمْ؛ يُقالُ: فَلانٌ خالِفَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ دُونَهم، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فَأمّا "طُبِعَ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: خَتَمَ.

و"الخَيْراتُ" جَمْعُ خِيرَةٍ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالخَيْراتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الفاضِلاتُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: الجَوارِي الفاضِلاتُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

والثّالِثُ: غَنائِمُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الجِهادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وصَلاةُ رَسُولِ اللهِ  عَلَيْهِ.

رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَجَذَبَهُ بِثَوْبِهِ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا الآيَةُ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ  ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ،» وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  صَلّى عَلَيْهِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي كِتابِ الجَنائِزِ مِنَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: « "أتى رَسُولُ اللهِ  عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَما أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ووَضَعَهُ عَلى رُكْبَتِهِ ونَفَثَ عَلَيْهِ مِن رِيقِهِ، وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ"،» وَرُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللهِ  في مَرَضِهِ ورَغِبَ إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.» ورُوِيَ «أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ جاءَ رَسُولَ اللهِ  بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ فَرَغِبَ في ذَلِكَ وفي أنْ يَكْسُوَهُ قَمِيصَهُ الَّذِي يَلِي بَدَنَهُ، فَفَعَلَ، فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ  لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ؟

وجَعَلَ يُعَدِّدُ أفْعالَ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَإنِّي خُيِّرْتَ، ولَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وإنِّي لِأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِفِعْلِي هَذا ألْفُ رَجُلٍ مِن قَوْمِي"»، كَذا في بَعْضِ الرِواياتِ، يُرِيدُ: مِن مُنافِقِي العَرَبِ، والصَحِيحُ أنَّهُ قالَ: "رِجالٌ مِن قَوْمِهِ"، فَسَكَتَ عُمَرُ، وصَلّى رَسُولُ اللهِ  عَلى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ  لِمَوْضِعِ إظْهارِ الإيمانِ، ومُحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وهو يَتَحَقَّقُ كُفْرَهُ، وبَعْدَ هَذا -واللهُ أعْلَمُ- عُيِّنَ لَهُ مَن لا يُصَلِّي عَلَيْهِ، ووَقَعَ في مَغازِي أبِي إسْحاقَ وفي بَعْضِ كُتُبِ التَفْسِيرِ: فَأسْلَمَ وتابَ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مِن رَسُولِ اللهِ  والرَغْبَةِ مِن عَبْدِ اللهِ ألْفُ رَجُلٍ مِنَ الخَزْرَجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، قالَهُ مَن لَمْ يَعْرِفْ عِدَّةَ الأنْصارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ  ﴾ الآيَةُ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ أُمَّتُهُ إذْ هو بِإجْماعٍ- مِمَّنْ لا تَفْتِنُهُ زَخارِفُ الدُنْيا.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: "وَلا تُعْجِبُكَ أيُّها الإنْسانُ"، والمُرادُ الجِنْسُ، ووَجْهُ تَكْرِيرِها تَأْكِيدُ هَذا المَعْنى وإيضاحُهُ، لِأنَّ الناسَ كانُوا يُفْتَنُونَ بِصَلاحِ حالِ المُنافِقِينَ في دُنْياهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ الآيَةُ، العامِلُ في "إذا" "اسْتَأْذَنَكَ"، والسُورَةُ المُشارُ إلَيْها هي بَراءَةٌ فِيما قالَ بَعْضُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى كُلِّ سُورَةٍ فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ مَعَ الرَسُولِ  ، وسُورَةُ القُرْآنِ أُجْمِعَ عَلى تَرْكِ هَمْزِها في الِاسْتِعْمالِ، واخْتُلِفَ هَلْ أصْلُها الهَمْزُ أمْ لا فَقِيلَ: أصْلُها الهَمْزُ، فَهي مِن أسْأرَ إذا بَقِيَتْ لَهُ قِطْعَةٌ مِنَ الشَيْءِ، فالسُورَةُ: قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: أصْلُها ألّا تُهْمَزَ فَهي كَسُورَةِ البِناءِ، وهي ما انْبَنى مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَهي الرُتْبَةُ بَعْدَ الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُ النابِغَةِ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أعْطاكَ سُورَةً ∗∗∗ تَرى كُلَّ مَلِكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ وقَدْ مَضى هَذا كُلُّهُ مُسْتَوْعَبًا في صَدْرِ هَذا الكِتابِ.

و"أنْ" في قَوْلِهِ: "أنْ آمِنُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى أيْ، فَهي -عَلى هَذا- لا مَوْضِعَ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: بِـ "أنْ" فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و"الطَوْلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما، والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومَعْتَبِ بْنِ قَشَيْرٍ، ونُظَرائِهِمْ.

والقاعِدُونَ: الزَمْنى وأهْلُ العُذْرِ في الجُمْلَةِ ومَن تُرِكَ لِضَبْطِ المَدِينَةِ لِأنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيعٌ وإظْهارُ شُنْعَةٍ كَما يُقالُ عَلى وجْهِ التَعْيِيرِ: رَضِيتَ يا فُلانُ كَذا؟

و"الخَوالِفُ": النِساءُ، جَمْعُ خالِفَةٍ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَحّاسُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ: خالِفَةٌ، فَهَذا جَمْعُهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ، والمُرادُ أخِسَّةُ الناسِ وأخالِفُهُمْ، وقالَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ النَقّاشِ: الخَوالِفُ: مَن لا خَيْرَ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوالِفُ جَمْعُ خالِفٍ فَهو جارٍ مَجْرى فَوارِسَ ونَواكِسَ وهَوالِكَ.

و"طُبِعَ" في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، ولَمّا كانَ الطَبْعُ عَلى الصَوّانِ والكِتابِ مانِعًا مِنهُ وحافِظًا عَلَيْهِ شَبَّهَ القَلْبَ الَّذِي قَدْ غَشِيَهُ الكُفْرُ والضَلالُ حَتّى مَنَعَ الإيمانَ والهُدى مِنهُ بِالصَوّانِ المَطْبُوعِ عَلَيْهِ، ومِن هَذا اسْتِعارَةٌ الغُفْلِ والكِنانِ لِلْقَلْبِ، و"لا يَفْقَهُونَ" مَعْناهُ: لا يَفْهَمُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا عطف غرض على غرض قصد به الانتقال إلى تقسيم فرق المتخلّفين عن الجهاد من المنافقين وغيرهم وأنواع معاذيرهم ومراتِبها في القبول.

دعا إليه الإغلاظ في تقريع المتخلّفين عن الجهاد نفاقاً وتخذيلا للمسلمين، ابتداء من قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38] ثم قوله: ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ [التوبة: 42] وكلّ ذلك مقصود به المنافقون.

ولأجل كون هذه الآية غرضاً جديداً ابتدأت بذكر نزول سورة داعية إلى الإيمان والجهاد.

والمراد بها هذه السورة، أي سورة براءة، وإطلاق اسم السورة عليها في أثنائها قبل إكمالها مجاز متّسع فيه كإطلاق الكتاب على القرآن في أثناء نزوله في نحو قوله: ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2] وقوله: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك ﴾ [الأنعام: 92] فهذا الوصف وصف مقدّر شبيه بالحال المقدّرة.

وابتدأ بذكر المتخلّفين من المنافقين بقوله: ﴿ استأذنك أولوا الطول منهم ﴾ .

والسورة طائفة معينة من آيات القرآن لها مبدأ ونهاية وقد مضى الكلام عليها آنفاً وقبيل هذا.

ولمّا كانت السورةُ ألفاظاً وأقوالاً صحّ بيانها ببعض ما حوته وهو الأمر بالإيمان والجهاد فقوله: ﴿ أن آمنوا بالله ﴾ تفسير للسورة و ﴿ أنْ ﴾ فيه تفسيرية كالتي في قوله تعالى حكاية عن عيسى ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ [المائدة: 117] ويجوز تفسير الشيء ببعضه شبهُ بدل البعض من الكلّ.

وليس المراد لفظ ﴿ آمنوا ﴾ وما عطف عليه بل ما يراد فهما مثل قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ﴾ [التوبة: 38] الآيات وقوله: ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ﴾ [التوبة: 44].

والطَّوْل: السعة في المال قال تعالى: ﴿ ومن لم يستطع منكم طَوْلا أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ [النساء: 25] وقد تقدّم.

والاقتصار على الطّول يدلّ على أنّ أولي الطول مراد بهم من له قدرة على الجهاد بصحة البدن.

فبوجود الطول انتفى عذرهم إذ من لم يكن قادراً ببدنه لا ينظر إلى كونه ذا طول كما يدلّ عليه قوله بعدُ ﴿ ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ﴾ [التوبة: 91].

والمراد بأولِي الطول أمثال عبد الله بن أبَيّ بن سَلول، ومعتّب بن قشير، والجِدّ بن قيس.

وعطف ﴿ وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ﴾ على ﴿ استئذنك ﴾ لما بينهما من المغايرة في الجملة بزيادة في المعطوف لأن الاستئذان مجمل، وقولهم المحكي فيه بيان ما استأذنوا فيه وهو القعود.

وفي نظمه إيذان بتلفيق معذرتهم وأنّ الحقيقة هي رغبتهم في القعود ولذلك حكي قولهم بأنْ ابتُدئ ب ﴿ ذَرْنا ﴾ المقتضي الرغبة في تركهم بالمدينة.

وبأن يكونوا تبعاً للقاعدين الذين فيهم العُجَّز والضعفاء والجبناء، لما تؤذن به كلمة ﴿ مع ﴾ من الإلحاق والتبعية.

وقد تقدّم أن (ذَرْ) أمر من فعل ممات وهو (وَذَرَ) استغنَوا عنه بمرادفه وهو (تَرك) في قوله تعالى: ﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ في سورة الأنعام (70).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعَذِّبُهم بِحِفْظِها في الدُّنْيا والإشْفاقِ عَلَيْها.

والثّانِي: يُعَذِّبُهم بِما يَلْحَقُهم مِنها مِنَ النَّوائِبِ والمَصائِبِ.

والثّالِثُ: يُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ بِما صَنَعُوا بِها في الدُّنْيا عِنْدَ كَسْبِها وعِنْدَ إنْفاقِها.

وَحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ وجْهًا رابِعًا: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وتَقْدِيرُهُ: ولا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم في الدُّنْيا إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتَدِيمُوا الإيمانَ بِاللَّهِ.

والثّانِي: افْعَلُوا فِعْلَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.

والثّالِثُ: آمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آمَنتُمْ بِأفْواهِكم، ويَكُونُ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ.

﴿ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أهْلُ الغِنى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أهْلُ القُدْرَةِ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعَ المُنافِقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم خِساسُ النّاسِ وأدْناهم مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ خالَفَهُ أهْلُهُ إذا كانَ دُونَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولوا الطول ﴾ قال: أهل الغنى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ موضع (أن) نصب بحذف حرف الجر على تقدير: بأن آمنوا، كأنه قيل بالإيمان.

قال أهل المعاني: (ومعنى الأمر للمؤمنين بالإيمان: الدوام عليه والتمسك به في مستقبل الأوقات) (١) وقوله تعالى: ﴿ أُولُو الطَّوْلِ ﴾ ، قال ابن عباس والحسن: (استأذنك أهل الغنى في التخلف) (٢) وقال مقاتل: (أهل السعة في المال) (٣) وقال ابن كيسان: (يعني الكبراء المنظور إليهم) (٤) (٥) ﴿ أُولُو الطَّوْلِ ﴾ لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان في القعود؛ لأنه معذور، وهؤلاء لا عذر لهم في القعود، فيستأذنون ويقعدون، وقد فضح الله عز وجل المنافقين بهذه الصفات التي ذكرهم بها أشد الفضيحة.

(١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 119، و"معاني القرآن الكريم" للنحاس 2/ 215.

(٢) رواه عن ابن عباس بنحوه ابن جرير 10/ 207، وابن أبي حاتم 6/ 1858، وذكره عن الحسن بمعناه الرازي في "تفسيره" 16/ 156، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 82.

(٣) "تفسير مقاتل" 133 ب.

(٤) انظر: "تفسير الرازي" 16/ 156، و"البحر المحيط" 5/ 82.

(٥) انظر: "تفسير البسيط" النساء: 25.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ قيل: يعني براءة والأرجح أنه على الإطلاق ﴿ أَنْ آمِنُواْ ﴾ أن هنا مفسرة ﴿ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ ﴾ أي أولو الغنى والمال الكثير ﴿ لكن الرسول ﴾ الآية أي إن تخلف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومن معه ﴿ الخيرات ﴾ تعم منافع الدارين وقيل: هو الحور العين لقوله: خيرات حسان ﴿ وَجَآءَ المعذرون ﴾ هم المعتذرون ثم ادغمت التاء في الذال ونقلت حركته إلى العين، واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبين وقيل: هم المقصورون من عُذِرَ في الأمر إذ قصَّر فيه ولم يجد، فوزنه على هذا المفعلون وروي أنها نزلت في قوم من غفار ﴿ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ هم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم فكذبوا في دعواهم الإيمان ﴿ سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ أي من المعذرين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ معي أبدأ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والمفضل ﴿ معي عدو ﴾ بالفتح: حفص فقط.

الوقوف: ﴿ أو لا تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ في الحر ﴾ ط ﴿ حراً ﴾ م لأن المعنى لو كانوا يفقهون حرارة النار لما قالوا لا تنفروا في الحر.

ولو وصل لأوهم أن جهنم لا يكون نارها أشد حراً إذا لم يفقهوا ذلك ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح أن يكون مفعولاً له أو مصدر محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ معي عدوّاً ﴾ ط ﴿ الخالفين ﴾ ه ﴿ على قبره ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ وأولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ز لابتداء وعد الفلاح على التعظيم بدليل تكرار ﴿ أولئك ﴾ مع اتفاق الجملتين.

﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس أن عند نزول الآية الأولى في المنافقين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا واشتغل بالاستغفار لهم فنزل ﴿ استغفر لهم ﴾ الآية، ومن المفسرين من قال: إنهم طلبوا من الرسول  أن يستغفر لهم وإن الله نهاه عنه.

والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي أقدم على ذلك الفعل.

ثم إن الدليل قد يدل على أنه ما اشتغل بالاستغفار لأن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه أن الاستغفار للكافر غير جائز، ولأن الاستغفار للمنافق يجري مجرى اغرائه على مزيد النفاق ولأنه يلزم أن يكون النبي  غير مجاب الدعوة وإن أكثر في الدعاء.

ومن الفقهاء من قال: التخصيص بالعدد المعين يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه لما روي أنه لما نزلت الآية قال  : "لأزيدن على السبعين" فنزل ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم  ﴾ فكف عنه.

فلولا أنه فهم بدليل الخطاب أن الأمر فيما وراء السبعين بالخلاف لم يقل لأزيدنّ على ذلك.

وأجيب بأنه أراد إظهار الرحمة والرأفة بأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم لبعض لا أنه فهم منه ذلك، كيف وقد قال  ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ وأردفه بقوله ﴿ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ .

فليس المقصود بهذا العدد تحديد المنع وإنما هو كقول القائل لمن يسأله حاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها.

ولهذا بين العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وهي كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين.

وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً هو أن السبعة عدد شريف لأنه عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فضرب السبعة في عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها.

وقيل: خص بالذكر لأنه  كبّر على حمزة سبعين تكبيرة وكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة: هذا وقد مر في تفسير قوله ﴿ قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً  ﴾ أن هذا أمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لا، وانتصاب سبعين على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعالهم فقال ﴿ فرح المخلفون ﴾ قيل: إنهم احتالوا أن يتخلفوا وكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون.

وأجيب بأنهم استأذنوا رسول الله  فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو أريد خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، أو المجاهدون لما لم يوافقوهم في القعود فكأنهم خلفوهم، أو أطلق عليهم المخلفون باعتبار أنهم سيصيرون ممنوعين من الخروج في الآية الآتية ﴿ فإن رجعك الله ﴾ إلى قوله ﴿ ولن تقاتلوا معي عدواً ﴾ ومعنى ﴿ بمقعدهم ﴾ بقعودهم قاله مقاتل.

أو بموضع قعودهم وهو المدينة قاله ابن عباس.

ومعنى ﴿ خلاف رسول الله ﴾  مخالفة رسول الله  حين سار وأقاموا قاله قطرب والزجاج فانتصابه على أنه مفعول له أي قعد والأجل خلافه أو على الحال مثل "فأرسلها العراك" أي مخالفين له، وقال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف أي بعد رسول الله  وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان يخالفها جهة الخلف ﴿ وكرهوا أن يجاهدوا ﴾ كيف لا يكرهون وليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإخلاص ومعهم صارف الكفر والنفاق؟

وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين أموالهم وأرواحهم في الله المؤثرين ذلك على الدعة والخفض.

واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب إلا أنه صريح بذلك للتوكيد، ولعل المراد أنه مال طبعهم إلى الإقامة لإلفهم بالبلد واستئناسهم بالأهل والولد، وكرهوا الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والإهدار.

﴿ قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ﴾ أن بعد هذه الدار دار أخرى وبعد هذه الحياة حياة أخرى.

وهذه المشقة منقضية سهلة وتلك باقية صعبة ولبعضهم وكأنه صاحب الكشاف: مسرة أحقاب تلقيت بعدها *** مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة *** وراء تقضيها مساءة أحقاب وفي هذا استجهال عظيم لهم.

ثم قال ﴿ فليضحكوا ﴾ وهو خبر إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره ومعناه فسيضحكون قليلاً أي ضحكاً قليلاً أو زماناً قليلاً وسيبكون كثيراً.

يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.

ثم عرف نبيه وجه الصلاح في سائر الغزوات فقال ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ﴾ أي إن ردّك إلى المدينة.

الرجع متعد مثل الرد، والرجوع لازم.

وإنما قال طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم أو اعتذر بعذر صحيح.

وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين فأراد بالطائفة المخلفين من المنافقين.

﴿ فاستأذنوك للخروج ﴾ إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبداً ﴾ عاقبهم بإسقاط عن ديوان الغزاة جزاء على تخلفهم لما فيه من الذم والطرد وصلاحاً لأمر الجهاد لما في استصحابهم من المفاسد المذكورة في قوله ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً  ﴾ ويعني بأول مرة غزوة تبوك.

وإنما لم يقل أول المرات معرفاً مجموعاً لأن المعنى إن فصلت المرات مرة مرة كانت هذه أولها نظيره "هو أفضل رجل" يعني إن عدّ الرجال رجلاً رجلاً كان هو أفضلهم.

وإنما لم يقل "أولى مرة" لأن أكثر اللغتين "هند أكبر النساء" ولا يكاد يقال "هي أكبر امرأة" ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ كقوله ﴿ وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ {التوبة: 46] والخالف من يخلف الرجل في قومه.

وعن الأصمعي أنه الفاسد من خلف اللبن والنبيذ إذا فسد.

وعن الفراء معناه المخالف.

قال قتادة: ذكر لنا أن الخالفين الذين أمروا بالقعود كانوا اثني عشر رجلاً.

عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبد الله ابن أبيّ ابن سلول عاده رسول الله  فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه الذي يلي جلده ليكفن فيه ففعل كل ذلك.

وعنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله  للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف علي يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدوّ الله عبد الله ابن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا؟

أعدد أيامه ورسوله  يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت.

قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله  والله ورسوله أعلم.

قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ﴾ الآية.

فما صلى رسول الله  بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله.

قال المفسرون: وكلم رسول الله  فيما فعل بعبد الله بن أيّ قال: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إن كنت لأرجو أن يسلم به ألف من قومه وكان كما قال.

وقيل: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه غلب على ظن الرسول أنه انتقل إلى الإيمان لأنه وقت يتوب فيه الكافر فرغب أن يصلي عليه.

وذكر من أسباب دفع القميص أن العباس عم رسول الله  أخذ أسيراً ببدر ولم يجدوا له قميصاً طويلاً فكساه عبد الله قميصه، ومنها أن المشركين قالوا له يوم الحديبية إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك.

فقال: إن لي في رسول الله  أسوة حسنة، فشكر رسول الله  صنيعه.

ومنها أنه كان لا يرد السائل لقوله  ﴿ وأما السائل فلا تنهر  ﴾ ومنها أن ابنه عبد الله كان من الصالحين فالرسول أكرمه لمكان ابنه.

ومنها إظهار الرأفة والرحمة كما مر.

قوله ﴿ مات ﴾ صفة لأحد ﴿ وأبداً ﴾ ظرف لقوله ﴿ لا تصل ﴾ وإنه يحتمل تأبيد النفي ونفي التأبيد والظاهر الأول، لأن القرائن تدل على منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً.

قال الزجاج: معنى قوله ﴿ ولا تقم على قبره ﴾ أن رسول الله  كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه.

وقال الكلبي: معناه لا تقم بإصلاح مهمات قبره و ﴿ أنهم كفروا ﴾ تعليل للنهي ويرد عليه أن الكفر حادث وحكم الله قديم والحادث لا يكون علة للقديم.

وأجيب بأن العلة ههنا بمعنى الإمارة المعرفة للحكم.

قال في الكشاف: وإنما قيل مات وماتوا بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير لكون والوجود لأنه كائن موجود لا محالة.

وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبح في جميع الأديان.

أما قوله ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ﴾ فقد سبق مثله في هذه السورة بتفاوت ألفاظ فوجب علينا أن نذكر سبب التفاوت، ثم فائدة التكرار فنقول والله  أعلم بمراده: إنما ذكر النهي ههنا بالواو وهناك بالفاء لأنه لا تعلق له ههنا بما قبله وهو موتهم على حالة الفسق خلاف ما هنالك.

وإنما قال ههنا ﴿ وأولادهم ﴾ بدون "لا" لأن المراد هنالك الترقي من الأدون إلى الأعلى وهو أن إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم كقولك: لا يعجبني أمر النائب ولا أمر المنوب.

وههنا أراد المعية فقط إما اكتفاء بما سبق هناك، وإما لأن هؤلاء أقوام آخرون لم يكن عندهم تفاوت بين الأمرين.

وقيل: إنه هناك لما علق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط أكد معنى النهي بتكرار "لا"، وإنما قال ههنا ﴿ إن يعذبهم ﴾ لأنه إخبار عن قوم ماتوا على الكفر فتعلق الإرادة بما هم فيه وهو العذاب.

وأما في الآية المتقدمة فالمفعول محذوف وقد مر.

وقيل: الفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه "أن"، وإنما حذف الحياة ههنا اكتفاء بما ذكر هنالك وقيل تنبيهاً على أن الحياة الدنيا لا تستحق أن تسمى حياة لخستها.

وأما فائدة التكرير فهي المبالغة في التحذير من الأموال والأولاد لأنها جذابه للقلوب فتحتاج إلى صارف قوي، ويحتمل أن تكون الأولى في قوم والثانية في آخرين.

وقيل: الثانية في اليهود والأولى في المنافقين.

ثم عاد إلى توبيخ المنافقين فقال ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ أي تمامها ويجوز أن يزاد عليها كما يقع القرآن والكتاب على بعضه.

وقيل: هي براءة لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿ أن آمنوا ﴾ "أن" هي المفسرة لأن إنزال السورة في معنى القول.

وقال الواحدي: تقديره بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان ﴿ أولوا الطول ﴾ ذو الفضل والسمعة من طال عليه طولاً قاله ابن عباس والحسن.

وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصوا بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود ﴿ مع القاعدين ﴾ مع أصحاب الأعذار من الضعفة والزمنى.

والخوالف النساء اللواتي تخلفن في البيت، وجوز بعضهم أن يكون الخوالف جمع خالف وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف.

ثم قال ﴿ وطبع على قلوبهم ﴾ كقوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وقد مر البحث فيه، وقال الحسن: الطبع بلوغ القلب في الكفر إلى حد كأنه مات عن الإيمان.

وقالت الأشاعرة: هو حصول داعية الكفر المانعة من الإيمان.

والطبع في اللغة الختم وهو التأثير في الطين ونحوه، ومنه الطبع للسجية التي جبل عليها الإنسان ﴿ فهم لا يفقهون ﴾ أسرار حكمة الله في الجهاد أو في الذهاب من السعادة وما في التخلف من الشقاء.

وفي قوله ﴿ لكن الرسول ﴾ نكتة هي أنه إن تخلف هؤلاء فقد أنهض إلى الغزو من هو خير منهم وأصدق نية كقوله ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين  ﴾ ثم ذكر منافع الجهاد على الإجمال فقال ﴿ وأولئك لهم الخيرات ﴾ وهي شاملة لمنافع الدارين.

وقيل: هي الحور لقوله ﴿ فيهن خيرات حسان  ﴾ وقوله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ المراد منه الخلاص من المكاره.

ثم فصل ما أجمل فقال ﴿ أعد الله ﴾ الآية وقيل: الخيرات الفلاح في الدنيا وهذه في الآخرة.

و ﴿ الفوز العظيم ﴾ عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ودرجة عالية.

التأويل: إنما لم يؤثر استغفار الرسول في حقهم لقصور في القائل لا لتقصير في الفاعل، والأثر يتوقف على الأمرين ﴿ جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ من رين القلوب وكدورة الأرواح بظلمة الصفات الحيوانية.

﴿ وهم كافرون ﴾ مستورو القلوب بحجاب حب الأموال والأولاد.

لهم الخيرات لما سعوا سعي العبودية نالوا خيرات الربوبية، ﴿ هم المفلحون ﴾ المتخلصون عن حجب صفات النفس ﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إذ لا حجاب أعظم من حجاب النفس والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ﴾ .

أي: إذا أنزلت سورة فيها ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ ، لا أنها تنزل سورة بهذا الحرف، ولكن فيها ذكر ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ بقلوبهم؛ لأنهم قد أظهروا الإيمان باللسان، وهم لم يكونوا مؤمنين بالله حقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ ﴾ .

قيل: أولوا الطول: هم أهل الغنى والسعة.

وقيل: أولوا الطول: أهل الفضل والشرف الذين كانوا يصدرون لآرائهم، وينظرون إلى تدبيرهم، وقد كان في أهل النفاق أهل السعة والغناء، وأهل النظر والتدبير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ .

استأذنوا في القعود عن الجهاد - والله أعلم - لما كانوا يوالون أهل الكفر سرّاً، فكرهوا القتال مع الأولياء، أو كانوا يتخلفون ويمتنعون عن الخروج إلى القتال؛ [لفشلهم وبغيهم؛ لأنهم لم يكونوا يعملون لعواقب تتأمل إنما كانوا يعملون لمنافع حاضرة؛ لذلك كانوا يمتنعون عن الخروج إلى القتال]، وأما أهل الإيمان: فإنهم إنما يعملون للعواقب، وكذلك أهل الكفر إنما يقاتلون أهل الإيمان إما غنيمة في العاقبة يتأملون، لكنهم كانوا يستأذنون في القعود، ويكونون مع القاعدين، يرون من أنفسهم أن لهم العذر في القعود.

ثم قوله: ﴿ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ ﴾ يحتمل: مع القاعدين من الضعفاء والمرضى والصبيان، حتى إذا أتاهم العدو من بعد ما خرج الرجال منهم إلى قتال العدو، يقومون لدفع العدو عن هؤلاء.

أو يكون قولهم: ذرنا نكن مع القاعدين من أهل العذر، يرون أنفسهم أنهم أهل العذر، ولم يكن [لهم] عذر في ذلك؛ كقوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ  ﴾ الآية، فعلى ذلك الأول يحتمل هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ ﴾ .

قيل: مع النساء، فهذا حرف تعيير وتوبيخ، أي: رضوا بأن يكونوا في مشاهد النساء دون مشاهد الرجال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .

أن للإيمان نوراً يبصر به عواقب الأمور، ويرفع الحجاب والستر عن القلوب وعن الأمور فتراها بادية ظاهرة، وللكفر ظلمة تستر الظاهر من الأمور والبادى منها، فتستر تلك الظلمة قلبه، فذلك الطبع، وقد ذكرنا الوجه فيه في غير موضع، والله أعلم.

﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .

ما يلحقهم من التعيير برضاهم بالقعود مع الخوالف، والفقه: هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، منعت تلك الظلمة أن تعرف الأشياء بمعانيها وبنظائرها للحجاب الذي ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا أنزل الله سورة على نبيه محمد  متضمنة للأمر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله طلب الإذن في التخلف عنك أصحاب الغنى واليَسَار منهم، وقالوا: اتركنا نتخلف مع أصحاب الأعذار كالضعفاء والزَّمْنَى.

من فوائد الآيات الكافر لا ينفعه الاستغفار ولا العمل ما دام كافرًا.

الآيات تدل على قصر نظر الإنسان، فهو ينظر غالبًا إلى الحال والواقع الَّذي هو فيه، ولا ينظر إلى المستقبل وما يتَمَخَّض عنه من أحداث.

التهاون بالطاعة إذا حضر وقتها سبب لعقوبة الله وتثبيطه للعبد عن فعلها وفضلها.

في الآيات دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، وزيارة قبورهم والدعاء لهم بعد موتهم، كما كان النبي  يفعل ذلك في المؤمنين.

<div class="verse-tafsir" id="91.4NmB3"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله