الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٨٨ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 39 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى ذم المنافقين ، بين ثناء المؤمنين ، وما لهم في آخرتهم ، فقال : ( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا ) إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم .
وقوله : ( وأولئك لهم الخيرات ) أي : في الدار الآخرة ، في جنات الفردوس والدرجات العلى .
القول في تأويل قوله : لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لم يجاهد هؤلاء المنافقون الذين اقتصصت قصصهم المشركين, لكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والذين صدقوا الله ورسوله معه، هم الذين جاهدوا المشركين بأموالهم وأنفسهم, فأنفقوا في جهادهم أموالهم وأتعبوا في قتالهم أنفسهم وبذلوها (4) =(وأولئك)، يقول: وللرسول وللذين آمنوا معه الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم =(الخيرات), وهي خيرات الآخرة, وذلك: نساؤها، وجناتها، ونعيمها.
* * * = واحدتها " خَيْرَة ", كما قال الشاعر: (5) وَلَقَــدْ طَعَنْــتُ مَجَـامِعَ الـرَّبَلاتِ رَبَــلاتِ هِنْــدٍ خَــيْرَةِ المَلِكـاتِ (6) و " الخيرة "، من كل شيء، الفاضلة.
(7) * * * =(وأولئك هم المفلحون)، يقول: وأولئك هم المخلدون في الجنات، الباقون فيها، الفائزون بها.
(8) ------------------------ الهوامش : (4) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص : 411 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(5) لرجل من بني عدي ، عدي تيم تميم ، وهو جاهلي .
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 267 ، واللسان ( خير ) ، و " الربلات " جمع " ربلة " ( بفتح الراء وسكون الباء ، أو فتحها ) ، وهي لحم باطن الفخذ .
عنى أمرًا قبيحًا .
وقوله " خيرة " ، مؤنث " خير " ، صفة ، لا بمعنى التفضيل ، يقال : " رجل خير ، وامرأة خيرة " ، فإذا أردت التفضيل قلت : " فلانة خير الناس " .
(7) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 267 .
(8) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف 13 : 574 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
وقوله تعالى في وصف المجاهدين : " وأولئك لهم الخيرات " قيل : النساء الحسان ; عن الحسن .دليله قوله عز وجل : " فيهن خيرات حسان " [ الرحمن : 70 ] .ويقال : هي خيرة النساء .والأصل خيرة فخفف ; مثل هينة وهينة .وقيل : جمع خير .فالمعنى لهم منافع الدارين ." وأولئك هم المفلحون " " هم " يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره " المفلحون " , والثاني وخبره خبر الأول , ويجوز أن تكون " هم " زائدة يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا - و " المفلحون " خبر " أولئك " .والفلح أصله في اللغة الشق والقطع ; قال الشاعر : إن الحديد بالحديد يفلح أي يشق ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها للحرث , قال أبو عبيد .ولذلك سمي الأكار فلاحا .ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح , وهو بين الفلحة , فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه .وقد يستعمل في الفوز والبقاء , وهو أصله أيضا في اللغة , ومنه قول الرجل لامرأته : استفلحي بأمرك , معناه فوزي بأمرك , وقال الشاعر : لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء : لكل هم من الهموم سعه والمسي والصبح لا فلاح معه يقول : ليس مع كر الليل والنهار بقاء .وقال آخر : نحل بلادا كلها حل قبلنا ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير أي البقاء : وقال عبيد : أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف وقد يخدع الأريب أي ابق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل .
يقول تعالى: إذا تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد، فاللّه سيغني عنهم، وللّه عباد وخواص من خلقه اختصهم بفضله يقومون بهذا الأمر، وهم {الرَّسُولُ} محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} غير متثاقلين ولا كسلين، بل هم فرحون مستبشرون، {وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} الكثيرة في الدنيا والآخرة، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الذين ظفروا بأعلى المطالب وأكمل الرغائب.
( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات ) يعني : الحسنات ، وقيل : الجواري الحسان في الجنة .
قال الله تعالى : ( فيهن خيرات حسان ) ، جمع خيرة وحكي عن ابن عباس : أن الخير لا يعلم معناه إلا الله كما قال جل ذكره : " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " ( السجدة - 17 ) .
( وأولئك هم المفلحون )
«لكن الرسولُ والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات» في الدنيا والآخرة «وأولئك هم المفلحون» أي الفائزون.
إنْ تخلَّف هؤلاء المنافقون عن الغزو، فقد جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه بأموالهم وأنفسهم، وأولئك لهم النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في الآخرة، وأولئك هم الفائزون.
وقوله - سبحانه - ( لكن الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) استدراك لبيان حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، بعد بيان حال المنافقين .أى : إذا كان حال المنافقين كما وصفنا من جبن وتخاذل وهو أن .
.
.
فإن حال المؤمنين ليس كذلك ، فإنهم قد وقفوا إلى جانب رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله ، وأطاعوه فى السر والعلن ، وآثروا ما عند الله على كل شئ فى هذه الحياة .
.وقد بين - سبحانه - جزاءهم الكريم فقال : ( وأولئك لَهُمُ الخيرات ) أى : أولئك المؤمنون الصادقون لهم الخيرات التى تسر النفس ، وتشرح الصدر فى الدنيا والآخرة ( وأولئك هُمُ المفلحون ) الفائزون بسعادة الدارين .
واعلم أنه تعالى لما شرح حال المنافقين في الفرار عن الجهاد بين أن حال الرسول والذين آمنوا معه بالضد منه، حيث بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله والتقرب إليه.
وقوله: ﴿ لَكِنِ ﴾ فيه فائدة، وهي: أن التقدير أنه إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو، فقد توجه من هو خير منهم، وأخلص نية واعتقاداً، كقوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ وقوله: ﴿ فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبّكَ ﴾ ولما وصفهم بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع.
وهو أنواع: أولها: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخيرات ﴾ واعلم أن لفظ الخيرات، يتناول منافع الدارين، لأجل أن اللفظ مطلق.
وقيل: ﴿ الخَيْرَاتُ ﴾ الحور، لقوله تعالى: ﴿ فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ فقوله: ﴿ لَهُمُ الخيرات ﴾ المراد منه الثواب.
وقوله: ﴿ هُمُ المفلحون ﴾ المراد منه التخلص من العقاب والعذاب.
وثالثها: قوله: ﴿ أَعَدَّ الله لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ﴾ يحتمل أن تكون هذه الجنات كالتفسير للخيرات وللفلاح، ويحتمل أن تحمل تلك الخيرات والفلاح على منافع الدنيا، مثل الغزو، والكرامة، والثروة، والقدرة، والغلبة، وتحمل الجنات على ثواب الآخرة و ﴿ الفوز العظيم ﴾ عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة، ودرجة عالية.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها في قوله: ﴿ وَإِذَا نُزّلَتْ سُورَةٌ ﴾ كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه.
وقيل: هي براءة، لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿ أَنْ ءَامِنُوا ﴾ هي أن المفسرة ﴿ أُوْلُو الطول ﴾ ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولاً ﴿ مَعَ القاعدين ﴾ مع الذين لهم علة وعذر في التخلف ﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الشقاء والهلاك ﴿ لكن الرسول ﴾ أي إن تخلف هؤلاء فقد نهد إلى الغزو من هو خير منهم وأخلص نية ومعتقداً، كقوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً ﴾ [الأنعام: 89] ، ﴿ فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبّكَ ﴾ [فصلت: 38] .
﴿ الخَيْرَاتِ ﴾ تتناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ.
وقيل: الحور، لقوله: ﴿ فِيهِنَّ خيرات ﴾ [الرحمن: 70] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ ولَمْ يُجاهِدُوا فَقَدْ جاهَدَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.
﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ ﴾ مَنافِعُ الدّارَيْنِ النَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ والكَرامَةُ في الآخِرَةِ.
وقِيلَ الحُورُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرَةٍ تَخْفِيفُ خِيرَةٍ.
﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِالمُطالَبِ.
﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ بَيانٌ لِما لَهم مِنَ الخَيْراتِ الأُخْرُوِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ} أي إن تخلف هؤلاء فقد نهض إلى الغزو من هو خير منهم {وأولئك هُمُ المفلحون} الفائزون بكل مطلوب
﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ ﴾ اسْتِدْراكٌ لِما فُهِمْ مِنَ الكَلامِ، والمَعْنى إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ ولَمْ يُجاهِدُوا فَلا ضَيْرَ لِأنَّهُ قَدْ نَهَضَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مَن هو خَيْرٌ مِنهم فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ القَوْمَ لَيْسُوا مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ وإنْ لَمْ يُعْرِضُوا عَنْهُ صَرِيحًا إعْراضَهم عَنِ الجِهادِ بِاسْتِئْذانِهِمْ في القُعُودِ ( ﴿ وأُولَئِكَ ﴾ ) أيِ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ( ﴿ لَهُمُ ﴾ ) بِواسِطَةِ ذَلِكَ ( ﴿ الخَيْراتُ ﴾ ) أيِ: المَنافِعُ الَّتِي تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْها وتَرْتاحُ لَها، وظاهِرُ اللَّفْظِ عُمُومُها هُنا لِمَنافِعِ الدّارَيْنِ كالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ في الدُّنْيا والجَنَّةِ ونَعِيمِها في الأُخْرى، وقِيلَ: المُرادُ بِها الحُورُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ فَإنَّها فِيهِ بِمَعْنى الحُورِ فَتَحْمِلُ عَلَيْهِ هُنا أيْضًا، ونَصَّ المُبَرِّدُ عَلى أنَّ الخَيْراتِ تُطْلَقُ عَلى الجَوارِي الفاضِلاتِ وهي جَمْعُ خَيْرَةٍ بِسُكُونِ الياءِ مُخَفَّفُ خَيِّرَةٍ المُشَدِّدَةِ تَأْنِيثُ خَيِّرٍ وهو الفاضِلُ مِن كُلِّ شَيْءِ المُسْتَحْسَنُ مِنهُ ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ أيِ الفائِزُونَ بِالمُطالَبِ دُونَ مَن حازَ بَعْضًا يَفْنى عَمّا قَلِيلٍ، وكَرَّرَ اسْمَ الإشارَةِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، يعني: سورة براءة.
أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ، يعني: يأمرهم فيها أن صدقوا بقلوبكم كما أقررتم بلسانكم، وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ، يعني: استأذنك في القعود أهل السعة والغنى من المنافقين.
وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ، يعني: دعنا وائذن لنا نتخلف ونقعد مع القاعدين الذين تخلفوا في المدينة عن القاعدين، يعني: دعنا وائذن لنا نتخلف ونقعد مع القاعدين الذين تخلفوا في المدينة عن الجهاد.
ورَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ، يعني: بأن يجالسوا النساء بالمدينة.
يقال: الخوالف هم خساس الناس ودناتهم، يقال: خالف أهله، إذا كان دونهم.
وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ التوحيد، ويقال: لا يعلمون ثواب الخروج إلى الجهاد.
ثم قال عز وجل: لكِنِ الرَّسُولُ، يعني: إن لم يجاهد المنافقون، فالله تعالى غني عنهم ويجاهد الرسول.
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، إن لم تخرجوا أنتم.
وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ، يعني: الحسنات، ويقال: زوجات حسان في الجنة.
والخيرة: الزوجة، والخيرة: الثواب.
وقال القتبي والأخفش: الخيرات واحدها خيرة: وهن الفواضل.
وروى مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: في قوله: وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ قال: «لكل مسلم خبرة، ولكل خيرةٌ خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليها في كل يوم من الله تعالى تحفة وكرامة وهدية، لم يكن قبل ذلك لا طمحات ولا مرحات ولا بخرات ولا دفرات وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: 22] الآية.
قال أهل اللغة: طمحات يعني: ناكسات رؤوسهن، مرحات: خفيفات الرؤوس، بخرات: منتن ريح الفم، ودفرات: منتن ريح الإبط.
ثم قال: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، يعني: الناجون في الآخرة.
قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يعني: النجاة الوافرة والثواب الجزيل.
<div class="verse-tafsir"
وخرَّج ابن ماجه بسنده، عن يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ «١» ، عن أنس، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يُرْسَلُ البُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى تَصِيرَ في وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السُّفُنُ لَجَرَتْ» «٢» ، وخرَّجه ابن المبارك أيضاً عن أنس، قال: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يا أيّها النَّاسُ، ابكوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعَ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ، فَتُقَرِّحُ العُيُونَ، فَلَوْ أَنَّ سُفُناً أُجْرِيَتْ فِيهَا، لَجَرَتْ» «٣» ، انتهى من «التذكرة» .
وقوله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ ...
الآية: يشبه أنْ تكون هذه الطائفةُ قد حُتِمَ عليها بالموافاة على النفاق، وعيّنوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ: نصٌّ في موافاتهم على ذلك وممَّا يؤيِّد هذا ما روي أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم عَيَّنهم لحذيفةَ بْنِ اليمانِ، وكان الصحابة إِذا رأَوْا حذَيفةَ تأخَّر عن الصَّلاة على جنازة، تأَخَّرُوا هم عنها، وروِي عَنْ حذيفة أَنه قَالَ يَوْماً: بَقِيَ من المنافقين كَذَا وَكَذَا «٤» .
وقوله: أَوَّلَ هو بالإِضافة إِلى وَقْت الاستئذان، و «الخالفون» : جَمْعُ مَنْ تخلَّف من نساءٍ، وصبيان، وأهْل عذر، وتظاهرت الرواياتُ أنه صلَّى الله عليه وسلّم صلَّى على عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُول، وأَنَّ قوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ نزلَتْ بعد ذلك، وقد خرَّج ذلك البخاريُّ من رواية عمر بن الخَطَّاب.
انتهى.
«٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ[التَّوْبَةِ: ٥٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ هَذا عامٌ في كُلِّ سُورَةٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِها سُورَةُ (بَراءَةَ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ آمِنُوا ﴾ أيْ: بِأنْ آَمَنُوا.
وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: اسْتَدِيمُوا الإيمانَ.
والثّانِي: افْعَلُوا فِعْلَ مَن آَمَنَ.
والثّالِثُ: آَمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آَمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَأْذَنَكَ ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ (أُولُو الطَّوْلِ) يَعْنِي الغَنِيَّ، وهُمُ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ.
وَفِي "الخَوالِفِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الخَوالِفُ هاهُنا النِّساءَ، ولا يَكادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجالَ عَلى تَقْدِيرِ فَواعِلَ، غَيْرَ أنَّهم قَدْ قالُوا: فارِسٌ، والجَمِيعُ: فَوارِسُ، وهالِكٌ [فِي قَوْمٍ] هَوالِكُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَوالِفُ لا يَقَعُ إلّا عَلى النِّساءِ، إذِ العَرَبُ تَجْمَعُ فاعِلَةً: فَواعِلَ؛ فَيَقُولُونَ: ضارِبَةٌ، وضَوارِبُ، وشاتِمَةٌ، وشَواتِمُ؛ ولا يَجْمَعُونَ فاعِلًا: فَواعِلَ، إلّا في حَرْفَيْنِ: فَوارِسُ، وهَوالِكُ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ الخَوالِفِ: المُتَخَلِّفاتِ في المَنازِلِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ المُخالَفاتِ العاصِياتِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللّاتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخَوالِفَ: خِساسُ النّاسِ وأدْنِياؤُهُمْ؛ يُقالُ: فَلانٌ خالِفَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ دُونَهم، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فَأمّا "طُبِعَ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: خَتَمَ.
و"الخَيْراتُ" جَمْعُ خِيرَةٍ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالخَيْراتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الفاضِلاتُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: الجَوارِي الفاضِلاتُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
والثّالِثُ: غَنائِمُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الجِهادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَكِنِ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ أعَدَّ اللهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ الأكْثَرُ في "لَكِنْ" أنْ تَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ، وهو هُنا في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ السالِفَةَ مَعْناها أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يُجاهِدُوا فَحَسُنَ بَعْدَها: ( لَكِنَّ الرَسُولَ والمُؤْمِنُونَ جاهَدُوا )، والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ، وهو المُسْتَحْسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في النِساءِ، فَمِن ذَلِكَ قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ، أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ: ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ...
رَبَلاتِ هِنْدٍ خِيرَةِ المَلِكاتِ و"المُفْلِحُونَ": الَّذِينَ أدْرَكُوا بُغْيَتَهم مِنَ الجَنَّةِ، والفَلاحُ يَأْتِي بِمَعْنى إدْراكِ البُغْيَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَعْـ...
فِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَدْ يَأْتِي بِمَعْنى البَقاءِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ...
والمُسْىُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ أيْ لا بَقاءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبُلُوغُ البُغْيَةِ يَعُمُّ لَفْظَةَ الفَلاحِ حَيْثُ وقَعَتْ فَتَأمَّلْهُ.
و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وهَيَّأ، وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ: مِن تَحْتِ مَبانِيها وأعالِيها، و"الفَوْزُ" حُصُولُ الإنْسانِ عَلى أمَلِهِ وظَفَرُهُ بِبُغْيَتِهِ، ومِن ذَلِكَ فَوْزُ سِهامِ الأيْسارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في هَؤُلاءِ الَّذِي جاءُوا هَلْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أو كافِرِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْمٌ مَعَهُ مِنهم مُجاهِدٌ: كانُوا مُؤْمِنِينَ وكانَتْ أعْذارُهم صادِقَةً، وقَرَأ: "وَجاءَ المُعْذِرُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وهي قِراءَةُ الضَحّاكِ، وحَمِيدُ الأعْرَجِ، وأبِي صالِحٍ، وعِيسى بْنِ هِلالٍ، وقَرَأ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةَ "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، قالُوا: وأصْلُهُ "المُتَعَذَّرُونَ" فَقُلِبَتِ التاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ.
ويَحْتَمِلُ "المُعْتَذِرُونَ" في هَذا القَوْلِ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: المُتَعَذَّرُونَ بِأعْذارٍ حَقٍّ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا عُذْرَهم مِنَ الِاجْتِهادِ في طَلَبِ الغَزْوِ مَعَكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ لَبِيدٍ: ....................
∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ وقالَ قَتادَةُ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: بَلِ الَّذِينَ جاءُوا كَفَرَةٌ، وقَوْلُهم وعُذْرُهم كَذِبٌ، وكُلُّ هَذِهِ الفِرْقَةِ قَرَأ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، فَمِنهم مَن قالَ: أصْلُهُ المُتَعَذَّرُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى العَيْنِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الذالِ، والمَعْنى: مُعْتَذِرُونَ بِكَذِبٍ، ومِنهم مَن قالَ: هو مِنَ التَعْذِيرِ، أيِ الَّذِينَ يَعْذُرُونَ الغَزْوَ ويَدْفَعُونَ في وجْهِ الشَرْعِ، فالآيَةُ إلى آخِرِها -فِي هَذا القَوْلِ- إنَّما وصَفَتْ صِنْفًا واحِدًا في الكُفْرِ يَنْقَسِمُ إلى أعْرابِيٍّ وحَضَرِيٍّ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ وصَفَتْ صِنْفَيْنِ مُؤْمِنًا وكافِرًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سَألْتُ مَسْلَمَةَ فَقالَ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ العَيْنِ والذالِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أرادَ: المُعْتَذِرِينَ، والتاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ لِبُعْدِ المَخارِجِ، وهي غَلَطٌ عنهُ أو عَلَيْهِ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "المُعْتَذِرُونَ" بِزِيادَةِ تاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، والناسُ: "كَذَبُوا" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ الحَسَنُ -وَهُوَ المَشْهُورُ عنهُ- وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ونُوحٌ، وإسْماعِيلُ: "كَذَّبُوا" بِتَشْدِيدِ الذالِ، والمَعْنى: لَمْ يُصَدِّقُوهُ تَعالى ولا رَسُولَهُ ورَدُّوا عَلَيْهِ أمْرَهُ، ثُمَّ تَوَعَّدَ -فِي آخِرِ الآيَةِ- الكافِرِينَ بِعَذابٍ ألِيمٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في الدُنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في الآخِرَةِ بِالنارِ.
وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" يُرِيدُ أنَّ المُعَذِّرِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ، ويُرَجِّحُهُ بَعْضُ التَرْجِيحِ فَتَأمَّلْهُ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ "المُعَذِّرِينَ" مِنَ التَعْذِيرِ وأنَحى عَلَيْهِ، والقَوْلُ مَنصُوصٌ ووَجْهُهُ بَيِّنٌ واللهُ المُعِينُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: "المُعَذِّرُونَ" نَفَرٌ مِن بَنِي غِفارٍ، مِنهم خِفافُ بْنُ إيماءَ بْنِ رُحْضَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم مُؤْمِنُونَ.
<div class="verse-tafsir"
افتتاح الكلام بحرف الاستدراك يؤذن بأنّ مضمون هذا الكلام نقيض مضمون الكلام الذي قبله أصلاً وتفريعاً.
فلمّا كان قعود المنافقين عن الجهاد مسبباً على كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم كان المؤمنون على الضدّ من ذلك.
وابتدئ وصف أحوالهم بوصف حال الرسول لأنّ تعلّقهم به واتّباعهم إياه هو أصل كمالهم وخيرِهم، فقيل: ﴿ لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا ﴾ .
وقوله: ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ مقابل قوله: ﴿ استأذنك أولُوا الطَّوْل منهم ﴾ [التوبة: 86].
وقوله: ﴿ وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ﴾ مقابل قوله: ﴿ وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ﴾ [التوبة: 87] كما تقدّم.
وفي حرففِ الاستدراك إشارة إلى الاستغناء عن نصرة المنافقين بنصرة المؤمنين الرسولَ كقوله: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ [الأنعام: 89].
وقد مضى الكلام على الجهاد بالأموال عند قوله تعالى: ﴿ انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالهم وأنفسكم ﴾ [التوبة: 41].
وفي قوله: ﴿ والذين آمنوا معه ﴾ تعريض بأنّ الذين لم يجاهدوا دون عذر ليسوا بمؤمنين.
و ﴿ معه ﴾ في موضع الحال من ﴿ الذين ﴾ لتدلّ على أنّهم أتباع له في كلّ حال وفي كلّ أمر، فإيمانهم معه لأنّهم آمنوا به عند دعوته إيّاهم، وجهادهم بأموالهم وأنفسهم معه، وفيه إشارة إلى أنّ الخيرات المبثوثة لهم في الدنيا والآخرة تابعة لخيراته ومقاماته.
وعُطفت جملة: ﴿ وأولئك لهم الخيرات ﴾ على جملة ﴿ جاهدوا ﴾ ولم تُفصل مع جواز الفصل ليُدَلّ بالعطف على أنّها خبر عن الذين آمنوا، أي على أنّها من أوصافهم وأحوالهم لأنّ تلك أدلّ على تمكّن مضمونها فيهم من أن يُؤتى بها مستأنفة كأنّها إخبار مستأنف.
والإتيان باسم الإشارة لإفادة أنّ استحقاقهم الخيرات والفلاح كان لأجل جهادهم.
والخيرات: جمع خَيْر على غير قياس.
فهو ممّا جاء عَلى صيغة جمع التأنيث مع عدم التأنيث ولا علامَته مثل سرادقات وحمَّامات.
وجعله كثير من اللغويين جمع (خَيْرَة) بتخفيف الياء مُخفّف (خَيِّرة) المشدّد الياء التي هي أنثى (خَيِّر)، أو هي مؤنّث (خَيْر) المخفّف الياء الذي هو بمعنى أخْير.
وإنّما أنّثوا وصف المرأة منه لأنّهم لم يريدوا به التفضيل، وعلى هذا كلّه يكون خيرات هنا مؤولاً بالخصال الخيّرة، وكلّ ذلك تكلّف لا داعي إليه مع استقامة الحمل على الظاهر.
والمراد منافع الدنيا والآخرة.
فاللام فيه للاستغراق.
والقول في {وأولئك هم المفلحون كالقول في نظيره في أول سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ ﴾ وهو جَمْعُ خَيْرَةٍ، وفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها غَنائِمُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الجِهادِ.
والثّانِي: فَواضِلُ العَطايا.
والثّالِثُ: ثَوابُ الآخِرَةِ.
والرّابِعُ: حُورُ الجِنانِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال: مع النساء.
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص «أن علي بن أبي طالب خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء ثنية الوداع يريد تبوك، وعلي يبكي ويقول: تخلفني مع الخوالف؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا النبوة؟» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال: رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ أي النساء ﴿ وطبع على قلوبهم ﴾ أي بأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) (٥) ربلات هند خيرة الملكات (٦) (١) هذه الجملة بعض قول الله تعالى: ﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ الآية، وإتيان المؤلف ببعض الآية لا ينسجم مع ما قبلها.
(٢) كتاب: "معاني القرآن"، له 1/ 135.
(٣) "مجاز القرآن" 1/ 267.
(٤) لم أقف على قوله.
(٥) "تهذيب اللغة" (خار) 1/ 959.
(٦) هذا عجز بيت، وصدره: ولقد طعنت مجامع الربلات ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 267، ونسبه لرجل جاهلي من بني عدي، عدي تميم، ومثله ابن منظور في "لسان العرب" (خير) 4/ 1298، ومعنى الربلات: جمع ربلة، بتسكين الباء وتحريكها وهي كل لحمة غليظة، وقيل: هي باطن الفخذ، وقيل: أصول الأفخاذ.
انظر: "لسان العرب" (ربل) 3/ 1571.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ قيل: يعني براءة والأرجح أنه على الإطلاق ﴿ أَنْ آمِنُواْ ﴾ أن هنا مفسرة ﴿ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ ﴾ أي أولو الغنى والمال الكثير ﴿ لكن الرسول ﴾ الآية أي إن تخلف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومن معه ﴿ الخيرات ﴾ تعم منافع الدارين وقيل: هو الحور العين لقوله: خيرات حسان ﴿ وَجَآءَ المعذرون ﴾ هم المعتذرون ثم ادغمت التاء في الذال ونقلت حركته إلى العين، واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبين وقيل: هم المقصورون من عُذِرَ في الأمر إذ قصَّر فيه ولم يجد، فوزنه على هذا المفعلون وروي أنها نزلت في قوم من غفار ﴿ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ هم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم فكذبوا في دعواهم الإيمان ﴿ سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ أي من المعذرين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ معي أبدأ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والمفضل ﴿ معي عدو ﴾ بالفتح: حفص فقط.
الوقوف: ﴿ أو لا تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ في الحر ﴾ ط ﴿ حراً ﴾ م لأن المعنى لو كانوا يفقهون حرارة النار لما قالوا لا تنفروا في الحر.
ولو وصل لأوهم أن جهنم لا يكون نارها أشد حراً إذا لم يفقهوا ذلك ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح أن يكون مفعولاً له أو مصدر محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ معي عدوّاً ﴾ ط ﴿ الخالفين ﴾ ه ﴿ على قبره ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ وأولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ز لابتداء وعد الفلاح على التعظيم بدليل تكرار ﴿ أولئك ﴾ مع اتفاق الجملتين.
﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس أن عند نزول الآية الأولى في المنافقين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا واشتغل بالاستغفار لهم فنزل ﴿ استغفر لهم ﴾ الآية، ومن المفسرين من قال: إنهم طلبوا من الرسول أن يستغفر لهم وإن الله نهاه عنه.
والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي أقدم على ذلك الفعل.
ثم إن الدليل قد يدل على أنه ما اشتغل بالاستغفار لأن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه أن الاستغفار للكافر غير جائز، ولأن الاستغفار للمنافق يجري مجرى اغرائه على مزيد النفاق ولأنه يلزم أن يكون النبي غير مجاب الدعوة وإن أكثر في الدعاء.
ومن الفقهاء من قال: التخصيص بالعدد المعين يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه لما روي أنه لما نزلت الآية قال : "لأزيدن على السبعين" فنزل ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ﴾ فكف عنه.
فلولا أنه فهم بدليل الخطاب أن الأمر فيما وراء السبعين بالخلاف لم يقل لأزيدنّ على ذلك.
وأجيب بأنه أراد إظهار الرحمة والرأفة بأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم لبعض لا أنه فهم منه ذلك، كيف وقد قال ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ وأردفه بقوله ﴿ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ .
فليس المقصود بهذا العدد تحديد المنع وإنما هو كقول القائل لمن يسأله حاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها.
ولهذا بين العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وهي كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين.
وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً هو أن السبعة عدد شريف لأنه عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فضرب السبعة في عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها.
وقيل: خص بالذكر لأنه كبّر على حمزة سبعين تكبيرة وكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة: هذا وقد مر في تفسير قوله ﴿ قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً ﴾ أن هذا أمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لا، وانتصاب سبعين على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعالهم فقال ﴿ فرح المخلفون ﴾ قيل: إنهم احتالوا أن يتخلفوا وكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون.
وأجيب بأنهم استأذنوا رسول الله فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو أريد خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، أو المجاهدون لما لم يوافقوهم في القعود فكأنهم خلفوهم، أو أطلق عليهم المخلفون باعتبار أنهم سيصيرون ممنوعين من الخروج في الآية الآتية ﴿ فإن رجعك الله ﴾ إلى قوله ﴿ ولن تقاتلوا معي عدواً ﴾ ومعنى ﴿ بمقعدهم ﴾ بقعودهم قاله مقاتل.
أو بموضع قعودهم وهو المدينة قاله ابن عباس.
ومعنى ﴿ خلاف رسول الله ﴾ مخالفة رسول الله حين سار وأقاموا قاله قطرب والزجاج فانتصابه على أنه مفعول له أي قعد والأجل خلافه أو على الحال مثل "فأرسلها العراك" أي مخالفين له، وقال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف أي بعد رسول الله وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان يخالفها جهة الخلف ﴿ وكرهوا أن يجاهدوا ﴾ كيف لا يكرهون وليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإخلاص ومعهم صارف الكفر والنفاق؟
وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين أموالهم وأرواحهم في الله المؤثرين ذلك على الدعة والخفض.
واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب إلا أنه صريح بذلك للتوكيد، ولعل المراد أنه مال طبعهم إلى الإقامة لإلفهم بالبلد واستئناسهم بالأهل والولد، وكرهوا الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والإهدار.
﴿ قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ﴾ أن بعد هذه الدار دار أخرى وبعد هذه الحياة حياة أخرى.
وهذه المشقة منقضية سهلة وتلك باقية صعبة ولبعضهم وكأنه صاحب الكشاف: مسرة أحقاب تلقيت بعدها *** مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة *** وراء تقضيها مساءة أحقاب وفي هذا استجهال عظيم لهم.
ثم قال ﴿ فليضحكوا ﴾ وهو خبر إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره ومعناه فسيضحكون قليلاً أي ضحكاً قليلاً أو زماناً قليلاً وسيبكون كثيراً.
يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.
ثم عرف نبيه وجه الصلاح في سائر الغزوات فقال ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ﴾ أي إن ردّك إلى المدينة.
الرجع متعد مثل الرد، والرجوع لازم.
وإنما قال طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم أو اعتذر بعذر صحيح.
وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين فأراد بالطائفة المخلفين من المنافقين.
﴿ فاستأذنوك للخروج ﴾ إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبداً ﴾ عاقبهم بإسقاط عن ديوان الغزاة جزاء على تخلفهم لما فيه من الذم والطرد وصلاحاً لأمر الجهاد لما في استصحابهم من المفاسد المذكورة في قوله ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ ويعني بأول مرة غزوة تبوك.
وإنما لم يقل أول المرات معرفاً مجموعاً لأن المعنى إن فصلت المرات مرة مرة كانت هذه أولها نظيره "هو أفضل رجل" يعني إن عدّ الرجال رجلاً رجلاً كان هو أفضلهم.
وإنما لم يقل "أولى مرة" لأن أكثر اللغتين "هند أكبر النساء" ولا يكاد يقال "هي أكبر امرأة" ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ كقوله ﴿ وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ {التوبة: 46] والخالف من يخلف الرجل في قومه.
وعن الأصمعي أنه الفاسد من خلف اللبن والنبيذ إذا فسد.
وعن الفراء معناه المخالف.
قال قتادة: ذكر لنا أن الخالفين الذين أمروا بالقعود كانوا اثني عشر رجلاً.
عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبد الله ابن أبيّ ابن سلول عاده رسول الله فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه الذي يلي جلده ليكفن فيه ففعل كل ذلك.
وعنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف علي يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدوّ الله عبد الله ابن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا؟
أعدد أيامه ورسوله يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت.
قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله والله ورسوله أعلم.
قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ﴾ الآية.
فما صلى رسول الله بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله.
قال المفسرون: وكلم رسول الله فيما فعل بعبد الله بن أيّ قال: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إن كنت لأرجو أن يسلم به ألف من قومه وكان كما قال.
وقيل: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه غلب على ظن الرسول أنه انتقل إلى الإيمان لأنه وقت يتوب فيه الكافر فرغب أن يصلي عليه.
وذكر من أسباب دفع القميص أن العباس عم رسول الله أخذ أسيراً ببدر ولم يجدوا له قميصاً طويلاً فكساه عبد الله قميصه، ومنها أن المشركين قالوا له يوم الحديبية إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك.
فقال: إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله صنيعه.
ومنها أنه كان لا يرد السائل لقوله ﴿ وأما السائل فلا تنهر ﴾ ومنها أن ابنه عبد الله كان من الصالحين فالرسول أكرمه لمكان ابنه.
ومنها إظهار الرأفة والرحمة كما مر.
قوله ﴿ مات ﴾ صفة لأحد ﴿ وأبداً ﴾ ظرف لقوله ﴿ لا تصل ﴾ وإنه يحتمل تأبيد النفي ونفي التأبيد والظاهر الأول، لأن القرائن تدل على منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً.
قال الزجاج: معنى قوله ﴿ ولا تقم على قبره ﴾ أن رسول الله كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه.
وقال الكلبي: معناه لا تقم بإصلاح مهمات قبره و ﴿ أنهم كفروا ﴾ تعليل للنهي ويرد عليه أن الكفر حادث وحكم الله قديم والحادث لا يكون علة للقديم.
وأجيب بأن العلة ههنا بمعنى الإمارة المعرفة للحكم.
قال في الكشاف: وإنما قيل مات وماتوا بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير لكون والوجود لأنه كائن موجود لا محالة.
وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبح في جميع الأديان.
أما قوله ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ﴾ فقد سبق مثله في هذه السورة بتفاوت ألفاظ فوجب علينا أن نذكر سبب التفاوت، ثم فائدة التكرار فنقول والله أعلم بمراده: إنما ذكر النهي ههنا بالواو وهناك بالفاء لأنه لا تعلق له ههنا بما قبله وهو موتهم على حالة الفسق خلاف ما هنالك.
وإنما قال ههنا ﴿ وأولادهم ﴾ بدون "لا" لأن المراد هنالك الترقي من الأدون إلى الأعلى وهو أن إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم كقولك: لا يعجبني أمر النائب ولا أمر المنوب.
وههنا أراد المعية فقط إما اكتفاء بما سبق هناك، وإما لأن هؤلاء أقوام آخرون لم يكن عندهم تفاوت بين الأمرين.
وقيل: إنه هناك لما علق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط أكد معنى النهي بتكرار "لا"، وإنما قال ههنا ﴿ إن يعذبهم ﴾ لأنه إخبار عن قوم ماتوا على الكفر فتعلق الإرادة بما هم فيه وهو العذاب.
وأما في الآية المتقدمة فالمفعول محذوف وقد مر.
وقيل: الفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه "أن"، وإنما حذف الحياة ههنا اكتفاء بما ذكر هنالك وقيل تنبيهاً على أن الحياة الدنيا لا تستحق أن تسمى حياة لخستها.
وأما فائدة التكرير فهي المبالغة في التحذير من الأموال والأولاد لأنها جذابه للقلوب فتحتاج إلى صارف قوي، ويحتمل أن تكون الأولى في قوم والثانية في آخرين.
وقيل: الثانية في اليهود والأولى في المنافقين.
ثم عاد إلى توبيخ المنافقين فقال ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ أي تمامها ويجوز أن يزاد عليها كما يقع القرآن والكتاب على بعضه.
وقيل: هي براءة لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿ أن آمنوا ﴾ "أن" هي المفسرة لأن إنزال السورة في معنى القول.
وقال الواحدي: تقديره بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان ﴿ أولوا الطول ﴾ ذو الفضل والسمعة من طال عليه طولاً قاله ابن عباس والحسن.
وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصوا بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود ﴿ مع القاعدين ﴾ مع أصحاب الأعذار من الضعفة والزمنى.
والخوالف النساء اللواتي تخلفن في البيت، وجوز بعضهم أن يكون الخوالف جمع خالف وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف.
ثم قال ﴿ وطبع على قلوبهم ﴾ كقوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد مر البحث فيه، وقال الحسن: الطبع بلوغ القلب في الكفر إلى حد كأنه مات عن الإيمان.
وقالت الأشاعرة: هو حصول داعية الكفر المانعة من الإيمان.
والطبع في اللغة الختم وهو التأثير في الطين ونحوه، ومنه الطبع للسجية التي جبل عليها الإنسان ﴿ فهم لا يفقهون ﴾ أسرار حكمة الله في الجهاد أو في الذهاب من السعادة وما في التخلف من الشقاء.
وفي قوله ﴿ لكن الرسول ﴾ نكتة هي أنه إن تخلف هؤلاء فقد أنهض إلى الغزو من هو خير منهم وأصدق نية كقوله ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ ثم ذكر منافع الجهاد على الإجمال فقال ﴿ وأولئك لهم الخيرات ﴾ وهي شاملة لمنافع الدارين.
وقيل: هي الحور لقوله ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ وقوله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ المراد منه الخلاص من المكاره.
ثم فصل ما أجمل فقال ﴿ أعد الله ﴾ الآية وقيل: الخيرات الفلاح في الدنيا وهذه في الآخرة.
و ﴿ الفوز العظيم ﴾ عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ودرجة عالية.
التأويل: إنما لم يؤثر استغفار الرسول في حقهم لقصور في القائل لا لتقصير في الفاعل، والأثر يتوقف على الأمرين ﴿ جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ من رين القلوب وكدورة الأرواح بظلمة الصفات الحيوانية.
﴿ وهم كافرون ﴾ مستورو القلوب بحجاب حب الأموال والأولاد.
لهم الخيرات لما سعوا سعي العبودية نالوا خيرات الربوبية، ﴿ هم المفلحون ﴾ المتخلصون عن حجب صفات النفس ﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إذ لا حجاب أعظم من حجاب النفس والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: إن الرسول والذين حققوا الإيمان والتصديق جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، أي: بذلوا أنفسهم وأموالهم لنصر دين الله، وإظهار سبيله، ولم يبخلوا كما بخل أهل النفاق في بذل أموالهم وأنفسهم في نصر دينه بالمجاهدة مع أعدائه، ولم يحققوا الإيمان والتصديق؛ أخبر أن للمؤمنين الذين حققوا الإيمان والتصديق، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، وجاهدوا بها في نصر دين الله، وإظهار سبيله - لهم الخيرات.
قال بعضهم: ﴿ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ ﴾ : بالذكر في الدنيا، والثناء الحسن، وسلوك الناس طريقهم، وفي الآخرة الثواب والجزاء.
وقيل: الخيرات في الآخرة؛ لما بذلوا أنفسهم وأموالهم في نصر دينه، والمجاهدة مع عدوه.
وقيل: الخيرات: الحور العين؛ كقوله: ﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ والله أعلم.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
المفلح: هو الذي يظفر بحاجته؛ يقال: قد أفلح، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ ليعلم أن الأعظم ليس يقع فيما فيه الغلظ والكثافة، ولكن القدر والمنزلة.
<div class="verse-tafsir"
أما الرسول والمؤمنون معه فلم يتخلفوا عن الجهاد في سبيل الله مثل هؤلاء، وإنما جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وكان جزاؤهم عند الله حصول المنافع الدنيوية لهم كالنصر والغنائم، وحصول المنافع الأخروية، ومنها دخول الجنّة، وحصول الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
<div class="verse-tafsir" id="91.Lkxvz"