الآية ٩١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٩١ من سورة التوبة

لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

م بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد فيها عن القتال ، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه ، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد ، ومنه العمى والعرج ونحوهما ، ولهذا بدأ به .

ما هو عارض بسبب مرض عن له في بدنه ، شغله عن الخروج في سبيل الله ، أو بسبب فقره لا يقدر على التجهز للحرب ، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ، ولم يرجفوا بالناس ، ولم يثبطوهم ، وهم محسنون في حالهم هذا ؛ ولهذا قال : ( ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ) وقال سفيان الثوري ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي ثمامة - رضي الله عنه - قال : قال الحواريون : يا روح الله ، أخبرنا عن الناصح لله ؟

قال : الذي يؤثر حق الله على حق الناس ، وإذا حدث له أمران - أو : بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة - بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا .

وقال الأوزاعي : خرج الناس إلى الاستسقاء ، فقام فيهم بلال بن سعد ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا معشر من حضر : ألستم مقرين بالإساءة ؟

قالوا : اللهم نعم .

فقال : اللهم ، إنا نسمعك تقول : ( ما على المحسنين من سبيل ) اللهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا .

ورفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا .

وقال قتادة : نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي ، حدثنا ابن جابر ، عن ابن فروة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكنت أكتب " براءة " فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر ما ينزل عليه ، إذ جاء أعمى فقال : كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى ؟

فأنزل الله ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) الآية .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في هذه الآية : وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه ، فجاءته عصابة من أصحابه ، فيهم عبد الله بن مغفل المزني فقالوا : يا رسول الله ، احملنا ، فقال لهم : والله لا أجد ما أحملكم عليه .

فتولوا ولهم بكاء ، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ، ولا يجدون نفقة ولا محملا ، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه ، فقال : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) إلى قوله تعالى : ( فهم لا يعلمون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ليس على أهل الزمانة وأهل العجز عن السفر والغزو, (20) ولا على المرضى, ولا على من لا يجد نفقة يتبلَّغ بها إلى مغزاه = " حرج ", وهو الإثم، (21) يقول: ليس عليهم إثم، إذا نصحوا لله ولرسوله في مغيبهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم =(ما على المحسنين من سبيل) ، يقول: ليس على من أحسن فنصح لله ولرسوله في تخلّفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد معه، لعذر يعذر به، طريقٌ يتطرَّق عليه فيعاقب من قبله (22) =(والله غفور رحيم)، يقول: والله ساتر على ذنوب المحسنين, يتغمدها بعفوه لهم عنها =(رحيم)، بهم، أن يعاقبهم عليها.

(23) * * * وذكر أن هذه الآية نـزلت في " عائذ بن عمرو المزني".

* * * وقال بعضهم في " عبد الله بن مغفل ".

* * * * ذكر من قال: نـزلت في " عائذ بن عمرو ".

17078- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله)، نـزلت في عائذ بن عمرو.

* * * * ذكر من قال: نـزلت في " ابن مغفل ".

17079- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى)، إلى قوله: حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه, فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم " عبد الله بن مغفل المزني", فقالوا: يا رسول الله، احملنا.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أجد ما أحملكم عليه!

فتولوا ولهم بكاءٌ, وعزيزٌ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، (24) ولا يجدون نفقةً ولا محملا.

فلما رأى الله حرصَهم على محبته ومحبة رسوله, أنـزل عذرهم في كتابه فقال: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج)، إلى قوله: فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ .

---------------------- الهوامش : (20) انظر تفسير " الضعفاء " فيما سلف 5 : 551 8 : 19 .

(21) انظر تفسير " الحرج " فيما سلف 12 : 295 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(22) انظر تفسير " المحسن " و " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) ، ( سبل ) .

(23) انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) ، ( رحم ) .

(24) في المطبوعة : " وعز عليهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيمفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : ليس على الضعفاء الآية .

أصل في سقوط التكليف عن العاجز ; فكل من عجز عن شيء سقط عنه ، فتارة إلى بدل هو فعل ، وتارة إلى بدل هو غرم ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال ; ونظير هذه الآية قوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقوله : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج .

وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه .

قالوا : يا رسول الله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟

قال : حبسهم العذر .

فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين ، وهم قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون ; فقال : ليس على هؤلاء حرج .

( إذا نصحوا لله ورسوله ) إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه ، قال العلماء : فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار ، وما صبرت القلوب ; فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد وطلب أن يعطى اللواء فأخذه مصعب بن عمير ، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها ، فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره وقرأ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [ ص: 150 ] هذه عزائم القوم .

والحق يقول : ليس على الأعمى حرج وهو في الأول .

ولا على الأعرج حرج وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش .

قال له الرسول عليه السلام : إن الله قد عذرك .

فقال : والله لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة إلى أمثالهم حسب ما تقدم في هذه السورة من ذكرهم رضي الله عنهم .

وقال عبد الله بن مسعود : ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف .الثانية : قوله تعالى : إذا نصحوا النصح إخلاص العمل من الغش .

ومنه التوبة النصوح .

قال نفطويه : نصح الشيء إذا خلص .

ونصح له القول أي أخلصه له .

وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الدين النصيحة - ثلاثا - قلنا لمن ؟

قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهمقال العلماء : النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية ، ووصفه بصفات الألوهية ، وتنزيهه عن النقائص والرغبة في محابه والبعد من مساخطه .

والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوته ، والتزام طاعته في أمره ونهيه ، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، وتوقيره ، ومحبته ومحبة آل بيته ، وتعظيمه وتعظيم سنته ، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها ، والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها ، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم .

وكذا النصح لكتاب الله : قراءته والتفقه فيه ، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به .

والنصح لأئمة المسلمين : ترك الخروج عليهم ، وإرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين ، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم .

والنصح للعامة : ترك معاداتهم ، وإرشادهم وحب الصالحين منهم ، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم .

وفي الحديث الصحيح مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .[ ص: 151 ] الثالثة : قوله تعالى ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم من سبيل في موضع رفع اسم ( ما ) أي من طريق إلى العقوبة .

وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن .

ولهذا قال علماؤنا في الذي يقتص من قاطع يده فيفضي ذلك في السراية إلى إتلاف نفسه : إنه لا دية له ; لأنه محسن في اقتصاصه من المعتدي عليه .

وقال أبو حنيفة : تلزمه الدية .

وكذلك إذا صال فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه ; وبه قال الشافعي .

وقال أبو حنيفة : تلزمه لمالكه القيمة .

قال ابن العربي : وكذلك القول في مسائل الشريعة كلها .الرابعة : قوله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم روي أن الآية نزلت في عرباض بن سارية .

وقيل : نزلت في عائذ بن عمرو .

وقيل : نزلت في بني مقرن - وعلى هذا جمهور المفسرين - وكانوا سبعة إخوة ، كلهم صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم ، وهم النعمان ومعقل وعقيل وسويد وسنان وسابع لم يسم .

بنو مقرن المزنيون سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشاركهم - فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة - في هذه المكرمة غيرهم .

وقد قيل : إنهم شهدوا الخندق كلهم .

وقيل : نزلت في سبعة نفر من بطون شتى ، وهم البكاءون أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ليحملهم ، فلم يجد ما يحملهم عليه ; ف تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون فسموا البكائين .

وهم سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف وعلبة بن زيد أخو بني حارثة .

وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب من بني مازن بن النجار .

وعمرو بن الحمام من بني سلمة .

وعبد الله بن المغفل المزني ، وقيل : بل هو عبد الله بن عمرو المزني .

وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف ، وعرباض بن سارية الفزاري ، هكذا سماهم أبو عمر في كتاب الدرر له .

وفيهم اختلاف .

قال القشيري : معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري ، وسالم بن عمير ، وثعلبة بن غنمة ، وعبد الله بن مغفل وآخر .

قالوا : يا نبي الله ، قد ندبتنا للخروج معك ، فاحملنا على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة نغز معك .

فقال : لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم يبكون .

وقال ابن عباس : سألوه أن يحملهم على الدواب ، وكان الرجل يحتاج إلى بعيرين ، بعير يركبه وبعير يحمل ماءه وزاده لبعد الطريق .

وقال الحسن : نزلت في أبي موسى وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليستحملوه ، ووافق ذلك منه غضبا فقال : والله لا أحملكم [ ص: 152 ] ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا يبكون ; فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاهم ذودا .

فقال أبو موسى : ألست حلفت يا رسول الله ؟

فقال : إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني .قلت : وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم بلفظه ومعناه .

وفي مسلم : فدعا بنا فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى .

.

.

الحديث .

وفي آخره : فانطلقوا فإنما حملكم الله .

وقال الحسن أيضا وبكر بن عبد الله : نزلت في عبد الله بن مغفل المزني ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله .

قال الجرجاني : التقدير أي ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم و " قلت لا أجد " .

فهو مبتدأ معطوف على ما قبله بغير واو ، والجواب تولوا .تولوا وأعينهم تفيض من الدمع الجملة في موضع نصب على الحال .

( حزنا ) مصدر .

ألا يجدوا نصب بأن .

وقال النحاس : قال الفراء يجوز " أن لا يجدون " يجعل " لا " بمعنى ليس .

وهو عند البصريين بمعنى أنهم لا يجدون .الخامسة : والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوه أنه لا يجب عليه .

وقال علماؤنا : إذا كانت عادته المسألة لزمه كالحج وخرج على العادة لأن حاله إذا لم تتغير يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد .

والله أعلم .السادسة : في قوله تعالى : وأعينهم تفيض من الدمع ما يستدل به على قرائن الأحوال .

ثم منها ما يفيد العلم الضروري ، ومنها ما يحتمل الترديد .

فالأول كمن يمر على دار قد علا فيها النعي وخمشت الخدود وحلقت الشعور وسلقت الأصوات وخرقت الجيوب ونادوا على صاحب الدار بالثبور ; فيعلم أنه قد مات .

وأما الثاني فكدموع الأيتام على أبواب الحكام ; قال الله تعالى مخبرا عن إخوة يوسف عليه السلام : وجاءوا أباهم عشاء يبكون .

وهم الكاذبون ; قال الله تعالى مخبرا عنهم : وجاءوا على قميصه بدم كذب [ ص: 153 ] ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب فتبنى عليها الشهادات بناء على ظواهر الأحوال وغالبها .

وقال الشاعر :إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكىوسيأتي هذا المعنى في " يوسف " مستوفى إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر المعتذرين، وكانوا على قسمين، قسم معذور في الشرع، وقسم غير معذور، ذكر ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ‏}‏ في أبدانهم وأبصارهم، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال‏.‏ ‏{‏وَلَا عَلَى الْمَرْضَى‏}‏‏.‏ وهذا شامل لجميع أنواع المرض الذي لا يقدر صاحبه معه على الخروج والجهاد، من عرج، وعمى، وحمى، وذات الجنب، والفالج، وغير ذلك‏.‏ ‏{‏وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا يجدون زادا، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم، فهؤلاء ليس عليهم حرج، بشرط أن ينصحوا للّه ورسوله، بأن يكونوا صادقي الإيمان، وأن يكون من نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث والترغيب والتشجيع على الجهاد‏.‏ ‏{‏مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‏}‏ أي‏:‏ من سبيل يكون عليهم فيه تبعة، فإنهم ـ بإحسانهم فيما عليهم من حقوق اللّه وحقوق العباد ـ أسقطوا توجه اللوم عليهم، وإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه‏.‏ ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي‏:‏ أن من أحسن على غيره، في ‏‏نفسه‏ أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن ـ وهو المسيء ـ كالمفرط، أن عليه الضمان‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ومن مغفرته ورحمته، عفا عن العاجزين، وأثابهم بنيتهم الجازمة ثواب القادرين الفاعلين‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم ذكر أهل العذر ، فقال جل ذكره : ( ليس على الضعفاء ) قال ابن عباس : يعني الزمنى والمشايخ والعجزة .

وقيل : هم الصبيان وقيل : النسوان ، ( ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ) يعني الفقراء ( حرج ) مأثم .

وقيل : ضيق في القعود عن الغزو ، ( إذا نصحوا لله ورسوله ) في مغيبهم وأخلصوا الإيمان والعمل لله وبايعوا الرسول .

( ما على المحسنين من سبيل ) أي : من طريق بالعقوبة ، ( والله غفور رحيم ) .

قال قتادة : نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه .

وقال الضحاك : نزلت في عبد الله ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليس على الضعفاء» كالشيوخ «ولا على المرضى» كالعمي والزمنى «ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون» في الجهاد «حرج» إثم في التخلف عنه «إذا نصحوا لله ورسوله» في حال قعودهم بعدم الإرجاف والتثبيط والطاعة «ما على المحسنين» بذلك «من سبيل» طريق بالمؤاخذة «والله غفور» لهم «رحيم» بهم في التوسعة في ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليس على أهل الأعذار مِن الضعفاء والمرضى والفقراء الذين لا يملكون من المال ما يتجهزون به للخروج إثم في القعود إذا أخلصوا لله ورسوله، وعملوا بشرعه، ما على مَن أحسن ممن منعه العذر عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ناصح لله ولرسوله من طريق يعاقب مِن قِبَلِه ويؤاخذ عليه.

والله غفور للمحسنين، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - الأعذار الشرعية المقبولة عنده وعند رسوله ، والتى تجعل صاحبها لا حرج عليه إذا ما قعد معها عن القتال ، فقال ، تعالى : ( لَّيْسَ عَلَى الضعفآء .

.

.

.

مَا يُنْفِقُونَ ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات ، منها ما جاء عن زيد بن ثابت أنه قال كنت أكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكنت أكتب " براءة " ، فإنى لواضح القلم على أذنى ، إذ أمرنا بالقتال ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه ، إذ جاء أعمى فقال : كيف بى يا رسول الله وأنا أعمى؟

فنزلت ( لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ) الآية .وروى العوفى عن ابن عباس " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس اني نبعثوا غازين معه .

فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مقرن المزنى ، فقالوا : يا رسول الله ، احملنا .

فقال لهم : " والله لا أجد ما أحملكم عليه " ، فتولوا وهم يبكون وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ، ولا يجدون نفقة ولا محلا ، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله ، أنزل عذرهم فى كتابه فقال : ( لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ) .

.

" الآية .وقال محمد بن إسحاق - فى سياق غزوة تبوك - ثم : " إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم البكاءون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم .

.

فاستحملوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أهل حاجة فقال : " لا أجد ما أحملكم عليه " تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون " .والضعفاء : جمع ضعيف ، وهو من ليس عنده القوة على القيام بتكاليف الجهاد ، كالشيوخ والنساء والصبيان .والمرضى : جمع مريض ، وهم الذين عرضت لهم أمراض حالت بينهم وبين الاشراك فى القتال ، وهؤلاء عذرهم ينتهى بزوال أمراضهم .والمعنى : ( لَّيْسَ عَلَى الضعفآء ) العاجزين عن القتال لعلة فى تكوينهم ، أو لشيخوخة أقعدتهم ، ( وَلاَ على المرضى ) الذى حالت أمراضهم بينهم وبين الجهاد ( وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ) وهم الفقراء القادرون على الحرب ، ولكنهم لا يجدون المال الذين ينفقونه فى مطالب الجهاد ، ولا يجدون الرواحل التى يسافرون عليها أرض المعركة ، ليس على هؤلاء جميعا ( حَرَجٌ ) أى : إثم أو ذنب بسبب عدم خروجهم مع النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك لقتال الكافرين .

.وقوله : ( إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ ) : بيان لما يجب عليهم فى حال قعودهم .قال الجمل : ومعنى النصح - هنا - أن يقيموا فى البلد ، ويحترزوا عن إنشاء الأراجيف ، وإثارة الفتن ، ويسعوا فى إيصال الخير إلى أهل المجاهدين الذين خرجوا إلى الغزو ، ويقوموا بمصالح بيوتهم ، ويخلصوا الإِيمان والعمل لله؛ ويتابعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فجملة هذه الأمور تجرى مجرى النصح لله ورسوله .وقوله : ( مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ) استئناف مقرر لمضمون ما قبله .والمحسنون .

جمع محسن ، وهو الذى يؤدى ما كله الله به على وجه حسن .والسبيل : الطريق السهل المهد الموصل إلى البغية .

ومن ، زائدة لتأكيد النفى .أى : ليس لأحد أى طريق يسكلها لمؤاخذة هؤلاء المحسنين ، بسبب تخلفهم عن الجهاد ، بعد أن نصحوا لله ولرسوله ، وبعد أن حالت الموانع الحقيقة بنيهم وبين الخروج للجهاد .قال الآلوسى : والجملة استئناف مقرر مضمون ما سبق على أبلغ وجه : وألطف سبك ، وهو من بليغ الكلام ، لأن معناه ، لا سبيل لعاتب عليهم ، أى : لا يمر بهم العاتب ، ولا يجوز فى أرضهم ، فما أبعد العتاب عنهم ، وهو جار مجرى المثل .ويحتمل أن يكون تعليلا لنفى الحرج عنهم و ( المحسنين ) على عمومه .

أى ليس عليهم حرج ، لأنه ما على جنس المحسنين سبيل ، وهم من جملتهم .وقال صاحب المنار : " والشرع الإلهى يجازى المحسن بأضعاف إحسانه ، ولا يؤاخذ المسئ إلا بقدر إساءته ، فإذا كان أولئك المعذورون فى القعود عن الجهاد محسنين فى سائر أعمالهم بالنصح المذكور .

انقطعت طرق المؤاخذة دونهم والإِحسان أعم من النصح المذكرو فالجملة الكريمة تتضمن تعليل رفع الحرج عنهم مقرونا بالدليل ، فكل ناصح لله ورسوله محسن ، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه فى الحرج وهذه المبالغة فى أعلى مكانه من أساليب البلاغة .وقوله : ( والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أى ، والله تعالى - واسع المغفرة ، كثير الرحمة ، يستر على عباده المخلصين ما يصدر عنهم من تقصير تقتضيه طبيعتهم البشرية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين الوعيد في حق من يوهم العذر، مع أنه لا عذر له، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية، وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط، وهم أقسام: القسم الأول: الصحيح في بدنه، الضعيف مثل الشيوخ.

ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفاً نحيفاً، وهؤلاء هم المرادون بالضعفاء.

والدليل عليه: أنه عطف عليهم المرضى، والمعطوف مباين للمعطوف عليه، فما لم يحمل الضعفاء على الذين ذكرناهم، لم يتميزوا عن المرضى.

وأما المرضى: فيدخل فيهم أصحاب العمى، والعرج، والزمانة، وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة.

والقسم الثالث: الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة، وهم الذين لا يجدون ما ينفقون، لأن حضوره في الغزو إنما ينفع إذا قدر على الإنفاق على نفسه.

أما من مال نفسه، أو من مال إنسان آخر يعينه عليه، فإن لم تحصل هذه القدرة، صار كلاً ووبالاً على المجاهدين ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة قال: لا حرج على هؤلاء، والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو، وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة.

إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم، بشرط أن لايجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم، كان ذلك طاعة مقبولة.

ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا التأخير شرطاً معيناً وهو قوله: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف، وعن إثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا، إما بأن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم، فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ وقد اتفقوا على أنه دخل تحت قوله تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ هو أنه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد، واختلفوا في أنه هل يفيد العموم في كل الوجوه؟

فمنهم من زعم أن اللفظ مقصور على هذا المعنى، لأن هذه الآية نزلت فيهم، ومنهم من زعم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان، ورأس أبواب الإحسان ورئيسها، هو قول: لا إله إلا الله، وكل من قال هذه الكلمة واعتقدها، كان من المسلمين.

وقوله تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ يقتضي نفي جميع المسلمين، فهذا بعمومه يقتضي أن الأصل في حال كل مسلم براءة الذمة، وعدم توجه مطالبة الغير عليه في نفسه وماله، فيدل على أن الأصل في نفسه حرمة القتل، إلا لدليل منفصل، والأصل في ماله حرمة الأخذ، إلا لدليل منفصل، وأن لا يتوجه عليه شيء من التكاليف، إلا لدليل منفصل، فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلاً معتبراً في الشريعة، في تقرير أن الأصل براءة الذمة، فإن ورد نص خاص يدل على وجوب حكم خاص، في واقعة خاصة، قضينا بذلك النص الخاص تقديماً للخاص على العام، وإلا فهذا النص كاف في تقرير البراءة الأصلية، ومن الناس من يحتج بهذا على نفي القياس.

قال: لأن هذا النص دل على أن الأصل هو براءة الذمة، وعدم الإلزام والتكليف، فالقياس إما أن يدل على براءة الذمة أو على شغل الذمة، والأول باطل لأن براءة الذمة لما ثبتت بمقتضى هذا النص، كان إثباتها بالقياس عبثاً.

والثاني أيضاً باطل، لأن على هذا التقدير يصير ذلك القياس مخصصاً لعموم هذا النص وأنه لا يجوز، لما ثبت أن النص أقوى من القياس.

قالوا: وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة، معلومة، ملخصة، بعيدة عن الاضطراب والاختلافات التي لا نهاية لها، وذلك لأن السلطان إذا بعث واحداً من عماله إلى سياسة بلدة، فقال له: أيها الرجل تكليفي عليك، وعلى أهل تلك المملكة، كذا وكذا، وعد عليهم مائة نوع من التكاليف مثلاً، ثم قال: وبعد هذه التكاليف ليس لأحد عليهم سبيل، كان هذا تنصيصاً منه على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء تلك الأقسام المائة المذكورة، ولو أنه كلف ذلك السلطان بأن ينص على ما سوى تلك المائة بالنفي على سبيل التفصيل كان ذلك محالاً، لأن باب النفي لا نهاية له، بل كفاه في النفي أن يقول: ليس لأحد على أحد سبيل إلا فيما ذكرت وفصلت، فكذا هاهنا أنه تعالى لما قال: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ وهذا يقتضي أن لا يتوجه على أحد سبيل، ثم إنه تعالى ذكر في القرآن ألف تكليف، أو أقل أو أكثر، كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة في ذلك الألف المذكور، وأما فيما وراءه فليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة سهلة المؤنة كثيرة المعونة، ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ويكون قوله: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ حقاً، ويصير قوله: ﴿ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ  ﴾ حقاً، ولا حاجة ألبتة إلى التمسك بالقياس في حكم من الأحكام أصلاً، فهذا ما يقرره أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني وأصحابه في تقرير هذا الباب.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء، بين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله، وبين كونهم محسنين، وأنه ليس لأحد عليهم سبيل، ذكر قسماً رابعاً من المعذورين، فقال: ﴿ وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لآ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً ألاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ﴾ .

فإن قيل: أليس أن هؤلاء داخلون تحت قوله: ﴿ وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ فما الفائدة في إعادته؟

قلنا: الذين لا يجدون ما ينفقون، هم الفقراء الذين ليس معهم دون النفقة، وهؤلاء المذكورون في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة، إلا أنهم لم يجدوا المركوب، والمفسرون ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً: الأول: قال مجاهد: هم ثلاثة إخوة: معقل، وسويد، والنعمان بنو مقرن، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على الخفاف المدبوغة، والنعال المخصوفة، فقال عليه السلام: «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون، والثاني: قال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه، ووافق ذلك منه غضباً، فقال عليه السلام: «والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم ذوداً خير الذود، فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟

فقال: «أما أني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمين».

والرواية الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: سألوه أن يحملهم على الدواب فقال عليه السلام: «لا أجد ما أحملكم عليه» لأن الشقة بعيدة.

والرجل يحتاج إلى بعيرين، بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده.

قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً ﴾ كقولك: تفيض دمعاً، وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الضعفاء ﴾ الهرمى والزمنى.

والذين لا يجدون: الفقراء.

وقيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة.

والنصح لله ورسوله: الإيمان بهما، وطاعتهما في السرّ والعلن، وتوليهما، والحبّ والبغض فيهما كما يفعل الموالي الناصح بصاحبه ﴿ عَلَى المحسنين ﴾ على المعذورين الناصحين، ومعنى: لا سبيل عليهم: لا جناح عليهم.

ولا طريق للعاتب عليهم ﴿ قُلْتَ لاَ أَجِدُ ﴾ حال من الكاف في ﴿ أَتَوْكَ ﴾ وقد قبله مضمرة، كما قيل في قوله: ﴿ أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ [النساء: 90] أي إذا ما أتوك قائلاً لا أجد ﴿ تَوَلَّوْاْ ﴾ ولقد حصر الله المعذورين في التخلف الذين ليس لهم في أبدانهم استطاعة، والذين عدموا آلة الخروج، والذين سألوا المعونة فلم يجدوها.

وقيل: (المستحملون) أبو موسى الأشعري وأصحابه.

وقيل: البكاؤون، وهم ستة نفر من الأنصار ﴿ تَفِيضُ مِنَ الدمع ﴾ كقولك: تفيض دمعاً، وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأنّ العين جعلت كأن كلها دمع فائض، و (من) للبيان كقولك: أفديك من رجل، ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز ﴿ أَلاَّ يَجِدُواْ ﴾ لئلا يجدوا.

ومحله نصب على أنه مفعول له، وناصبه المفعول له الذي هو حزناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ كالهَرْمى والزَّمْنى.

﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ﴾ لِفَقْرِهِمْ كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وبَنِي عُذْرَةَ.

﴿ حَرَجٌ ﴾ إثْمٌ في التَّأخُّرِ.

﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ كَما يَفْعَلُ المُوالِي النّاصِحُ، أوْ بِما قَدَرُوا عَلَيْهِ فِعْلًا أوْ قَوْلًا يَعُودُ عَلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ بِالصَّلاحِ ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ ولا إلى مُعاتَبَتِهِمْ سَبِيلٌ وإنَّما وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُنْخَرِطُونَ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ غَيْرَ مُعاتَبِينَ لِذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لَهم أوْ لِلْمُسِيءِ فَكَيْفَ لِلْمُحْسِنِ.

﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى الضُّعَفاءِ أوْ عَلى المُحْسِنِينَ، وهُمُ البَكّاؤُونَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ وصَخْرُ بْنُ خَنْساءَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ غُنْمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وعُلَيَّةُ بْنُ زَيْدٍ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  وقالُوا: قَدْ نَذَرْنا الخُرُوجَ فاحْمِلْنا عَلى الخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ نَغْزُ مَعَكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ» فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ.

وَقِيلَ هم بَنُو مُقْرِنٍ: مَعْقِلٌ وسُوِيدٌ والنُّعْمانُ.

وقِيلَ أبُو مُوسى وأصْحابُهُ.

﴿ قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في ﴿ أتَوْكَ ﴾ بِإضْمارِ قَدْ.

﴿ تَوَلَّوْا ﴾ جَوابُ إذا.

﴿ وَأعْيُنُهم تَفِيضُ ﴾ تَسِيلُ.

﴿ مِنَ الدَّمْعِ ﴾ أيْ دَمْعًا فَإنَّ مِن لِلْبَيانِ وهي مَعَ المَجْرُورِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ صارَتْ دَمْعًا فَيّاضًا.

﴿ حَزَنًا ﴾ نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.

﴿ ألا يَجِدُوا ﴾ لِئَلّا يَجِدُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ حَزَنًا ﴾ أوْ بِـ ﴿ تَفِيضُ ﴾ .

﴿ ما يُنْفِقُونَ ﴾ في مَغْزاهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّيْسَ عَلَى الضعفاء} الهرمى والزمنى {وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} هم الفقراء من مزينة وجهينة وبني عذرة {حَرَجٌ} إثم وضيق في التأخر {إِذَا نصحوا لله وَرَسُولُهِ} بأن آمنوا في السر والعلن وأطاعوا كما يفعل الناصح بصاحبه {مَا عَلَى المحسنين} المعذورين الناصحين {من سبيل} أى لاجناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم {والله غَفُورٌ} يغفر تخلفهم {رَّحِيمٌ} بهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ﴾ كالشُّيُوخِ ومَن فِيهِ نَحافَةٌ خُلُقِيَّةٌ لا يَقْوى عَلى الخُرُوجِ مَعَها وهو جَمْعُ ضَعِيفٍ ويُقالُ: ضُعُوفٌ وضِعْفانٌ وجاءَ في الجَمْعِ ضِعافٌ وضَعَفَةٌ وضَعْفى وضِعافى ﴿ ولا عَلى المَرْضى ﴾ جَمْعُ مَرِيضٍ ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى مِراضٍ ومُراضى وهو مَن عَراهُ سُقْمٌ واضْطِرابُ طَبِيعَةٍ سَواءٌ كانَ مِمّا يَزُولُ بِسُرْعَةٍ كَكَثِيرٍ مِنَ الأمْراضِ أوَّلًا كالزَّمانَةِ وعَدُّوا مِنهُ ما لا يَزُولُ كالعَمى والعَرَجِ الخِلْقِيَّيْنِ فالأعْمى والأعْرَجُ داخِلانِ في المَرْضى، وإنْ أبَيْتَ فَلا يَبْعُدُ دُخُولُهُما في الضُّعَفاءِ، ويَدُلُّ لِدُخُولِ الأعْمى في أحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في الإفْرادِ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: كُنْتُ أكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ بَراءَةُ فَإنِّي لَواضِعٌ القَلَمَ عَلى أُذُنِي إذْ أمَرَنا بِالقِتالِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَنْظُرُ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ إذْ جاءَهُ أعْمى فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا أعْمى؟

فَنَزَلَتْ ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ، قرأ ابن عباس الْمُعَذِّرُونَ بالتخفيف وهكذا قرأ الحضرمي، وقراءة العامة الْمُعَذِّرُونَ بالتشديد.

فمن قرأ بالتخفيف يعني: الذين أعذروا وجاءوا بالعذر، ومن قرأ بالتشديد يعني: المعتذرين الذين إلا أن التاء أدغمت في الذال لقرب المخرجين: ويعني: المعذرين الذين يعتذرون، كان لهم عذر أو لم يكن لهم، وهذا قول الزجاج.

وروي عن ابن عباس  أنه قال: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ بالتخفيف وهم المخلصون، أصحاب العذر وقال: لعن الله المُعْذِّرِين بالتشديد، لأن المعذَّرين هم الذين يعتلُّون بلا علة، ويعتذرون بلا عذر.

لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في التخلف، وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

فمن قرأ بالتشديد يكون هذا نعتاً لهم، ومن قرأ بالتخفيف يكون صنفين، ويكون معناه: وجاء الذين لهم العذر، وسألوا العذر، وقعد الذين لا عذر لهم وهم الذين كذبوا الله وَرَسُولَهُ في السر.

ثم بيّن أمر الفريقين فقال: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، وهم الذين تخلفوا بغير عذر.

وبيّن حال الذين قعدوا بالعذر، فقال تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ، يعني: على الزّمن والشيخ الكبير، وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ في الجهاد حَرَجٌ، يعني: لا إثم عليهم.

إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، يعني: إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية.

مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، يعني: ليس على الموحدين المطيعين من حرج، إذا تخلفوا بالعذر.

وَاللَّهُ غَفُورٌ لهم بتخلفهم، رَحِيمٌ بهم.

قوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ، يعني: ولا حرج على الذين.

إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ على الجهاد.

روى أسباط، عن السدي أنه قال: أقبل رجلان من الأنصار أحدهما عبد الله بن الأزرق، والآخر أبو ليلى، فسألاه أن يحملهما، قُلْتَ لاَ أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ.

فبكيا حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا ينفقون وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: أتاه سبعة نفر من أصحابه، سالم بن عمير، وحزن بن عمرو، وعبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، وسليمان بن صخر، وعتبة بن زيد، وعمرو بن عتبة، وعبد الله بن عمرو المزني يستحملونه، فقال رسول الله  : «لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» .

تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، يعني: تسيل مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ في الخروج إلى الجهاد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ: تقدم تفسير مثل هذه الآية، والطَّوْلُ في هذه الآية المالُ قاله ابن عباس وغيره «١» ، والإِشارة بهذه الآيةِ إِلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ونظرائِهِ، و «القاعدون» : الزَّمْنَى وأهْلُ العُذْر في الجُمْلَة، والْخَوالِفِ: النساءُ جَمْعُ خالفةٍ هذا قول جمهور المفسِّرين.

وقال أبو جعفر النَّحَّاس: يقال للرجُلِ الذي لا خَيْرَ فيه: خَالِفَةٌ، فهذا جمعه بحَسَبِ اللفظ، والمراد أخسَّةُ الناسِ وأخلافهم ونحوه عن النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وقالت فرقة:

الخوالفُ: جمعُ خَالِفٍ كفَارِسٍ وَفَوَارِس.

وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ: أي: لا يفهمون، والْخَيْراتُ: جمع خَيْرَة، وهو المستحْسَنُ من كلِّ شيء.

وقوله سبحانه: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: أَعَدَّ: معناه يَسَّر وَهَيَّأ، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ...

الآية: قال ابن عبَّاس وغيره:

هؤلاء كانوا مؤمنين، وكانَتْ أَعذارُهُم صادقة «٢» ، وأصل اللفظة: «المُعْتَذِرُونَ» ، فقلبت التاءُ ذالاً وأدغمتْ، وقال قتادة، وفرقةٌ معه: بل الذين جاؤوا كفرةٌ «٣» ، وقولُهُمْ وعُذْرهم كَذِبٌ.

قال ص: والمعنى: تكلَّفوا العُذْر، ولا عذر لهم، وكَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،

أي: في إيمانهم.

انتهى.

وقوله: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ...

الآية/ قوله: مِنْهُمْ يؤيِّد أن المعذِّرين كانوا مؤمنين، فتأمَّله، قال ابنُ إِسحاق: المعذِّرون: نَفَرٌ من بني غِفَارٍ وهذا يقتضي أنهم مؤمنون.

وقوله جلَّت عظمته: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ...

الآية: يقولُ:

ليس على أهل الأعذار مِنْ ضَعْف بدنٍ أو مرضٍ أو عدمِ نفقةٍ إِثمٌ والحَرَجُ: الإِثم.

وقوله: إِذا نَصَحُوا: يريد: بنيَّاتهم وأقوالهم سرًّا وجهراً، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ: أي: من لائمةٍ تناطُ بِهِمْ، ثم أكَّد الرجاءَ بقوله سبحانه: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقرأ ابنُ عبَّاس «١» : «وَاللَّهُ لأَهْلِ الإِسَاءَة غَفُورٌ رَحِيم» ، وهذا على جهة التفسيرِ أشبهُ منه على جهةِ التلاوة لخلافه المصحف، واختلف في من المرادُ بقوله: الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ: فقالتْ فرقة: نَزلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ: ستَّة إِخوة، وليس في الصحابة ستَّة إِخوة غيرهم، وقيل: كانوا سبعةً.

وقيل: نزلَتْ في عائِذِ بْنِ عمرو المُزَنيِّ قاله قتادة «٢» ، وقيل: في عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ المزَنِّي «٣» .

قاله ابن عباس «٤» .

وقوله عَزَّ وجلَّ: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ هذه الآيةُ نزلَتْ في البَكَّائين، واختلف في تعيينهم، فقيل: في أبي موسَى الأشعريِّ وَرَهْطِهِ، وقيل: في بني مُقَرِّنٍ وعلى هذا جمهور المفسِّرين، وقيل: نزلَتْ في سبعة نَفَرٍ من بطونٍ شتَّى، فهم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِنَّ نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العُذْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: في ابْنِ مَكْتُومٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي المُرادِ بِالضُّعَفاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الزَّمْنى والمَشايِخُ الكِبارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الصِّغارُ.

والثّالِثُ: المَجانِينُ؛ سُمُّوا ضِعافًا لَضَعْفِ عُقُولِهِمْ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.

والصَّحِيحُ أنَّهَمُ الَّذِينَ يَضْعُفُونَ لِزَمانَةٍ أوْ عَمًى، أوْ سَنٍّ، أوْ ضَعْفٍ في الجِسْمِ.

والمَرْضى: الَّذِينَ بِهِمْ أعْلالٌ مانِعَةٌ مِنَ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ، ﴿ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ﴾ هُمُ المُقِلُّونَ، والحَرِجُ: الضَّيِّقُ في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ بِشَرْطِ النُّصْحِ لَلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ.

والثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ الذَّرّارِي والمَنازِلِ.

فَإنْ قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ.

وإنْ قِيلَ بِالثّانِي، فَهو يَخُصُّ المُقِلِّينَ.

وإنَّما شَرَطَ النُّصْحَ، لِأنَّ مِن تَخَلَّفَ بِقَصْدِ السَّعْيِ بِالفَسادِ، فَهو مَذْمُومٌ؛ ومِنَ النُّصْحِ لَلَّهِ: حَثَّ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والسَّعْيِ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وسائِرِ ما يَعُودُ بِاسْتِقامَةِ الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ بِالعُقُوبَةِ، لِأنَّ المُحْسِنَ قَدْ سَدَّ بِإحْسانِهِ بابَ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ نَزَلَتْ في البَكّائِينَ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ؛ فَرَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم سِتَّةٌ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وصَخْرُ بْنُ سَلْمانَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ الأنْصارِيِّ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَنْمَةَ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  لِيَحْمِلَهم، فَقالَ: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ" فانْصَرَفُوا باكِينَ.» وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كاتِبُ الواقِدَيِّ مَكانَ صَخْرِ بْنِ سَلْمانَ: سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، ومَكانَ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَنْمَةَ: عَمْرُو بْنُ عَنْمَةَ.

قالَ: وقِيلَ مِنهم مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.

ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أشْياخٍ لَهُ أنَّ البَكّائِينَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وعَمْرُو بْنُ الحُمامِ بْنِ الجُمُوحِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ.

وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: بَلْ، عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزْنِيُّ، وعِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ، وهَرَمَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ أخُو بَنِي واقِفٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقْرِنٍ، وهم سَبْعَةٌ؛ وقَدْ ذَكَرَهم مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ مُقْرِنٍ.

وقالَ أبُو خَيْثَمَةَ: هو النُّعْمانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسُوِيدُ بْنُ مُقْرِنٍ، ومَعْقِلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسِنانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعُقَيْلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُقْرِنٍ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ.

وَفِي الَّذِي طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يَحْمِلَهم عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّوابُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الزّادُ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: النِّعالُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ حَزَنًا ألا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ﴾ يَقُولُ تَعالى: لَيْسَ عَلى أهْلِ الأعْذارِ الصَحِيحَةِ مِن ضَعْفِ أبْدانٍ أو مَرَضٍ أو زَمانَةٍ أو عَدَمِ نَفَقَةٍ إثْمٌ، والحَرَجُ: الإثْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا نَصَحُوا ﴾ يُرِيدُ: بِنِيّاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ سِرًّا وجَهْرًا، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ: "نَصَحُوا اللهَ ورَسُولَهُ" بِغَيْرِ لامٍ وبِنَصْبِ الهاءِ المَكْتُوبَةِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ الآيَةُ، في لائِمَةٍ تُناطُ بِهِمْ أو تَذْنِيبٍ أو عُقُوبَةٍ، ثُمَّ أكَّدَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "واللهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ أشْبَهُ مِنهُ عَلى جِهَةِ التِلاوَةِ لِخِلافِهِ المُصْحَفَ.

واخْتُلِفَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ﴾ .

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَنُو مُقَرِّنٍ سِتَّةُ إخْوَةٍ صَحِبُوا النَبِيَّ  ، ولَيْسَ في الصَحابَةِ سِتَّةُ إخْوَةٍ غَيْرُهُمْ، وقِيلَ: كانُوا سَبْعَةً.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ ﴾ الآيَةُ، اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

فَقِيلَ: نَزَلَتْ في عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وقِيلَ: في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وقِيلَ: في أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ورَهْطِهِ، وقِيلَ: في بَنِي مُقَرِّنٍ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في سَبْعَةِ نَفَرٍ مِن بُطُونٍ شَتّى، فَهُمُ البَكّاءُونَ، وهم سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وحَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو مِن بَنِي واقِفٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَحْمَنِ مِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَجّارِ، وسُلَيْمانُ بْنُ صَخْرٍ مِن بَنِي المُعَلّى، وأبُو رَعِيلَةَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ مِن بَنِي حارِثَةَ، وهو الَّذِي تَصَدَّقُ بِعِرْضِهِ فَقَبِلَ اللهُ مِنهُ، وعَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وعائِدُ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، قالَ هَذا كُلَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: البَكّاؤُونَ هم بَنُو بَكْرٍ مِن مُزَيْنَةَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: "لِتَحْمِلَهُمْ" أيْ عَلى ظَهْرٍ يُرْكَبُ ويُحْمَلُ عَلَيْهِ الأثاثُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّما اسْتَحْمَلُوهُ النِعالَ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وهَذا بَعِيدٌ شاذٌّ.

والعامِلُ في "إذا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: "قُلْتَ" ويَكُونُ قَوْلُهُ: "تَوَلَّوْا" مَقْطُوعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "تَوَلَّوْا" ويَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَقُلْتَ، أو يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ بِمَنزِلَةِ: وجَدُوكَ في هَذِهِ الحالِ.

وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ وإيجازٌ ولا بُدَّ، يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلى ما اخْتُصِرَ مِنهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ في "النَظْمِ" لَهُ: إنَّ قَوْلَهُ: "قُلْتَ" في حُكْمِ المَعْطُوفِ تَقْدِيرُهُ: وقُلْتَ، و"حَزَنًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ مَعْقِلُ بْنُ هارُونَ: "لِنَحْمِلَهُمْ" بِنُونِ الجَماعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لجواب سؤال مقدّر ينشأ عن تهويل القعود عن الغزو وما توجّه إلى المخلّفين من الوعيد.

استيفاءً لأقسام المخلّفين من ملوم ومعذور من الأعراب أو من غيرهم.

وإعادة حرف النفي في عطف الضعفاء والمرضى لتوكيد نفي المؤاخذة عن كلّ فريق بخصوصه.

والضعفاء: جمع ضعيف وهو الذي به الضعف وهو وهن القوة البدنية من غير مرض.

والمرضَى: جمع مريض وهو الذي به مرض.

والمرض تغيّر النظام المعتاد بالبدن بسبب اختلال يطرأ في بعض أجزاء المزاج، ومن المرض المزمنُ كالعمى والزمانة وتقدم في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ في سورة النساء (43).

والحرج: الضِيق ويراد به ضيق التكليف، أي النهي.

والنصح: العمل النافع للمنصوح وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ﴾ في سورة الأعراف (79) وتقدّم وجه تعديته باللام وأطلق هنا على الإيمان والسعي في مرضاة الله ورسوله والامتثال والسعي لما ينفع المسلمين، فإنّ ذلك يشبه فعل الموالي الناصح لمنصوحه.

وجملة: ما على المحسنين من سبيل } واقعة موقع التعليل لنفي الحرج عنهم وهذه الجملة نُظِمت نَظْم الأمثال.

فقوله: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ دليل على علّة محذوفة.

والمعنى ليس على الضعفاء ولا على من عُطف عليهم حرج إذا نصحوا لله ورسوله لأنّهم محسنون غير مسيئين وما على المحسنين من سبيل، أي مؤاخذة أو معاقبة والمحسنون الذين فَعلوا الإحسان وهو ما فيه النفع التامّ.

والسبيل: أصله الطريق ويطلق على وسائل وأسباب المؤاخذة باللوم والعقاب لأنّ تلك الوسائل تشبه الطريق الذي يصل منه طالب الحقّ إلى مكان المحقوق، ولمراعاة هذا الإطلاق جُعل حرف الاستعلاء في الخبر عن السبيل دون حرف الغاية.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ [النساء: 34] وقوله: ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ كلاهما في سورة النساء (90).

فدخل في المحسنين هؤلاء الذين نصحوا لله ورسوله.

وليس ذلك من وضع المظهر موضع المضمر لأنّ هذا مرمَى آخر هو أسمى وأبعد غاية.

ومِنْ} مؤكّدة لشمول النفي لكلّ سبيل.

وجملة ﴿ والله غفور رحيم ﴾ تذييل والواو اعتراضية، أي شديد المغفرة ومن مغفرته أن لم يؤاخذ أهل الأعذار بالقعود عن الجهاد.

شديد الرحمة بالناس ومن رحمته أن لم يكلّف أهل الأعذار ما يَشق عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُعْتَذِرُونَ بِحَقٍّ اعْتَذَرُوا بِهِ فَعُذِرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتَأْوِيلُ قِراءَةِ مَن قَرَأها بِالتَّخْفِيفِ.

والثّانِي: هُمُ المُقَصِّرُونَ المُعْتَذِرُونَ بِالكَذِبِ، قالَهُ الحَسَنُ وتَأْوِيلُ مَن قَرَأها بِالتَّشْدِيدِ، لِأنَّهُ إذا خُفِّفَ مَأْخُوذٌ مِنَ العُذْرِ، وإذا شُدِّدَ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعْذِيرِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ العُذْرَ حَقٌّ والعَذِيرَ كَذِبٌ.

وَقِيلَ إنَّهم بَنُو أسَدٍ وغَطَفانُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ الآيَةَ.

وَفي الضُّعَفاءِ ها هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الصِّغارُ لِضَعْفِ أبْدانِهِمْ.

الثّانِي: المَجانِينُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ.

الثّالِثُ: العُمْيانُ لِضَعْفِ بَصَرِهِمْ.

كَما قِيلَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في شُعَيْبٍ ﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا  ﴾ أيْ ضَرِيرًا.

﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ.

الثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ المُخَلَّفِينَ مِنَ الذَّرارِيِّ والمَنازِلِ.

فَإنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الأوَّلِ كانَ راجِعًا إلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الضُّعَفاءِ.

والمَرْضى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ.

وَإنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الثّانِي كانَ راجِعًا إلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ خاصَّةً.

وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مُغَفَّلٍ.

﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهم زادًا لِأنَّهم طَلَبُوا ما يَتَزَوَّدُونَ بِهِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهم نِعالًا لِأنَّهم طَلَبُوا النِّعالَ، قالَهُ الحَسَنُ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ في هَذِهِ الغَزاةِ وهي تَبُوكُ « (أكْثِرُوا مِنَ النِّعالِ فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَزالُ راكِبًا ما كانَ مُنْتَعِلًا)» .

وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي المُطاعٍ.

والثّانِي: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأزْرَقِ وأبِي لَيْلى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: في بَنِي مُقَرَّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: في سَبْعَةٍ مِن قَبائِلَ شَتّى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والخامِسُ: في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم براءة، فكنت أكتب ما أنزل الله عليه، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟

فنزلت ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ليس على الضعفاء...

﴾ الآية.

قال نزلت في عائذ بن عمرو وفي غيره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزل من عند قوله: ﴿ عفا الله عنك ﴾ [ التوبة: 43] إلى قوله: ﴿ ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ﴾ في المنافقين.

أما قوله تعالى: ﴿ إذا نصحوا لله ورسوله ﴾ .

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة الصائدي قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا من الناصح لله؟

قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ الذي للآخرة ثم تفرغ للذي الدنيا.

وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة.

قالوا: لمن يا رسول الله؟

قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» .

وأخرج ابن عدي عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدين النصيحة.

قيل: لمن يا رسول الله؟

قال: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن جرير قال: «بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» .

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: أحب ما تعبدني به عبدي إلى النصح لي» .

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه.

أن راهباً قال لرجل: أوصيك بالنصح لله نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم وينصحهم.

أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ قال: ما على هؤلاء من سبيل بأنهم نصحوا لله ورسوله ولم يطيقوا الجهاد، فعذرهم الله وجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين، ألم تسمع أن الله يقول ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ﴾ [ النساء: 95] فجعل الله للذين عذر من الضعفاء، وأولي الضرر، والذين لا يجدون ما ينفقون، من الأجر مثل ما جعل للمجاهدين.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزو تبوك، فأشرف على المدينة قال: لقد تركتم بالمدينة رجالاً ما سرتم في مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم فيه.

قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟

قال: حبسهم العذر» .

وأخرج أحمد ومسلم وابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً، ولا سلكتم طريقاً، إلا شركوكم في الأجر حبسهم المرض» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ والله لأهل الاساءة ﴿ غفور رحيم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر الله تعالى أهل العذر فقال: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد الزمنى والمشايخ والعجزة) (١) ﴿ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ﴾ يعني المقلين من المؤمنين، ﴿ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد لم يعدلوا بالله شيئاً، وعرفوا الله بتوحيده، وأن ما جاء به محمد  حق وصدق، وغضبوا لله ورسوله، وأبغضوا من أبغض الله وأحبوا أولياء (٢) (٣) وقال أهل المعاني: (معنى النصح إخلاص العمل من الغش) (٤) ﴿ نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أخلصوا أعمالهم من الغش والنفاق لهما.

وفائدة قوله: ﴿ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بعدما ذكر عذرهم أن المعذور يكون على قسمين: أحدهما فريق منهم يغتنمون عذرهم، فهؤلاء [ليسوا ممن نصح لله ورسوله، وفريق يتمنون أن لم يكن لهم عذر فيتمكنوا من الجهاد، فهؤلاء] (٥) (٦) ﴿ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ ، قال ابن عباس: (من إثم) (٧) وقال أهل المعاني: (من طريق العقاب) (٨) ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد لمن كان على هذه الخصال) (٩) (١) رواه الثعلبي 6/ 137 ب، والبغوي 4/ 84.

(٢) في (ى): (وأحبوا من أحب الملة).

(٣) لم أقف عليه.

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (نصح 4/ 5/ 85، و"تفسير القرطبي" 8/ 227.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٦) ساقط من (م) و (ى).

(٧) "تنوير المقباس" ص 201 بمعناه.

(٨) انظر: "زاد المسير" 3/ 485، و"البحر المحيط" 5/ 85، ولم أجده في كتب أهل المعاني.

(٩) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ﴾ هذا رفع للحرج عن أهل الأعذار الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو.

وقيل: إن الضعفاء هنا هم النساء وهذا بعيد ﴿ وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ قيل: نزلت في بني مقرن وهم ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: في عبد الله بن مغفل المزني ﴿ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ ﴾ يعني: بنيانهم وأقوالهم، وإن لم يخرجوا للغزو ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ وصفهم بالمحسنين لأنهم نصحوا لله ورسوله ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم ﴿ وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ قيل: هم بنو مقرن وقيل ابن مغفل وقيل سبعة نفر من بطون شتى، وهم البكاؤون ومعنى لتحملهم على الإبل وجواب إذا يحتمل أن يكون قلت ﴿ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ ﴾ أو تولوا إذا رجعتم يعني من غزوة تبوك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ المعذرون ﴾ من الأعذار: قتيبة ويعقوب.

الباقون: بالتشديد ﴿ دائرة السوء ﴾ بضم السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير.

الآخرون بفتحها ﴿ قربة ﴾ بضم الراء: نافع غير قالون.

الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى.

الوقوف: ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لله ورسوله ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا للعطف، ﴿ ما ينفقون ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿ رضوا ﴾ مستأنفاً أو وصفاً.

﴿ مع الخوالف ﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ من أخباركم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ ط ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ رجس ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد.

﴿ جهنم ﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لترضوا عنهم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ على رسوله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ الدوائر ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال ﴿ وجاء المعذرون ﴾ من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر.

فكأنه  فصل بين أصحاب العذر وبين الكافرين؛ فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا أتباعاً وعيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف.

وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم.

وعن مجاهد: نفر من غفار.

ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأوّل أن يكون من التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له.

الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين.

والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله  : ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا ﴾ وقد يكون صحيحاً كقول القائل: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر *** أي ما جاء بعذر صحيح.

فإذا أخذنا بقراءة التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها بالمعتذرين فاحتمل الأمران.

ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه  ميزهم من الكاذبين بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ ومنهم من مال إلى أنهم كاذبون.

روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿ وجاء المعذرون ﴾ وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.

﴿ سيصيب الذين كفروا منهم ﴾ أي من الأعراب ﴿ عذاب أليم ﴾ في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار.

وإنما قال: ﴿ منهم ﴾ لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب.

ثم ذكر أن تكليف الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم ﴿ ولا على المرضى ﴾ ويدخل فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة ﴿ ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ﴾ في الغزو على أنفسهم ﴿ حرج ﴾ قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم.

ثم إنه شرط في جواز العقود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم.

وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما يفعل المولى الناصح بصاحبه.

ثم قال: ﴿ ما على المحسنين ﴾ أي المعذورين الناصحين ﴿ من سبيل ﴾ للعتاب والمؤاخذة.

قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

فهذا يدل على أن الملكف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلاً على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا بهذا الطريق.

وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن الأصل براءة الذمة.

فإن كان القياس مفيداً للبراءة أيضاً فضائع، وإن كان يفيد شغل الذمة صار مخصصاً لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس.

ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بيّن قسماً رابعاً وهم الذين لا يجدون الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ أي على المركوب.

قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في ﴿ أتوك ﴾ بإضمار "قد" أي إذا ما أتوك قائلاً ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ وجوز أن يكون واسطة بين الشرط والجزاء كالاعتراض.

قلت: ويحتمل أن يكون بدلاً من ﴿ أتوك ﴾ .

قال مجاهد: هم أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يستحملونه ووافق منه غضباً فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري.

فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.

وقيل: هم البكاؤون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عيه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك.

فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون.

وقوله ﴿ تفيض من الدمع ﴾ كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كلها فائضة.

و"من" للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز.

﴿ حزناً أن لا يجدوا ﴾ أي على أن لا يجدوا.

﴿ إنما السبيل ﴾ أي سبيل الخطاب والعتاب في أمر الغزو والجهاد ﴿ على الذين يستأذنونك ﴾ في التخلف وهم أغنياء.

ثم قال على سبيل الاستئناف ﴿ رضوا ﴾ كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على الاستعداد؟

فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن طبع الله  على قلوبهم.

قال لأهل العلم: لما قال في الآية الأولى و ﴿ وإذا أنزلت سورة  ﴾ قال هناك ﴿ وطبع  ﴾ ليكون المجهول مبنياً على المجهول بخلافه في هذه الآية.

ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام الذي جرى فيه ذكر الله.

أما قوله ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ فإنه علة المنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً فإذا علم بأن القوم يكذبونه وجب عليه تركه.

وقوله ﴿ قد نبأنا الله ﴾ علة لانتفاء التصديق.

﴿ وسيرى الله عملكم ﴾ يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها أم لا.

وفي قوله ﴿ ثم تردّون على عالم الغيب ﴾ تخويف شديد وفيه أنه مطلع على بواطنهم الخبثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب.

وإنما لم يقل في هذه الآية و "المؤمنون" كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما قال ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة للكل.

وختم آية المنافقين بقوله ﴿ ثم تردون ﴾ لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله.

ثم ذكر أن منافقي الأعراب سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى  عن منافقي المدينة فقال: ﴿ سيحلفون بالله لكم ﴾ أي لأجلكم ﴿ إذا انقلبتم ﴾ أي رجعتم ﴿ إليهم ﴾ ولم يذكر المحلوف عليه.

والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين غرضهم من الحلف فقال ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك الكلام والسلام.

وقال مقاتل: قال رسول الله  حين قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلاً منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير.

ثم بين علة الاجتناب عنهم فقال: ﴿ إنهم رجس ﴾ فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم إنما يعاتب الأديم ذو البشرة.

المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي عليه الشعر أي إنما يعاد الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب ﴿ ومأواهم ﴾ جهنم منقلبهم النار عتاباً توبيخاً.

ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم ﴾ نهاهم عن الرضا بقوله ﴿ فإن ترضوا عنهم ﴾ الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله  ساخطاً عليهم؟.

ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة.

قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود.

فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب.

قال  : "لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً" قيل: إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل  نشؤا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم.

وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.

وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش.

سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب؟

فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟!

وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال  : "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين" أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون.

وقوله: ﴿ وأجدر ﴾ أي أولى وأحق ﴿ بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿ والله عليم ﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿ حكيم ﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.

ثم نوع جنس الأعراب فقال: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ هو مفعول ثانٍ ليتخذ لأنه بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران.

وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع.

﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه تشبيهاً بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص.

ثم خيّب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ وإنها جملة معترضة كقوله ﴿ غلت أيديهم  ﴾ والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك "رجل صدق".

قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة لأن من دارت عليه ذامّ لها وبالضم اسم بمعنى البلاء والعذاب، والمراد أنهم لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم.

﴿ والله سميع ﴾ لأقوالهم ﴿ عليم ﴾ بنياتهم.

قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.

ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن ﴾ الآية.

والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند الله وسبباً لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى.

ثم إنه  شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكداّ بحرفي التنبيه والتحقيق ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ ثم فسر القربة بقوله: ﴿ سيدخلهم الله في رحمته ﴾ والسين لتحقيق الوعد.

قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجاداً وهو كساء مخطط فشقته نصفين فردّته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله  فكان قائده والله أعلم.

التأويل: الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد.

﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك ﴾ بطريق المتابعة ﴿ لتحملهم ﴾ على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية ﴿ قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ ترفعاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة.

﴿ الأعراب أشد كفراً ﴾ إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة.

﴿ حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول  ، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة.

﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها ﴿ والله سميع ﴾ يجيب هذا الدعاء ﴿ عليم ﴾ بمن ينبغي أن يسمع في حقه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم من أهل التأويل: المعذرون هم الذين يستأذنون في القعود ولا عذر لهم في ذلك.

وقال الكلبي: المعذرون هم الذين لهم عذر وبهم علة.

وبعضهم قال: المعذرون: هم المعتدون.

[و] روي عن ابن عباس -  - أنه قرأ "المعذرون" بالتخفيف، وقال: لعن الله المعذِّرين؛ كأنه ذهب إلى أن المعذر هو الذي له عذر، والمعذِّر بالتشديد: الذي لا عذر له؛ لذلك لعن المعذِّر.

قال أبو معاذ: وأكثر كلام العرب المعذر الذي له عذر، وهو قولهم: قد أعذر من أنذر.

وقال أبو عوسجة: - المعذر بالتشديد -: الذي لا يناصح، إنما يريد أن يعذر، ويقال: عذرت في الأمر: إذا لم تبالغ فيه؛ وأعذرت في الأمر، أي: بالغت فيه.

وقال القتبي: المعذرون - بالتشديد -: هم الذين لا يجدون [ما ينفقون]، إنما يعرضون ما لا يريدون أن يفعلوه؛ يقال: عذرت في الأمر: إذا قصرت، وأعذرت: جددت.

ثم قال بعض أهل التأويل: دل هذا على أن أهل النفاق كانوا صنفين: صنف كانوا يستأذنون [في] القعود، وصنف لا يستأذنون، ولكن يقعدون بقوله: ﴿ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ .

دلّ قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ على أن من أهل النفاق من قد آمن، وأن من تاب يقبل ذلك منه؛ لأنه قال: ﴿ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ولم يقل: سيصيبهم عذاب أليم.

وقال بعضهم: المعذرون - بالتخفيف -: هم المؤمنون الذين لهم عذر في التخلف، أتوا رسول الله لينظر في أمرهم الأوفق: إن كان الخروج لهم أوفق يخرجون، وإن كان القعود أوفق يقعدون؛ يدل على ذلك الآية التي تتلو هذه وهي قوله - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ الآية.

فإن قيل: كيف احتمل أن تكون آية واحدة في فريقين مختلفين، إذا قرئ بالتخفيف فهي في الذين لهم عذر، وإذا قرئ بالتشديد فهي في الذين لا عذر لهم؟

قيل: تصير على اختلاف القراءة كآيتين في حالتين ووقتين مختلفين، إن كان تأويل المعذر بالتشديد هو الذي يعتذر ولا عذر له، والمعذر - بالتخفيف - هو الذي له عذر.

أو كان تأويل إحدى القراءتين على ضد الأخرى كان لهم عذر في حال، ولا عذر لهم في حال أخرى، وإلا لا يحتمل أن تكون القراءتان جميعاً في وقت واحد، وتأويلهما على الاختلاف الذي ذكروا، وهو كقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ و ﴿ رَبَّنَا ﴾ بالرفع ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ أحدهما: على الدعاء، والآخر: على الإيجاب، هما آيتان صارتا آية واحدة لاختلاف القراءة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ﴾ .

لو لم يذكر المرضى ولا الذين لا يجدون ما ينفقون، لكان المفهوم من قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ ﴾ المرضى والذي لا يجد ما ينفق.

وكذلك إذا ذكر المريض كان في ذكره ما يفهم منه كل ضعيف، وكل ما لا يجد ما ينفق.

وفي كل حرف من هذه الحروف ما يفهم منه معنى الآخر، فلما ذكر دل أن المراد من ذكر الضعفاء الزمنى؛ من نحو الأعمى والأعرج، فكان كقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ  ﴾ ، فتكون الآيتان واحدة؛ أعني: معناهما واحد.

وفيه دلالة أن ليس في ذكر عدد من الأشياء حظر دخول غير المذكور في حكم المذكور إذا كان في معناه؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه ليس فيما ذكر رسول الله عدد في الربا بقوله: "والحنطة بالحنطة، والذهب بالذهب، والفضل ربا" على أنه لا لمعنى ورد، ولا يدخل فيه ما لم يذكر؛ لما ذكرنا أنه لو ذكر الضعفاء لذكر المريض، والأعمى، والأعرج، وجميع من ضعف عن الخروج من أنواع الأعذار، ثم لم يدل ما ذكر من العدد وتخصيصه على أنه لا لمعنى ذكر؛ فعلى ذلك خبر الربا.

ثم جعل العمى والعرج والمرض وعدم النفقة ونحوه عذراً في ترك الخروج، ولم يجعل شدة الحر وبعد المسافة ونحوه عذراً بقوله: ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً  ﴾ .

وأصله - والله أعلم -: أن كل ما لم يعمل في المنع عن الخروج لشهوة، أو لطمع يرجو نيله من التجارة ونحوها - لم يكن ذلك عذراً في ترك الخروج؛ إذ شدة الحرّ وبعد السفر وخوف العدوّ مما لا يمنعهم عن الخروج للتجارة، فلم يصر ذلك عذراً في التخلف عن الخروج للجهاد، وأما حال المرض والزمانة وعدم النفقة فيمنعهم ويعجزهم عن الخروج في كل ما يهوون ويشتهون، فصار ذلك عذراً لهم بالتخلف عن الخروج للجهاد.

والثاني: أن كل ما يقدر على دفعه بحال لم يجعل ذلك عذراً في التخلف، وكل ما لا سبيل لهم إلى دفعه فهو عذر، والحر وبعد السفر وخوف العدو يجوز أن يدفع فيصير كأن ليس، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً  ﴾ ، فإذا ذكر شدة حر جهنم وبعد سفر الآخرة وأهواله، هان عليه الخروج وسهل، فارتفع ذلك؛ فلذلك صار أحدهما عذراً والآخر لا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

قيل: لم يخدعوا أحداً في دينه، ولم يغشوه في دنياه.

وقيل: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: أطاعوا الله ورسوله في الحضرة، ولم يتركوا طاعته.

[وقوله: ﴿ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أي: ما على المحسنين من سبيل في تركهم الخروج إذا لم يقدروا على الخروج؛ لما ذكرنا من الزمانة وعدم ما ينفقون].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

بتركهم الخروج وتخلفهم عن الجهاد مع أصحاب الأعذار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ .

ذكر في بعض الأخبار عن النبي  قال: "لولا أن أشق على أمتي - أو قال: على المؤمنين - وإلا لخرجت في كل سرية بعثتها" ؛ لأنهم لا يجدون ما ينفقون فيخرجون ولا أجد ما أحملهم عليه، فيشق عليهم مفارقتهم إيانا، فلا حرج بتركهم الخروج إذا لم يجدوا ما ينفقون ولا [ما] يحمل عليه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليس على النساء والصبيان والمرضى والعجزة والعمي والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقونه من المال ليتجهزوا به، ليس على هؤلاء جميعًا إثم في التخلف عن الخروج؛ لأن أعذارهم قائمة، إذا أخلصوا لله ورسوله، وعملوا بشرعه، ليس على المحسنين من أصحاب هذه الأعذار طريق لإيقاع العقاب عليهم، والله غفور لذنوب المحسنين، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.5OVPL"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد