الآية ٩٣ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٩٣ من سورة التوبة

۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٩٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 45 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٣ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء ، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال ، ( وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما السبيل بالعقوبة على أهل العذر، يا محمد, ولكنها على الذين يستأذنونك في التخلف خِلافَك، وترك الجهاد معك، وهم أهل غنى وقوّةٍ وطاقةٍ للجهاد والغزو, نفاقًا وشكًّا في وعد الله ووعيده (30) =(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف)، يقول: رضوا بأن يجلسوا بعدك مع النساء = وهن " الخوالف "، خلف الرجال في البيوت, ويتركوا الغزو معك، (31) =(وطبع الله على قلوبهم)، يقول: وختم الله على قلوبهم بما كسبوا من الذنوب (32) =(فهم لا يعلمون)، سوء عاقبتهم، بتخلفهم عنك، وتركهم الجهاد معك، وما عليهم من قبيح الثناء في الدنيا، وعظيم البلاء في الآخرة.

------------------------ الهوامش: (30) انظر تفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .

(31) انظر تفسير " الخوالف " فيما سلف ص : 413 ، تعليق : 1، والمراجع هناك .

(32) انظر تفسير " الطبع " فيما سلف ص : 413 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمونقوله تعالى إنما السبيل أي العقوبة والمأثم .على الذين يستأذنونك وهم أغنياء والمراد المنافقون .

كرر ذكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏إِنَّمَا السَّبِيلُ‏}‏ يتوجه واللوم يتناول الذين يستأذنوك وهم أغنياء قادرون على الخروج لا عذر لهم، فهؤلاء ‏{‏رَضُوا‏}‏ لأنفسهم ومن دينهم ‏{‏بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ‏}‏ كالنساء والأطفال ونحوهم‏.‏ ‏{‏و‏}‏ إنما رضوا بهذه الحال لأن اللّه طبع على قلوبهم أي‏:‏ ختم عليها، فلا يدخلها خير، ولا يحسون بمصالحهم الدينية والدنيوية، ‏{‏فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ عقوبة لهم، على ما اقترفوا‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنما السبيل ) بالعقوبة ، ( على الذين يستأذنونك ) في التخلف ( وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) مع النساء والصبيان ، ( وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما السَّبيل على الذين يستأذنوك» في التخلُّف «وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون» تقدم مثله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما الإثم واللوم على الأغنياء الذين جاءوك -أيها الرسول- يطلبون الإذن بالتخلف، وهم المنافقون الأغنياء اختاروا لأنفسهم القعود مع النساء وأهل الأعذار، وختم الله على قلوبهم بالنفاق، فلا يدخلها إيمان، فهم لا يعلمون سوء عاقبتهم بتخلفهم عنك وتركهم الجهاد معك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - أحكام أصحاب الأعذار المقبولة ، أتبع ذلك ببيان أحكام الأعذار الكاذبة ، والصفات القبيحة ، فقال تعالى : ( إِنَّمَا السبيل .

.

.

.

القوم الفاسقين ) .فهذه الآيات الكريمة بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين قعدوا فى المدينة بدون عذر ، بعد أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم والمؤمنون من تبوك .والمعنى : إذا كان الضعفاء والمرضى ومن حكمهم ، لا إثم ولا عقوبة عليهم بسبب تخلفهم عن الجهاد ، فإن " السبيل " أى الإِثم والعقوبة ( عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ ) فى التخلف " وهم أغنياء " أى يمكلون كل وسائل الجهاد من مال وقوة وعدة .وقوله : ( رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف ) استئناف تعليلى مسبوق لمزيد مذمتهم .أى : استأذنوك مع غناهم وقدرتهم على القتال ، لأنهم لخو قلوبهم من الإِيمان ، ولسوقط همتهم وجبنهم ، رضوا لأنفسهم أن يبقوا فى المدينة مع الخالف من النساء والصبيان والعجزة .وقوله : ( وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) بيان لسوء مصيرهم .أى : وبسبب هذا الإِصرار على النفاق ، والتمادى فى الفسوق العصيان ، ختم الله - تعالى - على قلوبهم ، فصارت لا تعلم ما يترتب على ذلك من مصائب دينية ودنيوية وأخروية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ قال في هذه الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا، ثم الذين قالوا في الآية الأولى المراد ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ في أمر الغزو والجهاد، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم.

قالوا: السبيل الذي نفاه عن المحسنين، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين، وهو الذي يختص بالجهاد، والمعنى: أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنونك في التخلف سبيل الله عليهم لازم، وتكليفه عليهم بالذهاب إلى الغزو متوجه، ولا عذر لهم ألبتة في التخلف.

فإن قيل: قوله: ﴿ رَضُواْ ﴾ ما موقعه؟

قلنا: كأنه استئناف، كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء.

فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف ﴿ وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ ﴾ يعني أن السبب في نفرتهم عن الجهاد، هو أن الله طبع على قلوبهم، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا.

ثم قال: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ علة للمنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً.

فإذا علم بأن القوم يكذبونه فيه، وجب عليه تركه.

وقوله: ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ علة لانتفاء التصديق، لأنه تعالى لما أطلع رسوله على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق، امتنع أن يصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الأعذار.

ثم قال: ﴿ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ والمعنى أنهم كانوا يظهرون من أنفسهم عند تقرير تلك المعاذير حباً للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين وشفقة عليهم ورغبة في نصرتهم، فقال تعالى: ﴿ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ أنكم هل تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء، أو لا تبقون عليها؟

ثم قال: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ .

فإن قيل: لماقال: ﴿ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ فلم لم يقل، ثم تردون إليه، وما الفائدة من قوله: ﴿ ثُمَّ ﴾ .

قلنا: في وصفه تعالى بكونه: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ ما يدل على كونه مطلعاً على بواطنهم الخبيثة، وضمائرهم المملوءة من الكذب والكيد، وفيه تخويف شديد، وزجر عظيم لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ﴿ رَضُواْ ﴾ ما موقعه؟

قلت: هو استئناف، كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟

فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف ﴿ وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ ﴾ يعني أن السبب في استئذانهم رضاهم بالدناءة وخذلان الله تعالى إياهم.

فإن قلت: فهل يجوز أن يكون قوله: ﴿ قُلْتَ لاَ أَجِدُ ﴾ استئنافاً مثله، كأنه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم تولوا، فقيل: ما لهم تولوا باكين؟

فقيل: قلت لا أجد ما أحملكم عليه.

إلاّ أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض ﴿ قُلْتَ ﴾ نعم ويحسن ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ علة للنهي عن الاعتذار؛ لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، فإذا علم أنه مكذب وجب عليه الإخلال وقوله: ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ علة لانتفاء تصديقهم لأنّ الله عزّ وجلّ إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وما في ضمائرهم من الشرّ والفساد، لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم ﴿ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ﴾ أتنيبون أم تثبتون على كفركم ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ ﴾ إليه وهو عالم كل غيب وشهادة وسرّ وعلانية، فيجازيكم على حسب ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما السَّبِيلُ ﴾ بِالمُعاتَبَةِ.

﴿ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ ﴾ واجِدُونَ الأُهْبَةَ.

﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما هو السَّبَبُ لِاسْتِئْذانِهِمْ مِن غَيْرِ عُذْرٍ وهو رِضاهم بِالدَّناءَةِ والِانْتِظامِ في جُمْلَةِ الخَوالِفِ إيثارًا لِلدَّعَةِ.

﴿ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ حَتّى غَفَلُوا عَنْ وخامَةِ العاقِبَةِ.

﴿ فَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ مَغَبَّتَهُ.

﴿ يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ ﴾ في التَّخَلُّفِ.

﴿ إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ ﴾ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ.

﴿ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ لِأنَّهُ: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكم لِأنَّهُ: ﴿ قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ ﴾ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بَعْضَ أخْبارِكم وهو ما في ضَمائِرِكم مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ.

﴿ وَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ﴾ أتَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ أمْ تَثْبُتُونَ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ اسْتِتابَةٌ وإمْهالٌ لِلتَّوْبَةِ.

﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ أيْ إلَيْهِ فَوُضِعَ الوَصْفُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ لا يَفُوتُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِن ضَمائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ.

﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِالتَّوْبِيخِ والعِقابِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إنما السبيل على الذين يستأذنونك} فى التخلف {وهم أغنياء} وقوله {رضوا} استنئاف كأنه قيل مابالهم استأذنوا وهم أغنياء فقيل رضوا {بِأَن يَكُونُواْ مع الخوالف}

أي بالانتظام في جملة الخوالف {وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنَّما السَّبِيلُ ﴾ أيْ بِالمُعاتَبَةِ والمُعاقَبَةِ ﴿ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ ﴾ في التَّخَلُّفِ ﴿ وهم أغْنِياءُ ﴾ واجِدُونَ لِلْأُهْبَةِ قادِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مَعَكَ ﴿ رَضُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ اسْتَأْذَنُوا أوْ لِمَ اسْتَحَقُّوا ما اسْتَحَقُّوا؟

فَأُجِيبُ بِأنَّهم رَضُوا ﴿ بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ ﴾ تَقَدَّمَ مَعْناهُ ﴿ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ خَذَلَهم فَغَفَلُوا عَنْ سُوءِ العاقِبَةِ ﴿ فَهُمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يَعْلَمُونَ 93﴾ أبَدًا وخامَةَ ما رَضُوا بِهِ وما يَسْتَتْبِعُهُ عاجِلًا كُما لَمْ يَعْلَمُوا نَجاسَةَ شَأْنِهِ آجِلًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ يعني: إثم الخروج عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التخلف، وَهُمْ أَغْنِياءُ يعني: لهم سعة للخروج.

رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، يعني: ختم، فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ التوحيد.

قوله تعالى: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ من الغزو.

قُلْ لاَّ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ، يعني: لا نصدقكم أن لكم عذراً.

قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ، يعني: أخبرنا الله تعالى عنكم بأنه ليس لكم عذر، ويقال: أخبرنا الله عن نفاقكم، ويقال: أخبرنا الله عن أعمالكم وسرائركم.

وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ، فيما تستأنفون وسيراه المؤمنون.

ثُمَّ تُرَدُّونَ، يعني: ترجعون بعد الموت إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: إلى الذي يعلم ما غاب عن العباد وما شاهدوا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ، يعني: إذا رجعتم إليهم من الغزو، لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ يعني: تتجاوزوا وتصفحوا عنهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ يعني: اصفحوا عنهم وتجاوزوا عنهم في الدنيا إِنَّهُمْ رِجْسٌ، يعني: قذر نجس، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني: مصيرهم في الآخرة إلى جهنم.

جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من النفاق.

قوله تعالى: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ، يقول: إن أنت رضيت عنهم يا محمد والمؤمنون.

فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ، يعني: المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

البكّاءون، وقال مجاهد: البكّاءون هم بنو مُقَرِّن من مُزَيْنة «١» ، ومعنى قوله: لِتَحْمِلَهُمْ:

أيْ: عَلَى ظَهْر يُرْكَبُ، ويُحْمَل عليه الأثاثُ.

ت: وقصة أبي موسَى الأشعريِّ ورَهْطِهِ مذكورةٌ في الصَّحيح، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» : القول بأن الآية نزلَتْ في أبي موسى وأصحابه هو الصحيح، انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ ...

الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ في المنافقين المتقدِّم ذكْرُهُمْ: عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَمُعَتِّبٌ، وغيرهم.

وقوله: إِذا رَجَعْتُمْ: يريد: مِنْ غزوةَ تَبُوكَ، ومعنَى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ: لن نصدِّقكم، والإِشارة بقوله: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ إِلى قوله: مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة: ٤٧] ، ونحوه من الآيات.

وقوله سبحانه: وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ: توعُّد، والمعنى: فيقع الجزاءُ عليه، قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: اعمل للدنيا بقَدْر مُقَامِكَ فيها، واعمل للآخرة بقَدْر بقائك فيها، واستحيي مِنَ اللَّه تعالى بقَدْرِ قُرْبه منْكَ، وأَطِعْهُ بقَدْر حَاجَتِكَ إِليه، وخَفْهُ بقَدْر قُدْرته عليك، واعصه بِقَدْر صَبْرَكَ على النَّار.

انتهى من «سراج الملوك» .

وقوله: ثُمَّ تُرَدُّونَ: يريد البَعْثَ من القبور.

سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)

وقوله عز وجل: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ ...

الآية: قيل: إن هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِنَّ نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العُذْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: في ابْنِ مَكْتُومٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي المُرادِ بِالضُّعَفاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الزَّمْنى والمَشايِخُ الكِبارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الصِّغارُ.

والثّالِثُ: المَجانِينُ؛ سُمُّوا ضِعافًا لَضَعْفِ عُقُولِهِمْ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.

والصَّحِيحُ أنَّهَمُ الَّذِينَ يَضْعُفُونَ لِزَمانَةٍ أوْ عَمًى، أوْ سَنٍّ، أوْ ضَعْفٍ في الجِسْمِ.

والمَرْضى: الَّذِينَ بِهِمْ أعْلالٌ مانِعَةٌ مِنَ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ، ﴿ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ﴾ هُمُ المُقِلُّونَ، والحَرِجُ: الضَّيِّقُ في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ بِشَرْطِ النُّصْحِ لَلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ.

والثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ الذَّرّارِي والمَنازِلِ.

فَإنْ قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ.

وإنْ قِيلَ بِالثّانِي، فَهو يَخُصُّ المُقِلِّينَ.

وإنَّما شَرَطَ النُّصْحَ، لِأنَّ مِن تَخَلَّفَ بِقَصْدِ السَّعْيِ بِالفَسادِ، فَهو مَذْمُومٌ؛ ومِنَ النُّصْحِ لَلَّهِ: حَثَّ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والسَّعْيِ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وسائِرِ ما يَعُودُ بِاسْتِقامَةِ الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ بِالعُقُوبَةِ، لِأنَّ المُحْسِنَ قَدْ سَدَّ بِإحْسانِهِ بابَ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ نَزَلَتْ في البَكّائِينَ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ؛ فَرَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم سِتَّةٌ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وصَخْرُ بْنُ سَلْمانَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ الأنْصارِيِّ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَنْمَةَ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  لِيَحْمِلَهم، فَقالَ: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ" فانْصَرَفُوا باكِينَ.» وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كاتِبُ الواقِدَيِّ مَكانَ صَخْرِ بْنِ سَلْمانَ: سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، ومَكانَ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَنْمَةَ: عَمْرُو بْنُ عَنْمَةَ.

قالَ: وقِيلَ مِنهم مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.

ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أشْياخٍ لَهُ أنَّ البَكّائِينَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وعَمْرُو بْنُ الحُمامِ بْنِ الجُمُوحِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ.

وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: بَلْ، عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزْنِيُّ، وعِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ، وهَرَمَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ أخُو بَنِي واقِفٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقْرِنٍ، وهم سَبْعَةٌ؛ وقَدْ ذَكَرَهم مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ مُقْرِنٍ.

وقالَ أبُو خَيْثَمَةَ: هو النُّعْمانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسُوِيدُ بْنُ مُقْرِنٍ، ومَعْقِلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسِنانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعُقَيْلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُقْرِنٍ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ.

وَفِي الَّذِي طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يَحْمِلَهم عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّوابُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الزّادُ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: النِّعالُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما السَبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ "إنَّما" لَيْسَ بِحَصْرٍ، وإنَّما هي لِلْمُبالَغَةِ فِيما يُرِيدُ تَقْرِيرَهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"، ويَقْضِي بِذَلِكَ أنّا نَجِدُ "السَبِيلَ" في الشَرْعِ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الفِرْقَةِ "مَوْجُودًا"، والسَبِيلُ قَدْ تُوصَلُ بِـ "عَلى" وبِـ"إلى" فَتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلى فُلانٍ، ولا سَبِيلَ إلى فُلانٍ، غَيْرَ أنَّ وُصُولَها بِـ "عَلى" يَقْتَضِي أحْيانًا ضَعْفَ المُتَوَصَّلِ إلَيْهِ وقِلَّةَ مَنَعَتِهِ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "إلى"، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: "فُلانٌ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الأمْرِ ولا إلى طاعَةِ اللهِ"، ولا يَحْسُنُ في شَبْهِ هَذا "عَلى"، والسَبِيلُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- سَبِيلُ المُعاقَبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومَعْتَبُ، وغَيْرُهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ  ، واشْتَرَكَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ في بَعْضٍ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعْتَذِرُونَ أيْضًا إلى المُؤْمِنِينَ، ولِأنَّ أنْباءَ اللهِ أيْضًا تَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ رَجَعْتُمْ ﴾ يُرِيدُ: مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لَنْ نُصَدِّقَكُمْ، ولَكِنْ لَفْظَةُ "نُؤْمِنُ" تَتَّصِلُ بِلامٍ أحْيانًا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ( يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ )، و"نَبَّأ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- قِيلَ: هي بِمَعْنى عَرَّفَ لا تَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن مَفْعُولَيْنِ، فالضَمِيرُ مَفْعُولٌ أوَّلُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أخْبارِكُمْ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في زِيادَةِ "مِن" في الواجِبِ، فالتَقْدِيرُ: قَدْ نَبَّأْنا اللهُ أخْبارَكُمْ، وهو عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثانِي تَقْدِيرُهُ: قَدْ نَبَّأْنا اللهُ جَلِيَّةً مِن أخْبارِكُمْ، وقِيلَ: "نَبَّأ" بِمَعْنى أعْلَمَ يَحْتاجُ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، فالضَمِيرُ واحِدٌ، و ﴿ مِن أخْبارِكُمْ ﴾ ثانٍ حَسَبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلَيْنِ، والثالِثُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِهِ: قَدْ نَبَّأْنا اللهُ مِن أخْبارِكم كَذِبًا أو نَحْوَهُ، وحَذْفُ هَذا المَفْعُولِ مَعَ الدَلالَةِ عَلَيْهِ جائِزٌ بِخِلافِ الِاقْتِصارِ، وذَلِكَ أنَّ الِاقْتِصارَ إنَّما يَجُوزُ إمّا عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ ويَسْقُطُ الِاثْنانِ إذْ هُما الِابْتِداءُ والخَبَرُ، وإمّا عَلى الِاثْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ ويَسْقُطُ الأوَّلُ، وإمّا أنْ يَقْتَصِرَ عَلى المَفْعُولَيْنِ الأوَّلَيْنِ ويُسْقِطَ الثالِثَ دُونَ دَلالَةٍ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لا يَجُوزُ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ مَعَ الدَلالَةِ عَلَيْهِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ نَبَّأنا اللهُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ  ﴾ ونَحْوِ هَذا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَسَيَرى اللهُ ﴾ تَوَعُّدُ مَعْناهُ: وسَيَراهُ في حالِ وُجُودِهِ ويَقَعُ الجَزاءُ مِنهُ عَلَيْهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ ﴾ يُرِيدُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والغَيْبُ والشَهادَةُ يَعُمّانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ ﴾ مَعْناهُ: التَخْوِيفُ مِمَّنْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما نفت الآيتان السابقتان أن يكون سبيلٌ على المؤمنين الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون والذين لم يجدوا حمولة، حصرت هذه الآية السبيل في كونه على الذين يستأذنون في التخلف وهم أغنياء، وهو انتقال بالتخلص إلى العودة إلى أحوال المنافقين كما دل عليه قوله بعدُ ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ﴾ [التوبة: 94]، فالقصر إضافي بالنسبة للأصناف الذين نُفي أن يكون عليهم سبيل.

وفي هذا الحصر تأكيد للنفي السابق، أي لا سبيل عقاببٍ إلا على الذين يستأذنونك وهم أغنياء.

والمراد بهم المنافقون بالمدينة الذين يكرهون الجهاد إذ لا يؤمنون بما وعد الله عليه من الخيرات وهم أولو الطول المذكورون في قوله: ﴿ وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله ﴾ [التوبة: 86] الآية.

والسبيل: حقيقته الطريق.

ومرّ في قوله: ﴿ مَا على المحسنين من سبيل ﴾ [التوبة: 91].

وقوله: ﴿ إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء ﴾ مستعار لمعنى السلطان والمؤاخذة بالتبعة، شبه السلطان والمؤاخذة بالطريق لأن السلطة يَتوصل بها من هي له إلى تنفيذ المؤاخذة في الغير.

ولذلك عُدّي بحرف (على) المفيد لمعنى الاستعلاء، وهو استعلاء مجازي بمعنى التمكن من التصرف في مدخول (على).

فكان هذا التركيب استعارةً مكنية رُمز إليها بما هو من مُلائمات المشبه به وهو حرف (على).

وفيه استعارة تبعية.

والتعريف باللام في قوله: ﴿ إنما السبيل ﴾ تعريف العهد، والمعهود هو السبيل المنفي في قوله تعالى: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ [التوبة: 91] على قاعدة النكرة إذا أعيدت معرفة، أي إنما السبيل المنفي عن المحسنين مثبت للذين يستأذنونك وهم أغنياء.

ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ﴾ في سورة الشورى (42).

فدل ذلك على أن المراد بالسبيل العذاب.

والمعنى ليست التبعة والمؤاخذة إلا على الذين يستأذنونك وهم أغنياء، الذين أرادوا أن يتخلفوا عن غزوة تبوك ولا عذر لهم يخولهم التخلف.

وقد سبقت آية ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ من سورة النساء (90)، وأحيل هنالك تفسيرها على ما ذكرناه في هذه الآية.

وجملة: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} مستأنفة لجواب سؤال ينشأ عن علة استيذانهم في التخلف وهم أغنياء، أي بعثهم على ذلك رضاهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء.

وقد تقدم القول في نظيره آنفاً.

وأسند الطبع على قلوبهم إلى الله في هذه الآية بخلاف ما في الآية السابقة ﴿ وطُبع على قلوبهم ﴾ [التوبة: 87] لعله للإشارة إلى أنه طبع غير الطبع الذي جبلوا عليه بل هو طبع على طبع أنشأه الله في قلوبهم لغضبه عليهم فحرمهم النجاة من الطبع الأصلي وزادهم عماية، ولأجل هذا المعنى فرع عليه ﴿ فهم لا يعلمون ﴾ لنفي أصل العلم عنهم، أي يكادون أن يساووا العجماوات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُعْتَذِرُونَ بِحَقٍّ اعْتَذَرُوا بِهِ فَعُذِرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتَأْوِيلُ قِراءَةِ مَن قَرَأها بِالتَّخْفِيفِ.

والثّانِي: هُمُ المُقَصِّرُونَ المُعْتَذِرُونَ بِالكَذِبِ، قالَهُ الحَسَنُ وتَأْوِيلُ مَن قَرَأها بِالتَّشْدِيدِ، لِأنَّهُ إذا خُفِّفَ مَأْخُوذٌ مِنَ العُذْرِ، وإذا شُدِّدَ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعْذِيرِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ العُذْرَ حَقٌّ والعَذِيرَ كَذِبٌ.

وَقِيلَ إنَّهم بَنُو أسَدٍ وغَطَفانُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ الآيَةَ.

وَفي الضُّعَفاءِ ها هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الصِّغارُ لِضَعْفِ أبْدانِهِمْ.

الثّانِي: المَجانِينُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ.

الثّالِثُ: العُمْيانُ لِضَعْفِ بَصَرِهِمْ.

كَما قِيلَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في شُعَيْبٍ ﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا  ﴾ أيْ ضَرِيرًا.

﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ.

الثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ المُخَلَّفِينَ مِنَ الذَّرارِيِّ والمَنازِلِ.

فَإنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الأوَّلِ كانَ راجِعًا إلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الضُّعَفاءِ.

والمَرْضى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ.

وَإنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الثّانِي كانَ راجِعًا إلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ خاصَّةً.

وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مُغَفَّلٍ.

﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهم زادًا لِأنَّهم طَلَبُوا ما يَتَزَوَّدُونَ بِهِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهم نِعالًا لِأنَّهم طَلَبُوا النِّعالَ، قالَهُ الحَسَنُ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ في هَذِهِ الغَزاةِ وهي تَبُوكُ « (أكْثِرُوا مِنَ النِّعالِ فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَزالُ راكِبًا ما كانَ مُنْتَعِلًا)» .

وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي المُطاعٍ.

والثّانِي: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأزْرَقِ وأبِي لَيْلى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: في بَنِي مُقَرَّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: في سَبْعَةٍ مِن قَبائِلَ شَتّى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والخامِسُ: في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إنما السبيل على الذين يستأذنونك ﴾ قال: هي وما بعدها إلى قوله: ﴿ إن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ﴾ في المنافقين.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ قال: أخبرنا أنكم لو خرجتم ما زدتمونا إلا خبالاً وفي قوله: ﴿ فأعرضوا عنهم إنهم رجس ﴾ قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكلموهم ولا تجالسوهم، فأعرضوا عنهم كما أمر الله» .

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ لتتجاوزوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ﴾ هذا رفع للحرج عن أهل الأعذار الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو.

وقيل: إن الضعفاء هنا هم النساء وهذا بعيد ﴿ وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ قيل: نزلت في بني مقرن وهم ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: في عبد الله بن مغفل المزني ﴿ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ ﴾ يعني: بنيانهم وأقوالهم، وإن لم يخرجوا للغزو ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ وصفهم بالمحسنين لأنهم نصحوا لله ورسوله ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم ﴿ وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ قيل: هم بنو مقرن وقيل ابن مغفل وقيل سبعة نفر من بطون شتى، وهم البكاؤون ومعنى لتحملهم على الإبل وجواب إذا يحتمل أن يكون قلت ﴿ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ ﴾ أو تولوا إذا رجعتم يعني من غزوة تبوك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ المعذرون ﴾ من الأعذار: قتيبة ويعقوب.

الباقون: بالتشديد ﴿ دائرة السوء ﴾ بضم السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير.

الآخرون بفتحها ﴿ قربة ﴾ بضم الراء: نافع غير قالون.

الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى.

الوقوف: ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لله ورسوله ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا للعطف، ﴿ ما ينفقون ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿ رضوا ﴾ مستأنفاً أو وصفاً.

﴿ مع الخوالف ﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ من أخباركم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ ط ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ رجس ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد.

﴿ جهنم ﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لترضوا عنهم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ على رسوله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ الدوائر ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال ﴿ وجاء المعذرون ﴾ من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر.

فكأنه  فصل بين أصحاب العذر وبين الكافرين؛ فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا أتباعاً وعيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف.

وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم.

وعن مجاهد: نفر من غفار.

ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأوّل أن يكون من التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له.

الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين.

والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله  : ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا ﴾ وقد يكون صحيحاً كقول القائل: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر *** أي ما جاء بعذر صحيح.

فإذا أخذنا بقراءة التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها بالمعتذرين فاحتمل الأمران.

ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه  ميزهم من الكاذبين بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ ومنهم من مال إلى أنهم كاذبون.

روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿ وجاء المعذرون ﴾ وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.

﴿ سيصيب الذين كفروا منهم ﴾ أي من الأعراب ﴿ عذاب أليم ﴾ في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار.

وإنما قال: ﴿ منهم ﴾ لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب.

ثم ذكر أن تكليف الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم ﴿ ولا على المرضى ﴾ ويدخل فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة ﴿ ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ﴾ في الغزو على أنفسهم ﴿ حرج ﴾ قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم.

ثم إنه شرط في جواز العقود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم.

وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما يفعل المولى الناصح بصاحبه.

ثم قال: ﴿ ما على المحسنين ﴾ أي المعذورين الناصحين ﴿ من سبيل ﴾ للعتاب والمؤاخذة.

قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

فهذا يدل على أن الملكف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلاً على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا بهذا الطريق.

وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن الأصل براءة الذمة.

فإن كان القياس مفيداً للبراءة أيضاً فضائع، وإن كان يفيد شغل الذمة صار مخصصاً لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس.

ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بيّن قسماً رابعاً وهم الذين لا يجدون الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ أي على المركوب.

قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في ﴿ أتوك ﴾ بإضمار "قد" أي إذا ما أتوك قائلاً ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ وجوز أن يكون واسطة بين الشرط والجزاء كالاعتراض.

قلت: ويحتمل أن يكون بدلاً من ﴿ أتوك ﴾ .

قال مجاهد: هم أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يستحملونه ووافق منه غضباً فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري.

فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.

وقيل: هم البكاؤون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عيه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك.

فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون.

وقوله ﴿ تفيض من الدمع ﴾ كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كلها فائضة.

و"من" للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز.

﴿ حزناً أن لا يجدوا ﴾ أي على أن لا يجدوا.

﴿ إنما السبيل ﴾ أي سبيل الخطاب والعتاب في أمر الغزو والجهاد ﴿ على الذين يستأذنونك ﴾ في التخلف وهم أغنياء.

ثم قال على سبيل الاستئناف ﴿ رضوا ﴾ كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على الاستعداد؟

فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن طبع الله  على قلوبهم.

قال لأهل العلم: لما قال في الآية الأولى و ﴿ وإذا أنزلت سورة  ﴾ قال هناك ﴿ وطبع  ﴾ ليكون المجهول مبنياً على المجهول بخلافه في هذه الآية.

ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام الذي جرى فيه ذكر الله.

أما قوله ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ فإنه علة المنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً فإذا علم بأن القوم يكذبونه وجب عليه تركه.

وقوله ﴿ قد نبأنا الله ﴾ علة لانتفاء التصديق.

﴿ وسيرى الله عملكم ﴾ يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها أم لا.

وفي قوله ﴿ ثم تردّون على عالم الغيب ﴾ تخويف شديد وفيه أنه مطلع على بواطنهم الخبثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب.

وإنما لم يقل في هذه الآية و "المؤمنون" كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما قال ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة للكل.

وختم آية المنافقين بقوله ﴿ ثم تردون ﴾ لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله.

ثم ذكر أن منافقي الأعراب سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى  عن منافقي المدينة فقال: ﴿ سيحلفون بالله لكم ﴾ أي لأجلكم ﴿ إذا انقلبتم ﴾ أي رجعتم ﴿ إليهم ﴾ ولم يذكر المحلوف عليه.

والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين غرضهم من الحلف فقال ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك الكلام والسلام.

وقال مقاتل: قال رسول الله  حين قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلاً منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير.

ثم بين علة الاجتناب عنهم فقال: ﴿ إنهم رجس ﴾ فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم إنما يعاتب الأديم ذو البشرة.

المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي عليه الشعر أي إنما يعاد الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب ﴿ ومأواهم ﴾ جهنم منقلبهم النار عتاباً توبيخاً.

ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم ﴾ نهاهم عن الرضا بقوله ﴿ فإن ترضوا عنهم ﴾ الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله  ساخطاً عليهم؟.

ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة.

قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود.

فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب.

قال  : "لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً" قيل: إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل  نشؤا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم.

وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.

وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش.

سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب؟

فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟!

وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال  : "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين" أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون.

وقوله: ﴿ وأجدر ﴾ أي أولى وأحق ﴿ بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿ والله عليم ﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿ حكيم ﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.

ثم نوع جنس الأعراب فقال: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ هو مفعول ثانٍ ليتخذ لأنه بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران.

وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع.

﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه تشبيهاً بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص.

ثم خيّب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ وإنها جملة معترضة كقوله ﴿ غلت أيديهم  ﴾ والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك "رجل صدق".

قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة لأن من دارت عليه ذامّ لها وبالضم اسم بمعنى البلاء والعذاب، والمراد أنهم لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم.

﴿ والله سميع ﴾ لأقوالهم ﴿ عليم ﴾ بنياتهم.

قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.

ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن ﴾ الآية.

والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند الله وسبباً لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى.

ثم إنه  شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكداّ بحرفي التنبيه والتحقيق ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ ثم فسر القربة بقوله: ﴿ سيدخلهم الله في رحمته ﴾ والسين لتحقيق الوعد.

قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجاداً وهو كساء مخطط فشقته نصفين فردّته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله  فكان قائده والله أعلم.

التأويل: الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد.

﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك ﴾ بطريق المتابعة ﴿ لتحملهم ﴾ على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية ﴿ قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ ترفعاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة.

﴿ الأعراب أشد كفراً ﴾ إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة.

﴿ حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول  ، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة.

﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها ﴿ والله سميع ﴾ يجيب هذا الدعاء ﴿ عليم ﴾ بمن ينبغي أن يسمع في حقه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قال: ولكن السبيل على الذين يجدون ما ينفقون فيتركون الخروج بقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ ﴾ ، يعني النساء، ﴿ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، هذا قد ذكر هاهنا ﴿ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، وذكر في الآية الأولى: ﴿ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ  ﴾ .

والفقه: هو معرفة الشيء بغيره، والعلم: هو وقوع العلم لا بغيره؛ ولذلك يقال: الله عالم، ولا يجوز أن يقال: فقيه، فأخبر - عز وجل - أنهم لا عرفوا الشيء بغيره [و] لا بنفسه؛ عناداً منهم ومكابرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ .

فيه إنباء عما يقول لهم المنافقون إذا رجعوا إليهم، وتعليم من الله لرسوله والمؤمنين ما يقولون لهم، وماذا يجيبون عليهم فقال: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ ، أي: لن نصدقكم بما تعتذرون، أي: بما تظهرون لأنفسكم من العذر.

وقوله: ﴿ لاَّ تَعْتَذِرُواْ ﴾ ليس على النهي، ولكن على التوبيخ والتعيير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ : أنكم لا تصلحون أبداً؛ كما قال: ﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  ﴾ الآية، أخبر أنهم رجس وأن مأواهم جهنم.

وقيل: ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ ، حين قال لهم: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ  ﴾ ، قالوا: وهذا الذي نبأنا الله من أخباركم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ .

قال بعضهم: سيرى الله عملكم ورسوله فيما تستأنفون.

ويحتمل قوله: ﴿ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ .

أي: سيرى الله ورسوله عملكم باطلاً.

أو يقول: سيرى الله عملكم، أي: يجزيكم جزاء عملكم، ورسوله والمؤمنون يشهدون عليكم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .

قد ذكرنا أنه ليس شيء يغيب عنه، أو يكون شيء عنده أظهر من شيء، ولكن ما يغيب عن الخلق وما لا يغيب عنده بمحل واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

يخرج على الوعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لِتُعْرِضُواْ ﴾ ، أي: لتجاوزوا عنهم ولا تكافئوهم، فيكون قوله: ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ ﴾ لما سألوا من المجاوزة عنهم وترك المكافأة.

ويحتمل قوله: ﴿ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ ﴾ ، أي: لا تحاجهم ولا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يصلحون أبداً، ﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ ﴾ .

وتقبلوا منهم ما يظهرون من العذر، ثم أخبر أنكم إن رضيتم عنهم وقبلتهم ما يذكرون من عذرهم فإن الله لا يرضى عنهم؛ لما يعلم أنه لا عذر لهم فيما يظهرون لكم من العذر، والله أعلم.

ليس على النهي عن إرضاء أولئك؛ لأن إرضاء الخلق بعضهم لبعض إنما يكون بالحلف، وما يكون من الظاهر، ولكن النهي عن ترك الموافقة في الباطن، وفيه يتحقق رضاء الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لما بيَّن أن لا طريق لعقوبة أهل الأعذار ذكر من يستحق العقوبة والمؤاخذة، فقال: إنما الطريق بالعقوبة والمؤاخذة على أولئك الذين يطلبون منك -أيها الرسول- الإذن في التخلف عن الجهاد وهم قادرون عليه بوجود ما يتجهزون به، رضوا لأنفسهم الذلة والهوان بأن يبقوا مع الخوالف في البيوت، وختم الله على قلوبهم فلا تتأثر بموعظة، وهم بسبب هذا الختم لا يعلمون ما فيه مصلحتهم ليختاروه، وما فيه مفسدتهم ليتجنبوه.

من فوائد الآيات المجاهدون سيحصِّلون الخيرات في الدنيا، وإن فاتهم هذا فلهم الفوز بالجنّة والنجاة من العذاب في الآخرة.

الأصل أن المحسن إلى الناس تكرمًا منه لا يؤاخَذ إن وقع منه تقصير.

أن من نوى الخير، واقترن بنيته الجازمة سَعْيٌ فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر- فإنه يُنَزَّل مَنْزِلة الفاعل له.

الإسلام دين عدل ومنطق؛ لذلك أوجب العقوبة والمأثم على المنافقين المستأذنين وهم أغنياء ذوو قدرة على الجهاد بالمال والنفس.

<div class="verse-tafsir" id="91.89BrN"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله