الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٩٧ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين ، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد ، وأجدر ، أي : أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ، كما قال الأعمش عن إبراهيم قال : جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند ، فقال الأعرابي : والله إن حديثك ليعجبني ، وإن يدك لتريبني فقال زيد : ما يريبك من يدي ؟
إنها الشمال .
فقال الأعرابي : والله ما أدري ، اليمين يقطعون أو الشمال ؟
فقال زيد بن صوحان صدق الله : ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن " .
ورواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من طرق ، عن سفيان الثوري ، به وقال الترمذي : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث الثوري .
ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا وإنما كانت البعثة من أهل القرى ، كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) [ يوسف : 109 ] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه أضعافها حتى رضي ، قال : " لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي ، أو ثقفي أو أنصاري ، أو دوسي " ؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن : مكة ، والطائف ، والمدينة ، واليمن ، فهم ألطف أخلاقا من الأعراب : لما في طباع الأعراب من الجفاء .
حديث [ الأعرابي ] في تقبيل الولد : قال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة وابن نمير ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أتقبلون صبيانكم ؟
قالوا : نعم .
قالوا : ولكنا والله ما نقبل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأملك أن كان الله نزع منكم الرحمة ؟
" .
وقال ابن نمير : " من قلبك الرحمة " وقوله : ( والله عليم حكيم ) أي : عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم ، ( حكيم ) فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق ، لا يسأل عما يفعل ، لعلمه وحكمته .
القول في تأويل قوله : الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الأعراب أشدُّ جحودًا لتوحيد الله، وأشدّ نفاقًا، من أهل الحضر في القرى والأمصار.
وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك، لجفائهم، وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير, فهم لذلك أقسى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوق الله.
* * * وقوله: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله)، يقول: وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله، (19) وذلك فيما قال قتادة: السُّنن.
17092- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله)، قال: هم أقل علمًا بالسُّنن.
17093- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش, عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صُوحان وهو يحدث أصحابه, وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَنْد, فقال: والله إنّ حديثك ليعجبني, وإن يدك لَتُرِيبُني !
فقال زيد: وما يُريبك من يدي؟
إنها الشمال!
فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمينَ يقطعون أم الشمالَ؟
فقال زيد بن صوحان: صدق الله: (الأعرابُ أشدُّ كفرًا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزلَ الله على رسوله).
(20) * * * وقوله: (والله عليم حكيم)، يقول: (والله عليم)، بمن يعلم حدودَ ما أنـزل على رسوله, والمنافق من خلقه، والكافرِ منهم, لا يخفى عليه منهم أحد =(حكيم)، في تدبيره إياهم, وفي حلمه عن عقابهم، مع علمه بسرائرهم وخِداعهم أولياءَه.
(21) --------------------- الهوامش : (19) انظر تفسير " حدود الله " فيما سلف 8 : 68 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(20) الأثر : 17093 - " عبد الرحمن بن مغراء الدوسي " ، ثقة ، متكلم فيه .
مضى برقم : 11881 .
وكان في المطبوعة : " عبد الرحمن بن مقرن " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فبدل من عند نفسه .
و "زيد بن صوحان العبدي " ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثقة قليل الحديث ، مضى برقم : 13486 .
وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات 6 : 84 ، 85 من طريق يعلي بن عبيد ، عن الأعمش ، عن إبراهيم.
(21) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) ، ( حكم ) .
قوله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيمقوله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا فيه مسألتان :الأولى : لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا منها ونائيا عنها من الأعراب ; فقال كفرهم أشد .
قال قتادة : لأنهم أبعد عن معرفة السنن .
وقيل : لأنهم أقسى قلبا [ ص: 155 ] وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن سماع التنزيل .ولذلك قال الله تعالى في حقهم : ( وأجدر ) أي أخلق .
( ألا يعلموا ) ( أن ) في موضع نصب بحذف الباء ؛ تقول : أنت جدير بأن تفعل وأن تفعل ؛ فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب ( أن ) ، وإن أتيت بالباء صلح ب ( أن ) وغيره ؛ تقول : أنت جدير أن تقوم ، وجدير بالقيام .
ولو قال : أنت جدير القيام كان خطأ .
وإنما صلح مع ( أن ) لأن ( أن ) يدل على الاستقبال فكأنها عوض من المحذوف .
( حدود ما أنزل الله ) أي فرائض الشرع .
وقيل : حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم .
ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة : أولها : لا حق لهم في الفيء والغنيمة ; كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة ، وفيه : ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين .وثانيها : إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة ; لما في ذلك من تحقق التهمة .
وأجازها أبو حنيفة قال : لأنها لا تراعى كل تهمة ، والمسلمون كلهم عنده على العدالة .
وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا ; وهو الصحيح لما بيناه في ( البقرة ) .
وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافا ثلاثة : أحدها : بالكفر والنفاق .
والثاني : بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر .
والثالث : بالإيمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ; فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأول ، وذلك باطل .
وقد مضى الكلام في هذا في ( النساء ) .
وثالثها : أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة .
وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي .
وقال مالك : لا يؤم وإن كان أقرأهم .
وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي : الصلاة خلف الأعرابي جائزة .
واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة .قوله تعالى : ( أشد ) أصله أشدد ; وقد تقدم .
( كفرا ) نصب على البيان .
( ونفاقا ) [ ص: 156 ] عطف عليه .
( وأجدر ) عطف على ( أشد ) ، ومعناه أخلق ; يقال : فلان جدير بكذا أي خليق به ، وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدراء وجديرون .
وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء .
فقوله : هو أجدر بكذا أي أقرب إليه وأحق به .( ألا يعلموا ) أي بألا يعلموا .والعرب : جيل من الناس ، والنسبة إليهم عربي بين العروبة ، وهم أهل الأمصار .
والأعراب منهم سكان البادية خاصة .
وجاء في الشعر الفصيح أعاريب .
والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له ، وليس الأعراب جمعا للعرب كما كان الأنباط جمعا لنبط ; وإنما العرب اسم جنس .
والعرب العاربة هم الخلص منهم ، وأخذ من لفظه وأكد به ; كقولك : ليل لائل .
وربما قالوا : العرب وتعرب أي تشبه بالعرب .
وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابيا .
والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلص ، وكذلك المتعربة ، والعربية هي هذه اللغة .
ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية ، وهو أبو اليمن كلهم .
والعرب والعرب واحد ; مثل العجم والعجم .
والعريب تصغير العرب ; قال الشاعر :ومكن الضباب طعام العريب ولا تشتهيه نفوس العجمإنما صغرهم تعظيما ; كما قال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب كله عن الجوهري .
وحكى القشيري وجمع العربي العرب ، وجمع الأعرابي أعراب وأعاريب .
والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح ، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب .
والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب .
وسميت العرب عربا لأن ولد إسماعيل نشأوا من عربة وهي من تهامة فنسبوا إليها .
وأقامت قريش بعربة وهي مكة ، وانتشر سائر العرب في جزيرتها .
يقول تعالى: {الْأَعْرَابِ} وهم سكان البادية والبراري {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة: منها: أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى {وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي، بخلاف الحاضرة، فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله، فيحدث لهم ـ بسبب هذا العلم ـ تصورات حسنة، وإرادات للخير، الذي يعلمون، ما لا يكون في البادية. وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية، ويجالسون أهل الإيمان، ويخالطونهم أكثر من أهل البادية، فلذلك كانوا أحرى للخير من أهل البادية، وإن كان في البادية والحاضرة، كفار ومنافقون، ففي البادية أشد وأغلظ مما في الحاضرة.
( الأعراب ) أي : أهل البدو ، ( أشد كفرا ونفاقا ) من أهل الحضر ، ( وأجدر ) أخلق وأحرى ، ( ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) وذلك لبعدهم عن سماع القرآن ومعرفة السنن ، ( والله عليم ) بما في قلوب خلقه ( حكيم ) فيما فرض من فرائضه .
«الأعراب» أهل البدو «أشدُّ كفرا ونفاقا» من أهل المدن لجفائهم وغلظ طباعهم وبعدهم عن سماع القرآن «وأجدر» أولى «أ» ن أي بأن «لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله» من الأحكام والشرائع «والله عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه بهم.
الأعراب سكان البادية أشد كفرًا ونفاقًا من أهل الحاضرة، وذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم وبُعدهم عن العلم والعلماء، ومجالس الوعظ والذكر، فهم لذلك أحق بأن لا يعلموا حدود الدين، وما أنزل الله من الشرائع والأحكام.
والله عليم بحال هؤلاء جميعًا، حكيم في تدبيره لأمور عباده.
ثم بعد الحديث الطويل عن النفاق والمنافقين ، أخذت السورة الكريمة ، فى الحديث عن طوائف أخرى منها الصالح ، ومنها غير الصالح ، وقد بدأت بالحديث عن الأعراب سكان البادية ، فقال - تعالى - : ( الأعراب أَشَدُّ .
.
.
.
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .قال صاحب المنار : قوله ، سبحانه : ( الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ) .
بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين ، لأنه مما يسأل عنه بعد ما تقدم فى منافقى الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى .والأعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده : أعرابى ، والأنثى أعرابية ، والجمع أعاريب ، والعرب : اسم جنس لهذا الجيل الذى ينطق بهذه اللغة ، بدوه وحضره ، واحده : عربى .والمراد بالأعراب هنا : جنسهم لا كل واحد منهم ، بدليل أن الله .
تعالى .
قد ذم من يستحق الذم منهم ، ومدح من يستحق المدح منهم ، فالآية الكريمة من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده .وقد بدأ ، سبحانه ، بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم ، إلحاقا لهم بمنافقى المدينة الذين تحدثت السورة عنهم قبل ذلك مباشرة حديثاً مستفيضاً ، وبهذا الترتيب الحكيم تكون السورة الكريمة قد واصلت الحديث عن منافقى الحضر والبدو .والمعنى : " الأعراب " سكان البادية ( أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ) من الكفار والمنافقين الذين يسكنون الحضر والقرى .وذلك ، لأن ظروف حياتهم البدوية ، وما يصاحبها من عزلة وكفر فى الصحراء ، وخشونة فى الحياة .
.
.
كل ذلك جعلهم أقسى قلوباً ، وأجفى قولا ، وأغلظ طبعا ، وأبعد عن سماع ما يهدى نفوسهم إلى الخير من غيرهم سكان المدن .وقوله : ( وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ ) معطوف على ما قبله لتعديد صفاتهم الذميمة .قال القرطبى : قوله : " وأجدر " عطف على " أشد " ومعناه : أخلق ، وأحق ، يقال : فلان جدير بكذا ، أى : خليق به .
وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدراء وجديرون ، وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء فقوله : هو أجدر بكذا ، أى : أقرب إليه وأحق به .والمعنى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر الكفار والمنافقين ، وهم كذلك أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ، بسبب ابتعادهم عن مجالس رسول الله .
صلى الله عليه وسلم .
وعدم مشاهدتهم لما ينزل عليه .
صلى الله عليه وسلم .
من شرائع وأداب وأحكام .وقوله : ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أى : " عليم " بأحوال عباده الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شئ من صفاتهم وطباعهم " وحكيم " فى صنعه بهم ، وفى حكمه عليهم ، وفيما يشرعه لهم من أحكام ، وفيما يجازيهم به من ثواب أو عقاب .هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا أمثلة متعدد لجفاء الأعراب وجهلهم ، ومن ذلك قول الإِمام ابن كثير :قال الأعمش عن ابراهيم قال : جلس أعرابى إلى زيد بن صومان ، وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم " نهاوند " فقال الأعرابى : والله إن حديثك ليعجبنى وإن يدك لتريبنى!!
فقال زيد : وما يريبك من يدى؟
إنها الشمال!!
فقال الأعرابى : والله ما أدرى اليمين يقطعون أو الشماء!!
فقال زيد : صدق الله إذ يقول : ( الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ ) .وورى الأَمام عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن " .وورى الإِمام مسلم " عن عائشة قال : قدم ناس من الاعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : أتقبلون صبيانكم؟
فقال - صلى الله عليه وسلم - نعم .
فقالوا : لكنا والله ما نقبل!!
فقال - صلى الله عليه وسلم - " وما أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة " " .
اعلم أن هذه الآية تدل على صحة ما ذكرنا من أنه تعالى إنما أعاد هذه الأحكام، لأن المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب، ولهذا السبب بين أن كفرهم ونفاقهم أشد وجهلهم بحدود ما أنزل الله أكمل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال العلماء من أهل اللغة، يقال: رجل عربي.
إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب.
كما تقول مجوسي ويهودي، ثم يحذف ياء النسبة في الجمع، فيقال: المجوس واليهود، ورجل أعرابي، بالألف إذا كان بدوياً، يطلب مساقط الغيث والكلأ، سواء كان من العرب أو من مواليهم، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي: فرح، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي، غضب له، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب، ومن نزل البادية فهم أعراب، والذي يدل على الفرق وجوه: الأول: أنه عليه السلام قال: «حب العرب من الإيمان».
وأما الأعراب فقد ذمهم الله في هذه الآية.
والثاني: أنه لا يجوز أن يقال: للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب، وهم متقدمون في مراتب الدين على الأعراب.
قال عليه السلام: «لا تؤمن امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً».
الثالث: قيل إنما سمي العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة، وهي من تهامة.
فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم، لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسماعيل وقيل: سموا بالعرب، لأنه ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم، ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة، ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة يونان في أفئدتهم.
وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم، وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.
المسألة الثانية: من الناس من قال: الجمع المحلى بالألف واللام الأصل فيه أن ينصرف إلى المعهود السابق، فإن لم يوجد المعهود السابق، حمل على الاستغراق للضرورة.
قالوا: لأن صيغة الجمع يكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها، والألف واللام للتعريف، فإن حصل جمع هو معهود سابق وجب الانصراف إليه، وإن لم يوجد فحينئذ يحمل على الاستغراق دفعاً للإجمال.
قالوا إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ الأعراب ﴾ المراد منه جمع معينون من منافقي الأعراب، كانوا يوالون منافقي المدينة فانصرف هذا اللفظ إليهم.
المسألة الثالثة: أنه تعالى حكم على الأعراب بحكمين: الحكم الأول: أنهم أشد كفراً ونفاقاً، والسبب فيه وجوه: الأول: أن أهل البدو يشبهون الوحوش.
والثاني: استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم، وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم، والثالث: أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا تأديب مؤدب، ولا ضبط ضابط فنشاؤا كما شاؤوا، ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات فساداً.
والرابع: أن من أصبح وأمسى مشاهداً لوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبياناته الشافية، وتأديباته الكاملة، كيف يكون مساوياً لمن لم يؤاثر هذا الخير، ولم يسمع خبره.
والخامس: قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لتعرف الفرق بين أهل الحضر والبادية.
الحكم الثاني: قوله: ﴿ وَأَجْدَرُ ألا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ ﴾ وقوله: ﴿ أجدر ﴾ أي أولى وأحق، وفي الآية حذف، والتقدير: وأجدر بأن لا يعلموا.
وقيل في تفسير حدود ما أنزل الله مقادير التكاليف والأحكام.
وقيل: مراتب أدلة العدل والتوحيد والنبوة والمعاد ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بمافي قلوب خلقه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما فرض من فرائضه.
ثم قال: ﴿ وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا ﴾ والمغرم مصدر كالغرامة، والمعنى: أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران، وإنما يعتقد ذلك لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله وابتغاء ثوابه ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ﴾ يعني الموت والقتل، أي ينتظر أن تنقلب الأمور عليكم بموت الرسول، ويظهر عليكم المشركون.
ثم إنه أعاده إليهم فقال: ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ﴾ والدائرة يجوز أن تكون واحدة، ويجوز أن تكون صفة غالبة، وهي إنما تستعمل في آفة تحيط بالإنسان كالدائرة، بحيث لا يكون له منها مخلص، وقوله: ﴿ السوء ﴾ قرئ بفتح السين وضمه.
قال الفراء: فتح السين هو الوجه، لأنه مصدر قولك: ساء يسوء سوأ أو مساءة ومن ضم السين جعله اسماً، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، ولا يجوز ضم السين في قوله: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء ﴾ ولا في قوله: ﴿ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء ﴾ وإلا لصار التقدير: ما كان أبوك امرأ عذاب، وظننتم ظن العذاب، ومعلوم أنه لا يجوز، وقال الأخفش وأبو عبيد: من فتح السين، فهو كقولك: رجل سوء، وامرأة سوء.
ثم يدخل الألف واللام.
فيقول: رجل السوء وأنشد الأخفش: وكنت كذئب السوء لما رأى دماً *** بصاحبه يوماً أحال على الدم ومن ضم السين أراد بالسوء المضرة والشر والبلاء والمكروه، كأنه قيل: عليهم دائرة الهزيمة والمكروه، وبهم يحيق ذلك.
قال أبو علي الفارسي: لو لم تضف الدائرة إلى السوء أو السوء عرف منها معنى السوء، لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه.
إذا عرفت هذا فنقول: المعنى يدور عليهم البلاء والحزن، فلا يرون في محمد عليه الصلاة والسلام ودينه إلا ما يسوءهم.
ثم قال: ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ لقولهم: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنياتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الاعراب ﴾ أهل البدو ﴿ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ﴾ من أهل الحضر لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم، ونشئهم في بعد من مشاهدة العلماء ومعرفة الكتاب والسنّة ﴿ وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ ﴾ وأحقّ بجهل حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الجفاء والقسوة في الفدّادين» ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم ومخطئهم ومصيبهم من عقابه وثوابه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأعْرابُ ﴾ أهْلُ البَدْوِ.
﴿ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا ﴾ مِن أهْلِ الحَضَرِ لِتَوَحُّشِهِمْ وقَساوَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَطَتِهِمْ لِأهْلِ العِلْمِ وقِلَّةِ اسْتِماعِهِمْ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ.
﴿ وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا ﴾ وأحَقُّ بِأنْ لا يَعْلَمُوا.
﴿ حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ فَرائِضِها وسَنَتِها.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِعِلْمِ حالِ كُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما يُصِيبُ بِهِ مُسِيئُهم ومُحْسِنُهم عِقابًا وثَوابًا.
﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ﴾ يَعُدُّ ﴿ ما يُنْفِقُ ﴾ يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ.
﴿ مَغْرَمًا ﴾ غَرامَةً وخُسْرانًا إذْ لا يَحْتَسِبُهُ قُرْبَةً عِنْدَ اللَّهِ ولا يَرْجُو عَلَيْهِ ثَوابًا وإنَّما يُنْفِقُ رِياءً أوْ تَقِيَّةً.
﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ﴾ دَوائِرَ الزَّمانِ ونُوَبَهُ لِيَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْكم فَيَتَخَلَّصَ مِنَ الإنْفاقِ.
﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ اعْتِراضٌ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ ما يَتَرَبَّصُونَ أوِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ما يَتَرَبَّصُونَ عَلَيْهِمْ، والدّائِرَةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِن دارَ يَدُورُ وسُمِّيَ بِهِ عَقَبَةُ الزَّمانِ، والسَّوْءِ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ صِدْقٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (السَّوْءِ) هُنا.
وفي الفَتْحِ بِضَمِّ السِّينِ.
﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِما يَقُولُونَ عِنْدَ الإنْفاقِ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما يُضْمِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{الأعراب} أهل البدو {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} من أهل الحضر لجفائهم وقسوتهم وبعدهم عن العلم والعلماء {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ} وأحق بأن لا يعلموا {حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ} يعني حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام ومنه قوله عليه السلام إن الجفاء والقسوة في الفدادين يعني الأكرة لأنهم يفدون أى يصيحون فى حروثهم
التوبة (٩٧ _ ١٠٠)
والفديد الصياح {والله عَلِيمٌ} بأحوالهم {حَكِيمٌ} في إمهالهم
﴿ الأعْرابُ ﴾ هي صِيغَةُ جَمْعٍ ولَيْسَتْ بِجَمْعٍ لِلْعَرَبِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ لِئَلّا يَلْزَمَ كَوْنُ الجَمْعِ أخَصَّ مِنَ الواحِدِ، فَإنَّ العَرَبَ هَذا الجِيلُ المَعْرُوفُ مُطْلَقًا والأعْرابُ سُكّانُ البادِيَةِ مِنهُمْ، ولِذا نُسِبَ إلى الأعْرابِ عَلى لَفْظِهِ فَقِيلَ: أعْرابِيٌّ وقِيلَ: العَرَبُ سُكّانُ المُدُنِ والقُرى والأعْرابُ سُكّانُ البادِيَةِ مِن هَذا الجِيلِ أوْ مَوالِيهِمْ فَهُما مُتَبايِنانِ ويُفَرَّقُ بَيْنَ الجَمْعِ والواحِدِ بِالياءِ فِيهِما فَيُقالُ لِلْواحِدِ عَرَبِيٌّ وأعْرابِيٌّ ولِلْجَماعَةِ عَرَبٌ وأعْرابٌ وكَذا أعارِيبُ وذَلِكَ كَما يُقالُ الواحِدُ: مَجُوسِيٌّ ويَهُودِيٌّ ثُمَّ تُحْذَفُ الياءُ في الجَمْعِ فَيُقالُ المَجُوسُ واليَهُودُ أيْ أصْحابُ البَدْوِ ﴿ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا ﴾ مِن أهْلِ الحَضَرِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ لِتَوَحُّشِهِمْ وقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ وعَدَمِ مُخالَطَتِهِمْ أهْلَ الحِكْمَةِ وحِرْمانِهِمُ اسْتِماعَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وهم أشْبَهُ شَيْءٍ بِالبَهائِمِ وفي الحَدِيثِ عَنِ الحَسَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ قالَ: «مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ ومَن أتى السُّلْطانَ افْتَتَنَ».
وجاءَ «ثَلاثَةٌ مِنَ الكَبائِرِ وعَدَّ مِنها التَّعَرُّبَ بَعْدَ الهِجْرَةِ» وهو أنْ يَعُودَ إلى البادِيَةِ ويُقِيمَ مَعَ الأعْرابِ بَعْدَ أنْ كانَ مُهاجِرًا وكانَ مَن رَجَعَ بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى مَوْضِعِهِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ يَعُدُّونَهُ كالمُرْتَدِّ وكانَ ذَلِكَ لِغَلَبَةِ الشَّرِّ في أهْلِ البادِيَةِ والطَّبْعُ سَرّاقٌ أوْ لِلْبُعْدِ عَنْ مَجالِسِ العِلْمِ وأهْلِ الخَيْرِ وإنَّهُ لَيُفْضِي إلى شَرٍّ كَثِيرٍ والحُكْمُ عَلى الأعْرابِ بِما ذُكِرَ مِن بابِ وصْفِ الجِنْسِ بِوَصْفِ بَعْضِ أفْرادِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا ﴾ إذْ لَيْسَ كُلُّهم كَما ذُكِرَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿ ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ ﴾ إلَخْ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ كَما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ يَقُولُ: إذا تَلا أحَدُكم هَذِهِ الآيَةَ فَلْيَتْلُ الآيَةَ الأُخْرى يَعْنِي بِها ما أشَرْنا إلَيْهِ والآيَةُ المَذْكُورَةُ كَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ نَزَلَتْ في أسَدٍ وغَطَفانَ والعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿ وأجْدَرُ ﴾ أيْ أحَقُّ وأخْلَقُ وهو عَلى ما قالَ الطَّبَرْسِيُّ مَأْخُوذٌ مِن جَدْرِ الحائِطِ بِسُكُونِ الدّالِ وهو أصْلُهُ وأساسُهُ ويَتَعَدّى بِالباءِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُوا ﴾ بِتَقْدِيرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ﴿ حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ وهِيَ كَما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضِّحاكِ الفَرائِضُ وما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الجِهادِ وأدْرَجَ بَعْضُهُمُ السُّنَنَ في الحُدُودِ والمَشْهُورُ أنَّها تَخُصُّ الفَرائِضَ أوِ الأوامِرَ والنَّواهِيَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ﴾ و ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها ﴾ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ ولا بُعْدَ فِيهِ فَإنَّ الأعْرابَ أجْدَرُ أنْ لا يَعْلَمُوا كُلَّ ذَلِكَ لِبُعْدِهِمْ عَمَّنْ يُقْتَبَسُ مِنهُ وقِيلَ: المُرادُ مِنها بِقَرِينَةِ المَقامِ وعِيدُهُ تَعالى عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ في الجِهادِ وقِيلَ: مَقادِيرُ التَّكالِيفِ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ أحْوالَ كُلٍّ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ ﴿حَكِيمٌ 97﴾ بِما سَيُصِيبُ بِهِ مُسِيئَهم ومُحْسِنَهم مِنَ العِقابِ والثَّوابِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً، يعني: أسد وغطفان وأعراب حاضري المدينة هم أشد في كفرهم ونفاقهم من غيرهم.
وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا، يعني: أحرى وأولى وأحق أَلاَّ يَعْلَمُوا، حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، لأنهم كانوا أجهل وأقل علماً من غيرهم.
وقال الكلبي: يعني: لا يعلمون من الفرائض التي أنزل الله تعالى.
وقال مقاتل: هم أقلّ علماً بالسنن من غيرهم.
وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان زيد بن صوحان جالساً يحدث وقد أصيبت يده يوم نهاوند، فجاء أعرابي وقال: إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني.
فقال له زيد: أو ليس الشمال؟
قال الأعرابي: والله لا أدري الشّمال تقطع أو اليمين؟
فقال زيد: صدق الله الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، ويقال: أن لا يعلموا أحكام الله في كتابه.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بهم، حَكِيمٌ في أمرهم.
ونزل فيهم: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً، يعني: ما ينفق في الجهاد، يحسبه غرما ولا يحتسبه فيه الأجر، وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ، يعني: ينتظر بكم الموت، يعني: محمدا خاصة.
وقال القتبي: الدوائر، دوائر الزمان ودوائر الزمان، صروفه التي تأتيه مرة بالخير ومرة بالشر.
يقول الله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، يعني: عاقبة السوء والهلاك.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو دائِرَةُ السَّوْءِ بضم السين، يعني: عاقبة المضرة والشر، وقرأ الباقون بالنصب.
يقال: رجل سوء، إذا كان خبيثاً.
وعن الفراء أنه قال: الفتح مصدر، والضم اسم.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني: سميعا لمقالتهم، عليما بهلاكهم.
<div class="verse-tafsir"
الآية من أول ما نَزَلَ في شأن المنافقين في غزوة تَبُوكَ.
وقوله: إِنَّهُمْ رِجْسٌ: أي: نَتَنٌ وقَذَر، وناهِيكَ بهذا الوَصْف مَحَطَّةً دنيويةً، ثم عطف بمحَطَّةِ الآخِرَةِ، فقال: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، أي: مسكنهم.
وقوله: فَإِنْ تَرْضَوْا ...
إِلى آخر الآية: شَرْطٌ يتضمَّن النهْيَ عن الرضا عنهم، وحُكْم هذه الآية يستمرُّ في كل مغموص عليه ببدْعَةٍ ونحوها.
وقوله سبحانه: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً: هذه الآيةُ نزلَتْ في منافقين كانوا في البوادِي، ولا محالة أنَّ خوفهم هناك كان أقلَّ من خوف منافِقِي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة، ونفاقهم أنجم، وأَجْدَرُ: معناه أحْرَى.
وقال ص: معناه/ أحقُّ، والحُدُودُ هنا: السّنن والأحكام.
وقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً ...
الآية نصٌّ في المنافقين منهم، و «الدوائر» : المصائبُ، ويحتمل أن تشتقَّ من دَوَرَانِ الزمانِ، والمعنَى:
ينتظر بكم ما تأتي به الأيام، وتدُورُ به، ثم قال على جهة الدعاء: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وكلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجل، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه لا يَدْعُو على مخلوقاته، وهي في قبضته ومن هذا وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] ، فهي كلُّها أحكام تامَّة تضمَّنها خبره تعالى.
ت: وهذه قاعدةٌ جيِّدة، وما وقع له رحمه اللَّه مما ظاهره مخالفٌ لهذه القاعدة، وجب تأويله بما ذَكَرَه هنا، وقد وقَع له ذلك بعد هذا في قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ [التوبة: ١٢٧] ، قال: يحتملُ أنْ يكون دعاءً عليهم، ويحتملُ أنْ يكون خبراً، أي: استوجبوا ذلك، وقد أوضَحَ ذلك عند قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [البروج: ٤] ، فانظره هناك.
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)
وقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ قال قتادة: هذه ثنية اللَّه تعالى من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّ الباءَ مَحْذُوفَةٌ مِن "أنْ"، المَعْنى: أجْدَرُ بِتَرْكِ العِلْمِ.
تَقُولُ: جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ، وجَدِيرٌ بِأنْ تَفْعَلَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ خَلِيقٌ بِأنْ تَفْعَلَ، أيْ: هَذا الفِعْلُ مُيَسَّرٌ فِيكَ، فَإذا حَذَفْتَ الباءَ لَمْ يَصْلُحْ إلّا بِـ "أنْ" وإنْ أتَيْتَ بِالباءِ صَلُحَ بِـ "أنْ" وغَيْرِها، فَنَقُولُ: أنْتَ جَدِيرٌ بِأنْ تَقُومَ، وجَدِيرٌ بِالقِيامِ.
فَإذا قُلْتَ: أنْتَ جَدِيرُ القِيامِ، كانَ خَطَأ، وإنَّما صَلُحَ مَعَ "أنْ" لِأنَّ "أنْ" تَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَكَأنَّها عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: (حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ) فَيَعْنِي بِهِ الحَلالَ والحَرامَ والفَرائِضَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآَيَةِ أنَّ الأعَمَّ في العَرَبِ هَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عنهم فَأعْرِضُوا عنهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عنهم فَإنْ تَرْضَوْا عنهم فَإنْ اللهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَلِكَ «أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ اعْتَذَرُوا إلى النَبِيِّ ، واسْتَأْذَنُوهُ في القُعُودِ قَبْلَ مَسِيرِهِ فَأذِنَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا مِن عِنْدِهِ وقالَ أحَدُهُمْ: واللهِ ما هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ، نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقالَ لِلْمُنافِقِينَ في مَجْلِسٍ مِنهُمْ: واللهِ لَقَدْ نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ فِيكم قُرْآنٌ، فَقالُوا لَهُ: وما ذَلِكَ؟
فَقالَ: لا أحْفَظُ إلّا أنِّي سَمِعْتُ وصْفَكم فِيهِ بِالرِجْسِ، فَقالَ لَهم مَخْشِيٌّ: واللهِ لَوَدِدْتُ أنْ أُجْلَدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا أكُونُ مَعَكُمْ، فَخَرَجَ حَتّى لَحِقَ بِرَسُولِ اللهِ ، فَقالَ لَهُ: ما جاءَ بِكَ؟
فَقالَ: وجْهُ رَسُولِ اللهِ تَسْفَعُهُ الرِيحُ وأنا في الكِنِّ، فَرُوِيَ أنَّهُ مِمَّنْ تابَ.» وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأعْرِضُوا عنهُمْ ﴾ أُمِرْنا بِانْتِهارِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِالإعْراضِ والوَصْمِ بِالنِفاقِ، وهَذا مَعَ إجْمالٍ لا مَعَ تَعْيِينٍ مُصَرَّحٍ مِنَ اللهِ ولا مِن رَسُولِهِ، بَلْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَيْدانُ المُغالَطَةِ مَبْسُوطًا، وقَوْلُهُ: ﴿ رِجْسٌ ﴾ أيْ نَتَنٌ وقَذَرٌ، وناهِيكَ بِهَذا الوَصْفِ مَحَطَّةً دُنْياوِيَّةً، ثُمَّ عَطَفَ بِمَحَطَّةِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ وَمَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ أيْ مَسْكَنُهم.
ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً بِتَكَسُّبِهِمُ المَعاصِيَ والكُفْرَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا قَدَّرَهُ اللهُ وقَضاهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «عن كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ مِن تَبُوكَ جَلَسَ لِلنّاسِ فَجاءَهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللهِ عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللهِ تَعالى.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عنهُمْ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ الرَسُولِ، والمَعْنى: يَحْلِفُونَ لَكم مُبْطِلِينَ ومَقْصِدُهم أنْ تَرْضَوْا لا أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِوَجْهِ اللهِ ولا لِلْبَرِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ تَرْضَوْا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ شَرْطٌ يَتَضَمَّنُ النَهْيَ عَنِ الرِضى عنهُمْ، وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ يَسْتَمِرُّ في كُلِّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِبِدْعَةٍ ونَحْوِها، فَإنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ يُبْغِضَهُ ولا يَرْضى عنهُ لِسَبَبٍ مِن أسْبابِ الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ الآيَةُ، "الأعْرابُ" لَفْظَةٌ عامَّةٌ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَنِ اسْتَثْناهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا مَعْلُومٌ بِالوُجُودِ وكَيْفَ كانَ الأمْرُ، وإنَّما انْطَلَقَ عَلَيْهِمْ هَذا الوَصْفُ بِحَسَبِ بُعْدِهِمْ عَنِ الحَواضِرِ ومَواضِعِ العِلْمِ والأحْكامِ والشَرْعِ، وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا في البَوادِي، ولا مَحالَةَ أنَّ خَوْفَهم هُناكَ أقَلُّ مِن خَوْفِ مُنافِقِي المَدِينَةِ، فَألْسِنَتُهم لِذَلِكَ مُطْلَقَةٌ، ونِفاقُهم أنْجَمُ.
وَأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ صُوحانَ كانَ يُحَدِّثُ أصْحابَهُ بِالعِلْمِ وعِنْدَهُ أعْرابِيٌّ، وكانَ زَيْدٌ قَدْ أُصِيبَتْ يَدُهُ اليُسْرى يَوْمَ نَهاوَنْدَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: واللهِ إنَّ حَدِيثَكَ لَيُعْجِبُنِي وإنَّ يَدَكَ لَتُرِيبُنِي، وقالَ زَيْدٌ: وما يُرِيبُكَ مِن يَدِي وهي الشِمالُ؟
فَقالَ الأعْرابِيُّ: واللهُ ما أدْرِي ألْيَمِينَ تَقْطَعُونَ أمِ الشِمالَ؟
فَقالَ زَيْدٌ: صَدَقَ اللهُ، ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ .
و"أجْدَرُ" مَعْناهُ: أحْرى وأقْمَنُ، والحُدُودُ هُنا: السُنَنُ والأحْكامُ ومَعالِمُ الشَرِيعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي رجع به الكلام إلى أحوال المعذّرين من الأعراب والذين كذبوا الله ورسوله منهم، وما بين ذلك استطراد دعا إليه قرن الذين كذبوا الله ورسوله في الذكر مع الأعراب.
فلما تقضَّى الكلام على أولئك تخلص إلى بقية أحوال الأعراب.
وللتنبيه على اتصال الغرضين وقع تقديم المسند إليه، وهو لفظ (الأعراب) للاهتمام به من هذه الجهة، ومن وراء ذلك تنبيه المسلمين لأحوال الأعراب لأنهم لبعدهم عن الاحتكاك بهم والمخالطة معهم قد تخفى عليهم أحوالهم ويظنون بجميعهم خيراً.
و (أشد) و(أجدر) اسما تفضيل ولم يذكر معهما ما يدل على مفضل عليه، فيجوز أن يكونا على ظاهرهما فيكون المفضل عليه أهل الحضر، أي كفار ومنافقي المدينة.
وهذا هو الذي تواطأ عليه جميع المفسرين.
وازديادهم في الكفر والنفاق هو بالنسبة لكفار ومنافقي المدينة.
ومنافقوهم أشد نفاقاً من منافقي المدينة.
وهذا الازدياد راجع إلى تمكن الوصفين من نفوسهم، أي كفرهم أمكن في النفوس من كفر كفار المدينة، ونفاقهم أمكن من نفوسهم كذلك، أي أمكن في جانب الكفر منه والبعدِ عن الإقلاع عنه وظهور بوادر الشر منهم، وذلك أن غلظ القلوب وجلافة الطبع تزيد النفوس السيئة وحشة ونفوراً.
ألا تعلم أن ذا الخويصرة التميمي، وكان يدعى الإسلام، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابس ومن معه من صناديد العرب من ذهب قَسمَه قال ذو الخويصرة مواجهاً النبي صلى الله عليه وسلم «اعدل» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " ويحك ومَن يعدل إن لم أعْدِل " فإن الأعراب لنشأتهم في البادية كانوا بعداء عن مخالطة أهل العقول المستقيمة وكانت أذهانهم أبعد عن معرفة الحقائق وأملأ بالأوهام، وهُم لبعدهم عن مشاهدة أنوار النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه وعن تلقي الهدى صباحَ مساءَ أجهلُ بأمور الديانة وما به تهذيب النفوس، وهم لتوارثهم أخلاق أسلافهم وبعدهم عن التطورات المدنية التي تؤثّر سُمّوا في النفوس البشرية، وإتقاناً في وضع الأشياء في مواضعها، وحكمة تقليدية تتدرج بالأزمان، يكونون أقرب سيرة بالتوحش وأكثر غلظة في المعاملة وأضيع للتراث العلمي والخلقي؛ ولذلك قال عثمان لأبي ذرّ لما عزم على سكنى الربذة: تَعَهَّد المدينةَ كيلا ترتَدَّ أعرابياً.
فأما في الأخلاق التي تحمد فيها الخشونة والغلظة والاستخفاف بالعظائم مثل الشجاعة؛ والصراحة وإباء الضيم والكرم فإنها تكون أقوى في الأعراب بالجبلة، ولذلك يكونون أقرب إلى الخير إذا اعتقدوه وآمنوا به.
ويجوز أن يكون ﴿ أشد ﴾ و ﴿ أجدر ﴾ مسلوبَيْ المفاضلة مستعملين لقوة الوصفين في الموصوفِين بهما على طريقة قوله تعالى: ﴿ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ [يوسف: 33].
فالمعنى أن كفرهم شديد التمكن من نفوسهم ونفاقهم كذلك، من غير إرادة أنهم أشد كفراً ونفاقاً من كفار أهل المدينة ومنافقيها.
وعلى كلا الوجهين فإن ﴿ كفراً ونفاقاً ﴾ منصوبان على التمييز لبيان الإبهام الذي في وصف ﴿ أشد ﴾ .
سلك مسلك الإجمال ثم التفصيل ليتمكن المعنى أكمل تمكن.
والأجدر: الأحق.
والجَدارة: الأولوية.
وإنما كانوا أجدر بعدم العلم بالشريعة لأنهم يبعدون عن مجالس التذكير ومنازل الوحي، ولقلة مخالطتهم أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذفت الباء التي يتعدى بها فعل الجدارة على طريقة حذف حرف الجر مع (أن) المصدرية.
والحدود: المقادير والفواصل بين الأشياء.
والمعنى أنهم لا يعلمون فواصل الأحكام وضوابط تمييز متشابهها.
وفي هذا الوصف يَظهر تفاوت أهل العلم والمعرفة.
وهو المعبر عنه في اصطلاح العلماء بالتحقيق أو بالحكمة المفسرة بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، فزيادة قيد (على ما هي عليه) للدلالة على التمييز بين المختلطات والمتشابهات والخفيات.
وجملة: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ تذييل لهذا الإفصاح عن دخيلة الأعراب وخلقهم، أي عليم بهم وبغيرهم، وحكيم في تمييز مراتبهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الكُفْرُ والنِّفاقُ فِيهِمْ أكْثَرَ مِنهُ في غَيْرِهِمْ لِقِلَّةِ تِلاوَتِهِمُ القُرْآنَ وسَماعِهِمُ السُّنَنَ.
الثّانِي: أنَّ الكُفْرَ والنِّفاقَ فِيهِمْ أشَدُّ وأغْلَظُ مِنهُ في غَيْرِهِمْ لِأنَّهم أجْفى طِباعًا وأغْلَظَ قُلُوبًا.
﴿ وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ ومَعْنى أجْدَرُ أيْ أقْرَبُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِدارِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ مَسْكَنِيِ المُتَجاوِرِينَ.
وَفي المُرادِ بِحُدُودِ اللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: فُرُوضُ العِباداتِ المَشْرُوعَةِ.
الثّانِي: الوَعْدُ والوَعِيدُ في مُخالَفَةِ الرَّسُولِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَدْفَعُ مِنَ الصَّدَقاتِ.
الثّانِي: ما يُنْفِقُ في الجِهادِ مَعَ الرَّسُولِ مَغْرَمًا، والمَغْرَمُ التِزامُ ما لا يَلْزَمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ أيْ لازِمًا، قالَ الشّاعِرُ: فَما لَكَ مَسْلُوبُ العَزاءِ كَأنَّما تَرى هَجْرَ لَيْلى مَغْرَمًا أنْتَ غارِمُهُ ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ﴾ جَمْعُ دائِرَةٍ وهي انْقِلابُ النِّعْمَةِ إلى ضِدِّها، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الدَّوْرِ ويُحْتَمَلُ تَرَبُّصُهُمُ الدَّوائِرَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في إعْلانِ الكُفْرِ والعِصْيانِ.
والثّانِي: في انْتِهازِ الفُرْصَةِ بِالِانْتِقامِ.
﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ رَدٌّ لِما أضْمَرُوا وجَزاءٌ لِما مَكَرُوا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هم بَنُو مُقْرِنٍ مِن مُزَيْنَةَ.
﴿ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها تَقْرِبَةٌ مِن طاعَةِ اللَّهِ ورِضاهُ.
الثّانِي: أنَّ ثَوابَها مَذْخُورٌ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَصارَتْ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِغْفارُهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: دُعاؤُهُ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى إيمانِهِمْ ونَفَقَتِهِمْ أنَّها قُرْبَةٌ لَهم.
الثّانِي: إلى صَلَواتِ الرَّسُولِ أنَّها قُرْبَةٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ الأعراب أشد كفراً ونفاقاً ﴾ ثم استثنى منهم فقال: ﴿ من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ [ التوبة: 99] الآية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وأجدر أَلاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ قال: هم أقل علماً بالسنن.
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: كان زيد بن صوحان يحدث فقال اعرابي: إن حديثك ليعجبني وأن يدك لتريبني.
فقال: أما تراها الشمال؟
فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟
قال زيد: صدق الله ﴿ الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ الأعراب أشد كفراً ونفاقاً ﴾ قال: من منافقي المدينة ﴿ وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ يعني الفرائض وما أمر به من الجهاد.
وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي في الآية: أنها أنزلت في أسد وغطفان.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن سيرين قال: إذا تلا أحدكم هذه الآية ﴿ الأعراب أشد كفراً ونفاقاً ﴾ فليتل الآية الأخرى ولا يسكت ﴿ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ [ التوبة: 99] .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» .
وأخرج أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعداً» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ﴾ ، قال ابن عباس: (نزلت في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حوالي المدينة) (١) قال العلماء من أهل اللغة: (يقال رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتًا، وجمعه العرب، كما يقال: مجوسي ويهودي، ثم تحذف ياء النسبة في الجمع فيقال: المجوس واليهود، ورجل أعرابي -بالألف- إذا كان بدويًا صاحب نجعة وانتواء (٢) (٣) قال الأزهري: (والذي لا يفرق بين الأعراب والعرب والأعرابي والعربي (٤) (٥) -: "لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلاً، ولا فاسق مؤمنًا، ولا أعرابي مهاجرًا" (٦) وقال أهل العلم: (إنما سمي العرب عربًا؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة (٧) (٨) قال إسحاق بن الفرج (٩) (١٠) وعربة أرض ما يُحل حرامها ...
من الناس إلا اللوذعي الحُلاحل يعني النبي - -: (أحلت له مكة ساعة من النهار) (١١) واضطر الشاعر إلى شيئين: سكون الراء من عربة وهي مفتوحة، وكان [يجب أن يقول أحلت له فقال يُحل هو (١٢) وقال (١٣) (١٤) - بها (١٥) (١٦) (١٧) وقال أهل المعاني: (هذه الآية دليل على أن اللفظ العام يرد للخاص؛ لأن الأعراب لفظ عام (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ﴾ ، قال أبو إسحاق: (كفرهم أشد لأنهم أقسى وأجفى من أهل المدر (٢٠) -) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَجْدَرُ ﴾ : أي أولى وأخلق، قال الليث: (يقال فلان جدير لذلك الأمر: أي خليق له، وما كان جديرًا، ولقد جدر جدارة، وأجدر به) (٢٦) جديرون يومًا أن ينالوا ويستعلوا (٢٧) (٢٨) [والمرأة جديرة، والنساء جديرات وجدائر قاله اللحياني (٢٩) (٣٠) ﴿ أَلَّا يَعْلَمُوا ﴾ ، قال الفراء والزجاج: (أن) في موضع نصب لأن الباء محذوفة (٣١) وقوله تعالى: ﴿ حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴾ [قال ابن عباس: (يريد فرائض ما أنزل الله على رسوله) (٣٢) (٣٣) ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بما في قلوب خلقه، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ بما فرض من فرائضه.
وقال يمان: وأجدر ألا يعلموا الحلال والحرام (٣٤) (٣٥) ؛ لأنهم لا ينظرون فيها) (٣٦) (١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 488، رواه بنحوه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 481 عن الكلبي، وانظر "تنوير المقباس" ص 202.
(٢) النجعة: المذهب في طلب الكلأ في موضعه، والانتواء: البعد.
انظر: "لسان العرب" (نجع) 7/ 4353 و (نأى) 7/ 4314.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2381 والنص منقول منه، وانظر أيضًا: "مجمل اللغة" (عرب) 3/ 664، و "مختار الصحاح" (عرب) ص 421، و"لسان العرب" (عرب) 5/ 2864.
(٤) ساقط من (ى).
(٥) أهـ.
كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2381.
(٦) رواه مطولًا ابن ماجه (1081)، كتاب: إقامة الصلاة، باب: فرض الجمعة، وفي سنده متهم بوضع الحديث وآخر ضعيف كما في "التلخيص الحبير"، رقم (569) 2/ 32.
(٧) عربة هي مكة المكرمة، انظر: "معجم البلدان" 4/ 109.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2381، و"لسان العرب" (عرب) 5/ 2864، وذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 233 عن القشيري.
(٩) هو: إسحاق بن الفرج، أبو تراب الخراساني لغوي معروف بكنيته، وهو من تلاميذ شِمْر الهروي، وله تصانيف في اللغة منها "الاعتقاب" و"الاستدراك على الخليل".
قال الأزهري: (أملى بهراة من كتاب الاعتقاب أجزاء ثم عاد إلى نيسابور وأملى بها باقي الكتاب، وقد قرأت كتابه فاستحسنته) أ.
هـ وذكر ابن النديم أنه ممن لا يعرف اسمه وخبره على استقصاء.
انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 45، و"الفهرست" لابن النديم ص 124، و"إنباه الرواة" 4/ 102، و"معجم البلدان" لياقوت 4/ 109 وهو الذي نص على اسمه.
(١٠) البيت لأبي طالب بن عبد المطلب كما يقول ياقوت الحموي في "معجم البلدان" 4/ 109، وعندي شك في ذلك لأن أبا طالب توفي قبل الهجرة، ومكة إنما أحلت للنبي في سنة 8 هـ.
وانظر البيت بلا نسبة في: "الدر المصون" 6/ 430، و"لسان العرب" (عرب) 5/ 2864.
واللوذعي: الذكي الظريف، والحلاحل: السيد الركين.
انظر: "الصحاح" (الذع) و (حلل).
(١١) انظر: "صحيح البخاري" (112) كتاب: العلم، باب: كتابة العلم.
(١٢) "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2381.
(١٣) يعني إسحاق بن الفرج، وانظر قوله في المصدر السابق، نفس الموضع.
(١٤) ما بيق المعقوفيق ساقط من (ى).
(١٥) ساقط من (ى).
(١٦) في (ح) و (ى): (ربا) أي نما وزاد، وأثبت ما في (م) لموافقته لمصدر القول إذ فيه: وربل أولاده: أي كثروا.
(١٧) ساقط من (ى).
(١٨) في (ى): (العام).
(١٩) انظر: "المحرر الوجيز" 7/ 6، ولم أجده في كتب أهل المعاني.
(٢٠) في (ى): (المدن).
وما أثبته موافق للمصدر التالي، وهما بمعنى واحد كما في "اللسان" (مدر).
(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 465.
(٢٢) في (ح): (باطنكم عنهم)، وهو وهم من الناسخ.
(٢٣) في (ح): الخبت، وهي المفازة كما في "مجمل اللغة" (خبت) 2/ 310، والخباء: من بيوت الأعراب، وهو ما كان من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة.
انظر: "لسان العرب" (خبا) 2/ 1098.
(٢٤) العمد -بفتح العين- اسم للجمع، وأهل العمد: أصحاب الأخبية الذين ينتقلون إلى الكلأ حيث كان، والعمود: الخشبة التي تقوم عليها الخيمة وبيت الشعر.
انظر: "لسان العرب" (عمد) 5/ 3097.
(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٦) اهـ.
الكلام المنسوب لليث، انظر: "تهذيب اللغة" (جدر) 1/ 558، والنص بنحوه في كتاب: العين (جدر) 6/ 75.
(٢٧) في (م): (فيستعلوا).
وما أثبته موافق لرواية الديوان.
(٢٨) هذا عجز بيت، وصدره: بخيل عليها جنة عبقرية انظر: "ديوان زهير" ص103، و"المحتسب" 2/ 306، و"لسان العرب" (عبقر) 5/ 2788.
وجنة: جمع جن.
وعبقرية: أي منسوبة إلى عبقر وهو موضع بالبادية تكثر فيه الجن كما تقول العرب.
انظر: "اللسان" (عبقر) 5/ 2788.
(٢٩) "تهذيب اللغة" (جدر) 1/ 42، وبدايته من نهاية الكلام المنسوب لليث.
واللحياني هو: علي بن حازم أبو الحسن اللحياني، من كبار أهل اللغة ومن مشهوري نحاة الكوفة، كان معاصرًا للفراء وتصدر في أيامه، وله كتاب حسن في "النوادر".
(٣٠) ما بين المعقوفين مكرر في (ى).
(٣١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 499، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 465.
(٣٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" 2/ 69 عن الكلبي.
(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) ومكرر في (م).
(٣٤) لم أجده فيما بين يدي من المراجع.
(٣٥) ساقط من (ى).
(٣٦) ذكره بنحوه القرطبي في "تفسيره" 8/ 232.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ هم أهل البوادي من العرب ﴿ وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله ﴾ يعني أنهم أحق أن لا يعلموا الشرائع لبعدهم عن الحاضرة ومجالس العلم ﴿ وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ﴾ أي تثقل عليهم الزكاة والنفقة في سبيل الله ثقل المغرم الذي ليس بحق عليه ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ﴾ أي ينتظر بكم مصائب الدنيا ﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ﴾ خبر أو دعاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ المعذرون ﴾ من الأعذار: قتيبة ويعقوب.
الباقون: بالتشديد ﴿ دائرة السوء ﴾ بضم السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير.
الآخرون بفتحها ﴿ قربة ﴾ بضم الراء: نافع غير قالون.
الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى.
الوقوف: ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لله ورسوله ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا للعطف، ﴿ ما ينفقون ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿ رضوا ﴾ مستأنفاً أو وصفاً.
﴿ مع الخوالف ﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال.
﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ من أخباركم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ ط ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ رجس ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد.
﴿ جهنم ﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لترضوا عنهم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.
﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ على رسوله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ الدوائر ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال ﴿ وجاء المعذرون ﴾ من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر.
فكأنه فصل بين أصحاب العذر وبين الكافرين؛ فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا أتباعاً وعيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف.
وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم.
وعن مجاهد: نفر من غفار.
ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأوّل أن يكون من التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له.
الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين.
والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله : ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا ﴾ وقد يكون صحيحاً كقول القائل: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر *** أي ما جاء بعذر صحيح.
فإذا أخذنا بقراءة التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها بالمعتذرين فاحتمل الأمران.
ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه ميزهم من الكاذبين بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ ومنهم من مال إلى أنهم كاذبون.
روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿ وجاء المعذرون ﴾ وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.
﴿ سيصيب الذين كفروا منهم ﴾ أي من الأعراب ﴿ عذاب أليم ﴾ في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار.
وإنما قال: ﴿ منهم ﴾ لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب.
ثم ذكر أن تكليف الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم ﴿ ولا على المرضى ﴾ ويدخل فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة ﴿ ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ﴾ في الغزو على أنفسهم ﴿ حرج ﴾ قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم.
ثم إنه شرط في جواز العقود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم.
وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما يفعل المولى الناصح بصاحبه.
ثم قال: ﴿ ما على المحسنين ﴾ أي المعذورين الناصحين ﴿ من سبيل ﴾ للعتاب والمؤاخذة.
قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فهذا يدل على أن الملكف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلاً على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا بهذا الطريق.
وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن الأصل براءة الذمة.
فإن كان القياس مفيداً للبراءة أيضاً فضائع، وإن كان يفيد شغل الذمة صار مخصصاً لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس.
ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بيّن قسماً رابعاً وهم الذين لا يجدون الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ أي على المركوب.
قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في ﴿ أتوك ﴾ بإضمار "قد" أي إذا ما أتوك قائلاً ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ وجوز أن يكون واسطة بين الشرط والجزاء كالاعتراض.
قلت: ويحتمل أن يكون بدلاً من ﴿ أتوك ﴾ .
قال مجاهد: هم أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يستحملونه ووافق منه غضباً فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري.
فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.
وقيل: هم البكاؤون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عيه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك.
فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون.
وقوله ﴿ تفيض من الدمع ﴾ كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كلها فائضة.
و"من" للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز.
﴿ حزناً أن لا يجدوا ﴾ أي على أن لا يجدوا.
﴿ إنما السبيل ﴾ أي سبيل الخطاب والعتاب في أمر الغزو والجهاد ﴿ على الذين يستأذنونك ﴾ في التخلف وهم أغنياء.
ثم قال على سبيل الاستئناف ﴿ رضوا ﴾ كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على الاستعداد؟
فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن طبع الله على قلوبهم.
قال لأهل العلم: لما قال في الآية الأولى و ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ قال هناك ﴿ وطبع ﴾ ليكون المجهول مبنياً على المجهول بخلافه في هذه الآية.
ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام الذي جرى فيه ذكر الله.
أما قوله ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ فإنه علة المنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً فإذا علم بأن القوم يكذبونه وجب عليه تركه.
وقوله ﴿ قد نبأنا الله ﴾ علة لانتفاء التصديق.
﴿ وسيرى الله عملكم ﴾ يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها أم لا.
وفي قوله ﴿ ثم تردّون على عالم الغيب ﴾ تخويف شديد وفيه أنه مطلع على بواطنهم الخبثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب.
وإنما لم يقل في هذه الآية و "المؤمنون" كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما قال ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة للكل.
وختم آية المنافقين بقوله ﴿ ثم تردون ﴾ لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله.
ثم ذكر أن منافقي الأعراب سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى عن منافقي المدينة فقال: ﴿ سيحلفون بالله لكم ﴾ أي لأجلكم ﴿ إذا انقلبتم ﴾ أي رجعتم ﴿ إليهم ﴾ ولم يذكر المحلوف عليه.
والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين غرضهم من الحلف فقال ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك الكلام والسلام.
وقال مقاتل: قال رسول الله حين قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلاً منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير.
ثم بين علة الاجتناب عنهم فقال: ﴿ إنهم رجس ﴾ فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم إنما يعاتب الأديم ذو البشرة.
المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي عليه الشعر أي إنما يعاد الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب ﴿ ومأواهم ﴾ جهنم منقلبهم النار عتاباً توبيخاً.
ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم ﴾ نهاهم عن الرضا بقوله ﴿ فإن ترضوا عنهم ﴾ الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله ساخطاً عليهم؟.
ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة.
قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود.
فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب.
قال : "لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً" قيل: إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل نشؤا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم.
وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.
وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش.
سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب؟
فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟!
وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال : "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين" أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون.
وقوله: ﴿ وأجدر ﴾ أي أولى وأحق ﴿ بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿ والله عليم ﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿ حكيم ﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.
ثم نوع جنس الأعراب فقال: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ هو مفعول ثانٍ ليتخذ لأنه بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران.
وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع.
﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه تشبيهاً بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص.
ثم خيّب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ وإنها جملة معترضة كقوله ﴿ غلت أيديهم ﴾ والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك "رجل صدق".
قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة لأن من دارت عليه ذامّ لها وبالضم اسم بمعنى البلاء والعذاب، والمراد أنهم لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم.
﴿ والله سميع ﴾ لأقوالهم ﴿ عليم ﴾ بنياتهم.
قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.
ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن ﴾ الآية.
والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند الله وسبباً لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى.
ثم إنه شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكداّ بحرفي التنبيه والتحقيق ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ ثم فسر القربة بقوله: ﴿ سيدخلهم الله في رحمته ﴾ والسين لتحقيق الوعد.
قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجاداً وهو كساء مخطط فشقته نصفين فردّته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله فكان قائده والله أعلم.
التأويل: الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد.
﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك ﴾ بطريق المتابعة ﴿ لتحملهم ﴾ على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية ﴿ قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ ترفعاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة.
﴿ الأعراب أشد كفراً ﴾ إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة.
﴿ حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول ، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة.
﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها ﴿ والله سميع ﴾ يجيب هذا الدعاء ﴿ عليم ﴾ بمن ينبغي أن يسمع في حقه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ [يحتمل هذا وجهين: يحتمل: طائفة من الأعراب أشد كفراً ونفاقاً] وهو أن رسول الله دعا كفار المدينة ومنافقيها، فأيأس عن إيمانهم بقوله: ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ...
﴾ الآية، فلما أيس عن إيمان هؤلاء، أقبل نحو طائفة من الأعراب الذين كانوا بقرب المدينة وحواليها، فأخبر أنهم أشدّ كفراً ونفاقاً من أهل المدينة.
ويحتمل أنه أراد الأعراب جملة أنهم أشدّ - أي: الكفار منهم وأهل النفاق - كفراً ونفاقاً من أهل الأمصار والمدائن، فهو لوجهين: أحدهما: أن أهل الأمصار والمدن كانوا يسمعون الآيات والحجج، ويخالطون أهل رحمة ورأفة، وأهل مودة، وأما الأعراب وأهل البادية فكانوا لا يسمعون الآيات والحجج، ولا خالطوا أهل رحمة ورأفة، فهؤلاء أقسى قلوباً وأضيق صدوراً وأهل المدن والأمصار [ألين قلوباً وأوسع صدوراً، فهم أسرع للإجابة وأولئك أبعد وأبطأ إجابة.
والثاني: أنهم وصفوا بأهل الجهل ما لم يوصف أهل المدن والأمصار] بذلك ما روي عن نبي الله قال: "لا يؤمنكم أعرابي" ، وفي بعضها: "لا يؤمن أعرابي مهاجراً" ، وفي بعض الأخبار: "من بدا جفا" ؛ وذلك - والله أعلم - لأنهم كانوا لا يدخلون الأمصار والمدن ليتأدبوا ويتعلموا الآداب، فإذا كانوا كذلك فهم أجهل، والإيمان هو التصديق، والتصديق إنما يكون بعد العلم؛ لأنه ما لم يعلم لم يصدق، فإذا كانوا بالجهل ما وصفنا، كانوا أشد إنكاراً وتكذيباً من غيرهم، وهو ما ذكر: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ ، وصفهم بالجهل، وبالجهل يكون التكذيب، وبالعلم يكون التصديق، وهو ما ذكرنا.
وأجدر وأخلق وأحرى واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ .
قال بعضهم: هم أقل علماً بالسنن.
وقيل: بالفرائض.
ويقال: الحدود ما بين من طاعة الله ومعصيته.
وأصله: أنهم أهل جهل بجميع الأوامر، والمناهي، وجميع الآداب، وما لا يحل وما يحل.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .
أي: على علم بما يكون منهم خلقهم.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ .
حيث وضع الخلائق بموضع يدل على وحدانيته وألوهيته، لو تدبروا فيه ونظروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ﴾ .
أي: كان لا ينفق حسبة.
وقال بعضهم: ينفق ولا يراه حقّاً، إنما يراه غرماً يلحقه، وغرما يغرمه.
وأصله: أنهم لو كانوا علموا حقيقة أنهم وما حوته أيديهم لله ليس لهم، [لم] يعدوا ذلك غرماً وتبعه [لحقتهم، ولكن لما لم يروا لله في أموالهم حقّاً ولم يعلموا أن أموالهم لله حقيقة لا لهم عدوا ذلك غرماً وتبعة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ .
قيل: الدوائر: هو انقلاب الأمر، وهو من الدوران.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ﴾ : ما قال بعضهم: موت محمد.
وقيل: دوائر الزمان وحوادثها.
﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ ، أي: عليهم انقلاب الأمر وعليهم ما تربصوا على المؤمنين.
وقوله: ﴿ وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ .
ليس على حقيقة الإنزال من موضع، ولكن على خلق ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ : لما قال، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما أسروا وأضمروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
ذكر في الآية أن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ليعلم أن قوله: ﴿ ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ كان في طائفة مشار إليها، لا كل الأعراب؛ لأنه ذكر - هاهنا - أن منهم من ينفق ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، وذكر في الآية الأولى أن منهم من يتخذ ما ينفق مغرما، أي: لا يراه حقّاً واجباً، ولكن غرما يلحقه، ومنهم من يرى ذلك حقّاً لله واجباً في أموالهم، فيجعلون ذلك قربة لهم عند الله، وأولئك يرونه غرماً لحقهم، لا قربة.
ثم في الآية خوف دخول المؤمنين في وعيد هذه الآية، الذين لا يؤدون الزكاة، ولا ينفقون، وخوف لحوق النفاق؛ لأنه أخبر أنهم يتخذون ما ينفقون مغرماً، فمن ترك أداءه إنما يتركه؛ لأنه لا يرى ذلك حقّاً؛ لأنه لو رأى ذلك حقّاً واجباً لأداه على ما أدى غيره من الحقوق، أو لو كان موقناً بالبعث لأنفق وجعل ذلك قربة له عند الله؛ لأنّ المؤمن إنما ينفق ويعمل للعاقبة، فإذا ترك ذلك يخاف دخوله في وعيد الآية، ولحوق اسم النفاق به، وإن كنا لا نشهد عليه بذلك.
وقوله: ﴿ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .
قال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا قربات عند الله بصلوات الرسول؛ لأنهم إذا أنفقوا كان الرسول يدعو لهم بذلك ويستغفر، فكان ذلك لهم قربات عند الله باستغفار الرسول ودعائه.
وقال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا وصلوات الرسول قربات عند الله، ويكون لهم ما أنفقوا قربة عند الله، وصلوات الرسول طمأنينة لهم وبراءة من النفاق؛ لأن الرسول كان لا يدعو لأهل الكفر والنفاق، فإذا دعا لهؤلاء وصلى عليهم كان ذلك طمأنينة لقلوبهم، وعلماً لهم بالبراءة من النفاق؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ ، أي: تسكن قلوبهم بصلاة الرسول وتطمئن بأنهم ليسوا من أهل النفاق، وأنهم برآء من ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ﴾ .
ذكر هذا مقابل ما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ﴾ ، أخبر - هاهنا - أن ما يتربصون هم بهم من الدوائر عليهم ذلك، وهاهنا أخبر أن ما ينفق المؤمنون ويطلبون بذلك قربة عند الله أنها قربة لهم.
ثم وعدهم الجنة بقوله: ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، أي: جنته، سمى جنته رحمة؛ لما برحمته يدخلون، لا استيجاباً لهم منه بذلك، بل رحمة منه وفضلاً.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : لما كان منهم من المساوئ والشرك إذا تابوا وآمنوا، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ : حيث لم يؤاخذهم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
أهل البادية إن كفروا أو نافقوا كان كفرهم أشد من كفر غيرهم من أهل الحضر، ونفاقهم أشد من نفاق أولئك، وهم أحرى بالجهل بالدين، وأحق بألا يعلموا الفرائض والسنن وضوابط الأحكام التي أنزلها على رسوله؛ لما هم عليه من الجفاء والغلظة وقلة المخالطة، والله عليم بأحوالهم، لا يخفى عليه منها شيء، حكيم في تدبيره وشرعه.
<div class="verse-tafsir" id="91.NG9Dl"