الآية ١ من سورة البلد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 90 البلد > الآية ١ من سورة البلد

لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة البلد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١ من سورة البلد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا قسم من الله تبارك وتعالي بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حلالا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها قال خصيف عن مجاهد "لا أقسم بهذا البلد" لا رد عليهم أقسم بهذا اتفسير سورة البلد وهي مكية .

هذا قسم من الله - عز وجل - بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالا ; لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها .

قال خصيف ، عن مجاهد : ( لا أقسم بهذا البلد ) لا رد عليهم ; أقسم بهذا البلد .

وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( لا أقسم بهذا البلد ) يعني : مكة ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) يقول تعالى ذكره: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وكذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يعني: مكة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: مكة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: الحرام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: مكة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: البلد مكة.

حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله: ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يعني مكة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: مكة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة البلدمكية باتفاق .

وهي عشرون آيةبسم الله الرحمن الرحيملا أقسم بهذا البلديجوز أن تكون لا زائدة ، كما تقدم في لا أقسم بيوم القيامة قاله الأخفش .

أي أقسم ; لأنه قال : بهذا البلد وقد أقسم به في قوله : وهذا البلد الأمين فكيف يجحد القسم به وقد أقسم به .

قال الشاعر :تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطعأي يتقطع ، ودخل حرف ( لا ) صلة ومنه قوله تعالى : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك بدليل قوله تعالى في ( ص ) : ما منعك أن تسجد .

وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير ( لأقسم ) من غير ألف بعد اللام إثباتا .

وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى ( ألا ) .

وقيل : ليست بنفي القسم ، وإنما هو كقول العرب : لا والله لا فعلت كذا ، ولا والله ما كان كذا ، ولا والله لأفعلن كذا .

وقيل : هي نفي صحيح والمعنى : لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه ، بعد خروجك منه .

حكاه مكي .

ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : لا رد عليهم .

وهذا اختيار ابن العربي ; لأنه قال : وأما من قال إنها رد ، فهو قول ليس له رد ; لأنه [ ص: 54 ] يصح به المعنى ، ويتمكن اللفظ والمراد .

فهو رد لكلام من أنكر البعث ثم ابتدأ القسم .

وقال القشيري : قوله لا رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة ، المغرور بالدنيا .

أي ليس الأمر كما يحسبه ، من أنه لن يقدر عليه أحد ، ثم ابتدأ القسم .

و ( البلد ) : هي مكة ، أجمعوا عليه .

أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه ، لكرامتك علي وحبي لك .

وقال الواسطي أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا ، وبركتك ميتا ، يعني المدينة .

والأول أصح ; لأن السورة نزلت بمكة باتفاق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقسم تعالى { بِهَذَا الْبَلَدِ } الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصًا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية "لا أقسم"، يعني أقسم، "بهذا البلد"، يعني مكة.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا» زائدة «أقسم بهذا البلد» مكة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أقسم الله بهذا البلد الحرام، وهو "مكة"، وأنت -أيها النبي- مقيم في هذا "البلد الحرام"، وأقسم بوالد البشرية- وهو آدم عليه السلام- وما تناسل منه من ولد، لقد خلقنا الإنسان في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت السورة الكريمة بالقسم ، تشويقا لما يرد بعده ، وتأكيدا للمقسم عليه .و " لا " فى مثل هذا التركيب ، يرى المحققون أنها مزيدة للتأكيد ، والمعنى : أقسم بهذا البلد .

أى : مكة المكرمة ، وقد جاء القسم بها فى قوله - تعالى - : ( والتين والزيتون .

وَطُورِ سِينِينَ .

وهذا البلد الأمين ) قال الشيخ محمد عبده - رحمه الله - : قوله : ( لاَ أُقْسِمُ .

.

) عبارة من عبارات العرب فى القسم ، يراد بها تأكيد الخبر ، كأنه فى ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم .

ويقال إنه يؤتى بها فى القسم إذا أريد تعظيم المقسم به .

كأن القائل يقول : إنى لا أعظمه بالقسم ، لأنه عظيم فى نفسه ، والمعنى فى كل حال على القسم .

.وقال بعض العلماء : " لا " هذه للنفى ، وهذه عبارة تعود العرب أن يقولوها عندما يكون المقسم عليه ظاهر أمره ، كأنه - تعالى - يقول : أنا لا أقسم بهذه الأشياء ، على إثبات هذا المطلوب الذى أذكره بعد ، لأن إثباته أظهر وأجلى وأقوى من أن يحاول محاول إثباته بالقسم .ويقال : معناه : أنا لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب ، لأنه أعظم وأجل وأكبر من أن يقسم عليه ، بهذه الأمور الهينة الشأن ، والغرض على هذا الوجه ، تعظيم المقسم عليه ، وتفخيم شأنه .

.والإِشارة بلفظ " هذا " مع بيانه بالبلد ، إشارة إلى حاضر فى أذهان السامعين ، لأن مكة بعضهم كان يعيش فيها .

وبعضهم كان يعرفها معرفة لاخفاء معها ، وشبيه بذلك قوله - تعالى - : ( إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ ) وفائدة الإِتييان باسم الإِشارة هنا : تميييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنيويه به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة، واعلم أن فضل مكة معروف، فإن الله تعالى جعلها حرماً آمناً، فقال في المسجد الذي فيها ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً  ﴾ وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب، فقال: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ وشرف مقام إبراهيم بقوله: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى  ﴾ وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت  ﴾ وقال في البيت: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً  ﴾ وقال: ﴿ وعلى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ  ﴾ وحرم فيه الصيد، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الدنيا من تحته، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها، فأما قوله: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ﴾ فالمراد منه أمور أحدها: وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام مقيم بها.

وثانيها: الحل بمعنى الحلال، أي أن الكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك، فأنت حل لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك، عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيداً أو يعضوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك، وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له.

وثالثها: قال قتادة: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ ﴾ أي لست بآثم، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما شاء، فقتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرم دار أبي سفيان، ثم قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها، ولا يختلي خلالها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد.

فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا، فقال إلا الإذخر.

فإن قيل: هذه السورة مكية، وقوله: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ ﴾ إخبار عن الحال، والواقعة التي ذكرتم إنما حدثت في آخر مدة هجرته إلى المدينة، فكيف الجمع بين الأمرين؟

قلنا: قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلاً، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ  ﴾ وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهذا من الله أحسن، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا يمنعه عن وعده مانع.

ورابعها: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ﴾ أي وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيماً منك لهذا البيت، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر بالله، وتكذيب الرسل.

وخامسها: أنه تعالى لما أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد، ثم قال: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ﴾ أي وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي بَعَثَ فِي الاميين رَسُولاً مّنْهُمْ  ﴾ وقال: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ  ﴾ فيكون الغرض شرح منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه من هذا البلد.

أما قوله: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ فاعلم أن هذا معطوف على قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، وللمفسرين فيه وجوه: أحدها: الولد آدم وما ولد ذريته، أقسم بهم إذ هم من أعجب خلق الله على وجه الأرض، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وكل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ  ﴾ فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم، لما ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب، وقيل: هو قسم بآدم والصالحين من أولاده، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم.

كما قال: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً  ﴾ ، ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ  ﴾ .

وثانيها: أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سكانها، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب، وإنما قال: ﴿ وَمَا وَلَدَ ﴾ ولم يقل ومن ولد، للفائدة الموجودة في قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ  ﴾ أي بأي شيء وضعت يعني موضوعاً عجيب الشأن.

وثالثها: الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم.

فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر، وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحاق، ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب ومنهم من خص ذلك بالعرب المسلمين، وإنما قلنا: إن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين لأنه قد شرع في التشهد أن يقال: كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وهم المؤمنين.

ورابعها: روي عن ابن عباس أنه قال: الولد الذي يلد، وما ولد الذي لا يلد، فما هاهنا يكون للنفي، وعلى هذا لابد عن إضمار الموصول أي ووالد، والذي ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين.

وخامسها: يعني كل والد ومولود، وهذا مناسب، لأن حرمة الخلق كلهم داخل في هذا الكلام.

وأما قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الكبد وجوه: أحدها: قال صاحب الكشاف: إن الكبد أصله من قولك كبد الرجل كبداً فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب كبده، وقال آخرون: الكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد لأنه دم يغلظ ويشتد، والفرق بين القولين أن الأول جعل اسم الكبد موضوعاً للكبد، ثم اشتقت منه الشدة.

وفي الثاني جعل اللفظ موضوعاً للشدة والغلظ، ثم اشتق منه اسم العضو الوجه الثاني: أن الكبد هو الاستواء والاستقامة الوجه الثالث: أن الكبد شدة الخلق والقوة، إذا عرفت هذا فنقول أما على الوجه الأول فيحتمل أن يكون المراد شدائد الدنيا فقط، وأن يكون المراد شدائد التكاليف فقط، وأن يكون المراد شدائد الآخرة فقط، وأن يكون المراد كل ذلك.

أما الأول: فقوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ ﴾ أي خلقناه أطواراً كلها شدة ومشقة، تارة في بطن الأم، ثم زمان الإرضاع، ثم إذا بلغ ففي الكد في تحصيل المعاش، ثم بعد ذلك الموت.

وأما الثاني: وهو الكبد في الدين، فقال الحسن: يكابد الشكر على السراء، والصبر على الضراء، ويكابد المحن في أداء العبادات.

وأما الثالث: وهو الآخرة، فالموت ومساءلة الملك وظلمة القبر، ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار إما في الجنة وإما في النار.

وأما الرابع: وهو يكون اللفظ محمولاً على الكل فهو الحق، وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة، بل ذاك يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع، وما يتخيل من اللذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد، فليس للإنسان، إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر، فهذا معنى قوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ ﴾ ويظهر منه أنه لابد للإنسان من البعث والقيامة، لأن الحكيم الذي دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم، فهذا لا يليق بالرحمة، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ، ففي تركه على العدم كفاية في هذا المطلوب، وإن كان مطلوبه أن يلتذ، فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة لذة، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة، فإذا لابد بعد هذه الدار من دار أخرى، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرمات.

وأما على الوجه الثاني: وهو أن يفسر الكبد بالاستواء، فقال ابن عباس: في كبد، أي قائماً منتصباً، والحيوانات الأخر تمشي منكسة، فهذا امتنان عليه بهذه الخلقة.

وأما على الوجه الثالث: وهو أن يفسر الكبد بشدة الخلقة، فقد قال الكلبي: نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يكنى أبا الأشد، وكان يجعل تحت قدميه الأديم العكاظي، فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه، واعلم أن اللائق بالآية هو الوجه الأول.

المسألة الثانية: حرف في واللام متقاربان، تقول: إنما أنت للعناء والنصب، وإنما أنت في العناء والنصب، وفيه وجه آخر وهو أن قوله: ﴿ فِى كَبَدٍ ﴾ يدل على أن الكبد قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف، وفيه إشارة إلى ما ذكرنا أنه ليس في الدنيا إلا الكد والمحنة.

المسألة الثالثة: منهم من قال: المراد بالإنسان إنسان معين، وهو الذي وصفناه بالقوة، والأكثرون على أنه عام يدخل فيه كل أحد وإن كنا لا نمنع من أن يكون ورد عند فعل فعله ذلك الرجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أقسم الله سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغموراً في مكابدة المشاق والشدائد؛ واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد (2) ﴾ يعني: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم.

عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيداً ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته، أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أنّ الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد؛ واعترض بأن وعده فتح مكة تتميماً للتسلية والتنفيس عنه.

فقال: وأنت حلّ بهذا البلد، يعني: وأنت حلّ به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر.

وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلّها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلّت له فأحلّ ما شاء وحرّم ما شاء.

قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة.

ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبي سفيان، ثم قال: «إنّ الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلاّ ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها، ولا يختلي خلاها، ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلاّ لمنشد» فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إلاّ الإذخر» فإن قلت: أين نظير قوله: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ ﴾ في معنى الاستقبال؟

قلت: قوله عزّ وجل: ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ﴾ [الزمر: 30] ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع؛ لأن الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة.

وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟

فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟

قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه إبراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه.

فإن قلت: لم نكر؟

قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب.

فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟

قلت: فيه ما في قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ [آل عمران: 36] أي: بأي شيء وضعت، يعني موضوعاً عجيب الشأن.

وقيل: هما آدم وولده.

وقيل: كل والد وولد.

والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبداً، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة.

ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعى أهلكه.

وأصله: كبده، إذا أصاب كبده.

قال لبيد: يَا عَيْنُ هَلاَّ بكيتِ أَرْبَدَ إذْ ** قُمْنَا وَقَامَ الْخُصُومُ فِي كَبَدِ أي: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.

والضمير في ﴿ أَيَحْسَبُ ﴾ لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما يكابد.

والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوي في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول: ﴿ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً ﴾ يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالي ومفاخر ﴿ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) ﴾ حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخاراً بينهم، يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيباً.

ويجوز أن يكون الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حلّ به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ (4) ﴾ أي: في مرض: وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات.

وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد: هو أبو الأشد، وكان قوياً يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فلا ينزع إلاّ قطعاً ويبقى موضع قدميه.

وقيل: الوليد بن المغيرة ﴿ لبدا ﴾ قرئ بالضم والكسر: جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: ﴿ لبداً ﴾ بضمتين: جمع لبود.

ولبدا: بالتشديد جمع لا بد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ البَلَدِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها عِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ ﴾ ﴿ وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالبَلَدِ الحَرامِ وقَيَّدَهُ بِحُلُولِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ إظْهارًا لِمَزِيدِ فَضْلِهِ، وإشْعارًا بِأنَّ شَرَفَ المَكانِ بِشَرَفِ أهْلِهِ.

وقِيلَ: حِلٌّ مُسْتَحَلٌّ تَعَرُّضُكَ فِيهِ كَما يُسْتَحَلُّ تَعَرُّضُ الصَّيْدِ في غَيْرِهِ، أوْ حَلالٌ لَكَ أنْ تَفْعَلَ فِيهِ ما تُرِيدُ ساعَةً مِنَ النَّهارِ فَهو وعْدٌ بِما أُحِلَّ لَهُ عامَ الفَتْحِ.

﴿ وَوالِدٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى بِهَذا البَلَدِ والوالِدُ آدَمُ أوْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَما ولَدَ ﴾ ذُرِّيَّتُهُ أوْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ وإيثارِ ما عَلى مَن لِمَعْنى التَّعَجُّبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لآ أُقْسِمُ بهذا البلد} أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما بعده على أن الانسان خلف مغمورا فى مكابدة المشاق واعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ البَلَدِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِتَمامِها، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ بِتَمامِها، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن أوَّلِها.

واعْتُرِضَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّهُ يَأْباهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِهَذا البَلَدِ ﴾ قِيلَ: ولِقُوَّةِ الِاعْتِراضِ ادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ الإجْماعَ عَلى مَكِّيَّتِها وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في بَعْضِ الأخْبارِ ما هو ظاهِرٌ في نُزُولِ صَدْرِها بِمَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وهي عِشْرُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ.

ولَمّا ذَمَّ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها مَن أحَبَّ المالَ وأكَلَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا، ولَمْ يَحُضَّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا فِيها الخِصالَ الَّتِي تُطْلَبُ مِن صاحِبِ المالِ مِن فَكِّ الرَّقَبَةِ وإطْعامٍ في يَوْمِ ذِي مَسْغَبَةٍ وكَذا لَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ هُناكَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاطْمِئْنانُ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

﴿ لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالبَلَدِ الحَرامِ أعْنِي مَكَّةَ؛ فَإنَّهُ المُرادُ بِالمُشارِ إلَيْهِ بِالإجْماعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الإنْسانِ خُلِقَ مَغْمُورًا في مُكابَدَةِ المَشاقِّ ومُعاناةِ الشَّدائِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ في الكَشّافِ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ وفِيهِ تَحْقِيقُ مَضْمُونِهِ بِذِكْرِ بَعْضِ المُكابَدَةِ عَلى نَهْجِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ وإدْماجٌ لِسُوءِ صَنِيعِ المُشْرِكِينَ لِيُصَرِّحَ بِذَمِّهِمْ عَلى أنَّ الحِلَّ بِمَعْنى المُسْتَحَلِّ بِزِنَةِ المَفْعُولِ الَّذِي لا يُحْتَرَمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ المُكابَدَةِ أنَّ مِثْلَكَ عَلى عِظَمِ حُرْمَتِهِ يُسْتَحَلُّ بِهَذا البَلَدِ الحَرامِ ولا يُحْتَرَمُ كَما يُسْتَحَلُّ الصَّيْدُ في غَيْرِ الحَرَمِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ: يُحَرِّمُونَ أنْ يَقْتُلُوا بِهِ صَيْدًا ويُعَضِّدُوا شَجَرَهُ ويَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، وفي تَأْكِيدِ كَوْنِ الإنْسانِ في كَيْدٍ بِالقَسَمِ تَثْبِيتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعْثٌ عَلى أنْ يَطَأ مِن نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلى احْتِمالِهِ فَإنَّ ذَلِكَ قَدَرٌ مَحْتُومٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحِلُّ بِمَعْنى الحَلالِ ضِدَّ الحَرامِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ: وأنْتَ يا مُحَمَّدُ يَحِلُّ لَكَ أنْ تُقاتِلَ بِهِ.

وأمّا غَيْرُكَ فَلا.

وقالَ مُجاهِدٌ: أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ساعَةً مِن نَهارٍ، وقالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ما صَنَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَأنْتَ في حِلٍّ لا تُؤاخَذُ بِهِ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ وقَتادَةَ وعَطِيَّةَ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ ولَفْظُهُ: يَقُولُ سُبْحانَهُ: أنْتَ حِلٌّ بِالحَرَمِ فاقْتُلْ إنْ شِئْتَ أوْ دَعْ وذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ، وقَدْ قَتَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ وهو الَّذِي كانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ ذا القَلْبَيْنِ، قَدَّمَهُ أبُو بَرْزَةَ سَعِيدُ بْنُ حَرْبٍ الأسْلَمِيُّ فَضَرَبَ بِأمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُنُقَهُ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ وكَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فارْتَدَّ وشَنَّعَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ ما يُمْلِيهِ مِنَ القُرْآنِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقُتِلَ غَيْرُهُ أيْضًا كَما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنِ اللَّهَ تَعالى: حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَهي حَرامٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ لا تَحِلُّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولَنْ تَحِلَّ لِأحَدٍ بَعْدِي، ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، فَلا يُعْضَدُ شَجَرُها ولا يُخْتَلى خَلاها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ».

فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا الإذْخِرَ؛ فَإنَّهُ لِقُيُونِنا وقُبُورِنا وبُيُوتِنا.

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إلّا الإذْخِرَ»».

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى هَذا لِلِاخْتِصاصِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ.

و ﴿ حِلٌّ ﴾ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ بِناءً عَلى أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ الَّتِي هي قَبْلَ الفَتْحِ بِكَثِيرٍ وفي خَبَرٍ رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ ضَرَبَ أبُو بَرْزَةَ عُنُقَ ابْنِ خَطَلٍ يَوْمَ الفَتْحِ، فَإنْ صَحَّ لا يَكُونُ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ لَكِنَّ الجُمْهُورَ عَلى الأوَّلِ، وفي تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ وتَوْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالإقْسامِ تَوْكِيدٌ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وهو عَلى ما ذُكِرَ أنَّ عاقِبَةَ الِاحْتِمالِ والمُكابَدَةِ إلى الفَتْحِ والظَّفَرِ والغَرَضُ تَسْلِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ تَرْشِيحُها بِالتَّصْرِيحِ بِما سَيَكُونُ مِنَ الغَلَبَةِ وتَعْظِيمِ البَلَدِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَن أحَلَّ لَهُ وفي الإقْسامِ بِهِ تَوْطِئَةً لِلتَّسْلِيَةِ؛ لِأنَّ تَعْظِيمَ البَلَدِ مِمّا يَقْتَرِفُهُ أهْلُهُ مِنَ المَآثِمِ مُتَحَرِّجٌ بَرِيءٌ مِنها والمَعْنى في الإقْسامِ بِالبَلَدِ تَعْظِيمُهُ، وفي الِاعْتِراضِ تَرْشِيحُ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفُ بِكَوْنِ مِثْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَلالَةِ القَدْرِ ومَنصِبِ النُّبُوَّةِ ساكِنًا فِيهِ مُبايِنًا لِما عَلَيْهِ الغاغَةُ والهَمَجُ، والفائِدَةُ فِيهِ تَأْكِيدُ المُقْسَمِ عَلَيْهِ بِأنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ فَلا يَنْفَعُهم شَرَفُ مَكانٍ والمُتَمَكِّنِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ الطَّيِّبِ بِنَفْسِهِ وبِمَن سَكَنَ فِيهِ أنَّ أهْلَهُ لَفي مَرَضِ قَلْبٍ وشَكٍّ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

وقِيلَ: الحِلُّ صِفَةٌ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحالِ يُقالُ: حَلَّ أيْ: نَزَلَ، يَحُلُّ حِلًّا وحُلُولًا.

ويُقالُ أيْضًا: هو حِلٌّ بِمَوْضِعِ كَذا كَما يُقالُ: حالٌّ بِهِ والقَوْلُ بِأنَّ الصِّفَةَ مِنَ الحُلُولِ حالٌّ لا حِلٌّ، ومَصْدَرُ حَلَّ بِمَعْنى نَزَلَ الحُلُولُ، والحَلُّ بِفَتْحِ الحاءِ والحَلَلُ فَقَطْ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّتَبُّعِ.

والِاعْتِراضُ لِتَشْرِيفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِجَعْلِ حُلُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَناطًا لِإعْظامِ البَلَدِ بِالإقْسامِ بِهِ وجَعَلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الجُمْلَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ حالًا مِن هَذا البَلَدِ وكَذا جَعَلَها بَعْضُهم حالِيَّةً عَلى الوَجْهَيْنِ قَبْلُ، إلّا أنَّ الحالَ عَلى ثانِيهِما مُقارِنَةٌ، وعَلى أوَّلِهِما مُقَدَّرَةٌ أوْ مُقارِنَةٌ إنْ قِيلَ: إنَّ النُّزُولَ ساعَةَ أُحِلَّتْ مَكَّةُ، وجَعَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ حالًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا أعْنِي كَوْنَ الحِلِّ بِمَعْنى المُسْتَحِلِّ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِكَوْنِ لا نافِيَةٌ غَيْرُ زائِدَةٍ فَتَأمَّلْ.

وأيًّا ما كانَ فَفي الإشارَةِ وإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ مِن تَعْظِيمِ البَلَدِ ما فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي عشرون آية مكيّة قوله تعالى: لاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ يعني: أقسم بهذا البلد، ولا صلة في الكلام، ومعناه أقسم برب هذا البلد الذي ولد فيه يعني: مكة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يحلها يوم فتح مكة، معناه فسيحل لك هذا البلد، يعني: القتال فيه ساعة من النهار، ولم يحل لك أكثر من ذلك.

وروى عبد الملك، عن عطاء في قوله: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وقال: إن الله تعالى حرم مكة، فجعلها حراماً يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض، وهي حرام إلى أن تقوم الساعة، ولم تحل إلا للنبي  ساعة من النهار.

وروي عن النبيّ  ، أنه دخل بالبيت يوم الفتح، ووضع يده على باب الكعبة، فقال: «لاَ إله إلاَّ الله وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلاَ إن الله تعالى حرم مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السموات والأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ لِي، بِحَرَامِ الله تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ نهار» .

ثم قال عز وجل: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ وَوالِدٍ يعني: آدم وَما وَلَدَ، يعني: ذريته.

ويقال: كل والد وكل مولود.

وقال عكرمة وَوالِدٍ الذي يلد وَما وَلَدَ التي لم تلد من النساء والرجال لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ يعني: معتدل الخلق والقامة، فأقسم بمكة وبآدم وذريته لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ منتصباً قائماً على رجلين.

وقال مقاتل: نزلت الآية في حارث بن عامر بن نوفل.

وروى مقسم، عن ابن عباس في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قال: خلق كل شيء يمشي على أربع، إلا الإنسان فإنه خلق منتصباً، وهذا كقوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) [التين: 4] ويقال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ يعني: في مشقة وتعب.

وروي عن ابن رفاعة، عن سعيد بن الحسن، عن الحسن البصري في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قال سعيد: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

وقال الحسن: لم يخلق الله تعالى خليقة، يكابد مكابدة ما يكابد ابن آدم.

وروي عن عطاء، عن ابن عباس يقول: خلق في شدة، يعني: مولده ونبات أسنانه وغير ذلك.

ويقال: معناه: ولقد خلقنا الإنسان في كبد وهي المضغة، مثل الكبد دماً غليظاً، ثم يصير مضغة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «البلد»

وهي مكّيّة في قول الجمهور وقيل مدنيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: لاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ الكلامُ في لا تقدم في لاَ أُقْسِمُ [القيامة: ١] والبَلَدُ هو: «مكة» .

وقوله تعالى: وَأَنْتَ حِلٌّ قال ابن عباس وجماعة: معناه وأنت حَلاَلٌ بهذا البلد، يحلُّ لك فيه قَتْلُ من شئتَ، وكان هذا يومُ فَتْحِ مكة، وعلى هذا يتركبُ قولُ مَنْ قال:

السورة مدنية نَزَلَتْ عَامَ الفتح «١» ، وقال آخرون: المعنى وأنْتَ حال ساكن بهذا البلد.

وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)

أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)

وقوله تعالى: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ قال مجاهد: هو آدم وجميع ولدهِ «٢» ، وقال ابن عباس: ما معناه أنّ الوالدَ والولدَ هنا على العمُومِ فهي أسماء جِنْسٍ يَدْخل فيها جميعُ الحيوانِ «٣» ، والقَسَمُ واقع على قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قال الجمهور: الإنْسَانُ اسم جنسٍ والكَبَدُ المشقةُ والمكَابَدَةُ، أي: يُكَابِد أمرَ الدنيا والآخرة، ورُوِيَ: أَن سببَ نزولِ هذه الآية رَجُلٌ من قريشٍ يقال له أبو الأَشَدِّ، وقيل نزلتْ في عمرو بن عبد ود،

وقال: مقاتل: نَزَلَتْ في الحارثِ بن عامر بن نوفل أذنب فاستفتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فَأَمَرَهُ بِالكَفَّارَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ أَهْلَكْتُ مَالاً في الكفارات وَالنفَقَاتِ، مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّداً، وَكَانَ كُلُّ واحد منهم قد ادعى أَنَّهُ أَنْفَقَ مَالاً كَثِيراً على إفْسَادِ أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَوْ في الكَفَّارَاتِ على مَا تَقَدَّمَ.

وقوله: أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً أي: أنفقْتُ مالاً كثيراً، ومن قال: أَن المرادَ اسمُ الجِنْسِ غيرُ معينٍ، جَعَلَ قولَه: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ بمعنى: أيظُنُّ الإنسانُ أن لَيس عليه حفظةٌ يرون أعمالَه ويُحْصونَها إلى يوم الجزاء، قال السهيلي: وهذه الآيةُ وإن نزلتْ في أبي الأشد فإن الألفَ واللامَ في الإنسان للجنسِ، فيشتركُ مَعَهُ في الخِطابِ كلّ من ظن ظنه وفعل مثلَ فِعْلِه/ وعلى هذا أكثرُ القُرْآنَ، يَنْزِل في السَّبَبِ الخاصِّ بلفظِ عامٍ يتناولُ المَعْنَى العام انتهى، وخرَّج مسلم عن أبي برزة قَال: قال رسولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: لاَ تَزُولُ قَدَمَا العَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِه فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ به، وَعَنْ مَالِهِ، مِنْ أَيْنَ اكتسبه وَفِيمَ أَنْفَقَهُ» «١» ، وخرَّجه أيضاً الترمذيُّ وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ «٢» ، انتهى، وقرأ الجمهور «٣» : لُبَداً أي: كثيراً متلبِّداً بعضُه فوقَ بعضٍ، ثم عدَّدَ تعالى علَى الإنسانِ نَعَمَه في جوارِحه، والنَّجْدَيْنِ: قال ابن عباس والناسُ: هما طريقَا الخَيْرِ والشرِّ، أي: عَرَضْنَا عليه طريقَهما، وليستِ الهداية هنا بمعنى الإرْشَادِ «٤» ، وقال الضحاكُ: النَّجْدَانِ ثَدْيَا الأمّ، وهذا مثال، والنجد: الطريق المرتفع «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ البَلَدِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ.

و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ  ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.

أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.

والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوالِدٍ وما ولَدَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.

وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ  بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ.

قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.

والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟!

﴿ يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا ﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.

وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.

والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟!

وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ.

والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.

والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.

والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ ﴾ ﴿ وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ ﴿ وَوالِدٍ وما ولَدَ ﴾ ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ ﴾ ﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ ﴾ ﴿ يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا ﴾ ﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾ ﴿ وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ ﴾ ﴿ وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ.

ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ.

واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿ وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ.

وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿ وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ أيْ: قَدْ جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوالِدٍ وما ولَدَ ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَوالِدٍ وما ولَدَ ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿ وَوالِدٍ ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما ولَدَ ﴾ ، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ.

والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ ﴾ ، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ  ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ.

و ﴿ يَقْدِرَ ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا ﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟

وقالَ النَبِيُّ  : « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟

وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟

ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ.

ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ابتدئت بالقسم تشويقاً لما يرد بعده وأطيلت جملة القسم زيادة في التشويق.

و ﴿ لا أقسم ﴾ معناه: أقسم.

وقد تقدم ذلك غير مرة منها ما في سورة الحاقة.

وتقدم القول في: هل حرف النفي مزيد أو هو مستعمل في معناه كناية عن تعظيم أمر المقسم به.

والإِشارة ب«هذا» مع بيانه بالبلد، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين كأنهم يرونه لأن رؤيته متكررة لهم وهو بلد مكة، ومثله ما في قوله: ﴿ إنما أُمرت أن أعبد ربَّ هذه البلدة ﴾ [النمل: 91].

وفائدة الإِتيان باسم الإِشارة تمييز المقسم به أكْمَلَ تمييز لقصد التنويه به.

والبلد: جانب من متسع من أرض عامرةً كانتْ كما هو الشائع أم غامرة كقول رؤبة بن العجاج: بلْ بَلَدٍ ملءُ الفجاج قَتمُه *** وأطلق هنا على جانب من الأرض مجعولة فيه بيوت من بناء وهو بلدة مكة والقسم بالبلدة مع أنها لا تدل على صفة من صفات الذات الإلهية ولا من صفات أفعاله كنايةٌ عن تعظيم الله تعالى إياه وتفضيله.

" وجملة: ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ معترضة بين المتعاطفات المقسم بها والواو اعتراضية.

والمقصود من الاعتراض يختلف باختلاف محمل معنى ﴿ وأنت حل ﴾ فيجوز أن يكون ﴿ حل ﴾ اسم مصدرِ أحَلّ، أي أباح، فالمعنى وقد جعلَك أهلُ مكة حلالاً بهذا البلد الذي يحرم أذى صيده وعَضْدُ شجره، وهم مع ذلك يُحلون قتلك وإخراجَك، قال هذا شُرَحْبيل بن سعد فيكون المقصود من هذا الاعتراض التعجيب من مضمون الجملة وعليه فالإِخبار عن ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف ﴿ حِلّ ﴾ يقدر فيه مضاف يعيِّنه ما يصلح للمقام، أي وأنت حلال منك ما حُرِّم من حقِّ ساكن هذا البلد من الحُرمة والأمن.

والمعنى التعريض بالمشركين في عدوانهم وظلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم في بلد لا يظلمون فيه أحداً.

والمناسبة ابتداء القسم بمكة الذي هو إشعار بحرمتها المقتضية حرمة من يحل بها، أي فهم يحرِّمون أن يتعرضوا بأذى للدواب، ويعتدون على رسول جاءهم برسالة من الله.

ويجوز أن يكون ﴿ حِل ﴾ اسماً مشتقاً من الحِلّ وهو ضد المنع، أي الذي لا تَبعة عليه فيما يفعله.

قال مجاهد والسدي، أي ما صنعت فيه من شيء فأنت في حلّ أو أنت في حِل مِمن قَاتلك أن تقاتله.

وقريب منه عن ابن عباس، أي مهما تمكنتَ من ذلك.

فيصدق بالحال والاستقبال.

وقال في «الكشاف»: «يعني وأنت حل به في المستقبل ونظيره في الاستقبال قوله عز وجل: ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ [الزمر: 30]، تقول لمن تَعِدُه بالإِكرام والحباء أنت مكرم محبُوّاً اه.

فهذا الاعتراض تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم قُدمت له قبل ذكر إعراض المشركين عن الإِسلام، ووعد بأنه سيمكنه منهم.

وعلى كلا الوجهين في محمل صفة ﴿ حِل ﴾ هو خصوصية للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد خصصه النبي صلى الله عليه وسلم بيوم الفتح فقال: " وإنما أحلت لي ساعة من نهار " الحديث، وفي «الموطإ»: «قال مالك: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ (أي يوم الفتح) مُحْرِماً».

ويُثار من هذه الآية على اختلاف المحامل النظرُ في جواز دخول مكة بغير إحرام لغير مريد الحج أو العمرة.

قال الباجي في «المنتقى» وابنُ العربي في «الأحكام»: الداخل مكة غيرَ مريد النسك، لحاجة تتكرر كالحَطّابينَ وأصحاب الفواكهِ والمعاش هؤلاء يجوز دخولهم غيرَ محرمين لأنهم لو كلفوا الإِحرام لَحِقتهم مشقة.

وإن كان دخولها لحاجة لا تتكرر فالمشهور عن مالك: أنه لا بد من الإِحرام، وروي عنه تركُه والصحيح وجوبه، فإن تركه قال الباجي: فالظاهر من المذهب أنه لا شيء عليه وقد أساء ولم يُفصِّل أهل المذهب بين من كان من أهل داخل الميقاتتِ أو مِن خارجه.

والخلاف في ذلك أيضاً بين فقهاء الأمصار فذهب أبو حنيفة أن من كان من أهل داخل المواقيت يجوز له دخول مكة بغير إحرام إن لم يُرِد نسكاً من حج أو عمرة، وأما من كان مِن أهل خارج المواقيت فالواجب عليه الإِحرام لدخول مكة دون تفصيل بين الاحتياج إلى تكرر الدخول أو عدم الاحتياج.

وذهب الشافعي إلى سقوط الإِحرام عن غير قاصد النسك، ومذهب أحمد موافق مذهب مالك.

وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين: أن معنى ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ أنه حَال، أي ساكن بهذا البلد اه.

وجعله ابن العربي قولاً ولم يَعزُه إلى قائل، وحكاه القرطبي والبيضاوي كذلك وهو يقتضي أن تكون جملة ﴿ وأنت حلّ ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أقسم ﴾ فيكون القسم بالبلد مقيداً باعتبار كونه بلَد محمد صلى الله عليه وسلم وهو تأويل جميل لو ساعد عليه ثبوت استعمال ﴿ حِلّ ﴾ بمعنى: حَالّ، أي مقيم في مكاننٍ فإن هذا لم يرد في كتب اللغة: «الصَحاحِ» و«اللسانِ» و«القاموسِ» و«مفرداتتِ الراغب».

ولم يعرج عليه صاحب «الكشاف»، ولا أحسب إعراضه عنه إلا لعدم ثقته بصحة استعماله، وقال الخفاجِي: والحِلّ: صفة أو مصدر بمعنى الحَال هنا على هذا الوجه ولا عبرة بمن أنكره لِعدم ثبوته في كتب اللغة» اه وكيف يقال: لا عبرة بعدم ثبوته في كتب اللغة، وهل المَرجع في إثبات اللغة إلاّ كتب أيمتها.

وتكرير لفظ ﴿ بهذا البلد ﴾ إظهار في مقام الإِضمار لقصد تجديد التعجيب.

ولقصد تأكيد فتح ذلك البلد العزيز عليه والشديد على المشركين أن يَخْرُج عن حوزتهم.

و ﴿ والد ﴾ وقع منكراً فهو تنكيرَ تعظيم إذ لا يحتمل غير ذلك في سياق القسم.

فتعين أن يكون المرادَ والداً عظيماً، والراجح عمل والد على المعنى الحقيقي بقرينة قوله ﴿ وما ولد ﴾ .

والذي يناسب القسم بهذا البلد أن يكون المراد ب ﴿ والد ﴾ إبراهيمَ عليه السلام فإنه الذي اتخذ ذلك البلد لإقامة ولده إسماعيل وزوجه هاجَر قال تعالى: ﴿ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ﴾ [إبراهيم: 35] ثم قال: ﴿ ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ﴾ [إبراهيم: 37].

وإبراهيم والد سُكان ذلك البلد الأصليين قال تعالى: ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ [الحج: 78]، ولأنه والد محمد صلى الله عليه وسلم و ﴿ ما وَلد ﴾ موصول وصلة والضمير المستتر في ﴿ ولد ﴾ عائد إلى ﴿ والد ﴾ .

والمقصود: وما ولده إبراهيم من الأبناء والذرية.

وذلك مخصوص بالذين اقتفوا هديه فيشمل محمداً صلى الله عليه وسلم وفي هذا تعريض بالتنبيه للمشركين من ذرية إبراهيم بأنهم حادُوا عن طريقة أبيهم من التوحيد والصلاح والدعوة إلى الحق وعِمارَةِ المسجد الحرام قال تعالى: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 68].

وجيء باسم الموصول ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ وما ولد ﴾ دون (مَن) مع أن (مَن) أكثرُ استعمالاً في إرادة العاقل وهو مراد هنا، فعُدل عن (مَن) لأن ﴿ ما ﴾ أشدُّ إبهاماً، فأريد تفخيم أصحاب هذه الصلة فجيء لهم بالموصول الشديد الإِبهام لإرادة التفخيم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ واللَّه أعلم بما وضعت ﴾ [آل عمران: 36] يعني مولوداً عجيبَ الشأن.

ويوضِّح هذا أن ﴿ ما ﴾ تستعمل نَكرة تامة باتفاق، و(مَن) لا تستعمل نكرة تامة إلا عند الفارسي.

ولان قوة الإِبهام في ﴿ ما ﴾ أنسب بإرادة الجماعة دون واحِدٍ معين، ألا ترى إلى قول الحَكَم الأصم الفَزاري: اللُّؤْم أكرم من وَبْرٍ ووالدهِ *** واللؤْمُ أكرمُ من وَبْر ومَا ولَدَا يريد ومِن أولاده لا ولداً معيّناً.

وجملة: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد ﴾ جواب القسم وهو الغرض من السورة.

والإِنسان يجوز أن يراد به الجنس وهو الأظهر وقولُ جمهور المفسرين، فالتعريف فيه تعريف الجنس، ويكون المراد به خصوص أهل الشرك لأن قوله: ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ﴾ [البلد: 5] إلى آخر الآيات لا يليق إلا بأحوال غير المؤمنين، فالعموم عموم عرفي، أي الإنسان في عُرف الناس يومئذ، ولم يكن المسلمون إلا نفراً قليلاً ولذلك كثر في القرآن إطلاق الإِنسان مراداً به الكافرون من الناس.

ويجوز أن يراد به إنسان معيّن، فالتعريف تعريف العهد، فعن الكلبي أنه أبو الأشدّ ويقال: أبو الأشَدّيْن واسمه أُسَيْد بن كَلْدَةَ الجُمَحِي كان معروفاً بالقوّة والشدة يجعل الأديم العُكَاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني فله كذا.

فيجذبه عشرةُ رجال حتى يمزَّق الأديم ولا تزول قدماه، وكان شديد الكفر والعداوة للنبيء صلى الله عليه وسلم فنزل فيه: ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ﴾ [البلد: 5] وقيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: هو أبو جهل.

وعن مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، زعم أنه أنفق مالاً على إفساد أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: هو عمرو بن عبد ودّ الذي اقتحم الخندق في يوم الأحزاب ليدخل المدينة فقتله علي بن أبي طالب خلْف الخندق.

وليس لهذه الأقوال شاهد من النقل الصحيح ولا يلائمها القَسَم ولا السياق.

والخلق: إيجاد ما لم يكن موجوداً، ويطلق على إيجاد حالة لها أثر قويّ في الذات كقوله تعالى: ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ [الزمر: 6] وقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ﴾ [المائدة: 110].

فهو جعل يغير ذات الشيء.

والكَبَد بفتحتين: التعب والشدة، وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكَبَد، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسِّر به الكَبَد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحِه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار، حتى كأنَّهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التِئامُه، ويَحِق وِءَامُه.

وقد غضُّوا النظر عن موقع فِعل ﴿ خلقنا ﴾ على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل ﴿ خلقنا ﴾ كمعذرة للإِنسان الكافر في ملازمة الكَبد له إذ هو مخلوق فيه.

وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة.

واضطرابُ رأيهم في الجمع بين ادعاء الشركاء لله تعالى وبين توجّههم إلى الله بطلب الرزق وبطلب النجاة إذا أصابهم ضر.

ومن إحالتهم البعث بعد الموت مع اعترافهم بالخلق الأول فقوله: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد ﴾ دليل مقصوداً وحده بل هو توطئة لقوله: ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ﴾ [البلد: 5].

والمقصود إثبات إعادة خلق الإِنسان بعد الموت للبعثثِ والجزاء الذي أنكروه وابتدأهم القرآن بإثباته في سُور كثيرة من السور الأولى.

فوزان هذا التمهيد وزان التمهيد بقوله: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ [التين: 4، 5] بعد القسم بقوله: ﴿ التين والزيتون ﴾ [التين: 1] الخ.

فمعنى: ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه ﴾ [البلد: 5]: أيحسب أن لن نقدر عليه بعد اضمحلال جسده فنعيده خلقاً آخر، فهو في طريقة القسم والمُقسم عليه بقوله تعالى: ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ إلى قوله: ﴿ أيحسب الإنسان أَلَّن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ [القيامة: 1 4].

أي كما خلقناه أول مرة في نَصَب من أطوار الحياة كذلك نخلقه خلقاً ثانياً في كَبدٍ من العذاب في الآخرة لكفره.

وبذلك يظهر موقع إدماج قوله ﴿ في كبد ﴾ لأن المقصود التنظير بين الخلْقين الأول والثاني في أنهما من مقدور الله تعالى.

والظرفية من قوله: ﴿ في كبد ﴾ مستعملة مجازاً في الملازمة فكأنه مظروف في الكَبَد، ونظيره قوله: ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ [سبأ: 8، 9] الآية.

فالمراد: عذاب الدنيا، وهو مشقة اضطراب البال في التكذيب واختلاققِ المعاذير والحيرة من الأمر على أحد التفسيرين لتلك الآية.

فالمعنى: أن الكَبَد ملازم للمشرك من حين اتصافه بالإِشراك وهو حين تقوُّم العقل وكماللِ الإدراك.

ومن الجائز أن يجعل قوله: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد ﴾ من قبيل القلب المقبول لتضمنه اعتباراً لطيفاً وهو شدة تلبّس الكَبد بالإِنسان المشرك حتى كأنه خُلِق في الكَبَد.

والمعنى: لقد خلقنا الكَبَد في الإنسان الكافر.

وللمفسرين تأويلات أخرى في معنى الآية لا يساعد عليها السياق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ البَلَدِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ ﴾ ومَعْناهُ عَلى أصَحِّ الوُجُوهِ: أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ، وفي (اَلْبَلَدِ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَكَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الحَرَمُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَلَّ لَكَ ما صَنَعْتَهُ في هَذا البَلَدِ مِن قِتالٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنْتَ مُحِلٌّ في هَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِكَ عامَ الفَتْحِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.

الثّالِثُ: أنْ يَسْتَحِلَّ المُشْرِكُونَ فِيهِ حُرْمَتَكَ وحُرْمَةَ مَنِ اتَّبَعَكَ تَوْبِيخًا لِلْمُشْرِكِينَ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: وأنْتَ حالٌّ أيْ نازِلٌ في هَذا البَلَدِ، لِأنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ وهو بِمَكَّةَ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِ الإحْرامُ ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في القِتالِ، وكانَتْ حُرْمَةُ مَكَّةَ فِيها أعْظَمَ، والقَسَمُ بِها أفْخَمَ.

﴿ وَوالِدٍ وما ولَدَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّ الوالِدَ إبْراهِيمُ وما ولَدَ، قالَهُ أبُو عُمْرانَ الجُونِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّ الوالِدَ هو الَّذِي يَلِدُ، وما ولَدَ هو العاقِرُ الَّذِي لا يَلِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّ الوالِدَ العاقِرُ، وما ولَدَ الَّتِي تَلِدُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ الوالِدَ النَّبِيُّ  ، لِتَقَدُّمَ ذِكْرِهِ، وما ولَدَ أُمَّتُهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «إنَّما أنا لَكم مِثْلُ الوالِدِ أُعَلِّمُكم»، فَأقْسَمَ بِهِ وبِأُمَّتِهِ بَعْدَ أنْ أقْسَمَ بِبَلَدِهِ مُبالَغَةً في تَشْرِيفِهِ.

﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ ﴾ إلى ها هُنا انْتَهى القَسَمُ وهَذا جَوابُهُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ فِي كَبَدٍ ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في انْتِصابٍ في بَطْنِ أُمِّهِ وبَعْدَ وِلادَتِهِ، خَصَّ الإنْسانَ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا، ولَمْ يَخْلُقْ غَيْرَهُ مِنَ الحَيَوانِ مُنْتَصِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: في اعْتِدالٍ، لِما بَيَّنَهُ بَعْدُ مِن قَوْلِهِ ﴿ ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾ الآياتِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: يَعْنِي مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، يَتَكَبَّدُ في الخَلْقِ مَأْخُوذٌ مِن تَكَبُّدِ الدَّمِ وهو غِلَظُهُ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ الكَبِدِ لِأنَّهُ دَمٌ قَدْ غَلُظَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الرّابِعُ: في شِدَّةٍ لِأنَّها حَمَلَتْهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المُكابَدَةِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ.

رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

الخامِسُ: لِأنَّهُ يُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا وشَدائِدَ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّادِسُ: لِأنَّهُ خَلَقَ آدَمَ في كَبِدِ السَّماءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

السّابِعُ: لِأنَّهُ يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ ذُو نُفُورٍ وحَمِيَّةٍ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ كَبِدٌ، إذا كانَ شَدِيدَ النُّفُورِ والحَمِيَّةِ.

وَفِيمَن أُرِيدَ بِالإنْسانِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَمِيعُ النّاسِ.

الثّانِي: الكافِرُ يُكابِدُ شُبَهاتٍ.

﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَهُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ بِأخْذِ مالِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يُذِلَّهُ أحَدٌ، لِأنَّ القُدْرَةَ عَلَيْهِ ذُلٌّ لَهُ.

﴿ يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي كَثِيرًا.

الثّانِي: مَجْتَمِعًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ سُمِّي اللِّبْدُ لِاجْتِماعِهِ وتَلْبِيدِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَعْنِي مالًا قَدِيمًا، لِاشْتِقاقِهِ مِنَ الأبَدِ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ في قِدَمِهِ مِن عَهْدِ لُبَدَ، لِأنَّ العَرَبَ تَضْرِبُ المَثَلَ في القِدَمِ بِلُبَدَ، وذَكَرَ قِدَمَهِ لِطُولِ بَقائِهِ وشِدَّةِ ضَنِّهِ بِهِ.

وَقِيلَ إنَّ هَذا القائِلَ أبُو الشَّدِّ الجُمَحِيُّ، أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ  والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وقِيلَ بَلْ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ.

وَهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْتِطالَةً بِما أنْفَقَ فَيَكُونُ طُغْيانًا مِنهُ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ أسَفًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ نَدَمًا مِنهُ.

﴿ أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ لَمْ يَرَهُ اللَّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ فِيما أنْفَقَهُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أيَحْسَبُ إنْ لَمْ يُظْهِرْ ما فَعَلَهُ أنْ لا يُؤاخِذَ بِهِ، عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ، قَدْ رَأيْتُ ما صَنَعْتَ، تَهْدِيدًا لَهُ فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ وعِيدًا، وعَلى ما تَقَدَّمَ تَكْذِيبًا.

﴿ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ فِيهِما أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والحَسَنُ.

الثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: سَبِيلُ الشَّقاءِ والسَّعادَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: الثَّدْيَيْنِ لِيَتَغَذّى بِهِما، قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ.

قالَ قُطْرُبٌ: والنَّجْدُ هو الطَّرِيقُ المُرْتَفِعُ، فَأرْضُ نَجْدٍ هي المُرْتَفِعَةُ، وأرْضُ تِهامَةَ هي المُنْخَفِضَةُ.

وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ خامِسًا: أنَّهُما الجَنَّةُ والنّارُ، لِارْتِفاعِهِما عَنِ الأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ قال: مكة ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ يعني بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل يومئذ ابن خطل صبراً، وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فيها حراماً بحرمة الله، فأحل الله له ما صنع بأهل مكة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ قال: مكة ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل به، وأما غيرك فلا.

وأخرج ابن مردويه عن أبي بزرة الأسلمي رضي الله عنه قال: فيَّ نزلت هذه الآية ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ خرجت فوجدت عبد الله بن خطل متعلقاً بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: «لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة أخذ أبو برزة الأسلمي وهو سعيد بن حرب عبد الله بن خطل وهو الذي كانت قريش تسميه ذا القلبين، فأنزل الله: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ [ الأحزاب: 4] ، فقدمه أبو برزة فضربت عنقه وهو متعلق بأستار الكعبة، فأنزل الله فيها ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ وإنما كان ذلك لأنه قال لقريش: أنا أعلم لكم علم محمد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحب أن تستكتبني قال: فاكتب فكان إذا أملى عليه من القرآن، وكان الله عليماً حكيماً كتب، وكان الله حكيماً عليماً، وإذا أملى عليه وكان الله غفوراً رحيماً كتب وكان الله رحيماً غفوراً.

ثم يقول: يا رسول الله اقرأ عليك ما كتبت.

فيقول: نعم، فإذا قرأ عليه وكان الله عليماً حكيماً أو رحيماً غفوراً قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هكذا أمليت عليك، وإن الله لكذلك إنه لغفور رحيم، وإنه لرحيم غفور.

فرجع إلى قريش فقال: ليس آمره بشيء كنت آخذ به، فينصرف فلم يؤمنه، فكان أحد الأربعة الذين لم يؤمنهم النبي صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لا أقسم ﴾ قال: لا رداً عليهم ﴿ أقسم بهذا البلد ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ يعني مكة ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول: أنت في حل مما صنعت فيه.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ يقول: لا تؤاخذ بما عملت فيه وليس عليك فيه ما على الناس.

وأخرج عبد بن حميد عن منصور قال: سأل رجل مجاهداً عن هذه الآية ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: لا أدري، ثم فسرها لي فقال: ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ الحرام ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ الحرام، أحل الله له ساعة من النهار قيل له ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ قال: مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ قال: مكة ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: أحلت له ساعة من نهار.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ قال: مكة ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: أنت به غير حرج ولا آثم.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: أحلت مكة للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ثم حرمت إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: أحلها الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار يوم الفتح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يقول: أنت حل بالحرم فاقتل إن شئت أو دع.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لبشر إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، ولا يختلي خلاها، ولا يعضد عضاهها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمعرف.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: لم يكن بها أحد حلاً غير النبي صلى الله عليه وسلم كل من كان بها حرام لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها، ولا يستحلوا حرمه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن شرحبيل بن سعد ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: يحرمون أن يقتلوا بها الصيد ويعضدوا بها شجرة ويستحلون اخراجك وقتلك.

وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: أحل له أن يصنع فيه ما شاء ﴿ ووالد وما ولد ﴾ يعني بالوالد آدم ﴿ وما ولد ﴾ ولده.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ ووالد وما ولد ﴾ قال: الوالد الذي يلد ﴿ وما ولد ﴾ العاقر الذي لا يلد من الرجال والنساء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني ﴿ ووالد وما ولد ﴾ قال: إبراهيم وما ولد.

وأخرج ابن جرير والطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ قال: مكة ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ قال: مكة ﴿ ووالد وما ولد ﴾ قال: آدم ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: في اعتدال وانتصاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ووالد وما ولد ﴾ قال: آدم وما ولد ﴿ لقد خلقنا الإِنسان ﴾ قال: وقع هاهنا القسم ﴿ في كبد ﴾ قال: في مشقة يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة ﴿ يقول أهلكت مالاً لبداً ﴾ قال: كثيراً.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ووالد وما ولد ﴾ قال: الوالد آدم ﴿ وما ولد ﴾ ولده ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: في شدة ﴿ يقول أهلكت مالاً لبداً ﴾ قال: كثيراً ﴿ أيحسب أن لم يره أحد ﴾ قال: لم يقدر عليه أحد.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ ووالد وما ولد ﴾ قال: آدم ﴿ وما ولد ﴾ ، ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ في نصب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: في شدة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق عطاء عن ابن عباس ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: في شدة خلق في ولادته ونبت أسنانه وسوره ومعيشته وختانه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم عن ابن عباس ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: خلق الله الإِنسان منتصباً، وخلق كل شيء يمشي على أربع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: منتصب في بطن أمه.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: منتصباً في بطن أمه أنه قد وكل به ملك إذا نامت الأمر أو اضطجعت رفع رأسه لولا ذلك لغرق في الدم.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: في اعتدال واستقامة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول لبيد بن ربيعة: يا عين هلاّ بكيت اربد إذ ** قمنا وقام الخصوم في كبد وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم رضي الله عنه، أحسبه عن عبد الله ﴿ في كبد ﴾ قال: منتصباً.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

وأخرج ابن المبارك عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: لا أعلم خليقة يكابد من الأمر ما يكابد هذا الإِنسان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ لقد خلقنا الإِنسان في كبد ﴾ قال: يكابد أمور الدنيا وأمور الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ في كبد ﴾ قال: شدة وطول.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم رضي الله عنه ﴿ في كبد ﴾ قال: في السماء خلق آدم.

وأخرج أبو يعلى والبغوي وابن مردويه عن رجل من بني عامر رضي الله عنه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقرأ ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد أيحسب أن لم يره أحد ﴾ يعني بفتح السين من يحسب.

وأخرج ابن المنذر عن السدي رضي الله عنه ﴿ أيحسب أن لن يقدر ﴾ الآية، قال: الكافر يحسب أن لن يقدر الله عليه ولم يره.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مالاً لبداً ﴾ قال: كثيراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أهلكت مالاً لبداً ﴾ قال: أنفقت مالاً في الصد عن سبيل الله ﴿ أيحسب أن لم يره أحد ﴾ قال: الأحد: الله عز وجل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ يقول أهلكت مالاً لبداً ﴾ قال: أيمن علينا فما فضلناه أفضل ﴿ ألم نجعل له عينين ﴾ وكذا وكذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ألم نجعل له عينين ﴾ قال: نعم من الله متظاهرة يقررنا بها كيما نشكر.

وأخرج ابن عساكر عن مكحول رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعماً عظاماً لا تحصي عدها، ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، فإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لساناً وجعلت له غلافاً فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك، وجعلت لك فرجاً وجعلت لك ستراً فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك.

ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تستطيع انتقامي» .

أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ قال: سبيل الخير والشر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ قال: عرفناه سبيل الخير والشر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وهديناه النجدين ﴾ قال: الهدى والضلالة.

وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب رضي الله عنه مثله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن علي رضي الله عنه أنه قيل له: إن ناساً يقولون: إن النجدين الثديين.

قال: الخير والشر.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك رضي الله عنهما مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سنان بن سعيد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه من طرق عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أيها الناس إنما هما نجدان نجد الخير ونجد الشر فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب من نجد الخير» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكر مثله.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما هما نجدان نجد الخير ونجد الشر، فلا يكن نجد الشر أحب إلى أحدكم من نجد الخير» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ قال: الثديين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام (١) (١) وممن حكى الإجماع على أن المراد بالبلد هي مكة: ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 483، والفخر في: "التفسير الكبير" 31/ 180، والقرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 60، والخازن في: "لباب التأويل" 4/ 379، والشوكاني في: "فتح القدير" 5/ 442.

ولم يذكر الطبري في الآية اختلافًا.

"جامع البيان" 30/ 193.

والمفسرون على أنه قسم بالبلد الحرام، قال بذلك: قتادة، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن زيد، وسعيد بن جبير، وأبو صالح، وعطية.

"جامع البيان" 30/ 193، "الدر المنثور" 8/ 518.

وانظر أيضًا: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 327، و"بحر العلوم" 3/ 479، و"الكشف والبيان" 13/ 95 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 488، و"زاد المسير" 8/ 250، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 546.

وهناك من شذ فقال: إنها مدنية، وهو قول الواسطي، قال القرطبي: والأول أصح؛ لأن السورة نزلت بمكة باتفاق.

"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 60، وقال الشوكاني: وهو مع كونه خلاف إجماع المفسرين، هو أيضًا مدفوع بكون == السورة مكية لا مدنية.

"فتح القدير" 5/ 442.

وعليه ما ذكر من الإجماع فصحيح، ولا عبرة فيمن شذ، وقد رد من الأئمة.

والله أعلم.

وقد ذكر الماوردي أن البلد الحرام مكة، وساق قولًا آخر، وهو أنه الحرم كله.

الماوردي 6/ 274.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد ﴾ أراد مكة باتفاق، وأقسم بها تشريفاً لها ولا زائدة ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ﴾ هذه جملة اعتراض بين القسم وما بعده وفي معناها ثلاثة أقوال: أحدها أن المعنى أنت حال بهذا البلد أي ساكن، لأن السورة نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة، والآخر أن معنى حِلّ تستحل حرمتك ويؤذيك الكفار مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر ولا قطع شجر، وعلى هذا قيل: لا أقسم يعني لا أقسم بهذا البلد وأنت تحلقك فيه إذاية.

الثالث أن معنى حل حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتالك الكفار وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا البلد حرام حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار يعني يوم فتح مكة، وفي ذلك اليوم أمر عليه الصلاة والسلام بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة» ، فإن قيل: إن السورة مكية وفتح مكة كان عام ثمانية من الهجرة؟

فالجواب: أن هذا وعد بفتح مكة كما تقول لمن تعده بالكرامة: أنت مكرم يعني فيما يستقبل، وقيل: إن السورة على هذا مدنية نزلت يوم الفتح، وهذا ضعيف ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه أراد آدم وجميع ولده، الثاني: نوح وولده، الثالث إبراهيم وولده، الرابع سيدنا محمد عليه الصلاة السلام وولده، الخامس جنس كل والد ومولود وإما قال: وما ولد ولم يقل ومن ولد: إشارة إلى تعظيم المولود كقوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ [آل عمران: 36] قاله الزمخشري ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ ﴾ أي يكابد المشقات من هموم الدنيا والآخرة، قال بعضهم: لا يكابد أحد من المخلوقات ما يكابد ابن آدم، وأصل الكبد من قولك كبد الرجل فهو أكبد إذا وجعت كبده وقيل: معنى في كبد واقفاً منتصب القامة.

وهذا ضعيف.

والإنسان على هذين القولين جنس، وقيل: الإنسان آدم عليه السلام، ومعنى في كبد على هذا في السماء وهذا ضعيف والأول هو الصحيح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ لبداً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ فك رقبة أو إطعام ﴾ على صيغة الفعلين ونصب ﴿ رقية ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وعليّ.

الباقون: على المصدرين فأضافوا الأول ونونوا الثاني أي هي الفك أو الإطعام ﴿ مؤصدة ﴾ بالهمز: أبو عمرو ويعقوب وحمزة وخلف وحفص والمفضل.

الوقوف: ﴿ البلد ﴾ ه لا ﴿ البلد ﴾ ه ك ﴿ ولد ﴾ ه ك ﴿ كبد ﴾ ه ط ﴿ أحد ﴾ م ه لئلا يوهم أن ما بعده صفة ﴿ لبداً ﴾ ط ﴿ أحد ﴾ ه ك ﴿ عينين ﴾ ه لا ﴿ وشفتين ﴾ ه ك ﴿ النجدين ﴾ ج ه للنفي مع الفاء ﴿ العقبة ﴾ ه ز ﴿ العقبة ﴾ ه ط ﴿ رقبة ﴾ ه لا ﴿ مسغبة ﴾ ه ط ﴿ مقربة ﴾ ه ك ﴿ متربة ﴾ ه ط لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ بالمرحمة ﴾ ه ك ﴿ الميمنة ﴾ ه ط ﴿ المشأمة ﴾ ه ط ﴿ مؤصدة ﴾ ه.

التفسير: إنه  قرر في هذه السورة وفي أكثر ما يتلوها من السور مراتب النفوس الإنسانية وأحوالها في السعادة وضدّها، فأكد ذلك بالإقسام بالبلد الحرام وهو مكة التي جعلها الله  منشأ كل بركة وخير.

وقوله ﴿ وأنت حلّ بهذا البلد ﴾ اعتراض بين القسمين كأنه  عظم مكة من جهة أنه  حلّ بها وأقام فيها.

وقيل: الحل بمعنى الحلال كأنه  عجب من اعتقاد أهل مكة كيف يؤذون أشراف الخلق في موضع محرم.

عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيداً ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك.

وقال قتادة: أنت حلّ أي لست بأثيم وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت كما في الحديث " "ولم تحل لي إلا ساعة من نهار" .

فأن كانت السورة مكية أو مدنية قبل الفتح فقوله ﴿ حل ﴾ بمعنى الاستقبال نحو ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ وكثيراً ما تبرز الأفعال المستقبلة في القرآن في صيغ الماضي لتحقق الوقوع، وإن كان حال الفتح أو بعده فظاهر.

وعلى الأول يكون فيه إخبار بالغيب وقد يسر الله له فتح مكة كما وعد فيكون معجزاً.

أما الوالد والولد فقيل: آدم وذرّيته لكرامتهم على الله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ وقيل كل والد ومولود.

وقد يخص الإقسام بالصالحين لأن غير الصالحين لا حرمة لهم ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ والأكثرون على أن الوالد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام والولد محمد  كأنه أقسم ببلده ثم بوالده ثم به والتنكير للتعظيم.

وإنما لم يقل ومن ولد للفائدة المذكورة في قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت  ﴾ أي بشيء وضعته وهو مولود عجيب الشأن.

والكبد المشقة والتعب كقوله ﴿ إنك كادح إلى ربك كدحاً  ﴾ وأصله من كبد الرجل بالكسر كبداً بالفتح فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت.

ولا تخفى الشدائد الواردة على الإنسان من وقت احتباسه في الرحم إلى انفصاله ثم إلى زمان رضاعه ثم إلى بلوغه ثم ورود طوارق السراء وبوارق الضراء وعلائق التكاليف وعوائق التمدن والتعيش عليه إلى الموت.

ثم إلى البعث من المساءلة وظلمة القبر ووحشته، ثم إلى الاستقرار في الجنة والنار من الحساب والعتاب والحيرة والحسرة والوقوف بين يدي الجبار، اللهم سهل علينا هذه الشدائد بفضلك يا كريم ووفقنا للعمل بما يستعقب الخلاص منها إلى النعيم المقيم.

وقيل: الكبد مرض القلب وفساد العقيدة والمراد به الذين علم الله من حالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: الكبد هو الاستواء والاستقامة أي خلقناه منتصب القامة.

وقيل: الكبد الشدة والغلظ ثم اشتق منه اسم العضو لأنه دم غليظ.

وقد يخص الإنسان على هذا التفسير بشخص واحد من جمح يكنى أبا الأشدين، كان يجعل تحت قدميه الأديم ثم يمدّ من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه ويعضد هذا التفسير قوله ﴿ أيحسب ﴾ يعني ذلك الإنسان الشديد.

وعلى الأول معناه لن يقدر على بعثه ومجازاته أو على تغيير أحواله وأطواره ﴿ يقول أهلكت ما لا لبداً ﴾ أي كثيراً بعضه فوق بعض وهو جمع لبدة بالضم لما يلبد قاله الفراء.

وعن الزجاج أنه مفرد والبناء للمبالغة والكثرة.

يقال: رجل حطم إذا كان كثير الحطم.

ومن قرأ بالتشديد فهو جمع لا بد يريده كثرة ما أنفقه في الجاهلية فوبخه على ذلك بقوله ﴿ أيحسب أن لم يره أحد ﴾ يعنى أنه  كان عالماً بقصده حين ينفق ما ينفق رياء وافتخاراً وحباً للانتساب إلى المكارم والمعالي أو معاداة على رسول الله  وقال قتادة: أيظن أن الله لم يره ولا يسأله عن ماله من أين كسبه وفي أي شيء أنفقه؟

وقال الكلبي: كان كاذباً ولم ينفق شيئاً فقال الله: أيزعم أن الله ما رأى ذلك منه ولو كان قد أنفق لعلم الله.

ثم دل على كمال قدرته مع إشارة إلى الاستعداد الفطري بقوله ﴿ ألم نجعل له عينين ﴾ يبصر بهما المصنوعات ﴿ ولساناً ﴾ يعبر به عما في ضميره ﴿ وشفتين ﴾ يستعين بهما على الإفصاح بالنطق ﴿ وهديناه النجدين ﴾ سبيلي الخير والشر كقوله ﴿ إنا هديناه السبيل إما شاكراً أو كفوراً  ﴾ هذا قول عامة المفسرين.

والنجد في اللغة المكان المرتفع جعل الدلائل لارتفاع شأنها وعلو مكانها كالطرق المرتفعة العالية التي لا تخفى على ذوي الأبصار.

وقال الحسن ﴿ يقول أهلكت ما لا لبداً ﴾ فمن الذي يحاسبني عليه؟

فقيل الذي قدر على أن خلق لك الأعضاء قادر على محاسبتك.

وعن ابن عباس وسعيد بن المسيب: هما الثديان لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه هدى الله الطفل الصغير حتى ارتضعهما، قال القفال: والتفسير هو الأول.

ثم قرر وجه الاستدلال به فقال: إن من قدر على أن خلق من الماء المنتن قلباً عقولاً ولساناً فؤولاً فهو على إهلاك ما خلق أقدر، فام الحجة في الكفر بالله مع تظاهر نعمه؟

وما العلة في التعزز على الله وأوليائه بالمال وإنفاقه وهو المعطي والممكن من الانتفاع؟

ثم عرف عباده وجوه الإنفاق الفاضلة تعريضاً بأن ذلك الكافر لم يكن إنفاقه في وجه مرضيّ معتدّ به لابتناء قبول الطاعات على الإيمان الذي هو أصل الخيرات.

والاقتحام الدخول بشدّة ولهذا يستعمل في الأخطار والأهوال.

والعقبة طريق الجبل؛ فعن ابن عمر: هي جبل زلال في جهنم.

وعن مجاهد والضحاك: هي الصراط يضرب على متن جهنم، وهو معنى قول الكلبي: عقبة بين الجنة والنار.

وزيف الواحدي وغيره هاتين الروايتين بأنه من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا العقبة بهذا المعنى، وبأن تفسير الله  العقبة عيبه ينافيه.

وعن الحسن: عقب والله شديدة إن هذا مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان.

قال النحويون: قلما توجد لا الداخلة على الماضي إلا مكررة كقوله ﴿ فلا صدّق ولا صلّى  ﴾ وتقول: لا خيبني ولا رزقني.

والقرآن أفصح الكلام فهو أولى برعاية هذه القاعدة.

والجواب أن القرآن حجة كافية ولو سلم فهي متكررة في المعنى.

قال الزجاج: ألا ترى أنه فسر العقبة بفك الرقبة والإطعام؟

فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً ولا سيما فيمن قرأ ﴿ فك ﴾ و ﴿ أطعم ﴾ على الإبدال من ﴿ اقتحم ﴾ وجعل ما بينهما اعتراضاً.

ويجوز أن يراد فلا اقتحم العقبة ولا آمن يدل عليه قوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ ومن قرأ ﴿ فك ﴾ ﴿ أو إطعام ﴾ على المصدرين فالفاعل محذوف وهو من خواص المصدر لا يجوز حذف الفاعل من غيره والتقدير: فك فاك رقبة أو إطعام مطعم يتيماً.

والمسغبة مصدر على " مفعلة " من سغب إذا جاع، وكذا المقربة من قرب في النسب.

والمتربة من ترب إذا افتقر والتصق بالتراب فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما يوطئه.

عن النبي  :هو الذي مأواه المزابل.

ووصف اليوم بذي مسغبة مجاز باعتبار صاحبه نحو " نهاره صائم".

وفك الرقبة تخليصها من رق أو غيره.

وفي الحديث "إن رجلاً قال لرسول الله  : دلني على عمل يدخلني الجنة.

فقال: تعتق النسمة وتفك الرقبة.

فقال: أوليسا سواء؟

قال: لا إعتاقها أن تتفرد بعتقها وفكها تخليصها من قود أو غرم" وقد استدل أبو حنيفة من تقدم العتق على أنه أفضل من الصدقة.

وعند بعضهم بالعكس لأن في الصدقة تخليص النفس من الإشراف على الهلاك فإن قوام البدن بالغذاء، وفي الفك تخليصها من القيد في الأغلب.

وأيضاً لعل الأمر في الأول أضيق.

ولا شك إن إطعام التيم القريب أفضل من اليتيم الأجنبي.

وقد يستدل للشافعي أن المسكين أحسن حالاً من الفقير وأنه قد يكون بحيث يملك شيئاً وإلا وقع قوله ﴿ ذا متربة ﴾ تكراراً.

وقال بعض أهل التأويل: فك الرقبة أن يعين المرء نفسه على إقامة الوظائف الشرعية ليتخلص بها عن النار.

وعندي هو أن يفك رقبته عن الكونين ليلزم عنه زوال الحرص المستتبع لمواساة النفس على الطعام والإيثار.

وفي قوله ﴿ ثم كان ﴾ وجوه أحدها: أن هذا التراخي في الذكر لا في وجود فإن الإيمان مقدّم على جميع الخصال المعتدّ بها شرعأً كقوله: إن من ساد ثم ساد أبوه *** ثم قد ساد قبل ذلك جده أي ثم إنه أذكر ساد أبوه: وثانيها التأويل بالعاقبة أي ثم كان في عاقبة أمره ممن يموت على الإيمان.

وثالثها أن الآية نزلت فيمن أتى بهذه الخصال قبل إيمانه بمحمد  ثم آمن به بعد مبعثه.

فعند بعضهم يثاب على تلك الطاعات يدل عليه ما روي أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال لرسول الله  : إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟

فقال  " أسلمت على ما قدّمت من الخير" ورابعها وهو أولى الوجوه عند أصحاب المعاني أن المراد تراخي الرتبة والفضيلة لأن ثواب الإيمان أكثر من ثواب العتق والصدقة.

وقد يوجه البيت المذكور على هذا بأن المراد ثم ساد أبوه مع ذلك ثم ساد جده مع ما ذكر، ولا ريب أن مجموع الأمرين أو الأمور أشرف من أن ساد هو بنفسه فقط.

وحين ذكر خصال الكمال عقبه بما يدل على التكميل قائلاً ﴿ تواصوا ﴾ أي أوصى بعضهم بعضاً ﴿ بالصبر ﴾ على التكاليف الشرعية وعلى البلايا والمحن التي قلما يخلوا المؤمن عنها ﴿ وتواصوا ﴾ ﴿ بالمرحمة ﴾ أي التعاطف والتراحم كما قال النبي  " لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا أخواناً متعاضدين" وفي الآية نكتة لطيفة وهي أنه  ذكر في باب الكمال أمرين: فك الرقبة والإطعام ثم الإيمان، وذكر في باب التكميل شيئين: التواصي بالصبر على الوظائف الدينية والتواصي بالتراحم، وكل من النوعين مشتمل على التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله إلا أنه في الأول قدّم جانب الخلق، وفي الثاني قدم جانب الحق.

ففي الأول إشارة إلى كامل رحمته ونهاية عنايته بالمخلوقات فإن رعاية مصالحهم عنده أهمّ، وفي الآخر رمز إلى حسن الأدب وتعليم للمكلفين أن يعرفوا ما هو الأقدم الأهمّ في نفس الأمر زادنا الله اطلاعاً على دقائق هذا الكتاب الكريم.

قوله ﴿ أصحاب الميمنة ﴾ و ﴿ أصحاب المشأمة ﴾ مر في أول الواقعة تفسيرهما.

قال أهل اللغة: أوصدت الباب وآصدته بالواو وبالهمز أي أطبقته وأغلقته.

قال مقاتل: فلا يخرج أحد منهما ولا يدخل روح فيها.

والإيصاد بالحقيقة صفة أبواب النار أي مؤصدة أبوابها فهو من الإسناد المجازي.

وقيل: أراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب نعوذ بالله منها.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ : اختلف في قوله: ﴿ لاَ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ لاَ ﴾ هاهنا في موضع الدفع والرد لمنازعة كانت بين قوم؛ فدفع الله -  - المنازعة من بينهم بقوله: ﴿ لاَ ﴾ ، وكانت تلك المنازعة معروفة فيما بينهم؛ فترك ذكرها لذلك، كما ذكر الجواب في بعض السور ولم يذكر السؤال؛ لما كان السؤال عندهم معروفا؛ فترك ذكره، وهو كقوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ﴾ ، وغير ذلك.

ومنهم من يقول بأن حرف ﴿ لاَ ﴾ مرة يستعمل في حق الصلة والتأكيد، ومرة في موضع النفي، [و]يظهر مراده بما يعقبه من الكلام: فإن كان الذي يعقبه إثباتا، فهو يحق التأكيد، وإن كان الذي يعقبه من الكلام نفيا فهو في موضع النفي.

ثم الذي عقبه من الكلام إثبات، وليس بنفي؛ فدل أنه في موضع التأكيد؛ فكأنه قال: لأقسم بهذا البلد، ثم كان حقه أن يقول: "لأقسمن بهذا اللبلد" بإثبات النون، كما يقال: "لأفعلن"، في اليمين، لكن نون التأكيد قد تذكر في موضع القسم، وقد لا تذكر، قال الله  : ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ قالوا: أريد بهذا البلد: مكة، فأقسم بها بما عظم شأنها بما سبق ذكرنا له، ولخاصة هي معظمة في أعين أهلها، ثم كان من عاد الكفرة القسم بكل ما يعظمونه؛ فعاملهم الله -  - من الوجه الذي جرت به العادة فيما بينهم؛ ليؤكد ما قصد إليه بالقسم؛ [فيزيل عنه] الشبه التي اعترضت لهم.

وقوله: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ ﴾ : نازلها من الحلول.

وقال بعضهم: وأنت حلال بهذا البلد، والحل والحلال لغتان.

فإن كان على هذا فالحل غير منصرف إلى نفسه؛ وإنما انصرف إلى ما أحل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون هو بنفسه حلالا أو حراما؛ فالحل والحرمة إذا أضيفا إلى من له الحل والحرمة فإنما يراد بالحل والحرمة الشيء الذي أحل له، والشيء الذي حرم عليه، لا أن يكمون الوصف راجعا إلى المضاف إليه، فإذا قيل: هذا محرم، أريد به أن الأشياء محرمة عليه؛ وإذا قيل: هذا حلال ليس بمحرم أريد به أن الأشياء له حلال، وإذا أضيفا إلى من لا يخاطب بالحل والحرمة، أريد بهما عين ذلك الشيء كقوله: هذا لحم حلال أ و صيد حلال، وهذا لحم حرام؛ فيريد أن ذلك اللحم حلال، وذلك الصيد حرام أو حلال.

ثم اختلفوا في الذي أحل له: فمنهم من صرفه إلى القتال، فقال بأنه أحل له القتال فيها، وذلك يوم فتح مكة.

ومنهم من قال بأنه أحل له الدخول فيها إذا جاء من الآفاق بغير إحرام، ولا يحل ذلك لغيره.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال: قال رسول الله  يوم فتح مكة: "إن مكة حرام، حرمها الله -  - يوم خلق السماوات والأرض والشمر والقمر، ووضع هذين الجبلين، لم تحل لاحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعتي هذه، هي حرام بحرام الله  إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاها، ويعضد شوكها ولا ينفر صيدها، ولا يرفع لقطتها، إلا من نشدها، فقال العباس -  -: إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنه لا غنى لأهل مكة عنه للقبر والبنيان؟

فقال -  -: إلا الإذخر" فبين رسول الله  أنها قد أحلت له ساعة منها.

والحل يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما.

وذكر أبو بكر الأصم أن رسول الله  كان يؤذيه أهل مكة؛ فيتأذى بهم؛ فيخرج من بين أظهرهم؛ فيحل له الصيد في ذلك الوقت.

ولكن لا يسع صرف التأويل إلى هذا؛ إذ لا يعرف مثل هذا إلا بالخبر والنقل.

ثم في قول رسول الله  على لسان العباس -  -: "إلا الإذخر" دلالة أن التحريم لم يكن منصرفا إليه، ويحتمل أن يكون التحريم شاملاً له، ثم استثناه بما ذكر العباس -  - من حاجه أهل مكة إليه؛ لما لم يكن بين ما ذكر من التحريم والتحليل كثير مدة يجري في مثلها النسخ، ولكن ترك بيان الحل إلى أن سأله العباس -  - ثم بين.

وهو دليل قول أصحابنا - رحمهم الله -: إن تأخير البيان جائز.

ثم قوله - عزو جل -: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون القسم منصرفا إلى نفسه؛ فأقسم به؛ لما عظم من أمره وشأنه؛ كأنه قال - عز وجل -: لا أقسم بهذا البلد وبا لذي هو حل بهذا البلد.

أو يكون منصرفا إلى مكة، ويكون قوله: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ خرج مخرج التعريف بمكة؛ لكونه فيها، أي: البلد الذي أنت نازل به، وحال به، أو حلال فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ : قال بعضهم: الولد هو آدم  ﴿ وَمَا وَلَدَ ﴾ : هم أولاده وذريته، ولكن آدم -  - وأولاده ليسوا بمخصوصين بالدخول تحت اسم الولد والوالد؛ بل ذلك فيهم، وفي جملة الروحانيين؛ فيكون القسم بالخلائق أجمع، ويكون ﴿ وَمَا ﴾ على هذا التأويل بمعنى "الذي".

ومنهم من جعل "ما": "ما" جحد؛ فقال: "وما ولد" أي: لا يلد وهو العاقر، فأقسم بالبشر جملة من يلد منهم ومن [لا] يلد، وأقسم بهم - أيضا - لما جعلهم مفضلين على كثير من الخلائق.

وقوله - عزو جل -: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ : قال بعضهم: الكبد: الانتصاب، أخبر [أنه] خلق الإنسان منتصبا، وخلق كل دابة منكبا.

وقال بعضهم: الكبد: الشدة والمعاناة.

وقال بعضهم: خلقه منتصبا في بطن أمه، ثم يقلب وقت الانفصال.

ولقائل أن يقول: أي حمكة في ذكر هذا وفي تأكيده بالقسم، وكل يعلم أنه خلق كذلك؟

فجوابه أن في ذكر هذا إبانة أنهم لم يخلقوا عبثا باطلا، بل خلقهم الله  ليمتحنهم ويأمرهم بالعبادة، كما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ .

فإن كان التأويل منصرفا إلى الشدة والمعاناة فتأويله: أنه خلقهم ليكابدوا المعاش والمعاد جميعا، وخلقهم للشدة؛ ليعبتروا ويتذكروا.

وإن كان منصرفا إلى الانتصاب، ففيه تعريف لعظم نعم الله -  - عليهم من غير أن كانوا مستوجبين لذلك؛ ليستأدي منهم الشكر بذلك.

وإن كان التأويل على ما ذكر أنه خلقه منتصبا في بطن أمه، ثم يقلب وقت الانفصال، ففيه أن الله -  - قادر على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء؛ لأنه لا يتهيأ لأحد أن يقلب أحداً، فيجعل أعلاه أسفله، إلا أن يجد مثله في المكان سعة، ثم إن الله -  - قلبه، فجعله أعلاه أسفله، إلا أن يجد مثله في المكان الضيق، فتبين لهم ألاَّ يعجزه شيء؛ فيحملهم ذلك على الإيمان بالبعث والنشور، والله أعلم.

ومعنى قوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ عندنا: لقد خلقنا الإنسان لما له يكابد، فإن كانت مكابدته في طاعة الله  ، وكان مؤثرا لها - فقد خلق للجنة، وإن كانت مكابدته في أمر الشيطان، فهو للنار خلق، وعلى هذا يخرج قوله -  -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ  ﴾ ، أي: ذرأ من يعلم أنه يؤثر طاعة الشيطان وعصيان الرحمن لجهنم، وذرأ من يعلم أنه يعبد الله ويوحده للعبادة بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ .

والأصل: أن الحكيم أبدا بقصد بفعله العاقبة إلا الذي ليست له معرفة بالعاقبة، فأما من عرف العاقبة فابتداء فعله يقع للتك العاقبة، فإن كانت عاقبته النار؛ فابتداء الخلق من الله -  - يقع لذلك الوجه، وإن كانت عاقبته الجنة فهو لذلك الوجه ما خلق؛ فعلى هذا يخرج تأويل قوله -  -: "السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه" وهو لا يوصف بالسعادة والشقاوة في ذلك الوقت؛ ولكن معناه أنه: إذا آثر الشقاوة في حالة الامتحان خلق كذلك، وإذا آثر السعادة فكذلك أيضا.

وقال نوح -  -: ﴿ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً  ﴾ ، وهم في وقت ما ولدوا غير موصوفين بواحد من الوصفين، بل يصيرون كذلك؛ فيتبين أنهم خلقوا لذلك؛ فموقع القسم على ما له يكابد، ليس على المكابدة نفسها؛ لأن المكابدة من الإنسان ظاهرة لا يحتاج إلى تأكيدها بالقسم.

وقولنا: إن المقصود من ابتداء الفعل العاقبة قول النبي  : "إذا أردت أمرا فدبر عاقبته، فإن كانت رشدا فأمضه، وأن كانت غيا فانته" وزعمت المعتزلة أن الله -  - لم يخلق أحدا من البشر إلا ليعبده، لولو كان الأمر على ما زعموا وظنوا، لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، أو وجب أن يكون الفعل خارجا مخرج الخطأ؛ لأن كل من صنع أمرا يريد غير الذي كون جاهلا بالعواقب، أو عابثا بالفعل؛ لأن من يبين لشيء يعلم أنه لا يكون، عد ذلك منه عبثا، ولو كان غير الذي يريده، وهو أن يبني ليسكن [فيه]، ثم ينقض قبل أن يسكن، كان الذي حمله على البناء جهله بالعواقب.

وجل الله -  - من أن يلحقه خطأ في التدبير أو جهل بالعواقب؛ فثبت بما ذكرنا أن الله -  - شاء لكل فريق ما علم الذي يكون منهم، وخلقهم لذلك الوجه دون أن يكون خلق الجملة للعبادة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾ : فالآية تحتمل وجهين: أحدهما: [أن] يكون حسب أن الله -  - لا يقدر على بعثه؛ فيكون قوله: ﴿ أَحَدٌ ﴾ هو الله  .

﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً ﴾ أي: جما: ﴿ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾ ، أي: أنفقت منه مقدار ما يخرج عن حد الإحصاء.

وقوله: ﴿ لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾ ، أي: لم يعلم أحد مبلغ ما أنفق من ذلك.

أو يكون قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾ ، أي: لم يعلم أتباعه الذين أنفق عليهم مقدار ما أنفق عليهم؛ فيكون في قوله -  -: ﴿ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً ﴾ إظهار منه لسخاوته وجوده، على الافتخار منه بذلك، وامتنانا منه على أتباعه، فإن كان على هذا فهو في أمر الدنيا، وقد علم الله القدر الذي أنفق عليهم، وعلمل الخلق سخاوته لا بقوله؛ فليس اشتغاله في إظهار الجود والامتنان إلا نوع من السفه، وكان الذي يحق عليه الاشتغال بالشكر لله -  - أو توجيه الحمد إليه؛ لما علم أن الذي أنعم به من المال الكثير من الله  ، وأن تلك المنقبة - وهي السخاوة - نالها بالله  ، وهذا كقوله -  -: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ  ﴾ ، أي: آباؤكم لم ينالوا ما تذكرون من الشرف والمناقب الحميدة إلا بالله -  - فاذكروه كذكركم آباءكم، وهذا النوع من الافتخار راجع إلى الخصائص من القوم لا إلى الجملة؛ إذ كل أحد يقول مثل ذلك: إنه أهلك مالا لبدا، وفعل كذاز وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ ﴾ : فإن كان قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾ على نفي القدرة على البعث، ففي ذكر العينين نفي تلك الشبهة، وهو أن الله -  - أنشأ له بصرا يرى بفتحة واحدة ما بين السماء والأرض، فمن بلغت قدرته هذا لا يعجزه شيء أو يخفى عليه أمر، فقوله: ﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴾ ، أي: ألم يخلق له عينين يدرك بهما المحسوسات بالنظر، وجعلنا لهما جفونا وأشفارا يدفع بهن القذى عن عينيه، ويغضمهما بهن عن النظر إلى ما لا يعنيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِسَاناً ﴾ اي: خلقنا له لسانا يحضر به ما غاب استتر.

وقوله: ﴿ وَشَفَتَيْنِ ﴾ ففي خلق الشفتين وجهان من الحكمة.

أحدهما: أنه جعلهما طبقا يستران قبح ما في فمه، ولولاهما لكان الناظر إليه وقت مضغه الطعام أو شيئا من الاشياء، استقذر ذلك منه.

وجعلهما طبقا للسانه؛ لئلا يمده، ويستعمله فيا لا يعنيه.

فذكرهم عظيم نعمه في خلق العينين واللسان والشفتين؛ لسيتأدي منهم الشكر، وليعلموا أن الذي بلغت قدرته هذا، ليس بالذي يعجزه شيء.

وقوله: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ ﴾ .

أي: بينا له ما عليه، وما له، وما يحمد عليه، وما يذم، وما يقبح ويجمل، والنجد: الطريق، فبين [للخلق] الطريقين جميعا: طريق الخير والشر، ومكنهم من الفعلين جمعيا.

وقال بعضهم: النجدان: الثديان، أي: هديناه الثديين في حالة الإرضاع.

ولكن التبيين والهداية لم ينصرف إلى هذا خصوصا، بل هذا من بعض ما هداه وبينه، فقد بين له غيره من الأمور، ولا قيد في اللفظ؛ فيحمل على الإطلاق والعموم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أقسم الله بالبلد الحرام الَّذي هو مكة المكرمة.

<div class="verse-tafsir" id="91.2j5Rx"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(لا أقسم) عبارة من عبارات القسم والتأكيد في لسانا لعرب، كما تقدم ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ  ﴾ في سورة "كورت"، و (البلد) المشار إليه هو مكة لان السورة مكية، ولما يدل عليه قوله: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ  ﴾ .

والحل: هو الحلال.

والخطاب للنبي  ، ومعنى كونه حلًا، أنه قد استحل لأهل مكة.

استحلوا إيذاءه وإعناته ومطاردته، واستباحوا منه حرمة الأمن في ذلك البلد الأمين حتى اضطروه إلى الهجرة.

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ  ﴾ عطف على هذا البلد داخل في المقسم به، والمراد منه: أي والد وأي مولود من الإنسان والحيوان والنبات، كما يرشد إليه التنكير، وكما هو مختار ابن جرير وجمع من المحققين: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ  ﴾ هذا هو الخبر المقصود تأكيده بالقسم المتقدم، والكبد: المشقة والتعب، قال لبيد: يا عين هل بكيت اربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد أي في شدة الأمر وعظم الخطب ومنه المكابدة لمقاساة الشدائد أقسم بمكة لتفخيم شأنها، وصرح بذكرها -على طريق الإشارة إليها مرتين- لزيادة التفخيم، وأتي بجملة (وأنت حل بهذا البلد) واعترض بها بين العاطف والمعطوف ليفيد إن مكة عظيم شانها جليل قدرها في جميع الأحوال، حتى في هذه الحالة التي لم يرع أهلها في معاملتك تلك الحرمة التي خصها الله بها.

وفي هذا من تنبيههم وإيقاظهم من غفلتهم وتقريعهم على ما حطوا من منزلة بلدهم ما فيه.

ثم اقسم بوالد وما ولد ليلفت نظرنا إلى رفعة قدر هذا الطور من أطوار الوجود -وهو طور التوالد- وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، والى ما يعاينه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ وإبلاغه حده من النمو المقدر له.

فإذا تصورت في النبات كم تعانى البذرة في أطوار النمو: من مقاومة فواعل الجو، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذورًا أخرى تعمل عملها، وتزين الوجود بجمال منظرها، أحضرت ذلك في ذهنك، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم، ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو اشد وأجسم.

انظر كيف أشار سبحانه في القسم إلى التمهيد إلى المقسم عليه، فكان القسم توكيدًا للخبر بصيغته، وتأكيدًا له وبرهانًا عليه بإشارته.

فإن الإنسان نوع من أنواع الوالد والمولود، فحق له إن يخلق في كبد وكد ونصب..

لا تغفل عن موضع قوله: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ  ﴾ .

فانه -مع ما فيه من تقريع المستحلين لحرمته  - يشتمل على بيان أن ما يصيبه من ذلك فهو من شان الإنسان، وقد قدر على كل مولود منه.

وفيه من تسليته  عن ذلك الإيذاء ما هو ظاهر، ثم إنه جمع بين البلد المعظم والوالد والولد -مع الاعتراض بتلك الجملة- ليشير إلى أن مكة على ما بها من عمل أهلها ستلد من الأمر العظيم ما يكون إكليلًا لمجد النوع الإنساني، وهو دين الإسلام الذي جاء به عليه  ، وأن العناء الذي يلاقيه من اختصه الله بوحيه إنما هو العناء الذي يصيب الوالد في تربية ولده، والمولود في بلوغ الغاية من سير نموه، وفيه من الوعد بإتمام نوره ما فيه.

ربما تقول: إن كون الإنسان مخلوقًا في كبد وتعب أمر مشهود وشيء معروف معهود، فما الحاجة إلى تأكيد الأخبار به؟

فنقول لك في الجواب: إن هذا الخبر إنما ورد لتسلية الناصب وحمله على الصبر -كما يدل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ - وتنبيه المغرور الجاهل.

أما الأول، فإنه إذا غلبه التعب، وقهرته المشقة في القصد الذي وجه عزيمته إليه، أحاطت به الآلام فيتمثل له بين عينيه شخص من شقائه يخيل له -وهو في حمي الضجر- إن هذا العدو يطارده وحده، فيتمنى أن يكون له حظ غيره ممن سبقه أو ممن هم معه.

فهو -على هذه الحالة- في اشد الحاجة إلى تأكيد الخبر بأن الإنسان في أي فرد من أفراده خلق في كبد، وإنما يتفاوت الناس فيما ينصبون له.

وطعم الموت في شيء حقير كطعم الموت في شيء عظيم وأما الثاني، فهو الذي يشعر بقوة في بدنه يستطيع أن يصارع بها الأقران، ويقارع بها الأنداد، أو يحس بعزة في سلطانه، ورفعة في مكانه وبسطة في جاهه، أو ينظر إلى ما لديه من وفرة المال وغزارة الغني، فيشمخ بأنفه، ويظن أنه واحد في صنفه، وأن الناس من دونه ليسوا منه إلا كما يكون العابد من معبوده، فكبيرهم يجب عنده إن يستذل، وصغيرهم يستعبد ويسترذل ويخيل له -في حاله هذه- أنه أعلى من أن تتناوله يد القدر، أو تدنو منه عادية الدهر.

فهذا المفتون بقوته، أو السكران بسلطته، أو المأخوذ بثروته في أشد ما يكون من الحاجة إلى تأكيد الخبر بأن الإنسان خلق في كبد، فإذا رجع إلى نفسه ورأي انه في عناء من تصريف قواه في عمله، بل وفي أكله وشربه وحماية أهله في سربه، تمثلت له الحقيقة من ضعفه، ورجع إلى الحق إذا ذكر به من أهله.

ولما كان هذا القسم الأخير -وهو قسم المفتونين بما أصابوا من النعم- هو الأجدر بأن يقصد بالخطاب، ويعنى بالتذكير، قال الله عقب الخبر: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ  ﴾ ، أي أيظن -مع ما هو فيه من العناء من ميلاده إلى ساعة عناده- أنه قد بلغ من القوة أو العزة أو المنعة إلى حيث لا يقدر عليه، فالضمير في (أيحسب) عائد على الإنسان باعتبار تحققه في بعض أفراده من هذا الصنف الذي ذكرناه.

ما أجهله لو ظن!!

فإن الذي ينشأ في وجوده ضعيفًا، يحتاج في أصغر أمره إلى المعين، وتملك ناصيته تلك اليد التي أنشأته، وتأخذه تلك القدرة التي أبدعته.

(يقول) أي الإنسان (أهلكت) أي أنفقت (مالًا لبدًا) أي كثيرًا، أعاد الضمير على الإنسان باعتبار صنف أخر من أفراده، وهم أولئك الأغنياء البخلاء المراءون الذين يكنزون أموالهم ولا ينفقونها إلا على شهواتهم وفي توفير لذاتهم، ثم إذا حملوا على عمل من أعمال الخير قالوا أننا ننفق كثيرًا من أموالنا في أعمال غير التي تدعوننا إليها.

أفيحسب هؤلاء الأغنياء أن لم يرهم احد، وأن سرائرهم تخفى على المتصرف في ضمائرهم؟

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ  ﴾ فهو إذا أبصر فإنما يبصر بنعمتنا عليه فيهما ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ  ﴾ فهو إذا تكلم فإنما يتكلم بما وهبناه من لدنا؟

حتى قوله الذي يرائي فيه إذ يقول أهلكت مالًا لبدًا.

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ : النجد مشهور في الطريق المرتفعة.

والمراد بهما هنا طريقا الخير والشر، وإنما سماهما نجدين ليشير إلى أن في كل منهما وعورة وصعوبة مسلك، فليس الشر بأهون من الخير كما يظن، وإلى أنهما واضحان جليان لا يخفي واحد منهما على سالك، إلا أودعنا في فطرته التمييز بين الخير والشر، وأقمنا له من وجدانه وعقله أعلامًا تدله عليهما، ثم وهبناه الاختيار..

فإليه أن يختار أي الطريقين شاء.

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى ما ترمي إليه هذه الآية من إن الله تعالى لم يجعل الشر أحب إلى أنفسنا من الخير-كما يزعمه بعض أهل النظر في الأخلاق الإنسانية- فالذي وهب الإنسان هذه الآلات، وأودع باطنه تلك القوى، لا يمكن للإنسان أن يفلت من قدرته، ولا يجوز أن يخفي عليه شيء من سريرته.

اقتحم الأمر: دخل فيه بشدة.

والعقبة: الطريق الوعرة في الجبل يصعب سلوكها.

لكن الله تعالى فسر لنا المراد بالعقبة هنا حيث قال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ  ﴾ إلخ فأراد منها الطريق التي يصعب سلوكها إلى حيث تنال سعادة الدنيا والآخرة، وإنما كانت صعبة السلوك لمعارضة الهوى، ومغالبة الشهوة لسالكها.

وفك الرقبة: عتقها، أو المعاونة عليه.

وقد ورد في فضل العتق ما بلغ معناه حد التواتر، فضلًا عما ورد في الكتاب، وهو يرشد إلى ميل الإسلام إلى الحرية وجفوته للأسر والعبودية.

والمسغبة: المجاعة، والسغب: هو الجوع.

وفسره أبو حيان بالجوع العام.

والمقربة: القرابة في النسب.

يقال هو ذو قرابتي وذو مقربتي، بمعنى إن نسبي يتصل بنسبه.

والمسكين ذو المتربة: هو الفقير الشديد الفقر اللاصق بالتراب.

يقال: ترب، أي افتقر، ويقال: فقر مدقع أو فقير مدقع، بمعني لاصق بالدقعاء، وهي التراب.

والذين تواصوا بالصبر، هم الصابرون على ما يصيبهم وعما يفوتهم في سبيل الله، الذين -مع صبرهم- ينصح بعضهم بعضًا بالتزام الصبر، فهم صابرون وأعوان لإخوانهم على الصبر.

والرحمة: وجدان الرحمة بالناس مع ظهور أثر ذلك في مسامحتهم وفي معاونة المحتاجين منهم.

بعد أن اخبر الله جل شأنه بأنه الإنسان قد خلق في كبد، لام الجاهل المغرور على استغراقه في غروره حتى كأنه يظن أن لن يقدر عليه أحد، مع أن ما هو فيه من المكابدة كان كافيًا لإيقاظه من غفلته واعترافه بعجزه، وبعد أن وبخ المرائين الذين ينفقون أموالهم طلبًا للشهرة وحبًا في الأحدوثة، وقرعهم على افتخارهم بما يصنعون مع خلو بواطنهم من حسن النية، أراد أن يبين لهؤلاء وأولئك أنه سبحانه مصدر لأفضل ما يتمتعون به من البصر والنطق والعقل المميز بين الخير والشر والنفع والضر، فهو مهدي ذلك إليهم، وهو القادر على سلبه منهم.

وما أعجز من يفقد بصره ونطقه وعقله!.

ثم إن واهب هذه القوى لا تخفي عليه أعمالها، وهو الحافظ لكونها، فمحاولة الظهور بخلاف ما تكنه السرائر ضرب من الغفلة والعبث بالنفس على الحقيقة.

ثم هو قد أدرج في ذلك البيان وجه المنة بهذه النعمة.

وكان على الإنسان -بعد ما وهب التمييز بين الحسن والقبيح والخير والشر، وبعد ما منح من تلك القوى التي سبق ذكرها- أن يشكر تلك النعم، ويختار طريق الخير، ويرجح سبيل السعادة، فيصعد فيها إلى حيث يلقي غايتها.

وكان عليه أن يندفع في تلك السبيل، ويهجم عليها بكل قوته، وذلك بأن يفيض على الناس بشيء مما أفاض الله عليه.

وأفضل ذلك أن يعين على تحرير الأرقاء من البشر، أو يواسي الأيتام من أقاربه في أيام العوز وعزة الطعام، أو يطعم المساكين الذين لا وسيلة لهم إلى كسب ما يقيمون به حياتهم من الضعفاء والعجزة، أو لبيان أنواع الخير.

والقصد إنما هو إلى التحلي بالخلق الذي يصدر عنه أحد هذه الأفعال، ثم مع ذلك يكون صحيح الإيمان صادق السر مع ربه، صبورًا على أذي الناس وما يصيبه من المكاره في سبيل الدعوة إلى الحق أو المحافظة عليه، رحيمًا بعباد الله، مواسيًا لهم، مساعدًا لهم عند نزول الشدائد بهم، ثم يكون مع هذا حريصًا على أن يكونوا مثله في الصبر والمرحمة فيحملهم على ذلك بقوله وفعله.

هذه هي الطريقة التي كان من حق العقل أن يرشد إليها، لكن الإنسان قد خدعه غروره، فلم يقتحم هذه العقبة، كما قال سبحانه: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ  ﴾ إلخ، بل اقتحم تلك العقبة الأخرى: عقبة الحرص على المال، والتكبر بالقوة والثروة، وهي عند أهل الحق أوعر العقبتين، فهي مثار الحسد ومزدحم الخصام مع مقاومة العقل الصحيح والذوق السليم، غير أن الحيوانية وحضور لذاتها هي التي تسهل سلوكها مع ما فيها من الهلكة.

قال المفسرون: إن قوله تعالى ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ  ﴾ نزل في أبي الأشد (سيد بن كلدة الجمحي) وكان مغترًا بقوته البدنية كما يقولون: إن قوله ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا  ﴾ جاء في الحارث بن نوفل، وكان يقول: أهلكت مالًا لبدًا في الكفارات منذ أطعت محمدًا.

وقد يجوز أن يكون في الآيات إشارة إلى تلك الحوادث الحاضرة وقت النزول غير أن معناها على الحقيقة عام كما رأيت.

أما ما قيل من أن (لا) إذا دخلت على الماضي وجب تكرارها ولم تكرر في الآية، فذلك لا يلتفت إليه، لأن الكتاب نفسه حجة في الفصاحة.

وقد ورد في كلامهم عدم تكرارها، وقال أبو مسلم -للتخلص من مخالفة القاعدة في تكرار لا- إن (لا) في الآية مخفف ألا التي للتحضيض، كأنه قيل فهلا اقتحم العقبة، ولكن ورد عليه انه لم يعرف تخفيف إلا التحضيضية أيضًا، فالحق الرجوع إلى ما قلنا.

وأما التعبير بالماضي في اقتحم وفي ثم كان، فلأن الكلام فيما وقع من نوع الإنسان منذ نشأته، وأن الحيوانية غلبته فصرفته إلى سبيل غير التي كان يقوده إليها عقله، إلا من هدى الذين وهم الذين ذكرهم بقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ إلخ.

أي أن الإنسان -في ذلك الصنف الأغلب من أفراده- لم يكن من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.

﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ  ﴾ الإشارة في أولئك إلى الذين امنوا وتواصوا إلخ.

ومعنى أصحاب الميمنة من أهل اليمين، وأهل اليمين -في لسان الدين الإسلامي- عنوان السعداء.

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ  ﴾ الذين تمر عليهم آيات الله -سواء كانت كونية، كالآيات التي ذكرت في هذه السورة من خلقة الإنسان في كبد، ومن تمتعه بقواه الظاهرة والباطنة، أو سائر الآيات الأخر في خلق الإنسان وما بين يديه من سائر الموجودات ولا يعتبرون بها، أم كانت آيات قوليه وإرادة على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، كالقرآن الذي هو آية الآيات للدين الإسلامي -تمر عليهم هذه الآيات ولا يرتقون من النظر فيها إلى معرفة الصراط الذي يجب إن يستقيموا عليه في الاعتقاد والعمل..

هؤلاء أصحاب المشأمة: أي من أهل الشمال.

وأهل الشمال -في لسان الدين- هم الأشقياء.

فكأنه قال: والذين كفروا بآياتنا هم الأشقياء، وقد تكون الميمنة والمشأمة من اليمن والشؤم، فأولئك ميامين على أنفسهم، وهؤلاء مشائيم.

﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ  ﴾ : أي مطبقة عليهم، من أصدت الباب إذا أغلقته في لغة قريش وقرأ بعض السبعة موصدة بدون همز، من أوصدته، وإغلاق النار عليهم عبارة عن تخليدهم فيها، وسد سبيل الخلاص منها..

وهؤلاء الذين وجه إليهم هذا الوعيد هم الذين ذكر حالهم في قوله: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ  ﴾ إلخ، فإن ما نسبه إليهم في تلك الآيات السابقة إنما هو عارض يلحق الكفر بآيات الله الباهرة وآية من آياته.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده